تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > المنتدى العام - نقاشات و حوارات جادة هادفة

المنتدى العام - نقاشات و حوارات جادة هادفة مواضيع عامة للنقاش حولها وهناك مواضيع ساخنة سياسية إجتماعية بين اعضاء المنتدى

لماذا اللغة العربية أجمل اللغات ؟

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-20-2006, 09:02 AM   #1 (permalink)
أسد الغابة
عضو موقوف
 
الصورة الرمزية أسد الغابة
 

لماذا اللغة العربية أجمل اللغات ؟




لماذا اللغة العربية أجمل اللغات ؟
السلام عليكم

تبوأت اللغة العربية مقعداً سامياً بين لغات العالم ، وذلك لما لها من خصائص ومميزات جمالية تفوقت بها على أقرانها من سائر اللغات ، وسأتناول جانباً بسيطاً لإيضاح تلك المواصفات والمقاييس الجمالية ، ثم أترك المجال للقارئ الواعي كي يحكم على اللغة العربية هل تربعت على عرش مملكة الجمال بحق أم بزور وبهتان ؟!

 ففي ( التثنية ) هي ليست كاللغات التي تهمل حالة التثنية لتنتقل من المفرد إلى الجمع ، وهي ثانياً لا تحتاج للدلالة على هذه الحالة إلى أكثر من إضافة حرفين إلى المفرد ليصبح مثنى ( الباب – البابان- البابين ) على حين أنه لا بد في الفرنسية والإنجليزية من ذكر العدد مع ذكر الكلمة وذكر علامة الجمع بعد الكلمة ، فنقول في الفرنسية : ( Les deux portes ) ، ونقول في الإنجليزية ( the tow doors ) .

 وفي ( إضافة الضمائر ) نكتفي في العربية بإضافة الضمير إلى الكلمة وكأنه جزء منها ، فنقول : ( كتابه ) و ( منزلهم ) ، على حين تقول في الفرنسية مثلاً : ( son livre) و ( leur maison ) .

 أما في ( إضافة الشيء إلى غيره ) فيكفي في العربية أن نضيف حركة إعرابية ، أي صوتاً بسيطاً إلى آخر المضاف إليه ، فنقول : ( كتاب التلميذِ ) و ( مدرسةُ التلاميذِ ) ، على حين تستعمل في الفرنسية أدوات خاصة لذلك ، فنقول : ( le livre de leleve) و ( des eleves lecole) .

 وفي ( الإسناد ) يكفي في العربية أن تذكر المسند والمسند إليه ، وتترك لعلاقة الإسناد العقلية والمنطقية أن تصل بينهما بلا رابطة ملفوظة أو مكتوبة ، فتقول مثلاً : ( أنا سعيدٌ ) ، على حين أن ذلك لا يتحقق في اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية ، ولا بد لك فيهما مما يساعد على الربط ، فتقول : ( je sui heureux ) و ( I am happy ) ، وتستعمل هاتان اللغتان لذلك طائفة من الأفعال المساعدة مثل (etre و avoir ) في الفرنسية ، و( to have و to be ) في الإنجليزية .

 ومن حيث ( الفعلُ ) فإنه يمتاز في العربية باستتار الفاعل فيه حينا ، وكونه جزءاً منه حيناً آخر ، تقول : ( أكتب ، و تكتب ) مقدراً الفاعل المستتر ، وتقول : ( كتبت ، وكتبا ، وكتبوا ) فتصل الفاعل بالفعل وكأنه حرف من حروفه ، فلا نحتاج إلى البدء به منفصلاً مقدما على الفعل كما هو الأمر في الفرنسية : (nous ... tu و il و je ) ، وفي الإنجليزية ( I وَ you وَ they) .

 وكذلك عند ( البناء للمجهول ) يكفي في العربية أن تغير حركة بعض حروفه ، فتقول : ( كُتِبَ ، قُرِئَ ) على حين تقول في الفرنسية مثلاً : ( a ete ecrit) ، وفي الإنجليزية ( it was read) .

 وتختصرالعربية بعض الأفعال فإذا هي حروف ، كقولك في أمر المخاطب المذكر : ( فِ ) من وَفَى يَفِي ، و( قِ ) من وَقَى يَقِي ، و( عِ ) من وَعَى يَعِي ، و( شِ ) من وَشَى يَشِي ، و( إِ ) من وَأَى يَئِِي – من الوعد - ، و ( لِ ) من وَلِيَ يَلِي ، و( دِ ) من وَدَى يَدِي – من الدية - ، و ( رَ ) من رَأَى يَرَى ، و( نِ ) من وَنَى يَنِي – من الوَنى وهو الفتور - ، وغيرها .
وكل حرف من هذه الحروف هو في الحقيقة جملةٌ تامة ، مكونةٌ من ففعل وفاعل مستتر وجوباً ، فهل رأيت في غير العربية إيجازا يجعل من الحرف جملة ؟!

 وفي العربية ألفاظ يصعب التعبير عن معانيها في لغة أخرى بمثل عددها من الألفاظ كـ( أسماء الأفعال ) و( كاف التشبيه ) و ( حرف الاستقبال ) ، وإليك مثلا من ذلك في العربية والإنجليزية .

الكلمة في العربية الكلمة في الإنجليزية
هيهات It is too far
شتان There is a great difference
هو قوي كالأسد He is as strong as a lion
سأذهب I shall go
سيذهب He will go


 وانظر إلى بعض أساليب اللغة الإنجليزية في النفي ، كم يكلفنا إدخال الفعل بعد الضمير ، ثم إدخال أداة النفي بين الفعل المساعد والفعل المنفي ، فنحن نقول مثلا ( I did not meet him ) على حين نعبر عن كل هذا في العربية بقولنا : ( لم أقابله ) ، وتقول : ( I will never meet him ) في مقابل : ( لن أقابله ) .

وبعد كل ذلك ألا تستحق لغتنا الحبيبة أن تتربع على عرش ملكة جمال لغات العالم كلها ؟!


أسد الغابة غير متصل  
قديم 04-20-2006, 09:03 AM   #2 (permalink)
أسد الغابة
عضو موقوف
 
الصورة الرمزية أسد الغابة
 
سؤال
ذكر أحدهم أنه أحصى المفردات الموجودة في معجم لسان العرب فلم تتجاوز 84ألف كلمة تقريباً مقارنة باللغة الإنجليزية التي تتجاوز مفرداتها 490ألف كلمة و 300ألف مصطلح


للرد على على هذا السؤال


أولا: تقاس سعة وغزارة اللغة العربية بعدد المواد وليس بعدد الكلمات أو المفردات..
فالمادة على سبيل المثال (ع ل م): حيث يتفرع منها عِلءم "بتسكين اللام" وعَلِمَ "بفتح العين وكسر اللام" وعلّم "بتشديد اللام" واستعلام ومعلم ومتعلم ومتعالم وتعليم وإعلام ومعلومات وعلامة "بفتح اللام" وعلامة "بتشديد اللام" ومعالم وعلوم وعالَم "بفتح اللام" وعالِم "بكسر اللام" وعَلَم "بفتح اللام" أي الراية ومعلوم...
ثانياً: لقد ذكر بعض علماء اللغة العربية أنها تتألف من ما يقارب 400ألف مادة (وليس كلمة) المستعمل منها عشرة آلاف والباقي مهجور، واللفظ المهمل أو المهجور لا يعني -بالضرورة- أنه غير مفهوم.
يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي (المتوفى عام 175ه) في كتابه معجم العين: إن عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل يبلغ اثني عشر ألف ألف وثلاثمائة وخمسة آلاف وأربعمائة واثنتي عشرة كلمة أي 12مليوناً و 305آلاف و 412كلمة.
وفي كتاب الفصحى لغة القرآن بقلم أنور الجندي أورد ما قاله الحسن الزبيدي: إن عدد الألفاظ العربية 6ملايين و 699ألفاً و 400لفظ ( 6699400لفظ)، أي سبعة ملايين كلمة تقريباً.
أما ما تحتويه أشهر معاجم اللغة العربية من مواد لغوية فهي كما يلي:
أ- حوى معجم تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (ت 393ه) أربعين ألف مادة.
ب- حوى معجم لسان العرب لابن منظور (ت 711ه) ما يربو على ثمانين ألف مادة.. (وأكرر "مادة" وليس كلمة ولا مفردة).
ج- حوى معجم القاموس المحيط للفيروز آبادي (ت 817ه) ما يربو على ستين ألف مادة.
د- كما حوى معجم تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي (ت 1205ه) مائة وعشرين ألف مادة.. وهو أضخم معجم عربي.
ثالثاً: إن مقياس أفضلية أي لغة بشرية على أخرى هي دقة البيان ووجازة اللفظ لإيصال المعنى المراد.. ولا مثل الشجاعة في الحكيم.. فاذا تميزت اللغة بالكثرة والدقة فقد بلغت الكمال وهذا ما ينطبق على العربية.. أما انتشار لغة قوم بين الأمم فانه يعود الى جهود أبنائها وحرصهم على نشر ثقافتهم واعتزازهم بلغتهم وهذا -مع الأسف- ما لا ينطبق علينا.. إن العيب يكمن في العرب وليس في العربية..
رابعاً: في اللغة العربية ألفاظ مولّدة واشتقاقية واصطلاحية وكلمات ذات استخدام مطلق ومقيد.. إن المصطلحات المجازة قديماً وحديثاً غزيرة جداً مثل جاعل ومرجوح وفي عصرنا مثل العوالمية أو العولمة.. إضافة الى أن مجمع اللغة العربية يجيز بين الحين والآخر كلمات ومصطلحات واشتقاقات كثيرة تستجد في حياتنا اليومية وجميع تلك الألفاظ ذات أصل عربي سوى النزر اليسير الذي لا حكم له.. أما المصطلحات الإنجليزية فإن أغلبها مشتق من ألفاظ إغريقية أو لاتينية وبعضها اختصار لجُمل بأخذ الحرف الأول من كل كلمة.
خامساً: العربية الفصحى هي اللغة الوحيدة المنطوقة والمفهومة منذ أكثر من ستة عشر قرن..اً وها نحن نقرأ المعلقات ونستمتع بجزالة لفظها وغزارة معانيها لأن القرآن الكريم حفظ اللغة العربية وحفظته بعد حفظ الله سبحانه تعالى ولا يوجد في العربية ما يسمى باللغة الكلاسيكية.. أما لغة شكسبير في القرن السابع عشر الميلادي (أي منذ أربعة قرون فقط) فإنها لا تُفهم إلا من قبل الفئة المتخصصة في الأدب الإنجليزي.
سادساً: إن فضل العربية وجمالها وقوتها وتميزها على جميع اللغات البشرية -دون استثناء- أعظم من أن نحيط به في هذه السطور.. ويكفي لغة العرب شرفاً أن الله أنزل بها كتابه الكريم وجعل من أبنائها سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم..
وفي الختام: لله در حافظ إبراهيم القائل -بلسان لغتنا-:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي
وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني
عقمت فلم أجزع لقول عداتي
وسعت كتاب الله لفظاً وغاية
وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
وتنسيق أسماء لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
أرى كل يوم في الجرائد مزلقاً
من القبر يدنيني بغير أناةِ
وأسمع للكُتاب في مصر ضجة
فأعلم أن الصاخبين نعاتي
أيهجرني قومي عفا الله عنهمو
الى لغة لم تتصل برواةِ
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى
لعاب الأفاعي في مسيل فرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة
مشكلة الألوان مختلفات
الى معشر الكُتّاب والجمع حافل
بسطت رجائي بعد بسط شكاتي
فإما حياة تبعث الميت في البلى
وتنبت في تلك الرموس رفاتي
وإما ممات لا قيامة بعده
ممات لعمري لم يقس بممات
مع التحية.. ودمتم بخير ،،،ف
أسد الغابة غير متصل  
قديم 04-20-2006, 09:03 AM   #3 (permalink)
أسد الغابة
عضو موقوف
 
الصورة الرمزية أسد الغابة
 
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الكاتب.. الأخوة القراء..
ما أورده كتاب جينيس أن الإنجليزية أكثر اللغات غنى بالمفردات؛ غير صحيح.. والصواب أن أكثر لغة غنية بالمفردات وكذلك بدقة المعاني هي لغة الفصاحة والبيان اللغة العربية التي تضم سبعة ملايين كلمة تقريباً.. بينما تحتوي الإنجليزية على 498 ألف كلمة فقط، والعربية هي اللغة الوحيدة المحكية في زمننا منذ أكثر من ألف وستمائة عام.. وها نحن نقرأ المعلقات ونستمتع بجزالة لفظها وغزارة معانيها.. فالقرآن الكريم حفظ اللغة العربية وحفظته بعد حفظ الله سبحانه..
ورغم وجود كلمات عربية كثيرة تُعد من الحواشي وغرائب اللغة إلا أن ندرة استخدامها وعدم فهم معانيها دليل على ضعفنا وضحالة ثقافتنا اللغوية.. والعيب ليس في اللغة ولكنه في أبنائها.. كتاب الله بين أيدينا لماذا لا نفهم آيات نتلوها صباح مساء (ومن شر غاسق إذا وقب) (الوسواس الخنّاس) (إن الإنسان لربه لكنود).. وغيرها كثير ولكن ما ذكرته -من قصار السور- على سبيل المثال.
إن أول خمسمائة كلمة شائعة في أي (مجتمع) توضح عقيدة وثقافة المجتمع لأنها تمس كيانه وحياته اليومية.. وأود الإشارة الى وجود فرق بين شيوع المفردات في لغة المجتمع بصفة خاصة وشيوعها في لغة الأُمة بصفة عامة.
وعلى نفس السياق، في داخل أي لغة يوجد حرف يتكرر أكثر من غيره.. ففي العربية الأَلِف، وتنفرد العربية بين اللغات بوجود حرف الضاد، كما تتميز الحروف العربية باستخدام جميع المخارج الحلقية.. لذا تجد من السهولة على العربي النطق بحروف جميع اللغات حتى وإن لم تكن تلك الحروف موجودة بالعربية.
مع التحية والتقدير،،،
خالد بن راشد الحجي
===
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الكاتب.. الأخوة القراء..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
تقاس سعة اللغة العربية بعدد المواد وليس بعدد الكلمات..
فالمادة مثل قولك زوج: حيث يتفرع منها زواج / زوج / زوجة / زوجي (عكس فردي)... إلخ
أما ما يقابل هذه الكلمات في الإنجليزية فهي مختلفة تماماً عن الفعل الأصلي وهي Marriage / Husband / Wife .
وكذلك مادة كتب: ومنها كتب / كتاب / كاتب / مكتبة / مكتب ...
ويقابلها بالإنجليزية: Write / Book / Writer / Library / Office .
ويشير الخليل بن احمد الفراهيدي (توفي عام 175هـ) في كتابه معجم العين إلى أن عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل يبلغ اثنا عشر ألف ألف وثلاثمائة وخمسة آلاف وأربعمائة واثنا عشر كلمة أي 12 مليون و305 آلاف و412 كلمة (12305412 كلمة).
ويقول الحسن الزبيدي: إن عدد الألفاظ العربية 6 ملايين و 699 ألف و 400 لفظ (6699400 لفظ) لا يستعمل منها –حسب قوله- إلا 5620 لفظاً والباقي مهمل.
وقد ذكر بعض علماء اللغة العربية أنها تتألف من 400 ألف مادة (وليس كلمة) المستعمل منها عشرة آلاف والباقي مهجور، واللفظ المهمل أو المهجور لا يعني أنه غير مفهوم.
لقد حوى معجم تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (ت 393هـ) أربعون ألف مادة.
وفي معجم لسان العرب لابن منظور (ت 711هـ) ثمانون ألف مادة.
وحوى معجم القاموس المحيط للفيروزآبادي (ت 817هـ) ما يربو على ستون ألف مادة.
كما حوى معجم تاج العروس من جواهر القاموس للمرتضى الزبيدي (ت 1205هـ) مائة وعشرون ألف مادة وهو أضخم معجم عربي.
إن العبرة في أفضلية أي لغة بشرية على أخرى هي دقة البيان ووجازة اللفظ للوصول الى المعنى المراد.
وكل شجاعة في المرء تغني ولا مثل الشجاعة في الحكيم.. فاذا تميزت اللغة بالكثرة والدقة فقد بلغت الكمال..
ومن دقة العربية انها جعلت للماء 170 اسما و70 اسما للمطر.. و 500 اسم للأسد أشهرها الأسد والليث.. ومنها أسامة وضرغام وهصور وحمزة والعثمثم أي كريه المنظر والعرندس أي الضخم وقسورة أي المنقض على الفريسة.. وفي سورة المدثر (كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة) وكذلك السبر وغضنفر وهزبر...
وللسحاب أسماء عديدة.. (أول ما ينشأ السحاب فهو النشء، فاذا انسحب في الهواء فهو السحاب فاذا تغيرت له السماء فهو الغمام، فاذا كان غيم ينشأ في عرض السماء لا تبصره ولكن تسمع رعده من بعد فهو العقر، فاذا اظلّ فهو العارض، فاذا كان ذا رعد وبرق فهو القرّاض..) وإذا كان مليء بالماء فهو المُزن وإذا كان أبيض صافياً فهو الرباب...
وفي جمال الوجه صباحة وجمال البشرة وضاءة وجمال العينين حلاوة وجمال الفم ملاحة وجمال اللسان ظرف وجمال القد رشاقة وجمال الشمائل لباقة.. وللعينين دعجاء ونجلاء وحوراء أي شديدة سواد الأسود منها وشديدة بياض الأبيض..
ودرجات الحب: الهوى، والكَلْف، والعشق، واللوعة، والشغف، والجوى والتيم، والتبل، والتدلية، والهيوم..
وهناك واحد وعشرون اسماً لأوقات اليوم والليلة منها: سحر وفجر وصبح وصباح وإشراق وضحى وظهيرة وظهر وعصر وأصيل ومغرب وعشاء وعشية وعتمة..
وفي التميّز بين الألوان المتقاربة.. الصُّهبة: حُمرة تضرب إلى البياض، الكُهبة: صُفرة تضرب إلى حُمرة، القُهبة: سواد يضرب إلى خُضرة، الدُّكنة: بين الحمرة والسواد، الكُمدة: لون يبقى اثره ويزول صفاؤه، الشُربة: بياض مُشرب بحُمرة، الشُهبة: بياض مشرب بأدنى سواد، العُفرة: بياض تعلوه حُمرة، الصُّحرة: غُبرة فيها حُمرة، الدُّبسة: بين السواد والحُمرة، القُمرة: بين البياض والغُبرة، الطُّلسة: بين السواد والغُبرة.
وفي الفروق اللغوية، هناك فرق بين الجلوس للمستلقي والقعود للقائم.. وكذلك الهم من المستقبل والغم من الماضي، والكوب فارغ والكأس معبأ.. واقرأ قوله تعالى: (وأكواب موضوعة) وقوله سبحانه (كأساً كان مزاجها زنجبيلاً)..
إن فضل العربية وجمالها وتميزها على جميع اللغات البشرية أعظم من أن نحيط به في هذا المقال.. ويكفي لغة العرب شرفاً أن الله أنزل بها كتابه الكريم..
للاستزادة في هذا الموضوع يمكنكم الرجوع الى كتب كثيرة جداً منها:
المعاجم المذكورة في المقال.
فقه اللغة لأبي منصور الثعالبي.
كتاب الفصحى لغة القرآن بقلم أنور الجندي.
ودمتم بخير وعافية ،،،
خالد بن راشـد الحجي
أسد الغابة غير متصل  
قديم 04-20-2006, 09:04 AM   #4 (permalink)
أسد الغابة
عضو موقوف
 
الصورة الرمزية أسد الغابة
 
لغتنا الجميلة في زمن العولمة


لاشك أن اللغة العربية لعبت دوراً أساسياً في الحفاظ على كيان الأمة العربية، وفي ربط الشعوب الناطقة بها، وقد استمرت اللغة العربية ذات طابع لغوي معين خلال تاريخها، وقد اعترف بعض الغربيين – المنصفين – بقيمة اللغة العربية وجمال جرسها وجزالتها، وفي هذا الإطار قال المفكر (ارنست هو كينج):"أما اللغة العربية فهي من أجمل اللغات وأكثرها دلالة، وقد كانت مع اللاتينية في العصور الوسطى إحدى اللغتين الدوليتين في حقول العلم والسياسة والاقتصاد، إنها لغة حافظت على نقاوتها ".(1)

وإذا كانت اللغة العربية قد لعبت دوراً هاماً في رفع كيان الأمة العربية وامتداد حضارتها فإنها أيضاً لعبت دوراً أساسياً في حياة الأمم الأوروبية أيضاً، هذه الأمم التي توحدت بعد تجزئة وصراع ... وهذا دليل واضح على أن اللغة تعتبر مقوماً أساسياً للتكوين القومي، والدليل على ذلك قيام الوحدة الألمانية على أساس شعور المتحدثين باللغة الألمانية ـ رغم انقسام ألمانيا إلى عدة ولايات. وكذلك تمت الوحدة الإيطالية على هذا النحو.

فاللغة القومية كما يعتبرها الفيلسوف ( هردر) في مؤلفة:"فلسفة أخرى في تاريخ البشرية". إنها بمثابة الوعاء الذي تتشكل فيه وتنقل بواسطة أفكار الشعب.(2)

وقد حاول بعض مفكري الغرب التقليل من أهمية اللغة العربية كظاهرة ثقافية واجتماعية بزعم أنه لا توجد لغة عربية تخاطبية بين البشر، إنما توجد لغة عربية مقصورة على الكتابة، ومن ثم تصبح لغة ميته في نظرهم كاللغة اللاتينية، وأن اللغة المنتشرة في أرجاء الوطن العربي هي اللهجات المحلية، كاللهجة المصرية واللهجة اللبنانية واللهجة الشامية.(3) وإن كان هذا الرأي فيه بعض الصحة لسيطرة اللهجات المحلية على اللغة العربية، إلا أن هذا لايعني الثقليل من أهمية اللغة العربية ولا يقدح في وجودها واستمرارها، فاللغة العربية هي وعاء ثقافي حضاري وتوحيدي ينبغي على أبناء هذه الأمة المحافظة عليه، والعمل على استمرار فعاليته لصالح بقاء الأمة العربية وازدهارها.

ولمعالجة هذا الموضوع يجدر بنا طرح التساؤلات التالية :ـ


ـ ما هو السر في بقاء واستمرارية اللغة العربية؟

ـ ما هي آراء ووجهات نظر المهتمين باللغة العربية من أبناء جلدتها ومن مفكري الغرب؟

وإذا كان لأي لغة دور وجدت لآدائي، فما هو دور اللغة العربية في الحضارة الإنسانية، أو بعبارة أخرى، ماذا قدمت اللغة العربية للإنسانية، وما هي خصائصها؟

وأخيرا: ما هي أهمية اللغة العربية بالنسبة للهوية الثقافية للأمة العربية ؟ ولماذا تحاك ضدها لامؤامرات للنيل منها وإقصائها ؟

والإجابة عن التساؤلات المطروحة سوف نضمنها محاور المباحث التالية:ـ


المبحث الأول : اللغة العربية من وجهت نظر مفكريها.

يجدر بنا ضمن هذا المبحث أن نقدم آراء المهتمين باللغة العربية، والذين جاهدين على إبراز فصاحتها وبلاغتها من أبناء جلدتها، وفيما يلي بعض هذه الآراء:ـ

يرى عبد الرحمن الكيالي في بحثه :" عوامل تطور اللغة العربية وانتشارها " أنها "تمتاز عن سائر اللغات السامية وعن سائر لغات البشر بوفرة كلماتها، حتى قال السيوطي في "المزهر" إن المستعمل والمهجور منها يبلغ ( 78031312).

ويقول الزبيدي في مؤلفة "تاج العروس": إن الصحيح يبلغ (6620000) كلمة والمعتل يبلغ (6000) كلمة...كما أنها تمتاز بتنوع أساليبها وعذوبة منطقتها، ووضوح مخارجها ووجود الاشتقاق في كلماتها، إلى جانب أنها تجمع مفردات في مختلف أنواع الكلمة : اسمها، وفعلها، وحرفها، ومن المترادفات في الأسماء، والأفعال، والصفات ما لم يجمع مثله في لغة أخرى، مثال ذلك أن للأسد خمس مائة اسم وللعسل أكثر من ثمانين اسمهاً. ويروى "الفيروزبادي" صاحب القاموس أن للسيف في العربية ألف اسم على الأقل، وأن من المطر والريح والظلام والناقة والحجر والماء والبئر أسماء كثيرة تبلغ عشرين في بعضها إلى ثلاثمائة في بعضها الآخر".(4)

ويرى عبد الرحيم السائح أحد أساتدة الأزهر أن "اللغة العربية أعرق اللغات العالمية منبتاً، وأعزها نفراً: سايرها التاريخ وهي مهذبة، ناجحة مليئة بالقوة والحيوية، وبفضل القرآن صارت أبعد اللغات مدى، وأبلغها عبارة، وأغزرها مادة، وأدقها تصويراً لما يقع تحت الحس، وتعبيراً عما يجول في النفس، تتسع لتحيط بأبعاد انطلاقات الفكر، وتصعد حتى تصل أرقى اختلاجات النفس، واسعة سعة الجو، عميقة عمق البحر، وليس هناك فكرة من الأفكار، ولامعنى من المعاني، ولا عاطفة من العواطف، ولانظرية من النظريات عجزت اللغة العربية عن تصويرها تصويراً صادقاً، بارز القسمات حتى المقاطع".

ويضيف قائلاً:"أن اللغة العربية استطاعت في رحاب عالمية الإسلام أن تتسع لتحبط بأبعد انطلاقات الفكر، وقد زادتها مرونتها وقدرتها على التفوق تبلوراً، وتفاعلا، ونماء، وأعطتها طاقة خلاقة وحياة مدهشة".(5)

ويرى أحمد الخطيب:" أن اللغة العربية تتميز بمرونة فائقة، تيسر صياغة الألفاظ الدقيقة التعبير، والواضحة الدلالة، بحيث أن وزن اللفظة كثيراً ما يحدد مدلولها. إن كان إسم آلة، أو إسم مكان، أو زمان، أو اسم هيئة، أو اسم فاعل، أو اسم مفعول، أو اسم تفضيل، أو صفة مشبهه، أو مصدراً، أو صيغة مبالغة أوتصغيراً، إلى غير ذلك مما ليس له نظير في اللغات الأخرى".

ويرى الياس قنصل "أن اللغة العربية تختلف عن غيرها من اللغات بأن "الحياة" التي فيها حياة خلاقة، مبدعة ذات عبقرية خاصة، وفي الوقت الذي نجد فيه اللغات أدوات للتعبير، متى بلغته فقد بلغت غايتها، وانتهت مهمتها، نجد أن اللغة العربية لا تكتفي بهذه الغاية، القصوى بل هي تريد أن يكون التعبير جميلاً، وتريد أن يمتد هدفها إلى أكثر من ذلك، فيتحول( إلى فكرة مستمرة الجمال والذوق، فكرة تندفع بصورة تلقائية وتتولد من نفسها كالطاقة الذرية سواء بسواء ).

ويلاحظ شكري فيصل أن" العالم بأسره شهد على ما تتميز به العربية من الحيوية، والغنى، والمرونة، والقدرة على تقبل الجديد وتوليد اللفظ، ماتتصف به من قدرة على الوفاء بسائر الأغراض. فقد اعترفت منظمة الأمم المتحدة والمنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة، والمنظمات والوكالات الدولية الأخرى بأن اللغة العربية لغة حية، واعتمدتها لغة رسمية إلى جانب اللغات الأخرى: الانجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية ".

وحول نفس المعنى يقول رشاد دارغوت : " ماحفظ اللغة العربية وصانها من الانقراض سوى الحيوية التي امتازت بها، وهي التي حببتها إلى شتى الشعوب والأمم المستعربة، فاستبدلتها بلغتها الأصلية، وذلك بالإضافة إلى أنها لغة القرآن، وليس أدل على تلك الحيوية المرنة من تقبلها الاشتقاق على أوسع نطاق أن ترضخ له اللغات... وإني لأعتقد أن الوسائل التي وضعتها الطبيعة تحت تصرف الناطقين بها جديرة بأن توسع اللغة، وتغنيها، وترقيها وترفعها إلى مستوى عال سام".

ويلاحظ محمود الجليلي، عضو المجمع العلمي العراقي:"إن اتساع اللغة العربية يجعلها قابلة للتطور لتستوعب النمو السريع في مختلف العلوم والفنون، وقد سبق لها أن استوعبت العلوم والفلسفة قبل مئات السنين، وهي الآن ماضية في نفس السبيل".

تلك كانت وجهات نظر بعض اللغويين والمفكرين العرب كلها تشيد بعبقرية اللغة العربية، وتشهد على صلاحيتها لتدريس جميع العلوم والفنون والتقنيات، وسائر المعارف والمفاهيم البشرية.

ولعل من المفيد أن نقدم آراء بعض المفكرين واللغويين الغربيين، الذين لاينتمون إلى العروبة بأي صلة. وتوضيح مدى إعجابهم بها وبقدراتها الخلاقة.

المبحث الثاني: اللغة العربية من وجهة نظر مفكري الغرب.

كان لزاماً علينا أن نقدم وجهة نظر بعض المفكرين الغربيين. رغم أن بعضهم قد جاهر بكراهته للعرب والمسلمين، وفيما يلي بعض هذه الآراء:-

يحكي لنا الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي "جوستاف لوبون" أن:" اللغة العربية أصبحت اللغة العالمية في جميع الأقطار التي دخلها العرب، حيث خلفت تماماً اللهجات التي كانت مستعملة في تلك البلاد كالسريانية، واليونانية، والقبطية، والبربرية.."(6)

ويقول"جورج ريفوار أن اللغة العربية قد خضعت لمقتضيات الإصلاح، ولهذا فقد انتشرت في مجموع أنحاء آسيا، واستأصلت نهائياً اللهجات القديمة، وذلك عندما انكب العرب على دراسة الآداب الأجنبية بحماس فاق الحماس الذي أظهرته أوروبا في عهد الانبعاث، وقد تم ذلك في عهد الخلفاء العباسيين حيث عربت أهم المصنفات اليونانية في عهدهم.

وقد قضت العربية حتى على اللاتينية، لاسيما في شبه الجزيرة الإبيرية (اسبانيا)، فقد ندد الكاتب المسيحي "الفارو" بجهل مواطنيه فقال:" إن المسيحيين يتلذذون بقراءة القصائد وروائع الخيال العربية، ويدرسون مصنفات علماء الكلام المسلمين، لابقصد تفنيدها، بل من أجل التمرن على الأسلوب الصحيح الأنيق في العربية، وجميع الفتيان المسيحيين المبرزين لايعرفون سوى اللغة العربية، والأدب العربي، فهم يقرؤون الكتب العربية ويدرسونها بكامل الحرارة، ويتهافتون على اقتناء المكتبات الضخمة، مهما كلفهم ذلك من ثمن، ويعلنون على الملأ حيثما وجدوا: أن الأدب العربي شيء بديع... ما أعظم الألم! لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم الدينية، ولاتكاد تجد واحداً بين الألف يحسن تحرير رسالة باللاتينية إلى صديق له، أما باللغة العربية فإنك تجد أفواجاً من الناس يحذقون التعبير بهذه اللغة بكامل الأناقة، بل إنهم يقرضون من الشعر – بالعربية – ما يفوق من الوجهة الفنية أشعار العرب أنفسهم"(8).

وحول نفس المعنى، يؤكد المؤرخ "دوزي" أن أهل الذوق من الاسبان بهرتهم نصاعة الأدب العربي واحتقروا البلاغة اللاتينية، وصاروا يكتبون بلغة العرب الفاتحين، فاللغة العربية ظلت أداة الثقافة والفكر في اسبانيا إلى عام 1570، ففي ناحية "بلنسية" استعملت بعض القرى اللغة العربية لغة لها إلى أوائل القرن التاسع عشر، وقد جمع أحد أساتذة كلية مدريد (1151) عقداً في موضوع البيوع محرراً بالعربية.."(9).

ويصف "فيكتور بيرار" اللغة العربية، في القرن الرابع الهجري بأنها أغنى، وأبسط، وأقوى، وأرق، وأكثر اللهجات الإنسانية مرونة وروعة، فهي كنز يزخر بالمفاتن، ويفيض بسحر الخيال، وعجيب المجاز، ورائع التصوير.

هذه آراء بعض المفكرين الغربيين، الذين شهدوا بعبقرية اللغة العربية وقدرتها على استيعاب جميع العلوم، والتعبير بلغة سليمة ودقيقة عن كل المفاهيم والمصطلحات في مختلف المعارف والعلوم الإنسانية، وهذا ما جلها تقوم بدور فعال في ازدهار الحضارة الإنسانية.

المبحث الثالث: دور اللغة العربية في الحضارة الإنسانية.

لتوضيح دور وأهمية اللغة العربية في الحضارة المعاصرة نقدم بعض وجهات نظر العلماء الغربيين، الذين لايمتون إلى العروبة ولا إلى الإسلام بأي صلة، بل منهم من جاهر بعداوته للعرب وللمسلمين، وخلدها في بعض ما ألف من كتب ومصنفات، مثل "ارنست رينان" وغيره.

وفي هذا الإطار يقول "جورج ريفوار":إن نفوذ العربية أصبح بعيد المدى، حتى أن جانباً من أوروبا الجنوبية أيقن بأن العربية هي الأداة الوحيدة لنقل العلوم والآداب. وأن رجال الكنيسة اضطروا إلى ترجمة مجموعاتهم الدينية إلى العربية لتسهيل قراءتها في الكنائس الاسبانية(10).

أما في فرنسا فقد أكد "جوستاف لوبون" أن للعربية آثاراً مهمة في فرنسا نفسها. ولاحظ المؤرخ "سديو" أن لهجات منطقة "أفيرني وليموزان" زاخرة بالألفاظ العربية، وأن الاعلام تتسم في كل مكان بالطابع العربي.

ويقول الباحث "فنتجيو": قد صارت العربية لغة دولية للتجارة والعلوم، واعترف "كارادفو" مؤلف "مفكروا الإسلام" وهو مسيحي متحمس، بأن الإسلام علم المسيحية منهاجاً في التفكير الفلسفي، هو ثمرة عبقرية أبنائه الطبيعية، وأن مفكري الإسلام نظموا لغة الفلسفة الكلامية التي استعملتها المسيحية، فاستطاعت بذلك استكمال عقيدتها جوهراً وتعبيراً.
ويتعجب "ارنست رينان" من أمر اللغة العربية، قائلا:" من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية، وتبلغ درجة الكمال وسط الصحاري عند أمة من الرحل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها، ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، ولم تعرف لها في كل أطوار حياتها طفولة ولا شيخوخة. ونكاد لا نعلم من شأنها إلا فتوحاتها، وانتصاراتها التي لاتبارى، ولانعرف شبيهاً لهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج، وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة، وهذه ظاهرة عجيبة لاسيما إذا اعتبرنا مدى مساهمة الفلسفة الإسلامية في تكوين علم الكلام، خلال القرون الوسطى، والدور الذي قام به كل من ابن سينا وابن رشد، وما كان لهما من تأثير على أشهر مفكري المسيحية"(11).

ويعترف العالم الألماني "رانكي" بالدور الذي تقوم به اللغة العربية في الثقافة الإنسانية قائلا:" إن الفلسفة الإنسانية تعتمد على لغتين، هما: العربية واللاتينية. وبينما اشتقت اللغات الغربية من اللاتينية، فقد نشرت اللغة العربية في الشرق روحاً فنية، ولا يمكن فهم المصنفات الأدبية، الفارسية والتركية، بدون العودة إلى الكلمات العربية، وخاصة أن وحي القرآن الكريم الذي لايجارى، يعد – بلا مراء – أساس العقيدة الإنسانية، والثقافة البشرية"(12).

وعبر الأستاذ "ماسنيون" عن نفس الفكرة قائلا:" إن المنهاج العلمي قد انطلق، أول ما انطلق باللغة العربية، ومن خلال العربية في الحضارة الأوروبية.. إن العربية استطاعت بقيمتها الجدلية، والنفسية، والصوفية، أن تضفي طابع القوة على التفكير الغربي، إن اللغة العربية أداة خالصة لنقل بدائع الفكر في الميدان الدولي، وإن استمرار حياة اللغة العربية دولياً لهو العنصر الجوهري للسلام بين الأمم في المستقبل".(13)

وأخيراً كتب "جول فيرن" قصة خيالية تتناول سياحاً يخترقون طبقات الكرة الأرضية حتى وصلوا وسطها، ولما أرادوا العودة إلى الأرض، قرروا أن يتركوا هناك أثراً يخلد رحلتهم، فنقشوا على صخرة، كتابة باللغة العربية. ولما سئل "جون فيرن" عن وجه اختيار اللغة العربية قال:" إنها لغة المستقبل".

هذه بعض شهادات رجالات ومفكري الغرب، قد أشادوا بأهمية اللغة العربية ودورها في تحقيق السلام بين الأمم باعتبارها لغة المستقبل.

وعلينا الآن أن نتأكد من صحة هذه النتائج، ونتعرف بقدر الإمكان على خصائص اللغة العربية وقدرتها على الاضطلاع بمهمة استيعاب مختلف المعارف البشرية.

المبحث الرابع: خصائص اللغة العربية.

تتميز اللغة العربية بعدة مميزات وخصائص، نوجز بعضاً منها على النحو التالي:-

1- التوالد: يرى أحد اللغويين أن عبقرية اللغة العربية متأتية من توالدها.

فكل كلمة فيها تلد بطوناً، والمولودة بدورها تلد بطوناً أخرى، فحياتها منبثقة من داخلها، وهذا التوالد يجري بحسب قوانين، وصيغ، وأوزان، وقوالب، هي غاية في السهولة والعذوبة.

2- القوة والسعة: كتب ابن الأنباري تحت باب "اللغة العربية أفضل اللغات وأوضحها" : (أين لسائر اللغات من السعة ماللغة العربية؟، ويستطرد فيضرب لنا مثلاً بقوله، وقد نقل الانجيل عن السريانية إلى الحبشية، والرومانية، وترجمت التوراة، والزبور، وسائر كتب الله عزوجل إلى اللغة العربية، أما القرآن فلا يمكن ترجمته للغات الأخرى، لأن ما فيه من استعارة، وتمثيل، وقلب، وتقديم وتأخير، لاتتسع له طبيعة اللغات الأخرى).

3- التنسيق الدقيق: يرى أحد المهتمين باللغة أن لغتنا العربية جميلة وعجيبة، قائلا:" لامبالغة في القول إن اللغة العربية هي لغة الأعاجيب في وضعها المحكم وتنسيقها الدقيق، فمن استطاع أن يستجلي غوامضها، ويستقرئ دقائقها،ويلم بما هنالك من حكمة وفلسفة وبيان للدقائق وأسبابها المنطبقة على العقل والمنطق استيقن أن العربية قد وضعت بإلهام من المبدع الحكيم جلت قدرته، فالمحدث عنها كالمحدث عن السماء وكواكبها وبروحها ونظامها الفلكي، يذكر الأقل ويند عنه الأكثر، أو كالمحدث عن البحر الجياش الدائم الجزر والمد، يقول شيئاً وتفوته أشياء"(14).

4- القدم والتجدد: يرى أحد المستشرقين، يدعى "ماجليوت" إن اللغة العربية لاتزال حية حياة حقيقية، وإنها إحدى ثلاث لغات استولت على سكان المعمورة استيلاء لم يحصل عليه غيرها (الإنجليزية والإسبانية)، وهي تخالف أختيها بأن زمان حدوثهما معروف، ولا يزيد سنهما على قرون معدودة، أما اللغة العربية فابتداؤها أقدم من كل تاريخ.

أما المستشرق "وليام رولد" فيؤكد على أن اللغة العربية لم تتقهقر قط فيما مضى أمام لغة من اللغات التي احتكت بها، وذلك لأن لها ليناً ومرونة يمكناها من التكيف وفقاً لمقتضيات العصر.

ولعل ما جعل "جون فيرن" يعتبر اللغة العربية لغة المستقبل.

5- الاشتقاق: وفي هذا يقول أحد شيوخ الأزهر: إن ما يجعل اللغة العربية أكثر مرونة في الواقع من غيرها من اللغات الحية المعروفة، أنها أكثر قبولاً للاشتقاق.

والاشتقاق باب واسع تستطيع اللغة العربية أن تؤدي معاني الحضارة الحديثة على اختلافها. والاشتقاق في العربية يقوم بدور لايستهان به في تنويع المعنى الأصلي وتلوينه، إذ يكسبه خواص مختلفة بين طبع وتطبع ومبالغة، وتعدية، ومطاوعة، ومشاركة، ومبادلة، مما لايتيسر التعبير عنه في اللغات الآرية إلا بألفاظ خاصة، ذات معان مستقلة. ولانزاع في أن منهج اللغة العربية الفريد في الاشتقاق، قد زودها بذخيرة من المعاني لايسهل اداؤها في اللغات الأخرى.

وقد لاحظ السيوطي هذه الزيادة في المعنى المشترك حين عرف الاشتقاق بأنه: أخذ صيغة من أخرى مع اتفاقهما معنى ومادة وهيئة وتركيباً ليدل بالثانية على معنى الأصل لزيادة مفيدة، لأجلها اختلفا هيئة وحروفاً.

وجلي أن هذه الطريقة في توليد الألفاظ بعضها من بعض، تجعل من اللغة العربية جسماً حياً تتوالد أجزاؤه ويتصل بعضها ببعض بأواصر قوية واضحة، وتغني عن عدد ضخم من المفردات المفككة المنعزلة التي كان لابد منها لو عدم الاشتقاق. وإن هذا الارتباط بين ألفاظ العربية الذي يقوم على ثبات عناصر مادية ظاهرة، وهي الحروف والأصوات الثلاثة، وثبات قدر من المعنى سواء كان مادياً ظاهراً، أو مختفياً مستتراً، خصيصة عظيمة لهذه اللغة تشعر متعلمها بما بين ألفاظها من صلات حية تسمح لنا بالقول بأن ارتباطها حيوي، وأن طريقتها حيوية توليدية وليست آلية جامدة"(15).

وفي هذا الإطار يقول العلامة ساطع الحصري، بعدما ذكر "النحت" و"التعريب" و"الاشتقاق": "لاريب في أن الاشتقاق هو أهم الوسائل الثلاث، لأنه الأفعولة الأصلية التي كونت اللغة العربية، فستبقى هذه الأفعولة بطبيعة الحال أهم الأفاعيل التي ستعمل على توسيعها. زد على ذلك أن عملية الاشتقاق تشمل الوسيلتين الأخريين، إذ إنها تتناول نتاج التعريب والنحت أيضاً، وتولد كلمات جديدة حتى من الكلمات المعربة والمنحوتة"(16).
وقد أثبت الاشتقاق جدواه علميا في مجال المصطلحات العلمية، مثال ذلك، فقد اشتق من كلمة "باستور" وهو اسم لعالم فرنسي شهير – فعل "بستر" بجميع تصاريفه وأجناسه من ماض وحاضر ومستقبل، وذكر وأنثى، ومفرد وجمع لكل من الجنسين، ثم اشتقت منه اسم المرة، فقيل" بسترة" للدلالة على أن الفعل وقع مرة واحدة، فإن وقع مرتين، قيل "بسترتان" أو "بسترتين" حسب موقع الكلمة من الإعراب ، وقيل في وقوع الفعل مرات عديدة "بسترات". هذا وقد ساعدتنا قواعد الاشتقاق في أن نشتق كلمة تدلنا على تسمية من فعل "البسترة" فقلنا :"مبستر" و"بستار" للتدليل على اسم المحترف، ولانجد مثل هذا في اللغة الفرنسية التي ينتسب إليها العالم "باستور"، فلو رجعنا على سبيل المثال إلى معجم "لاروس" لانجد اسماً لمن قام بعملية معينة من "البسترة" ولا اسماً لتعيين المحترف لها، ونجد فقط ثلاث كلمات هي:"بستري" و"بسترة" وفعل "بستر".(17)

والجدير بالذكر أن قاعدة الاشتقاق وفرت للباحثين واللغويين قاعدة لصياغة اسم الآلة على وزن "مفعلة" في الفعل الثلاثي، وعلى وزن "مفعللة" في الفعل الرباعي، فيقال للآلة "مبسترة".

وهذا يدلنا على أن اللغة العربية بإمكانها إيجاد اسماً للآلة مهما كان نوعها قبل أن توجد، وهذا يدحض خصوم العربية واتهامها بأنها قاصرة عن التعبير عن أسماء الآلات المستحدثة، وعن كل ما يستجد من اكتشافات علمية واختراعات وهذا ما لا يتوفر لأي لغة أخرى غير العربية. أضف إلى ذلك أنه لايمكننا أن نعالج بوضوح موضوع تعريب المصطلحات العلمية دون الإلمام بالقياس.

6- القياس: وهو عبارة عن القواعد التي تشكل بها ألفاظ اللغة العربية نطقاً وكتابة، وهذه القواعد التي يسميها علماء اللغة "الأوزان" وما سمي القياس قياساً إلا لأنه يقيس الكلمات على هذه الأوزان، فلا تخرج كلمة عربية أصلية عن وزن معلوم بها.

وكما هو معلوم فإن الوزن يعتبر الأداة الوحيدة في اللغة العربية التي يمكن عن طريقها اشتقاق ألفاظ جديدة، وبالتالي إيجاد مقابلات عربية للمصطلحات العلمية والتقنية.

7- الوزن: وجمعها أوزان: وهي عبارة عن قوالب تصاغ فيها وعلى هيئتها وقياسها المادة اللغوية، وهذه القوالب هي نفسها مصنوعة من ثلاثة حروف (ف.ع.ل) يضاف إليها في بعض الأوزان حرف من حروف العلة الثلاث(أ.و.ي) وفي بعضها الآخر حروف صحيحة مثل (س.ت.ن). في مثل : "استشاروا" و" يستشيرون" والأوزان عبارة عن "تفاعيل" من أمثال: فَعَلَ وفَعَل، وفِعْل وفاعل ومفعول إلخ... ويقدر علماء اللغة أن في اللغة العربية مايزيد على ألف من هذه التفاعيل أو الأوزان(18).

وهكذا يتضح أن القياس على أوزان الألفاظ يعد من لوازم فقه اللغة، فلا يستقيم التعبير باللغة العربية إلا بحسن استعماله، فالوزن والنحت لازمان لإنجاح عملية التعريب، والنحت هو فرع من الإشتقاق عند بعض اللغويين وهو ضرب من ضروبه عند آخرين.

8- النحت: جاء في معجم الوسيط أن :"نحت الكلمة أخذها وتركيبها من كلمتين أو كلمات، يقال "بسمل" بمعنى: باسم الله الرحمن الرحيم، و"حوقل" بمعنى: لاحول ولا قوة إلا بالله"، وقد أصدر مجمع اللغة العربية بالقاهرة قراراً بجواز النحت؛ هذا نصه:"يجوز النحت عندما تدعو إليه الضرورة العلمية". ورأت اللجنة المقررة: القول بجواز النحت في العلوم والفنون للحاجة الملحة إلى التعبير عن معانيها بألفاظ عربية موجزة"(19).

وعلى العموم فإن النحت يعتبر شكلا من أشكال الإيجاز، مثل الإعراب، وهما خاصيتان من خصائص اللغة العربية ينبغي الاستفادة منهما في مجال تعريب المصطلحات العلمية.

9- الإيجاز والدقة: اشتهر العرب بالاقتصاد في كلامهم، فكانوا يعبرون بالحرف الواحد عن الكلمة إن افاد معناها، وبالكلمة الواحدة عن الجملة، وبالجملة الواحدة عن عدة جمل، فهم القائلون:"خير الكلام ماقل ودل". وكان هذا المثل شعار علمائهم وبلغائهم من خطباء وشعراء وأدباء. فجاءت لغتهم أكثر اللغات إيجازاً وأبلغها بياناً وأفصحها عن المقاصد والأفكار في دقة لانكاد نجدها في غيرها من اللغات.

ومن مظاهر حرص العرب على الإيجاز والاختصار من حروف الكلمة الواحدة، هي أن تاء التأنيث لاتستعمل في اللغة العربية إلا فيما تشترك فيه المرأة والرجل، وتحذف فيما اختصت به الأنثى، فمن ذلك كلمة "طاهر" للفتاة – من الحيض – أما إذا قصد بها طهارتها من العيوب الخلقية، يقال:" إمرأة طاهرة" لأن الرجل يشاركها فيها. ثم "حامل" مادامت تحمل في بطنها الجنين، فإذا هي حملت ولدها على ظهرها أو بين ذراعيها، حينذاك تدخل "تاء التأنيث" فيقال" حاملة ولدها على ظهرها أو بين ذراعيها" لأن الرجل يشاركها هذا الحمل. قال الله تعالى في سورة المسد(وامرأته حمالة الحطب) ومثل هذا الإيجاز لايوجد إلا في اللغة العربية(20).

10- الإعراب: جاء في "المعجم الوسيط" ضمن تفسير فعل أعرب:"أعرب فلان كان فصيحاً في العربية وإن لم يكن من العرب. وأعرب الكلام بينه، أعرب لمراده: أفصح به ولم يوارب. وأعرب عن حاجته: أبان، وأعرب الاسم الاجنبي: نطق به على طريقة العرب.. وأعرب الكلام: أتى به وفق قواعد النحو، وأعربه: طبق عليه قواعد النحو".

وفسر كلمة الاعراب الذي هو مصدر فعل "أعرب" كما يلي:" فالإعراب تغيير يلحق أواخر الكلمات العربية من رفع ونصب وجر وجزم على ما هو مبين في قواعد النحو"(21).

نستنتج مما سبق أن "الإعراب" هو الكلام، وفق قواعد النحو من أجل بيان الكلام ووضوحه.

المبحث الخامس: أهمية اللغة العربية في ترسيخ الهوية الثقافية.

العلاقة وطيدة بين اللغة والثقافة والهوية، ذلك أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب والتواصل فحسب، بل أداة لنقل الثقافة، احتضنت الفكر والإبداع والعلوم والآداب فصانتها من حملات التغريب وحفظتها تراثاً حياً يتداوله أبناء الأمة، فاللغة بهذا المعنى وعاء للثقافة والتاريخ، والمشاعر والأحاسيس، وهي الأداة الاساسية في عملية التنشئة الاجتماعية التي يتم في ضوئها بناء الفرد وإعداده بما يتلاءم وتاريخه، وانتمائه، وواقعه ومستقبله. فاللغة إذاً ذات علاقة بالثقافة المرتبطة في انصهار متين بالهوية والشخصية الوطنية.

فنحن اليوم مطالبون ببعث اللغة العربية وإحيائها من خلال بعث التراث العلمي والأدبي، لنعيد إنتاج الفكر العربي بما يمكننا في الدرجة الأولى من الحفاظ على مقوماتنا الثقافية، وهذا يتم بالطرح المتجدد والتفعيل الدائم للغتنا العربية ولنظمها الثقافية في شتى نواحي الحياة، وبدون ذلك سوف يتواصل الزحف علينا.

ولأجل هذا كانت اللغة العربية، والهوية الوطنية، أهم المستهدفات الاستعمارية التي وطأت البلاد العربية، والاستعمار الفرنسي مثال بارز على ذلك، فقد سعت فرنسا عبر تاريخها الاستعماري لبلدان المغرب العربي، لاحلال ثقافتها وفرض لغتها، فقد كان مشروع الفرانكفونية يهدف إلى تنحية اللغة العربية، واستبدالها باللغة الفرنسية.

والحقيقة أن البلدان العربية تشهد اليوم أوبة صادقة إلى ثوابتها التاريخية والحضارية ممثلة في: اللغة، والدين، والتاريخ(22).

فاللغة العربية تلعب دوراً رئيسياً في ترسيخ الهوية الثقافية للأمة، وتميزها عن باقي الأمم؛ إن اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم تمثل نموذجاً أعلى عند أبناء العربية، وهو نموذج يعايشه المسلون كل يوم، ويستحضرونه في جميع اتصالاتهم وعلاقاتهم في جميع المعاملات والمناسبات. هو ملهمهم في أمور دينهم وفي أمور دنياهم.

المبحث السادس: العولمة وخطرها على اللغة العربية.

إذا كانت العولمة كمفهوم تعني توحيد العالم اقتصادياً وسياسياً وثقافياً توحيداً قسرياً ففي الاقتصاد تعني فتح الأسواق الداخلية أمام المنتجات الأجنبية عن طريق الشركات العابرة للقوميات، وتعني العولمة الاقتصادية في هذا المجال إغراق الدول بالمديونية، وأنه بعجز الدول على الدخول في منافسة اقتصادية متكافئة، فإن ذلك يعني قبول تخلفها وتبعيتها. أما في المجال السياسي، فتعني العولمة من وجهة نظر الدول المهيمنة: أنت لست معي وسأطبق عليك قوانيني، وهذا يعطيها حق التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان، وإثارة النعرات الاقليمية تارة تحت حقوق الإنسان وتارة تحت حماية الاقليات، وأخرى بحجة محاربة الإرهاب. وثقافياً تعني العولمة التوحيد النمطي للثقافات العالمية، أي القضاء على التعددية الثقافية، وفي مقدمتها الثقافة العربية الإسلامية وضرب مقوماتها والتي من أهمها اللغة العربية والدين(23).

وإذا كان الاتجاه لمحاربة اللغة العربية قد بدأ إبان فترة الاستعمار الغربي للبلدان العربية، وكان سدنته حينذاك بعض المستشرقين. ففي عام 1880نشر "ولهلم سبيتا" كتاباً باللغة الألمانية في قواعد اللغة العربية العامية في مصر، ادعى فيه أن مصير اللغة العربية الفصحى إلى الموت كما ماتت اللاتينية، وفي أيامنا هذه نما هذا الاتجاه لمحاربة اللغة العربية، والتهوين من شأنها، وفي التشكيك بقدراتها على تلبية حاجات العصر ومستجداته، ومن أبرز العوامل غير المباشرة في تهوين اللغة العربية التدريس في الجامعات العربية باللغة الانجليزية بالذات، بحجة أن هذه اللغة هي لغة معظم الأمم التي تبدع تلك العلوم. وبالطبع هي حجة واهية بدليل أن معظم بلدان العالم تدرس العلوم بلغتها الوطنية معتمدة على متابعتها وعلى ترجمة ماتحتاجه منها إلى لغتها. ونجاح الجامعات السورية بتدريسها باللغة العربية، خير دليل على قدرة اللغة العربية على استيعاب العلوم(24).

وإذا كان أهم ما يميز زمن العولمة هو تنامي وسائل الاتصال السمعية والبصرية، والتي تلعب اللغة دوراً هاماً فيها، فإنه من المؤسف حقاً أن نلاحظ انخفاض مستوى لغة الآداء الاعلامي في بعض القنوات الفضائية العربية التي تستخدم اللغة العامية، وتعمد إلى استخدام المصطلحات الأجنبية في عدد من برامجها، وكأن هناك تنسيقاً بين المشرفين على هذه القنوات لزعزعة الهوية الشخصية للثقافة العربية ومحاربة لغتها بدلاً من تدعيمها، الأمر الذي يؤكد مسؤولية جميع المؤسسات السياسية والثقافية المخول لها اتخاذ القرارات الحاسمة تجاه دعاة التغريب ودعاة محاربة اللغة والدين.

هوامش ومراجع البحث:-

1- يوسف خليل يوسف: القومية العربية ودور التربية في تحقيقها، دار الكتاب العربي، بيروت، 1967، ص34.

2- صلاح الدين عبد الوهاب: أضواء على المجتمع العربي، المكتبة الثقافية، بيروت، 1963،ص 12.

3- نفس المرجع،ص 16-17.

4- إدريس العلمي: في اللغة العربية، دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء ،2001،ص13.

5- نفس المرجع،ص 15.

6- جوستاف لوبون: حضارة العرب، الطبعة الفرنسية، ص473.

7- ينظر ذلك في كتابه: وجوه الإسلام.

8- إدريس العلمي، مرجع سابق، ص19-20.

9- ينظر ذلك في كتابه: تاريخ مسلمي اسبانيا، الجزء الأول ،ص 317.

10- جوستاف لوبون، مرجع سابق، ص474.

11- ينظر ذلك في كتابه: تاريخ اللغات السامية.

12- ادريس العلمي، مرجع مذكور ،ص 21.

13- جوليوساني: ترجمة سعدون السويح. لويس ماسينيون: الدارس المسيحي للإسلام. مجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد(4)، 1987، ص 441 – 442 .

14- ينظر ذلك في : الأمير أمني آل ناصر الدين أمير الدولتين في كتابه " دقائق العربية " .

15- عثمان أمين: " فلسفة اللغة العربية " ، مجلة الأصالة ، السنة (7) ، مايو 1978، ص 104 – 105 .

16- إبراهيم أنيس : الأصوات اللغوية، دار الطباعة الحديثة، القاهرة، 1981، ص 161. وينظر أيضاً: أبو الفتح بن جني: سر صناعة الإعراب، تحقيق محمد السقا وآخرين، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة ،1954.

17- إدريس العلمي: في التعريب ، مطبعة النجاح الجديدة ، دار البيضاء، 2001، ص 29.


18- ينظر ذلك في: أبومنصور الثعالبي، فقه اللغة، ص 192 وما بعدها.

وينظر أيضاً: ابن قتيبة، أدب الكاتب، ص588 ومابعدها.

19- حسان تمام: اللغة العربية معناها ومبناها، دارالثقافة، الدارالبيضاء، (ب،ت)، ص 172 ومابعدها .

20- ينظر ذلك في: هنري فليش، العربية الفصحى، تعريب: عبدالصبور شاهين، دار المشرق، بيروت، 1983. وأيضاً: عبد العزيز بن عبدالله: المعنى والإعراب عند النحويين، منشورات دار النشر، تونس، 1982 ص 641.

21- عبدالوهاب ملا:"الإعراب ونظرية العامل والمعمول"، مجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد (4)، 1987، ص 277- 278.

22- أحمد التدمري:"الهوية القومية في ظل امبراطورية الكون" بحث مقدم لندوة المائدة المستديرة للأساتذة العرب داخل الوطن العربي وخارجة، طرابلس في الفترة من 28 –31/7/2003 ، ص 14- 15.

23- نجاح قدور:" أية رهانات للثقافة العربية في ظل العولمة"، مجلة المؤتمر، العدد (1)، طرابلس، 2/ 2002 ، ص 59-60 ،

24– عبدالرحمن عطية :"مخاطر الهيمنة على الهوية الثقافية وسبل مواجهتها"، بحث قدم لندوة "مستقبل المنطقة العربية والتغيرات الدولية"، طرابلس في الفترة من 28-31/7/ 2003، ص 13-14.

وينظر أيضاً: أحمد بن نعمان :" الوضع اللغوي لأمتنا بين الغزو والمقاومة أو الفناء"، مجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد ( 9 )، 1992، ص 465 –

وأيضاً: عيسى الناعوري: " هي زيادة تدافع على اللغة العربية "، المجلة العربية للثقافة، السنة (3)، العدد (5)، 9 / 1983 ، ص 125.

التعديل الأخير تم بواسطة أسد الغابة ; 04-20-2006 الساعة 09:06 AM
أسد الغابة غير متصل  
قديم 04-20-2006, 09:05 AM   #5 (permalink)
أسد الغابة
عضو موقوف
 
الصورة الرمزية أسد الغابة
 
اللغة العربية وآراء المفكرين الغربيين

إدريس بن الحسن العلمي

... فلنستمع إذن إلى العالم والمؤرخ والفيلسوف الفرنسي "كوستاف لوبون" يحكي لنا في كتابه "حضارة العرب " ( "La Civilisation des Arabes"الطبعة الفرنسية ص 473): « إن اللغة العربية أصبحت اللغة العالمية في جميع الأقطار التي دخلها العرب حيث خلفت تماما اللهجات التي كانت مستعملة في تلك البلاد كالسريانية، واليونانية، والقبطية ، والبربرية... ووقع نفس الحادث كذلك في فارس مدة طويلة. ورغم انبعاث الفارسية بقيت العربية لغة جميع المثقفين. وقد أكد كوستاف أيضاً (ص174) بأن الفرس يدرسون اليوم ( أي أواخر القرن التاسع عشر) العلوم والدينيات والتاريخ في مصنفات عربية».

ويقول "جورج ريفوار" في كتابه "وجوه الإسلام": « عرّبت أهم المصنفات اليونانية في عهد الخلفاء العباسيين، حيث انكب العرب على دراسة الآداب الأجنبية بحماس فاق الحماس الذي أظهرته أوروبا في عهد الانبعاث. وقد خضعت اللغة العربية لمقتضيات الإصلاح الجديد، انتشرت في مجموع أنحاء آسيا، واستأصلت نهائيا اللهجات القديمة.
« وقد قضت العربية حتى على اللاتينية، لا سيما في شبه الجزيرة الإبيرية (إسبانيا والأندلس) فقد ندّد الكاتب المسيحي "الفارو" - وهو من رجال القرن التاسع الميلادي - بجهل مواطنيه اللاتينية فقال :"إن المسيحيين يتملّون بقراءة القصائد وروائع الخيال العربية، ويدرسون مصنفات علماء الكلام المسلمين، لا بقصد تفنيدها، بل من أجل التمرّن على الأسلوب الصحيح الأنيق في العربية. وجميع الفتيان المسيحيين المبرزين لا يعرفون سوى اللغة العربية، والأدب العربي، فهم يقرأون الكتب العربية ويدرسونها بكامل الحرارة، ويتهافتون على اقتناء المكتبات الضخمة، مهما كلفهم ذلك من ثمن، ويعلنون على الملأ حيثما وجدوا : أن الأدب العربي شيء بديع... ما أعظم الألم ! لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم الدينية، ولا تكاد تجد واحداً بين الألف يحسن تحرير رسالة باللاتينية إلى صديقٍ له، أما باللغة العربية فإنك تجد أفواجاً من الناس يحذقون التعبير بهذه اللغة بكامل الأناقة، بل إنهم يقرضون من الشعر (بالعربية) ما يفوق من الوجهة الفنية أشعار العرب أنفسهم".

« وقد أكّد المؤرخ "دوزي" في كتابه "تاريخ مسلمي إسبانيا" (ج 1 ص317)، أن أهل الذوق من الإسبان بهرتهم نصاعة الأدب العربي واحتقروا البلاغة اللاتينية، وصاروا يكتبون بلغة العرب الفاتحين».

وقد نقل "دوزي" عن صاحب كتاب "ألوس موزار ايبس دوطوليدة" (عرب طليطلة) أن العربية ظلت أداة الثقافة والفكر في إسبانيا إلى عام 1570. ففي ناحية بلنسية استعملت بعض القرى اللغة العربية لغة لها إلى أوائل القرن التاسع عشر. وقد جمع أحد أساتذة كلية مدريد 1151 عقداً في موضوع البيوع محرراً بالعربية، كنموذج للعقود التي كان الإسبان يستعملونها في الأندلس. « ولم يفت المؤرخ "فيادرو" الذي كتب منذ نحو القرن "تاريخ العرب في إسبانيا"، أن ينوّه بثراء اللغة العربية الخارق، وشاعرية العرب الفياضة، حتى أن معظم سكان شلب - وهي اليوم جنة البرتغال - كانوا شعراء في نظر القزويني، بل يؤكد "دوزي" أنهم كلهم كانوا شعراء.

« ويصف "فيكتور بيرار" اللغة العربية، في القرن الرابع الهجري، "بأنها أغنى، وأبسط، وأقوى، وأرق، وأمتن وأكثر اللهجات الإنسانية مرونة وروعة. فهي كنز يزخر بالمفاتن، ويفيض بسحر الخيال، وعجيب المجاز، رقيق الحاشية مهذب الجوانب، رائع التصوير. وأعجب ما في الأمر أن البدو كانوا هم سدنة هذه الذخائر، وجهابذة النثرالعربي جبلة وطبعا. ومنهم استمد كل الشعراء ثراءهم اللغوي وعبقريتهم في القريض".
« ويقول (جورج ريفوار) : إن نفوذ العربية أصبح بعيد المدى، حتى أن جانباً من أوربا الجنوبية أيقن بأن العربية هي الأداة الوحيدة لنقل العلوم والآداب. وأن رجال الكنيسة اضطروا إلى ترجمة مجموعاتهم الدينية إلى العربية لتسهل قراءتها في الكنائس الإسبانية وأن "جان سيفل" وجد نفسه مضطراً إلى أن يحرر بالعربية معارض الكتب المقدسة ليفهمها الناس.

أما في فرنسا فقد أكد "كوستاف لوبون" في كتابه (حضارة العرب ص 174) أن للعربية آثاراً مهمة في فرنسا نفسها. ولاحظ المؤرخ "سديو" عن حق أن لهجة ناحيتي "أوفيرني" "وليموزان" زاخرة بالألفاظ العربية، وأن الأعلام تتسم في كل مكان بالطابع العربي.

«ويقول الأستاذ "فنتجيو": قد صارت العربية لغة دولية للتجارة والعلوم »، واعترف "البارون كارادوفو" مؤلف "مفكرو الإسلام" وهو مسيحي متحمس، بأن الإسلام علم المسيحية منهاجاً في التفكير الفلسفي، هو ثمرة عبقرية أبنائه الطبيعية، وأن مفكري الإسلام نظموا لغة الفلسفة الكلامية التي استعملتها المسيحية، فاستطاعت بذلك استكمال عقيدتها جوهراً وتعبيراً.

«ويتعجب "ارنست رينان" من أمر اللغة العربية فيقول في كتابه (تاريخ اللغات السامية): "من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية، وتبلغ درجة الكمال، وسط الصحاري، عند أمة من الرحّل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها، ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها. ولم يعرف لها في كل أطوار حياتها طفولة ولا شيخوخة. ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها، وانتصاراتها التي لا تُبارى، ولا نعرف شبيهاً لهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرّج، وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة وهذه ظاهرة عجيبة، لاسيما إذا اعتبرنا مدى مساهمة الفلسفة الإسلامية في تكوين علم الكلام، خلال القرون الوسطى، والدور الذي قام به في ذلك كل من ابن سينا وابن رشد، وما كان لهما من تأثير على أشهر "مفكري المسيحية".

ويقول (بلاشير) "اللغوي المعجمي "اللغة العربية خلاقة وبناءة".
وقال (إغتاطيوس كراتشوفسكي): "أول ما نلحظه، من أول نظرة نلقيها على هذه اللغة - أي العربية - الغنى العظيم في الكلمات، والإتقان في الشكل، والليونة، والتركيب".

ويقول بروكلمان : "معجم العربية اللغوي لا يجاريه معجم في ثرائه" .
ويعترف الفيلسوف الألماني (رانكه) بـ "أن الثقافة الإنسانية، تعتمد على لغتين كلاسيكيتين، هما: العربية واللاتينية. وبينما اشتقت اللغات الغربية من اللاتينية، فقد نفثت اللغة العربية في الشرق روحاً فنية، ولا يمكن فهم المصنفات الأدبية، الفارسية والتركية، بدون العودة إلى الكلمات العربية، وخاصة أن وحي القرآن الكريم الذي لا يجارى، يعد - بلا مراء - أساس العقيدة الإنسانية، والثقافة البشرية".

ويلاحظ (ادوراد فارديك) : « اللغة العربية من أكثر لغات الأرض امتيازاً - وهذا الامتياز من وجهين : الأول من حيث ثروة معجمها، والثاني من حيث استيعاب آدابها».

ويؤكد (لوي ماسينيون) : « في حين أن اللغة السريانية نقلت أجروميتها عن اللغة اليونانية نقلاً، استطاعت لغة الضاد أن تشيد بناءً فخماً من الإعراب يضع أمام الأبصار مشهداً فلسفياً ذا أصالة وابتكار... وقد بلغت من حيث دقّة التعبير عن علاقات الإعراب والنحو ذروة التطور في اللغات السامية، ومعجم العربية اللغوي لا يجاريه معجم في ثرائه».

ويشهد (سينجلر) : "أن اللغة العربية قامت بدور أساسي كوسيلة لنشر المعارف، وآلة للتفكير في خلال المرحلة التاريخية التي بدأت حين احتكر العرب - على حساب الرومان واليونان - طريق الهند".

ويعترف (فريتاغ) : «أن اللغة العربية ليست أغنى لغات العالم فحسب بل إن الذين نبغوا في التأليف بها لا يكاد يأتي عليهم العدّ».

ويغار (ريتشارد كريتفيل) على اللغة العربية قائلاً :"إنه لا يعقل أن تحل اللغة الفرنسية، أو الانجليزية محل اللغة العربية. وإن شعباً له آداب غنية، منوعة، كالآداب العربية، ولغة مرنة، ذات مادة لا تكاد تفنى، لا يخون ماضيه، ولا ينبذ إرثاً ورثه، بعد قرون طويلة عن آبائه وأجداده".

ويلاحظ (ماجليوت): "إن اللغة العربية لا تزال حية حياة حقيقية، وإنها إحدى ثلاث لغات استولت على سكان المعمور استيلاءً لم يحصل عليه غيرها (الانجليزية والاسبانية) وهي تخالف أختيها بأن زمان حدوثهما معروف ولا يزيد سنهما على قرون معدودة، أما اللغة العربية فابتداؤها أقدم من كل تاريخ".
ويلاحظ الأستاذ (كيفورمينجيان) من موسكو هو الآخر : "أن اللغة العربية صالحة للتدريس الجامعي ولكن بطء التعريب عرقله".

ويقول (وليم رولد) : "إن اللغة العربية لم تتقهقر قط فيما مضى أمام لغة من اللغات التي احتكّت بها. وذلك أن لها ليناً ومرونة يمكنانها من التكيف وفقاً لمقتضيات العصر".
ويهيب (فولفونسن) في كتابه "تاريخ اللغات السامية" بالمشارقة : "المتكلمين بلغة الضاد، إلى درس فقه اللغات السامية، للاقتناع بعظمة أجدادهم، وبالدور الذي قاموا به في حضارة العالم القديم . ثم أكّد أن المستشرقين الذين نددوا بالعروبة، وبالإشعاع العربي، لم يهدفوا إلا لغايات دينية، واستعمارية".

وعبر الأستاذ (ماسنيون) عن نفس الفكرة قائلاً: "إن المنهاج العلمي قد انطلق، أول ما انطلق، باللغة العربية، ومن خلال العربية في الحضارة الأوربية... إن العربية استطاعت بقيمتها الجدلية، والنفسية، والصوفية، أن تضفي سربال الفتوة على التفكير الغربي. ثم يواصل ماسينيون وصفه الرائع قائلاً : "إن اللغة العربية أداة خالصة لنقل بدائع الفكر في الميدان الدولي، وإن استمرار حياة اللغة العربية دولياً لهو العنصر الجوهري للسلام بين الأمم في المستقبل".

وأخيراً كتب (جول فيرن) قصة خيالية، بناها على سياح يخترقون طبقات الكرة الأرضية "Le voyage au centre de la terre" حتى يصلوا أو يدنوا من وسطها. ولما أرادوا العودة إلى ظاهر الأرض، بدا لهم أن يتركوا هناك أثراً يدلّ على مبلغ رحلتهم، فنقشوا على الصخرة، كتابة باللغة العربية. ولما سئل (جول فيرن) عن وجه اختيار اللغة العربية قال: "إنها لغة المستقبل".

هذه بعض شهادات رجالات الغرب، من مفكرين، ولغويين، وعلماء أفذاذ، نجد فيها من الإطراء للغة الضاد، والإطناب في الإشادة بعبقريتها، وخصائصها، وكمالها، ما لا نجده في أقوال أبنائها. فليس في هؤلاء - مثلاً - من تجرأ، كما تجرأ (جول فيرن)، على القول بأن اللغة العربية لغة المستقبل، معنى هذا أنها ستحل محل الانجليزية في عالميتها، بل ليس فيهم من قال حتى ما قاله (ماسينيون) من « أن استمرار حياة اللغة العربية - دوليا - لهو العنصر الجوهري للسلام بين الأمم».

الآن وقد اطلعنا على نتائج الفحص الذي أجراه على اللغة العربية أخصائيون عرب، وأعاجم، بقي علينا أن نتأكد من صحة هذه النتائج بأنفسنا فنقوم، نحن كذلك، بفحص مباشر، فنكشف عن شيء من بنية اللغة العربية، ونستجلي بعض بواطنها، ودواخلها، ونعاين بأنفسنا تراكيب عناصرها، ونتعرف بقدر الإمكان على خصائصها وقدرتها على الاضطلاع بمهمة استيعاب وتبليغ جميع المعارف البشرية...

* * * *

المصدر/ مجلة اللسان العربي

تحيّاتي إلى كل عقل نيّر

كرم
أسد الغابة غير متصل  
قديم 04-20-2006, 09:08 AM   #6 (permalink)
أسد الغابة
عضو موقوف
 
الصورة الرمزية أسد الغابة
 
اللغة العربية وآراء الكتاب العرب

إدريس بن الحسن العلمي

نتعرّض - في هذا المقام - إلى آراء الذين في هذا العصر فحصوا لغة الضاد وسبروا أغوارها، ورازوا ثقلها في ميزان الإفصاح عن كل الخواطر والمشاعر والأفكار من بني جلدتها.

يقول الأستاذ عبد الرحمن الكيالي في بحثه "عوامل تطور اللغة العربية وانتشارها" : «تمتاز اللغة العربية عن سائر أخواتها اللغات السامية وعن سائر لغات البشر بوفرة كلماتها حتى قال السيوطي في (المزهر) إن المستعمل والمهجور منها يبلغ عدده 78.031.312 والزبيدي يقول في "تاج العروس": إن الصحيح يبلغ 6.620.000 والمعتل يبلغ 6.000 كلمة وذكر أيضاً أن كتابه حوى 120.000 كلمة. وعدا وفرة المفردات فإنها ذات اطراد في قياس أبنيتها... وتمتاز بتنوع أساليبها وعذوبة منطقها، ووضوح مخارجها ووجود الاشتقاق في كلماتها. ومن خواص اللغة العربية ومميزاتها أنها أوسع ثروة في أصول الكلمات والمفردات من أخواتها اللغات السامية. هذا، إلى أنه قد تجمع فيها من المفردات في مختلف أنواع الكلمة: اسمها، وفعلها، وحرفها، ومن المترادفات في الأسماء، والأفعال، والصفات ما لم يجتمع مثله في لغة أخرى. فلقد جمع للأسد خمسمائة اسم وللثعبان مائتا اسم، وللعسل أكثر من ثمانين اسماً. ويروي الفيروزبادي صاحب القاموس أن للسيف في العربية ألف اسم على الأقل، ويقدر آخرون أن للداهية أربعمائة اسم، ولكل من المطر والريح والظلام والناقة والحجر والماء والبئر أسماء كثيرة تبلغ عشرين في بعضها إلى ثلاثمائة في بعضها الآخر».

وكتب الأستاذ أحمد عبد الرحيم السائح من جامع الأزهر في مقال له: «للغة العربية خصائص ومميزات بزت بها غيرها، لا تدانيها فيها لغة من اللغات... إن طريقة توليد الألفاظ بعضها من بعض تجعل من اللغة جسماً حياً تتوالد أجزاؤه، ويتصل بعضها ببعض، بأواصر قوية واضحة، وتغني عن عدد ضخم من المفردات المفككة المنعزلة التي كان لا بد منها لو عدم الاشتقاق. وأن هذا الارتباط بين ألفاظ العربية الذي يقوم على ثبات عناصر مادية ظاهرة، وهي الحروف والأصوات الثلاثة، وثبات قدر من المعنى، سواء كان مادياً ظاهراً أو مختفياً مستتراً، خصيصة عظيمة من خصائص هذه اللغة تُشْعِرُ متعلمها بما بين ألفاظها من صلات حية تسمح لنا بالقول بأن ارتباطها حيوي، وأن طريقتها حيوية توليدية وليست آلية جامدة».

«اللغة العربية من أعرق اللغات منبتا، وأكثرها رسوخاً، وأقواها جلادة، وأشدها بنياناً.
وفي ظل الحضارة الإسلامية صارت أبعد اللغات مدى، وأوسعها أفقاً، وأقدرها على النهوض بتبعاتها الحضارية، عبر التطور الدائم الذي تعيشه الإنسانية. واستطاعت العربية في رحاب عالمية الإسلام أن تتسع لتحيط بأبعد انطلاقات الفكر وترتفع حتى تصعد أرقى اختلاجات النفس، وقد زادتها مرونتها وقدرتها على التفوق تبلورا، وتفاعلاً، ونماءً، وأعطتها طاقة خلاقة وحياة مدهشة».

وفي رأي الدكتور أحمد شفيق الخطيب «أن اللغة العربية تتميز بمرونة ومطواعية فائقة، تيسر صياغة الألفاظ الدقيقة التعبير، والواضحة الدلالة بحيث أن وزن اللفظة كثيراً ما يحدد مدلولها : إن كان اسم آلة، أو اسم مكان، أو زمان، أو اسم هيئة، أو مرة أو اسم فاعل، أو مفعول، أو اسم تفضيل، أو صفة مشبهة، أو مصدراً، أو صيغة مبالغة، أو تصغير، إلى غير ذلك مما ليس له نظير في اللغات الأخرى».

ويرى الأستاذ إلياس قنصل من الأرجنتين: «أن اللغة العربية تختلف عن غيرها من اللغات بأن "الحياة" التي فيها حياة خلاقة، مبدعة ذات عبقرية خاصة، وفي الوقت الذي نجد فيه اللغات أدوات للتعبير، متى بلغته فقد بلغت غايتها القصوى، وانتهت مهمتها، نجد أن الضاد لا تكتفي بهذه الغاية، بل هي تريد أن يكون التعبير جميلاً، وتريد أن يمتد هدفها إلى أكثر من ذلك فيتحول إلى فكرة مستمرة الجمال والذوق والذكاء، فكرة تندفع بصورة تلقائية، وتتولد من نفسها كالطاقة الذرية سواءً بسواء».

« ولو أحببنا أن نضع للأمر مثلاً بسيطاً يقربه إلى الأذهان لاستطعنا القول إن بقية اللغات كالساعات العادية تضبط لك الوقت أقرب ما يكون إلى الدقة، أما اللغة العربية فكالساعة الذهبية التي لا يمكن إلا أن تكون مثال الدقة في ضبط الوقت لأن معدنها يحمل صانعها على مراعاة قيمتها، وتوفير الانسجام بين آلاتها الداخلية، وغلافها الثمين - دفعة واحدة - آلة لمعرفة الوقت بالدقة المتناهية وأداة للزينة، تلفت الأنظار، ورصيد مادي يحتفظ بقيمته الابرائية».

ويلاحظ الدكتور شكري فيصل أن: «العالم بأسره شهد على ما تتميز به العربية من الحيوية، والغنى، والمرونة، والقدرة على تقبل الجديد وتوليد اللفظ، وقدر ما تحمل من إرث علمي إنساني كبير، وما تتصف به من قدرة على الوفاء بسائر الأغراض، فاعترفت منظمة الأمم المتحدة والمنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة والمنظمات والوكالات الدولية الأخرى، بأن العربية لغة حية واعتمدتها لغة رسمية إلى جانب اللغات الخمس الأخرى: الانكليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية».

ويقرر الأستاذ رشاد دارغوت : «ما حفظ اللغة العربية وصانها من الانقراض سوى الحيوية التي امتازت بها، وهي التي حببتها إلى شتى الشعوب والأمم المستعربة، فاستبدلتها بلغتها الأصلية (أي اتخذت العربية بدلاً من لغتها) وذلك بالإضافة إلى أنها لغة القرآن . وليس أدل على تلك الحيوية المرنة من تقبلها الاشتقاق على أوسع نطاق يمكن أن ترضخ له اللغات... وإني لأعتقد أن الوسائل التي وضعتها الطبيعة تحت تصرف الناطقين بالضاد جديرة بأن توسع اللغة، وتغنيها، وترقيها، وترفعها إلى مستوى عال سام».

ويحدثنا الأستاذ عبد الرحيم السائح، من مشيخة الأزهر أن: « اللغة العربية أعرق اللغات العالمية منبتاً، وأعزها نفراً: سايرها التاريخ وهي مهذبة، ناضجة مليئة بالقوة والحيوية وبفضل القرآن الكريم صارت أبعد اللغات مدى، وأبلغها عبارة، وأغزرها مادة، وأقواها جلادة، وأدقها تصويراً لما يقع تحت الحس، وتعبيراً عما يجول في النفس، تتسع لتحيط بأبعد انطلاقات الفكر، وتصعد حتى تصل أرقى اختلاجات النفس، واسعة سعة الجو، وعميقة عمق البحر، وليس هناك فكرة من الأفكار، ولا معنى من المعاني، ولا عاطفة من العواطف، ولا نظرية من النظريات عجزت اللغة العربية عن تصويرها تصويراً صادقاً، بارز القسمات، حتى المقاطع».

ويروي لنا الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله عضو أكاديمية المملكة المغربية والأمين العام للمكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي سابقاً : «أن اللغة العربية أصبحت في العصور الوسطى لغة الفلسفة والطب ومختلف العلوم والفنون، بل أصبحت لغة دولية للحضارة. ففي عام 1207 م لوحظ وجود معهد في جنوب أوروبا لتعليم اللغة العربية. ثم نظم المجمع المسيحي بعد ذلك تعليمها في أوروبا، وذلك بإحداث كراسي في كبريات الجامعات الغربية. وفي القرن السابع عشر اهتمت أوروبا الشمالية والشرقية اهتماماً خاصاً بتدريس اللغة العربية ونشرها. ففي 1636م قررت حكومة السويد تعليم العربية في بلادها. وعند ذلك الحين انصرفت السويد إلى طبع ونشر المصنفات الإسلامية، وبدأت روسيا تعتني بالدراسات الشرقية والعربية على الخصوص في عهد البطرس الأكبر الذي وجه إلى الشرق خمسة من الطلبة الروسيين. وفي عام 1769م قررت الملكة كاترينا إجبارية اللغة العربية. وفي عام 1816م أحدث قسم اللغات السامية في جامعة بتروكراد».

ويلاحظ الدكتور محمود الجليلي عضو المجمع العلمي العراقي:
«إن اتساع اللغة العربية يجعلها قابلة للتطور لتستوعب النمو السريع في مختلف العلوم والفنون، وقد سبق لها أن استوعبت العلوم والفلسفة قبل مئات السنين، وهي الآن ماضية في نفس السبيل».

ويجزم الأستاذ خير الدين المهندس في كلية الهندسة بجامعة حلب السورية : «أن عبقرية اللغة العربية متأتية من توالدها. فكل كلمة فيها تلد بطوناً ، والمولودة بدورها تلد بطوناً أخرى، فحياتها منبثقة من داخلها، وهذا التوالد يجري بحسب قوانين، وصيغ، وأوزان، وقوالب، هي غاية في السهولة والعذوبة».

ويؤكد الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله : «في مصنفات العلوم والفنون ذخيرة لغوية، كانت هي القوام الأساسي للتفاهم بين العلماء، والتعبير عن أعمق النظريات التقنية يوم كانت الحضارة العربية في عنفوان ازدهارها، ويكفي أن تتصفح كتاباً علمياً أو فلسفياً لتدرك مدى هذه القوة وتلك السعة الخارقة. ففي العربية إذن مقدرات شاسعة لا يتوقف حسن استغلالها إلا على مدى ضلاعتنا في فقه اللغة».

يقول ابن الأنباري تحت باب ( اللغة العربية أفضل اللغات وأوضحها): «أين لسائر اللغات من السعة ما للغة العربية؟» ويستطرد فيضرب لنا مثلاً بقوله: «وقد نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية، والرومية، وترجمت التوراة، والزبور، وسائر كتب الله عز وجل إلى اللغة العربية، أما القرآن فلا يمكن ترجمته للغات الأخرى، لأن ما فيه من استعارة، وتمثيل، وقلب، وتقديم، وتأخير، لا تتسع له طبيعة اللغات الأخرى».
ويستطرد قائلاً : «إن العجم لم تتسع بالمجاز اتساع العرب بالمجاز».

يقول الأمير أمين آل ناصر الدين أمير الدولتين في كتابه: "دقائق العربية" ما يلي تحت عنوان "خصائص العربية" : « لا مبالغة في القول إن اللغة العربية هي لغة الأعاجيب في وضعها المحكم وتنسيقها الدقيق، فمن استطاع أن يستجلي غوامضها، ويستقري دقائقها، ويلم بما هنالك من حكمة وفلسفة وبيان للدقائق وأسبابها المنطبقة على العقل والمنطق استيقن أن العربية قد وُضعت بإلهام من المُبدع الحكيم جلت قدرته، فالمحدث عنها كالمحدث عن السماء وكواكبها وبُروجها ونظامها الفلكي، يذكر الأقل ويند عنه الأكثر، أو كالمحدث عن البحر الجياش الغوارب الدائم الجزر والمد، يقول شيئاً وتفوته أشياء».

ولعل لأكثر الكتاب في هذه الأيام عذراً على ما في كلامهم من خطإ مترادف، وشذوذ عن القواعد، وجهل للدقائق، وإيثار للمبتذل السخيف على الفصيح المتين من التراكيب والأساليب لأنهم لم يدركوا في المدارس من أصول العربية إلا الشيء الأقلّ الذي لا يقيهم العِثار في الإنشاء، ولا يمكنهم من مجاراة الفصحاء البلغاء، ولكنهم يلامون أشد اللوم على اكتفائهم بشهادات مدرسية وقعت في أيديهم، وإعراضهم عن كتب اللغة والأدب بدل العكوف عليها يطالعونها ويستفيدون ما فاتهم في المدارس، فالمطالعة هي في الحقيقة المدرسة الفذة التي يخرج منها الطالب الذكي متبحراً في اللغة مستطلعاً الكثير من خفاياها مجيداً في الإنشاء ، متخيراً أحسن الأساليب، أما الشهادة وحدها فما تبل لظامئ غليلاً، ولا تنيله من الفوائد اللغوية كثيراً ولا قليلاً .

« إن أقطاب اللغة والأدب في هذا العصر وما قبله لم يجعلهم أعلاماً يستطير ذكرهم في الخافقين إلا الانصراف إلى المطالعة والبحث والتحقيق، وما عهدنا أحداً ممن اكتفوا بالشهادة المدرسية موثوقاً بقوله في صرف أو نحو أو لغة أو بيان، ومن هذا شأنه فهل يتسنى له أن يكون كاتباً بليغاً أو شاعراً فحلاً أو خطيباً مصقعاً، أو أستاذاً في مدرسة يلقن تلاميذه قواعد الفصحى ويعلن لهم أسرارها ».

هذه آراء ثلة من اللغويين والمفكرين العرب كلها تشيد بعبقرية اللغة العربية، وتحكم بصلاحيتها لتدريس جميع العلوم والفنون والتقنيات وسائر المعارف والمفاهيم البشرية. ولعل البعض يرى في هذا الإطناب شيئاً من الذاتية العاطفية، والمغالاة، والمحاباة وإعجاباً ناشئاً عن تحيز وتعصب قومي للغة الأم. ولذلك يكون من الخير ومن المفيد بهذا الصدد أن نأخذ آراء بعض المفكرين، واللغويين، والعلماء الغربيين، الذين لا يمتون إلى العروبة ولا إلى الإسلام بأي صلة تسمح لهم بإصدار أحكام غير موضوعية، بل منهم من جاهر بعداوته للعرب وللمسلمين، وخلدها في بعض ما ألف من كتب ومصنفات، مثل ارنست رينان، فإن شهدوا بعبقرية اللغة العربية وقدرتها الكامنة فيها على استيعاب جميع العلوم، والتعبير بلغة سليمة ودقيقة عن كل المفاهيم والمصطلحات فإن شهدوا بذلك فهو كما قال الشاعر : "والحق ما شهدت به الأعداء". ...

* * * *

المصدر/ مجلة اللسان العربي

تحيّاتي إلى كل عقل نيّر
أسد الغابة غير متصل  
قديم 04-20-2006, 09:08 AM   #7 (permalink)
أسد الغابة
عضو موقوف
 
الصورة الرمزية أسد الغابة
 
الهَجْمةُ على اللُّغةِ العربيّةِ

إبراهيم بن سعد الحقيل

تَوطِئَةً :

تنبَّه المستعمر الصَّليبي بعد طرده من ديار الإسلام بل وبعد نقل المعركة إلى عقر داره في أوروبا إلى أهـمية الدين الإسلامي وأثرهِ في بقاء المسلمين أقوياء ، فبدؤوا في غزوٍ فكري يحاول هدم أُسسِ الإسلام في نفوسِ المسلمين ، وشنوا حملات مختلفة في جميع الميادين ، فشكَّكوا في المسلَّمات الدينيّة ، ونبشوا آثار الأمم الكافرة التي أزال الله بالإسلام دولهم وحضاراتهم ، وشوهوا تاريخ الإسلام وسِيَر قدواته ، وكانت الهجمة مركزةً على لغة الإسلام ولغة رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ؛ لقطع حبال الاتصال بين حاضر المسلمين وماضيهم ، ولجعل القرآن الكريم غريباً على آذانهم ، وكذلك سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتراث المسلمين المتنوع .

فجردوا اللغة العربية من رداءِ القدسية ، وحاولوا فصل اللغة العربية عن الإسلام .

يقول طه حسين : ( إن اللغة العربية ليست ملكاً لرجال الدين يُؤْمَنون وحدهم عليها ، ويقومون وحدهم دونها ، ولكنها ملكٌ للذين يتكلمونها جميعاً ، وكلُّ فردٍ من هؤلاء الناس حرٌّ في أن يتصرف في هذه اللغة تصرف المالك ... ) [1] .

وإذا فقدت اللغة العربية هذا الرداء المقدس ، وفقدت أهميتها الدينيّة سارت إلى ما سارت إليه اللغات البائدة .

وقد غفل من حارب اللغة العربية عن حياطة الله عز وجل لها بالقرآن الكريم ! واتخذ الهجوم على اللغة العربية لتدميرها عدة محاور هي :

* المحورُ الأولُ : الدعوةُ إلى العاميةِ :

نرى أوروبا مقسمة إلى دول كثيرة لا تزيد مساحة أكبرها عن نصف مليون كم2 ، لكل بلدٍ لغته وتاريخه ، وكذلك كادوا للمسلمين فطُبق التقسيم السياسي ، وحاولوا حتى الآن تطبيق التقسيم اللغوي والتاريخي ، فروَّجوا هذه الدعوة لينعزل كل جزءٍ من العرب في محيطهم بلغتهم العامية وتاريخهم الوثني القديم ، وليصبحوا أُمماً شتى .

كان المعجَبُ بالغرب رفاعةُ رافع الطَّهْطَاوي الذي أُرسل إماماً لأول بعثةٍ علميّةٍ إلى الغرب أولَ من دعا إلى استعمال العامية وتدوين قواعد لها .

قال في كتاب أصدره عام 1868م أسماه [2] : (أنوارُ توفيق الجليل من أخبار توثيق بني إسماعيل) : إنَّ اللغة المتداوَلة المُسمَّاة باللغة الدارجة التي يقع بها التفاهمُ في المعاملات السائرة لا مانع أن يكون لها قواعد قريبة المأخذ وتصنف بها كتب المنافع العمومية ، والمصالح البلدية .. ا هـ .

ثم خرج علينا مندسٌّ من المستشرقين عاش في مصر مديراً لدار الكتب المصرية اسمه : ( ولهلم سبيتا ) بكتاب أسماه : ( قواعد اللغة العامية في مصر ) عام 1888م ، وذكر أنه قد جازف بذلك العمل لحبه لمصر وللمصريين [3] .

وأسرع صاحب صحيفة المقتطف فارس نمر فقرَّظ لهذه الدعوة ، ودعا إلى تدريس العلوم وكتابتها باللغة التي يتكلم بها الناس [4] .

وبعد دخول المستعمر أصبحت المقتطف مداحة له ، وأسرع الإنجليز ففرضوا الإنجليزية لغة التعليم ، وأصبحت لغة رسمية ، وأغلقوا مدرسة الألسن ، ووجهوا جميع البعثات إلى بلادهم فقط .

وذرَّ قرنُ ( كارل فولرس ) فكتب كتاباً اسماهُ : ( اللهجة العامية في مصر ) ، وكان لـ ( ولكوكس ) رأي مشابه بل وصفيق ؛ فقد قال في محاضرةٍ له : إن ما يعيق المصريين عن الاختراع هو كتابتهم بالفصحى ... وما أوقفني هذا الموقف إلا حُبي لخدمةِ الإنسانية ، ورغبتي في انتشار المعارف . وأعلن في آخر المحاضرة عن مسابقة للخطابة بالعامية ، ومن تكون خطبته جيدة ناجحةً فله أربع جنيهات . كان ذلك عام 1893 .

ومن العجب أن (ولكوكس) هذا كان يصدرُ مجلة اسمها : (الأزهر) ، وكان يدعو إلى العامية من خلالها [5] .

وخرج نفر كثيرٌ من هؤلاء يدعون إلى كل ما فيه هدم لأسس الإسلام في نفوس المسلمين ، وكان منهم : ( سلدان ولمور ) الذي كتب عام 1901م كتاب : ( العربية المحلية في مصر ) ، قال فيه : ومن الحكمة أن ندع جانباً كل حكم خاطئ وُجِّه إلى العامية ، وأن نقبلها على أنها اللغة الوحيدة للبلاد [6] .

وأسرع فارس نمر صاحب المقتطف يقرِّظ لهذا الكتاب .

وَلِلمَوْضُوْعِ صِلةٌ ...



__________________________________________________ ______________________

(1) المجموعة الكاملة لمؤلفات طه حسين ، علم التربية ، 290 .

(2) الصراع بين القديم والجديد في الأدب الغربي ، للكتاني ، ج 2 ، 758 ، والاتجاهات الوطنية في الشعر العربي المعاصر ، لمحمد محمد حسين ، ج2 ، 359 .

(3) تيارات مسمومة ومذاهب هدامة ، لأنور الجندي ، 127 ، والاتجاهات الوطنية ، ج 2 ، 360 ، ولماذا يزيفون التاريخ ، لإسماعيل الكيلاني 316 317 .

(4) الاتجاهات الوطنية ، ج 2 ، 360 ، ولماذا يزيفون التاريخ ، 317 .

(5) الصراع بين القديم والجديد ، ج2 ، 761 ، ولماذا يزيفون التاريخ ، 317 .

(6) الاتجاهات الوطنية ، ج2 ، 360 ، ولماذا يزيفون التاريخ ، 317 .



==========


ووضع ( ولمور ) كتاباً آخر عام 1910م ، سمَّاه : ( لغة القاهرة ) ، وجاء مضمونه كسابقه .

لم يكن هذا الوباء في مصر وحدها ؛ فهذا (إسكندر معلوف) [7] اللبناني أنفق وقته في ضبط أحوال العامية وتقييد شواردها لاستخدامها في كتابة العلوم ؛ لأنَّه وجد أسباب التخلف في التَّمسك بالفصحى ، ونحا ابنه عيسى نحوهُ فيقول : إنَّ اختلاف لغة الحديث عن لغة الكتابة هو أهمُّ أسباب تخلفنا رغم أنَّهُ من الممكن اتخاذُ أيِّ لهجةٍ عاميةٍ لغةً للكتابة ؛ لأنها ستكون أسهل على المتكلمين بالعربية كافة . ولي أملٌ بأن أرى الجرائد العربية وقد غيّرت لغتها .وهذا أعدُّهُ أعظم خطوةٍ نحو النجاح ، وهو غاية أملي [8] .

ومن العجب أنَّ من يدعو إلى العامية عضو في مجمع اللغة العربية ؛ فأيُّ خير يُرجى من هذا المجمع وهذا من أعضائه ؟ ونعود إلى مصر فنجد (سلامة موسى) [9] يقول في كتابه : ( البلاغة العصرية ) : " إنها تبعثر وطنيتنا يقصد بذلك الفصحى وتجعلها شائعةً في القوميَّة العربية " .

ويقول عن أستاذه أحمد لطفي السيد مفسد الجيل : وقام على أثره مُنشئ الوطنية المصرية الحديثة ، فأشار باستعمال اللغة العامية ، وبيّن أنَّ ما يشغل بال ( ولكوكس ) بل ويقلقه هذه اللغة التي نكتبها ولا نتكلمها .

وأحمد لطفي السيد هذا تولى رئاسة مجمع اللغة العربية ؛ فأيُّ مجمع هذا ؟ وينعق الشاعر العراقي الهالك جميل صدفي الزهاوي فيقول [10] : فتَّشْتُ طويلاً عن انحطاط المسلمين فلم أجد غير سببين أولهما :

الحجاب الذي عدَّدتُ في مقالي الأول مضاره ، والثاني : هو كون المسلمين ولا سيما العرب منهم يكتبون بلغةٍ غير التي يحكونها .

ونعود إلى مصر فإذا بـ ( لويس عوض ) [11] الصليبي الشيوعي يدعو إلى العامية ويصنف كتاباً يهديه إلى (كريستوفر سكيف) الجاسوس الإنجليزي ويكتب ديوانه (بلوتو لاند) عام 1947م الذي دعا فيه إلى كسر رقبة البلاغة العربية وإلى الكتابة بالعامية [12] .

وكان للمغرب العربي نصيب من هذه الدعوة ؛ فقد أصبحت اللغة العربية لغة ثانية بعد الفرنسية لغة المستعمر ، وجاء في تقرير أعدته لجنة العمل المغربية الفرنسية : إنَّ أول واجبٍ في هذه السبيل هو التقليل من أهمية اللغة العربية ، وصرف الناس عنها ، بإحياء اللهجات المحلية واللغات العامية في شمال إفريقيا [13] .

وقد وضع علماء الاستعمار من المستشرقين كتباً في قواعد اللهجات الأمازيغية لتزاحم العربية ، يقول ( شحادة الخوري ) : شعر المستعمر باستحالة اقتلاع اللغة العربية من أرض الجزائر وغرس اللغة الفرنسية مكانها ، فلجؤوا إلى وسيلةٍ مُساعدةٍ أخرى وهي الإيحاء لأكبر عددٍ من أبناء الجزائر بأن اللغة العربية ليست لغة أصليَّة في الجزائر ، وإنما اللغة الأصلية لسكان الجزائر هي اللغة البَرْبريَّة لغة الأمازيغ ، وقد تطوع الفرنسيون لوضع أبجدية لها كيما يمكن كتابتها [14] .

ونعود إلى الشام ولبنان خاصة ؛ ف ( مارون غصن ) أصدر كتاباً قال فيه [15] : إنَّ كل لغةٍ سائرةٌ إلى الفناء ؛ لأن الشعب كله متعلقٌ كل التعلق بلغة آبائه وأجداده ، وما هذه اللغة إلا العامية ، وأتبع ذلك بإصدار كتاب بالعامية عنوانه : ( في متلوها لكتاب ) عام 1930م .

ويتمنى (مارون غصن) أن يرى عاملاً عسكرياً سياسياً يفرض اللغة العامِّية [16] .

وقد تزامن مع هذه الدعوة إصدار جرائد ومجلات وكتب باللهجات العامية ، فقد صدرت سبع عشرة جريدة ومجلة عامية بحلول عام 1900م [17] ، كما تحول المسرح من الفصحى إلى العامية مما دعا المنفلوطي إلى تسميته بـ ( الملاعب الهزلية ) [18] كما تسابق المستشرقون على إصدار دراسات عن اللهجات العامية مثل دراسة ( نللينو ) عن عامية مصر ، و ( سيانكو فسكي ) عن عامية المغرب وتونس ، و ( إلياس برازين ) عن عامية حلب ، و ( ليوريال ) عن عامية الجزائر ، وغيرها [19] .

وَلِلمَوْضُوْعِ صِلةٌ ...



__________________________________________________ ___

(7) الاتجاهات الوطنية ، ج2 ، 363 .

(8) الاتجاهات الوطنية ، ج2 ، 363 ، ولماذا يزيفون التاريخ ، 318 .

(9) الفصحى لغة القرآن ، لأنور الجندي ، 127 ، والاتجاهات الوطنية ، 1 ، 372 ، ولماذا يزيفون التاريخ ، 319 .

(10) تيارات مسمومة ونظريات هدامة ، 196 .

(11) لماذا يزيفون التاريخ ، 324 .

(12) لماذا يزيفون التاريخ ، 320 ، ومجلة الآداب عدد 1 ، 2 / 1999م ، ص 101 .

(13) الاتجاهات الوطنية ، ج ، 365 ، ولماذا يزيفون التاريخ ، 323 .

(14) القضية اللغوية في الجزائر وانتصار اللغة العربية ، 18/19 .

(15) لماذا يزيفون التاريخ ، 324 .

(16) المصدر السابق ، 325 ، واتجاهات البحث اللغوي الحديث في العالم العربي لبنان للدكتور رياض قاسم ، 388 ، وذكر كثيراً من آراء غصن .

(17) الفصحى لغة القرآن ، 127 .

(18) الاتجاهات الوطنية ، ج2 ، 361 .

(19) ذكر كثيراً منها أنور الجندي في كتابه : الفصحى لغة القرآن ، 127 .

انتهى
أسد الغابة غير متصل  
قديم 04-20-2006, 09:09 AM   #8 (permalink)
أسد الغابة
عضو موقوف
 
الصورة الرمزية أسد الغابة
 
اللغة العربية ومكانتها بين اللغات (1/2)

د. فرحان السليم


اللغة فكر ناطق، والتفكير لغة صامتة، واللغة هي معجزة الفكر الكبرى.
إن للغة قيمة جوهرية كبرى في حياة كل أمة؛ فإنها الأداة التي تحمل الأفكار، وتنقل المفاهيم فتقيم بذلك روابط الاتصال بين أبناء الأمة الواحدة، وبها يتم التقارب والتشابه والانسجام بينهم. إن القوالب اللغوية التي توضع فيها الأفكار، والصور الكلامية التي تُصاغ فيها المشاعر والعواطف لا تنفصل مطلقاً عن مضمونها الفكري والعاطفي.
إن اللغة هي الترسانة الثقافية التي تبني الأمة وتحمي كيانها. وقد قال فيلسوف الألمان فيخته: "اللغة تجعل من الأمة الناطقة بها كلاً متراصاً خاضعاً لقوانين. إنها الرابطة الحقيقية بين عالم الأجسام وعالم الأذهان".
ويقول الراهب الفرنسي غريغوار: " إن مبدأ المساواة الذي أقرته الثورة يقضي بفتح أبواب التوظف أمام جميع المواطنين، ولكن تسليم زمام الإدارة إلى أشخاص لا يحسنون اللغة القومية يؤدي إلى محاذير كبيرة، وأما ترك هؤلاء خارج ميادين الحكم والإدارة فيخالف مبدأ المساواة، فيترتب على الثورة - والحالة هذه - أن تعالج هذه المشكلة معالجة جدية؛ وذلك بمحاربة اللهجات المحلية، ونشر اللغة الفرنسية الفصيحة بين جميع المواطنين ".
ويقول فوسلر: "إن اللغة القومية وطن روحي يؤوي من حُرِمَ وطنَه على الأرض".
ويقول مصطفى صادق الرافعي: "إن اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة. كيفما قلّّبت أمر اللغة - من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها - وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها ".
وقد صدر بيان من مجلس الثورة الفرنسية يقول: "أيها المواطنون، ليدفع كلاً منكم تسابقٌ مقدسٌ للقضاء على اللهجات في جميع أقطار فرنسا؛ لأن تلك اللهجات رواسب من بقايا عهود الإقطاع والاستعباد".

أهمية اللغة العربية :
اللغة - عند العرب - معجزة الله الكبرى في كتابه المجيد.
لقد حمل العرب الإسلام إلى العالم، وحملوا معه لغة القرآن العربية واستعربت شعوب غرب آسيا وشمال إفريقية بالإسلام؛ فتركت لغاتها الأولى وآثرت لغة القرآن، أي أن حبهم للإسلام هو الذي عرّبهم، فهجروا ديناً إلى دين، وتركوا لغة إلى أخرى .
لقد شارك الأعاجم الذين دخلوا الإسلام في عبء شرح قواعد العربية وآدابها للآخرين فكانوا علماء النحو والصرف والبلاغة بفنونها الثلاثة : المعاني، والبيان، والبديع.
وقد غبر دهر طويل كانت اللغة العربية هي اللغة الحضارية الأولى في العالم.
واللغة العربية أقدم اللغات التي ما زالت تتمتع بخصائصها من ألفاظ وتراكيب وصرف ونحو وأدب وخيال، مع الاستطاعة في التعبير عن مدارك العلم المختلفة. ونظراً لتمام القاموس العربي وكمال الصرف والنحو فإنها تعد أمّ مجموعة من اللغات تعرف باللغات الأعرابية أي التي نشأت في شبه جزيرة العرب، أو العربيات من حميرية وبابلية وآرامية وعبرية وحبشية، أو الساميات في الاصطلاح الغربي وهو مصطلح عنصري يعود إلى أبناء نوح الثلاثة : سام وحام ويافث. فكيف ينشأ ثلاثة أخوة في بيت واحد ويتكلمون ثلاث لغات؟
إن اللغة العربية أداة التعارف بين ملايين البشر المنتشرين في آفاق الأرض، وهي ثابتة في أصولها وجذورها، متجددة بفضل ميزاتها وخصائصها.
إن الأمة العربية أمة بيان، والعمل فيها مقترن بالتعبير والقول، فللغة في حياتها شأن كبير وقيمة أعظم من قيمتها في حياة أي أمة من الأمم. إن اللغة العربية هي الأداة التي نقلت الثقافة العربية عبر القرون، وعن طريقها وبوساطتها اتصلت الأجيال العربية جيلاً بعد جيل في عصور طويلة، وهي التي حملت الإسلام وما انبثق عنه من حضارات وثقافات، وبها توحد العرب قديماً، وبها يتوحدون اليوم ويؤلفون في هذا العالم رقعة من الأرض تتحدث بلسان واحد وتصوغ أفكارها وقوانينها وعواطفها في لغة واحدة على تنائي الديار واختلاف الأقطار وتعدّد الدول. واللغة العربية هي أداة الاتصال ونقطة الالتقاء بين العرب وشعوب كثيرة في هذه الأرض أخذت عن العرب جزءاً كبيراً من ثقافتهم واشتركت معهم - قبل أن تكون ( الأونيسكو) والمؤسسات الدولية - في الكثير من مفاهيمهم وأفكارهم ومثلهم، وجعلت الكتاب العربي المبين ركناً أساسياً من ثقافتها، وعنصراً جوهرياً في تربيتها الفكرية والخلقية.
إن الجانب اللغوي جانب أساسي من جوانب حياتنا، واللغة مقوم من أهم مقومات حياتنا وكياننا، وهي الحاملة لثقافتنا ورسالتنا والرابط الموحد بيننا والمكون لبنية تفكيرنا، والصلة بين أجيالنا، والصلة كذلك بيننا وبين كثير من الأمم .
إن اللغة من أفضل السبل لمعرفة شخصية أمتنا وخصائصها، وهي الأداة التي سجلت منذ أبعد العهود أفكارنا وأحاسيسنا. وهي البيئة الفكرية التي نعيش فيها، وحلقة الوصل التي تربط الماضي بالحاضر بالمستقبل. إنها تمثل خصائص الأمة، وقد كانت عبر التاريخ مسايرة لشخصية الأمة العربية، تقوى إذا قويت، وتضعف إذا ضعفت.
لقد غدت العربية لغة تحمل رسالة إنسانية بمفاهيمها وأفكارها، واستطاعت أن تكون لغة حضارة إنسانية واسعة اشتركت فيها أمم شتى، كان العرب نواتها الأساسية والموجهين لسفينتها، اعتبروها جميعاً لغة حضارتهم وثقافتهم فاستطاعت أن تكون لغة العلم والسياسة والتجارة والعمل والتشريع والفلسفة والمنطق والتصوف والأدب والفن.
واللغة من الأمة أساس وحدتها، ومرآة حضارتها، ولغة قرآنها الذي تبوأ الذروة فكان مظهر إعجاز لغتها القومية.
إن القرآن بالنسبة إلى العرب جميعاً كتاب لبست فيه لغتهم ثوب الإعجاز، وهو كتاب يشد إلى لغتهم مئات الملايين من أجناس وأقوام يقدسون لغة العرب، ويفخرون بأن يكون لهم منها نصيب.
وأورد هنا بعض الأقوال لبعض العلماء الأجانب قبل العرب في أهمية اللغة العربية . يقول الفرنسي إرنست رينان : " اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة ".
ويقول الألماني فريتاغ: " اللغة العربية أغنى لغات العالم ".
ويقول وليم ورك: " إن للعربية ليناً ومرونةً يمكّنانها من التكيف وفقاً لمقتضيات العصر".
ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام: " العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتكاد تتجلّى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير ونبضات القلوب ونبرات الحياة ".
ويقول مصطفى صادق الرافعي: " إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حكماً ".
ويقول الدكتور طه حسين : "إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضاً ".

خصائص اللغة العربية
للعربية خصائص كثيرة يضيق المجال عن حصرها في هذه المحاضرة، لذا سأقتصر على بعضها تاركاً، لمن أراد التوسع، الرجوع إلى أمهات الكتب في هذا المجال.
1 – الخصائص الصوتيـة:
إن اللغة العربية تملك أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات، حيث تتوزع مخارج الحروف بين الشفتين إلى أقصى الحلق. وقد تجد في لغات أخرى غير العربية حروفاً أكثر عدداً ولكن مخارجها محصورة في نطاق أضيق ومدرج أقصر، كأن تكون مجتمعة متكاثرة في الشفتين وما والاهما من الفم أو الخيشوم في اللغات الكثيرة الغنة ( الفرنسية مثلاً)، أو تجدها متزاحمة من جهة الحلق.
وتتوزع هذه المخارج في هذا المدرج توزعاً عادلاً يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات. ويراعي العرب في اجتماع الحروف في الكلمة الواحدة وتوزعها وترتيبها فيها حدوث الانسجام الصوتي والتآلف الموسيقي. فمثلاً: لا تجتمع الزاي مع الظاء والسين والضاد والذال. ولا تجتمع الجيم مع القاف والظاء والطاء والغين والصاد، ولا الحاء مع الهاء، ولا الهاء قبل العين، ولا الخاء قبل الهاء ، ولا النون قبل الراء ، ولا اللام قبل الشين.
وأصوات العربية ثابتة على مدى العصور والأجيال منذ أربعة عشر قرناً. ولم يُعرف مثل هذا الثبات في لغة من لغات العالم في مثل هذا اليقين والجزم. إن التشويه الذي طرأ على لفظ الحروف العربية في اللهجات العامية قليل محدود، وهذه التغيرات مفرقة في البلاد العربية لا تجتمع كلها في بلد واحد. وهذا الثبات، على عكس اللغات الأجنبية، يعود إلى أمرين : القرآن، ونزعة المحافظة عند العرب.
وللأصوات في اللغة العربية وظيفة بيانية وقيمة تعبيرية، فالغين تفيد معنى الاستتار والغَيْبة والخفاء كما نلاحظ في : غاب ، غار ، غاص ، غال ، غام. والجيم تفيد معنى الجمع : جمع ، جمل، جمد ، جمر. وهكذا.
وليست هذه الوظيفة إلا في اللغة العربية، فاللغات اللاتينية مثلاً ليس بين أنواع حروفها مثل هذه الفروق، فلو أن كلمتين اشتركتا في جميع الحروف لما كان ذلك دليلاً على أي اشتراك في المعنى. فعندنا الكلمات التالية في الفرنسية مشتركة في أغلب حروفها وأصواتها ولكن ليس بينها أي اشتراك في المعنى Ivre سكران oeuvre أثر أو تأليف ouvre يفتح livre كتاب lèvre شفة.

2 – الاشـتـقـاق:
الكلمات في اللغة العربية لا تعيش فرادى منعزلات بل مجتمعات مشتركات كما يعيش العرب في أسر وقبائل. وللكلمة جسم وروح، ولها نسب تلتقي مع مثيلاتها في مادتها ومعناها : كتب - كاتب - مكتوب - كتابة - كتاب.. فتشترك هذه الكلمات في مقدار من حروفها وجزء من أصواتها.
وتشترك الألفاظ المنتسبة إلى أصل واحد في قدر من المعنى وهو معنى المادة الأصلية العام. أما اللغات الأخرى كالأوروبية مثلاً فتغلب عليها الفردية . فمادة ( ب ن و ) في العربية يقابلها في الإنكليزية : son ابن و daughter بنت. أما في الفرنسية فتأتي مادة ( ك ت ب ) على الشكل التالي : كتاب livre مكتبة عامة bibliothèque محل بيع الكتب librairie يكتب ècrire مكتب bureau .
وثبات أصول الألفاظ ومحافظتها على روابطها الاشتقاقية يقابل استمرار الشخصية العربية خلال العصور، فالحفاظ على الأصل واتصال الشخصية واستمرارها صفة يتصف بها العرب كما تتصف بها لغتهم، إذ تمكن الخاصة الاشتقاقية من تمييز الدخيل الغريب من الأصيل.
إن اشتراك الألفاظ المنتمية إلى أصل واحد في أصل المعنى وفي قدر عام منه يسري في جميع مشتقات الأصل الواحد مهما اختلف العصر أو البيئة، يقابله توارث العرب لمكارم الأخلاق والمثل الخلقية والقيم المعنوية جيلاً بعد جيل. إن وسيلة الارتباط بين أجيال العرب هي الحروف الثابتة والمعنى العام.
والروابط الاشتقاقية نوع من التصنيف للمعاني في كلياتها وعمومياتها، وهي تعلم المنطق وتربط أسماء الأشياء المرتبطة في أصلها وطبيعتها برباط واحد، وهذا يحفظ جهد المتعلم ويوفر وقته.
إن خاصة الروابط الاشتقاقية في اللغة العربية تهدينا إلى معرفة كثير من مفاهيم العرب ونظراتهم إلى الوجود وعاداتهم القديمة، وتوحي بفكرة الجماعة وتعاونها وتضامنها في النفوس عن طريق اللغة.

3 – خصائص الكلمة العربية ( الشكل والهيئة أو البناء والصيغة أو الوزن ):
إن صيغ الكلمات في العربية هي اتحاد قوالب للمعاني تُصبُّ فيها الألفاظ فتختلف في الوظيفة التي تؤديها. فالناظر والمنظور والمنظر تختلف في مدلولها مع اتفاقها في أصل المفهوم العام الذي هو النظر. الكلمة الأولى فيها معنى الفاعلية والثانية المفعولية والثالثة المكانية.
وللأبنية والقوالب وظيفة فكرية منطقية عقلية. لقد اتخذ العرب في لغتهم للمعاني العامة أو المقولات المنطقية قوالب أو أبنية خاصة: الفاعلية - المفعولية - المكان - الزمان - السببية - الحرفة - الأصوات - المشاركة - الآلة - التفضيل - الحدث.
إن الأبنية في العربية تعلم تصنيف المعاني وربط المتشابه منها برباط واحد، ويتعلم أبناء العربية المنطق والتفكير المنطقي مع لغتهم بطريقة ضمنية طبيعية فطرية.
وللأبنية وظيفة فنية، فقوالب الألفاظ وصيغ الكلمات في العربية أوزان موسيقية، أي أن كل قالب من هذه القوالب وكل بناء من هذه الأبنية ذو نغمة موسيقية ثابتة. فالقالب الدال على الفاعلية من الأفعال الثلاثية مثلاً هو دوماً على وزن فاعل والدال على المفعولية من هذه الأفعال على وزن مفعول.
وإن بين أوزان الألفاظ في العربية ودلالاتها تناسباً وتوافقاً، فصيغة ( فعّال) لمبالغة اسم الفاعل تدل بما فيها من تشديد الحرف الثاني على الشدة أو الكثرة، وبألف المد التي فيها على الامتداد والفاعلية الخارجية.
وتتميز اللغة العربية بالموسيقية فجميع ألفاظها ترجع إلى نماذج من الأوزان الموسيقية، والكلام العربي نثراً كان أم شعراً هو مجموع من الأوزان ولا يخرج عن أن يكون تركيباً معيناً لنماذج موسيقية.
وقد استثمر الشعراء والكتاب العرب هذه الخاصة الموسيقية فقابلوا بين نغمة الكلام وموضوعه مقابلة لها أثر من الوجهة الفنية. فمثلاً يقول النابغة الذبياني :

ميلوا إلى الدار من ليلى نحييـهـا
نعم ونسـألهـا عن بعـض أهليـهـا

حيث ينقلك إلى جو عاشق يهيم ويتأمل وتهفو نفسه برقة وحنان إلى آثار الحبيب بما في البيت من نعومة الحروف وكثرة المدود وحسن توزعها وجمال تركيب الألفاظ.
ويقول البحتري متحدثاً عن الذئب :

عوى ثـم أقـعى فارتجـزت فهجتـه
فأقـبــل مثـل البـرق يتبعه الرعد

فينقل تتابع حركات الذئب السريع في ألفاظ قصيرة الأوزان متوالية الحركات.
وقد بلغت هذه الخاصة الموسيقية ذروتها في التركيب القرآني، فأنت تحس، مثلاً في سورة العاديات ، عدو الخيل : ( والعاديات ضبحاً. فالموريات قدحاً. فالمغيرات صبحاً. فأثرن به نقعاً. فوسطن به جمعاً ).
وكان لأوزان الألفاظ أثر في جمال الكتابة العربية، فالكلمات التي على وزن واحد تتشابه ألفاظها الكتابية مثل الكلمات على وزن فاعل أو على وزن مفعول. إن هذه الكلمات في التركيب يكون منها ما يشبه الزخارف العربية.
وتتأرجح الصيغ بين الثبات والتطور، والثبات غالب ولا يسبب هذا جمود العربية، فإن لها على حالتها الحاضرة من الصيغ والأبنية غنى لا تضارعها فيه لغة أخرى من اللغات الراقية التي تفي بحاجات الإنسان في مثل هذا العصر.
إن الإخلال بهذه الأبنية وإفسادها إفساد لنظام اللغة، فلذلك كان العرب إذا أدخلوا كلمة أعجمية احتاجوا إليها صاغوها على نماذج ألفاظهم وبنوها على أحد أبنيتهم وجعلوها على أحد أوزانهم.
وبين العربية والطبيعة صلة وثقى، فالأجسام في الطبيعة على كثرتها ترجع إلى عناصر بسيطة محدودة العدد تتشابه وتختلف بحسب تشابه تركيب مادتها واختلافه. وكذلك اللغة العربية ترجع كلماتها التي لا تكاد تُحصى إلى عناصر محدودة ثابتة هي الحروف. وفي الطبيعة تشابه ونمطية وتكرر، فللشجرة مهما كان نوعها أوراق وأغصان جذع وثمر. وفي اللغة أيضاً تشابه بين أبنية الفاعلين والمفعولين والمكان والزمان. ولكل فرد من أفراد الجنس الواحد في الطبيعة ذاتيته مع مشابهته لسائر أفراد الجنس. وكذلك للفظ ذاتيته مع مشابهته لسائر الألفاظ المشتركة معه في الأصل أو البناء والصيغة. وفي الطبيعة تسلسل وتوارث يقابله تسلسل وتوارث في اللغة. وفي الطبيعة محافظة وتجديد، وكذلك في اللغة محافظة وتجديد أيضاً .
أسد الغابة غير متصل  
قديم 04-20-2006, 09:10 AM   #9 (permalink)
أسد الغابة
عضو موقوف
 
الصورة الرمزية أسد الغابة
 
4 – التعـريـب:
يتشابه نظام العربية مع نظام المجتمع العربي. فكما يرتبط أفراد المجتمع العربي وقبائله بصلات القربى والنسب والتضامن والتعاون، ترتبط ألفاظها في نسق خاص في حروفها وأصواتها، ومادتها وتركيبها، وهيئتها وبنائها.
وحين يدخل غريب على المجتمع فلا بد لـه (لكي يصبح عضواً فيه) من أن يلتزم بأخلاقه وعاداته، فكذلك اللفظة الأعجمية إذا دخلت يجب أن تسير على أوزان العربية وهيئاتها وصيغها لكي تصبح عضواً كامل العضوية في الأسرة اللغوية.
ويُستعمل في العربية مصطلح التعريب بينما في اللغة الأجنبية استعارة emprunt. والتعريب أحد مظاهر التقاء العربية بغيرها من اللغات على مستوى المفردات.
وكانت الألفاظ الدخيلة في العصر الجاهلي قليلة محدودة تتصل بالأشياء التي لم يعرفها العرب في حياتهم. وهي محصورة في ألفاظ تدل على أشياء مادية لا معنوية مثل : كوب - مسك - مرجان - درهم.. وتعود قلة الدخيل إلى سببين : انغلاقهم على أنفسهم واعتدادهم بأنفسهم وبلغتهم.
أما بعد الإسلام فقد اتصلت العربية باللغات الأخرى فانتقلت إليها ألفاظ جديدة تتعلق كلها بالمحسوسات والماديات مثل أسماء الألبسة والأطعمة والنباتات والحيوان وشؤون المعيشة أو الإدارة. وقد انعدم التأثير في الأصوات والصيغ والتراكيب.
إن هذا الداخل على الغالب لم يبق على حاله بل صيغ في قالب عربي، ولذلك كانت المغالاة والإكثار من الغريب وفسح المجال من غير قيد مظهراً من مظاهر النـزعة الشعوبية في الميدان اللغوي قديماً وحديثاً.
وكانت طريقة العرب في نقل الألفاظ الأجنبية أو التعريب تقوم على أمرين:
أ – تغيير حروف اللفظ الدخيل، وذلك بنقص بعض الحروف أو زيادتها مثل:

( ملاحظة للقارىء العزيز وضع الكاتب المثال مكتوب وحمل على هيئة صورة وكان رابط الصورة لايعمل ولذلك لم استطع نقل المثال المقصود لذا اقتضى التنويه )


ب – تغيير الوزن والبناء حتى يوافق أوزان العربية ويناسب أبنيتها فيزيدون في حروفه أو ينقصون، ويغيرون مدوده وحركاته، ويراعون بذلك سنن العربية الصوتية كمنع الابتداء بساكن، ومنع الوقوف على متحرك ، ومنع توالي ساكنين ...
وأكثر ما بقي على وزنه وأصله من الألفاظ هو من الأعلام : سجستان – رامهرمز..
أما دليلهم إلى معرفة الدخيل فهو إحدى ثلاث طرق :
أ – فقدان الصلة بينه وبين إحدى مواد الألفاظ العربية:
بستان : ليس في العربية مادة بست.
ب – أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في الكلمة العربية:
ج ق جوسق – ج ص جَِصّ – ج ط طازج ...
ج – أن تكون على وزن ليس في العربية:
إِبْرَيْسَم إفعيلل – آجر فاعُلّ ..
(أحسن الحرير)

5 – خصائص معانـي الألفـاظ العربيـة :
تقوم طريقة العربية في وضع الألفاظ وتسمية المسميات على الأمور التالية:
أ - اختيار صفة من صفات الشيء الذي يُراد تسميته أو بعض أجزائه أو نواحيه أو تحديد وظيفته وعمله واشتقاق لفظ يدل عليه.
ب - تحتفظ العربية بالمعاني الأصلية الدالة على أمثال هذه المسميات، فألفاظها معللة على عكس غيرها من اللغات التي لا تحتفظ بهذه المعاني.
ج - الإشارة إلى أخص صفات المسمى وأبرزها أو إلى عمله الأساسي ووظيفته، على عكس اللغات الأجنبية التي تشير إلى ظاهره وشكله الخارجي أو تركيبه وأجزائه. فمثلاً تسمية الدراجة في العربية تشير إلى وظيفتها وعملها وحركتها. أما في الفرنسية فإن bicyclette (ذات الدولابين) تشير إلى أجزائها وتركيبها وحالتها الساكنة. ومثل ذلك السيارة التي تشير تسميتها إلى عملها بينما في الفرنسية كلمة automobile تعني المتحرك بنفسه.
ويظهر تفكير العرب وحياتهم واضحين جليين في مفردات لغتهم؛ فكلمة العامل، مثلاً بعد الإسلام، أخذت معنى الوالي والحاكم، وهذا يدل على أن الولاية عمل من الأعمال وليست استبداداً، وأن الحكم تكليف وليس تشريفاً. ولفظ ( المرء ) للمذكر و (المرأة) للمؤنث يدل على تساوي الرجل والمرأة عندهم في الأصل. والمروءة هي الصفات المستحسنة المأخوذة من أخلاق الإنسان ذكراً كان أو أنثى.
وللغة العربية طريقة في تصنيف الموجودات، فمفرداتها تدل على أن العرب صنفوا الوجود تصنيفاً شاملاً دقيقاً منطقياً يدعو إلى الدهشة والتعجب، ويدل على مستوى فكري قلما وصلت إليه الأمم في مثل هذا الطور المبكر من تاريخ حياتها.
وهناك ألفاظ تدل على الموجودات بمجموعها مثل ( العالَم) و (العالَمين ) فهي تشتمل على الخلق كله. وكذلك الشهادة ( الحس) وعكسه الغيب.
وتظهر في الألفاظ العربية أنواع الموجودات كالنبات والحيوان. ويتضمن الحيوانُ الإنسانَ والوحوش والطير والسباع والهوامَّ والسوائم والحشراتِ والجوارحَ والبغاث.
وتظهر أيضاً الأخلاق والمشاعر كالمكارم والمثالب، والمحاسن والمساوئ، والفرح والحزن، والحسيات والمجردات.
ولم تقتصر العربية على الحسّيات كما تقتصر كل لغة في طورها الابتدائي. فبالإضافة إلى ما فيها مما لا يكاد يحصى من الألفاظ الدالة على الحسّيات لم تهمل المعنويات والمجردات. إننا نجد في العربية سعة وغزارة في التعبير عن أنواع العواطف والمشاعر الإنسانية. كما أنها اشتملت على الكلمات الدالة على الطباع والأفعال والمفاهيم الخلقية. واشتملت كذلك على المفاهيم الكلية والمعاني المجردة. لقد جمع العرب في لغتهم بين الواقعية الحسية والمثالية المعنوية، فالمادية دليل الاتصال بالواقع، والتجريد دليل ارتقاء العقل.
ولها باع في الدقة والخصوص والعموم، إذ تمتاز برقة تعبيرها والقدرة على تمييز الأنواع المتباينة، والأفراد المتفاوتة، والأحوال المختلفة سواء في ذلك الأمور الحسية والمعنوية. فإذا رجعنا إلى معاجم المعاني وجدنا أموراً عجباً. فتحت المشي الذي هو المعنى العام أنواع عديدة من المشي:
درج حبا حجل خطر دلف هدج رسف اختال تبختر تخلج
أهطع هرول تهادى تأود...
والأمثلة كثيرة في كتب معاجم المعاني كفقه اللغة للثعالبي وهو مجلد صغير، والمخصص لابن سيده الذي يقع في (17) جزءاً.
ومن ضروب الدقة ما يظهر في اقتران الألفاظ بعضها ببعض، فقد خصص العرب ألفاظاً لألفاظ، وقرنوا كلمات بأخرى ولم يقرنوها بغيرها ولو كان المعنى واحداً.
فقد قالوا في وصف شدة الشيء : ريح عاصف - برد قارس - حر لافح.
وفي وصف اللين : فراش وثير - ثوب لين - بشرة ناعمة - غصن لدن.
وكذلك في الوصف بالامتلاء، والوصف بالجدة، والوصف بالمهارة في الكتابة والخطابة والطب والصنعة ووصف الشيء بالارتفاع الحقيقي أو المجازي وغيرها وغيرها.
لا شك أن هذا التخصص في تراكيب العربية في النعت والإضافة والإسناد نوع من الدقة في التعبير، لأن هذه الألفاظ المخصصة ببعض المعاني والأحوال توحي إلى السامع الصورة الخاصة التي تقترن معها. فلفظ باسق يوحي إلى الذهن معنى الارتفاع وصورة الشجرة معاً، كما توحي كلمة وثير معنى اللين وصورة الفراش. وكثيراً ما يحتاج المتكلم إلى أن ينقل إلى مخاطبه هذه المعاني والصور متلازمة مقترنة ليكون أصدق تصويراً وأدق تعبيراً وأقدر على حصر الصورة المنقولة وتحديدها.
وفي العربية منـزلة للتخصيص والدقة والتعميم، فلا ينطبق عليها وصف الابتدائية لكثرة ما فيها من الألفاظ الدالة على الكليات والمفاهيم والمعاني العامة والمجردة. وما فيها من الدقة والتخصيص قرينة على أن أصحابها بلغوا درجة عالية في دقة التفكير ومزية وضوح الذهن وتحديد المقصود والدلالة. والمستعرض للشعر الجاهلي يجد نماذج من الوصف تتضمن الجزئيات والتفصيلات في الألوان والأشكال والحركات والمشاعر إلى جانب شعر الحكم الذي يتضمن قواعد عامة في الحياة ومعاني عالية من التعميم والتجريد.
إن دقة التعبير والتخصيص سبيل من سبل تكوين الفكر العلمي الواضح المحدد.
والتخصيص اللغوي والدقة في التعبير أداة لا بد منها للأديب لتصوير دقائق الأشياء وللتعبير عن الانفعالات والمشاعر والعواطف.
لقد ألف اللغويون العرب مؤلفات خاصة بإبراز الفروق بين الألفاظ مثل : الفروق لأبي هلال العسكري، وأدب الكاتب لابن قتيبة، وفقه اللغة وأسرار العربية للثعالبي. ونجد مثل هذه الدقة في الوصف عند كثير من كُتاب العربية في مختلف العصور ولا سيما في القرون الأربعة الأولى بعد الإسلام.
وفي العربية عموم وألفاظ عامة إذ يحتاج الإنسان في مراحل ارتقائه الفكري إلى ألفاظ دالة على معان عامة سواء في عالم المادة أو في عالم المعنويات. وسدت اللغة العربية هذه الحاجة، وأمدّت المتكلم بما يحتاج إليه، وبذلك استطاعت أن تكون لغة الفلسفة كما كانت لغة العلم والفن والشعر.

6 – الإيجــاز:
الإيجاز صفة واضحة في اللغة العربية. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " أوتيت جوامع الكلم". ويقول العرب: " البلاغة الإيجاز" و "خير الكلام ما قلّ ودلّ". وفي علم المعاني إيجاز قصر وإيجاز حذف.
الإيجاز في الحرف : والإيجاز في العربية على أنواع ، فمنها الإيجاز في الحرف، حيث تكتب الحركات في العربية عند اللبس فوق الحرف أو تحته بينما في اللغات الأجنبية تأخذ حجماً يساوي حجم الحرف أو يزيد عليه. وقد نحتاج في اللغة الأجنبية إلى حرفين مقابل حرف واحد في العربية لأداء صوت معين كالخاء (KH) مثلاً ولا نكتب من الحروف العربية إلا ما نحتاج إليه، أي ما نتلفظ به، وقد نحذف في الكتابة بعض ما نلفظ : لكن - هكذا - أولئك. بينما في الفرنسية نكتب علامة الجمع ولا نلفظها، وأحياناً لا تلفظ نصف حروف الكلمة. ونكتب في الإنكليزية حروفاً لا يمر اللسان عليها في النطق ، كما في كلمة (right) مثلاً التي نسقط عند النطق بها حرفين من حروفها (gh) نثبتهما في كتابتها.
وفي العربية إشارة نسميها ( الشدة )، نضعها فوق الحرف لندل على أن الحرف مكرر أو مشدد، أي أنه في النطق حرفان، وبذلك نستغني عن كتابته مكرراً، على حين أن الحرف المكرر في النطق في اللغة الأجنبية مكرر أيضاً في الكتابة على نحو (frapper) و (recommondation) .
ونحن في العربية قد نستغني كذلك بالإدغام عن كتابة حروف بكاملها، وقد نلجأ إلى حذف حروف. فنقول ونكتب ( عَمَّ ) عوضاً عن ( عن ما ) و ( مِمَّ ) عوضاً عن ( من ما ) و (بِمَ) عوضاً عن ( بما ) ومثلها ( لِمَ ) عوضاً عن ( لِما ).
الإيجاز في الكلمات : وبمقارنة كتابة بعض الكلمات بين العربية والفرنسية والإنكليزية نجد الفرق واضحاً :

العربية وحروفها الفرنسية وحروفها الإنكليزية وحروفها
أم 2 mère 4 mother 6
أب 2 père 4 father 6
أخ 2 frère 5 brother 7

وليست العربية كاللغات التي تهمل حالة التثنية لتنتقل من المفرد إلى الجمع، وهي ثانياً لا تحتاج للدلالة على هذه الحالة إلى أكثر من إضافة حرفين إلى المفرد ليصبح مثنى، على حين أنه لا بد في الفرنسية من ذكر العدد مع ذكر الكلمة وذكر علامة الجمع بعد الكلمة :
الباب البابان - البابين les deux portes the two doors
الإيجاز في التراكيب : والإيجاز أيضاً في التراكيب، فالجملة والتركيب في العربية قائمان أصلاً على الدمج أو الإيجاز . ففي الإضافة يكفي أن تضيف الضمير إلى الكلمة وكأنه جزء منها :
كتابه son livre كتابهم leur livre
وأما إضافة الشيء إلى غيره فيكفي في العربية أن نضيف حركة إعرابية أي صوتاً بسيطاً إلى آخر المضاف إليه فنقول: كتاب التلميذ ومدرسة التلاميذ، على حين نستعمل في الفرنسية أدوات خاصة لذلك فنقول : le livre de l’élève ، l’école des élèves .
وأما في الإسناد فيكفي في العربية أن تذكر المسند والمسند إليه وتترك لعلاقة الإسناد العقلية المنطقية أن تصل بينهما بلا رابطة ملفوظة أو مكتوبة، فنقول مثلاً: ( أنا سعيد ) على حين أن ذلك لا يتحقق في اللغة الفرنسية أو الإنكليزية، ولا بد لك فيهما مما يساعد على الربط فتقول:
( je suis heureux ) ، ( I am happy ) .
وتستعمل هاتان اللغتـان لذلك طائفـة من الأفعـال المساعدة مثل (avoir , étre) في الفرنسـية و (to have , to be) في الإنكليزية) .
كما أن الفعل نفسه يمتاز في العربية باستتار الفاعل فيه أحياناً، فنقول (أكتب) مقدرين الفاعل المستتر، بينما نحتاج إلى البدء به منفصلاً دوماً مقدماً على الفعل كما هو الأمر في الفرنسية (je-tu…) وفي الإنكليزية (I , you ...). وكذلك عند بناء الفعل للمجهول يكفي في العربية أن تغير حركة بعض حروفه فتقول : كُتب على حين نقول بالفرنسية ( il a été écrit ) وفي الإنكليزية ( it was written ) .
وفي العربية إيجاز يجعل الجملة قائمة على حرف : فِ ( وفى يفي )، و (عِ) من وعى يعي، و ( قِ ) من وفى يفي، فكل من هذه الحروف إنما يشكل في الحقيقة جملة تامة لأنه فعل وقد استتر فيه فاعله وجوباً.
وفي العربية ألفاظ يصعب التعبير عن معانيها في لغة أخرى بمثل عددها من الألفاظ كأسماء الأفعال.
نقول في العربية : ( هيهات ) ونقول في الإنكليزية ( it is too far )
( شتان ) ( there is a great difference )
وحرف الاستقبال مثل : ( سأذهب ) ( I shall go )
والنفي أسلوب في العربية يدل على الإيجاز :
العربية: ( لم أقابله ) ، الإنكليزية : ( I did not meet him )
الفرنسية : ( Je ne l’ai pas rencontré )
العربية: ( لن أقابله ) ، الإنكليزية: ( I will never meet him )
الفرنسية : ( Je ne le rencontrerai jamais )

الإيجاز في اللغـة المكتوبـة :
فمثلاً سورة ( الفاتحة ) المؤلفة في القرآن من (31) كلمة استغرقت ترجمتها إلى الإنكليزية 70 كلمة.
ويقول الدكتور يعقوب بكر في كتاب ( العربية لغة عالمية : نشر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة 1966م ) : "إذا ترجمنا إلى العربية كلاماً مكتوباًُ بإحدى اللغات الأوروبية كانت الترجمة العربية أقل من الأصل بنحو الخمس أو أكثر".
أسد الغابة غير متصل  
قديم 04-20-2006, 09:10 AM   #10 (permalink)
أسد الغابة
عضو موقوف
 
الصورة الرمزية أسد الغابة
 
اللغة العربيّة ومكانتها بين اللغات 2/2

د. فرحان السليم 9/11/1425
21/12/2004


أثر اللغة العربية في اللغات الأخرى :
إن الكلمات العربية في اللغات الإسلامية كالفارسية والتركية والأوردية والمالاوية والسنغالية أكثر من أن تُحصى. والكلمات العربية في الإسبانية والبرتغالية ثم في الألمانية والإيطالية والإنكليزية والفرنسية ليست قليلة أيضاً.
لقد التقت العربية بالفارسية والسريانية والقبطية والبربرية. وكان عندها أسباب القوة، فهي لغة القرآن، وتتميز ببناء قوي محكم، وتملك مادة غزيرة.
لقد حملت رسالة الإسلام فغنيت بألفاظ كثيرة جديدة للتعبير عما جاء به الإسلام من مفاهيم وأفكار ونظم وقواعد سلوك. وأصبحت لغة الدين والثقافة والحضارة والحكم في آن واحد.
غزت العربية اللغات الأخرى كالفارسية والتركية والأوردية والسواحلية فأدخلت إليها حروف الكتابة وكثيراً من الألفاظ. وكان تأثيرها في اللغات الأخرى عن طريق الأصوات والحروف والمفردات والمعاني والتراكيب.
وأدى اصطدام العربية باللغات الأخرى إلى انقراض بعض اللغات وحلول العربية محلها كما حصل في العراق والشام ومصر وإلى انزواء بعضها كالبربرية وانحسار بعضها الآخر كالفارسية.
لقد أصبحت لغات الترك والفرس والملايو والأوردو تكتب جميعها بالحروف العربية. وكان للعربية الحظ الأوفر في الانبثاث في اللهجات الصومالية والزنجبارية لرجوع الصلة بين شرق إفريقيا وجزيرة العرب إلى أقدم عصور التاريخ.

التحديات أمام اللغة العربية
سأل طالب في بيروت أستاذه عن المعنى العربي لمصطلح أجنبي فقال لـه الأستاذ: وهل العربية لغة؟!
لقد اتخذت محاولات الطعن في العربية أشكالاً ومظاهر شتى فهي تلبس تارة ثوب الطعن في الأدب القديم وصحته وتظهر تارة بمظهر تشجيع اللهجات المحلية لتفتيت اللغة الواحدة وتمزيق الناطقين بها وتارة تلبس ثوب الثورة على القديم والدعوة إلى التجديد. فمن منادٍ بالتمرّد على الأسلوب العربي القديم وهو لا يتمرّد في حقيقته على قِدَم الأسلوب وإنما يتمرّد على صحة اللغة وسلامتها ومن قائل بضيق العربية وقصر باعها عن مواكبة الحضارة ومن مصرح بهجر الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني ومن داع إلى تغيير القواعد.. ومن داعٍ للاعتراف بالعلمية وما فيها من أدب وفن .! ويلبس كل ذلك ثوب الإصلاح اللغوي.
وبلغ الأمر بأحدهم أنه لا يرى سبباً لهزيمة العرب إلا لغتهم الفصحى أو يراها من أسباب هزيمتهم. وثان نظر إلى تخلف العرب العلمي في عصر الذرة، فأعلن أنه لا يرى لهذا سبباً غير تمسك العرب بلغتهم في مراحل التعليم عامة والتعليم العالي منها خاصة. وثالث لم يجد داء عند العرب أخطر من بقاء الحروف العربية في أيدي أصحابها فدعا إلى نبذها وإحلال الحروف اللاتينية محلها.
ودعا آخرون إلى اللهجات المحلية وتشجيع دراسة تلك اللهجات باسم البحث العلمي في علم اللغة وفقهها كما دعوا إلى العامية ودراستها. وما هذا إلا دعوةٌ مفرقة ممزقة بطريقة علمية في عصر تبحث فيه الأمة عن وحدتها وترفع فيه شعار قوميتها. ولقد تأسى كثير من أصحاب هذه الدعوات بما فعله مصطفى كمال أتاتورك في تركيا حين نبذ الحروف العربية وكتب اللغة التركية بالحروف اللاتينية فقطع بذلك كل صلة للشعب التركي بمحيطه الشرقي والعربي والإسلامي ظناً منه أن ذلك يجعل تركيا في صدارة العالم المتقدم.
ويقول الإنكليزي ( ويلكوكس ): " إن العامل الأكبر في فقد قوة الاختراع لدى المصريين هو استخدامهم اللغة العربية الفصحى في القراءة والكتابة". ولا يزال أحد الشوارع في حي (الزمالك) بالقاهرة يحمل اسمه .
ودفعت هذه الاتهامات أحد المفكرين إلى أن يصرخ من المرارة: " من حق إسرائيل أن تحيي العبرية الميْتة ومن واجبنا أن نميت العربية الحية". ويقول الدكتور عمر فروخ في هذا المعنى: "أعجب من الذين يدرسون اللغات الميْتة ثم يريدون أن يميتوا لغة حية كالعربية".
إن من يراجع الوثائق التي بدأت بها عملية الاحتلال البريطاني لمصر يكتشف أن أول أعمال الاحتلال هو وضع الخطة لحطم اللغة، يبدو ذلك واضحاً في تقرير لورد دوفرين عام 1882م حين قال : "إن أمل التقدم ضعيف ( في مصر) ما دامت العامة تتعلم اللغة العربية الفصيحة".
وقد توالت هذه الحرب ليس في مصر وحدها بل في الشام والمغرب بأقطاره كلها في محاولات قدمها (كرومر) و(بلنت) من ناحية و(لويس ماسينيون) و(كولان) في المغرب. ثم تقدم رجال يحملون أسماء عربية للعمل بعد أن مهد لهم الطريق (ويلكوكس) والقاضي (ديلمور)، وحيل بين اللغة العربية وبين أحكام المحاكم المختلطة والأجنبية.
وكان التعليم في البلاد العربية المحتلة يتم كله باللغات الأجنبية ( الإنجليزية في مصر والسودان والعراق ) والفرنسية في (سورية وتونس والجزائر والمغرب)، فقد كانت لحظة النفوذ الأجنبي ترمي إلى:
أولاً : تحويل أبجدية اللغات الإقليمية إلى اللاتينية وكانت تكتب أساساً بالحروف العربية ، كما حدث في إندونيسيا وبعض بلاد إفريقيا وآسيا.
ثانياً : تقديم اللغات الأجنبية في الأقطار الإسلامية على اللغة العربية.
ثالثاً : تقديم اللهجات واللغات المحلية وتشجيعها والدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية.
رابعاً : ابتعاث الطلاب إلى الغرب لدراسة لغاته، وكان ذلك إيماناً بأن اللغة هي الوجه الثاني للفكر، وأن من يجيد لغة لا بد أن يعجب بتاريخها وفكرها ويصير له انتماء من نوع ما إلى هذه الأمة.
وكانت الحملة على اللغة العربية الفصحى من خلال حجج ضعيفة واهية منها: صعوبة اللغة، ومنها التفاوت بينها وبين العامية.
وكان فرض اللغات الأجنبية في مختلف أقطار الأمة الإسلامية عاملاً هاماً في فرض ثقافاتها ووجهة نظر أهلها وفي الوقوف موقف الإعجاب بالغاصب والعجز عن مواجهته. ومن يدرس تجارب التعليم الغربي في البلاد العربية يجد الولاء الواضح للنفوذ الغربي.
وفي البلاد الإسلامية غير العربية فعل الأجنبي فعله في إفريقيا وآسيا خاصة ففي إفريقيا عمد الإنجليز في نيجيريا إلى نقل حروف اللغات المحلية من العربية إلى الحروف اللاتينية فضلاً عن عملية القضاء على كتب التراث الإسلامي التي تعرضت للحريق للقضاء على كل أثر علمي عربي بعد قطع التيار الحضاري العربي القادم من شمال إفريقيا ومصر.
وفي غرب إفريقيا عمد الاستعمار الفرنسي إلى القضاء على العربية بعد معركة مع اللغة العربية في الجزائر خلال مائة عام كاملة.
وقد جاء هذا كله بعد أن بلغت اللغة العربية كل وصف حتى أصبحت لغة التخاطب بين قبائل نصف القارة كما أشار إلى ذلك ( توماس أرنولد) في كتابه (الدعوة إلى الإسلام)، وبعد أن كانت بعوث إفريقيا ترسل إلى مكة المكرمة والأزهر أصبحت ترسل إلى الغرب.
وبعد أن كانت اللغة العربية قد شاركت بحروفها وألفاظها في كل اللغات الأساسية في إفريقية وهي الهوسا والماندنجو والوولوف والسواحلية والصومالية ولغات النيجر والدناكل في إثيوبيا وإرتيريا، عمد النفوذ الأجنبي إلى إيقاف كل ذلك وإحياء الثقافات الإفريقية القديمة وصبغها بصبغة إقليمية تساعد على إثارة التعصب وإقامة القوميات المحدودة المحلية في نطاق قبلي ليستغلوا هذه الروح في إقامة سد مرتفع في وجه انتشار اللغة العربية مع نشر الثقافة الإنجليزية والفرنسية من خلال اللغتين ليتحقق الاستعمار الثقافي الكامل.
وهكذا أصبحت اللغتان الإنجليزية والفرنسية - كل في منطقة سيطرتها - لغة أساسية في مراحل التعليم المختلفة، وغلبت اللهجات القومية ولغة المستعمر ليس على مناهج التعليم فحسب بل على أعمال المصارف والمحاكم والدواوين.
أما في آسيا فقد استطاعت اللغات الأجنبية في جنوب شرق آسيا ( الملايو - إندونيسيا - تايلاند ) السيطرة ، وتراجعت اللغة العربية ثم تراجعت الحروف العربية أيضاً في تركيا وإندونيسيا.
وفي إندونيسيا وأرخبيل الملايو نجد الصورة قاتمة، فقد تعرضت إندونيسيا بعد الاستقلال للتحديات في مجال اللغة فكتبت اللغة الأندونيسية بالخط الروماني (اللاتيني) بدلاً من الخط العربي المحلي، وأصبحت العربية لغة أجنبية لا يقرؤون ولا يكتبون بها، وأصبح العدد الأكبر قادراً على أن يقرأ اللغات الغربية وخاصة الإنجليزية.

وإذا أردنا حصر التحديات التي واجهتها اللغة العربية فإننا نلخصها بالتالي :
- استبدال العامية بالفصحى.
- تطوير الفصحى حتى تقترب من العامية.
- الهجوم على الحروف العربية والدعوة إلى استعمال الحروف اللاتينية.
- إسقاط الإعراب في الكتابة والنطق.
- الدعوة إلى إغراق العربية بسيل من الألفاظ الأجنبية.
- محاولة تطبيق مناهج اللغات الأوروبية على اللغة العربية ودراسة اللهجات العامية.

المــواجـــهــــة :
وقبل الدخول في المواجهة علينا أن نشخص الأمراض التي نعاني منها على المستوى اللغوي فالتشخيص نصف العلاج.
إن التردي في عصور الانحطاط كان عاملاً من عوامل ضعفنا اللغوي، وهذا التردي لم يكن مقصوراً على العامة من الناس بل شمل العلماء والفقهاء حتى كان يعجز الكثير منهم عن كتابة رسالة خالية من العجمة، بريئة من الركاكة أو العامية، سليمة من الخطأ. وكانت دروس الفقه والدين بل دروس النحو والبلاغة تلقى بلغة مشوبة بالعامية منحطة عن الفصحى. أما أساليب العرب الفصيحة والكلام البليغ فقد كانوا بعيدين عنه كل البعد، وكل ما تصبو إليه النفوس وترتفع إليه المطامح أن يقلد الكاتب أسلوب الحريري في مقاماته أو القاضي الفاضل في رسائله ومكاتباته.
لقد اختفت الفروق اللغوية وأصبحت الألفاظ المتقاربة مترادفة. ولم يبق الترادف مزية من مزايا العربية بل مرضاً من أمراضها الوافدة المنتشرة، وغلب على الناس استعمال الألفاظ في معانيها العامة فضاعت من اللغة بل من التفكير مزية الدقة التي عُرفت بها العربية في عصورها السالفة، وأدى ذلك إلى تداخل معاني الألفاظ حين فَقَدت الدقة واتصفت بالعموم، وفقد الفكر العربي الوضوح حين فقدته اللغة نفسها، واتصفت بالغموض، وانفصلت الألفاظ عن معانيها في الحياة وأصبحت عالماً مستقلاً يعيش الناس في جوه بدلاً من أن يعيشوا في الحياة ومعانيها.
إن الموقف يلقي أمامنا مشكلة النهوض باللغة العربية وقدرتها على الوفاء بحاجات أهلها في هذه الحياة الجديدة سواء في ميدان العلوم أو الفن أو الأدب بأغراضه وآفاقه الحديثة، أو في ميدان الحياة العملية بما فيها من مستحدثات لا ينقطع سيلها. كما يدفعنا باتجاه التحرّر من آثار عصور الانحطاط من جهة ومن التقليد الأجنبي والعجمة الجديدة التي أورثنا إياها عصر الاستعمار والنفوذ الأجنبي من جهة أخرى.
إن المطلوب تكوين وعي لغوي صحيح يساير وعينا السياسي والفكري بل هو الأساس لتكوين تفكيرنا تكويناً صحيحاً، والأخذ بأيدينا نحو الوحدة اللغوية والتحرر اللغوي والقضاء على التجزئة والشعوبية أو النفوذ الأجنبي في ميدان اللغة والفكر.
إن التعليم الجامعي العلمي خاصة في كثير من أقطار العروبة ما زال باللغات الأجنبية : فهو إنكليزي في أقطار، فرنسي في أقطار، روسي في أقطار، ولا توجد صيدلة عربية ولا طب عربي .
وما زال هناك -إلى الآن- من يجادل لإبقاء تدريس العلوم باللغات الأجنبية. لقد انقسم العرب إبان عهد الاستعمار إلى مجموعتين : الأولى هي الدول التي حافظت على اللغة العربية طوال فترات الاحتلال، ولكن العجب أن تتصاعد فيها آراء تشكك في صلاحية اللغة العربية لاحتواء العلوم الحديثة، والثانية هي مجموعة الدول التي استطاع المستعمر فرض لغته عليها، وهي على العكس بذلت جهوداً مضنية لاستعادة مكانة اللغة العربية. ومنذ سنوات ظهرت حلقة من برنامج الاتجاه المعاكس في محطة الجزيرة القطرية الفضائية كان موضوعها عن صلاحية اللغة العربية في تدريس العلوم، وكان النقاش بين أستاذين جامعيين عربيين: الأول يدعو إلى تدريس العلوم باللغة الإنكليزية وهو سوري، والثاني يدعو إلى تعريب التعليم وهو جزائري.
إن كثيراً من دعاة العروبة لا يحسنون لغتهم. وهذا ما دفع أحد المفكرين إلى القول بأن هناك إهانة توجه إلى العربية؛ تتجلى هذه الإهانة في ثلاثة أمور:
1 – السيل من الأفلام والمسلسلات والتمثيليات والمسرحيات والأغاني باللغة العامية.
2 – بعض الزعماء يخلط العربية بالعامية، وهم مولعون بخفض المرفوع وجر المنصوب.
3 – تقليد المنتصر.
وإذا نظرنا إلى ما يفعل أصحاب اللغات الأخرى لخدمة لغاتهم لوجدنا أنفسنا مقصرين كثيراً. فالإنكليز مثلاً يفعلون العجب في تعميم لغتهم، ويبتكرون الحيل الطريفة لتحبيبها إلى النفوس حتى أصبحت الإنكليزية لغة العالم، ولغة العلم معاً.
وقد حفظ لنا تاريخنا جهود رواد بذلوا ما بوسعهم لخدمة هذه اللغة. فمثلاً لما تولى سعد زغلول وزارة المعارف في مصر كان التعليم في المراحل الأولى باللغة الإنكليزية؛ كان كتاب الحساب المقرر على الصف الابتدائي تأليف ( مستر تويدي) وكذلك سائر العلوم، فألغى سعد هذا كله، وأمر أن تُدرس المقررات كلها باللغة العربية، وأن تُوضع مؤلفات جديدة باللغة القومية. وبذلك المسلك الناضج حفظ على مصر عروبتها. وهذا الصنيع دفع أحد المفكرين المصريين إلى القول: ( إن سعداً أحسن إلى جيلنا كله بجعلنا عرباً ) فكم سعداً نحتاج إليه؟
ويسرني أن أختم بأبيات من قصيدة للدكتور عبد المعطي الدالاتي من وحي هذه المقالة:




لغـــــتي عليا اللغاتِ
قد ســــمتْ كالكوكبِ

جرسها بين اللـــغاتِ
كرنيــــــــــن الذهبِ

قد غدت أخت الخلودِ
بالكـــــــــلام الطيّبِ


وفي كل آخر يحسن الحمد لله رب العالمين

http://www.islamtoday.net/articles/...=138&artid=4756
أسد الغابة غير متصل  
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


الساعة الآن 05:15 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103