عرض مشاركة واحدة
قديم 05-28-2012, 02:10 AM   #48 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة النمل د: عثمان قدري مكانسي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة النمل

د: عثمان قدري مكانسي

( 3 )



5- التصرف الحكيم :

يجب أن يكون الفعل وردة الفعل مدروسين بتأنٍّ ورويّة ، قائمَيْن على قواعد مدروسة ، وخطط سليمة . فالداعية لا ينبهر بالأموال والهدايا التي تأتيه ، إن هدفه أكبر من هذا بل هو غير ذلك على الإطلاق . ولا يأنس للزخرف الدنيوي .. فماذا فعل النبي سليمان ؟
أ- أظهر الزهد في هداياهم ، فما عند الله خير مما جاءوه به ، وليس هذا هدفه ." فلما جاء سليمانَ قال أتمدونني بمال " ونكّر لفظ المال استهانة به وتحقيراً لشأنه ، ليلقي الرعب في قلوبهم ، فيفكروا بالإسلام ، والخضوع للحق ، فقد قال لهم من قبل " ألاّ تعلوا عليّ وأتوني مسلمين " .
ب- أظهر القوة وهدّد بها " ارجع إليهم فلنأتينّهم بجنود لا قبل لهم بها "
ت- حاربهم نفسياً حين أكمل قائلاً: " ولنخرجنّهم منها أذلة وهم صاغرون "
وكان لما فعلَ التأثيرُ الإيجابي السريع ، فقد اظهر القوة عملياً حين جيء بعرشها وأدخل الملكةَ الصرح المبنيّ على الماء فبهرها ، والانبهار دليل الاستسلام والخضوع . وهذا ما يفعله القوي بالضعيف دائماً ، فيستذله إلا المؤمن فإنه يبدي القوة ، ويبهر العدو ليستنقذه من الضلال إلى الهداية ، وينتشله من الكفر إلى الإيمان ، ويكون أخاً له يحبه ويكرمه .
وهذا ما فعله النبي سليمان عليه السلام بملكة سباً وأهلها، وهذا ما فعله النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة ، فقد دخلها متواضعاً لله متذللا لمولاه ، شاكراً فضله ، ولم يعمل السيف في أهلها ، بل عفا عنهم وأكرمهم ، إذ قال لهم حين جمعهم في الحرم الشريف : ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم . قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء .
ومن الحرب النفسية التي بهر الملكة بها المجيءُ بعرشها – وقد كان عظيماً – بطرفة عين ، جاء به من كان عنده علم من الكتاب ، وكان يعلم اسم الله الأعظم . ، وتراه عليه السلام فاضل بين هذا الرجل ، والمارد القوي الذي عرض حمل عرشها بساعات ، فجاء به الربّاني بلحظة خاطفة " قال أيّـُكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * قال عفريت من الجن : أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ، وإني عليه لقويٌّ أمين * قال الذي عنده علم من الكتاب : أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفـُك . "
فهل تعاظم ، وانتفش كما ينتفش أهل الدنيا ممن يتيهون حين يمتلكون ؟! إنه نبي كريم من أنبياء الله تعالى ربّاه على عينه فأحسن تربيته .. لقد قال سليمان مقراً بفضل الله وكرمه ، منبهاً إلى أن كل هذه الكرامات العظام إنما هي ابتلاء للمؤمن واختبار لإيمانه ، وقد فاز من نجح في هذا الامتحان : " قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ."

6- تعّرفْ إلى الناس :

ينبغي التعرف على قدرات من تعاشرهم حتى تنزلهم منازلهم .. يروى أن رجلاً جسيماً يرتدي حلة فاخرة جلس بوقار إلى حلقة أبي حنيفة النعمان وهو بين تلاميذه يناقشهم في بعض المسائل ، وكان يمد رجله متعباً في جلسته متباسطاً معهم ، فجمعها إليه حين جلس هذا الرجل بينهم ، ثم بدا للرجل أن يتكلم فسأل سؤالاً لا يدل على ذكاء وفهْمٍ ، فضحك ابو حنيفة ، وقال : آن لأبي حنيفة أن يمد رجله .. وهنا نجد نبي الله سليمان يريد أن يختبر الملكة بلقيس ، ويتعرف جدارتها في حكم أهل سباٍ ، فقال لمساعديه : " نكّروا لها عرشَها ننظرْ أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون "
فغيّروا في عرشها بعض معالمه ، فلما وصلت واستقبلها أشار إلى عرشها يسألها بذكاء الأنبياء ولباقتهم : " أهكذا عرشُكِ " ولم يسألها أهذا عرشك؟ والفرق بين الطريقتين واضح . فالأول فيه شك وجواب الثاني نفي أو إثبات . فكان جوابها على قدر السؤال حين "قالت كأنه هو " فلم تنفِ ولم تثبت وتركته في دائرة الشك . هذا كان الاختبار الأول .
أما الاختبار الثاني فكان أن طلب إليها دخولَ الصرح المبني بصفائح الزجاج فوق الماء ، فلم تتبين الزجاج ، فكشفت عن ساقيها تظن أنها ستخوض لُجـّته ، فلما قيل لها " إنه صرح ممرد من قوارير " علمت أنه يريد أن يريها ملكاً أعظم من ملكها ففطنت إلى مراده فاستسلمت ، وأذعنت ثم أسلمت بعد أن أقرّت بما كانت عليه من الكفر . وقيل كما في القرطبي - بتصرف - : عمله ليختبر قول الجن فيها : إن أمها من الجن، ورجلها رجل حمار؛ قاله وهب بن منبه. فلما رأت اللجة فزعت وظنت أنه قصد بها الغرق : وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ورأت ما هالها، ولم يكن لها بد من امتثال الأمر. "وكشفت عن ساقيها " فإذا هي أحسن الناس ساقا؛ سليمة مما قالت الجن، فلما بلغت هذا الحد، قال لها سليمان بعد أن صرف بصره عنها " إنه صرح ممرد من قوارير" والممرد المحكوك المملس
. ولما رأى سليمان عليه السلام قدميها تزوجها عند ذلك وأسكنها الشام


يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس