عرض مشاركة واحدة
قديم 05-28-2012, 02:07 AM   #47 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة النمل د: عثمان قدري مكانسي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة النمل

د: عثمان قدري مكانسي

( 2 )



3- الداعية مثال الإنسان الواعي :

وكان النبي الكريم سليمان عليه السلام يجند كل جيشه في نشر دعوة الله وبناء صرح الدين في الأرض " وحشر لسليمان جنودُه من الجن والإنس والطير ، فهم يوزعون " مرتبين ومنظمين . يصله خبرهم وحالهم على كثرتهم ، ولا يغيب عنه- بإذن الله- شاردة منهم ولا واردة . وهكذا يكون المسؤول ، فمن يتسنم أمراً من أمور المسلمين عليه أن يتابعهم ، والعين الساهرة المتابعة تحفظ النظام والبلد وتهيئ الأمان والراحة للأمة صغيرها وكبيرها، قريبها وبعيدها ، ضعيفها وقويّها . ومثال ذلك :
أولاً - إيقاف المسير في وادي النمل للحفاظ على حياة النمل ، وخوف أن يباد تحت مداس الجيش الجرار دون أن يشعر بها لضآلتها – وقد توقف العلماء في العصر الحديث عند قوله تعالى :" لا يحطمنّكم سليمان وجنوده ... " فذكر التحطيم بدل الدهس والقتل أو الكسر حين اكتشفوا أن في تركيب النمل قدراُ من الزجاج ، والزجاج يتحطم ثم يتفتت ويصير كالرمل حين يتكسر تحت وطئه المستمر . وهذا من بديع بلاغة القرآن.
والداعية لا يتكبر ولا يتجبر على غيره حين يمتلك القوة وأسباب الغنى ، إنما يتواضع لله ، ويحافظ على عباده فهو مسؤول أمامه فيما يفعل أيشكر أم يكفر؟ ، أيرحم أم يظلم ؟ .. وكلما ازداد شعوره بفضل الله تعالى عليه تضاعفت همته في العمل الصالح والشكر لله على فضله وكرمه وهكذا سيدنا سليمان عليه السلام ، فبعد أن تبسم ضاحكاً من قولها حين سمعه وفهمه :
1- سأل الله أن يعينه على أداء المهمة .
2- وأن يعينه على حسن شكرالنعمة .
3- وأن يسدد خطاه في العمل الصالح .
4- وأن يرزقه المثابرة عليه بالطريقة التي ترضي الله تعالى
5- وان يجعله برحمته في عباده الصالحين .
" فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين "
ولا ننس أن على العاقل أن ينصح أهله وأمته ، وينبههم إلى الخير ويحذرهم من المهالك كما فعلت النملة حين حذرت جماعتها من موت محقق إن غاب عنها الحذر ولم تسارع إلى مساكنها تتوقاه . وتعال معي إلى الحوار بين سليمان والنملة، ففيه - على الشك بصحته لإسرائيليته – فوائد تربوية وحكمة .. والحكمة ضالة المؤمن أين وجدها التقطها . .. يقول القرطبي :
قال أبو إسحاق الثعلبي : ورأيت في بعض الكتب أن سليمان قال للنملة لم حذرت النمل؟ أخفت ظلمي ؟ أما علمت أني نبي عدل؟ فلم قلت " لايحطمنكم سليمان وجنوده " ؟ فقالت النملة : أما سمعت قولي " وهم لا يشعرون " .. مع أني لم أرد حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب خشية أن يتمنين مثل ما أعطيت، أو يفتتِنّ بالدنيا، ويُشغلن بالنظر إلى ملكك عن التسبيح والذكر. فقال لها سليمان : عظيني. فقالت النملة : أما علمت لمَ سمي أبوك داود؟ قال : لا. قالت : لأنه داوى جراحة فؤاده؛... هل علمت لم سميت سليمان؟ قال : لا. قالت : لأنك سليم الناحية على ما أوتيته بسلامة صدرك، وإن لك أن تلحق بأبيك- بالفضل- .. ثم قالت : أتدري لم سخر الله لك الريح؟ قال : لا. قالت : أخبرك أن الدنيا كلها ريح. " فتبسم ضاحكا من قولها " متعجبا ثم مضت مسرعة إلى قومها، فقالت : هل عندكم من شيء نهديه إلى نبي الله؟ قالوا : وما قدر ما نهدي له! والله ما عندنا إلا نبقة واحدة. قالت : حسنة؛ ايتوني بها. فأتوها بها فحملتها بفيها فانطلقت تجرها، فأمر الله الريح فحملتها، وأقبلت تشق الإنس والجن والعلماء والأنبياء على البساط، حتى وقعت بين يديه، ثم وضعت تلك النبقة من فيها في كفه، وأنشأت تقول :
ألم ترنا نهدي إلى الله ماله * وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله
ولو كان يهدي للجليل بقدره * لقصر عنه البحر يوما وساحله
ولكـننا نهدي إلى من نحبه * فيرضى به عنا ويشكـر فاعله
وما ذاك إلا من كريم فعالـه * وإلا فما في مُلكنا ما يشاكـلـه
فقال لها : بارك الله فيكم؛ فهُـم- أي النمل - بتلك الدعوة أشكـَرُ خلق الله وأكثر خلق الله.
وقال ابن عباس : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب : الهدهد والصرد والنملة والنحلة؛ خرجه أبو داود وصححه أبو محمد عبدالحق وروي من حديث أبي هريرة. وقد مضى في الأعراف . فالنملة أثنت على سليمان وأخبرت بأحسن ما تقدر عليه بأنهم لا يشعرون إن حطموكم، ولا يفعلون ذلك عن عمد منهم، فنفت عنهم الجور.
ثانياً – قصته مع الهدهد الذي غاب دون إذن من القائد فكانت عقوبته العذاب الشديد أو الذبح . أو إظهار العذر ، فإن كان له عذر بيّن عفا عنه . وجاء الهدهد بعد قليل ، موضحاً أنه عرف ما لم يكن النبي سليمان على جلال قدره يعرفه ، فالأنبياء لا يعلمون الغيب ، ولا يحيطون بكل شيء . وجاءه من بلاد سبأٍ بخبر يتشوفه النبي الكريم " فقال أحطت بما لم تحط به ، وجئتك من سباٍ بنبأٍ يقين " لم يكن الهدهد خائفاً فحجته معه ، وسينجو من العذاب فهو واثق بنفسه وبما يحمل من نبأٍ يسر له الداعية الذي وهب نفسه لدين الله ودعوته . والهدهد جندي من جنود هذه الدعوة ، فعليه أن يكون له دور في نشرها .
وليؤكد أنه لم يضيّع وقته هباء فصّل فيما رآه ليصدقه النبي سليمان
" إني وجدت امرأة تملكهم
وأوتيت من كل شيء
ولها عرش عظيم "
ثم بين تفاهة ما يعبدون من دون الله ، فقد أضلهم الشيطان عن الطريق القويم ، وأزلهم في اعتقادٍ باطل فضاعوا في متاهة الكفر والفساد " وجدتها وقومَها يسجدون للشمس من دون الله ، وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل فهم لا يهتدون " وتصوروا معي : كم يسقط الإنسان ويتضاءل حين يكون الطير أكثر منه هدى وبصيرة " ..ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ".

4- التحري عن الحق :

أسلوب يدل على الحرص في الوصول إلى العدل ، والحكم به ، والبعدعن ظلم الرعية ، فسليمان عليه السلام كان أدنى إلى تصديق الهدهد من تكذيبه ، والدليل على ذلك أنه بدأ في خطابه بكلمة سننظر أصدقتَ أم كنت من الكاذبين .. ونلحظ هنا قاعدة تقول : إن الصدق في الناس قليل ، والكذب كثير بدليل أنه قال :أصدقتَ – بصيغة المفرد – أم كنت من الكاذبين – بصيغة الجمع .
وليتأكد من ذلك مع التصديق له أرسله بكتابه وحده ، فلم يكن معه شاهد ، وكلفه بأمرين :
أ‌- إيصال الكتاب ...
ب- متابعة الأمر وتقديم تقريره .
وامتاز الكتاب بثلاث صفات مهمة :
أ‌- البدأ بالبسملة : وقد قال نبينا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام : " كل كلام لا يُبدَأ فيه ببسم الله ، فهو أجذم " والمسلم يبدأ بأعماله كلها باسم الله تعالى . وقد اتفق المسلمون على كتابة " بسم الله الرحمن الرحيم " في أول الكتب والرسائل لأنه أبعد عن الريبة . ولا يسمى الكتاب كتاباً إلا إذا ختم ، وعلى هذا اصطنع الرسول عليه الصلاة والسلام خاتماً ونقش عليه " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله "
ب- الاختصار غير المُخِل : " ألاّ تعلوا عليّ " فهو يخاطبهم بالعقل والقوة .
" وائتوني مسلمين " مؤمنين بالله وحده بعد الفهم والاقتناع أو مستسلمين للحق صاغرين . والمسلم يجب أن يكون عزيزاً قوياً .
ت- التعريف بالمرسِل: ليكون الأمر على بينة ، وليُعرف خطرُه ومكانته ، فيُحترم .
وقد شعرت الملكة بعزة المسلم وقوته حين قرأت الكتاب واستشارت بطانتها ثم علقت قائلة " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون " حين استشارت قومها في أمر سليمان عليه السلام مستنصحة ، أجابوها : نحن أقوياء أشداء ، فافعلي ما ترينه مناسباً
" قالوا نحن أولو قوة وألو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين " وأعتقد أنّ آراءهم خانتهم بهذا الجواب ، فلم يكونوا على دراية بعظم مكانة من أرسل الكتاب ، ولو فكروا قليلاً معتمدين في تفكيرهم على الطريقة التي وصلهم بها الكتاب إليهم ، وهذا أمر غريب عجيب " إني أُلقيَ إليّ كتاب كريم " ولم تعرف من الذي ألقاه ، ولا كيف وصل . ولم تدر أن الرسول الذي ألقى الكتاب طيرٌ يتابع لقاءها ببطانتها دون أن تشعر به .
والحاكم العاقل - ولو كان امرأة – يتدبر الأمر ، ويجنّب قومه المهالك . ولا بد من سلوك الأمر الهيّن السهل في استكناه ردّة فعل المرسِل حين يصله الجواب . وقد فعلت ذلك " وإني مرسلة إليهم بهدية ، فناظرة بما يرجع المرسلون "
فإن كان ملكاً طامعاً بالمال بذلناه له ، وإن كان الأمر شيئاً آخر تلافينا ضرره بما نستطيع .... وكانت موفقة بما قررت .
وهنا تنتهي قصة الهدهد ، فقد صدق فيما ادّعاه ، وأدى واجبه ، فلم يعاقب .


يتبــــــــــع


التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 06-02-2012 الساعة 12:26 AM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس