عرض مشاركة واحدة
قديم 05-28-2012, 02:05 AM   #46 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة النمل د: عثمان قدري مكانسي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة النمل

د: عثمان قدري مكانسي

( 1 )



1-العلم مفتاح الخير :

آتى الله تعالى داوود وابنه سليمان علماً ، والعلم الحق يوصِل إلى معرفة الله تعالى المعرفة التي تجعل صاحبها يؤمن به ويجلّه تعظيماً وحباً وخشية " إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ " و من جهل الحقيقة لم يحفل بها، ولم يعِرْها ما تستحق من جلال المقام .. أما داوود وسليمان فإنهما حين أكرمهما الله بالنبوّة وفضلهما " ولقد آتينا داوود وسليمان علماً " أقرّا بفضله تعالى وحمداه على ذلك " وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين " .
فالعلم شرف ، محله منيف ، وأهله وحَمَلتُه متقدمون . وهو من أجلّ النعم وأجزل القِسَم ، ومن أوتيَه فقد تقدم على كثير من عباد الله المؤمنين . والبون شاسع بين الجاهل والعالم ، ذاك يتخبط في جهله في ليل مظلم ، وهذا يسير في أضواء المعرفة وسبل الهداية ، فلا يستويان " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب " " قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون"! وقال الشاعر في الحث على العلم :
تعلّم ، فليس المرء يولد عالماً * وليس سـواءً عالـمٌ وجهـولُ

2- التحدّث بالنعمة :

وقد عُلّم النبيّان الكريمان منطق الطير " وقال- سليمان عليه السلام – يا أيها الناس عُلـِّمْنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين " قال تعالى مخاطباً نبيه الكريم محمداً عليه الصلاة والسلام " في وجوب التحدث بنعمة الله " وأما بنعمة ربك فحدث " ولا يكون الحديث بالمفاخرة والتعاظم ، إنما بالعمل الصالح ، وخدمة العباد ، والسهر على راحتهم . والإقرار بفضل الله عملاً وقولاً ، وإن مساعدة الآخرين وقضاء حوائجهم والسير فيها من التحدث بنعمة الله .
ولم يبلغ أحد من الأنبياء ما بلغ ملكه ، فإن الله تعالى سخّر له الإنس والجن والطير والوحش وآتاه ما لم يؤتِ أحداً من العالمين .
يقول القرطبي في في تفسير هذه الآية :
" قوله تعالى: " وقال يا أيها الناس " أي قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله " علمنا منطق الطير " فتفضل الله علينا على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض في أنْ فهّـمَنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها. قال مقاتل في الآية :
كان سليمان جالسا ذات يوم إذ مر به طائر يطوف، فقال لجلسائه : أتدرون ما يقول هذا الطائر؟ إنها قالت لي : السلام عليك أيها الملك المسلط والنبي لبني إسرائيل! أعطاك الله الكرامة، وأظهرك على عدوك، إني منطلق إلى أفراخي ثم أمر بك الثانية؛ وإنه- الطائر - سيرجع إلينا الثانية ثم رجع؛ فقال إنه يقول : السلام عليك أيها الملك المسلط ، إن شئت أن تأذن لي كيما أكتسب على أفراخي حتى يشبوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت. فأخبرهم سليمان بما قال؛ وأذن له فانطلق.
وقال فرقد السبخي : مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا لا يا نبي الله. قال إنه يقول : أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء.
ومر بهدهد فوق شجرة وقد نصب له صبي فخا فقال له سليمان : احذر يا هدهدُ! فقال : يا نبي الله! هذا صبي لا عقل له فأنا أسخر به. ثم رجع سليمان فوجده قد وقع في حبالة الصبي وهو في يده، فقال : هدهدُ ما هذا؟ قال : ما رأيتها حتى وقعت فيها يا نبي الله. قال : ويحك! فأنت ترى الماء تحت الأرض أما ترى الفخ! قال : يا نبي الله إذا نزل القضاء عمي البصر.
وقال كعب. صاح ورشان- طائر يشبه الحمام - عند سليمان بن داود فقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : إنه يقول : لدوا للموت وابنوا للخراب.
وصاحت فاختة- وهي ضرب من الحمام المطوّق صوّيت - فقال : أتدرون ما تقول؟ قالوا : لا. قال : إنها تقول : ليت هذا الخلق لم يخلقوا ، وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا.
وصاح عنده طاوس، فقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : إنه يقول : كما تدين تدان.
وصاح عنده هدهد فقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : من لا يَرحم لا يُرحم. وصاح صُرَدٌ- طائر فوق العصفور ، كانت العرب تتطير منه - عنده، فقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : إنه يقول : استغفروا الله يا مذنبين؛.. فمن ثَـمّ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله. وقيل : إن الصرد هو الذي دل آدم على مكان البيت. وهو أول من صام؛ ولذلك يقال للصرد الصوّام؛ روي عن أبي هريرة.
وصاحت عنده طِيطوى – نوع من القطا طِوال الأرجل - فقال : أتدرون ما تقول؟ قالوا : لا. قال : إنها تقول : كلُّ حي ميت وكل جديد بال.
وصاحت خطّافة – عصفور أسود ، وتسميه العامّة عصفور الجنة - عنده، فقال : أتدرون ما تقول؟ قالوا : لا. قال : إنها تقول : قدموا خيرا تجدوه؛ فمن ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها. وقيل : إن آدم خرج من الجنة فاشتكى إلى الله الوحشة، فآنسه الله تعالى بالخطاف وألزمها البيوت، فهي لا تفارق بني آدم أنسا لهم. قال : ومعها أربع آيات من كتاب الله عز وجل {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته} الحشر 21 إلى آخرها وتمد صوتها بقوله {العزيز الحكيم} البقرة 129.
وهدرت حمامة عند سليمان فقال : أتدرون ما تقول؟ قالوا : لا. قال : إنها تقول : سبحان ربي الأعلى عدد ما في سماواته وأرضه.
وصاح قـُمري عند سليمان، فقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال إنه يقول : سبحان ربي العظيم المهيمن.
وقال كعب : وحدثهم سليمان، فقال : الغراب يقول : اللهم العن العشّار- الذي يأخذ عشر أموال الناس ويستحله - .
والحدأة تقول { كل شيء هالك إلا وجهه } القصص 88 .
والقطاة تقول : من سكت سلم.
والببغاء تقول : ويل لمن الدنيا همه.
والضفدع يقول : سبحان ربي القدوس.
والبازي يقول : سبحان ربي وبحمده.
والسرطان يقول : سبحان المذكور بكل لسان في كل مكان.
وقال مكحول : صاح دراج عند سليمان، فقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : إنه يقول{ الرحمن على العرش استوى } .
وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم : (الديك إذا صاح قال اذكروا الله يا غافلين).
وقال الحسن بن علي بن أبي طالب قال النبي صلى الله عليه وسلم : (النسر إذا صاح قال يا ابن آدم عش ما شئت فآخرك الموت .
وإذا صاح العقاب قال : في البعد من الناس الراحة .
وإذا صاح القنبر قال إلهي العن مبغضي آل محمد .
وإذا صاح الخطاف قرأ { الحمد لله رب العالمين } الفاتحة إلى آخرها فيقول { ولا الضالين } الفاتحة ، ويمد بها صوته كما يمد القارئ.
قال قتادة والشعبي : إنما هذا الأمر في الطير خاصة، لقوله { علمنا منطق الطير } والنملة طائر إذ قد يوجد له أجنحة. قال الشعبي : وكذلك كانت هذه النملة ذات جناحين.
وقالت فرقة : بل كان في جميع الحيوان، وإنما ذكر الطير لأنه كان جندا من جند سليمان يحتاجه في التظليل عن الشمس وفي البعث في الأمور فخص بالذكر لكثرة مداخلته؛ ولأن أمر سائر الحيوان نادر وغير متردد ترداد أمر الطير.
وقال أبو جعفر النحاس : والمنطق قد يقع لما يفهم بغير كلام، والله جل وعز أعلم بما أراد. قال ابن العربي : من قال إن سليمان لا يعلم إلا منطق الطير فنقصان عظيم، وقد اتفق الناس على أنه كان يفهم كلام من لا يتكلم ويخلق له فيه القول من النبات، فكان كل نبت يقول له : أنا شجر كذا، أنفع من كذا وأضر من كذا؛ فما ظنك بالحيوان.
فمن تكريم الله تعالى سليمان أنه عليه السلام
أ- نال النبوة .
ب ـ عُلـِّم منطق الطير والحيوانات .
ت - جنوده من كل المخلوقات ، إنسهم وجنّهم وطيرهم ووحشهم .
ث - حمل الريح له ولجنوده في ساعات مسيرة شهر " ولسليمان الريح غدُوُّها شهر ورواحها شهر " .
ج - أسال الله تعالى له النحاس ، فذاب وسال كما تسيل عيون الماء ليستعمله فيما يريد ومن ثم انتفع الناس به " وأسلنا له عين القِطْر" .


يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس