عرض مشاركة واحدة
قديم 05-25-2012, 01:57 AM   #41 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

تأملات تربوية في سورة يوسف د: عثمان قدري مكانسي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة يوسف

د: عثمان قدري مكانسي

( 5 )



1- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمعاملة الخدم والعبيد معاملة إنسانية طيبة ، فهم بشر مثلنا ، لهم أحاسيس ومشاعر، يسعدون للكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة ، ويألمون للكلمة السيئة وسوء المعاملة بل إن النبي صلى الله علية وسلم أمرنا باللطف في نداء الخادم والحديث عنه فقال : "لا يقل أحدكم عبدي وأمتي ولا يقولن المملوك ربي وربتي وليقل المالك فتاي وفتاتي وليقل المملوك سيدي وسيدتي فإنكم المملوكون والرب الله عز وجل " فيدعو المالكُ مملوكه بـ : يا فتى ، وينادي المملوك ُمالكه : سيدي . كما أُمرنا أن لا نتميّز عنهم بطعام أو لباس " من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموهم مما تأكلون ، واكسوهم مما تلبسون ومن لم يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله " .
ونرى العزيز الذي اشترى يوسف عليه السلام عاقلاً يأمر زوجته ان تحسن إليه ، فقد يرد إليهما الإحسان إحساناً حين يكبر في دلهما إياه وحسن تصرفهما إزاءه ، وقد يتبنيانه إذا رأيا فيه الصلاح والنجابة " وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته : أكرمي مثواه ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً " وهكذا هيأ الله تعالى ليوسف الحياة الطيبة مع هذا الرجل الأريب الذي ظهر لنا رجاحة عقله في أمور منها ماقاله آنفاً في الإحسان إلى يوسف ، وحين تبين له خطأ زوجته وانكشاف أمرها ، فعقـّب " إنه من كيدكنّ ، إن كيدكنّ عظيم " وحين طلب إلى يوسف أن يتجاوز الأمر ويتناساه فلا ينبغي أن يخرج الخبر إلى حيّز الإحراج والنيل من هيبة العزيز ، فأوحى بكلمة ( أعرض ) إلى صدق يوسف إذ لم يتهمه ، إنما طلب إليه بتعطف أن يتجاوز الأمر . كما وبخ المرأة وطلب منها الاستغفار لخطئها العظيم ، حين جعلها من ( الخاطئين ) لا الخاطئات فقط ، وهذا دليل على استعظامه الأمر وقوة توبيخه إياها " يوسفُ أعرض عن هذا ، واستغفري لذنبك ، إنك كنت من الخاطئين " كما أن كلمة ( الخاطئين ) توحي بأن الزنا ذنب كبير وفاحشة عظيمة ، أفعله الذكور أم الإناث .
2- أعتقد أن في الآيات ما يؤكد أن يوسف الشاب لم يهم بها كما همّت به لأسباب ذكرت في معرض القصة تؤكد ذلك ، منها : أ- أنه الله تعالى وهبه حكمة تمنعه من السفاهة وعلماً بالحلال والحرام ، رفعه إلى رتبة الإحسان " ولما بلغ أشدّه آتيناه حكمة وعلماً وكذلك نجزي المحسنين " فالحكمة والعلم الحقيقيان حصن من الزلل، وأما الإحسان فأن تعبد الله كأنك تراه ، ومن كان يرى الله بقلبه وحاز الحكمة والعلم لم يهمّ ،
ب- إذا أراد الله بالإنسان خيراً صرفه عن السوء والفحشاء ، فكيف إذا صرف الله تعالى السوء والفحشاء عن الإنسان؟! إنه إذاً لكريم على الله كثيراً
ج- والمسلم السعيد يخلص لله في العبادة والالتزام ، حتى يصير مخلِصاً – ( اسم فاعل ) فإذا أخلص لله جعله الله من المخلَصين . فكيف إذا جعله الله ابتداءً مخلـَصاً ( اسم مفعول ) إنه لفضل عظيم من الله تعالى .
د- ولولا تفيد امتناع حصول الشيء لوجود مضادِّه ، فلولا رؤية برهان ربه لهمّ بها ، فامتنع الهم لرؤية يوسف عليه السلام برهانَ ربه .
" ولقد همّت به . وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه ، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلـَصين "
هـ- واستباقهما الباب ، هي تلحق به لتمنعه من الخروج ، وهو يريد الهرب بنفسه ، فقدّت قميصه من دبر دليل على عدم الهم بها .
3- ويكون إصدار الحكم الصحيح بعد المعاينة ، ولا يجوز للعواطف والانفعالات أن تؤثر في القاضي النزيه ، فالمرأة حين خافت على نفسها الفضيحة أمام زوجها أسرعت بالدافع الأنثوي السريع ( والهجوم خير وسيلة للدفاع ) تتهم يوسف بالرغبة في الفحشاء وسوء الأدب وأنه لم يراع حرمة من آواه وأحسن إليه فحاول هتك عرضه وشرفه ، ثم تسارع إلى اقتراح العقوبة المناسبة : إما السجن أو العذاب . كما أنها لخبثها ودهائها أقرت العقوبة بطريقة الاستفهام " ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن أوعذاب أليم ؟ "
وعلى المتهم البريء أن يدافع عن نفسه ، ولا يتخاذل أمام جبروت الظالم مهما كان الظالم ذا مكانة اجتماعية تفوقه ، أو له دلّ على المتهم ، فالحق يجب أن يظهر ، ومقارعة البهتان والظلم واجبة " قال : هي راودَتـْني عن نفسي " فلا بد إذاً من البينة التي تحق الحق وتبطل الباطل . وقد ظهرت البينة بتمزيق قميصه من الخلف ، أمسكت المرأة بقميصه بقوة تستبقيه وهو يسرع هارباً ، فتمزق من الخلف ، ولو كان يريدها وهي تأبى لتمزق القميص من الأمام .



يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس