عرض مشاركة واحدة
قديم 05-22-2012, 10:11 PM   #32 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة النور


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة النور

د: عثمان قدري مكانسي

( 8 )


ومن هذه الأساليب التربوية
أدب الزيارة :
الأماكن التي يرتادها الناس ثلاثة :
أولها : بيت الإنسان وسكنه الخاص . فهو يدخله وقت يشاء دون حرج ، ودون استئذان من أحد . إلا أنّ من الأدب إشعار من في داخله –زوجة وولداً وضيفاً- أنه قادم كي لا يفاجأ بدخوله أحد . هذا ما كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام حين يدخل بيته مسلماً على أهله .
أما الدخول على غرف البيت فلا بد من الاستئذان على من في داخلها كي لا تقع العين على عورة . روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أأستأذن على أمي ؟ قال : " نعم " قال : ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت؟ . قال " أتحب أن تراها عُريانة؟ " قال : لا . قال : "فاستأذنْ عليها " .
وكان الفاروق عمر رضي الله عنه يتنحنح بصوت عال قبل أن يُسلّم ويدخل ، فالمرأة تحب أن يراها زوجها على أفضل حالاتها .
والاستئذان على أهل البيت في غرفهم في ثلاث أوقات واجب لقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا : ليستأذنكم 1- الذين ملكت أيمانكم ، 2- والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات
1- من قبل صلاة الفجر .
2- وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة .
3- ومن بعد صلاة العشاء .
ثلاث عورات لكم . "
ففي هذه الأوقات الثلاثة يتجرد الإنسان من ثيابه للنوم والراحة . وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاماً من الأنصار إلى عمر رضي الله عنه ظهيرة ليدعوه ، فوجده نائما قد أغلق عليه بابه ، فدق عليه الغلام الباب ودخل ، فاستيقظ عمر وجلس ، فانكشف منه شيء ، فقال عمر : وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذن . ثم انطلق إلى رسول الله ، فوجد هذه الآية قد نزلت ، فخر ساجداً شكراً لله .
فإذا بلغ الأطفال الحلم وجب معاملتهم كغيرهم من الكبار أكانوا غرباء أم من المحارم .
ثانيها : دور الأهل والأصدقاء . فهؤلاء لا يُدخل عليهم إلا بإذنهم . فكيف يكون الاستئذان؟
يُطرق الباب ثلاث مرات ، بين الواحدة والأخرى مقدار ركعة خفيفة كما يذكر الفقهاء ، ليُترك لأهل البيت مجالٌ مريح في الردّ . ولم يكن للبيوت كلها على عهد الرسول الكريم أبواب ، إنما ستائر. يقف القادم قريباً من الباب ، ليس أمامه حتى لا ينكشف عن أهل البيت سترهم ، ويغض بصره ، فقد روى علماؤنا أن الفاروق رضوان الله عليه قال : من ملأ عينيه من قاعة بيت فقد فسق . ورويَ عن سهل بن سعد أن رجلاً اطلع في جُحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مِدْرىً( مشط) يرجّل به رأسه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو أعلم أنك تنظر لطعنتُ به في عينك ، إنما جعل الله الإذن من أجل البصر " . وروى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن رجلاً اطّلع عليك بغير إذن ، فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح " .
ويسلم بصوت مسموع على أهل الدار ثلاث مرات ، بين الواحدة والأخرى زمن يسير .. هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الاستئذان ثلاث ، فإن أُذن لك ، وإلا فارجع . " واستأذن رجل من بني عامر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أألج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه : " اخرج إلى هذا فعلّمه الاستئذان ، فقل له : قل : السلام عليكم ، أأدخل ؟ " فسمعه الرجل ، فقال : السلام عليكم ، أأدخل ؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ، فدخل . وقد زار الرسولُ الكريمُ سعدَ بن عبادة زعيمَ الخزرج ، فلما وقف بالباب قال : السلام عليكم .
والسلام عليكم سلام المؤمنين.... فإذا دخل الرجل بيتاً فيه غيره قال : السلام عليكم . فليردوا عليه : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
وإذا دخل بيتاً ليس فيه أحد قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .
وإذا دخل المقابر قال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، أنتم السابقون ، ونحن إن شاء الله بكم لاحقون .
الفرق بين الاستئذان والأنس
قد يأذن لك أحدهم في الدخول حين تطرق بابه خجلاً منك ، وهو لا يريد في قرارة نفسه أن تدخل بيته ، فقد يكون تعباً يريد النوم أو الراحة ، وقد يكون مشغولاً في أمر لا يحب أن يطّلع عليه أحد ، أو كان يجهز نفسه لموعد ضربه أو لأسباب أخرى ... يدعوك للدخول بلسانه ، وبريق عينيه يظهر عكس ذلك . أما الأنس فشيء آخر . إنه الترحيب الذي تشترك فيه الحواس كلها تدعوك مشتاقة إليك ، راغبة فيك مسرورة بلقائك . فكانت كلمة ( تستأنسوا ) رائعة في التعبير عن دخيلة النفس في الآية الكريمة " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها " أما إذا كان صاحب البيت شجاعاً وقال للزائر : لن أستطيع الآن دعوتك للدخول فارجع . فقد وجب الرجوع دون أية حفيظة تبدو من الزائر أو امتعاض منه ، " وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا " وهنا يظهر أدب الزائر في ردة الفعل ، وحسن تصرفه بالتزامه أدب الإسلام في العودة ، إنْ بعذر ، أو بغير عذر ، وبذلك يروّض نفسه على احترام خصوصية الآخرين . وحسبه جائزةُ الله تعالى " فارجعوا هو أزكى لكم " كما فعل سعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وابو موسى مع عمر .. إنها طهارة النفس من الغضب وردة الفعل السيئة التي قد يمليها الشعور بالإهانة ، فيبادر إلى القطيعة والعداوة ، ويكون الرابح الأول فيها شيطانه الوسواس الخناس .
يقول أحد المهاجرين : لقد طلبت عمري كله هذه الآية ، فما أدركتها ، أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وأنا منبسط لقوله تعالى " فارجعوا هو أزكى لكم " ولعله عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إذ يقول : فيقولون ابن عم رسول الله ، لا نرده .
ومن أدب الاستئذان أن يعَرّف الزائر بنفسه تعريفاً واضحاً ولو ظنّ أن المزور يعرفه . عن أبي ذر قال : خرجت ليلة من الليالي ،فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده ، فجعلت أمشي في ظل القمر ، فالتفت فرآني فقال : " من هذا ؟" فقلت : أبو ذر . وقد استأذن جابر على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فدققت الباب فقال : " من ذا ؟ " فقلت :أنا . فردد النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا أنا؟ "، كأنه كرهها .
ثالثها : الفنادق والأسواق والمؤسسات العامة المشرعة الأبواب لمن يأتيها . فهذه لا يتطلب دخولها الإذن ، ففيها متاع الناس من بيع وشراء وإيواء ومنافع . يدخلها السابلة كلهم إن شاءوا ، متى شاءوا ، مادامت مفتوحة ليلاً أو نهاراً . لكن لا بد من أدب اللقاء من غض للبصر وإعطاء الطريق حقه ، وإلقاء تحية الإسلام ....


يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس