عرض مشاركة واحدة
قديم 05-22-2012, 10:08 PM   #31 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

تأملات تربوية في سورة النور


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة النور

د: عثمان قدري مكانسي

( 7 )


من هذه الأساليب في هذه التأملات
العلاقة مع القيادة :
فالرسول صلى الله عليه وسلم مثال القائد الفذ المعصوم ، وأصحابه الكرام مثال للجندي والمواطن الصالح . فكيف كانت العلاقة بينهم في هذه السورة الكريمة ؟ .
حين نزلت الآية " والذين يرمون المحصنات ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً ، وأولئك هم الفاسقون " شق هذا في بداية الأمر على عاصم بن عديِ الأنصاري ، فقال : جعلني الله فداك ، لو أن رجلاً منا وجد على بطن امرأته رجلاً ، فتكلم ، فأخبر بما جرى جُلِد ثمانين وسماه المسلمون فاسقاً فلا تُقبل شهادته ! فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء ؟ وإلى أن يلتمس أربعة شهود فقد فرَغ الرجل من حاجته! فقال عليه الصلاة والسلام " كذلك أُنزلتْ يا عاصمُ بن عدي " فخرج عاصم سامعاً مطيعاً فالسمع والطاعة للقائد المؤمن الذي يحكم بأمر الله تعالى .
وحين يكون المسلمون مجتمعين في إمرة القائد لا ينفلتون إلا بإذن منه لحاجة وضرورة ، فإن أذن انطلقوا وإلا فعليهم البقاء سمعاً وطاعة . على أن يكون السماح والمنع مبنيين على تفهم القائد لضرورة الأمر ، وأن يكون أباً رحيماً لهم ، وأخاً عطوفاً عليهم . ووصف الله تعالى الملتزمين الأمرَ بالمؤمنين " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ، إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فاذن لمن شئت منهم واستغفرلهم الله ، إن الله غفور رحيم " . فالعلاقة بين القائد والجندي والرئيس والمرؤوس متوازنة . فالجندي يحترم قائده ويستأذنه ، والقائد يعطف على جنديّه ويستغفر له .
أما الذين ينسحبون من اللقاء دون أن يشعروا النبي القائد متوارين بإخوانهم رويداً رويداً فقد أتَوْا خطاً جسيماً يستحقون عليه العقوبة . وهنا يأتي التحذير من مغبة هذا التصرف الدالُّ على عدم الشعور بالمسؤولية من مخالفة الأمر ، فلئن غاب عن النبي الكريم خروجهم وتواريهم فلن يغيب عن الله تعالى خطأ تصرفهم " قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ، فليحذر الذين يخالفون عن أمرهم أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " .
كما أن على المسلم أن يتأدب بحضرة قائده المتمثل بهدي النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، فلا يناديه بصوت عالٍ ، إنما يسعى إليه ويخاطبه بصوت منخفض مسموع ، يدل على احترام وتقدير ، لا على ذل وخنوع " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً " .
كانوا يصيحون من بعيد ينادون الرسول الكريم : يا أبا القاسم ، فنبههم القرآن إلى تعظيم نبيهم عليه الصلاة والسلام ، فلا يرفعون أصواتهم عنده ، ويشرفونه ، ويفخمونه في رفق ولين وينادونه بقولهم : يا رسول الله .
وقد مُنِع المسلمون في سورة الحجرات أن يرفعوا اصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم في حضرته " يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " . وأن لا ينادوه بأحمد ومحمد وأبي القاسم ، لابصوت عالٍ ولا صوت خفض، خوفاً من ضياع أعمالهم الصالحة لهذا التصرف الشائن ، ولكن : يا رسول الله ويا نبي الله " ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم بعضاً ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " .
ثم مدح الذين يخاطبون الرسول الكريم بأدب جمّ ولطف زائد وصوت منخفض ووعدهم بالغفران والأجر العظيم :" إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم " .
إن العلاقة في الإسلام بين القيادة والأمة قائمة على الحب والاحترام والعطف والود ، ليس فيها طغيان الحاكم على الرعية ، ولا استبداد وظلم وتعالٍ على العباد ، وليس فيها ذل المواطن والخسف به وسلبه ونهبه ! وبمثل هذه الحياة تقوى لحمة الأمة ويعلو شأنها وتسمو مكانتها .


يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس