عرض مشاركة واحدة
قديم 05-22-2012, 10:00 PM   #26 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة النور


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة النور

د: عثمان قدري مكانسي

( 2 )


وانظر معي إلى الترتيب – وهو أسلوب تربوي رائع - في الحديث عنها : فقد أنزل الله سبحانه سورة النور من السماء إلى الارض ، وفرضها لتكون النور الذي يضيء للسالكين طريقهم وأنزل فيها الأيات الساطعة والبراهين الواضحة لتكون المعالم المضيئة للناس أجمعين . فكان إنزالها وفرضها وبيانها متتابعاً مرتباً . والترتيب يساعد على الفهم وحسن التنفيذ ... ونجد الترتيب ثانية في غض البصر الذي يؤدي إلى حفظ الفرج " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ،... ويحفظوا فروجهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ، ويحفظن فروجهن " .كما نجده في ذكر الأهم ثم الأقل أهمية في إظهار محاسن المرأة للمحارم :فتظهر المرأة زينتها لزوجها ثم لأبيها ثم لأبي زوجها ثم لأبنائها ثم لأبناء زوجها ثم لإخوتها ثم لبني إخوتها ثم لبني أخواتها ثم لنساء المسلمين ثم لملك اليمين من الرجال ثم لمن لايرغب في النساء لعلة قاهرة ثم للأطفال غير المميزين . ونجد الترتيب وذكر الأهم ثم الأقل أهمية أيضاً في عدم الحرج في الأكل في الآية الحادية والستين إذ تتحدث بالتفصيل المرتب عن دخول بيوت المذكورين منهم .
ولاننس أن نشير إلى أن التفصيل في آيتي الحجاب 31 والأريحية في التواصل مع الأهل والأصدقاء 61 أسلوب تربوي راق . لأنه يجلّي الأمور ويوضحها ويزيل الإبهام، ويضع النقاط على الحروف ، ويشير إلى المهم من الأشياء والأقل أهمية سوء بسواء .

ومن الأساليب التربوية ذكر الأهم ليتنبه المتلقي إليه .... على سبيل المثال في هذه السورة الكريمة تقديم الزانية على الزاني " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة .. " لأن المرأة هي الداعي الأول إلى جريمة الزنا ، فلو تعففت تعفف الرجل ، أو ضعفت ولانت جرؤ الرجل . أما في السرقة فالرجل يذكر أولاً " والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما .. " إذ الرجل مكلف بالصرف على الأسرة والحصول على المال ... ولعل في إنهاء آية الحجاب بنصيحتين غاليتين هما " ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يخفين من زينتهنّ ، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون... " نهي النساء عن عادة ذميمة لاستجلاب انتباه الرجال ومِن ثَم الفتنة ، وأمر الرجال والنساء معاً بالتوبة والعودة إلى الله فهو – سبحانه – كهف التائبين ...وقد ذكرت قبل قليل ذكر الأهم في آيتي الحجاب وتواصل الاهل والأصدقاء ، ففيهما الدليل على ذلك .
من الأساليب التربوية هنا المماثلة أو قل ( إن الطيور على أشكالها تقع ) . فـ " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك ، وحرم ذلك على المؤمنين " فقد طلب مرثد ابن أبي مرثد من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن يتزوج عناقاً فهو مايزال يحبها ، وهي بغيٌّ كان يأتيها في الجاهلية ،وما زالت على فجورها وجاهليّتها فنزلت هذه الآية الكريمة تحدد العلائق بين المؤمنين أهل الطهر والعفاف وبين المشركين وأهل الفسق والفجور ... كما أن آيات الملاعنة 04- 10 تفصل بين الزوجين حين يكون الزوج عفيفاً طاهراً والزوجة غير ذلك .. إن البيت لا تقوم دعائمه إلا على الفضيلة والطهارة . وما أجمل قولَ النبي صلى الله عليه وسلم في اختيار الزوجة الصالحة " الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة " وحديثَه صلى الله عليه وسلم في اختيار ذات الدين مشهور " تنكح المرأة لأربع ...فاظفر بذات الدين تربت يداك " ، يؤيده قول الله تعالى " الخبيثات للخبيثين ، والخبيثون للخبيثات . والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات " . ولن يرتاح الزوجان إلا حينما يكونان متطابقين أخلاقاً وديناً وإلا كانت الحياة قاسية ومتعبة . ولعل في أمر الله تعالى لكلا الفريقين أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم مماثلة في الطيب والطهارة والحياة النظيفة .
ومن الآداب التربوية حسن الظن بالمسلم : على المسلمين حين يسمعون القذف بحق الأطهار الشرفاء أن ينفوا القذف ، وينكروا الطعن فالأصل في المجتمع المسلم الطهارة " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً، وقالوا : هذا إفك مبين " وهذا ما فعلته أم أيوب وزوجها رضوان الله عليهما حين سمعا المنافقين وضعاف الإيمان من المسلمين يتحدثون بشأن عائشة رضي الله عنهما وصفوان بن المعطل رضي الله عنه ذلك الصحابي الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفضيلة والطهر فقالت أم أيوب : أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟! قال : نعم ، وذلك الكذب ، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟! قالت : لا والله . قال : فعائشة خير منك ، وصفوان خير مني . فإذا رُمي اثنان أو أحدهما بالزنا قيل للقاذف هات شهداءَك الأربعة وإلا كنت عند الله كاذباً ، فأعراض المسلمين غالية . وما ينبغي لأحد أن يرميهم دون بيّنة " لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ، فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون " إن هذا طعن بطهر المجتمع ونشر للفحشاء فيه ، وإفساد للأخلاق يستحق صاحبه به – لولا رحمة الله بعباده في دنياهم وأخراهم - العذاب العظيم " ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم " وتصور معي أخي المسلم الحالة التي وقع فيها كثير من المسلمين- وما يزالون يقعون حين تغيب شفافية الإيمان – فأخذوا يتناقلون الفرية دون إنكار أو تمحيص ، فانتشرت القالة السيئة بينهم انتشار النار في الهشيم . والعادة أن الإنسان يفهم الفكرة بعقله وقلبه . لكنه حين يهتم بالأقاويل دون تفكير وفهم فكأنه يستقبل الخبر بلسانه فقط لا يتجاوزه ، ثم يلقيه كما يلقي القيء فيؤذي نفسه ومن حوله " إذ تلقّوْنه بألسنتكم ، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ، وتحسبونه هيّناً ، وهو عند الله عظيم " فعاتبهم الله تعالى في هذه الآية بأمور ثلاثة :الأول : تلقيه بالألسنة دون السؤال عنه . الثاني : التكلم به ونشره بين المسلمين . الثالث : استصغار الذنب حيث حسبوه هيّناً وهو عند الله عظيم .وكان عليهم حين سمعوه أن ان ينكروه ويؤكدوا نزاهة بيوت الأطهار من المسلمين ، ولا سيما بيت النبوّة ، فلا يغوصوا في نشر الإفك لأنه كذب وافتراء شديد " ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ، سبحانك هذا بهتان عظيم " .
وهنا ننبه إلى الحذر من الإشاعات المغرضة التي تبلبل الصفوف ، وعلينا أن نتثبت من الأمر كي نصون المجتمع المسلم مما يسيء إليه ويضعفه .




يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس