عرض مشاركة واحدة
قديم 05-20-2012, 11:51 PM   #18 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة هــود


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة هــود

د: عثمان قدري مكانسي

( 3 )



السلام سنة ، ورده واجب ، هذا ما كان من ضيوف إبراهيم عليه السلام حين دخلوا فسلموا ورد عليهم السلام ، فكان ما فعله سنة للمسلمين إلى يوم القيامة :" ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ، قالوا سلاماً . قال : سلام " ومن السنة أيضاً أن من حياك بتحية كان عليك أن ترد عليه بأحسن منها ، فإن لم تفعل فبمثلها " وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " .. فهل أجاب إبراهيم عليه السلام التحية بمثلها أو بأحسن منها؟ والجواب أنه ردها بأحسن منها ، فقد حيـَّوه بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ، ورد عليهم بالجملة الاسمية التي تفيد الثبوت . والثبوت أقوى من الحدوث ، فكان رد النبي إبراهيم عليه السلام بأحسن من تحيتهم .
- وتحية المسلمين " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما " صباح الخير ، أو أو مساؤه ، وما تلقفناه عن الغرب هذه الأيام من " هاي ، باي ، مورننج " فليس من تحية المسلمين ، لقد دخل عمرو بن وهب الجمحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له ولأصحابه " أنعموا صباحاً " - وكانت تحية أهل الجاهلية – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد أكرمنا الله بتحية خيرٍ من تحيتك يا عمير ، تحية أهل الجنة "
- ومن حسن الاستقبال : أ- أن تكرم الضيف بالطعام أو الفاكهة ،
ب - وأن تقرب لهم الطعام أو الضيافة ، فقد رأينا أن إبراهيم عليه السلام بعد أن سلم عليه الملائكة – وهو لا يدري أنهم ملائكة قدم بين أيديهم لحماً مشوياً " فما لبث أن جاء بحجل حنيذ " وفي سورة الذاريات " فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين " وكلمة راغ توحي بأنه كان حريصاً على قـِراهم ، فلم يسألهم : أتأكلون فآتي بالطعام ، بل إن على صاحب البيت أن يأتي بالطعام دون أن يسألهم حتى لا يستحيوا فيجيبوا بالنفي .
ج - كما أن على صاحب الدار أن يكون قراه طيباً وكثيراً " فالعجل مشوي سمين " وهذا من مكارم الأخلاق وآداب الضيافة ، وليست بواجبة عند عامة أهل العلم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : "الضيافة ثلاثة أيام ، وجائزته يوم وليلة ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة " .والمقصود بالجائزة : الهبة والعطيّة ، وقال صلى الله عليه وسلم : " :: ومن كان يمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " فـ" ليلة الضيف حق " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .
د – ثم التلطف في الدعوة إلى الطعام ، فلم يقل لهم : " كلوا " إنما قال لهم بصيغة السؤال متلطفاً " ألا تأكلون ؟"
هـ - ومن الإكرام أن يقدم الطعام للضيفان من صنع أهل البيت ما أمكن ، فالتكلف غير مرغوب
- ومن جمال التعبير في الآية " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه " أنهم لم يتحركوا ولم يهتموا بالطعام . وعملهم هذا في العرف الاجتماعي أنهم أعداء يستهينون بمن دخلوا عليه داره . ويخيف صاحب الدار أن عدوه يتحداه في عقر داره ، ويرفض الصلح ، وكأنه ما جاء إلا عن قوة ليفرض ما يريد " فنَكِرهم وأوجس منهم خيفة " وهنا يفصحون عن أنفسهم . فهم ملائكة الله جاءوه مبشرين بإسحاق نبياً من الصالحين وبحفيده من إسحاق يعقوب عليهم جميعاً الصلاة والسلام ، فيرتاح قلبه وتهدأ نفسه " قالوا : لا تخف ." ... " فبشرناه بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب " .
وقد يمتنع الضيف عن قبول الضيافة إلا أن يطلب حاجة من ضائفه ، ويجيبه هذا إليها ، فيمد يده إلى قراه . وهذا معروف عند أهل البدو والأرياف .
- من سمات المسلم اهتمامه بسلامة إخوانه ،وسيدنا إبراهيم قدوتنا وخير مثال على ذلك . فإنه حين علم أنهم سيهلكون قوم لوط – ولوط ابن أخيه - فزع أن يصيبه مكروه فبدأ يجادل الملائكة في أمر لوط عليه السلام : وَهَذِهِ الْمُجَادَلَة رَوَاهَا حُمَيْد بْن هلال عَنْ جُنـْدُب عَنْ حُذَيْفَة ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا : " إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة " قَالَ لَهُـمْ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أتُهلكونهم ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فَأَرْبَعُونَ ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فثلاثون ؟ قَالُوا :لا . قَالَ : فَعِشْرُونَ ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فَإِنْ كَانَ فِيهَا عَشَرَة - أَوْ خَمْسَة " شَكَّ حُمَيْد " - قَالُوا : لا . وَقـيلَ إِنَّ إِبْرَاهِيم قَالَ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُل مُسْلِم أتـُهلكونها ؟ قَالُوا : لا . فَقَالَ إِبْرَاهِيم عِنْد ذَلِكَ : " إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَم بِمَنْ فِيهَا لـَنـُنـَجـّينـّه وَأَهْله إلا اِمْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ " الْعَنْكَبُوت : 32 . وهذا النبي لوط عليه السلام ينصح قومه بزواج الفتيات الطاهرات ويأمرهم بتقوى الله تعالى وعدم معصيته " قال : يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله " ويرشدهم إلى احترام الضيف وحفظ مروءته وعدم التعرض له بما يسيء له ولمن ضافه " ولا تُخزونِ في ضيفي ، أليس منكم رجل رشيد؟ " .
- من سمات الفاسقين المنحرفين قومِ لوط أنهم كانوا :
أ – سفهاء ، يهرعون حيث تقودهم شهواتهم ، فإنهم لما علموا بوجود شباب صِباح الوجوه أسرعوا إلى بيت لوط عليه السلام يريدون عمل الفحشاء بهم " وجاءه قومه يُهرعون إليه ..." .
ب – منغمسين في الفحشاء مَردوا عليها ، ومن كان منقاداً لهواه غارقاً بفساده ضاع الحياء منه وجاهر بالمعصية " ومن قبلُ كانوا يعملون السيئات "
ج – اختلـّتْ مفاهيمهم وفسدتْ أذواقهم ، فرأوا الخبيث طيباً والطيب خبيثاً " قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق ، وإنك لتعلم ما نريد " بل زجروه في سورة الحجر وكأنه المخطئ وهم أصحاب الحق والسداد بأن لا يتدخل فيما لا يعنين ، ولا يدافع عن أحد " أولم ننهَك عن العالمين ؟ ؟ وهذا وهدة السفالة والانحطاط حين يرى الفاجر نفسه على صواب وغيره على خطأ فيعلو عليه ويهدده .
- قد يضعف المرء لحظة مهما كان حازماً وحكيماً حين يرى الخطب يشتد عليه " وخلق الإنسان ضعيفاً " فهذا لوط عليه السلام حين رأى من جواب قومه التعنت واندفاعهم إلى ضيوفه ، ولم يستطع ردهم قال : " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " فقد خاف على ضيوفه أن يفحش الفسقة فيهم وهو لا يعرف كنههم ، وَمُرَاد لُوط بِالرُّكْنِ الْعَشِيرَة , وَالْمَنَعَة بالكثرة - وهو المهاجر إلى بلدتهم من العراق مع عمه إبراهيم ، وما صاروا قومه إلا لأنه عاش فيهم وتزوج منهم - . وَبَلَغَ بِهِمْ قَبِيح فِعْلهمْ إِلَى قَوْله هَذَا مَعَ عِلْمه بِمَا عِنْد اللَّه تَعَالَى ; فَيُرْوَى أَنَّ الْمَلائِكَة وَجَدَتْ عَلَيْهِ حين قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَات , وَقَالُوا بعد أن عرّفوه بانفسهم : إِنَّ رُكْنك لَشَدِيد . وَإنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذاب غَيْر مَرْدُود , وَإِنَّا رُسُل رَبّك ; فَافْتَح الْبَاب وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ ; فَفَتَحَ الْبَاب فَضَرَبَهُمْ جبْرِيل بِجَنَاحِهِ . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَرْحَم اللَّه لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْن شَدِيد " .
- الله تعالى القوي يفعل ما يشاء ، فيرشد ، وينبه ، ويحذر ، ثم يهدد وينفذ .. هذا ما وجدناه في قوله تعالى يهدد قوم لوط ويتوعدهم " إن موعدهم الصبح ، أليس الصبح بقريب؟ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود ، مسوّمة عند ربك " ووجدنا ذلك في عقوبة قوم صالح حين عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم " فعقروها ، فقال : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ، ذلك وعد غير مكذوب " وأخذتهم الصيحة فقطعت أوصالهم وجففت أجسادهم فماتوا لفورهم . وأخذت الصيحة – كذلك قوم شعيب ، فكانت نهايتهم عيرة لمن يعتبر. .. وأغرق الله فرعون وقومه ، فلم تقم لهم قائمة . وإذا أهلك الله تعالى الناس بكفرهم فهم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم واستكبارهم فلن ينفعهم أحد فعذاب الله الشديد إن وقع لا مردّ له " وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك ، وما زادوهم غير تتبيب." .. لكنّ العاقل من يتعظ
- يطلب مشركو قريش آيات تدل على نبوة الحبيب المصطفى ، مع أن القرآن كان أقوى آية أوتيها المصطفى صلى الله عليه وسلم وكان الدليل العظيم على نبوّته صلى الله عليه وسلم فهم لا يستطيعون الإتيان بمثله ولا بعشر سور من مثله ولا بسورة واحدة " وقالوا : لولا أنزل عليه آيات من ربه " فلما قال صلى الله عليه وسلم " سبحان ربي ؛ هل كنت إلا بشراً رسولاً " طلبوا آية واحدة " ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه؟" فكانت آية انشقاق القمر : ،" اقتربت الساعة وانشق القمر ، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر . " .. طلبوا منه الآية فلما جاءت كذبوه كما طلب قوم صالح عليه السلام منه آية فأرسل الله تعالى الناقة ، فظلموا بها ، وازدادوا عتواً وكفراً فعقروها . وما دام هذا دأبهم فلا آيات بعد ذلك . لماذا ؟ لأنهم أحفاد قوم صالح ، وملة الكفر سبيلها معروف " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ، وآتينا ثمود الناقة فظلموا بها " ومهمة الآيات الإنذار والتخويف من الكفر والتحذير من العناد ، وما لم تفلح في قلوب قدت من صخر فلِمَ تكرارُها ؟ " وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً " .


يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس