تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه

مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه مواضيع اسلامية عامة (بما يتفق مع مذهب أهل السنه والجماعه).

تفسير سور القران الكريم كاملا

Like Tree7Likes

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-26-2018, 12:34 PM   #1 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@
تفسير سور القران الكريم كاملا





بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الفاتحة (1)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الأخوة المؤمنون، نحن بدأنا تفسير كتاب الله من سورة لقمان، ولم نختم بعدُ كتاب الله سبحانه وتعالى، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يمدنا جميعاً بقوة منه، كي نتابع فهْمَ كتاب الله وتطبيقه والأخذَ به.




القرآنُ الكريم جُمع في الفاتحة:



سوف نفسِّر إن شاء الله تعالى سورةَ الفاتحة، لأن هذه السورة عظيمة القدرِ، وكما قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ))

[ مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ]
تفسير سور القران الكريم كاملا
سماها النبي عليه الصلاة والسلام أساس القرآن، وسماها أم القرآن، وسماها فاتحة الكتاب، ولها عشرة أسماء، وقد جُمع القرآنُ في الفاتحة، لهذه الأسباب كلِّها رأيت من المناسب أن أفسر سورةَ الفاتحةِ بعد السورِ القصيرة الأخيرة التي خُتم بها القرآن الكريم.
أولاً يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) ﴾

(سورة النحل)
أجمع العلماء أن كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ليست آية، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يقرأ القرآن الكريم إلا ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، امتثالاً لقوله تعالى:
﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) ﴾

(سورة النحل)
العلماء قالوا مندوب أن نقرأها في غير الصلاة وواجب أن نقرأها في الصلاة، فيجب أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة ولكن سراً، تقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك، سراً، ثم تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم سراً.


النبي عليه الصلاة والسلام كان دائماً يتعوذ بالله ولاسيما في السورتين الأخيرتين:


أما البسملة فالأكثرُ على أنها تُقرأ جهراً، وأبو حنيفة رضي الله عنه يرى أن تُقرأ أيضاً سراً، ومذهبُه رضي الله عنه يبدأ القراءة بقوله: الحمد لله رب العالمين، لكن الأكثرَ على قراءة البسملة جهراً، أما التعوذ فيجمعون على أنه يُقرأ سراً وهذا في الصلاة.

(( اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَباً، قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ))

[البخاري عن سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ]
إذا سافر عليه الصلاة والسلام وأدركه الليل ونزل في أرض فإنه كان يقول:
(( يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك ومن شر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن شر ساكن البلد، ووالد وما ولد ))

[رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ]
النبي عليه الصلاة والسلام كان دائماً يتعوذ بالله ولاسيما في السورتين الأخيرتين:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) ﴾

(سورة الفلق)
وأيضاً:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) ﴾

(سورة الناس)



الأسماء الحسنى كلها جمعت في كلمة "الله":



تفسير سور القران الكريم كاملا
قال بعضهم: العوذ هو الالتجاء لقوي كي تتقي به الشر، وأما اللوذ بمعنى لاذ به، الاحتماءُ بقويٍّ من أجل أن يجلب لك الخير، عاذ به، ولاذ به، عاذ اتقاء للشر، ولاذ طلب الخير، فربنا سبحانه وتعالى يأمرنا أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأما كلمة الله فهي اسم الله الأعظم الجامع للأسماء الحسنى كلها، وهو عَلَمٌ على الذات، وأكبر أسماء الله اسم الله الأعظم، يجمع كل أسمائه، أعوذ بالله، يعني أعوذ بالله الرحيم، أعوذ بالله الحكيم، أعوذ بالله اللطيف، أعوذ بالله القوي، أعوذ بالله الغني، أعوذ بالله العادل، أعوذ بالله الفرد، الصمد، الواحد، الأحد، القهار، الجبار، أعوذ بالله الودود، إذا قلت: الله، فإن الأسماء الحسنى كلها جمعت في كلمة الله، لو قال قائل: أعوذ بالرحيم، والأمر محتاج إلى قوة، فهذه الاستعاذة لا تصح، أما أعوذ بالله إن كنت تخاف شيئاً قوياً فَعُذْ بالله فهو القوي، وإن كنت بحاجة إلى رحمة فعذ بالله فهو الرحيم، وإن كنت بحاجة إلى إمداد فعذ بالله فهو رب العالمين، وإن كنت بحاجة إلى لطف فعذ بالله فهو اللطيف الخبير، وإن كنت بحاجة إلى علم فعذ بالله فهو العليم الخبير، فكلمة أعوذ بالله يعني أنا ألتجئ إلى الذات الكاملة التي جمعت الأسماء الحسنى كلها، قال تعالى:


﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

(سورة الأعراف)



الله سبحانه وتعالى حينما خلقنا رسم لنا منهجاً:



لِمَ سُمِّي الشيطان شيطاناً ؟ لأنه شَطَنَ، بمعنى ابتعد وخرج عن طريق الحق، والله سبحانه وتعالى حينما خلقنا رسم لنا منهجاً، قال تعالى:

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

(سورة البقرة)
وقال:
﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾

(سورة طه)
وقال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) ﴾

(سورة فصلت)



ما دمت على المنهج الإلهي فلا تخف ولا تحزن:


ما دمت على المنهج الإلهي فلا تخف ولا تحزن، قال تعالى:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾

(سورة المائدة)
إذا اتبعت رضوان الله سبحانه وتعالى يهديك بمنهجه إلى سبلِ السلام، سلام في بيتك، سلام في صحتك، سلام في أولادك، سلام في تجارتك، سلام في عملك، سلام في ماضيك، سلام في حاضرك، سلام في مستقبلك، سلام في خريف عمرك:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾

(سورة المائدة)



الشيطان هو ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج القويم الذي رسمه الله لعباده المؤمنين:


عندما يطبق الإنسان المنهج الإلهي يَسْلَم، وللإيضاح أضرب مثلاً بآلة ثمينة جداً، معها تعليمات دقيقة جداً من خبراء الشركة، إذا اتبعتَ التعليمات فإن هذه الآلة تخدمك إلى أمد طويلٍ طويل، وإذا خالفتَ التعليمات فسوف تصاب بالعطب، وتخسرها، وتخسر ثمنها، إذاً مَن هو الشيطان ؟ ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج القويم، الذي رسمه الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين، لذلك قال الله تعالى:
﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) ﴾

(سورة الإسراء)
من منا لا يحب أن يعيش حياةً سعيدة فيها سلام، وفيها رضا، فيها طمأنينة، وفيها ثقة بالله، من منا لا يحب أن ينجو من الخوف، وأن ينجو من القلق، أن ينجو من القهر، وأن ينجو من الألم:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾

(سورة المائدة)




كل مخلوق خرج عن المنهج الإلهي فهو شيطان:



إذاً الشيطان ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج الإلهي، وكل مخلوق خرج عن المنهج الإلهي فهو شيطان، هناك شياطين الإنس، وهناك شياطين الجن، قال تعالى:

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) ﴾

(سورة القصص)
يعني خرج عن طريقتهم الصحيحة، قال تعالى:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) ﴾

(سورة طه)
الطغيان خروج عن طريق الحق، والبغي خروج عن طريق الحق، والشطن خروج عن طريق الحق، والفسق خروج عن طريق الحق، قال الله سبحانه وتعالى:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) ﴾

(سورة الأنعام)
وقال:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1) ﴾

(سورة الكهف)
يُحمد الله مرتين ؛ مرةً على خلق السماوات والأرض، ومرة على هذا المنهج القويم الذي أنزله على أنبيائه.


ما دمت في طاعة الله فأنت في ظلّ الله وذمته:


ملخص الكلام أن لله في الأرض منهجاً، وأن لله في الأرض قرآناً، وشرَعَ لنا شرعاً، فما دمت ضمن الشرع فأنت في سلام، في حياتك الدنيا، ويوم تقوم الساعة، ويوم تقوم القيامة، وأنت في جنات عدن خالداً فيها إلى أبد الآبدين، مادمت وفق هذا المنهج، فإذا خرجت عنه تدفع الثمن، ما دمت في طاعة الله فأنت في ظل الله وذمته، فإذا خرجت عن طاعته خرجت من حيّز ظله، تحمَّل المتاعب حينئذٍ، جاء أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله عظني وأوجز، قال: قل آمنت بالله ثم استقم، قال: أريد أخفَّ من ذلك، قال إذاً فاستعد للبلاء.
تفسير سور القران الكريم كاملا
قضية واضحة كالشمس، إما أن تطبق التعليمات، وإما أن تستعد للبلاء، قل أعوذ بالله من الشيطان، هذا المخلوق الذي طغى، والذي غوى، والذي بغى، والذي شطن بمعنى ابتعد، وبعضهم قال: الشيطان من شاط، بمعنى احترق، احترق بنار البُعد، شقي بالبعد، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((.. فالناس رجلان رجل بَرَّ تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله..))

[الترمذي والبيهقي عن ابن عمر]
أي لو أن في الأرض إنساناً واحداً بعيداً عن الله، وهو يعيش سعيداً رغْمَ بُعْده عن الله لكان هذا الدين باطلاً، ولو أن إنساناً واحداً كان متصلاً بالله، وهو شقي في حياته رغمَ طاعته وتقواه لكان هذا الدين باطلاً، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾

(سورة طه)
وقال:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) ﴾

(سورة النحل)



آيات في كتاب الله تَعِدُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بالتعويض الجزيل:



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الرجيم أي البعيد، والأصح من كلمة البعيد المُبعَد لأنه خرج عن طريق الحق، وشطن ابتعد فاحترق فأبعد، قال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر، الشيطان يخوفكم، الشيطان يأمركم بالفحشاء من طريق الأمر بالفحشاء، يغريك بالمعاصي، يزين لك المعاصي، يعدك بالفقر، يوسوس لك إذا أنفقت مالك تبقى فقيراً، ثماني آيات في كتاب الله تَعِدُ الذين ينفقون أموالهم بالتعويض الجزيل قال تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) ﴾

(سورة البقرة)
وقال:
﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) ﴾

(سورة سبأ)
وقال:
﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) ﴾

(سورة النساء)



الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة واجبة:



إذاً:

﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ (98) ﴾

[سورة النحل]
إذا قرأته خارج الصلاة فهذا مندوب، أما إذا قرأته في الصلاة فهذا واجب، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يعوذ بالله من كل شيء، من دار يدخلها، ومن دابة يركبها، كان إذا ركب دابة يقول:
(( أعوذ بالله، اللهم إني أسألك خير هذه الدابة، وخير ما خُلقت له، وأعوذ بك من شرها، وشر ما خلقت له.))

[ورد في الأثر]
الاستعاذة بالله من دابة، من بيت، من عمل لا يرضي الله عز وجل، من رفقاء السوء، من نزهة قد تكون فيها النهاية الوبيلة.
الإنسان المؤمن من علامة إيمانه أنه دائماً يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم أنْ يضله، أو أن يغريه، أو أن يفسده، أو أن يفتنه، أو أن يحمله على معصية، أو أن يوسوس له، أو أن يبعده عن أهل الحق، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.


هناك معنيان للبسملة:



تفسير سور القران الكريم كاملا
أما كلمة


﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
فلها حديث طويل، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة النمل:
﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾

(سورة النمل)
النبي عليه الصلاة والسلام من سنته المطهرة أنه كان يبدأ كل أفعاله ببسم الله الرحمن الرحيم، ونحن نرى على مقدمة الكتب بسم الله الرحمن الرحيم، وفي أكثر المجالات بسم الله الرحمن الرحيم، وأصبحت تقليداً، قد يكون الكتاب يتحدث عن نظرية داروين، ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، البسملة خلاف المضمون.
الموضوع في
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
أن هذه الباء حرف جر، أي أبدأ بسم الله، وأسماء الله كلها حسنى، الرحمن الرحيم، كأن الكلام ناقص، هناك فعل يتعلق بهذه الباء، يعني أبدأ عملي بسم الله، آكل بسم الله، أؤلف هذا الكتاب بسم الله، أصدر هذا الحكم كقاضي بسم الله، فما معنى بسم الله ؟
إذا أردت أن تأكل، وقلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾


هناك معنيان لهذه البسملة:


1ـ المعنى الأول أن طعامك وشرابك وغير ذلك إنما هو من نعمِ الله عز وجل:

أن هذا الطعام الذي تأكله إنما هو من نعمِ الله عز وجل، فكل هذا الطعام باسم الرزاق، كل هذا الطعام باسم المغني، بسم المقيت، بسم المجيد، بسم الواهب، بسم اللطيف، بسم الله، الله كما قلت قبل قليل: اسم جامع لأسماء الله الحسنى، فإذا قلت: باسم الله فالبسملة بحسب الموضوع الذي أنت بصدده، فإذا أكلت، وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني أنك آمنت بأن هذا الذي تأكله من صنع الله فهل فكرت في ذلك ؟ وأن الله سبحانه هو الرزاق، قال تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71)﴾

(سورة يس)
إذا شربت كأس ماء وقلت بسم الله الرحمن الرحيم، هل فكرت في أن هذا الماء أصله شمس سُلطت على بحار شاسعة، فتبخر ماؤها، وتقطر، وأصبح بخاراً عالقاً في الجو، واجتمع سحباً ساقته الرياح إلى أرض عطشى، أنزله الله بفضله وبقدرته ماءً ثجاجاً أنبت به الزرع والزيتون، أودعه في الجبال، فجره ينابيع، أساله أنهاراً، فالشمس ساهمت في هذا الكأس، والمجرات، والأنواء، والمناخ، والرياح، والحرارة، والبرودة، والجبال، فإذا قلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
أي هل فكرت بسم الرزاق، باسم المعطي، باسم الواهب، باسم الغني،
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
يعني أشرب الكأس بسم الله الرحمن الرحيم.


2ـ المعنى الثاني أن لله في خلقه سنةً:

أن لله في خلقه سنةً، في شرب الماء إذا قلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
فلا ينبغي أن تشرب الماء خلاف السنة، أن تشربه مصاً، ولا تعبه عباً، أن تشربه على ثلاث مراحل، أن تشربه وتحمد الله عز وجل، أن تبعد الإناء عن فيك، ألا تتنفس في الإناء، هذه سنة النبي المطهرة، نهانا عن التنفس في الإناء.
الآن ثبت أن هناك أمراضاً تنتقل عدواها عن طريق الزفير الذي يختلط بالماء المشروب، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( أَبِنْ القدح عن فيك.))

[رواه البيهقي وسمويه عن أبي سعيد الخدري]
بين الشربتين أَبِنْ القدح عن فيك، لئلا يختلط النَفَس بالماء، وكان عليه الصلاة والسلام قد قال:
(( مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً، فإن الكباد من العب.))

[رواه ابن السني والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها]
مرض الكبد يأتي من عب الماء، وكان عليه الصلاة والسلام إذا شرب حمد الله وكل هذا من سنته المطهرة، إذا قلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
لها معنيان، الأول: هل فكرت في هذه النعم ؟ والثاني: هل أنت مطبق سنة رسول الله في شرب الماء ؟ هذا في الشرب.


على الإنسان أن يحمد الله ويشكره على نعمه في كل حركاته وسكناته:



في الطعام، قال تعالى:

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾

(سورة الأعراف)
كلوا واشكروا له:
(( الحمد لله الذي أطعمني فأشبعني، وسقاني فأرواني.))

[أبو يعلى عن عبد الله بن قيس]

(( إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها.))

[رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه]
ليرضى عن العبد، يعني إذا أكل الإنسان وشبع فليقل: الحمد لله، فإذا قلت: بسم الله فهذه التسمية تعني أنْ فَكِّر في هذه النعم، وأنها من رزق الله تعالى، وطبق أمر الله في الطعام، وإذا دخلت البيت وقلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
قال الله عز وجل: تفسير سور القران الكريم كاملا

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا (27)﴾

(سورة النور)
إذاً بيوتكم أولى بالسلام على مَن فيها، والنبي صلى الله عليه وسلم قال فيما معناه: إن الرجل إذا دخل بيته ولم يسلم على أهله قال الشيطان وجدنا المبيت، فيبيت الشيطان في المنزل، ويعيث فيه فساداً ما شاء له أن يعبث تلك الليلة، إذاً إن هذا أمر الله، وهو أن تسلم إذا دخلت المنزل، وإذا قلت: بسم الله، وفتحت باب المنزل، فلتقل أيضاً: الحمد لله الذي آواني، فكم من الناس من لا مأوى له، هل شعرت أن هذه نعمة، نعمة المأوى كبيرة جداً ؟ كم ممن لا مأوى له، في أكثر دول شرقي آسيا ينام الناس على الأرصفة، يتخذون بيوتاً قوارب في الأنهار، في بعض الدول الفقيرة تشاهد الآلاف ينامون هم وزوجاتهم وأولادهم على الرصيف، وصار ذلك منظراً مألوفاً جداً في بلادهم، فإذا كنت في بيت وفتحت باب البيت وقلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
فمعنى ذلك: الحمد لله الذي آواني، وتذّكرت كم من الناس مَن لا مأوى له.


بسم الله تجعلك على بصيرة من الأمر:



هل رأيت نعم الله عز وجل ؟ إذا فتحت الماء لتتوضأ، وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هل عرفت أن هذه نعمة لا تُقدر بثمن، نعمة الماء داخل المنزل، الآن إذا دخلت إلى البيت وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (19) ﴾

(سورة النساء)

(( أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً.))

[ورد في الأثر]
يعني البسملة، إذا قدت سيارتك وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، فليبادر ذهنك إلى أين أنت ذاهب ؟ هل أنت ذاهب إلى مكان لا يرضي الله عز جل، فيتناقض ذلك بين البسملة وبين هذا المكان، فتنثني عن ذهابك عندئذٍ وتعود إلى صوابك.
هل تشكر الله على نعمة المركب ؟ هل تسخرها لعباد الله ؟ هل تعين بها الضعيف ؟ هل تنقذ بها المريض ؟ القضية واسعة جداً، النبي عليه الصلاة والسلام، قال:
((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر.))

[أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة]
يعني: مقطوع الخير، ألَّفت كتاباً، هل تذكر في الكتاب شيئاً باطلاً، فإذا كتبت في صدر صفحاته بسم الله، فإنك تدقق: هل هدفك من هذا التأليف خالص لوجه الله أم تبتغي به السمعة والرفعة، بسم الله تجعلك على بصيرة من الأمر.


العلماء حاروا في الفرق بين الرحمن والرحيم:



هذه البسملة تضعك أمام شيئين، تذكرك بنعم الله عز وجل، وأن هذا من نعمة الله، وتذكرك بأمر الله في هذا الموضوع، في الطعام، في الشراب، في دخول المنزل، في الخروج إلى السوق، وكان النبي الكريم يعوذ بالله من صفقة خاسرة إذا دخل السوق، ويمينٍ فاجرة، يقول لك البائع: الله وكيلك بعتُك برأسمالها، وهو يكذب، لقد باع دِينَه كله بكلمة واحدة، النبي كان يعوذ بالله من يمين فاجرة، ومن صفقة خاسرة، فإذا جمع الإنسان مالاً من حرام فإنّ الله عز وجل يريه أن هذه الصفقة فيها ربح وفير فيشتريها، ويكون إفلاسه عن طريقها، هذا الذي جمعه من حرام أذهبه الله في صفقة خاسرة، فإذا دخل الإنسان إلى السوق فهناك بسملة، إذا دخل بيته فهناك بسملة، إذا ركب في مركبة فهناك بسملة، إذا شرب الماء، إذا تناول الطعام، حتى إذا التقى مع أهله فهناك بسملة، لئلا تأتيك ذرية سيئة، بسم الله، فهذه الباء تعني التجئ وألوذ بسم الله، آكل بسم الله، أتزوج بسم الله، أدخل إلى بيتي بسم الله، دائماً هذه البسملة تذكرك بأسماء الله الحسنى، وتذكرك بأوامره المثلى،

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
وبعد فالحقيقة إن العلماء حاروا في الفرق بين الرحمن والرحيم.
قال بعضهم: الرحمن بخلقه جميعاً، والرحيم بالمؤمنين.
وقال بعضهم: الرحمن بجلائل النعم، والرحيم بدقائقها.
وقال بعضهم: الرحمن في الأولى، والرحيم في الآخرة.
وقال بعضهم: الرحمن في ذاته، والرحيم في أفعاله.
وهذا الأخير من أوجه التفسيرات، لأنك قد تلتقي بطبيب يرى مريضاً فيسرع إلى إنقاذه أمام ملأ من الناس، فإنقاذُ هذا المريض يكسب الطبيبَ سمعةً طيبة، فنقول: هذا الطبيب رحيم، لكن الطبيب لا ينطوي على رحمة في قلبه، بل فعَلَ هذا ابتغاء السمعة، فهو رحيم، لكنه لم ينطلق في عمله من رحمة في قلبه.


الرحمة الشيء الذي يرتاح له الإنسان فالله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا:



تفسير سور القران الكريم كاملا
هناك فرق بين الرحمن والرحيم، الرحمن في ذاته، والرحيم في أفعاله، ذاته رحيمة، وأفعاله رحيمة، الرحمن الرحيم، والرحمة شيء يبعث الراحةَ في النفس، فالمطر من رحمته، تهطل الأمطار فتمتلئ الينابيع، وينبت النبات، وتثمر الأشجار، ونأكل، وترخص الأسعار، فهذا من رحمته، والأبناء من رحمته، يبدلون سكون البيت حركة وحياة، ويبعثون الأنس في البيت، وإذا كبر الابن يعين والديه، فالابن رحمة من الله، قال تعالى:


﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ (84) ﴾

(سورة الأنعام )
وهبنا له، فالرحمة كل شيء يرتاح له الإنسان، فأن تعمل هذه الأجهزة عملاً منتظماً فهو من رحمة الله، وأن تأكل طعاماً لذيذاً فهو من رحمة الله، وأن تشرب ماءً عذباً فراتاً فهو من رحمة الله، وأن تسكن إلى زوجة، تطيعك إذا أمرتها، وتسرك إذا نظرت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، فهو من رحمة الله، وأن ترى طفلاً كالملاك يتحرك في البيت، فهو من رحمة الله، وإن كان لك عملٌ يدرُّ عليك دخلاً فهو من رحمة الله، وإذا ذهبت إلى بستان فمتعت النظر بجماله فهو من رحمة الله، وإذا هبت نسمات لطيفة عَطَّلت عمل المكيفات، وأوقفته فهو من رحمة الله، وإذا كان الدفء فهو من رحمة الله، فالرحمة الشيء الذي يرتاح له الإنسان، فالله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا قال تعالى:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) ﴾

(سورة هود)
ليرحمنا في الدنيا، ويرحمنا في الآخرة، أما أن يقول الإنسان: سبحان الله، خلقنا الله ليعذبنا، هذا كلام الشيطان، ما خُلقت يا أخي للعذاب بل خُلقت للرحمة، كي يسعدك في الدنيا والآخرة.


الله تعالى خلقنا ليرحمنا هذا هو الهدف الإلهي الكبير:



في الدنيا إذا آمنت بالله يمتعك إلى حين ويؤتي كل ذي فضل فضله، حتى في الدنيا فيها سعادة، وفيها سرور لمن أطاع الله عز وجل:

﴿ مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ( 147)﴾

(سورة النساء)
تفسير سور القران الكريم كاملا
خلقنا ليرحمنا هذا هو الهدف الإلهي الكبير، ولكن العذاب الذي يعذبنا الله به من صنع أيدينا، من معاصينا، من ضلالنا، من انحرافنا، من طغياننا، مِن بُعْدِنا، ومن تقصيرنا، حتى الهمُّ يهتم له الإنسان إنه انعكاس لأعماله الزائغة.
بعضهم قال: هذه البسملة ينبغي أن تدور مع الإنسان في كل نواحي حياته، وفي كل نشاطاته، إذا قام ليتوضأ، إذا دخل البيت، إذا قام ليأكل، إذا قام ليشرب، قمت لتأكل فقلت بسم الله الرحمن الرحيم، النبي أمرنا بالوضوء قبل الطعام، ووضوء الطعام ليس وضوءاً كاملاً، غسل اليدين والفم فقط:
(( وبركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده.))

[أبو داود والترمذي عن سلمان]
أجمع العلماء على أن وضوء الطعام غير وضوء الصلاة، وضوء الطعام غسل اليدين والفم، كنت في الطريق، غبار، صافحت إنساناً، أمسكت بحذائك، يعني هذه اليد أمسكت بأشياء كثيرة، بركة الطعام الوضوء قبله، فلو قمت إلى الطعام فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، قف اذهب واغسل يديك وفمك، هذا معنى
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾



تسمية الفاتحة بعدة أسماء:



قال تعالى:

﴿ الحمد لله رب العالمين(2) ﴾

(سورة الفاتحة)
الآن نبدأ بالفاتحة، الفاتحة سماها النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة، لقوله:
(( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.))

[متفق عليه عن عبادة بن الصامت]
شيء آخر سُميت الفاتحة بسورة الحمد لأنها مصدرة بالحمد لله رب العالمين، وسميت فاتحة الكتاب لأن القرآن الكريم افتتح بها، وسميت أم الكتاب، وأم الشيء أصله، ربنا عز وجل قال:
﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (7) ﴾

(سورة آل عمران آية 7 )
آيات الفاتحة كلها آيات محكمات، الفاتحة سماها النبي عليه الصلاة والسلام أم الكتاب، وسُميت أم القرآن، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
((الحمد لله أم القران وأم الكتاب والسبع المثاني.))

[الترمذي عن أبي هريرة]
سميت الشفاء، لأنه عليه الصلاة والسلام قال:
(( في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء.))

[البيهقي عن عبد الله بن جابر]
سُميت الأساس، أساس الكتاب القرآن، يعني أساس الكتب السماوية القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وسُميت الوافية، وسميت الكافية، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( أم القرآن عوض عن غيرها، وليس غيرها عوضاً عنها.))

[الحاكم عن عبادة بن الصامت]
وقد ورد في تفسير القرطبي: " إن جميع القرآن فيها ".
أذكر حديثاً روى عن الحسن البصري ـ رحمه الله ـ أنّ الله أنزل مئة كتاب وأربعة كتب، جمع سرّها في الأربعة، وجمع سرّ الأربعة في القرآن، وجمع سرّ القرآن في الفاتحة، وجمع سرّ الفاتحة في هاتين الكلمتين:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها.))

[مسلم عن أنس بن مالك]



الحمد على النعمة أفضل من النعمة نفسها:



سأتلو عليكم حديثاً شريفاً يبعث في أنفسكم الطمأنينة هو:

(( الحمدُ على النعمة أمانٌ لزوالها.))

[الديلمي عن عمر]
أية نعمة تحمد الله عليها لن تزول، ولن تضيع، وأن تقول الحمد لله على النعمة أمان من زوالها، وهناك حديث دقيق جداً يقول الحسن: " ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها." كيف ؟
يعني إذا أعطاك الله نعمة الصحة، وكنت شديداً عتيداً قوياً نشيطاً كالحصان، لا بد من سنوات تمضي وتمضي حتى يأتي الأجل، ويموت الإنسان فأين هذه النعمة ؟ زالت، لكنك إذا حمدت الله عليها، وارتقت نفسك في مدارج الحمد، وسَمَتْ سعدت بحمدك إلى الأبد، إذاً الحمد على النعمة أفضل من النعمة نفسها قال الحسن: "ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها ".
لو أنك وهبت زوجةً صالحة، فأعانتك على متاعب الحياة، وحصنتك، وسكنت إليها، فلا بد من ساعة تفارقها، أو تفارقك، إما أن تفارقها أولاً، وإما أن تفارقك أولاً، لكنك إذا حمدت الله على نعمة الزوجة الصالحة فإنّ هذا الحمد تسعد بثوابه إلى أبد الآبدين.


الحمد لله على النعمة أمان من زوالها:



تفسير سور القران الكريم كاملا
لذلك لقي أحدُهم شريحاً القاضي، فقال: يا شريح كيف حالك في بيتك ؟ قال: منذ عشرين سنة لم أجد ما ينغص حياتي، أو يعكر صفائي، قال: وكيف ذلك ؟ قال: خطبت امرأة من أسرةً صالحة، فلما خلوت بها، صليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلمت وجدتها تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي، وتشكر بشكري، فلما دنوت منها قالت: على رسلك يا أبا أمية، إني امرأة غريبة، لا أعرف ما تحب، ولا ما تكره، فقل لي ما تحب حتى آتيه، وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية لقد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله، فاتقِ الله فيّ، وامتثل قوله تعالى:


﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) ﴾

(سورة البقرة)
قال: ثم قعدتْ، يعني هذه الزوجة الصالحة تنتظر ردّ زوجها، ذكرت هذه القصة للإفادة مما فيها من عِبر، فالقاضي شريح، حينما دخل على زوجته الصالحة صلى ركعتين صلاة الشكر، إذاً الحمد على النعمة آمان من زوالها، أية نعمة، نعمة الصحة لن تزول، يمتعك الله بسمعك، وبصرك، وعقلك، وقوتك ما أحياك، هل تغض الطرف عن محارم الله هذه العين لن تُفجع بها، هل تمسك أذنك عن سماع أي صوت لا يرضي الله، هذه الأذن لن تفجع بها، هل ينطق لسانك بالحق، ولا ينطق بالباطل، هذا اللسان لن تُفجع به، هذه الذاكرة، تستخدمها لماذا ؟ بالحق أم بالباطل ؟ إن استخدمتها في حفظ كتاب الله، وحفظ أحكام الله، وحفظ الأحاديث الشريفة، فإن الله سبحانه وتعالى لن يفجعك بها، وهذه اليد، وهذه القوة وغير ذلك من النعم، فالحمد لله على النعمة أمان من زوالها.


كلمة الحمد لله أفضل عند الله من الدنيا وما فيها:



قال عليه الصلاة والسلام:

(( ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ))

[ابن ماجة عن أنس بن مالك]
العبد ماذا أعطي ؟ هذه الكلمة، كلمة الحمد لله، هذه الكلمة التي أعطاها العبد لربه أفضل عند الله مما أخذ، لو أخذ بيتاً ثمنه خمسة ملايين، وقال: يا رب لك الحمد، فكلمة الحمد لله أفضل عند الله من هذا البيت، لأن هذا البيت مصيره إلى الخراب، لكن هذا الحمد يسعد به الإنسان إلى الأبد، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت الحمد لله أفضل من ذلك كله.))

[الديلمي وابن عساكر وابن النجار عن أنس]
الدنيا بحذافيرها يعني بيوتها الفخمة، وبساتينها النضرة، ومالها الوفير، ونساءها الجميلات، ومراكبها الفخمة، كلمة الحمد لله يعني أنك تعرف الله، وإذا عرفته عرفت كل شيء وإذا فتّه فاتك كل شيء، لو أن الدنيا بحذافيرها بيدك وقلت: الحمد لله، فكلمة الحمد لله أفضل عند الله من الدنيا وما فيها.
لذلك العلماء حاروا أيهما أفضل، الحمد لله، أم لا إله إلا الله ؟ هناك أقوال تقول: إن الحمد لله أفضل، وبعضهم قال: لا إله إلا الله أفضل، لكن كلمة الحمد لله هي الحمد الأولى في كتاب الله تبارك:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) ﴾

(سورة الفاتحة)
أما الحمد، لمَ لم يقل الله عز وجل حمداً لله رب العالمين، بل قال سبحانه: الحمد لله ؟ قالوا: هذه الألف واللام لاستغراق الحمد كله، يعني الحمد كله بحذافيره كله، وجزؤه ـ مهما كان حجمه ـ صغيره وكبيره لله عز وجل.


أرحم الخلق بالخلق النبي عليه الصلاة والسلام:



لا يوجد جهة أخرى تستحق الحمد إلا الله، أبداً، أصغِ سمعك إلى قول ربنا عز وجل:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾

(سورة آل عمران)
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق بالخلق، لو جمعت رحمة أمهات الأرض منذ آدم إلى يوم القيامة لا تعادل رحمة النبي بأمته، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾

(سورة التوبة)

(( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر... ))

[أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن أنس]
أما أرحم الخلق بالخلق النبي عليه الصلاة والسلام، يعني أرحم بك من نفسك، ومع ذلك قال الله عز وجل:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾

(سورة آل عمران)



الرحمة كلها من الله والنبي عليه الصلاة والسلام أوتي طرفاً منها:



قال ربنا عز وجل:

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58) ﴾

(سورة الكهف)
ما الفرق بين "رحمة" المُنكَرة في آية آل عمران، و"الرحمة" المُعرَّفة في آية سورة الكهف ؟ قال هذه الرحمة الثانية، هذه ليست أل التعريف، إنما للاستغراق، يعني الرحمة كلها من الله، والنبي عليه الصلاة والسلام أوتي طرفاً منها.
الآن الحمد كله لله، ذكرت قصة قبل شهر أو أكثر أن الحَجَّاج أمر بضرب أعناق عشرة رجال، فأذن المغرب، وبقي رجل لم تضرب عنقه، فقال لأحد وزرائه: خذه إلى بيتك وائت به غداً، هذا الرجل في الطريق قال له: والله لم أخرج على طاعة الأمير، وما آذيتُ أحداً من المسلمين، فهل تأذن لي أن أذهب لأهلي فأوصي قبل أن أموت وأرى أولادي، واكتب وصيتي، فضحك هذا الوزير وقال: أو مجنون أنا ! فقال: عهداً لله إن أطلقتني لأعودَنَّ إلى بيتك قبل الفجر، فما زال هذا الرجل يقنعه حتى سمح له، فلما سمح له شعر بضيق لا يُحتمل، قال: نمتُ أطول ليلة في حياتي، لأنه سيموت مكانه غداً ـ مكان الرجل ـ إن لم يرجع، ما إن أذن الفجر حتى طُرق الباب، وجاء هذا الرجل الذي عاهده على أن يعود، جاء ليموت، فلما كان الغد ذهب به إلى الحجاج فقال له: سأنبئك بما حصل البارحة، فلما أنبأه قال له الحجاج: أتحب أن أهبه لك، قال: نعم، قال: إذاً هو لك، يعني ما دام عنده هذا الوفاء عَفَوْنا عنه، فلما خرج قال له: يا هذا اذهب لوجهك، فهذا الذي عُفي عنه لم يتكلم، ولم ينظر إليه، ولم يشكره، ولم يقل كلمة، إلا أنه توجه إلى السماء، وقال: الحمد لله.
هذا الذي سعى بإطلاق سراحه وتخليصه من الموت المحتم تألم ! لو أنه شكرني، قال: ثم جاءه بعد ثلاثة أيام و قال: أحمدك على عملك، ولكنك حين قلت لي: اذهب لوجهك كرهت أن أحمد مع الله أحداً.


الحمد لله رب العالمين أساس معرفة العبد بربه:



الإنسان أحياناً يلوح له شبح مصيبة، كأن يصاب بورم لم يعرف أهو خبيث أم غير خبيث ؟ أجرى تحليلاً، فإذا هو ورم طبيعي، أول شيء عليه أن يقول: الحمد لله رب العالمين، ولا تحمد مع الله أحداً.
هناك التهاب في السحايا على وشك الوفاة مع الابن الأصغر، فنجا من الموت بتوفيق الله وقدرته، لا تقل: واللهِ إنّ الطبيب لا يفهم، قال لي: اجرِ تحليلاً في وقت مبكر قل: الحمد لله رب العالمين، فلذلك الحمد لله رب العالمين أساس معرفة العبد بربه، هناك حديث دقيق جداً، يقول عليه الصلاة والسلام:


(( الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده.))

[عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو]
قال بعضهم: الحمد حالة نفسية، والشكر سلوك، فليس هناك سلوك شاكر إلا على أساس حالة حمد، فإذا لم يكن عند الإنسان حالة حمد فسلوكه باطل، وهو في حالة نفاق ومداهنة:
(( الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده.))

[عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو]
الحمد أولاً والشكر ثانياً، قال تعالى:
﴿ اعْمَلُوا آَلَ داود شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) ﴾

(سورة سبأ)
الشكر عمل،
﴿ اعْمَلُوا آَلَ داود شُكْراً ﴾
أما الحمد فهو حالة نفسية، أحياناً يقدم لك إنسان خدمة تحس أنك ممتن من أعماقك منه، تعبر عن الامتنان أحياناً بخدمة، أحياناً بكلمة طيبة، أحياناً بقولك جزاك الله عني كل خير، ولكن هذا الكلام أو هذه الخدمة أساسها حالة نفسية شعرت بها هذا هو الحمد.


نعمة الرضا أكمل نعمة:


تفسير سور القران الكريم كاملا
أنت في الصلاة تصلي الفرض، الفروض فقط في اليوم سبعة عشر ركعة، ومثلها سنن، يعني تقول: الحمد لله في الصلاة حوالي أربعين مرة، هل أنت في مستوى هذه الآية ؟ يعني راض عن الله عز وجل، راض عن صحتك، عن دخلك، عن ضيقك، عن عملك، راضٍ وأنت من أصحاب الدخل المحدود، أم ترى نفسك دائماً أنك محروم، إذا كان دخل الرجل محدوداً مثلاً يقضي عمره كله غير راضٍ، بينما يجد بائع فلافل دخله خمسة آلاف وهو أميّ، يقول صاحب الدخل المحدود: أنا حائز على شهادة ليسانس، ودخلي فقط ألف ومائتان بالشهر تقريباً، فهو دائماً غير راضٍ، أما إذا كان مؤمناً وقال: الحمد لله رب العالمين، فليس عنده حرمان أبداً، إن نعمة الرضا أكمل نعمة، لو جاءك مئة مليون في الشهر وأنت على ضلال فالنهاية إلى جهنم، أما المؤمن فكلمة الحمد لله رب العالمين تدل على أنه راضٍ عن الله عز وجل: يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ قال: يا عبدي هل أنت راض عني حتى أرضى عنك.
هل أنت راض عن الله عز وجل ؟ هل تقول الحمد لله من أعماقك، من أعماق أعماقك ؟ أراضٍ، وليس عندك إلا بنات فقط، وليس عندك ولا ذكر واحد، فهل أنت راضٍ ؟ هل رأيت حكمة الله عز وجل أنه يحبك على هذا، ليس عندك أولاد إطلاقاً، بل عقيم راض عن الله عز وجل، عندك زوجة سيئة الخلق، فهل أنت راض بها ؟ هل ترى أن الله شاءت حكمته أن تكون كذلك ؟ لك عمل محدود دخله، أنت في مرض عضال مزمن بشكل مستمر تعاني من بعض الأمراض هل تقول الحمد لله رب العالمين ؟ هذه البطولة.


ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتق الله البطل
***


الحمد لله في السراء والضراء ، في الغنى والفقر ، في القوة والضعف ، في إقبال الدنيا وإدبارها ، في الرفعة والضعة ، في العز والذل ، الحمد لله على كل حال ، الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه ، المكروه نعمة ، لكنه نعمة باطنة .



الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نحمده وألا نحمد أحداً معه :



الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نحمده ، وأمرنا ألا نحمد أحداً معه كيف ؟ قال تعالى :
﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾

(سورة النجم)
مثلاً نراك تحاضر محاضراتٍ كثيرة عن زيد وعبيد ، وقد تكون مجانباً الحق في كثير مما تحاضر ، إذاً فإنه لا يستحق الحمد إلا الله ، وإذا سئلت تقول : الله أعلم بحاله ذلك علمي به ، وعن الصديق تقول : ذلك علمي به ، فإن بدل وغير فلا أعلم الغيب ، لم اختار سيدنا أبو بكر سيدنا عمر ؟ ألم يقل : لا أعلم من هو خير منه ؟ وقال : ذلك علمي به فإن بدل وغيّر فلا أعلم الغيب ، الله قال :
﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾

(سورة النجم)
هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله ، كان النبي عليه الصلاة والسلام عند صحابي متوفى ، كشف عن وجهه فقبله ، سمع امرأة تقول :
(( هنيئاً لك أبا السائب الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وما يدريك يا أم معاذ ؟ أما هو فقد جاءه اليقين ولا نعلم إلا خيراً .))

[الطبراني عن سالم أبى النضر]

﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾

(سورة النجم)



الحمد أنواع وقد جُمع كل هذا في الفاتحة :



لذلك الحمد لله وحده ، أما البشر فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ، كانوا قديماً إذا كلفوا إنساناً ليزكي إنساناً آخر لزواج أو لشهادة يكتب : أعلم منه الصلاح والتقى ، والله أعلم ، معنى والله أعلم قد يكون غير ذلك ، قد يكون منافقاً ، والله أعلم ، فالإنسان ليس مكلفاً ليقيّم الآخرين ، وليس أهلاً لذلك ، ولا يملك الأداة الصحيحة ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( احثوا في وجه المداحين التراب .))

[رواه ابن عياش عن عبد الله بن عمرو]

((إن الله يغضب إذا مدح الفاسق في الأرض .))

(البيهقي عن أنس رضي الله عنه)
مثلاً رجل يشرب الخمر تقول عنه : أكابر ، أخلاقه عالية ، لبق جداً ، ما معنى قولك لبق جداً ؟ أيُّ لباقة هذه على شرب الخمر ، وعلى ترك الصلاة ؟ فهذا الذي يقوله الناس عن بعض الناس رغم شربهم للخمر ، ورغم تركهم للصلاة ، ورغم أكلهم للربا ، إنّ أخلاقه عالية ، لبق ، هذا كلام باطل :
((إن الله يغضب إذا مدح الفاسق في الأرض .))

(البيهقي عن أنس رضي الله عنه)
العلماء قالوا : هناك حمد لذات الله ، وهناك حمد له لنعمة سبقت منه ، وهناك حمد له لنعمة ترجوها منه ، وهناك حمد له خوفاً منه ، إذاً الحمد أنواع ، وقد جُمع كل هذا في الفاتحة .
الحمد لله لذاته ، فالإنسان أحياناً تحمده من دون أن يصيبك من خيره شيء ، وقف موقفاً أخلاقياً أمامك من شخص آخر ، هذا الموقف الأخلاقي تحمده عليه ، مع أنك لست معنياً بهذا الموقف ، وقد ينعم عليه فتحمده ، الحمد لله لذاته ، رب العالمين لنعمه ، الرحمن الرحيم لما نطمع من رحمته ، مالك يوم الدين خوفاً منه .


الحمد في بادئ الأمر إنشاء وفي نهاية الأمر واقع ثابت :



بعضهم قال : ربنا عز وجل بدأ قرآنه الكريم بالحمد لله رب العالمين ، وآخر كلمة يقولها الناس وهم يدخلون الجنة :
﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾

(سورة يونس)
أَمَرنا أن ننشئ الحمد كما هو الحال في الفاتحة ، وفي نهاية الحياة كان الحمد واقعاً كما في آية سورة يونس السابقة ، أحياناً يقول لك أحد الناس : اشكرني ، ويعاملك معاملة سوء ، أي شكر هذا ؟ أساء لك المعاملة ، ويطلب منك أن تحمده ، لكن ربنا عز وجل أمرك أن تحمده وبعد أن اتصلت به ، وسعدت بقربه تحمده ، تحمده على نعمه التي وقعت ، إذاً الحمد في بادئ الأمر إنشاء ، وفي نهاية الأمر واقع ثابت .
شيء آخر ، الحمد لله على أنه أوجدنا ، والحمد لله على أنه بث فينا الروح ، والحمد لله على أنه أمدنا بالطعام ، والشراب ، وكل ما نحتاج ، والحمد لله على أنه قومنا ، الأمراض ، والهموم ، والمتاعب ، والأحزان ، هذه كلها ألفاظ خفية من أجل التقويم ، هناك نعمة الإيجاد ، ونعمة الخلق ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الرزق ، ونعمة الحياة الروحية ، ونعمة الهدى ، ونعمة التقويم .
نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى ، ونعمة التقويم أربع نعم كبرى .


الله سبحانه وتعالى شعر بعجزنا عن حمده فعلمنا كيف نحمده :



هناك شيء آخر ، الحمد لله على ما أعطى ، أن تعرف أن هذه النعمة من الله عز وجل ، أن تعرف من أعطاك ، وأن ترضى بما أعطاك ، وألا تعصي الله فيما أعطاك ، هذا من معاني الحمد ، آخر شيء في الحمد ، مع أن هذه الآية تنقضي الأيام ، ولا ينقضي شرحها ، ولكنّ أخذَ القليل خيرٌ من تركِ الكثير :
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾

(سورة الأنعام)
وقال :
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1)﴾

(سورة الكهف)
إنّ نعمة الهدى كما في آية الكهف تعادل نعمة الخلق كما في آية الأنعام ، والحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض ولم يكن لغيره ، إن الإنسان لئيم ، فلو كان الأمر والخلق لغيره لمُنع الناس القطر ، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلمنا أن نحمده الحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض .
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
قالوا : جمعت هذه الآية نعمة الهدى ، ونعمة الإمداد ، وأكبر نعمة هي أن الله سبحانه وتعالى علمنا كيف نحمده :
((قال موسى : يا رب كيف شكرك ابن آدم ؟ فقال : علم أن ذلك مني فكان ذلك شكره .))

[الحكيم عن الحسن مرسلاً]
نحمد الله بطريقة علمنا إياها الله سبحانه وتعالى ، شعر بعجزنا عن حمده فعلمنا كيف نحمده .


الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :



تفسير سور القران الكريم كاملا
كلمة الحمد لله يقولها الناس في اليوم آلاف المرات ، كيف حالك ؟ يكون ملحداً ويقول : الحمد لله ، وهي من فلتات اللسان عنده ، لكن إذا وقفت على معانيها تماماً تذوب محبة لله على كل شيء ، فإذا كان فهمك عميقاً جداً تحمده على المصيبة :

(( إذا أحب الله عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن رضي اصطفاه .))

[ورد في الأثر]
تعاني من مصيبة مزعجة ، ولعلمك برحمة الله ، وحكمته ، ولطفه ، وحرصه على هدايتك ، وحرصه على إسعادك ، ففي أثناء المصيبة تقول : الحمد لله رب العالمين على هذه المصيبة ، إنها عناية من الله ، وأحياناً يقسو المعلم على تلميذه كي يكون الأول في الصف ، فإذا صار الأول يحمده على قسوته لا على جوائزه ، نعم بحمده على قسوته ، كذلك إذا عرفت الله حق المعرفة تحمده على المصائب ، قال سيدنا علي كرم الله وجهه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " .
أعلى درجة في اليقين برحمة الله أن ترضى بمكروه القضاء ، القضاء الذي لا تحبه ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، والحمد لله تعني معرفة الله ، علامة أنك تعرفه ، وأنك تحمده ، تعرفه فتحمده ، أما إذا كنت لا تعرفه فلا تحمده .






والحمد لله رب العالمين


تــــــــابــــــــع



@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-26-2018, 12:36 PM   #2 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@


بسم الله الرحمن الرحيم





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



الحمد حالة نفسية مبنية على معرفة بفضل الله عز وجل:



أيها الأخوة المؤمنون لا زلنا في سورة الفاتحة، وفي الدرس الماضي وضحت بتوفيق الله عز وجل معنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعنى بسم الله الرحمن الرحيم، وشرحنا طرفاً من قوله تعالى الحمد لله رب العالمين، كلمة الحمد كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( الحمد رأس الشكر ما شكر اللهَ عبدٌ لا يحمده.))

[عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو]
الحمد حالة نفسية مبنية على معرفة بفضل الله عز وجل، فالكلمة الأولى في الإسلام "الحمد لله"، "الحمد لله" على إيجادنا، فأول نعمة هي نعمة الإيجاد، فلان الفلاني ابن فلان وُلِد في دمشق عام كذا، من أخرجك إلى هذا الوجود، قال تعالى:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) ﴾

(سورة الإنسان)
إذا ولدت عام ثمانية وثلاثين فأين كنت عام ستة وثلاثين ؟ إذا وقع تحت يديك كتاب طُبع عام ثلاثين أين كنت حينما طُبع هذا الكتاب ؟ لم تكن شيئاً مذكوراً، "الحمد لله" على نعمة الإيجاد، و"الحمد لله" على نعمة الإمداد، أمدنا بكل ما نحتاج، و"الحمد لله" على نعمة الإرشاد، الإيجاد، والإمداد، والإرشاد، قال تعالى:
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) ﴾

(سورة الحجرات)



الحمد مقياس للقرب من الله عز وجل:



كلمة "الحمد لله" إحدى أكبر شعارات المؤمن، "الحمد لله" على السراء وعلى الضراء، على الصحة وعلى المرض، على إقبال الدنيا وعلى إدبارها، على الغنى وعلى الفقر، على الزواج، وقبل الزواج، وبعد الزواج، "الحمد لله" تعني أنك تعرف أن لهذا الكون إلهاً عظيماً، هو على كل شيء قدير، فإذا حرمك من شيء فهذا حرمان معالجة لا حرمان عجز، "الحمد لله" تعني أن الذي خلقك يحبك، يحبك أكثر مما تحب نفسك لذلك يعالجك ولولا المعالجة لما اهتديت.
موضوع "الحمد لله" موضوع واسع جداً، لكن علماء البلاغة قالوا: الحمد مسلَّم به، لكن لمن ؟ ربنا قال: لله، كلمة الحمد تقتضي وجود نِعَم، والنِّعم ظاهرة لا ينكرها جاحد، حتى الذي ينكر وجود الله لا ينكر النعم، يقول لك: الطبيعة، استثمار المياه في الطبيعة، استثمار الخيرات، تحسين النسل، هذه موضوعات يعالجها الكفرة أيضاً، فالنعم لا ينكرها أحد، حتى الذين أنكروا وجود الله عز وجل لا يستطيعون إنكار النعم، الهواء، الماء، الطعام، الشراب، النبات، الأسماك، الأطيار، الأزهار، هذه الشروط الدقيقة جداً التي خلقها الله عز وجل موافقةً لطبيعتنا، هذه نِعم لا ينكرها أحد، ولكن المشكلة في الآية أن الحمدَ لله فقط، أما أهل الدنيا فإنهم يحمدُ بعضهم بعضاً ويشكرُ بعضهم بعضاً.
"الحمد لله" ؛ فصار الحمد أمراً مؤكداً لا يمكن أن تحمد الله إلا إذا عرفته، وقبل أن تعرفه لا تحمده، بل تحمد أنداداً له، تحمد شركاء تظنهم شركاءه، فالحمد تقتضي المعرفة، لذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سُمي محمداً لأنه أحمد الخلق قاطبةً، ما من مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى حمده أكثر منه عليه الصلاة والسلام، كأن الحمد مقياس للقرب من الله عز وجل، سيد الحامدين هو سيد الخلق، فاسم أحمد، ومحمد، وحامد، هذه كلها من الحمد، والله سبحانه وتعالى خلق لنا النِّعم، وعلمنا كيف نحمده عليها، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، كيف أثنى الله على نفسه ؟ بقوله تعالى:


﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾
لذلك فإن النبي الكريم قال:
(( عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له.))

[مسلم عن صهيب]




الفرق بين المؤمن وغير المؤمن حالة الحمد التي يعيشها المؤمن:



(( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال.))

[البيهقي عن عائشة]
إذا أردت فرقاً أساسياً بين المؤمن وغير المؤمن لا أقول: كلمة الحمد التي يقولها الناس جميعاً، بل حالة الحمد، المؤمن يعيش حالةً دائمةً من الحمد لله عز وجل، فهو شاكر، جاء من أسرة فقيرة "الحمد لله"، رزقه الله زوجة ليست صالحة، كيف يفهم هذا الأمر ؟ يفهم هذا الأمر أن الله سبحانه وتعالى رزقه هذه الزوجة ليصلحها، ويكسب بها أجراً عند الله كبيراً، رزقه الله أولاداً ذكوراً "الحمد لله"، وإن رزقه إناثاً "الحمد لله"، ذكوراً وإناثاً "الحمد لله"، جعله الله عقيماً "الحمد لله"، له وظيفة متعبة "الحمد لله"، مريحة "الحمد لله"، دخلها قليل "الحمد لله"، كبير "الحمد لله"، ولكن هناك نقطة دقيقة جداً، إياكم أن تفهموا من هذا الكلام أنه في أي وضع تحمد الله عليه ولا تحاول تحسين هذا الوضع، لا، هذا يتنافى مع أخلاق المؤمن، هو يحاول تحسين وضعه المادي، يحاول تحسين وضعه العلمي، يحاول رفع مستواه في كل الميادين، فإذا بذل كل طاقته، ووصل إلى هذا المستوى، وليس في إمكانه أن يتجاوزه فيقول: "الحمد لله"، هنا "الحمد لله".
قدم طالبٌ امتحاناً ولم ينجح "الحمد لله"، إذا كنت باذلاً جهدك كله فقل "الحمد لله"، لكن إذا ما درست فهذا جزاء التقصير، ليس له علاقة بالحمد، هذا جزاء التقصير، عندما يبذل الإنسان كل جهده، ولا يُحقق مطلبه عندئذ "الحمد لله" على كل حال.
كأني أقول: إن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، لا أقول كلمة الحمد، بل حالة الحمد التي يحياها، المؤمن لِمَ يحمد الله ؟ لأن الله بيده كل شيء، لا إله إلا الله، وهو الغني، لم تهطل أمطار "الحمد لله"، وهو القدير على كل شيء، ليس لله عز وجل أندادٌ يمنعونه من أي تصرفٍ، صغيراً كان أم كبيراً، وهو الغني والقدير.


النعم لا ينكرها أحد ولكن المشكلة في أن هذه النعم تُعزى لغير الله:



أنت تعمـل في دائرة مثلاً، المعلومات تصل إلى من هو فوقك غير صحيحة، يثنى على المقصر، ويذم المجتهد، أما العلم الصحيح فهو عند الله، لأنه سبحانه عليم، هو الغني، هو القدير، هو العليم، هو السميع، وهو القريب، تكلمت أم لم تتكلم يعلم السر وأخفى، لماذا "الحمد لله" ؟ لأنه لا إله إلا الله أولاً، لا إله إلا الله الغني، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) ﴾

(سورة الحجر)
إله إلا الله القدير، هو الواحد القهار، والله يحكم لا معقب لحكمه، القاضي مثلاً يحكم في قضية ثم ترفع إلى قاض آخر أعلى منه فينقض حكمه، لكن الله سبحانه يحكم لا معقب لحكمه، "الحمد لله" لأنه لا إله إلا الله، و"الحمد لله" لأنه غني، و"الحمد لله" لأنه قوي، و"الحمد لله" لأنه سميع، و"الحمد لله" لأنه بصير، و"الحمد لله" لأنه عليم، و"الحمد لله" لأنه رحيم، فلمَ لا تحمد الله عز وجل ؟
الحقيقة إذا عرفت أسماء الله فلا تحزن أبداً على أي حال كنت، لأنك لا ترى إلا حكمة بالغةً في تصرفات الله عز وجل، فالآية في مبدئها تشير إلى أن النعم التي أسبغها الله علينا ظاهرة، وجلية، وواضحة، وناصعة، وهي كالشمس، لا يستطيع أحد على ظهر الأرض أن ينكرها، ولكن المشكلة أن هذه النعم تُعزى لغير الله، جاء قوله تعالى:
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ (2) ﴾

(( إن الجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلي العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي )).

[ الجامع الصغير عن أبي الدرداء بسند ضعيف ]
النعم لا ينكرها أحد، ولكن المشكلة في أن هذه النعم تُعزى لغير الله:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) ﴾

(سورة يوسف)




المؤمن كلما تفتحت بصيرته يرى أن كل من يقـدم له خدمةً في الحياة إنما هي بفضل الله:


قد يرى بعضهم أن فلاناً الفلاني بيده نفعه وضره، هذا إشراك، قد يرى أن هذه الزوجة ملجأ له وملاذ، ولولا أن الله سبحانه وتعالى جعلها سكناً لك، ولولا أن الله سبحانه وتعالى ألقى في قلبها محبتك، أو ألقى في قلبها رجاءك لَمَا خدمتك، فالمؤمن كلما تفتحـت بصيرته يرى أن كل من يقـدم له خدمةً في الحياة إنما هي بفضل الله، وبإذن الله، والحمد لله وحده، فلذلك نعمة الصحة نعمة كبرى، وليس العجب أن يمرض الإنسان، بل العجب ألا يمرض، لأن هناك آلاف الآلاف من الشروط التي تتوافر جميعها كي تقول صباحاً: "الحمد لله رب العالمين"، الأجهزة لديك تعمل، جهاز الهضم، بدءاً من الفم، إلى اللعاب، إلى البلعوم، إلى لسان المزمار، إلى المريء، إلى المعدة، إلى البنكرياس، إلى الإثني عشر، خلايا الامتصاص في الأمعاء الدقيقة، الأمعاء الغليظة، جهاز التصفية البولية إلى الكليتين، جهاز القلب إلى الرئتين، العضلات، العظام، الجلد، هذا كله يعمل بانتظام، الجهاز الودي النظير، الجهاز العصبي، الجهاز الهرموني، الغدة النخامية، الغدة الدرقية، غدة الكظر، البنكرياس كله يعمل بانتظام، "الحمد لله"، هذه معجزة، أن تستيقظ صباحاً وتحس أنك بصحة تامة "الحمد لله".
أكلـت طعاماً، مَن خَلَقـه ؟ من سخره ؟ من جعلـه مناسباً لنا ؟ طعماً، ولوناً، ورائحةً، وقواماً، ومضموناً، وغذاءً، من نَوَّع هذه الأغذية ؟ البروتينات، والفيتامينات، والسكريات، والمواد الدسمة، من وزعها على هذا الطعام الذي بين أيدينا ؟ إذا أكلت لقمة خبز فمن خلق القمح ؟ الأرض، والقمر، والشمس، والبحار اشتركت في صنع هذا الرغيف، إن شربت كأس ماء من سخره لك ؟ إن لترَ الماء المحلى في دول النفط يكلف ثلاثة ريالات، أيْ عشر ليرات سورية تقريباً، هذا الينبوع ينبوع عين الفيجة الذي سخره الله لنا، والذي بلغني مؤخراً أن حوضه الجيولوجي يمتد إلى حدود كبيرة جداً، من سخره لنا ماءً عذباً فراتاً ؟ "الحمد لله" على كأس الماء، "الحمد لله" على رغيف الخبز، "الحمد لله" على هذه التفاحة التي تأكلها، إياك أن تظن أنك دفعت ثمنهـا لا، دفعت ثمن خدمتها، لو اجتمع أهل الأرض لا يستطيعون صنع تفاحة واحدة، من جعل هذه الكميات بكميات معقولة، لو كان التفاح قليلاً جداً لكان ثمن الكيلو مئتي ليرة، من يأكله إذاً ؟ من الذي عمل تناسباً بين الإنسان ومتطلباته ؟ لو أن الدجاجة تبيض في السنة بيضة لكان ثمنها ألف ليرة، أما إذا كانت تبيض كل يوم بيضة فثمنها نصف ليرة هذه معقولة، إذاً "الحمد لله"، الحليب، البيض، الجبن، اللحوم، هذه كلها من نعم الله، فهذه النعم لا يستطيع أحد أن ينكرها، لكن المشكلة في أن أهل الأرض معظمهم يعزونها إلى غير الله فجاء قوله تعالى:
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾



"الحمد لله" كلمة تعني الله المسير:


كلما تعمقت في الإيمان بالحركة تحمده بالسكون، فإذا نظرت إلى ابنك قلت: "الحمد لله"، من جعله بهذه الصورة الحسنة، إذا نظرت إلى زوجتك، أو دخلت إلى بيتك، وأشعلت المدفئة، وأدرت المروحة، من سخر هذه القوى ؟ من أودع في الأرض هذه المادة التي تُسمى الطاقة، وعن طريقها تولدت الكهرباء ؟ "الحمد لله".

"الحمد لله" كلمة تعني الله المسير، هناك خالق ورب وإله، فالخالق الذي خلق، والرب هو الممد، والإله هو المسير، وتقريباً لأذهانكم أقول: هذه السيارة لها معمل صنعها، وتحتاج إلى إمداد مستمر بالزيت والوقود، وما إلى ذلك، وتحتاج إلى من يقودها، فالذي يسيرها اسمه المسيِّر، والذي يمدها اسمه الرب، والذي صنعها اسمه الخالق، فإذاً "الحمد لله" لأن أمورك جميعها، صغيرها وكبيرها، عظيمها وحقيرها، دقيقها وكبيرها، بيد الله عز وجل، إليه يُرجع الأمر كله، هذا هو التوحيد.
إذا كنت تريـد أن تلخص الإسلام في كلمات ففي كلمة " لا إله إلا الله"، وكلمة "الحمد لله" هو كل شيء، ويحمد على كل شيء، وهو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، يحمد على كل شيء، و"الحمد لله" الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
ما من حادث يقع، ما من مصيبة تقع، ما من فقر ينزل بإنسان، ما من مرض يلحق بجسم إنسان إلا بأمر الله، قال تعالى:
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) ﴾

(سورة الحديد)
وقال:
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) ﴾

(سورة آل عمران)
هذا هو التوحيد، وهذا هو الحمد، وكأنني بهذه الآية أدرك أن عبارة "الحمد لله" جمعت لا إله إلا الله والحمد لله.


الدين كله توحيد وحمد:



"الحمد لله" جمعت التوحيد والحمد، وهذا هو الدين كله، توحيد وحمد، وبعد النظر إلى المشركين تجد الشركَ وسخطَ الكافر السماتِ العميقةَ بتفكيره وتصرفاته، أول شيء لديه الشرك، فلان، وفلان، وفلان، يرجو فلاناً، يخاف فلاناً، يتمنى رضاء فلان، يحسب لفلان حساباً، يعيش بدوامة الشرك، قلبه فارغ، يكاد ينفطر خوفاً من فلان، يكاد يذوب حباً بفلان، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((لو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً.))

[البخاري والبيهقي عن ابن عباس]
ليس هناك إنسان أحبَّ إنساناً على وجه الأرض كحبِّ سيدنا أبي بكر لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك "الحمد لله"، من سخر هذا الصديق لهذا النبي العظيم ؟ الله عز وجل، لو خُلِق الصِّديق عام ألف وخمسمئة وخمسين لما التقى معه، من جعله بعصره ؟ الله عز وجل، إذاً الحمد لله رب العالمين.
نسأل كل واحد منا: من جمعك بهذه الزوجة ؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي قدَّر وجمع، من رزقك هؤلاء الأولاد ؟ الله سبحانه وتعالى، من أعطاك هذا الذكاء فحصلت، وأصبحت لك خبرات ترتزق منها ؟ الله سبحانه وتعالى، طبيب، محامٍ، مهندس، مدرس، خبير ببعض الحاجات، بيده مصلحة بأعلى مستوى تدر عليه أرباحاً طائلة، "الحمد لله"، لو أن نقطة دم كرأس الدبوس تجمدت في أحد شرايين الدماغ لفقدت كل ذاكرتك وخبراتك.


الكافر دائماً ساخط على كل شيء ويشك في حكمة الله:



فلان خبير بهذه المصلحة، عمله نظيف جداً، حتى تتمكن من إنجاز عمل عنده تحتاج إلى شهرين، الفضل لمن ؟ لله عز وجل، إن كنت طبيباً ناجحاً، أو مدرساً ناجحاً، أو تاجراً ناجحاً، أو صاحب معمل ناجحاً، أو كان عندك مشروع زراعي ناجحٌ، أو كنت أباً ناجحاً أو كنت موفقاً في زواجك فـ "الحمد لله" رب العالمين، هذا هو الدين كله توحيد وحمد، الكافر يحيا في شرك وسخط، الكافر دائماً ساخط على كل شيء، متشائم، دائماً يشك في حكمة الله، أحياناً يقول لك: فلان ليس أهلاً للنعمة، يستكثر نعمة الله على بعض عباده، ويستقلها على آخرين، كأنه شاك في حكمة الله، مع أنك لو تعمقت في الأمور وكُشف الغطاء، وأطلعنا الله على كل شيء لكان هذا هو الصواب و لقلنا: الحمد لله رب العالمين، قال تعالى:

﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ "الحمد لله" رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) ﴾

(سورة يونس)
تحدث في الأرض زلازل، وفيضانات، وبراكين، وأعمال عنف، وهناك قوي وضعيف، فيها صحة، فيها فقر مدقع، فيها مجاعات، الحمد لله رب العالمين، لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع.
لكن المشكلة أن هذه الحياة الدنيا بالنسبة إلى الدار الآخرة لا شيء، لذلك ربنا سبحانه وتعالى قد يضحي بها من أجل الهداية، فإذا أغلق صاحب المحل محله مثلاً والصانع نسي شمعة مشتعلة، وفي الساعة الثانية ليلاً أبلغوه أن المحل احترق، المحل فيه بضاعة بثلاثة ملايين، فإذا أخذ يصلي على أثر هذا الحريق فهذا عند الله حكمة بالغة، أما عند الناس فماذا يقولون ؟ ليت هذا الصانع لم ينس الشمعة مشتعلة، هي عند الله حكمة بالغة، لأن هذا المحل بكل هذه البضاعة التي احترقت إذا أثمر احتراق المحل توبة لصاحبه فهذا خير كبير لا يعلمه إلا عند الموت.


لو كُشفت للإنسان الحقائق لما اختار إلا أن يكون كما كان:

قال تعالى:
﴿ يَومَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَونَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُون (42) ﴾

(سورة القلم)
أي يُكشف عن كل شيء ساقه الله إليك،
﴿ وَيُدْعَونَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُون﴾
خجلاً، وصغاراً، وشعوراً بالخزي، والعار، وكانوا يدعون إلى السجود من قبل وهم سالمون، فـ"الحمد لله" رب العالمين، وقع هنا بعض العلماء في حيرة، أيهما أفضل كلمة "لا إله إلا الله" أم "الحمد لله" ؟
ملخص الملخص قال الإمام الغزالي: " ليس في الإمكان أبدع مما كان "، بعضهم فهمَ هذا الكلام فهماً مغلوطاً ؛ والصواب في فهم العبارة: ليس في إمكان المخلوق أبدع مما أعطاه الله عز وجل، الذي أعطاك الله عز وجل هو أنسب شيء إليك، ولو كُشفت لك الحقائق لما اخترت إلا أن تكون كما كنت.
بعض الناس يتمنى الغنى، بعض الناس يتمنى الصحة، لو كُشفت لك الحقائق لن تتمنى إلا أن تكون كما كنت لأن الله عز وجل يعلم ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن، لو كان كيف كان يكون ؟ لذلك ليس في الإمكان أبدع مما كان.
هذه الزوجة أنسب امرأة لك، يقول معترضاً: لأن الحق على أمي، لا ليس الحق على أمك، خطبتها بسرعة، كانت مستعجلة، رأوها في الليل، وقعوا في الغش، ليس في الإمكان أبدع مما كان، علامة واحدة تصير مهندساً، ليس في الإمكان أبدع مما كان، اسمي ورد في القائمة، آخر اسم، كنت سأوفد في بعثة، ليس في الإمكان أبدع مما كان، لو نظرت إلى الأمور بعين التوحيد لرأيت أن الله وحده بيده كل شيء، قدَّم وأخر، سمح ومنع، يسَّر وعسَّر، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً:
(( إن الله إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه.))

[الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس]




الذي ساقه الله إليك مبني على علم وحكمة وخبرة ورحمة:



قال تعالى:

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) ﴾

(سورة الرعد)
وقال:
﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) ﴾

(سورة فاطر)
"الحمد لله" رب العالمين كلما تعمقت في الإيمان ازددت تمثلاً بهذه الآية، كم جزئية في حياتك ؟ أعتقد أن في حياة أحدنا خمسين ألف أو مئة ألف جزئية، نوع بيته، ذاكرته ضعيفة قليلاً، "الحمد لله" أنسب شيء معلوماته، ما عنده إمكانية لدخول فروع علمية، هكذا خلقني الله، أنا أحب الحفظ عند مذاكرة الدروس، الحمد لله رب العالمين، يعني إمكاناتك الفكرية والجسدية قدرُك، جعلك طويلاً وقوياً، أو جعلك ضعيفاً، جعلك من أسرة غنية، من أسرة فقيرة، جعلك في بيئة راقية في بيئة متخلفة، كله ليس في الإمكان أبدع مما كان، يعني ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، هذا الذي أعطاك الله عز وجل، لو كُشف لك الغطاء لما اخترت غيره، وقد يكون هذا الشيء طريقك إلى الجنة، الفقر هو الهادي، قال تعالى:
﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) ﴾

(سورة الرعد)
يهتدي إنسان عن طريق الفقر، ويهتدي آخر عند موت أحد أقاربه، وثالث يهتدي بمصيبة مؤلمة، أو بإكرام كبير، هذا الذي ساقه الله إليك مبني على علم، وحكمة، وخبرة، ورحمة، "الحمد لله"، الله المسير الذي لا إله إلا الله، لا مسير غيره، لا رافع، ولا خافض، ولا معز، ولا مذل، ولا معطي، ولا مانع، ولا قابض، ولا باسط إلا الله عز وجل، الحمد لله رب العالمين.


كل إنسان يتلقى من الله عز وجل تربيتين ؛ تربية لجسمه، وتربية لنفسه:

الإله نفسه رب العالمين، الممد، هذا عطاؤنا، المياه من عطاء الله عز وجل، نهر الأمازون ثلاثمئة ألف متر مكعب بالثانية ، نبع الفيجة أحياناً بأيام الخير يفيض، يلبي حاجة دمشق بكاملها ويفيض عن حاجتها، نصف كثافته يرفد بها نهر بردى، ربنا ممد فأمدنا بالماء.
أحياناً يكون هناك شح في الماء، ترى النباتات صفراء، قال لي صديق: والله دفعت في الأسبوع الماضي خمسمئة ليرة، كل أربعة أيام أدفع خمسمئة ليرة ثمن ماء لسقي المزروعات في المزرعة، الأمر صعب جداً وإلا تموت الأشجار، فالذي أمدنا بالماء هو الله سبحانه وتعالى، نهر الفرات يبلغ عرضه أحياناً في أيام الفيضانات أحد عشر كيلو متراً، بعمق كبير جداً، الآن إذا مشى الإنسان فيه لا يتجاوز مستوى الماء ركبتيه، الحمد لله رب العالمين على عطائه، وعلى منعه، عطاؤه عطاء، ومنعه عطاء، الحمد لله رب العالمين، المُمِدُّ بكل نعمة، لكن ربنا عز وجل يمد هذه الأجسام بكل ما تحتاجه من الهواء، إلى الماء، إلى الطعام، إلى الشراب، إلى كل شيء، سواء أكان هذا الشيء أساسياً أو ثانوياً، الأساسي الطعام والشراب، والثانوي الأزهار هل تؤكل هذه ؟ لا، هذا الجمال الذي بثه الله في الأرض، هذه السماء التي زينها بالنجوم، هذه الأماكن الجميلة التي جعلها منتجعاً لنا كلها من عطاء الله، الحمد لله رب العالمين.
لكن معنى الربوبية يشمل التربية النفسية أيضاً، فكل أنواع المصائب مشتقة من قولـه تعالى: الحمد لله رب العالمين، الأب مثل مصغر، يمد ابنه بكل ما يحتاج، حاجاته، أدواته، كتبه، دفاتره، ألبسته الصيفية والشتوية، غرفته بما فيها من تدفئة، طاولة إنارة، سرير، وسائد مثلاً، فرش وثيرة، أغطية مناسبة صيفية وشتوية، هذا إمداد، فإذا ضبطه يكذب فقد يضربه، والضرب أيضاً تربية، فالتربية لها معنيان ؛ معنى الإمداد بما تحتاجه من مواد، والمعنى الثاني التربية النفسية، فكل إنسان يتلقى من الله عز وجل تربيتين ؛ يتلقى تربية لجسمه، ويتلقى تربية لنفسه، فكل ما يحدث لك فهو من الله عز وجل، بناءً على واقعك، وعلى نفسيتك، الحمد لله رب العالمين.


الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم ؛ رحمن في ذاته، رحيم في أفعاله:



في درس سابق قلت لكم: إن كلمة "رب" تقتضي العلم، وتقتضي الخبرة، وتقتضي الغنى، وتقتضي الإشراف الدائم، وتقتضي الحكمة، وتقتضي الرحمة، لا بد أن يكون رب العالمين قوياً، وغنياً، وحكيماً، وعليماً، وخبيراً، ورحيماً، وقيوماً، دائم الإشراف، لا يُسمى المربي ناجحاً إذا غاب عن الذي يربيه، لا يُسمى المعلم ناجحاً إذا تغيب عن الطلاب، لا بد أن يكون رب العالمين قوياً، وغنياً، وقديراً، وحكيماً، ورحيماً، ودائم الإشراف، وقيوماً، الحمد لله رب العالمين.
كلمة "رب" فيها عطاء، ربنا عز جل ما قال: الحمد للإله، ما قال: الحمد للخالق، بل قال: الحمد لله رب العالمين، أي أن لك رباً، ذات مرةٍ سمعت في الطريق رجلاً يقول وهو في حالة غضب: مَنْ ليس له أب ليس له رب ؟ تأثرت بهذه الكلمة، قد ينشأ أحدنا يتيماً ولا أب له، لكن الله موجود.


وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهن أمان
***
إذا أعطاك فمـن يمنعــه ثم من يعطي إذا ما منعك
***
كن مع الله تر الله معــك واترك الكل وحاذر طمعك
***


﴿الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) ﴾
الرحمن في ذاته، الرحيم في أفعاله، ذاته رحيمة، هناك تطابق كامل بين أفعاله وبين ذاته، أحياناً تكون هناك مسافة بين الإنسان وبين أفعاله وبين نفسيته، هناك مسافة بين أفعاله وبين نفسيته، قد يفعل عملاً فيه رحمة ولكن قلبه قاس كالحجر، الظروف اضطرته لذلك، ذكاؤه أرشده لذلك، لكن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم ؛ رحمن في ذاته، رحيم في أفعاله.


الرحمن يعذب أما الرحيم لا يعذب:



قال سبحانه حكاية سيدنا إبراهيم:

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45) ﴾

(سورة مريم)
الرحمن يعذب أما الرحيم لا يعذب، انظر إلى دقة الآية السابقة، ربنا عز وجل رحمن في ذاته، تقتضي رحمته أن يسوق لعبده بعض الشدائد، هذه الشدائد تُسمى شدائد، أما الرحمة فهي رخاء، لذلك قال ربنا عز وجل:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾

(سورة الأنعام)
انظر الإعجاز أي تقتضي رحمته ألا يرد بأسه عن المجرم، قال تعالى:
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45) ﴾

(سورة مريم)
الرحيـم صفة أفعاله، أما الرحمن صفة ذاته، ماذا بقي ؟ هو الإله، وهو الرب، وهو الرحمن الرحيم، والرحمن الرحيم اسم جامع لأسماء الله الحسنى، فقوته من رحمته، ولطفه من رحمته، وبطشه من رحمته، وأفعاله نابعة من رحمته، لذلك هناك أسماء جامعة، الرحيم من الأسماء الجامعة.


إذا جاء يوم الدين فلا اختيار لك وكل شيء أصبح ملكاً لله وحده:


لكن:

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
لو عقلنا معناها لارتعدت فرائصنا، أنتم الآن مخيرون ما دام في القلب حياة، ما دام القلب ينبض فأنت مخير، كل شيء ممكن الآن، الإصلاح ممكن، والتوبة ممكنة، قال تعالى:
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82) ﴾

(سورة طه)
لكن:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
إذا جاء يوم الدين فلا اختيار لك، هذه الأمانة التي أودعها الله فيك، هذا التكليف وهذا الاختيار الذي منحك الله إياه، هذا الكون الذي وهبه الله لك، هذا العقل والفكر الذي ميزك الله به كله انتهى،
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
وهو في الدنيا مالك، وأنت مختار، لكنه في الآخرة ملك كل شيء، وملك اختيارك، إذاً لا تستطيع أن تفعل شيئاً يوم الدين، يوم الجزاء، الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الشيرازي والبيهقي عن جابر ]
افعل ما شئت، أعط أولا تعط، اعدل أو اظلم، أحسن أو لا تحسن، اعملوا ما شئتم فإن يوم الدين هو يوم الجزاء، عاملت زوجتك بالإحسان، فهو لك، وإن أسأت فعليك، أنفقت مالك في سبيل الله فهو لك، لم تنفق فمغبة البخل عليك.
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286) ﴾

(سورة البقرة)
وقال:
﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) ﴾

(سورة الروم )




الآية التالية تحض على العمل الصالح:



﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
إذا جاء ملك الموت انتهى كل شيء، الاختيار انتهى، والأمانة انتهت، والشهوات نزعت، والكون طوي، والفكر تعطل، كل شيء انتهى، يوم الدين يوم الجزاء والله مالكه، أما الآن فأنت تملك الاختيار، مخير أن تتوب أو لا تتوب، أن تسيء أو تحسن، لكن يوم الدين ينتهي فيه الاختيار، كأن هذه الآية تحضك على العمل الصالح، فإياك أن تصل إلى هذا اليوم وليس لك عمل صالح تلقى الله به، لذلك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) ﴾

(سورة آل عمران)
يوم الدين يوم جزاء، نحن الآن في يوم عمل، في العام الدراسي مثلاً، الطالب يأتي للمدرسة، يحب أن يدرس أو لا يدرس، يجتهد أو لا يجتهد، يراجع أو لا يراجع، يذاكر أو لا يذاكر، يكتب وظائفه أو لا يكتبها أو ينقلها من رفاقه، يستطيع لأنه مخير، لكن إذا قُرع جرس الامتحان في آخر العام وطرحت الأسئلة هذا اليوم يوم الجزاء، وفي الامتحان يكرم المرء أو يهان، أما في أثناء العام الدراسي فلا إهانة للكسول، معه مهلة، أُعطي فرصة، ونحن الآن كذلك، الآن نحن في فرصة، أنت حر، تحب أن تأتي إلى هذا المجلس أو لا تأتي، هناك من يسهر وراء جهاز لهو، يقول لك: والله هذه المحطة أمتع، لكن تلك المحطة ناشفة وبرامجها هزيلة، اليوم دار عمل، لكن الآخرة دار جزاء، قالوا: الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، في الآخرة انتهى الاختيار وانتهى التكليف، انتهت كلمة حرام وحلال، أنت في جنة عرضها السماوات والأرض، لا غض بصر في الآخرة، ولا استيقاظ لصلاة الصبح باكراً، وليس هناك بذل مال، ولا مشي في الشمس، ولا حر، في جنة عرضها السماوات والأرض.


جزاء المؤمن يوم الدين كما وردت في بعض آيات الذكر الحكيم:




قال ربنا عز وجل:

﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) ﴾

(سورة يس)
هنيئاً لهم، هذا الوقت:
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾

(سورة الصافات)
وقال:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾

(سورة المطففين)
وقال:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) ﴾

(سورة الذاريات)
وقال:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) ﴾

(سورة الحاقة)




جمع القرآن في الفاتحة:



نحن الآن في دار عمل، ويوم الدين دار جزاء وحساب، أما إذا وصل الإنسان إلى يوم الدين فقد انتهى كل شيء، انتهى اختياره، وانتهت الفرص كلها، أمّا الآن فالفرص كلها مفتحة، أبواب الرحمة مفتحة، أبواب التوبة مفتحة، أبواب الاستقامة مفتحة، أبواب العمل الصالح مفتحة، لكن إذا جاء يوم الدين انتهى كل شيء، انتهت حرية الاختيار، انتهت الدنيا، ليس التعامل هناك بالأموال بل بالحسنات والسيئات، يؤخذ من حسنات المسيء ويعوض بها عما اغتصبه:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

(سورة الشعراء)
بعد هذه المقدمة:
﴿الحَمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
حينمـا قال النبي عليـه الصلاة والسلام:
(( جمـع القرآن في الفاتحة ))

[ورد في الأثر]
والله معه الحق، لأن كل شيء في الفاتحة، الألوهية، والحمد، والربوبية، واسم الله الأعظم:
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
والمصير الذي لا مفر منه،
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
الآن موقفك المنطقي ؛
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
لو أن الله عز وجل قال: نعبد إياك لاختلف الأمر، إذا سبق المفعول به الفعل فهذا أسلوب الحصر ؛ أيْ نعبدك ولا نعبد أحداً معك، لو قال: (نعبد إياك) شيء، و(إياك نعبد) شيء آخر، لذلك فإن أعلى مرتبة يبلغها الإنسان في الأرض أن يدرك أن حق العبادة لله وحده، وأعلى مقام بلغه النبي أنه كان عبداً لله، عبداً حقيقياً، فتطابقَ اختياره مع أمر الله تماماً، نحن أحياناً لا يتطابق اختيارنا مع أمر الله، نطبق مثلاً تسعين بالمئة، وهناك مثلاً عشرة بالمئة لم تطبقها في عملك، فلست إذاً عبداً كاملاً، أما العبودية الكاملة أن يكون اختيارك موافقاً مئة بالمئة لما أمر به الله عز وجل، إذاً أنت عبد لله، وإن لم تكن عبداً لله فلا بد أن تكون عبداً لشهواتك:
(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]
إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لشهوتك، وإن لم تكن عبداً لشهوتك فأنت عبد لعبد من عبيد الله، فأنت عبد لعبد لئيم، كن للهِ عبداً فعبد الله حر.


العلة الكبرى لخلق الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله:



﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾
إن العبادة طاعة تامة، مبنية على معرفة، ومنتهية بسعادة، التعريف الدقيق: طاعة تسبقها معرفة، وتعقبها سعادة، وإلا لما كانت لها هذه الأهمية، قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

(سورة الذاريات)
العلة الكبرى لخلق الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله، أي أن يعرفه فيطيعه ويسعد بقربه،
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾
لا نعبد إلا إياك، قال تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾

(سورة الأنبياء)
التوحيد والعبودية لله عز وجل قال تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾

(سورة الأنبياء)
وقال:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)﴾

(سورة طه)
والله هذه الآية تكفي، الكافر عنده أمل طويل.


الركوع هو الإعلان عن الخضوع لله والسجود هو طلب العون منه:




قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾

(سورة الكهف)
نهيٌ إلهيٌ عظيم جداً
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
قال تعالى:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
لكن العبادة لله عز وجل تحتاج إلى عون من الله عز وجل، فأنت في الركوع تعلن عن خضوعك لله، وفي السجود تطلب العون منه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( لكل سورة حظها من الركوع والسجود.))

[البيهقي عن أبي العالية]
تقول:
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
الأنبياء الصديقين، الصالحين، المؤمنين، أهل العقل، أهل اللب الطيب، وذوي النفوس الزكية.


الفرق بين " المغضوب عليهم" و "الضالين":




قال تعالى:

﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
هناك أناس عرفوا وعصوا هؤلاء الذين غضب الله عليهم، وهناك أناس ما عرفوا الله عز وجل فهؤلاء هم الضالون:
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
يقول لك الله عز وجل وكأنه يخاطبك في الصلاة:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) ﴾

(سورة النور)
في الركوع تقول: "سبحان ربي العظيم"، أي خضوعاً لك يا رب بهذا الأمر، أنا خاضع لك، أنا مطيع لك، في السجود تقول: "سبحان ربي الأعلى"، يا ربي أعني على تنفيذ هذا الأمر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( لكل سورة حظها من الركوع والسجود.))


[البيهقي عن أبي العالية]



آيات من الذكر الحكيم عن ضعف الإنسان:



كل آية تقرؤها في الصلاة لها ركوع خاص بحسب مضمونها، ولها سجود خاص بحسب مضمونها، تبدأ:

﴿الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
لا نعبد إلا إياك، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكننا ضعاف:
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28) ﴾

(سورة النساء)
وقال:
﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾

(سورة يوسف)



إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك:



﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
على عبادتك، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك.
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
عندئذ تتوجه إلى الله عز وجل:
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
هؤلاء الناجحون، هؤلاء المفلحون، هؤلاء المؤمنون السعداء في الدارين، الذين عرفوك، وأطاعوك، وتقربوا إليك، وعقلوا عنك، وسعدوا بقربك،
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
من يطع الله ورسوله يحشره الله عز وجل مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
هؤلاء الذين عرفوا الله، وحادوا عن شريعته، سمعنا وعصينا، هذا الذي يقول: نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، وثمة أدعية من صنع أحدهم: أمرتنا فما ائتمرنا، ونهيتنا فارتكبنا، ولا يسعنا إلا فضلك، هؤلاء مغضوب عليهم.
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾




البطولة أن تقرأ الفاتحة وأنت متمثل لمعانيها:




عرفت الله وتعصيه، قال رجل لابن الأدهم: ائذن لي بالمعصية، قال: أشياء خمس إذا فعلتها لن تضرك المعصية، قال: وما هي ؟ قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه، قال: وأين أسكن إذاً ؟ قال: فكيف إذاً تسكن أرضه وتعصيه ؟ قال: الثانية ؟ قال: إذا أردت أن تعصيه فاجهد ألا تأكل من رزقه، قال: وماذا آكل إذاً ؟ قال: كيف إذاً تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه ؟ قال: هات الثالثة، قال: إذا أردت أن تعصيه فاجتهد ألا يراك، قال: وكيف لا يراني وهو رب العالمين ؟ قال: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه، ويراك ؟‍‍‍‍‍! لذلك:

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
نختم هذا الدرس بقوله عليه الصلاة والسلام:
(( القرآن كله في الفاتحة ))

[ورد في الأثر]
تقرؤها في كل ركعة:
(( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ))

[متفق عليه عن عبادة بن الصامت]
البطولة أن تقرأ الفاتحة، وأنت متمثل لمعانيها.
﴿ الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾




الإنسان عندما يطيع الله عز وجل وهو مفتقر إليه يعينه على طاعته:


عند إياك نعبد، وإياك نستعين بدأ موقفك العملي، ما دام الله سبحانه وتعالى رب العالمين، وهو الرحمن الرحيم، الذي لا إله إلا هو، يُحمد على كل شيء، فماذا تنتظر ؟!!








والحمد لله رب العالمين


@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-26-2018, 06:18 PM   #3 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة البقرة (2)

الجزء الاول





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام نبدأ اليوم تفسير سورة البقرة، ولهذا سبب سأوضِّحه لكم قبل أن أشرع بالتفسير، مضى على هذا الدرس أيها الأخوة بفضل الله جلَّ جلاله أكثر من خمسٍ وعشرين عاماً، كان التفسير في البدايات آيات مختارة من القرآن الكريم، ثمَّ بَدَأْتُ من سورة لقمان، وتابعت إلى نهاية المصحف، بدأ التسجيل الواضح من جزء عمَّ، وقبل هذا الجزء التسجيلات غير واضحة، ثم رجعت إلى سورة يونس، وتابعت التفسير إلى سورة لقمان، وكان وقتها بحسب الخطة أن أعود إلى سورة البقرة، أي فسرت الثلث الأخير، عشرة أجزاء، ثم الثُلث الثاني، ثم الثلث الأول، لسببٍ أو لآخر تابعت التفسير إلى نهاية الجزء التاسع والعشرين، جزء عم مُفَسَّر بشكل واضح جداً، ومسجَّل بشكل واضح جداً، فحسب الخطة نعود الآن إلى القسم الأول، لأن كل السور من هود إلى نهاية المصحف مفسـَّرة ومسجلة على أشرطة واضحة جداً، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكنني من تفسير الثلث الأول.




كل شيءٍ في الدنيا زائل إلا عملاً يتصل بالآخرة:


اليوم نبدأ تفسير سورة البقرة، ولكن أُقَدِّم لكم هذه الحقيقة، أي شيءٍ في الدنيا زائل إلا عملاً يتصل بالآخرة، وكل واحد من الأخوة الحاضرين إذا لم يكن له عمل متعلق بالآخرة فهناك خسارة كبيرة ؛ الدنيا تمضي، البيوت تزول، لاحِظوا: الميت ترك كل شيء إلا عملاً صالحاً ينزل معه في قبره، فالله عزَّ وجل يقول:


﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (108) ﴾

(سورة يوسف)
كُلُّ من يتبع نبي الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يدعَو إلى الله بطريقةٍ أو بأخرى، وقلت لكم من قبل: استقيموا يُسْتَقَم بكم، الموقف الصادق دعوة، الموقف الأمين دعوة، الوَرَع دعوة، الصدق دعوة، الإتقان دعوة، قد يكون لكل واحد عمل طيّب، هذا العمل يُسَبب اتساع دائرة المسلمين، فالدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، والدعوة إلى الله في حدود ما تعلم ومع من تعرِف، وكل إنسان جلس في مجلس علم، واستمع إلى تفسير صار مؤاخذاً، صار مسؤولاً، صار مكلَّفاً أن ينقل هذا إلى الآخرين إما بلسانه، أو بشريط، أو بلقاء، لا بدَّ أن تُلْقي بعد أن استمعت، لا بد أن تعطي بعد أن أخذت، وهذا الذي يبقى، الذي يحَرِّك المؤمن في الدعوة إلى الله حديثٌ لرسول الله، والله أيها الأخوة لو تلوت هذا الحديث على مسامعكم آلاف المرات لا أشبع منه:

((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها ))

[ البخاري عن سهل بن سعد ]

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]




الجهاد الدَعَوي من أكبر أنواع الجهاد:



الجهاد كما تعلـمون ذِروة سنام الإسلام، ومن مات ولم يجاهد، ولم يحدِّث نفسه بالجهاد مـات على ثلمةٍ من النفاق.
الجهاد الدَعَوي من أكبر أنواع الجهاد، والدليل قال تعالى:


﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) ﴾

( سورة الفرقان)
جميل جداً أن يمتلئ المسجد بطُلاَّب العلم، والأجمل من هذا أن ينتشر هذا العلم خارج المسجد، جميل جداً أن يفكِّر كُلٌ منا كيف ينْقُل الحق إلى أخيه، إلى صديقه، إلى جاره، إلى موظفي محلِّه، إلى زملائه، إلى أقربائه، لأننا جميعاً كل الأخوة الحاضرين طرفٌ واحد، ولكن البطولة أن تُدخل إلى هذا المجموع الطيِّب إن شاء الله أطرافاً جديدة، فكل واحد مكلف أن يبحث من أقربائه، من زملائه، من جيرانه، من أتباعه، ممن هم دونه، ممن هم فوقه، بطريقةٍ أو بأخرى لنشر هذا الحق، هذا الذي يبقى، وترون كيف يموت الناس ولا يأخذون معهم شيئاً، إلا عملاً صالحاً ابتغوا به وجه الله عزَّ وجل، فتعليم العلم من أعظم الأعمال الصالحة، نشر الحق صنعة الأنبياء:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾

( سورة فصلت)




كلما اتسع الحق صارت الاستقامة سهلةً:



بدأ هذا الدرس أيها الأخوة في عام 1976 بأربعة أشخاص فقط، وترون هذا الإقبال ـ وهذا من فضل الله عزَّ وجل ـ هؤلاء الذين يأتون لطلب العلم، ولمعرفة كلام الله عزَّ وجل، وسنة رسوله، هؤلاء يبتغون وجه الله عزَّ وجل، فالبطولة أن تتعلم، وأن تُعَلِّم، وأن تستمع، وأن تُلْقي، وأن تتلقَّى، وأن تعطي، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ))

[ البخاري عن عثمان ]
على الإطلاق، خيرية مطلقة، وكلما اتسعت دوائر الحق ضاقت دوائر الباطل، وكلما اتسع الحق صارت الاستقامة سهلةً، قال تعالى:
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) ﴾

( سورة النور)
وقال تعالى:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا (103)﴾

( سورة آل عمران )
الفضل لله عزَّ وجل، وهذا القرآن الكريم مائدة الله، وهذا القرآن الكريم حبل الله المتين، دستوره القويم، الصراط المستقيم، المنهج الصحيح، هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا الكتاب فيه نبأ من قبلكم وذكر مَن بعدكم، فيه الأمر، فيه النهي، فيه الحلال، فيه الحرام، فيه أخبار الأمم السابقة، فيه مشاهد من يوم القيامة، فالحقيقة الفضل لله عزَّ وجل أن سورة يونس والتي بعدها مُفَسَّرَةٌ بشكلٍ مفصل إلى نهاية المصحف، ومسجَّلة بأشرطة واضحة جداً، واليوم نبدأ الثلث الأول لهذا الكتاب الكريم، ونبدأ بسورة البقرة.


النقطة الأولى سميت هذه السورة بسورة البقرة تأكيداً على الإيمان باليوم الآخر:



قبل أن نبدأ في شرح هذه السورة لا بد أن نسأل هذا السؤال: لماذا سميت سورة البقرة، مع أن البقرة ليست حيواناً مألوفاً في الجزيرة العربية ؟ الحقيقة أن هذه البقرة التي سُمِّيَت بها السورة الأولى في القرآن الكريم بعد الفاتحة، هذه البقرة لها قصة ؛ كان هناك رجل غني جداً من بني إسرائيل، كان ثرياً جداً، ولم يكن له أولاد، فقتله ابن أخيه، وألقى الجثة بعيداً على مشارف قريةٍ بعيدة، واتُّهِمَ أهل هذه البلدة بقتل هذا الرجل، ونَشِبَ خلافٌ بين القرية الأولى والقرية الثانية، إلى أن جاء أولياء القتيل ليسألوا موسى عليه السلام عَن الذي قتل هذا الرجل، فربنا عزَّ وجل في الآية الثالثة والسبعين من هذه السورة الكريمة ذكر قصة هذه البقرة، فقال:

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
الأمر الإلهي أن يذبح بنو إسرائيل أيَّةَ بقرة، فإذا أخذوا أحد أعضائها، وضربوا به هذا القتيل يحيى، ويقف، ويقول: فلان قتلني، أي كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُثْبِت لبني إسرائيل الحياة بعد الموت ؛ نقف قليلاً لننتقل إلى موضوع اليوم الآخر.
الحقيقة الكبرى أيها الأخوة أنه بعد الإيمان بالله ـ وهـو الرُكن الأول ـ أن تؤمن بالـيوم الآخر، لأن الحياة الدنيا من دون إيمانٍ باليوم الآخر غابة يأكل القوي فيها الضعيف، يستغلُّ الغني الفقير، وهذا مـا يجري في العالم اليوم، هو عالم لا يؤمن باليوم الآخر، فالقوي هو الذي يسحقُ الضعيف، والغني هو الذي يستغلُّ الفقير، والأقوى هو الذي يعتدي على الأضعف.


لم ينجح مجتمع على وجه الأرض إلا مجتمعاً آمن بالله واليوم الآخر:



الأحداث كلُّها تشير إلى أنه لن تقوم حياةٌ إلا أن تؤمن باليوم الآخر، وكل ما يقال من كلامٍ لا معنى له ؛ ضمير يقِظ، وازع داخلي، هذا كلُّه إن لم يُدَعَّم بالإيمان باليوم الآخر لا جدوى منه، ولم ينجح مجتمع على وجه الأرض إلا مجتمعاً آمن بالله واليوم الآخر ؛ فربنا سبحانه وتعالى من خلال قصة البقرة أراد أن يبيِّن لبني إسرائيل أن هذا الذي تراه ميتاً سوف يُحْييِه الله يوم القيامة لينال جزاء عمله، فماذا فعل بنو إسرائيل ؟ هذا الأمر لم يتلقَّوه بالقبول، ولم يستقبلوه بالرضا، ولم يستقبلوه بالانصياع، بل استقبلوه بالتشكيك والسخرية:

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) ﴾
نبيٌ كريم يستهزئ ؟! يمزح !!
﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (68) ﴾
هنا..
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
وانتهى الأمر.


الذي يموت ذاتُهُ باقية وسوف يحاسب:



أية بقرةٍ تُجْزِؤكم، وأية بقرةٍ لو أخذتم أحد أعضائها وضربتم به الميت لقام، وتكلَّم، وقال: قتلني فلان، ولكن بني إسرائيل شددوا على أنفسهم:

﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا (72) ﴾
كل طرفٍ ألقى التهمة على الطرف الآخر:
﴿ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ﴾
يقول الناس عن الذي يموت: الفقيد الفلاني، هذا الذي يموت خلع ثياباً فقط، أما ذاتُهُ فباقية، وسوف يحاسب، وسوف يعيش حياةً أبدية في جنةٍ يدومُ نعيمها، أو في نارٍ لا ينفد عذابها.


تدل الآيات التي نزلت في أول الدعوة الإسلامية على شيئين:




أخواننا الكرام تُلحُّ الآيات التي نزلت في أول الدعوة الإسلامية على شيئين ؛ أن تؤمن بالله، وأن تؤمن باليوم الآخر، لأن الإيمان بالله لا معنى له من دون أن تؤمن أنَّه مطلعٌ عليك، وسيحاسِب، وسيعاقِب، لن تستقيم على أمر الله إن لم تؤمن أنه مطلعٌ عليك، وسيحاسب، وسيعاقب، قال تعالى:


﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) ﴾

( سورة الطلاق )
أي إنك تستقيم حينما تعلم أن الله يعلم، وأنَّك في قبضته وسيحاسب ؛ ولن تجد إنساناً مستقيماً إلا بسبب أنه يُدْخل في حساباته اليوم الآخر ؛ والذي يثير العجَبَ أن الإنسان حينما يأكل المال الحرام، وحينما يعتدي على أعراض الآخرين، وحينما يتفَلَّت من منهج الله عزَّ وجل، كيف ينام الليل ؟ كيف يتوازن مع نفسه ؟ إذا قرأ قول الله تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر )




خصوصية هذه الدنيا أن النعم التي أنت فيها لا بدَّ أن تفارقها عند الموت:


حينما يوقن الإنسان المؤمن أن كل حركةٍ، وكل سكنة، وكل تصرفٍ، وكل عطاءٍ، وكل منعٍ، وكل وصلٍ، وكل قطعٍ، وكل زيارةٍ، وكل نظرةٍ، وكل كلمةٍ سوف تَدْخُل في ميزان أعماله، وسوف يُسأل عنها يوم القيامة، عندئذٍ يستقيم الإنسان على أمر الله، ولن تجد في الأرض إنساناً مستقيماً إلا إذا كان إيمانه باليوم الآخر عظيماً، هذه الدنيا فيها نِعَم، وفيها مُتَع، وفيها شهوات، وفيها حظوظ، ما الذي يحصل ؟ هذه الحظوظ، وهذه الشهوات، وهذه المُتع، وهذه الِنعم بشكل عام إما أن تفارِقَك وأنت حي، وإما أن تفارقها عند الموت ؛ لا بدَّ من الفراق، لأنّ خصوصية هذه الدنيا أن النعم التي أنت فيها لا بدَّ أن تفارقها عند الموت، وقد تفارقك قبل الموت ؛ من هنا كان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللهم أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا ))

[ رزين عن نافع مولى ابن عمر]
أما الدار التي لا تفارقك فيها النعم ولا تفارقها هي الدار الآخرة.
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾

( سورة الصافات)
وقال:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾

( سورة المطففين)
هناك قلق في الدنيا، الإنسان قَلِق على صحته وكلما تقدَّم به العمر يزداد هذا القلق، يا ترى أَأُصاب بالمرض الفلاني ؟ أو بالمرض الفلاني ؟ والأمراض كثيرة جداً، هذا أكبر قلق، قلقٌ على الصحة ؛ يوجد قلق على الدخل، هل يبقى هذا الدخل أم يتقلَّص ؟ هل أبقى في هذه الوظيفة ؟ هل تبقى لي هذه التجارة ؟ هل يبقى لي هذا الدخل ؟ الحياة الدنيا مشحونة بالقلق، لأنك لا بدَّ أن تُغادر الدنيا، إذاً سوف تفارق كل النعم ؛ وأوضح شاهد إذا تَبِعْتَ جنازةً، ورأيت الميت كيف يدفن، كان ساكناً في بيت، قد تكون مساحته مئتي متر، قد يكون أربعمئة متر، قد يكون بيت بأحياء دمشق الراقية، قد يكون بيتاً له إطلالة جميلة، له شرفات ومُعْتَنى به، غرف للنوم، غرف للاستقبال، غرف للجلوس ؛ فيه كل شيء، فيه تدفئة، تكييف، أين مصير صاحب هذا البيت ؟ تحت أطباق الثرى، في حفرةٍ صغيرة ؛ هذا مصيرُ كل حي.


أكثر ركنين متلازمين من أركان الإيمان هما الإيمان بالله واليوم الآخر:

هذه النعم، لا بدَّ أن تفارقها بالموت، وقد تفارقُكَ قبل الموت ؛ أما الآخرة فحياةٌ أبديةٌ سرمدية، حياةٌ لا نغص فيها، ولا شيخوخة فيها، ولا حُزْنَ فيها، ولا قلق فيها، ولا برد، ولا حر، ولا مرض، ولا فقر، ولا غنى، ولا قهر.

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾

(سورة الصافات)
وقال:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾

( سورة المطففين)
إذاً أراد الله جلَّ جلاله حينما جعل هذه السورة تحمل اسم سورة البقرة أن يذكِّرنا باليوم الآخر، وأن الإيمان باليوم الآخر يأتي بعد الإيمان بالله تماماً، ولو تتبعت الآيات التي تذكر الإيمان لوجدت أن أكثر ركنين متلازمين من أركان الإيمان هما الإيمان بالله واليوم الآخر ؛ والحياة الدنيا من دون إيمان باليوم الآخر غابة ؛ يأكل القوي الضعيف، يستغل الغني الفقير، شعوبٌ تُقْهَر، شعوبٌ تموت من الجوع، وشعوبٌ تُطعِم كلابها من اللحم ما لا تأكله شعوب بأكملها في جنوبي آسيا، هناك محلات، وهناك رَفاه لكلابهم يفوق رفاه بعض الشعوب ؛ حياةٌ القوي فيها هو المسيطر، والضعيف مسحوق، هذه حياةٌ دُنيا من دون يوم آخر، انظر إلى مجتمع إيماني صغير، أفراده مؤمنون باليوم الآخر، تجد الإنسان يأخذ ما له ويدع ما ليس له، قلت مرةً في موضوع الزواج: لماذا ينجح الزواج الإسلامي ؟ لأن الله بين الزوجين، لأن كل طرفٍ يخشى أن يظلم الطرف الآخر، يخشى الله، يخاف من الله أن يظلم الطرف الآخر، وكل طرفٍ يرجو رحمة الله بخدمة الطرف الآخر، فكلا الزوجين يرتقيان إلى الله، ويزداد التفاهم والوئام بينهما بسبب إيمانهما بالله واليوم الآخر.


فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه:


أنا أُلِحُّ على الإيمان باليوم الآخر ؛ يجب أن يدخل هذا اليوم ـ اليوم الآخر ـ في الحسابات اليومية، وقال لي أخ: في الحسابات الساعيِّة، والأصح أن يدخل هذا اليوم في الحسابات اللحظيَّة، كل لحظة، كل عملٍ سوف تحاسب عليه.

﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) ﴾

(سورة الكهف)

الإنسان المؤمن شخصية فَذَّة ؛ ذكرت مرة أن الشخصية الفَذَّة فيها درجة علمية، من هو المؤمن ؟ المؤمن عرف الحقيقة الكُبرى في الكون، عرف الله، هذا أكبر عالم لأنه عرف الله ـ دققوا في هذا القول ـ فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، القرآن الكريم هذا الكتاب وازن بينه وبين أي كتابٍ آخر، المسافة بينهما كما بين الله وهذا المؤلِّف، لأن هذا كلام الله ؛ وازن بين من عرف الدنيا، وبين من عرف الله، بينهما كما بين الله وخلقه ؛ هذا الذي عرف الله إنسان كبير جداً، عرف الحقيقة العظمى وانسجم معها فسعد في الدنيا والآخرة، والإيمان درجة أخلاقية، لأن المؤمن محكوم بمنظومة قيمٍ أخلاقيةٍ كثيرةٍ كبيرةٍ جداً، ففي حياته نهج دقيق تفصيلي، وذكرت سابقاً أنه ما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه اليوم إلا لأنهم توهَّموا أن الإسلام مجموعة عبادات شعائرية فقط، هي الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، بينما يحوي الإسلام ـ وأرجو ألا أُبالغ ـ مئة ألف بند تقريباً ؛ بنود في كسب المال، بنود في إنفاق المال، بنود في الزواج، بنود في الطلاق، بنود في المجالس، بنود في أداء الحِرَف، بنود في السفر، بنود في الإقامة، بنود في تربية الأولاد، منهج كامل ؛ حينما فهم المسلمون أن الإسلام بضعة عبادات شعائرية كانوا خلف الأمم جميعاً، أما حينما فهم الصحابة الكرام أن الدين هو الحياة كما أرادها الله عزَّ وجل ساروا وفق المنهج التفصيلي، لذلك طلب العلم فرضٌ على كل مسلم، في حياة المسلمين لا شيء يعلو على طلب العلم ؛ إنَّك بالعلم تعرف من أنت، وتعرف موقعك بين الناس، وتعرف ماذا بعد الموت، وماذا قبل الموت، وما المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه ؟ فلذلك حينما يؤمن المؤمن باليوم الآخر تنتهي مشاكله.


الدين كله محاسبة ذاتية:



هذه قصة نموذجية أرويها دائماً ؛ أخ من أخواننا يعمل في لف المحركات قال لي: أنا قبل أن أصطلح مع الله يأتيني محرك محروق، طبعاً أجرة لفِّ المحرك خمسة آلاف تقريباً، قال لي: أفتحه، فإذا به قَطْع بسيط جداً في خط خارجي، يُصَلَّح في دقيقة، قال لي: قبل الصلح مع الله أُصَلِّح هذا المحرِّك وآخذ خمسة آلاف عداً ونقداً، لأن صاحب المحرك لا يعرف ماذا حدث ؟ يعرف أن المحرك واقف عن العمل، إذاً هو محروق، وجاء به للفّه، قال لي: بعد أن عرفت الله عزَّ وجل أقول له: كلَّف خمساً وعشرين ليرة، مع أن الشرط خمسة آلاف، دخل بالمحاسبة الذاتية، هذه هي القصة كلّها.
الدين كله محاسبة ذاتية، الدين كله كما قال هذا الأعرابي، هذا البدوي لسيدنا عمر، قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، فقال له: ليست لي، قال له: قل لصاحبها ماتت، ليست لي، خذ ثمنها، ليست لي، ثم ألحّ عليه، قال له: والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟ هذا الدين كله، الدين كله أن تؤمن باليوم الآخر، ضبطْتَ لسانك، ضبطت كسبك للمال، ضبطت إنفاقك للمال، ضبطت عَيْنَك، ضبطت أذنك، ضبطت يدك، ضبطت حركاتك وسكناتك.
أيها الأخوة الكرام سُمِّيت هذه السورة التي هي أطول سورةٍ في القرآن، سميت بالبقرة لأن البقرة دليلٌ لبني إسرائيل على اليوم الآخر، كيف أن الله سبحانه وتعالى أحيا هذا الميت الذي قال: فلان قتلني.
هذه واحدة، فلذلك الإنسان عندما يعصي الله عزَّ وجل يجب أن يعلم أن إيمانه باليوم الآخر ضعيف ؛ لو كان إيمانه باليوم الآخر قوياً لما عصى الله أبداً ؛ مستحيلٌ أن يعصي الله إذا كان مؤمناً أنه سيحاسب ؛ إذا ذهبت إلى بلد مجاور، ووجدت في أثناء الذهاب تفتيشاً دقيقاً جداً، وأنه لا يمكن لشيء أن يمر إلا بمحاسبة دقيقة، هل تشتري شيئاً هناك ؟ أبداً، شيء طبيعي، ما دام هناك حساب دقيق لا تشتري شيئاً، يقول لك رخيصة: ليست المشكلة أنها رخيصة، ولكن كيف سأنقلها إلى بلدي ؟ لا تمر، والمؤمن كذلك، أي شيء، قد لا يوجد عليه رقابة، أنت موثوق، الطبيب موثوق، المهن الراقية كلها موثوق بأصحابها، لو قال طبيب لمريض: تحتاج إلى تحليل، عشرة تحاليل، هل يستطيع المريض أن يناقش الطبيب ؟ لا يستطيع، تحتاج إلى التحليل الفلاني، انتهى ؛ من الذي يعلم أن هذا التحليل ضروري أو غير ضروري ؟ هو الله وحده، إذا قال لك المحامي: الدعوى رابحة، وهي خاسرة حتماً، هل بإمكانك أن تناقشه ؟ من يعلم ذلك ؟ الله وحده، والله أيها الأخوة لو صح إيمان المسلمين باليوم الآخر لأغلق قصر العدل أبوابه.




الدين منهج كامل وليس عبادات شعائرية فحسب:



بقي سيدنا عمر وزير عدل مع سيدنا الصديق سنتين، ولم يَرفع له أحد قضية، لو أنصف الناس لاستراح القاضي ؛ نحن مشكلتنا الإيمان باليوم الآخر، وأنك سوف تُسأل.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر )
مرة ثانية يا أخواننا الكرام، أكبر وهم نتوهمه أن الذي يأتي إلى المسجد ويصلي هو صاحب دين ؛ تأتي إلى هنا لتأخذ تعليمات الصانع فقط، وتعود مرة ثانية لتقبض الثمن، دينك بعملك، دينك بدكّانك، دينك بمكتبك، دينك بعيادتك، دينك بشركتك، دينك بالحقل، دينك بالمعمل، دينك مع أولادك، هنا تأخذ تعليمات الصانع، وتعود إلى الحياة كي تُمارس هذه التعليمات ؛ وأوضح شيء كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيت الله عزَّ وجل يقول:
(( اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))

[مسلم عن أبي حميد]
يا رب أشعرني بقربي منك، أما إذا خرج من المسجد يقول:
(( اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))

[مسلم عن أبي حميد]
العمل خارج الجامع، هناك الدين، هناك الاستقامة، هناك ضبط اللسان، هناك ضبط الدخل، هناك ضبط الإنفاق ؛ نحن حينما فهمنا الدين خمس عباداتٍ شعائرية صرنا في مؤخَّرة الأمم، ولكننا يجب أن نفهم الدين منهجاً كاملاً، لهذا أكبر شيء يشغل المؤمن: ما حكم الشرع في هذا الموضوع ؟


الله عزّ وجل قادر أن يُعيدَنا جميعاً مرةً أخرى:


سميت سورة البقرة لأن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ليضربوا ببعضها هذا المقتول، فيعيد الله جل جلاله له الحياة فيقف، ويقول: فلان قتلني ! أي أن الله عزّ وجل قادر أن يُعيدَنا جميعاً مرةً أخرى، وهذا الذي ذكره القرآن الكريم .
الشيء الثاني: كان في بني إسرائيل رجل صالح، وكان مستقيماً ورعاً مخلصاً، لم يَدَع لأهله إلا بقرة ؛ هذه كل ثروته في الدنيا لابنه الوحيد، هذه الصفات التي في سورة البقرة:


﴿ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) ﴾
انطبقت جميعها على هذه البقرة، فلم يرض صاحبها (ابن هذا الصالح) بثمن أقل من أن يُملأ جلدها ذهباً فكانت ثروةً طائلة ؛ يستنبط من هذا: أن الإنسان إذا كان صالحاً تولَّى الله مِن بعده رعاية أولاده ؛ يقول الله عزّ وجل في الأثر القدسي:
((عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول هذا العبد: يا ربِ أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين لثقتي بأنك خيرٌ حافظاً وأنت أرحم الراحمين ـ يقول الله عزّ وجل في هذا الأثر القدسي ـ عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك )).

[ورد في الأثر]

معنى ذلك: تحرَِّ الحلال، ولا تأخذ ما ليس لك، ولا تَخْشَ على أولادك من بعدك، الله وليُّهم هو الحافظ الأمين، هو الذي يرعى لك أولادك بعد موتك، هو الذي يسترهم، هو الذي يرزقهم، هو الذي يحفظُهم، هو الذي يُكرمهم ؛ كم من أبٍ ترك ملايين طائلة لأولاده كسبها بالحرام من أجلهم، فكانت النتيجة أنهم بدّدوا هذه الأموال في وقتٍ قصير وعاشوا فقراء ؛ وكم من أبٍ خاف الله عزّ وجل في كسبه فتولَّى الله من بعده رعاية أولاده، لا تقلق على أولادك، اقلق على شيء واحد هو: أن تقع في معصية ؛ هذا الذي مَكَّنك الله منه ؛ معظم الناس الآن يكسبون المال الحرام من أجل أولادهم، من أجل بناء مستقبل أولادهم، شراء بيوت، تزويج أولادهم، يكسبون المال الحرام، ما الذي يحدث ؟ هذا المال الذي كسبوه حراماً يبدَّد، ويذهب كما أتى، ويبقى أولادهم فقراء، تتمة الأثر القدسي يقول الله لعبدٍ آخر:
(( عبدِ أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا ربِ لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله عزّ وجل: إن الذي خشيت على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ))

[ورد في الأثر]




النقطة الثانية احرص على الدخل الحلال وعلى طاعة الله والله سيتولى أولادك من بعدك:



هي بقرة مباركة، لأن الأب كان صالحاً:

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً (82)﴾

( سورة الكهف )
بنى سيدنا الخضِر الجدار لأن أباهُما كان صالحاً، فلذلك الحقيقة الثانية في هذه السورة: احرص على الدخل الحلال، احرص على طاعة الله، ولا تفكر في مصير أولادك، لأن الله سيتولى أمرهم، إذا كنت أباً صالحاً سيحفظ الله لك أولادك من بعدك، وسيتولى أمرهم ؛ والله كم من قصةٌ مؤثرةٍ ؛ رجل اتقى الله فكان أولاده من بعده أعلاماً، قمماً، وكم من رجل لم يتق الله في كسب المال، ترك أيضاً ملايين طائلة فرأى صديق المتوفى ابن صديقه في الطريق فقال له: إلى أين أنت ذاهب ؟ قال بالحرف الواحد: إنني ذاهبٌ لأشرب الخمر على روح أبي، روح الميت تُرفرف فوق النعش، تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبَن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلَّ وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعة علي.
النقطة الثانية: أن هذه البقرة التي جاءت صفاتها مفصَّلةً انطبقت على تلك البقرة التي كانت لرجلٍ صالح فأبى ولده ثمناً لها إلا مِلءَ جلدها ذهباً، أحياناً يَدَعُ أب صالح قطعة أرض، بيتاً، دُكَّاناً صغيرة، تدرّ هذه الدكان على أولاده من بعـده خيراً كثيراً، لأنه كان صالحاً، لا تقلق على أولادك، اقلق على دخلك، حلال هو أم حرام ؟ أنت لست مكلفاً أن تُطعم أولادك المال الحرام، هذه النقطة الثانية.


النقطة الثالثة أن هذه السورة سورة مدنية :




النقطة الثالثة في هذا الدرس: أن هذه السورة سورة مدنية ؛ طبعاً القرآن الكريم كما تعلمون مكيٌّ ومدني، والعلماء اختلفوا هل الآية التي نزلت في مكة مكية، والتي نزلت في المدينة مدنية إطلاقاً ولا علاقة للزمن بها، مراعين المكان فقط ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة أُنزل عليه القرآن، فالآيات التي أُنزلت عليه في مكة مكيةٌ أم مدنية ؟ هناك علماء راعوا الزمن فقط، فكل آيةٍ نزلت بعد الهجرة في أي مكان فهي مدنية، وكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة في أي مكان فهي مكية، هذا مقياس زمني، ويوجد مقياس مكاني ؛ فكل آيةٍ نزلت في مكة بأي وقت فهي مكية، وكل آية نزلت في المدينة فهي مدنية.
الذي يعنينا أن القرآن المكي له خصائص، والمدني له خصائص ؛ يركِّز القرآن المكي على الإيمان بالله عن طريق الآيات، ويركِّز على اليوم الآخر، اِقرأ سورة من الأجزاء الأخيرة من القرآن الكريم، سورة عمَّ، النازعات، المرسلات، يركِّز على الإيمان بالله، وعلى الإيمان باليوم الآخر، لأنهما أصلا العقيدة، يركز على الرد على الكفار والملحدين، والمشركين والمنكرين، وعلى ذكر الجنة والنار، تكاد هذه القواسم تتجاذب السور المكية، الإيمان بالله من خلال الآيات، الإيمان باليوم الآخر، الرد على المشركين والكفار والملحدين، ذكر الجنة والنار، لو انتقلت إلى البقرة، إلى آل عمران، إلى النساء، إلى الأنعام، يختلف الأمر، تجد آيات التشريع اِفعل ولا تفعل:


﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ٌ (282) ﴾

( سورة البقرة )
شيء جميل، تشريع.


كل دعوةٍ إلى الله لا بد أن تمر بمرحلتين:

يوجد منافقين..

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا (120) ﴾

( سورة آل عمران )
صـار هناك طبقة منافقين، لم يكن في مكة منافقون لأن الإسلام كان مُضطَهَدَاً، فلا داعي لأحد أن ينافق ؛ إذا أعلن الكفر يمشي على عرض الطريق، كان المسلمون مضطهَدين، لذلك لم يكن نفاق في مكة، أما حينما أُسس للمسلمين دولة قوية في المدينة صار هناك نفاق ؛ تجد في السور المدنية حديثاً عن التشريع، وحديثاً عن المنافقين ليحذِّر المؤمنين، وحديثاً عن علاقة المسلمين بغيرهم، هذا في المدينة.

ما الذي يعنينا ؟ الذي يعنينا هو أن كل دعوةٍ إلى الله لا بد أن تمر بمرحلتين: مرحلة التعريف بالله واليوم الآخر، ومرحلة التعريف بالمنهج، وأية دعوةٍ إلى الله غَفَلَت عن تعريف أتباعها بالله واليوم الآخر دعوةٌ عرجاء، دعوةٌ لا تنجح، فأنت حينما تأمر الإنسان أن يصلي، يصلي لمن ؟ تأمره أن يستقيم، يستقيم خوفاً مِن مَن ؟ لا يعرف الله !! وكنت أقول دائماً: إذا عرف الإنسان الأمر، ولم يعرف الآمر تفنن في التفلُّت من هذا الأمر، وهذا حال المسلمين اليوم أعظم من أن يُخفى، مغنية تسأل عالماً: إنني تبت فهل يوجد مانع أن أغني ؟ لا يوجد مانع بموضوعات دينية ؟ صار الغناء مسموحاً، والاختلاط مسموحاً، والبنوك مسموحة في مصر، لم يعد هناك شيء، كل شيء له فتوى، وكنت أقول متحسّراً: إنَّ لكل معصيةٍ فتوى.
إذا عرف الإنسان الأمر ولم يعرف الآمر تفنن في التفلت من هذا الأمر، وهذا حال المسلمين ؛ صار الإسلام فلكلوراً، مظاهراً، لباساً إسلامياً ؛ آيات قرآنية نزين بها البيت، وتوجد سهرات لا ترضي الله في هذا البيت، توجد أجهزة لا ترضي الله في هذا البيت، توجد علاقات لا ترضي الله في هذا البيت، أما كله آيات قرآنية، وصورة الكعبة، وآية الكرسي ؛ بقي الإسلام مظاهراً، مؤتمرات إسلامية، كتباً فخمة جداً، العنوان على عرض الكتاب، أناقة بالطباعة، أشرطة مرئية ومسموعة، ومكتبات، وكل شيء في أعلى درجة، لكن لا توجد استقامة، لا يوجد التزام ، وكأن الله عزّ وجل تخلَّى عنا.


الآيات المكية تُعرفنا بالآمر بينما الآيات المدنية تُعرفنا بالأمر الإلهي:

ذكرت هذا فيما مضى، أن شخصاً سألني فقال لي: لِمَ ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ قلت له: سُئل الإمام إبراهيم بن الأدهم هذا السؤال مرةً في البصرة فقيل له: إن الله تعالى يقول:

﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (60) ﴾

( سورة غافر )
ونحن ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ قال: " لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء ؛ ادعيتم أنكم آمنتم بالله ولم تنصاعوا لأمره، قرأتم القرآن فلم تعملوا به، ادعيتم حب نبيَّكم فلم تعملوا بسنَّته، قلتم: إن النار حق فلم تتقوها، قلتم: إن الجنة حق فلم تعملوا لها، دفنتم موتاكم فلم تعتبروا.." ذكر اثني عشر بنداً، وقال: فكيف يُستجاب لكم ؟!!
الذي أريده ما دام هناك مّكي ومدني، معنى ذلك أن القرآن المكي يدعوك إلى الإيمان بالله واليوم الآخر عن طريق الآيات، وأيَّة دعوةٍ إلى الله تُغفل هذا الشطر الكبير من الدين فهي دعوةٌ عرجاء لا تنجح، والآن ترى أننا اعتنينا بالفقه على حساب العقيدة، يجب أن نعتنيَّ بالفقه والعقيدة معاً، والشيء الدقيق أن الإنسان حينما يؤمن بالله إيماناً صحيحاً، هو يبحث عن أمره ونهيه، يبحث بشكلٍ حثيث، لذلك المؤمن الصادق شغله الشاغل ما حكم الشرع في هذا ؟
أنت أحياناً موظف في شركة، نُحِّيَ المدير العام السابق عن عمله وجاء مدير جديد، أنت تسأل: من هو ؟ فلان، ما ثقافته ؟ ما أخلاقه ؟ ما طبيعته ؟ ما طباعه ؟ بعد أن عرفت شيئاً عن شخصيته الآن تنتظر الأوامر والنواهي ؛ سلوك طبيعي جداً أن تعرف الآمر أولاً، ثم الأمر ثانياً ؛ فنحن في المكِّي عرفنا الآمر، الآن في المدني يجب أن نعرف الأمر ؛ لذلك أيُّ أمرٍ لم يسبقه تعريفٌ بالآمر هذا الأمر لا قيمة له، لأن شرف الرسالة من شرف المُرسل، وقيمة الأمر من قيمة الآمر، وكلَّما عرفت الله أكثر وَقَّرْتَ أمره أكثر، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعده أكثر، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعيده أكثر ؛ القضية دقيقة جداً، لذلك لا تحاول أن تُملي على الناس الأوامر الإلهية دون أن تعرِّفهم من أمر بها ؛ ماذا عند الله لو أطعته ؟ وماذا عنده لو عصيته ؟ إذا لم يكن هناك فكرة واضحة ماذا ينتظر الطائع، وماذا ينتظر العاصي فلا تعبأ لا بالأمر ولا بالنهي.


بالكون تعرف الله وبالشرع تعبده:



هذا درس بليغ لنا، فلذلك أنا حاولت في أول التفسير أن أبدأ بالقسم المكي أي بالثلث الأخير ثم بالثلث الثاني، ورجوت الله عزّ وجل أن يُمَكَّن الإيمان بالله في قلوب الأخوة المؤمنين.
الآن يأتي التشريع تاجاً يتوَّج به المؤمن ؛ أنت حينما تعرف الله تبحث عن أمره ونهيه تبحث عما يرضيه، لذلك بالكون تعرفه وبالشرع تعبده ؛ هذان الخطَّان في عهد النبي ؛ الخط الأول: التعريف بالآمر، والثاني: التعريف بالأمر ؛ الحد الأدنى الآن أن يسير الخطَّان معاً، لذلك لا بد من درسٍ تعرف الله فيه، التفكُّر في خلق السماوات والأرض هذا الخط الأول، كل إنسان يأكل، ويشرب، ويتزوج، وينام، ويستيقظ، ويتأمَّل، وينظر، يجب أن تعلم أن أرقى عبادة على الإطلاق تتقرَّب بها إلى الله أن تتفكَّر في خلق السماوات والأرض، من أجل أن تزيد معرفتك بالله، من أجل أن يكون أمر الله عندك عظيماً:


﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (14) ﴾

( سورة نوح)
إذا فكَّرت في خلق الإنسان أطواراً ترجو لله الوقار، من أين يأتي الوقار ؟ يأتي إذا فكَّرت في خلق الله عزّ وجل:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

( سورة فاطر: الآية 28)
أيها الأخوة الكرام، علمتنا كلمة مكي ومدني أن الدعوة ينبغي أن تمر بمرحلتين ؛ مرحلةٍ نتعرف فيها إلى الآمر، والمرحلةٍ الثانية نتعرف بها إلى الأمر الإلهي.


النقطة الرابعة يُعَلِّمنا الله جلَّ جلاله أن التوجيه غير المباشر أبلغ أثراً من التوجيه المباشر:




هذه السورة أيها الأخوة ـ سورة البقرة ـ من أطول سور القرآن الكريم، فيها خاصة ثالثة أُسأل عنها دائماً، هذه الخاصة: حديثٌ طويل عن بني إسرائيل وما علاقتنا ببني إسرائيل:


﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ (134) ﴾

( سورة البقرة )
صفحات طويلة، سيدنا موسى، وعلاقته بفرعون، وعلاقته بقومه، وكيف نجَّاه الله من فرعون ؟ وكيف انتقل إلى سيدنا شعيب ؟ الحديث عن بني إسرائيل له مغزى هو: أن الأسلوب التربوي الحكيم ينطلق من هذه المقولة: " إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارة "، يُعَلِّمنا الله جلَّ جلاله أن التوجيه غير المباشر أبلغ أثراً من التوجيه المباشر، فكل الأمراض التي وقعت بها بنو إسرائيل المسلمون مرشَّحون لأن يقعوا بها، فأيُّ مرضٍ من أمراض بني إسرائيل نحن مُرشَّحون لأن نقع فيه:
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾

(سورة البقرة)
هذا يعتقده المسلمون اليوم، يعتقدون بمفهومٍ ساذج للشفاعة، اِفعل ما شئت، والنبي عليه الصلاة والسلام يشفع لك:
﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) ﴾

( سورة المائدة)
هذا مرضٌ أصاب المسلمين:
﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا (93)﴾

( سورة البقرة )
لو تتبعت أمراض بني إسرائيل لوجدت أن كل هذه الأمراض قد تلبَّّسنا بها ؛ فإذا قرأنا قصة بني إسرائيل نقرأها كي نتعظ، كي نعتبر من هؤلاء القوم الذين خرجوا عن منهج ربهم فاستحقوا لعنة الله عزّ وجل، هذه النقطة الثالثة.


ملخص لأهم نقاط الدرس:

نعيد ملخص هذه النقط:
الأولى: سميت هذه السورة بسورة البقرة تأكيداً على الإيمان باليوم الآخر، وأن الناس جميعاً سيحاسبون حساباً دقيقاً جداً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً:


(( ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم..))

[ابن سعد والبيهقي والديلمي عن أبي البجير]
العبرة باليوم الآخر.
الشيء الثاني: أن الذي يحيا حياةً مستقيمة ينبغي ألا يقلق على أولاده من بعده، لأن الله عزّ وجل هو الذي سيحفظ له أولاده من بعده، أي عليك أن تستقيم وانتهى الأمر:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾

( سورة الزمر)
وقال:
﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) ﴾

( سورة الأعراف)
النقطة الثالثة: هي أن هذه السورة مدنية، والسور المدنية فيها تشريعات، والتشريع مكانه الطبيعي بعد معرفة المُشَرِّع، الأمر مكانه الطبيعي بعد معرفة الآمر، فإذا عرفنا الآمر وعرفنا الأمر تكاملنا، ولا تنسَ أن الله سبحانه وتعالى جعل التشريع نصف الدين تماماً.
والنقطة الرابعة في سورة البقرة: أن كل قصص بني إسرائيل بأمراضهم، وتقصيرهم، وانحرافاتهم تنطبق علينا، ذكرت مرة أنّ هؤلاء الذين نسوا:
﴿ حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14) ﴾

(سورة المائدة)
معنى ذلك متى تكون بيننا العداوة والبغضاء ؟ إذا نسينا حظاً مما ذُكرنا به، كأن للعداوة والبغضاء قانون.


في مجتمعنا قواسم مشتركة كبيرة جداً ومع ذلك هناك عداوة وبغضاء:



قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ (91) ﴾

(سورة المائدة)
وقال:
﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14) ﴾

(سورة المائدة)
معناها في مجتمعنا قواسم مشتركة كبيرة جداً، ومع ذلك عداوة وبغضاء مع هذه القواسم المشتركة، وصف الله عزّ وجل بني إسرائيل فقال:
﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى (14) ﴾

( سورة الحشر )
يحوي المجتمع عشرات العوامل المشتركة، ومع ذلك عداوةٌ وبغضاء ما بعدها من عداوةٍ وبغضاء، هذا قانون ثالث، فأردت من هذا الدرس أن يكون مقدمةً للدروس القادمة التفصيلية، اسم البقرة، والأبُ الصالح، وبنو إسرائيل، لماذا كثر ذكرهم في هذه السورة ؟ والشيء الرابع المكي والمدني.





والحمد لله رب العالمين



تــــــــابــــــــع




@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-27-2018, 11:39 AM   #4 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@


بسم الله الرحمن الرحيم


سورة البقرة (2)

الجزءالثانى



الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.




اللغة من تكريم الله للإنسان وهي أداة اتصالٍ راقية جداً:


أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثاني من سورة البقرة.

﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾

أيها الأخوة الكرام... الكتاب هو الذي يُحْفَظُ في السطور، ويُقرأ مدى الدهور، والقرآن هو الذي يُحفظ في الصدور، ويُقرأ، يغلب على القرآن أنه يُقرأ، إذاً يحفظ في الصدور، ويغلب على الكتاب أنه يكتب، ويحفظ في السطور ؛ فالقرآن والكتاب اسمان لشيءٍ واحد ؛ لكن هذا يُذَكِّرنا بقوله تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

( سورة الرحمن)
البيان اللُّغة، واللغة من تكريم الله للإنسان ؛ أداة اتصالٍ بين أفراد النوع، أداة اتصال راقية جداً، أداةٌ يعبِّر بها الإنسان عن فكره وشعوره، أداةٌ اجتماعية ؛ يتَّصل الإنسان مع الآخرين عن طريق اللغة ؛ لو أن اللغة تُقرأُ، لو أن اللغة تقتصر على أن تُلقى، وأن تُسمع، لما انتقلت ثقافةٌ من جيلٍ إلى جيل، ولا من أمةٍ إلى أمة، لذلك قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) ﴾

( سورة العلق)



البيان من أخص خصائص الإنسان:


اللغة حديثٌ واستماع، واللغة كتابةٌ وقراءة ؛ حينما مَكَّنَ الله الإنسان من أنْ يكتب اللغة، ومن أن يقرأ المكتوب، معنى ذلك أن هذه الـعلوم التي بين يدي الإنسان انتقلت من جيلٍ إلى جيل، ومن عصرٍ إلى عصر، وعن طريق الترجمة من أمةٍ إلى أمة ؛ فالإمام القُرطبي مثلاً صاحب التفسير المشهور، لو لم يكن هناك كتابة أين علمه ؟ ضاع بموته، فأيُّ عالمٍ صَبَّ علمه في كتاب، فهذا الكتاب انتفع به أبناء عصره الذين لم يلتقوا به، وانتفع به الذين جاؤوا بعده إلى يوم القيامة، وانتفعت به الأمم الأخرى عن طريق الترجمة، إذاً معنى قوله تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

(سورة الرحمن)
البيان من أخص خصائص الإنسان، وهو من تكريم الله للإنسان ؛ عَلَّمك أن تنطق، وعلَّمك أن تفهم الكلام الذي ينطقه غيرك، وعلمك أن تكتب، وعلمك أن تقرأ المكتوب ؛ فلذلك الكتاب محفوظٌ في السطور، ويقرأ على مدى الدهور، والقرآن محفوظٌ في الصدور، ويُقْرَأُ بلسانٍ عربيٍ مبين.


فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه:


أيها الأخوة... أما كلمة الكتاب.

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾

هذه (أل) العهد، أيْ: هذا الكتاب الذي يتميَّز عن كتب أهل الأرض من آدم إلى يوم القيامة، أيُّ كتابٍ ألَّفه إنسان، أُُدخل إلى أضخم مكتبةٍ في العالم، كل هذه الكتب في كفة، وهذا القرآن في كفةٍ أخرى ؛ إنه كلام الله، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ؛ لذلك هذا الكتاب، هو كتابنا المقرر، هو أساس سعادتنا، هو منهجنا، هو دستورنا، هو حبل الله المتين، هو الصراط المستقيم، هو النور المبين ؛ لا تنس هذه المقولة " فضل كلام الله على كلام خلقه، اِقتنِ أعلى كتاب ألَّفه إنسان في العالم، المؤلف إنسان لكن هذا القرآن من عند خالق الأكوان.
دخل مغنٍ بريطاني شهير إلى مكتبة في إيطاليا فرأى فيها القرآن الكريم، فسأل صاحب المكتبة: من مؤلِّف هذا الكتاب ؟ رفع صاحب المكتبة يده إلى السماء، وأشار إلى الله عزَّ وجل، استهزأ هذا المغنِي بهذه الكلمة، واشترى الكتاب ليقرأه، ولينتقده، وليوبِّخ صاحب المكتبة على هذا الادعاء ؛ فلما قرأه آمن به، وترك الغناء، وصار من دعاة الإسلام، واشترى بثروته الطائلة، كل تسجيلاته، وأحرقها ؛ فهذا الكتاب كتاب خالق الأكوان، هذا كتابنا، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( خيركم من تعلم القرآن و علمه )).

[ البخاري عن عثمان ]
خيركم على الإطلاق.

الجهاد الكبير هو نشر كتاب الله و تبيانه و شرحه و حَمْل الناس على تطبيقه:


الجهاد ذِرْوة سنام الإسلام، أعلى شيء في الإسلام الجهاد، وسمَّى الله نشر هذا الكتاب وتِبيانَه للناس، وتفسيره، وشرحه، و حَمْل الناس على تطبيقه سمَّى ذلك: جهاداً كبيراً، فقال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) ﴾

(سورة الفرقان )
والشقي كلُّ الشقي الذي جاء إلى الدنيا، وخرج منها، ولم يفهم كلام الله.


﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
هذه (أل) العهد، أيْ: كتاب الله، هذا الكتاب متميِّز عن كتب بني البشر قاطبةً ؛ فما من كتابٍ على وجهِ الأرض إلا فيه خطأ، وفيه صواب، أما الكتاب الذي لا ريب فيه فهو هذا الكتاب، فلن تجد في هذا الكتاب حرفاً ثبت أنه خطأ، لأنه كلام خالق البشر.


ابتعاد القرآن الكريم عن الخلل لأنه كلام خالق البشر:


أنا أقول لكم هذه الكلمة: مهما كان المؤلف عظيماً، قد تكون معطيات العصر الذي أُلِّف فيه الكتاب واضحةً، فإذا قرأت كتابه بعد مئة عام وجدت فيه خللاً ؛ هذا الكتاب الذي أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرناً، هل في تقدُّم العلوم المُذهل في كل أنواع العلوم ؛ في الفلك، وفي الطب، وفي علم القارَّات، وفي الجيولوجيا، وفي التاريخ، هل هناك حقيقةٌ علميةٌ قاطعةٌ صَدَمت آيةً قرآنية ؟ مستحيل، لأنه كلام خالق البشر ؛ وليس هذا الكلام من عند النبي عليه الصلاة والسلام. مثلاً: قال تعالى:

﴿ وَالْخَيْلَ (8) ﴾
والخيل أمام النبي..
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) ﴾

(سورة النحل )
هذا الشيء موجود في الجزيرة العربية، لو كانت هذه الآية من صنع النبي، لانتهت عند هذا الحد..
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
لم يكن في عهد النبي طائرة، لم يكن في عهد النبي سيَّارة، ولم يكن في عهد النبي حَوَّامة، ولم يكن في عهد النبي مركبة فضائية، لكنه كلام خالق الكون، قال تعالى:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾


( سورة النحل)
فالذي يركب طائرةً ويقرأ هذه الآية يرى أن الطائرة دخلت في هذه الآية، والذي يركب مركبةً فخمة ويقرأ هذه الآية يرى أن المركبة دخلت في هذه الآية، لأنه كلام خالق البشر.


من استوعب كلام خالق البشر سعد به في الدنيا والآخرة :



يقول الله عزَّ وجل:


﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾

(سورة الحج)
الإنسان يعجَب، لِمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل:
﴿ من كل فجٍ بعيد ﴾
القصد أن الفج بعيد، لكن لأن الأرض كرة فإنك كلما ابتعدت عن إحدى نقاطها صار البعد عمقاً..
﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (28) ﴾

(سورة النحل)
إذاً هذا الكتاب غير كتب أهل الأرض، وما أتعس الذي أمضى حياته مع كتبٍ من صنع بشر ؛ أمضى حياته في الأدب، في الشعر، في القصة، كل هذا من صنع البشر، أما إذا استوعب كلام خالق البشر سعد به في الدنيا والآخرة .


تميز القرآن الكريم عن كل الكتب السماوية السابقة:


شيءٌ آخر..

﴿ ذَلِكَ (2) ﴾
و(أل) للعهد، أي أن هذا الكتاب متميزٌ عن كل الكتب السماوية السابقة، كيف ؟ اِئتمن الله البشر على الكتب السماوية السابقة لحكمةٍ أرادها، وكانت معجزة النبي شيئاً، والكتاب الذي أُنزل عليه شيءٌ آخر ؛ معجزة سيدنا عيسى أنه أحيا الموتى ؛ ومعجزة سيدنا موسى أنه ضَرَبَ البحر فكان طريقاً يبساً، والأفعى، والعصا، فالمعجزة شيء، والكتاب الذي نُزِّل عليه شيءٌ آخر، الكتب السماوية اِئتمن الله البشر عليها، بينما القرآن الكريم يتمَيَّز من بين الكتب السماوية أن الله تولى حفظه بذاته، قال:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) ﴾

( سورة الحجر)



القرآن الكريم هو المُهَيمن على كل الكتب الأخرى:



لذلك لا يستطيع بشر أن يبدِّل حرفاً واحداً، ولا أن يبدِّل حركةً، ولا أن يضع آيةً مكان آية، وليس معنى حفظ الله عزَّ وجل لهذا القرآن أنه لا تجري محاولةٌ لتغييره، الآن في الإنترنت سور اِدّعى الذي وضعها أنها من سورة البقرة، رقم ثلاثة وعشرين، ولا علاقة لها بالقرآن إطلاقاً ؛ الأمر يكشفه الأطفال، وفي درسٍ آخر إن شاء الله أقرأ عليكم هذه السور التي افتعلها أعداء الدين، وجعلوها كأنها سور من كتاب الله عزَّ وجل ؛ إنك إذا قرأتها أمام طفل يكشف أنها اِدِّعاء وكذب، أمام طفل من المسلمين ؛ إذاً هذا الكتاب كتاب الله عزَّ وجل يتميز عن بقية الكتب السماوية أن الكتب السماوية اِئتمن الله خَلْقَهُ على حفظها، فما الذي حصل ؟

﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ (13) ﴾

( سورة المائدة: آية " 13 " )
أو بدلوا وحرَّفوا لأهوائهم، فالكتب السماوية السابقة غاب منها قسم وحرف وبُدل منها قسمٌ آخر، إذاً ليست هي كلمة الله الآن ؛ وكما أن الكتب السابقة أُنزلت على قومٍ معيَّنين لفترةٍ معينة ؛ بينما القرآن الكريم هو المُهَيمن على كل هذه الكتب..
﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (85) ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (33) ﴾


( سورة الصف )



القرآن جامعٌ لكل أحكام السماء من بدايات الرسالات حتى يَرثَ الله الأرض ومن عليها:


إذاً:

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
هذا الكتاب متميِّز على كل الكتب السماوية السابقة، وعلى كل الكتب التي ألَّفها بنو البشر قاطبةً..
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
بعضهم قال: القرآن جامعٌ لكل أحكام السماء، من بدايات الرسالات، حتى يَرثَ الله الأرض ومن عليها، هذا الكتاب ليس للأمة العربية، ولا للمسلمين، بل هو لكلِّ أبناء الأرض قاطبةً، والله تولى بنفسه.. بذاته.. حفْظَ كتابه ؛ والعلماء يُضيفون على ذلك أنه من لوازم حفظ كتاب الله جلَّ جلاله حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن سنة النبي مبيِّنة للقرآن، فإذا ضاع التفسير ضاع الأصل ؛ فإذا قلت: إن الله تولى حفظ القرآن الكريم، معنى ذلك أنه تولى أيضاً حفظ سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كيف تولى حفظها ؟ عن طريق علماء آتاهم الله قدراتٍ عاليةً جداً فمحَّصوا، ونَقَّبوا، ودققوا، وحفظوا سنة رسول الله الصحيحة.


تولي الله عز وجل بذاته حفظ القرآن الكريم :



يطمئننا الله عزَّ وجل أن هذا القرآن لن (لن تفيد تأبيد النفي) أي لن تصل إليه يد التحريف والتبديل، لذلك قال:

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ (2) ﴾
إذا قرأته لا يمكن أن يتبادر إليك شكٌ طفيف أن هذه الكلمة ليست من القرآن، هذا الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هوَ هو بين أيدينا، بسوره، وآياته، وكلماته، وحركاته، وسكناته..
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ (2) ﴾
لأن الله بذاته تولى حفظ القرآن الكريم ، لذلك لا يمكن أن يطرأ عليه أي تغيير، لكن ليس معنى ذلك أنه لا تجري محاولات، تجري، بدأها مسيلمة الكذاب، فإذا قرأت ما صاغه، وادَّعى أنه وحيٌ من السماء لأخذك الضحك إلى مكانٍ بعيد.


الإعجاز في القرآن الكريم على أنواع منها :



1 ـ الإعجاز الإخباري:




أيها الأخوة الكرام... قد يسأل سائل: ما السبيل إلى أن أؤمن أن هذا القرآن من عند خالق الأكوان ؟ السبيل كلمة واحدة: إعجازه، لا يستطيع بنو البشر مجتمعين إلى يوم الدين أن يأتوا بآيةٍ واحدة إطلاقاً، فهذا الكتاب فيه إعجاز، والإعجاز أي أن البشر يَعْجزون عن أن يأتوا بمثله، أولاً فيه إعجاز إخباري..

﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (44) ﴾

( سورة آل عمران: آية " 44 " )
ما كنت لديهم، جاء القرآن الكريم بآيات تبيِّن، وتوضِّحُ التاريخ البشري بدقةٍ متناهية ؛ ففي مصر مثلاً كان هناك فراعنة، وفي حقبةٍ قصيرةٍ جداً حكم مصر ملوك، الحاكم الذي عاصر سيدنا يوسف جاء ذكره في القرآن ملك فقال:
﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ (54) ﴾

( سورة يوسف )
أما الذي عاصر سيدنا موسى كان فرعوناً:
﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (51) ﴾

(سورة الزخرف )
هناك دقة بالغة لأن هذه القصص سمَّاها العلماء: من إعجاز القرآن الإخباري، قال تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾

(سورة الروم)



إعجاز القرآن الإخباري يتناول الماضي والحاضر والمستقبل:



إعجاز القرآن الإخباري يتناول الماضي والحاضر والمستقبل ؛ قصة فرعون مع سيدنا موسى، وقصة سيدنا يوسف مع ملك مصر، وقصة أقوامِ عادٍ وثمود جاءت بتفصيلٍ شديد ودقةٍ شديدة، هذا اسمه: الإعجاز في الإخبار عن الماضي ؛ وفي القرآن الكريم إخبارٌ عن الحاضر البعيد مكانياً عن رسول الله ؛ وفي القرآن الكريم إعجازٌ إخباريٌ عن المستقبل، قال تعالى:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾

(سورة الروم)
وفعلاً في بضع سنين تزيد عن الثلاثة وتقِلُّ عن التسعة غلب الرومُ الفرسَ في أدنى الأرض، قال بعض علماء التفسير: أي في أخفض نقطةٍ من الأرض، ولم يكن أحدٌ يعلم قبل عشرات السنين أن غور فلسطين أخفض نقطةٍ في الأرض، عُرِفَ بعد اكتشاف أشعة الليزر أن غور فلسطين أخفض نقطة في الأرض إطلاقاً، والمعركة تاريخياً تَمَّت في غور فلسطين، قال تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾

(سورة الروم)
في القرآن الكريم إعجاز إخباري ؛ إخبار عن الماضي، وإخبار عن الحاضر، وإخبار عن المستقبل.


2 ـ الإعجاز العلمي:





وفي القرآن الكريم إعجاز علمي، مثلاً، اكتشف علماء الفيزياء الآن أن كل عنصرٍ في الأرض من دون استثناء ذرَّات، وفي الذرة نواة، وحول النواة مسارات، وعلى المسارات كهارب، قال تعالى:

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) ﴾

( سورة يس)
مثل آخر: اِكتشف أن جنس المولود ذكراً كان أو أنثى يحدده الحوين لا البويضة، ولا علاقة للبويضة بتحديد جنس المولود، قال تعالى:
﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) ﴾


(سورة النجم)

﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾

(سورة الحج)
الأرض كرة.
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) ﴾

( سورة النمل)
الأرض تدور، تمُرُّ الجبال مر السحاب ثلاثين كيلو متراً بالثانية، كل ثانية تقطع الأرض في دورتها حول الشمس ثلاثين كيلو متراً، في الدقيقة تقطع ألفاً وثمانمئة كيلو متر، في العشر دقائق ثمانية عشر ألف كيلو متر، نحن الآن مشينا عشرين ألف كيلو متر، من بداية الدرس وحتى الآن..
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ (88) ﴾

( سورة النمل)



الإعجاز العلمي في القرآن الكريم:



منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، وإلى بضع عشراتٍ من السنين كان يُظَن أن الشمس ثابتة، والكواكب تدور من حولها، على أقل تقدير المجموعة الشمسية تدور حول الشمس، ثم اكتشف أن الشمس تجري، قال تعالى:

﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) ﴾

( سورة يس)
يوجد بالقرآن إعجاز علمي ؛ لم يكن على عهد النبي طائرات، ولا صواريخ، ولا مناطيد، قال:
﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (125) ﴾

( سورة الأنعام )

تـرى أنت السحاب سقفاً أبيضاً، فإذا ركبت طائرةً ترى السحاب من فوق جبالاً، ودياناً، هِضاباً، سهولاً.. كتضاريس الأرض تماماً.. وهذا ذكر في القرآن الكريم ؛ طبعاً أنا أعطيكم أمثلة على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الآن أصبح اختصاصاً اسمه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾

( سورة الطارق)
فَهِمَ العلماء أن هذا البخار يصعد إلى السماء ويرجع مطراً، هذا المعنى الذي يتناسب مع معطيات ذلك العصر، ثم فهموا أن هذه الموجات الكهرطيسية تصعد إلى السماء فترُدُّها طبقة الأثير، ولولا هذه الطبقة التي ترجع هذا البث لما كان هناك إذاعة ولا نقل صورة عبر الفضاء..
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾

( سورة الطارق)
ثم اكتشف العلماء أن كل كوكبٍ في الكون يسير في مسارٍ مُغْلَق، معنى مسار مغلق أنه يرجع إلى مكان انطلاقه بعد حين، فالصفة الجامعة المانعة الشاملة لكل الكون أن السماء ذاتُ رجعٍ..
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾

( سورة الطارق)



3 ـ الإعجاز البلاغي:



الطريقة كي تؤمن أن هذا القرآن كلام الله هو الإعجاز ؛ الإعجاز الإخباري، الإعجاز العلمي، الإعجاز البلاغي..
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا (6) ﴾

( سورة هود )
احذف ( مِن ) الكلام ليس قرآناً، لأن من تفيد استغراق أفراد النوع، احذف (ما) و (إلا) ليس قرآناً، لأن أسلوب النفي والاستثناء يفيد الحصر والقصر، لو ألغينا النفي والاستثناء فقد ألغينا القصر، اِحذف (على).. ما من دابةٍ إلا الله يرزقها.. ليست قرآناً، لأن حذف (على) أَلغى الإلزام الذاتي لله عزَّ وجل، قل: الدواب صار محدوداً (أل) العهد، بعض الدواب، الدواب الأهلية، أما جاءت دابة منكَّرة، مُنَكَّرة تنكير شمول ؛ قد تقف أمام آيةٍ ترى فيها إعجازاً بلاغياً، هنا استثناء، هنا حصر، هنا قصر، هنا تقديم، هنا تأخير، قال تعالى:
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ (5)﴾

(سورة الفاتحة )
إذا قال: نعبد إياك.. هل يختلف المعنى ؟ يختلف اختلافاً كبيراً، إذا قلت: نعبد إيَّاك يا رب، لا يمنع أن نعبد غيرك، أما إذا قلت:
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ (5)﴾

(سورة الفاتحة )
قدَّمت إياك على الفعل، أي لا نعبد إلا أنت..
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ (59) ﴾

(سورة الأنعام )
لـو قال: مفاتح الغيب عنده، فهي عنده، وعند غيره، أما حينما جاءت عنده قبل مفاتح الغيب، أصبح المعنى حصراً ؛ هذا موضوع طويل جداً، الإعجاز العلمي طويل جداً، يحتاج إلى أشهر، الإعجاز البلاغي يحتاج إلى أشهر، الإعجاز التاريخي، الإخباري، إعجاز النظم، شيء مذهل.
فيا أيها الأخوة الكرام... طريق الإيمان بهذا الكتاب هو الإعجاز.

أي فعلٍ من أفعال الله هو شهادة الله لنا أن هذا القرآن كلامه:



هناك شيء آخر: الذي أنزل هذا الكتاب، الذي أنزله يشهد لنا أنه كلامه، كيف يشهد لنا أن كلامه الذي أنزله ؟ من خلال التأويل، والتأويل بأدق التعاريف: وقوع الوعد والوعيد ؛ أي حينما يمحق الله مال المُرابي، محق مال المرابي شهادة الله لهذا المرابي قوله تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (279) ﴾

( سورة البقرة )
هو كلامه، محقُ مال المرابي شهادة الله للمرابي أن هذا القرآن كلامه ؛ والشاب الذي يؤمن بالله ويعمل صالحاً ويحيا حياةً طيبة، الحياة الطيبة التي يحياها الشاب هي شهادة الله له أن هذا القرآن كلام الله ؛ وحينما تنفِقُ من مالك فيزداد مالك، فزيادة المال شهادة الله لك أن القرآن كلام الله عزَّ وجل..
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (276) ﴾

( سورة البقرة )
أي فعلٍ من أفعال الله هو شهادة الله لنا أن هذا القرآن كلامه..
﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ (40) ﴾

(سورة الحج )
يوجد توازن قُوى في العالم:
﴿ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ (40) ﴾

(سورة الحج )
فحينما أُلْغي هذا التوازن عانت الشعوب ما عانت، عانت الأمَرَّين كان هذا التوازن بين قُوى الأرض نعمة من نعم الله العظمى، غفلنا عن هذه النعمة فعرفناها بفقدها ؛ كان التوازن نعمةً من نعم الله العظمى،
﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾
توازن القوى، شرق وغرب، فلما اختل هذا التوازن، وصار هناك قوة واحدة، فقَدْنا هذه النعمة ؛ اللهمَّ عرفنا نعمك بكثرتها لا بزوالها، لابدَّ من أن نعرف النعم، إما أن نعرفها بوفرتها أو بزوالها.

القرآن كلام الله وحبله المتين ومنهجه للعالمين:



شيءٌ آخر: هذا القرآن كلام الله، وحبل الله المتين، والصراط المستقيم، ومنهج ربِّ العالمين، والنور المبين، غنىً لا فقر بعده، ولا غنىً دونه، من أوتي القرآن فهماً وتفسيراً فرأى أن أحداً أُوتي خيراً منه فقد حقَّرَ ما عظَّمه الله عزّ وجل ؛ أهل القرآن أهل الله، أنت حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله لتتعلم كلام الله فلا شيء في حياتك يعلو على هذا الهدف ؛ لاشيء، أي أهم ألف مرة من أن تؤدي امتحاناً جامعياً يُبنى عليه مستقبلك، إنك تتعرف إلى كلام الله، إلى منهج الله، إلى افعل ولا تفعل، هذا حرام وهذا حلال، فلذلك يقول الله جلَّ جلاله:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (1) ﴾

(سورة الأنعام )
نحمد الله على أنه أَوْجد الكون، وفي المستوى نفسه:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) ﴾

( سورة الكهف )
أي أن الكون كلُّه في كَفَّة وهذا القرآن في كفة، الكون خَلْقه والقرآن كلامه، لا معنى لخلق الكون من دون منهجٍ تسير عليه ؛ يتَّضحُ هذا في قوله تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) ﴾

( سورة الرحمن)


ترتيب تعليم القرآن مع خلق الإنسان ترتيبٌ رُتَبي وليس ترتيباً زمنيًّاً:



يا رب كيف تعلِّم الإنسان القرآن قبل أن تخلقه ؟ ليس هذا هو المعنى..

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) ﴾

( سورة الرحمن)
المعنى: أن ترتيب تعليم القرآن مع خلق الإنسان ترتيبٌ رُتَبي، وليس ترتيباً زمنيًّاً، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهجٍ يسيرُ عليه، اِذهب إلى بعض الشعوب، ماذا يعبد شعب في الهند بأكمله ؟ البقر، وشعبٌ آخر يعبد الجرذان، وعندي تحقيقٌ علمي لمجلةٍ محترمةٍ جداً فيها صورٌ لا تُصدَّق، معبد ضخم جداً.. إله هذا المعبد الجُرذان.. لذلك قال الله تعالى:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) ﴾

( سورة الكهف )
نحن نعبد الله عزّ وجل، نعبد خالق السماوات والأرض، نعبد الذي بيده ملكوت كُلِّ شيء، نعبد الذي إليه يرجع الأمر كله، نعبد الذي إذا قال لشيءٍ: كن فيكون، نعبد القوي، نعبد الغني، نعبد صاحب الأسماء الحُسنى، والصفات الفُضلى.


النعم الكبرى التي أنعمها الله عز وجل على الإنسان:



لذلك أحد أكبر النعم بعد نعمة الوجود نعمة الهدى ؛ هناك ثلاث نعم ؛ نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهُدى والرشاد، يؤكد هذا المعنى:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) ﴾

( سورة الكهف )
من أجل أن تطمئن أن هذا الكتاب الذي بين يديك هو نفسه الكتاب الذي أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من دون زيادةٍ ولا نقص، قال تعالى:
﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (27) ﴾

( سورة الكهف )
لا تُبَدَّل، ولا تُغَيَّر، ولا تُحَرَّف، ولا يُضاف عليها، ولا يُحذف منها إطلاقاً.. تولَّى الله بذاته حفظ كتابه..
﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (27) ﴾

( سورة الكهف )



الله تعالى دعا الإنسان ليؤمن به طوعاً ليكون إيمانه اختياراً لا إكراهاً :




أنت حـينما تؤمن طـوعاً تـرقى به، لو أراد الله عـزَّ وجل أن نؤمن به قسراً لفعل، ولـكن هذا لا يُسعدنا، لـو أراد الله أن نؤمن بهذا القرآن قسراً لكان ذلك، ولـكن هذا الإيمان القَسري لا يسعدنا، قال تعالى مخاطباً نبيه محمد:

﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) ﴾

( سورة الشعراء)
لكن الله دعانا لنؤمن به طوعاً، لنرقى بهذا الإيمان، ليكون إيماننا اختياراً لا إكراهاً:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (256) ﴾

( سورة البقرة )



فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ: آية تدل على إعجاز الله عز وجل في قرآنه :


يقسم ربنا جلَّ جلاله رحمةً بنا فيقول:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) ﴾
( سورة الواقعة)
لا يعرف معنى هذه الآية إلا من درس الفلك ؛ أذاعت محطة أخبار عالمية خبراً من سنة ونصف أنه: تمّ اكتشاف مجرة تبعد عنا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية ؛ أقرب نجم مُلتهب للأرض يبعُد عنا أربع سنوات ضوئية، أجْرِ مساءً على الآلة الحاسبة ما معنى أربع سنوات ضوئية ؟ أي ( ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية × 60 بالدقيقة × 60 بالساعة × 24 باليوم × 365 بالسنة × 4 هذا الرقم قسمه على مئة)، عندنا سيارة نريد أن نصل بها إلى هذا الكوكب، السرعة مئة، ثم قَسِّم هذا الرقم على الساعات، أي 24 تعرف عدد الأيام، ثم قسم هذا الرقم على 365، يظهر معنا أننا نحتاج لأن نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى خمسين مليون سنة، وبإمكانك أن تجري هذا الحساب مساءً، تقود سيارة خمسين مليون سنة لتصل إلى أقرب نجم ملتهب للأرض، هذه المجرة الأخيرة، ثلاثمئة ألف بليون، أي ثلاثمئة ألفْ ألف مليون سنة ضوئية ؛ قال الله عزّ وجل: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾
( سورة الواقعة)
فما جواب هذا القسم ؟ ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) ﴾
( سورة الواقعة)
جواب هذا القسم إن هذا كلامي يا عبادي.

زوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقِق وعده للمؤمنين:



ذكرت قبل يومين في حفل ـ بدأت الحفل هكذا ـ قلت: زوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقِق وعده للمؤمنين:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (55) ﴾
( سورة النور )
أين الاستخلاف ؟ ﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ (55) ﴾
( سورة النور )
أين التمكين ؟ ﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ (55) ﴾
( سورة النور )
أين الاطمئنان ؟ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا (38) ﴾
( سورة الحج )
أين الدفاع ؟ ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) ﴾
(سورة النساء )
لهم علينا ألف سبيلٍ وسبيل.. ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ (7) ﴾
( سورة محمد )
أين النصر ؟ زوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق وعده للمؤمنين.

إضاعة الصلاة و اتباع الشهوات تبعد الإنسان عن الله عز وجل:


ولكن:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾
( سورة مريم )
الساعة الخامسة قيام ليل الحمد لله !!

قيام ليل بقنوات المجاري، لا بالتحليق مع الله عزّ وجل.. ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾
هذا هو الجواب، فلذلك: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) ﴾
( سورة الواقعة)


فضل القرآن الكريم :



إذا عرف الإنسان قيمة هذا القرآن لا ينام الليل، لا يغيب عن درس تفسيرٍ واحد، كلام الله دستورنا، منهجنا، نور الله المبين، صراطه المستقيم، حبلُ الله المتين، هو الغِنَى، هو العِز، كلكم يعلم إذا تفوَّق عالم في القرآن الكريم ومات ترتج الدنيا له، مات وأخذ معه كُلَّ شيء، أخذ معه كل الخير، أما أهل الدنيا إذا ماتوا فيتركون كل شيء ؛ الذين عرفوا الله، وأمضوا حياتهم في الدعوة إليه يأخذون معهم كل الخير، إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً، تعلَّموا القرآن وعلموه، اِفهموا أحكامه، ولقنوا أحكامه لأبنائكم، وربوا أبناءكم على هذا القرآن الكريم، وعلى حُبِّ نبيِّكُم، وعلى حب صحابته الكرام.
﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ (2) ﴾
( سورة يونس )
يشكك أكثر أعداء الدين في هذا القرآن أنه جاء به بشر، ولكن أنتم يا من تشكّكون بهذا القرآن ألاَ تتبعون نبيَّاً من بني البشر ؟ ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا (2) ﴾
( سورة يونس )
هذه سُنَّة الله في خلقه، أنزل الله هذا القرآن على سيد الخلق، وحبيب الحق، أنزله على أمين وحيِّ السماء.. ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) ﴾
( سورة هود)


عبادة الله عز وجل فَحْوى القرآن كُلّه:



هذا الكتاب كله ملخَّصه كلمة واحدة: ألا تعبدوا إلا الله:
﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) ﴾
( سورة هود)
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) ﴾
( سورة الكهف )
فَحْوى هذا القرآن كُلِّه: ﴿ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) ﴾
( سورة الكهف )
هذه آية تلخيص، يلخِّص الله عزّ وجل لنا قرآنه كله.. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )


من عمل أعمالاً صالحة ألقى الله في قلبه الأمن و الطمأنينة و السعادة:



قد تنتظر سنوات وسنوات، ولا تستطيع أن تقابل مَلِكاً، لكن ملك الملوك يقول لك:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾
( سورة الكهف )
ثمن اللقاء عملٌ صالح، اِجعل عملك صالحاً فأنت مع الله، تلقَ الله في الدنيا قبل الآخرة، يُلقي عليك أنواره، يُلقي عليك تجليِّاته، يملأ قلبك أمناً وطمأنينةً، يملأ قلبك سعادةً، يملأ قلبك رضاً.

جاءت سيدَنا الصديقَ استغاثةٌ من أحد قواده في بلاد الفرس ـ في نهاوند ـ المسلمون ثلاثون ألفاً، والأعداء مئةٌ وثلاثون ألفاً، أرسل سيدنا خالد إلى سيدنا الصديق يطلب منه النجدة، بعد حين جاءت النجدة، أقل شيء ثلاثون ألفاً مع الثلاثين، أو خمسون ألفاً، أو سبعون ألفاً، فكانت النجدة رجلاً واحداً اسمه القَعْقَاع، عندما وصل إليه نظر إليه فقال له: أين النجدة ؟ فقال له: أنا، معي هذا الكتاب فاقرأه، فتح الكتاب: " من عبد الله أبي بكر إلى خالد بن الوليد، أحمد الله إليك، يا خالد لا تعجب أن أرسلت إليك واحداً، فو الذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يُهزم "، وانتصر الجيش وفيه القعقاع، القرآن يصنع بطولات، القرآن يجعل منك ألفاً، القرآن يجعل منك مئة ألف، أنت واحد، هذه كلها حقائق.

التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً:



لذلك:
﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) ﴾
( سورة هود)
فَحْوى هذا القرآن كله: ﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (2) ﴾
( سورة هود)
الأدق من ذلك أنّ فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من أولهم إلى آخرهم هو التوحيد.. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) ﴾
(سورة الأنبياء)


قصص القرآن الكريم أحسن القصص:



ما من مكتبة الآن في الأرض إلا فيها قصص، ساعة تسمى أدباً مكشوفاً، وساعة تسمى أدباً واقعياً، فالإنسان البعيد عن الله في الوحل، الإنسان ساقط، الإنسان شهواني، الإنسان خائن، الإنسان أناني، الإنسان متعجرف، يقول الله عزّ وجل:
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) ﴾
( سورة يوسف )
اِقرأ قصة سيدنا يوسف تَسْمُ نفسك ـ إنسان مبدأ ـ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال: ﴿ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) ﴾
(سورة المائدة)
كان عبداً فجعله الله مَلِكاً بطاعته لله، وقف سيدنا موسى مع الحق، ولم يعبأ: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ (15) ﴾
( سورة القصص)
وخرج من مصر خائفاً يترقب، وصل إلى سيدنا شُعَيب، وزوَّجه ابنته، وعاد إلى فرعون رسولاً: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (7) ﴾
( سورة القصص)
﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) ﴾
( سورة القصص)
هذا القرآن الكريم ؛ امرأة فرعون آسية مَثَل أعلى لكل النساء، إن إيمان المرأة مستقلةٌ به عن زوجها، أكثر النساء الفاسقات يقُلن: هكذا يريد زوجي، سوف تُسألين أنت وحدك عن إيمانك:" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".

فرعون وما أدراكم ما فرعون، الجبار الطاغية ما استطاع أن يحمل امرأته على أن تؤمن به.. ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) ﴾
( سورة التحريم)


قصص القرآن الكريم تغطي جميع الأحوال التي يمر بها البشر :





أيها الأخوة: القرآن فيه قصص، إذا قرأ أحدهم قصة نوح وكان عنده ابن سيئ يمتلئ قلبه جبراً، ومن يقرأ قصة سيدنا إبراهيم وعنده أبٌ سيئ:
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي (43) ﴾
( سورة مريم )
ومن كانت زوجته سيئة جداً فليصبر عليها.. ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (10) ﴾
( سورة التحريم )
والتي عندها زوجٌ شرير، فلها في امرأة فرعون القدوة.. ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ (11) ﴾
( سورة التحريم )
والذي يحتل مكانة عَلِيَّة في المجتمع بإمكانه أن يكون صالحاً، قصة ذي القرنين، مكَّنه الله في الأرض وجعله مؤمناً كبيراً صالحاً، والذي لا ينجب الأولاد، سيدنا زكريا، وإذا دخل إنسان السجن ظُلماً، سيدنا يوسف، نبيٌّ كريم دخل السجن، ليس السجن وصمة عار بحق الإنسان أحياناً، فإذا قرأت القرآن الكريم تجد أن كل قصة دواء، إنسان ظُلِم فرضاً له في سيدنا يوسف أسوةٌ حسنة ؛ امرأةٌ عفيفةٌ طاهرةٌ تكلَّم الناس في عرضها ظلماً وزوراً لها في السيدة عائشة أسوة حسنة ؛ كأن قصص القرآن تُغَطِّي كل الأحوال.. ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) ﴾
( سورة يوسف )


الآيات القرآنية تعطي الإنسان إيماناً فطرياً:



أما إذا قرأت مثل هذه الآيات:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (2) ﴾
( سورة الرعد)
هل يستطيع أحدٌ من بني البشر أن يدَّعي ذلك ؟ إلا أن هذا كلام الله عزّ وجل، أي أنت بالفطرة إذا قرأت هذه الآية: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ (2) ﴾
( سورة الرعد)
من يستطيع من بني البشر أن يدَّعي ذلك ؟ هذه الآيات تُعطيك إيماناً فطرياً، وهذا القرآن في النهاية: ﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (1) ﴾
( سورة إبراهيم)
الكافر في ظلام، في ظُلُماتٍ بعضها فوق بعض، وأما المؤمن إذا قرأ القرآن فهو على بيّنةٍ من ربِّه، إنه في نور الله عزّ وجل، حتى إنّ بعضهم قال: الله نور السماوات والأرض، نوَّرها بهذا القرآن الكريم، بيَّن، ووضَّح.

أعلى خُلُقٍ على الإطلاق أن يتخلق الإنسان بأخلاق القرآن الكريم:



اقرأ القرآن تعرف أنك المخلوق الأول ، اقرأ القرآن تعرف أن هذه الدنيا لعبٌ، ولهوٌ، وزينة، وأن الآخرة هي دار القرار، اقرأ القرآن تعلم أن العمل الصالح هو رأس مالِكَ في الدنيا، اقرأ القرآن تعلم أن أعلى خُلُقٍ على الإطلاق أن تتخلق بأخلاق القرآن ؛ سُئلت السيدة عائشة عن أخلاق رسول الله ؟ قالت: كان خلقه القرآن، فأنت إذا قرأت القرآن، تلوْتَه حق تلاوته، فهمتَ آياته، تدبَّرْتها، وعملت بها سعدت في الدنيا والآخرة، كنت في ظلام البعد وظلام الجهل، فانتقلت إلى نور العلم والمعرفة، والدعاء: " اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، من وحول الشهوات إلى جنَّات القربات ".

فاليوم: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
إن شاء الله في الدرس القادم سنتابع قوله تعالى: ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾




والحمد لله رب العالمين





تــــــــابــــــــع
@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-27-2018, 05:01 PM   #5 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزءالاول





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد ؛ فقد أنهينا في الدروس السابقة، بعض الآيات الكريمة المختارة من سورة البقرة، وننتقل إلى سورة آل عمران، وفي أوائل هذه السورة آيتان كريمان يقول الله سبحانه وتعالى فيهما:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)﴾

(سورة آل عمران)
أيها الإخوة الكرام ؛ رُكب في كيان الإنسان هذه الشهوات، وقد يَفهم بعضهم أن هذه الشهوات أساس فساد العالم، والحقيقة عكس ذلك، فلولا هذه الشهوات التي ركبت فينا لما دخلنا الجنة، ثمّ إن هذه الشهوات حيادية، إنها سُلَّم ترقى بها إلى الجنة أو دركات تهوي بها إلى النار، إن هذه الشهوات بمثابة محرك يحرك هذه المركبة، فإذا كان مع هذا المحرك مقود يحافظ على بقاء السيارة على الطريق المعبد، كان هذا المحرك قوة دفعٍ لهذه المركبة، أما إذا كان هذا المحرك يعمل بلا مقود، والطريق فيه انعطافات، وعلى جانبيه وديان سحيقة، فالهلاك حتمي.
إذاً الشهوات حيادية، ليست هي سبب فساد العالم، بل إن سوء استخدامها هو سبب فساد العالم.
إنّ الشهوات التي أودعها الله فينا، قيَّدها في الوقت نفسه بمنهج رسمه الله لنا، فما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا ولها قناة نظيفة، لو سارت هذه الشهوة في خلال القناة لآتت أكلها ضعفين، كنت ضربت من قبل مثلاً، الوقود السائل بالسيارة، فيه قوة انفجارية، لكنه إذا وضع في مستودع محكم، وسال في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، ولّدَ حركةً نافعة، تسعد بها، وتنقلك أنت وأهلك إلى مكان جميل، ماذا يجري بالسيارة ؟ انفجار، لكنه انفجار وفق المنهج، أما لو خرج هذا الوقود عن مساره، وأصابت السيارةَ شرارةٌ لأحرقت المركبة وما فيها.
فإياك أن تتهم الشهوات، فلولاها لما ارتقيت إلى رب الأرض والسماوات، ولولاها لما دخلت الجنة، ولما تقربت إلى الله، تصور هل من طريق آخر تتقرب به إلى الله غير طريق الشهوات، المال محبب فإذا أنفقته حلالاً ارتقيت إلى الله، فإذ كان مع شخص خمسمئة ليرة، يمكنه أن يأكل طعاماً نفيساً هو وأهله، لكنّه أعطاها لفقير، لولا أنك تحب هذا المبلغ لما ارتقيت بإنفاقه، وأودع الله فيك حبَّ النساء، فلولا أنك تحب النساء ومررت في طريق على امرأة سافرة وغضضتَ بصرك عنها لا ترقى إلى الله، بل إن هذه الشهوات ترقى بها إلى الله مرتين، ترقى بها مرة صابراً ومرة شاكراً، فإذا نظرت إلى ما يحل لك ترقى شاكراً، وإذا غضضت عما لا يحل لك ترقى صابراً، إذا كسبت المال من وجوهه المشروعة وأنفقته فيما هو مشروع، كأنْ تأتيَ مثلاً بالطعام والشراب والفواكه لأولادك، وقد أدخلت على قلوبهم السرور، فإنّك ترقى إلى الله شاكراً، فإذا امتنعتَ عن أخذ مالٍ حرام، فيه شبهة، وأنت في أشد الحاجة إليه، وقد أودع اللهُ في كيانك حبَّ المال، ترقى إلى الله صابراً، هذه الشهوات إذًا كالمنشار، ترقى بها مرتين، فإنْ سلكت القناة النظيفة التي سمح الله لك أن تسلكها ارتقيت إلى الله شاكراً، وإن ابتعدت عن الوجه الذي حرمه الله عليك ترقى إلى الله صابراً، ولولا الشهوات لما ارتقيت إلى رب الأرض والسماوات، ولولا الشهوات لما تقربت إلى الله عز وجل، والإنسان يُصلي في اليوم خمس مرات، أما إذا سار في الطريق المشروع يصلي آلاف المرات، لأنّه كلما غضَّ بصره عن امرأة أجنبية ارتقى إلى الله، فهناك ألف طريق لكسب المال.
اليوم سمعتُ في الأخبار أنَّ أكبر ربح في العالم ربح المخدرات ‍‍‍‍‍‍‍؛ ألف مليار دولار، أعلى ربح في العالم، أرباح المخدرات التي تسبب الآلام لملايين الأسر، إنّها أرباح طائلة، إذاً فالإنسان إذا امتنع عن أخذ المال الحرام يرقى، وإذا سلك الطريق المشروع يرقى، وإذا غض بصره عن امرأة أجنبية يرقى، وإذا نظر إلى امرأته يرقى، كالمنشار ترقى بالشهوات مرتين، كلما أقبلت على طريق مشروع ترقى بها، وكلما ابتعدت عن طريق حرمه الله ترقى بها، فالإنسان لا يتألم من الشهوة، بل يتألم من نفسه، بشكل أو بآخر، السُّكَّر مادة ثمينة، والملح مادة ثمينة، فلو وضعت الملح في الحلويات، هل تأكلها ؟ أو وضعت السكر في طبخة غالية الثمن هل تأكلها ؟ لقد فسدت الطبخة، السكر مادة ثمينة ونافعة، والملح مادة ثمينة ونافعة، لكن أسأتَ الاستعمال، فالفساد هو في إساءة الاستعمال ؛ فالمرأة صممت لتكون زوجة لك، تسعد بها وتسعد بك، وتنجب أطفالاً ترفرف بوجودهم على البيت السعادة والهناءَة، أما إذا سلكت في قضاء هذه الشهوة طريقًا حرَّمه الله عليك تشقى، فالشقاء هو في سوء استخدام هذه الحظوظ وتلك الشهوة.
هذا معنى قول الله تعالى:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾
أما الشيء الدقيق في هذه الآية:

﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
وكأن المتاع كلَّه في كلمة:

﴿ذَلِكَ﴾
هذه التي بين يديك.

﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)﴾
فإذا اتقى الإنسانُ اللهَ في هذه الشهوات، وجاءه ملك الموت ليقبض روحه، وقد مات على الإيمان، وعلى طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فله عودةٌ إلى الله لا توصف من شدة السعادة.

﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)﴾
فحينما تؤوب إلى الله، وقد اتقيت الله في هذه الشهوات، فلك عودة لله عز وجل، وأنتَ في أسعد الحالات.
لذلك قالوا: الموت عرس المؤمن، والشيء الثابت أنَّ أسعد لحظات المؤمن حين يلقى ربه، وا كربتاه يا أبي ‍! قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبه محمداً وصحبه.
فلك أن تتزوج، وأنْ تنجب الأولادَ، وتشتغل وتكسب المال كله بالطريق الحلال، وفق المنهج الربَّاني، ادرس واحصل على شهادات عليا، وتاجر وافتتح محلات، ضمن المنهج، وكن صادقًا، لا غش، ولا تدليس، ولا ربا، وكل عملك وفق المنهج، فالله ما حرَّم عليك الدنيا، ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يتزود منهما معاً، فإن الأولى مطية للثانية، والدعاء الشريف:
(( اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنيايّ التي فيها معاشي، وأصلح آخرتي التي إليها مردي، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسن، ة وارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت ))
وهذه واقعية النبي صلي الله عليه وسلم.
لكن دققوا في الآية التالية، فكل واحد من إخواننا الكرام ذاق نعمة المال، ونعمة النساء، ونعمة الزوجة، والبيت المريح، والمركبة الفاخرة، والبيت في المصيف.
فهذه الشهوات مارِسْها وعرفها، ثم إنّ ربنا عز وجل يقول لكم:

﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾
هل أنت مصدق لله عز وجل:

﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾
وأثمن من كل ذالك:

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)﴾

لذلك قال صلى الله عليه وسلم:
((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر ))
سافِر إلى طرطوس واركب القارب لأرواد واخرج من جيبك إبرة واغمسها في مياه البحر، ثم اسحبها، واحسُب النسبة، كم نقص البحر من مائه ؟
وكذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم وهو:

﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾

( سورة النجم: الآية: 4، 5 )
لقد قال:
((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر.))







والحمد لله رب العالمين






تــــــــابــــــــع



@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-27-2018, 05:02 PM   #6 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزءالثانى



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
ففي سورة آل عمران أيها الإخوة، آية تعد مقياساً لكل مؤمن ؛ هذه الآية هي الآية الواحدة والثلاثون وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾
قال العلماء: لما كثر مدَّعو المحبة لله عز وجل جعل الله سبحانه دليلاً على صدق المحبة أو عدمه، آية في كتابه الكريم، فالمحبة شعورٌ داخلي يستطيع أن يدَّعيها كل إنسان، ولو كان أبعد الناس عن الله عز وجل، يقول لك: أنا أحب الله، فالحب يُدَّعى، لكن الله سبحانه وتعالى طالب المؤمنين بالدليل، فحبك لله عز وجل له دليل، ودليله طاعة رسول الله:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
فالإنسان أيها الإخوة لئلا يقع في وهمٍ مهلك، لئلا يتوهم أنه على حق وهو على باطل، لئلا يتوهم أنه محب وهو ليس بمحب، جعل الله هذه الآية دليلاً على محبته للمؤمنين.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
ويبدو أنَّ هذا المرض يصيب أهل الكتاب أيضاً.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
( سورة المائدة: 18 )
هذه دعوى.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
فرد الله عليهم:
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
( سورة المائدة: 18 )
فلو أنّ الله قَبِل دعواهم وأقرهم على ادِّعائهم، لمّا عذَّبهم، وما دام يعذبهم فهم كاذبون في دعواهم، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الإمام الشافعي حقيقةً ثابتة، وهي أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحبابه، بل يبتليهم ويمتحنهم، ولكن لا تستقر حياتهم إلا على الإكرام.
وهنا محل الإشارة إلى أن حياة المؤمن تمر بأطوار ثلاثة ؛ فتمر في طورٍ يعالجه الله، ويؤدِّبه إلى أن يحمله على طاعته، وهذا الطور الأول، يعالجه ويضيق عليه ويشدد عليه ويؤدبه بشتى الوسائل النفسية والمادية إلى أن يحمله على طاعته.
إذًا هذا طور التأديب، فإذا حمله على طاعته دخل في طورٍ آخر ؛ طور الابتلاء:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾
( سورة الأنبياء: 35 )
فإذا نجح في الابتلاء دخل في طورٍ ثالث ؛ وهو التكريم، لذلك اليهود والنصارى قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فقال تعالى:
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
( سورة المائدة: 18 )
فإذا رأيت أن المسلمين ليسوا على ما يتمنون، وحالهم لا ترضي، وليسوا كما قال الله عز وجل، فلم يُستخلَفوا في الأرض، ولم يمكِّن الله لهم دينهم الذي ارتض لهم، ولم يبدلهم بعد خوفهم أمناً، هذه وعود الله عز وجل:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾
(سورة النور: 55 )
إخوتنا الكرام ؛ أي وعد في القرآن الكريم، إنْ رأيته غير محقق، ينبغي أن تشك في الطرف الثاني، لأن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87)﴾
( سورة النور: 87 )
وقال:
﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
( سورة التوبة: 111)
إنّ الله وعد المؤمنين بالنصر فقال:
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾
( سورة محمد: 7 )
وقال:
﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾
( سورة آل عمران: 160 )
وعد المؤمنين أن يدافع عنهم فقال الله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
( سورة الحج: 38 )
ووَعَد المؤمنين أن لن يجعل للكافرين عليهم سلطانا:
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾
( سورة النساء: 141 )
هذه وعود خالق الكون، فإن رأيت وعود الله ليست محققه في عالم المسلمين، فماذا تظهر ؟ أتقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يفي بوعده ؟ هذا كلام فيه كفر، حاشا لله عز وجل، يجب أن نشك في إيماننا، وفي طاعتنا لله، وفي استقامتنا، إن الله سبحانه وتعالى يقول في آيةٍ أخرى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
هؤلاء أهل الكتاب لو أن الله أقرهم على دعواهم لمَّا عذبهم.
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
على كلٍ هناك نقطة دقيقة، الإنسان يحيا ضمن مجتمع، والمجتمع فاسد منحرف، يأكل الربا، يرتكب الفواحش، يقلد الغربيين، ولو دخلوا حجر ضبٍ خَرِبٍ لدخلتموه، فإذا كان الإنسان في بمجتمع منحرف، في مجتمع الدنيا كلها همُّه ومبلغ علمه، في مجتمعٍ لا يبالي أأكل حراماً أم حلالاً، مجتمع لا يبالي أكان على منهج الله أم على منهج الشيطان، فإذا كان المؤمن في هذا المجتمع، واصطلح مع الله وحده، واستقام إلى الله استقامةً تامة، فهل تظن أن الله يعذبه مع المجموع.
قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الأنبياء )
لا تنسوا هذه القصة التي أوردها القرآن الكريم، سيدنا يونس حينما كان في بطن الحوت، ما من مصيبةٍ أشد على الإنسان من أن يجد نفسه فجأةً في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل، في ظلماتٍ ثلاث، الأمل في النجاة ضئيل، في بطن حوت وزنه مئة وخمسون طنًا، والإنسان كله لقمة صغيرة، فالتقمه الحوت لقمة واحدة، والحوت كما تعلمون أيها الإخوة ؛ حيوان ثديّ، يعني تُرضِع أُنثاه، كل رضعة ثلاثمئة كيلو، ثلاث رضعات في اليوم تعني طنًا، والحوت مئة وخمسون طنًا كمّا بيَّنا، وفيه تسعون برميلاً من الزيت يُعرَف بزيت الحوت، وفيه خمسون طنًا من اللحم، وخمسون طنًّا من الدُّهن، هذا الحوت إذا دخل إنسان إلى بطنه، فالوجبة المعتدلة وهي تسكيت لجوعه أربعة أطنان، هذا هو الحوت إذًا، وقد وجد سيدنا يونس نفسه ببطن الحوت فجأة، في ظلمة بطن الحوت وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، أنت الآن، اركب بالبحر بين طرطوس وأرواد بالليل، تشعر بوحشة كبيرة، فإذا غرق الإنسان بالليل، ودخل في بطن الحوت:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾
في ثلاث ظلمات:
﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾
( سورة الأنبياء: 87 )
القصة انتهت، استمع إلى القانون بعدها، إنّه القانون الإلهي الثابت أبدًا، قال:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
يعني أي مؤمن، وفي أي مكان، وزمان، بعد ألف سنة، بعد آلاف السنين، في آسيا أو إفريقيا، أو أمريكا أو ألاسكا، بالقطب الشمالي والجنوبي، في البحر، والجو، والبر، طائرة تحلق على ارتفاع ثلاثةٍ وأربعين ألف قدم فوق جبال الألب، احترقت وانشطرت وسقطت، ومات جميع ركابها إلا راكباً واحدًا، فقد كان مقعد هذا الراكب مكان انشطار الطائرة، فوقع، ونزل على غابةٍ من الأرز مغطاةٍ بخمسة أمتار من الثلوج، هذه الخمسة الأمتار امتصت الصدمة، كما امتصتها ليونة الأغصان أيضاً، فنزل واقفًا، وحيثما كنتَ ؛ في الجو أو البحر أو البر أو برأس جبل.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
وكل إنسان يُحاسب عن عمله، فإذا تبتَ توبة عامة، فالفرج عام، وإذا تبتَ توبة خاصة فالفرج خاص، والمؤمن له معاملة خاصة.
قال:
﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)﴾
( سورة الذاريات: 31 - 32-33-34 )
ثم الآية التالية تقول:
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)﴾
( سورة الذاريات: 35-36 )
يعني أنّ الله عز وجل قَبْلَ أن يدمِّر هذه البلدة، أخرج منها المؤمنين، فالمؤمن إذا صار في هدى جماعي، فهذا أنعم وأكرم، فيصير في فرج جماعي، وإذا لقيت الناس حولك غير مستقيمين فلا تقل: أنا مثل هؤلاء الناس، هذا الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال:
(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا))
(رواه الترمذي عن حذيفة)
والقول الدارِج الآن: أخي أنا مثل الناس، حط رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس، أهذه آية أم حديث ؟ هي كلام فارغ، فالإنسان إذا استطاع أنْ يهدي من حوله، فهذا واللهِ شيء جميل، وإذا استطاع فليصطلح مع الله وحده، وله معاملة خاصة وحده.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
فهذه الآية مقياس دقيق:
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
وقال تعالى:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
تعامل مع الله مباشرةً، تعامل مع الله بصدق وإخلاص، وأقم أمر الله، يعزك الله:
كن مع الله ترَ الله معك و اترك الذل وحاذي طمعك
وإذا أعطاك من يمنعـه ثم من يعطي إذا ما منـعك
***
أطع أمرنا نرفع لأجلك حـجبنا فإنا منحنا بالرضى من أحبنـا
و لذ بحمانا و احتمِ بجنابـــنا نحمك مما فيه أشرار خلقــنا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــلٌ وأخلص لنا تلق المسرة والهنـا
و سلم إلينا الأمر في كل ما يكن فما القرب ولإبعاد إلى بأمـرنا
ينادى له بالكون أنا نحبــــه فيسمع من في الكون أمر محبنا
***
والذي لم يذق طعم القرب لم يذق من الدنيا شيئاً، قال: بعض العارفين مساكين أهل الدنيا، دخلوا إلى الدنيا، وخرجوا منها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها، إنها ساعات القرب من الله، والثمن كامِنٌ بنفس كل واحد منكم، الثمن طاعة الله، قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾
( سورة الأحزاب: 71)
راجعوا حساباتكم، راجعوا حسابات قيودكم، بيوتكم فيها مخالفات، فيها معاصٍ، حسابات أعمالكم، حسابات جوارحكم، هي كلها حسابات، فإذا أقمت الإسلام في كيانك، وفي بيتك، وفي عملك، غيَّر الله نمط حياتك، فالله عز وجل قال:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾










والحمد لله رب العالمين







تــــــــابــــــــع






@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-27-2018, 05:04 PM   #7 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزء الثالث




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
يها الإخوة الكرام ؛ في سورة آل عمران الآية الخامسة والثلاثون وهي قوله تعالى:
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)﴾
الحقيقة أنّ دخول الجنة بالعمل مبدئياً، لقوله تعالى:
﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
( سورة النحل: 32 )
النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب أحد أصحابه، يقول له كما ورد:
((يا بشر لا صدقة ولا جهاد، فبمَ تلقى الله إذاً ؟))
لا بد للإنسان من عمل يلقى الله به، فكل إنسان أكرمه الله عز وجل بعمل، فهذا يتقن الطب، وهذا يتقن المحاماة، وهذا مهندس، وهذا تاجر، وهذا موظف، وهذا له صنعةٌ يرتزق منها، فعملك الذي تتقنه يمكن أن يكون عملاً يدخلك الجنة، فلذلك القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ، فامرأة عمران ماذا تملك ؟ لا تملك شيئًا، إلا أنها حامل، قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾
خالصاً لك يا رب، فكان الذي جاءت به ليس ذكراً لكنه أنثى، ولدت السيدة مريم، والسيدة مريم جاءت بنبيٍّ عظيم، وهو سيدنا عيسى، والأمر الدقيق أن كل مسلمٍ وكل مؤمنٍ لا بد له من عمل يلقى الله به، من هم أسعد الناس، هم الذين جعلوا من مهنهم ومن شرفهم ومن دَوْرهم الاجتماعي، أب، أم، زوجة، أبن، من مهنهم وحرفهم ومن م الاجتماعي، جعلوا أعمالاً تؤهِّلهم للعرض على الله عز وجل، فكان السلف الصالح إذا فتح أحدُهم دكانه، نوي خدمة المسلمين، فالمحامي المؤمن لا يتسلم قضية إلا فيها رضي الله عز وجل، يقسم أن يدافع عن الحق وعن المظلومين، فأصبحت حرفة هذا المحامي عملاً يدخل به الجنة، فمَن نفَّس عن مؤمن كربة مِن كُرَب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والطبيب إذا نوى أن يستخدم علمه في تخفيف آلام الناس، فكان علمه واختصاصه وحرفته عملاً يدخل به الجنة، فما مِن عمل في الأرض يستعصي على أن يكون في سبيل الله، إذا كان في الأصل مشروعاً، فمَن هو السعيد ؟ هو الذي يوظف أعماله كلها ؛ اختصاصه، خبرته، ماله، مكانته الاجتماعية في سبيل الله، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾
( سورة الأنعام: 162 )
فلما ترعى الأمُّ أولادَها تقرباً إلى الله، فإنّ ا الاجتماعي عملاً يصبح يدخلها الجنة، ولما يكون الأب أبًا مثاليًا، ويربِّي أولاده تربية صالحة، ف الاجتماعي صار عملاً يدخله الجنة، والابن إذا برَّ والديه ف الاجتماعي صار عملاً يدخله الجنة، وكذلك الخياط، والمحامي، والمهندس، والمدرس، والطبيب، والتاجر، والموظف، وأصحاب الصنعات كلها إذا كانت أعمالهم مشروعة، وسلكوا فيها أساليب وطرق مشروعة، فلا كذب، ولا غش، ولا تدليس، ولا احتيال، ولا احتكار، ولا إيهام ولا غبن، ولا استغلال، فإذا برئ العمل الذي هو في الأصل مشروع، برئ من أساليب غير مشروعة، كان عمله هذا فلاحًا له، شيء آخر ؛ فلو ابتغى بالعمل خدمة نفسه وأهله، وابتغى به خدمة المسلمين، ولم يشغله عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن طاعة، و لاعن طلب علم فقد انقلب عملك إلى عملٍ صالحٍ تلقى الله به، وهذا معنى الآية الكريمة:
﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾
قبل أيام سمعت قصة ؛ واللهِ تأثرتُ لها أشد التأثر، بضع نسوة من المؤمنات الصالحات التقيات، بدأن يطبخن طبخات نفيسة، ويبعنها لأسر غنية، وخصصن ريع هذا العمل أجرًا للعمليات الجراحية، أو أيّ أعمال صالحة، فماذا تملك امرأة عادية، تملك أن تتقن طبخة جيدا، إذاً يطبخن الطبخات المناسبة لبعض الأسر توصية، ويأخذن ريع هذا العمل، ويعملن به أعمالاً صالحة، كأنْ يسددن نفقات عمليات جراحية لبعض المرضى.
إنّ أبواب الأعمال الصالحة مفتحة على مصاريعها، فإذا كنتَ تملك أنْ تخدم الناس خدمة، فافعل ولا تقصِّر، بلِّغْ ولو آية، أمَا تملك إذا كنت محاميًا أن تتسلم قضية لإنسان فقير مظلوم دون مقابل ؟ أما تملك إذا كنت طبيبًا تعالج مريضًا من دون مقابل ؟ أما تملك إذا كنت صيدليًّا أنْ تقدِّم الدواءَ مجانًا لإنسان فقير إذا تأكدت من فقره؟.
من هو الشقي ؟ الذي حرم نفسه الأعمال الصالحة، ما من واحد له حرفة إلا وبقدر أنْ تجعل جزءًا منها لله، لوجه الله، هذه المرأة ماذا تملك ؟ تملك شيئًا طبخته، وأخذت أجرة، وقدمتها مساعدات لإنسان يعاني من مرض قلبي، أو إنسان يعاني من فشل كلوي، وهناك عمليات مصيرية في الحياة، الإنسان يربي أولاده، ويمكن للعمّة أنْ تربي أولاد أخيها، فنحن نريد أعمالاً صالحة نلقى الله بها، فالسيدة امرأة عمران:
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾
فإخواننا طلاب الجامعة ؛ ينبغي لهم أن يوظفوا علمهم لخدمة المسلمين، يغادر بعضهم إلى أمريكا فيشتري سيارة رخيصة، وفيلا فخمة تقسيطًا، يوظف كل علمه للكفار، الذين يكيدون للمسلمين، كيف يلقى الله ؟ فالطبيب يجب أن يوظف علمه للمسلمين، والمهندس يجب أن يوظف علمه للمسلمين، والمدرس ينبغي أن يعلَّم أبناء المسلمين، والتاجر ينبغي أن يجلب السلع ليوفرها للناس ويرخصها، قال النبي الكريم: والمحتكر ملعون، والموظف كما تعلم لا يكفيه راتبُه فساعِدْه، وهذا بحث ثانٍ، وأمامك مواطن له حاجة، فإذا خدمته وخفّفت عنه الأعباء، ويسّرت له الأمر وأرشدته، وطيبت خاطره، فهذا العمل الصالح،ينفع المواطنين، وهذا المواطن له عندك حاجة، فما مِن عمل مهني، وما من عمل حرفي، إلا ويوظف في خدمة الحق، فالتاجر مثلاً: التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين يوم القيامة، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، سبع صفات للتاجر، فليعمل خيرًا إذًا، فنحن ما دمنا أحياء وقلبنا ينبض، نحن في فرصة لا تعوض أبداً، ولا بد من اقتناصها.
تطالعك بالطرقات نعوات: فلان.. وفلان.. وفلان.. وفلان..أربعة بنعوة واحدة، ثلاثة بنعوة واحدة، اثنان بنعوة واحدة، في سنِّ 30، أو 40، أو 31 أو 48 أو 58، فالمغادرة سريعة.
لا بد أن توظف عملك للآخرة، من هم أشقى الناس ؟ الذين عملوا عمل الآخرة من أجل الدنيا، وهذا خسار و بوار.
من هم أسعد الناس ؟ الذين وظفوا أعمالهم الدنيوية من أجل الآخرة، فكل أخ كريم له اختصاص، له حرفة، أو دكان، أو تجارة، أو صناعه، أو زراعة، محاماة، أو كان طبيبا، أو مدرسًا، أو مهندسًا، أو موظفًا، حتى ولو كان يعمل في مهنٍ قد لا تُعدُّ عند الناس عظيمة، رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
هذه امرأة عمران قدوة لنا:
﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾
مَنْ خَيرٌ.
﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)﴾
اسمعوا الجواب :
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾
إذا قلت: يا رب دراستي الجامعية أقدِّمها نذرًا لخدمة عبادك، يا رب حرفتي من أجلك لخدمة عبادك.
إخوانا الكرام ؛ هذه حقيقة أطرحها وهي الله ملخص خبرات طويلة، أيُّ إنسان صاحب حرفة، إذا وضع المادة هدفه سقط وافتقر، وإذا وضع مصلحة المسلمين غايته وهمَّه والمادة وراء ظهره، اغتنى، وجاءته الدنيا والآخرة، فلا تكن ماديًا، كن في خدمة الخلق، وتأتيك الدنيا وهي راغمة، من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة.
راجعوا حسابتكم، فأي شغل تشتغله يمكن أن توظفه للآخرة، كأن تضع اللقمة في فم زوجتك، فهي لك صدقة، والله لو أخذت أولادك إلى نزهة عمل صالح، واللهِ لو دعوت ناسًا إلى طعام في سبيل الله فهو عمل صالح.
أخ مؤمن جاء مسافرًا، دعوته إلى الغداء عندك، واللهِ هذا من الأعمال الصالحة، وإطعام الطعام حضَّ عليه الإسلام، والمؤمن ما عنده شيء خاص، فسهراته، ولقاءاته، ونزهاته، وأولاده، وأسرته، وإخوانه، وتدريسه، وحرفته، كلها في سبيل الله، وآيات كثيرة تؤكد هذا، اقرؤوا آخر التوبة.
" ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم به عمل صالح "
وكذلك حركاتك، وسكناتك، وعطاؤك، ومنعك، وغضبك إنْ كان لله، ورضاك إنْ كان عما يرضي الله في سجل عملك الصالح.
لكن العبرة أن تؤمن أولاً، فإذا آمنت انقلبت المباحات إلى عبادات، وإن لم تؤمن كانت العبادات نفاقاً، يا رب علَّمتُ القرآن في سبيلك، فيقول: علَّمتَ القرآن ليقال عنك عالم، وقد قيل خذوه إلى النار، يقول: يا رب قاتلت في سبيلك، فيقول: كذبت قاتلت ليقال عنك شجاع، وقد قيل خذوه إلى النار.
من هم إذاً أشقى الناس ؟ الذين عملوا أعمالاً تبدو أنها أعمال الآخرة، لكنهم عملوها للدنيا.
إذا أُعطِيَ شخصٌ شيكًا بمئة مليون، واعتبره ورقة بيضاء، وكتب عليه، كمسودة، رقم هاتف، ثمّ شقه وألقاه، فحينما يكتشف أن هذا شيك بمئة مليون، ماذا تتوقع أن يصيبه ؟ هذا الذي يستخدم الدين من أجل الدنيا، يستخدم الدين لمصالحه الشخصية، ثم يفاجأ أن استغلال الدين سبب تعاسته الأبدية، وقد ضيع سعادته الأبدية.
فلذلك أندم الناس عالمٌ دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار، وأندم الناس غنيٌ دخل ورثته بماله الجنة، ترك أموالاً طائلة، فتزوج الشباب وكانوا مؤمنين، وتاجروا وربحوا ودخلوا الجنة، بينما هو جمعه من حرام ودخل بماله النار لذلك: اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحدًا سواك، وأعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني، أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك.
هذه الدنيا - دققوا في هذا التشبيه - كمجموعة كراسٍ للمشاهدين ومسرح، فإذا كنت مستقيمًا فلك محل مع المشاهدين، تستريح وتسمع وترى، وإن لم تستقم تُجَرُّ إلى المسرح، وتلقى النصيب الأوفى من الأذى، وتصبح قصة للناس، فلاتجعلني عبرة لأحد من خلقك.
فإذا استقام الإنسانُ صار متفرجًا، وإذا لم يستقم صار هو القصة، ويتندر الناسُ به.
أما إذا لم يستقم يُجَرُّ إلى المسرح ليأكل لكمات، ولكمات، ليصبح قصة يتندر الناسُ بها.
أما إذا كنتَ مستقيمًا فلك محل مع المشاهدين، تشاهد وتتعظ دون أن تكون أنت قصةً للتهكُّم و التندُّر.






والحمد لله رب العالمين






تــــــــابــــــــع




@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-27-2018, 05:05 PM   #8 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزءالرابع


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ ورد في الحديث الشريف، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))
(رواه أبو داود)
أما معنى كثير، فالمسلمون اليوم يعدون ألفًا ومئتي مليون، يعني خُمس سكان العالم.
(( فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ.))
ذكرت هذا الحديث تمهيداً لقوله تعالى في الآية التاسعة والأربعين بعد المئة من سورة آل عمران، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ(151)﴾
يعني أنَّ الإنسان حينما يطيع رجلاً غير مؤمن يتردَّى في الهاوية، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾
(سورة الكهف: 28 )
فهذا خطأ كبير كبير، والخطأ الفاحش أن تستنصح إنساناً مقطوعاً عن الله عز وجل:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾
والآية المقابلة:
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ ﴾
(سورة لقمان: 15 )
إذاً في شأن معاشه، وشأن تجارته، وشأن تربية أولاده، وشأن تخطيب بناته، لا ينبغي أن يستنصح إنساناً بعيداً عن الله عز وجل، والآية الدقيقة أيها الإخوة ؛ وهي قوله تعالى:
﴿َكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾
(سورة النساء: 101 )
يروى أن بعض اليهود آلمتهم هذه المحبة التي بين الأوس والخزرج، فأرسل أحدهم غلاماً له، بقصيدةٍ قيلت في الجاهلية ليثير بينهم الأحقاد، والأنصار حديثو عهدٍ بالإسلام، فلما سمعوا هذه القصيدة تذكروا بعض ما كان بينهم وبين إخوانهم من عداوةٍ وبغضاء، فكادت تنشب فتنة، فما كان مِن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ أنْ خرج وقال: أتفعلون هذا وأنا بين أظهركم، فنزل قوله تعالى:
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)﴾
حقًّا أن نجتمع، أن نتحابب، أن نتوادد، أن يكون بعضنا دعماً لبعض، أن نكون كالبنيان المرصوص، أن نكون كالصف الواحد، أن نكون كتلة واحدة، كيف السبيل إليها ؟ يقولون: الآلام مشتركة، والآمال مشتركة، واللغة مشتركة، والتاريخ مشترك، حوالي اثني عشر شيئًا مشتركًا، ومع ذلك هناك خصومات، وهناك عداوات، وهناك تشتت، وتشرد، وتبعثر، كيف السبيل إلى وحدة القلوب ؟ قال تعالى:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
(سورة النساء: 103 )
هذه الآية نقرؤها كثيراً، وقلّما نقف عند معانيها الدقيقة، ما لم يكن هناك إيمانٌ يجمعنا، ما لم يكن هناك منهجٌ يجمعنا، ما لم يكن هناك كتاب يجمعنا، ما لم تكن هناك سنةٌ تجمعنا، ما لم يكن هناك هدف يجمعنا، ما لم تكن وسائل لهذا الهدف تجمعنا، إذًا فلن نجتمع، ولن نكون كتلةً واحدة، ولن نكون صفاً واحداً، ولن نكون يداً واحدةً على أعدائنا، إلاّ إذا أخذنا بقوله سبحانه:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
تذكروا السُّبحة ؛ هل تجتمع حباتها من دون خيطٍ بداخلها ؟ الخيط الذي بداخل السُّبحة هو الذي يجمعها، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾
إخواننا الكرام ؛ الأنصار رضي الله عنهم، حينما وزع النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم في معركة حنين، لم يعطهم لثقته أنهم مؤمنون، فألَّف بهذه الغنائم قلوبَ أناس ضعاف، فجاءه زعيم الأنصار سيدنا سعد بن عباده وقال له: يا رسول الله إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، في شأن هذا الفيء الذي وزعته بين أناس كثيرين، ولم تعطِ منه الأنصار، فقال: يا سعد أين أنت من قومك ؟ فقال سيدنا سعد: ما أنا إلا من قومي، أنا واحد منهم، يعني متألم مثلهم، فقال: اجمع لي قومك، فجمع سعد قومه الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعندئذٍ وقف النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا معشر الأنصار مقالةٌ بلغتني عنكم، وجدةٌ وجدتموها عليّ في أنفسكم، من أجل لعاعة تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم لإسلامكم، يا معشر الأنصار – الآن دققوا، فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما انتقده الأنصار كان في أعلى درجات قوته، فَتَحَ مكة، وانتهت معركة حنين وانتصر عليهم، وصار الجيش الذي تحت إمرته أقوى قوةٍ ضاربةٍ في الجزيرة، والنبي زعيم هذه الأمة، ونبيها، ورسولها، وقائدها، وفئةٌ من الأنصار غمزت، وانتقدت، وقالت: يعني نحن أَوْلى، لم نأخذ شيئاً – فقال صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، أما إنكم لو قلتم فلصُدقتم ولصدقتم به، أتيتنا مكذباً فصدقناك، وطريداً فآويناك، ومخذولاً فنصرناك، والنبي صلى الله عليه وسلم، كان بإمكانه أن يلغي وجودهم، وكان بإمكانه أن يهدر كرامتهم، وكان بإمكانه أن يعاتبهم لمصلحتهم، لم يفعل لا هذا ولا هذا ولا ذاك، ولكن جمعهم - دققوا مرة ثانية - وذكرهم بفضلهم عليه، وهو في أعلى درجات القوة، قال: يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلاَّلاً فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم، إذًا ما الذي يؤلف بين القلوب ؟ إنّه الدين، وما الذي يفرق ؟ المصالح الدنيوية، الدنيا تفرق والدين يجمع، والمال يفرق والحق يجمع، والمعصية تفرق والطاعة تجمع، فإذا أردت لهذه الأمة أن يجتمع أمرُها فعليها أن تأتمر بقوله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾
ما لم تكن هناك عقيدة واحدة، وكتاب واحد، وسنة واحدة، وهدف واحد، ومنطلق واحد، ووسائل واحدة، فالقلوب لا تجتمع.
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾
إذاً، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً، ما ألفت بين قلوبهم، لو أنفقت المال جزافاً، لو أعطيت مساعدات، لو أعطيت بيوتًا للناس مجانًا، ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم.
إذاً تأليف القلوب شيءٌ يخلقه الله في القلوب، الذي يجمعنا هو دين الله، والشيء الخطير أن الله سمى الفرقة والتنابذ والبغضاء والعداوة والطعن والتدابر سماها كفراً، قال تعالى:
﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾
كيف تكفرون ؟ وهذه الآية نزلت في هذه القصة، يعني أسباب نزول الآية تكشف جوانبها الدقيقة، إذاً هذا الذي يفرق بين المسلمين ويطعن ببعضهم، وينشئ بينهم العداوة والبغضاء، هذا وقع بالكفر وهو لا يدري، هذا الذي يظن أن الله له، وأن الجنة له، وما سواه باطل، هذا إنسان منعزل، هذا إنسان لا يعرف حقيقة هذا الدين.
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾
أيها الإخوة الكرام ؛ هذه الآيات في سورة آل عمران تتلوها آيات بعد قليل يقول الله عز وجل:
﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾
- الآية الأولى - وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بحبل الله فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون
وهناك عداوة، وهناك بغضاء.
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
عن حبل الله.
﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾
هذه المحبة التي تراها بينك وبين أخيك، هذه من خلق الله، هذه علامة الإيمان.
فاسمع إلى الحديث القدسي:
(( عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ الشَّامِ فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ حَوْلَهُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ فَوَجَدْتُ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجِيرِ وَقَالَ إِسْحَاقُ بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ أَاللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَقَالَ أَاللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ))
(رواه أحمد)
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ:
((َ الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ))
(رواه الترمذي)
يعني أرقى علاقة بين شخصين علاقة الإيمان، الحب في الله، والبغض في الله، فنسأل الله أنْ يؤلِّف بين قلوب هذه الأمة على الخير.




والحمد لله رب العالمين




تــــــــابــــــــع






@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-27-2018, 05:07 PM   #9 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزء الخامس



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الآية التاسعة والخمسون بعد المئة من سورة آل عمران، وهي قوله تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾
أيها الإخوة الكرام ؛ إنَّ الرحمة في قلب الإنسان مؤشر على اتصاله بالله عز وجل، فأبعدُ قلب عن الله عز وجل هو القلب القاسي.
لذلك ورد في الحديث القدسي:
((إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ))
الراحمون يرحمهم الله، أبعد القلوب عن الله القلب القاسي، فإذا كان للرحمة مؤشر، وللإيمان مؤشر، وللاتصال بالله مؤشر، فهذه المؤشرات تتحرك معاً.
يعني حجم إيمانك بحجم اتصالك بالله، وبحجم رحمة الخلق في قلبك، فلما يقسو قلبُ الإنسان على عبادِ الله، يوقع فيهم الأذى.
صدقوني... لا تنفعه صلاته ولا صيامه ولا حجه ولا زكاته، لأنه بعيد عن الله عز وجل، وهذه العبادات أساس القرب، إما أنها طريق إلى القرب، أو إن القرب من خلالها يظهر، ومن كان قاسياً في معاملته مع عباد الله عز وجل، فهذا دليلُ بُعدِهِ عن الله عز وجل هذه نقطة، أما النقطة الثانية كما قال عليه الصلاة والسلام:
((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ))
(رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو)
فلْنُبلِّغ هذه الآية:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
ولو كان الإنسان فظاً غليظ القلب، وكان متمكناً من علمه، متبحراً في ثقافته، لكنه فظٌ غليظ القلب، فإنّ الناس يجفونه، ويصدُّون عنه.
فما قولك أن النبي عليه الصلاة والسلام، ومَن هو النبي ؟ إنّه سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، المعصوم، الموحى إليه، المؤيد بالمعجزات، كل هذه الميزات لو كان فظًّا غليظ القلب مع كل هذه الميزات لانفض الناس من حوله.
فكيف إذًا بإنسان لا معجزة معه، ولا وحي، ولا هو معصوم، ولا سيد الخلق ولا حبيب الحق، بل هو واحد من عامة المؤمنين.
فإذا كان في دعوته قاسياً فظاً غليظاً هل تقبل دعوته ؟ فمعنى الآية دقيق، يعني: أنت أيها النبي، أنت على ما أنت عليه من تفوقٍ، من عصمةٍ، من تأييدٍ بالمعجزات، من إكرامٍ بالوحي، أنت بكل هذه الميزات !!! ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك.
فكيف بالذي ليس متفوقاً، وليس مؤيداً بالمعجزات، ولا يوحى إليه، ولا سيد الخلق، ولا حبيب الحق، فكيف تكون فظا غليظ القلب.
تروي كتب التاريخ، أنَ رجلاً دخل على بعض الخلفاء، فقال: إنني سأعظك وأغلُظ عليك، وكان هذا الخليفة فقيهاً، فقال: ولِمَ الغلظة يا أخي، لقد أرسل الله من هو خيرٌ منك إلى من هو أشرُّ مني ؛ أرسل موسى وهارون إلى فرعون، فقال:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾
(سورة طه: 44 )
لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، فلن تستطيع أن تفتح عقول الناس، قبل أن تفتح قلوبهم بالإحسان، لذلك قالوا: الإحسان قبل البيان، لا تستطيع أن تقنع الناس بالحق إلا إذا كنت على الحق، والقدوة قبل الدعوة، هناك قواعد، القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، لن تستطيع أن تكون مؤثراً بالآخرين إلا إذا كنت محسنًا إليهم.
فلذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((بعثت بمداراة الناس))
هذه الباء في اللغة من معانيها الاستعانة، يعني أنا أستعين على هدايتهم بمدارتهم.
وقد يسأل سائل: ما لفرق بين المداراة والمداهنة ؟ ثمَّةَ فرقٌ كبير، فما أبعد المداراة عن المداهنة.
المداراة بذل الدنيا من أجل الدين، تنفق شيئًا من وقتك، وخبرتك، وراحتك، ومن مالك في سبيل أن تؤلف قلب أخيك، هذه مداراة، ولكن المداهنة أن تنفق من دينك من أجل الدنيا.
﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾
( سورة القلم: 9 )
المداهنة خطيرة، والمداهن منافق، لا يصلي لئلا يظن أنه به دين، هذا بذل من دينه من أجل حسن علاقته بزيد، فهذه مداهنة، فالمداهنة بذل الدين من أجل الدنيا، أما المداراة فبذلُ الدنيا من أجل الدين فلذلك:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لف ثوبه حتى لا يزعج أحدًا، للثوب عند المشي حفيف، فهل يعقل أن حفيف الثوب يوقظ الأهل ؟ من شدة رقته، ومن شدة رحمته، وشدة عنايته بأهله، فكان إذا دخل بيته لف ثوبه، وكان إذا رأى صبياً سلَّم عليه، وكان الحسن والحسين يركبان على ظهره في البيت فيقول: نعم الجمل جملكما، ونعم الحملانِ أنتما، لماذا وصل إلى ما وصل إليه، بأخلاقه العالية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) ﴾
(إنك لعلى)، ما قال الله سبحانه: إنك ذو خلق عظيم، لأنّ ثمة فرقًا كبيرًا بين أن يقول: إنك ذو خلق، وإنك لعلى خلق.
فإذا وقع الإنسان في صراع، يقول: جاهدتُ نفسي جهادًا كبيرًا، حتى ضبطت أعصابي، إذاً أنت ذو خلق، أما النبي فعلى خلق، و(على)تفيد الاستعلاء، فهو متمكن، فمهما استُفِزَّ فلا شيء في الأرض يخرجه عن خلقه العظيم، إنّه متمكن من خلقه.
إخواننا الكرام ؛ الإيمانُ حسنُ الخلق، فإذا ألغيت الخلق، ألغيت الإيمان، وألغيت الدين، ولم يبق إلا شيئان، لن يبقى من الدين إذا ألغيت الخلق إلا طقوس لا معنى لها، وثقافات لا تنفع ولا تجدي، معلومات وطقوس من دون أخلاق نعم.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾
فالآية دقيقة، يجب أن تستشير، لأنه من استشار الرجال استعار عقولهم، فأنت تستعير مثلاً خبرة خمسين سنة بسؤال.
من هو الذكي العاقل الموفق ؟ هو الذي يستشير، والنبي عليه الصلاة والسلام جاءه صحابي جليل، قال له: هل هذا الموقع في بدر، وحيٌ من الله أم الرأي والمشورة ؟ فإذا كان وحيًا، فلا اعتراض، فقال له: بل الرأي والمشورة فقال الصحابي: يا رسول الله هذا ليس بموقع، قال له: أين الموقع إذًا، قال له هناك، وأشار إليه بكل بساطة، بكل طيب نفس، وقف قدوة لكل مَن يأتي بعده من العلماء والأمراء، فأمر الجيش أن يستقر في المكان الذي أشار إليه الصحابي، إذاً لقد مارس المشورة.
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
فمن خصائص المؤمن، أنه يشاور، لكنْ من يستشير، الاستخارة لله، وتعلمون الاستخارة، يعني قبل أن تقدم على أمر مباح، من زواج، من شركة، من سفر، تستخير الله عز وجل، بأن تصلي ركعتين، وتدعو بدعاء معروف، إن كان في هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فيسره لي، وإذا كان خلاف ذلك فاصرفه عني واصرفني عنه فلا أتعلق به، واقدر لي الخير حيث كان، هذه هي الاستخارة، أما الاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين، فعوِّد نفسك، بكل عملك، بتجارتك، بصناعتك، بزراعتك، أنْ تبحثَ عن إنسان تثق بعلمه، وبخبرته، وبورعه، لتستشيره، فأنت إذا استشرته فقد استعرت خبرة خمسين عامًا بسؤال واحد.
لذلك يا أخي، القرآن الكريم يحضُّ على المشورة:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
إذا كان النبي المعصوم، المؤيد بالوحي، وبالمعجزات، مأموٌر أن يشاور أصحابه، فالمؤمنون من بابٍ أولى، فنحن إذاً من باب أولى أن نستشير، وما مِن إنسان يقع في شر عمله إلا وقد انفرد برأيه، استشِرْ يا أخي إن كنت تاجرًا، فابحثْ عن تاجر تثق في علمه، ودينه، وفهمه، وخبرته فاسألْه عما أنت مقبِل عليه، وإذا كنت بالصناعة فاسأل صناعيًّا مؤمنًا، وإذا كنت بالزراعة فاسأل زراعيًّا مؤمنًا، وإن كنت بالوظيفة فاسأل موظفًا مؤمنًا، فاستشر، فمن استشار الرجال استعار عقولهم.
﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
والتوكل أيها الإخوة بالقلب لا بالجوارح، فعليك أن تسعى بجوارحك، قال أحد العلماء الكبار: السعي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والتوكل حالة النبي، فله حال وله سلوك، فالسعي سنته، والتوكل حاله.


والحمد لله رب العالمين






تــــــــابــــــــع
@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-27-2018, 05:09 PM   #10 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@

بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزء السادس




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية التسعون بعد المئة من سورة آل عمران وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾
مَنْ هم (أولي الألباب) ؟ قال المفسرون: هم أصحاب العقول، وقد شبه الله العقل في الإنسان كاللب في الثمرة، فما قيمة قشرة الثمرة، بكم تشتري قشور الثمار ؟ بلا شيء، لكن بكم تشتري الثمار ؟ بكل شيء، لأن فيها لبًّا، فالعقل في الإنسان كاللب في الثمرة، والعقل كما ورد: أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، ورأس الحكمة مخافة الله، فعقلك يظهر بقدر خوفك من الله وحبك له، فإذا قلَّ الخوف ضعف العقل، وإذا قلَّت المحبة ضعف العقل، يقول الله عز وجل:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾
فأنت بحاجة إلى شيئين ؛ بحاجةٍ إلى أن تعرف الله، وبحاجةٍ إلى أن تعبده، كي تحقق سر وجودك، فبالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، الأمر والنهي، نعرفه من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أردت أن تعبده عليك أن تعرف أمره ونهيه، أما إذا أردت أن تعرفه، عليك بقول الله عز وجل، وأنْ تتدبَّر قوله:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾
السموات والأرض كما قلت من قبل، تعبير قرآني عن الكون، فخلق السموات والأرض يدل على وجود الله، وعلى كماله وعلى وحدانيته، فالأرض مثلاً تدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو مترًا بالثانية، هذا الدرس المتواضع الذي لا يزيد عن عشر دقائق، تقطع فيه الأرض ثمانية عشر ألف كيلو متر، لأن الأرض تسير ثلاثين كيلومترًا بالثانية، بالدقيقة: 6x 3 = ثمانية عشر، عشر، وصفرين، ألف وثمانمئة، بعشر دقائق ثمانية عشر ألف كيلومترًا خلال درس التفسير الذي لا يزيد عن عشر دقائق.
الأرض إذًا أيها الإخوة تدور حول الشمس، قال:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
المسار إهليلجي، هناك قطر طويل وقطر قصير، وعند القطر الصغير الأصغري، تزيد سرعتها، لتنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، وعند القطر الأعظمي، تقل سرعتها، لتبقى مرتبطة بالشمس.
إذاً حركة الأرض حول الشمس بسرعةٍ متفاوتة، تزيد سرعتها وتقل سرعتها، لتبقى في مسارها الإهليلجي، شيئاً آخر:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾
تتابع الليل والنهار ما سببه ؟ الشمس هنا، يعني في جانب، هي منبع الضوء، والأرض هنا، يعني في جانب آخر، فلو أن الأرض توقفت عن الدوران، لما كان ليلٌ ولا نهارٌ، ولو أن الأرض دارت حول الشمس، ودارت على محور موازٍ لمستوى دوارنها حول الشمس، ودارت هكذا، والشمس من هنا، مع أنها تدور لا ليل ولا نهار، الليل ثابت إلى الأبد، والنهار ثابت إلى الأبد، ولو أن الليل ثبت إلى الأبد، لكانت حرارة الأرض في الليل دون المئتين والسبعين تحت الصفر، وهو الصفر المطلق، إذًا تنتهي الحياة، ولو أن الوجه المقابل للشمس ثابت، لكانت الحرارة ثلاثمئة وخمسين درجة فوق الصفر واحترق كلُّ شيء، إذاً لو أنّ الأرض توقفت لأُلغي الليل والنهار، ولو دارت هكذا بالعكس، والشمس من هنا، فالوجه المقابل للشمس، في حرارة درجتها ثلاثمئة وخمسون فوق الصفر، والوجه الآخر يكون بدرجة مئتين وسبعين تحت الصفر، ولانعدمت الحياة، لكن الأرض تدور هكذا، و الشمس هنا تدور هكذا، إذًا:
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾
لكن في الآية معنى آخر، الليل والنهار يختلفان فيأتي الأول بعد الثاني، والثاني بعد الأول، وهكذا، أمّا المعنى الثاني، أن اختلاف الليل والنهار، يعني أن طول النهار وطول الليل يختلفان، من سبع عشرة ساعة ونصف إلى عشر ساعات أحياناً، فما سر هذا الاختلاف ؟ فلو أن الشمس هنا والأرض هنا تدور الأرض حول محور عمودي على مستوى الدوران هكذا، لانعدمت الفصول، بالمنطقة الاستوائية صيف دائم إلى الأبد، وبالمناطق القطبية شتاء دائم إلى الأبد، والتغت الفصول، لكن هذا المحور مائل قليلاً، مع ميل المحور تأتي الشمس عموديةً على القطب الشمالي، فإذا أصبحت الأرض هاهنا جاءت الشمس عموديةً على القطب الجنوبي، وصار في السنة اختلاف فصول، من صيف، وشتاء، وربيع، وخريف، إذاً هذه الحكمة البالغة، أن الأرض تدور حول محورٍ مائلٍ على مستوى الدوران.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾
الأرض حول نفسها، تتناسب مع طاقة الإنسان، لو كان الليل ساعة واحدة، والنهار ساعة، تنام وتستيقظ، ولا بد لك ثماني ساعات، ثمانية أيام نوم وثماني ليال، لكن لو كان النهار أو الليل مئة ساعة، أيضاً لصارت الحياة صعبة، أما الليل والنهار فيتوافقان مع طاقة الإنسان، لوجود تصميم وتناسق رائع، إذًا الإنسانُ إن لم يفكر في هذه الآيات التي بثَّها الله في الكون، فكأنه عطل عقله، أو كأنه لم يستخدمه، أما إذا استخدمه فيما لم يخلق له، فقد أساء إساءةً بالغة، إذاً دقق في هذه الآية:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾
الألباب أصحاب العقول، وإنسان من دون عقل كالثمرة من دون لب.
يعني أنت بكم تشتري قشر كيلو الموز، أتأخذه بمئة ليرة، أعوذ بالله، لن تأخذه ولو بقرش، أما كيلو الموز فثمنه مئة ليرة، وفيه اللبُّ، واللبُّ مغذٍ، والإنسان من دون عقل ثمرة من دون لب، والعقل يقتضي أن تُعمله في الكون كي تعرفه، إن أعملت عقلك في الأمر والنهي فمن أجل أن تعبده، وإن أعملت عقلك في الكون فمن أجل أن تعرفه، فأنت تعرف الله بالكون، وتعبده بالكتاب والسنة، فمعرفة الكتاب والسنة من دون معرفة الله نقص كبير، ومعرفة الله عز وجل من دون أن تعرف أمره نقص كبير، فلابد من التناسق بين معرفة الله ومعرفة أمره.
لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول بصدد هذه الآية:

((الويل لمن لم يفكر بهذه الآية ))
كان كلما استيقظ في الليل يتلو هذه الآية، وكأن الإنسان مكلف أن يجول فكره في خلق السموات والأرض حتى يعرفه، فإذا عرفه عَبَدَه من خلال الكتاب والسنة.
فالإنسان لا يمر على الآيات مرورًا سريعًا، فكأس الماء الذي تشربه و، كأس الحليب الذي تشربه، ورغيف الخبز الذي تأكله، وهذه الفاكهة التي تأكلها، وهذه الأمطار التي تهطل، وهذه البحار التي تزخر بما فيها من أسماك، ولآلئ ومرجان، هذه كلها بين يديك من أجل أن تعرفه، وكلما ازدادت معرفتك بالله عز وجل ازدادت خشيتك له.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
(سورة فاطر: 28)
و (إنما) تفيد القصر، أي أن العلماء وحدهم، ولا أحد سواهم يخشى الله عز وجل.
فتبدُّل الليل والنهار، وتعاقبهما، والصيف وما فيه من خصائص، والربيع، والشتاء، والخريف، هذه الأرض بدورانها حول الشمس، ولا تنسوا هذا الرقم البسيط، نحن خلال هذا الدرس كم قطعنا من مسافةٍ حول الشمس ؟ ثمانية عشر ألف كيلو متر، الآن مرَّت بنا عشر دقائق، فقطعنا ثمانية عشر ألف كيلو متر في مسيرنا حول الشمس.
فكم هي عظمة هذا الكون ؟ والمؤمن كما قلت قبل أيام، بالكون والنظر في عظمته يعبُر المؤمن إلى المكوِّن، ومن النظام للمنظم، ومن التسيير للمسيِّر، ومن الخلق للخالق، ومن التربية للمربي، ومن التصوير للمصور، فما لم تعبر من هذه الحقيقة الكبرى إلى حقيقةٍ أكبر فأنت لا تعرفه.
الغربيون وقفوا عند الكون، أما المسلمون فتجاوزوه إلى المكوِّن، والمؤمن ينتقل من النعمة إلى المنعِم.


والحمد لله رب العالمين








@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
_-_حصريا أسطوانة القران الكريم كاملا بصوت الشيخ عبد الباسط_-_ بطل الرومانسية يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 2 12-18-2013 05:15 AM
القران الكريم كاملا علي شكل مصحف بدون تحميل صااافي الاصلية يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 6 12-17-2013 12:37 AM
لكل البنات :من تريد حفظ القران الكريم كاملا معى تدخل الان Strawberrya يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 4 12-13-2013 05:15 AM
اقوى برامج لتفسير القران الكريم كاملا وبحجم 2 ميجا tariksamir برامج كمبيوتر 2016 - 2015 جديدة 0 01-03-2013 01:02 AM
سور القران الكريم كاملا و التعريف بالسوره وسبب نزولها السياف زورو مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 2 07-22-2010 09:06 AM

الساعة الآن 07:31 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103