تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > سياحية - سياحة وسفر > رحلات سياحية و حجز فنادق و عروض سياحية > سياحة اسيا و فنادق اسيا و عروض سفر اسيا

سياحة اسيا و فنادق اسيا و عروض سفر اسيا سياحة اسيا و فنادق اسيا و عروض سفر اسيا

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-24-2017, 05:57 PM   #1 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@
نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف





في الأسابيع الماضية نلت حظي من البلاد الأوروبية عبر جولة في أطراف الجزيرة الأيرلندية , فكانت رحلة ممتعة بكل ما تعنيه الكلمة , فلقد متعت الناظر بالجميل من المناظر , و أجمل من ذلك أن ارتعشت أطرافي من شديد البرد و ذلك بعد الحر لأليم الذي نزل علينا في هذا البلد . ففي أيرلندا صيفهم شتاء , وشتاؤهم جليد , ومطرهم كسقاء أنشق من السماء . فمع تلك الأجواء أحسست بتغيير كامل عبر تلك الرحلة الأوروبية . بل لقد أخرجت آخر المخزون من الحر و السموم . فكانت كل قطرة من زخات المطر لمتساقطة تمسح أثر أيام من اللفحات الحارة , و مع ذلك الجو الرائع في تلك البلاد فإن لهيب أجواء بلادي كانت تحوم و تحلق حولي فهي لم تنفك عن ذهني , فمن تلظى بلهيبها فهل ينسى شديد عقابها و أليم سياطها . فهي تريد أن تذكرني عبر مخزون صورها المحفورة بذهني أني راجع لا محالة و أن الموعد ساحة المعركة .بل لقد كانت تصل ألسنة لهيبها إلى أطراف جسمي عند محادثة أهلي فكأنها تريد أن تتحرش بي فتلبسني دفئاً مضاعفاً مع كلمات الأحباب في أرض الخلان و الأصحاب .
في أيرلندا تنفست بعمق من كل هواء نقي رطب فسرت بجسمي نسمات ندية حتى وصلت إلى كل عرق و أسقته من قطراتها الزكية , بل حتى أحسست أنني لم أبقي أي جزيء من الأكسجين الصافي الذي يختزنه الهواء لأهل تلك الديار .
فلما حانت ساعة الصفر وكان موعد العودة زهدت بكل جميل من تلك الديار الساحرة . و أصدقكم القول فلقد بدأت أعد اللحظات للعودة إلى ارض الوطن....و لقد عدت إلى بلادي و الشوق كبير و الحب عظيم . فكحلت العين من رمال نجد , و ملأت القلب من دفء نجد , و عانقت رذاذ الغبار فصار على جسمي ألطف من رذاذ الأمطار ,وعشت ليال و أيام أنعم بنعيم هذه الجنة القاحلة , وكنت أتغنى بقول الأمير الشاعر :
ليالى نجد مامثلك ليالي

غلاك اول وزاد الحب غالي

وبعد مضي بضعة أيام ذهبت السكرة , و بقيت الفكرة , و خنقتني العبرة , و ذرفت الدمعة , فبعد أن تقلبت في شمس نجد الحارقة تبخرت النسمات الماضية , و ذقت من لهيبها حتى كدت أن أنسى أسمي الرباعي بل و عدد أصابعي , بل اشد من ذلك فقد كدت أن أقول ما رأيت خيراً قط , فلم تبقي لي شمس نجد الشهيرة أي صورة أو مشهد من بلاد الأيرلند , بل من سوء حظي أني نزلت في وقت استواء التمور و الذي يسمى " طباخ اللون " فطبخ التمر و حول الجو من حولنا إلى جمر , فتقلبنا على لهيبه أيام و نلنا من سمومه أيام . حتى صعبت حالتي على الأعداء , وصرت بحال كنصف استواء من الشواء . فقلت لنفسي أين المفر من هذا الحر , فلا حل إلا أن أبحث عن مأوى قريب لا يفرق بيني و بين الحبيب . فكرت....ثم فكرت ....فقلت لنفسي لقد أحل لنا في السنة أجازة واحدة لنختار أي وجهة خارجية وذلك بعد التصريح من قبل وزارة الداخلية - حرمنا المصون - , و رحلتان داخليتان أحدهما للعمرة في شهر الصيام و الأخرى رحلة للترفيه عن الصبيان . فأخذت ابحث عن مكان تنطبق عليه الشروط ويخفف هذا الضيق , فمر شريط المناطق و المدن و القرى السعودية في مخيلتي كما يدور القوقل أيرث عبر شاشتي , و كل مدينة أو قرية تتبختر على أختها بشدة حرها و لظى أجوائها إلا منطقة واحدة تقع في الجنوب الغربي من بلادي , نظرت إليها تأملتها , ثم نظرت إلى محفظتي و تأملتها , ثم نظرت إلى عائلتي و تأملتهم , و نظرت إلى الشمس التي تطل علي من النافذة فلم أستطع تأملها من شدةحرها . فكان القرار السريع وهو المبادرة بالرحيل , فعزمت أن أذهب لتلك المنطقة و التي تجعل بيني وبين الشمس غمام , و ترسل على جسمي بضع قطرات من الرذاذ . فرحلنا إلى أبها....فلا أبهى من أبها و لا عسير في عسير.... حلقت بنا الطائرة ونحن نردد ....
قالوا تسافر ؟ قلت مليت الأســـفار

لأهل السفر غاية وأنا غايتي غير

قالوا تصيف ؟ قلت في دار الأخيار

مصــيفي أبــهـا منزل العز والخير

أهيم مع رقصة سحـــابة إلى ثار

وان هبت النسمة وغرد لها الطير

فكأني بتردادي هذه الأبيات أوجه التأنيب إلى نفسي و أكفر عن الذنب الذي أحسه كلما رأت عيني مثل هذه القصيدة , و التي تظهر لي وكأن الأمير الشاعر خالد الفيصل يعنيني بهذه الأبيات , و كأنه يرمي الكلمات ليصيب قلب فتى قد أبتعد كثيراً عن مصايف بلده فأحذ يتجول في كل أرض و يصف كل بلد إلا موطنه وبلده الذي نشأ في عزه . فهذا التقرير هوقربان تكفير...فتقبلوه ....

أهلاً و سهلاً بكم في رحلتي و أقول لكم : مرحباً ألف في رحلتي المصورة في منطقة الجنوب...و التي سوف أنقلها لكم عبر صور متنوعة للقطات مميزة من جبال عسير....
نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

الزهور و الأشجار و الثمار
نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

الدور و القصور بين الحديث و القديم
نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

المرتفعات و السدود و السحاب
نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

القرى و المدن
نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

المتعة و الترفيه
نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

الشباب و المغامرة
نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

الطيور و القرود والماعز
نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف

نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف




@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-24-2017, 06:04 PM   #2 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@
اليوم الأول : منطقة السودة


تسلقت شمس عسير جبال الجنوب الشامخة , حتى أطلت بنورها على أهل أبها البهية , و ألقت عليهم أحلى تحية , تحية الصباح المباركة , لقد سطعت أشعتها حتى لامست السماء فأزاحت الظلام وأنارت جوانب أبها بالنور والسرور و الضياء , و وقعت على الزهور فتفتحت أطرافها , وهبطت على الأوراق حتى سقت قطرات الندى من على سيقانها , و ذهبت للأشجار فرسمت لها على الأرض أجمل ظل , و سطعت على بحيرة السد فتلألأ الماء فصار كحبات لؤلؤ من عقده قد أنفرط , ووصلت إلى المباني فظهرت ناصعة بالجميل من الألوان . وهل أكتفت شمس عسير بذلك القدر اليسير من الإشعاع الجميل ؟! لا بل ذهبت إلى كل نافذة لتنشر دفأها على أهل كل بيت من بيوت أهل تلك البلدة , ومن ضمن من بحثت عنهم تلك العين اللطيفة نافذة في أقصى تلك المدينة , إنها نافذة أناس غرباء عن عروس عسير الجميلة , فتسللت إليهم من بين زجاج نوافذهم لتقع بلطف وحنان على خدود أطفال ذلك الدار , فلامست أشعتها الرقيقة بشرة أطفالي و همست في آذانهم بأن : أبها الجميلة بانتظارهم , و أن النوم قد يفوت عليهم فرصة التمتع بهذا اليوم , و ماهي إلا لحظات حتى أرمشت أهداب عيونهم لتبحث عمن يهمس في قلوبهم , فلم يجدوا إلا ذلك الشعاع الذي أنار أركان الغرفة , و أزاح ستار الغربة , وملء بالدفء تلك الأجساد المرتعدة من البرد , استيقظت البنت الكبيرة ثم تبعها أخوتها , وجلسوا على أسرتهم ينظرون و يعتبرون من جمال هذه الشمس التي أتت لإيقاظهم وتخبرهم أن الصبح لاح و أن جمال أبها في البكور من الصباح .
في الجانب الآخر كنت أنا قد خرجت من الشقة أتحسس طرقات تلك المدينة , فتتعب أنفاسي في طرقاتها التي لم تعتد أن تسير في مثل تضاريسها , فالجبال ألزمت المدينة أن تكون شوارعها بشكل مرتفعات عديدة تصعد تارة وتهبط تارة أخرى , فتظهر لك جزءاً قريب من الشارع وتخفي الكثير خلف جبل قريب , أخذت أتابع المسير للبحث عن مخبز وفوال وبقال , وذلك لجلب فطور اليوم , قادتني حاسة الشم لأن أقف على أعتاب ذلك المخبز , ألقيت السلام و انتظرت في طابور الصباح , رفعت هامتي من بين الجموع حتى ظهر لي وجه صاحب المحل و الذي ألهبته نار الفرن حتى بدأ يتصبب عرقاً و لكن لم يمنعه ذلك التعب و النصب أن يتبع النظرة ابتسامة لمن أتى لطلب الخبز , ومع نظرته السريعة و اللطيفة أشرت بأصابعي بعدد الخبز الذي أريده فلمحها و فهمها من بعيد ولم يجيب . أخذ يوزع الخبز الملتهب على الزبائن الذي سدوا واجهة المحل و تبدو عليهم وبين الخباز تبادل النظرات التي تنم على أنهم زبائن معروفين لديه , بين كل لحظة و لحظة يمر بنظرة سريعة على الكل ليتفقد من الجديد الذي حضر , ثم يسجله بذاكرته ويطلب بالعدد الذي يذكره الزبون عدد من العجين ليدخلها في فرنه الملتهب لتلبية طلب صاحبه ,على الجانب الآخر يقف الفوال والذي بيده مغرفة يسكب محتواها في أصحن بلاستيكية , ثم يريق عليها بعض الزيت , ومن ثم ينثر عليها بعض البهارات و يدخلها بسرعة بوسط كيسة ويحكم غلقها و يستلم قيمتها من صاحبها بسرعة و وبدون أن ينظر إلى عددها , فقد أصبح لديه حاسة من اللمس تكفي لمعرفة عدد الريالات بدون أن يعد ...من الجهة التي تلي الخباز نشر الفرن الدفء على خدي أما من الجانب الآخر فكانت النسمات تداعب بشرتي وتهمس في أذني وتقول : مرحباً بكم ألف , أخذت مقصدي من الخبز و الفول و القلابة و العدس و ذلك لتخفيف برد السودة إن كان هناك من براد , ثم مررت البقال و اشتريت قشطه مبردة و زبادي ولبنة من الثلاجة و ذلك لتخفيف حرارة الفول و العدس و القلابه , شققت طريقي متجهاً إلى مركز الشقق المفروشة و كنت أعتقد أن كل من يسيرون في الطرقات سوف يتبعون هذه الرائحة المخلطة الرائعة .
في صالة الشقة الوجوه مبتسمة , لا أعلم هل ابتسامة السعادة لما سوف نسعد به من التمشية , أم أن الجوع قد ضرب البطون فابتسمت الوجوه . لا يهم فالمهم الابتسامة و التي بدت على وجوههم جميلة فكونت مع عيونهم الناعسة من أثر النوم , و الوجوه المتعبة من أثر السفر لوحة طفولة بريئة أسميتها " السعادة المتعبة " .
بعد أن تناولنا الإفطار ذهبت ريحانة نجد و فتحت الحقيبة رقم " 9 " و هذه الحقيبة متخصصة بالأكمام الطويلة الشتوية , و لقد تحايلت فحاولت أن ألقي نظرة من بعيد , و نجحت فرأيت ما تحمل من ملابس فاعتقدت أننا في رحلة إلى القطب المتجمد , أو في منتصف الشتاء في روسيا البيضاء , أو أننا على موعد مع رحالة إلى سيبيريا . أردت أن أقول : لا حول ولا قوة إلا بالله لماذا كل هذه الملابس . لكن بلعت لساني فقد أدركت و علمت أنه حرص الأم و عطفها على صغارها فآثرت السكوت .
أخذت السيارة تتهادى في طرقات أبها , و هي تبحث عن طريق الحزام الذي يلف جسد أبها كما يلف سوار فاخر معصم فتاة , أو مجوهرات في جيد حسنا , أو طوق من الريحان و الورد كما يلبسه بعض أهل البلد . وجدت الإشارة التي تشير إلى السودة , أخذت المنحنى المؤدي إلى تلك المنطقة , و عشرات السيارات التي تتزاحم في ذلك الطريق من أجل الوصول السريع إلى تلك المنطقة .

مع تصاعد الطريق إلى أعالي الجبال بدأ الطقس يتغير فالسحب تنزح من الغرب إلى الشرق , و سوادها يغطي جزءاً غير يسير من أفق عسير , و حالة الجو تنذر ببعض زخات المطر , و وضع الهواء يعلن بعض التغير بالأجواء ...

على الطريق أنتشر الباعة , فكل يعرض بضاعته , و حب العمل يخرجهم من البكور مع ترانيم الطيور , بجد يعملون و بتفاني يقدمون خدماتهم على الزبون , عشرات المأكولات المعروضة , فواكه و خضروات , عسل , جوز هند , ذرة مشوية , برشومي قد خلص من أشواكه , تين قد قطف للتو من البساتين , ناهيك عن المحلات المتخصصة لبيع الأدوات الخيام و الأدوات البرية .

فهذا يبيع الحلوى العمانية , و يتشاور مع صديقه عن خطة عمل اليوم , و حال السوق مع هذه الأجواء .

و على الأرض قد رقدت حبات الجوز , تنتظر السياح لتقدم لهم كمشروب الصباح .

و صاحب العسل ينتظر الزبائن قبل أن ينزل المطر , و ذهنه قد غاب عند الأهل و جسمه قد حضر عند قدور العسل , و لم يبتعد كثيراً بتفكيره فلما لمحني نشر بضاعته علي و أخذ يخبرني عن طريقة منحله و مأكله و لذيذ طعمه . لكنني لم أقف عنده و ذهبت إلى آخر بيعد عن هذا الضجيج ...

قلت السلام عليكم ياصاحي , فرد السلام ثم قال لي : هذا عسل مصفى , جنيته من الزهور و أشجار السدر و الطلح , ترتع النحل في أودية عسير و نقدمه للزوار فهو غذاء و دواء و بإذن الله شفاء .

قلت له كم السعر فقال : بثلاثمائة ريال لا نزيد و لا نقل . و لو علمت الحال لقلت أن بيعكم بهذا السعر من المحال . قلت له أنا بمقام نحال و بأسرار النحل أعتبر من الكبار , و على غيري ينطلي هذا الكلام , ثم أتبعت الجملة بقاصمة الظهر فقلت عسلكم مغشوش , و لم يشم الزهر و لم يقف على شجر , بل هو نحل يشبه أولاد اليوم فهو تغذى بالأصباغ و أكل الكثير من السكر و دفعه بالقليل من البيبسي و الميرندا فغدي بهذا الشكل – يتم تغذية النحل بهذه الأصناف من المشروبات حتى تدر الكثير من العسل و تصبغها باللون المناسب – ثم ضحك وأبتسم , فقال : الأمر إليك فبكم تريد أن تأخذه فقلت : أحذف الخانة الأخيرة فقال : بثلاثين ريال مناسب جداً فنحن نريد أن نشتري الرجال و لا يهمنا الريال . فقلت : لن أقبل رجولة رجل غشاش . فذهبت منه وهو يفكر بزبون آخر تنطلي عليه الحيلة .

خرجت من الأول فقابلني آخر , فلم يكن بحاجة أن أشتري منه , بل استأذنته بالتصوير فسر بذلك ...

كانت رحلتنا للسودة تمر بطرقاتها الملتوية , و لا تخلو من مناظر للطبيعة الجميلة , فالأشجار تنتشر في الكثير من البقاع , و الزهور قد بدأت تنشر العطور , و الدور قد أضاءت أسوارها معلنة الفرح و السرور .

على الجانب الآخر كان حديث الذكريات يقف شامخاً عبر بنايات قديمة من أحجار تلك الجبال , فقد رصت بطريقة رائعة جميلة فبدت كتحفة من الجبل جميلة .

أما الحديث من العمران فقد وقف شامخاً يزين تلك الأرجاء , و أخذ مكاناً عالياً من الفضاء , و تجده مطلاً على وادي أو يعانق السحاب من على قمم الجبالِ .

من بعيد بدت قبة فندق الأنتركنتننتال , و هي شاهد على الوصول إلى منطقة السودة , و هذه المنطقة تتميز بأشجارها الكثيفة , و بعلوها عن مستوى البحر بشكل يجعل المناخ في الصيف لطيف , و لا تخلوا أيامها من رذاذ أو قطرات أو زخات أو برد ينزل بقوة يجعل الجلوس هناك من المستحيل ,

أما إن خرجت شمسها فهي لقربها من المصدر فهي حارة جداً . فلا غنى عن شجر يستظل به لتربح ظلاله الباردة و تنعم من تحته بنسماته العليلة .

اخترنا بعض الأشجار و أوقدنا النار , و وضعنا الشاي و أحطناها بالأحجار , كل ذلك الاستعداد خشية أن ينزل علينا البرد فجأة . أعجب أطفالي هذا التغير بالمناخ , و هذا التغير بمنظر السماء , بل أخذوا ينظرون أين ذهبت الشمس التي كانت تغزوهم صبح مساء , و لما رأوا أن الأمر جد و أن الخطر محدق , و أن السحب قد ثارت من قبل المشرق , فإما مطر و إما برد على الأقل , فأخذوا يلقطون الصغير من الأغصان المتساقطة اليابسة و يضرمون بها النار , و من ثم يجلسون يتلذذون بالدفء برهة , و عندما تنطفئ نارها يذهبون و يجمعون مرة أخرى , و هكذا دواليك حتى اشتعلت النار و صارت لا تحتاج إلى قشهم و جمع أيديهم الصغيرة . فتحلقوا حولها و هم يتناظرون و يتعجبون من لهيبها .

تحت ذرا الشجرة أوقدنا على الغدوة , فهدفنا الزيادة بالمتعة , و لن تحصل بأكل المطاعم أو بمحلات الوجبات السريعة , بل أجمل مافي تلك الرحلات أن تضع القدر على الغاز , و ثم تنظر إلى اللحيمات وهن يتقلبن في وسط الماء – لو أطلع بأحدكم على مايحتوي القدر لوجد الدجاج ...سترك ربنا – , الأرز قد ربصناه بالماء ليسهل علينا الاستواء , و لقد رأيت الرز و لأول مرة و كأنه قطع من ذهب و ذلك بعد الغلاء الفاحش بالسعر , فكل حبة نضعها نمسح على رأسها و نسمي عليها ونقول اللهم بارك لنا بها .

بسبب رفع الأسعار التي وصلت إلى حد النار فقد علقنا الأرز في العالي من الأشجار . فهل هذا فعل يليق بكم أيها التجار ؟! , تتاجروا بالقوت و الطعام لأهم مقومات الحياة بالنسبة لعامة الناس . اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ...
في جانب آخر نصب أطفالي خيمتهم الجاهزة , و أدخلوا فيها كل الأغراض القابلة للأبتلال , وماهي إلا لحظات حتى توالت القطرات , فحسرت الرأس و تنعمت بتلك الزخات , و أما أطفالي فهم يدعونني بالقدوم إليهم مخافة أن يزداد المطر و أن يبلل الثياب أو الفرشات , كانت نظراتهم للمطر و هو يتساقط ببط نظرات مبتسمة , فمع كل قطرة تقع على سطح الخيمة يحسون بنشوة و يتمنون أن تكون يهطل المطر بقوة , حتى ينعموا باللعب بين الأشجار و حتى يسعدوا بتغير الأجواء . و لكن ماهي إلا لحظات حتى هدأت القطرات ثم انتهت مودعة لنا ذلك اليوم .

بعد هدوء المطر أتينا بالقدر على أطراف الحجر الذي يحيط بالنار , فأجمل الطعام ما لامسه لهيب النار , لذا لم نجد بداً بأن نضعه بضع دقائق على الجميرات , حتى يستقي من لهيبها بعض طعمها , و يتبخر من جميل دخانها , و يستوي على مهل فوق حرارتها .
هكذا كان ذاك اليوم , و لقد أنزلنا الغداء و أكلنا بنهم , و كأننا لم نأكل قط , وما ذلك إلا بسبب جمال الجو و لطافة النسمات , برحنا بمكاننا غير قليل ,حتى حانت ساعة الرحيل ,وقدمنا إلى أبها وقد لبست لباسل الليل الأسود , وتلألأت أنوارها حتى زينت جنباتها ...

في الختام قد يقول : قائل كيف تروق لك مثل تلك الأماكن و أنت قد أتيت للتو من البلاد الأوروبية , فأقول : إن أفضل ما يضفي على المرء السعادة في سفره أن يغير برنامجه , فتغير الأجواء من الحار إلى البارد هذا كفيل بأن يجعلك تسعد , و هطول الأمطار ومداعبتها للأجسام يجعل المرء يأنس , و غدوة تحت ظل شجرة فيه تغيير لموضع أكله وسعادة بتبدل حاله , و كاس شاي تحت ظلال السحب وبجنب بعض العشب يجعل المزاج على ما يرام .إنني أنقل مايسعدني فإن رأيتم ما ذكرت لا يمثل لكم شيئاً من السعادة , فاحتاطوا لبرنامجكم أن يتقاطع مع برنامجي . فقد تغركم كلماتي أوقد تذهب بكم حروفي إلى ذلك المكان و تبحثون عما يصفه الواصفون أنه جنة فلا تجدوها, و أعلموا أن الجنة الحقيقية هي في قلوبنا فمتى أشعلناها فقد أشعلنا كل رحلاتنا بالحب و الرضا و السعادة .
و ألقاكم بحلقة قادمة بإذن الله تعالى..
نسيم نجد

ملاحظات وسلبيات ( الأولى )
في كل حلقة سوف أطرح بعض الملاحظات و السلبيات التي وجدتها أثناء رحلتي و هذا العرض للسلبيات الأمل منه أن يعدل بعض الوضع .
1. حال الخطوط السعودية يجعل المرء يفكر ألف مرة قبل أن يسافر , ولكن بحمد الله كان حظنا هذه المرة جميل و موفق فقد تأخرت الطائر ثلاث ساعات فقط ,بينما تأخرت طائرة جدة إلى الغد .
2. وضع المطاعم في مطارات المملكة و أسعارها المبالغ فيها يدعوا إلى التساؤل . هل هذا من المعقول أم هو ضرب من الجنون ؟! قد يقول : قائل أن الإيجارات في داخل المطارات غالية , ونحن نقول إننا نريد أن نصنع سياحة . فيجب أن يكون كل شيء في متناول اليد ويناسب جميع الطبقات .
3. في مطار أبها استقبلتنا الأرض بالأمطار , ففرحنا و لكن كان الثمن غالياً فجرينا على أرضية المطار في ساعة متأخرة من ليلة شديدة البرد وكلاً يحمل طفله وقد رفع ثوبه حتى لا يبتل بالمطر . تصور لو أن الأمطار لم تتوقف في تلك الساعة فكيف يسير الركاب ومنهم الطفل النائم ,و الشيخ الكبير و المعاق و غيرهم....سؤال يحتاج إلى جواب لتغيير وضع النزول عبر سلالم أرضية .
4. في صالة المطار كنت أنا المخطئ بعدم استئجار سيارة من قبل .ولكن هل من المعقول أن لا يوجد و لا سيارة في أي مكتب حتى في المكاتب التي في أبها , فرغم الزحام ألم يتم دراسة هذا الأمر و الاستعداد المناسب له .
5. أبها مدينة صغيرة وجميلة , ولكن مشكلة التنقل فيها عظيمة , فلو أردت أجره خاصة فذلك كمن يبحث عن ابره في فلاة , فقط شركتنا تعملان في هذا المجال , و لا أعلم كم لدى تلك الشركتين من السيارات , و إذا أردت أن تحرج الاستقبال في مكان إقامتك فقل له : أريد أجرة خاصة .
6. في جنبات الطريق يوجد الباعة المتجولون , الذين يبيعون العسل و غيره عشرة أضعاف ,وأسعارهم مبالغ فيها , فأين وزارة التجارة عن هذا الغلاء الفاحش .
7. الشقق في أبها كثرت وتنوعت عن السابق , و لكن الأسعار لم تتغير , فيبدو أن شبكة تجار الشقق ينصبونها في الصيف لاصطياد السياح , فهل من المعقول أن الشقق التي سكنت بها , تزيد عن سعرهم الذي في مدينة جدة 30% بالرغم أن الموسم واحد والمالك واحد والدولة واحدة .إذاً ألا يوجد استغلال غير مبرر .
8. في المنتزهات يحسن أن توزع أكياس للمصطافين ,وذلك حتى يتم جمع باقي نفاياتهم . وهذه المشكلة هي مشكلة وعي يجب أن ينبه إليها .
9. مع الخرائط الموزعة عن المنطقة و الأماكن السياحية المفضل زيارتها يحسن أن يتم وضع أسعارها حتى لا يذهب المرء ثم يجد أن الثمن لا يساوي العرض المقدم .
10. يحسن أن يتم بث التوعية للحفاظ على البيئة بين المصطافين , ونشر سبل بقاء منتزهاتنا نظيفة وخالية من أي أوساخ . وذلك عبر نشرات أو بواسطة وسائل الأعلام ,أو عن طريق المدارس في آخر السنة الدراسية .
11. أعتقد أن جمال أبها وعسير بشكل عام يرتكز على أجوائها وطبيعتها ,فلو حافظنا على هذا المكسب و زدنا من الخدمات لكفانا عن الكثير من البرامج المقامة كل سنة , و التي تأخذ من الوقت و تهدر الكثير من الأموال ,فالناس الذي جذبهم إلى أبها شيء أعلى من التسوق , أو حضور مهرجان غنائي .بل الدافع الأول هي المنتزهات الطبيعية و الأجواء اللطيفة ,فكيف نكسب الناس عبر تلك الأشياء الأساسية في برنامجهم . أعتقد نه يجب إعادة هيكلة البرامج السياحية أو لنقل أن تدرس هذه البرامج من جديد . ونضع سؤال أمامنا هل بعد كل هذه الأعوام هل حققت شيئاً يذكر ؟! أو هل نحن جددنا في أساليب العرض السياحية التي تجعلنا نظهر بشكل مقبول عندما نقول أن لدينا مصايف تضاهي بلدان متقدمة ؟ يجب أن تكون القناعة داخلية وذلك حتى نرضي أنفسنا قبل أن نسعى لإرضاء من حولنا .
في ختام هذه الحلقة : المعذرة على الإطالة ولكن حبي لوطني يدفعني أن أقدم هذه النقاط , فأسأل الله أن يوفق الجميع لمرضاته وأن ييسر لنا العمل بأن نكون أداة بناء في بناء مجتمع بناء في كل المجالات .
@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-24-2017, 06:09 PM   #3 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@

رحلة الجمال في ربوع أبها


قالت صغيرتي بابا : ثح اليوم متر
قلت و كيف عرفتِ ذلك يا جميلتي
قالت : أثوف الثماء ثحاب
قلت صدقت يبدو أن السماء ممطرة لا محالة
الترجمة لغير العارفين بلغة الأطفال :
قاتل صغيرتي : صح اليوم مطر
قلت و كيف عرفتِ ذلك يا جميلتي
قالت : أشوف السماء سحاب
قلت صدقت يبدو أن السماء ممطرة لا محالة
كانت هذه هي نشرة الأحوال الجوية التي سوف نعتمد عليها هذا اليوم في رحلتنا , و هذا التقرير القصير عن حالة الأجواء هو الذي سوف يحدد مسار العائلة , شكرت الصغير التي أتت بهذه المعلومات من خلال النافذة الزجاجية , و بدأنا بالاستعداد لرحلة يوم جديد من أيام أبها . فكل الذي عليكم أن تحملوا قبعاتكم , آسف مظلاتكم و تلبسوا بعض الملابس الخريفية لتستمتعوا بهذه الرحلة الصيفية في الجبال العسيرية , و التي سوف تتراوح بين قمم الجبال العالية و قيعان الأودية السحيقة . بوصلة السياحة في ذاكرتي تتجه إلى نفس المنطقة التي أعتبرها كنز سعودي لم يعطى حقه من كنوز منطقة عسير وهي " منطقة السودة " و كذلك المناطق التي تجاورها . لتعيش بعمق أحداث هذه الرحلة . فكل الذي عليك الآن أن تأخذ نفساً عميقاً لتتمتع بصفاء الذهن , ثم تحرك مؤشر الفأرة ليتحرك مع الصور العديدة التي سوف أعرضها في هذه الصفحة . و سوف تجد قلبك يتحرك بنبضه مع جمال أراضينا البكر هناك...


نبدأ من أول الطريق فنعبر مساكن أبها التي بدأت تصطبغ بألوان جديدة , و يهيئ لي أن ألوانها دخيلة , فلا أعتقد أنها من ألوان تراث البلد , فترى البيوت بألوان فسفورية لامعة تبرق مع شمس الصباح , أو تتضح بصورة جلية مع قطرات مطر المساء .

تركت العمران خلف ظهري , و اتجهت إلى وجهتي حيث أشق جبال عسير العالية , و كان لابد أن أمر على الباعة في أول الطريق , و كل يوم لنا حكاية أو طلبات جديدة مع هؤلاء الباعة , اليوم لن أنتقد أحداً منهم أو أسألهم الكثير عن بضاعتهم , و لن أتناقش معهم عن الأضعاف المضاعفة لسعر الحبة الواحدة من الفاكهة , لا ...بل سوف ألتقط صوراً عدة لهم , و سوف آخذ حاجتي من تين البلدة , و أذهب في طريقي ثم ألوم نفسي لماذا لم أشتري من وسط المدينة ؟! فأسعارها أرخص , و تنوعها أكثر .

الفكهاني ينشر فاكهته بمنظر جميل , تجعل قائد السيارة ينحني بسيارته بشكل لا إرادي , فالفواكه رصت بسطور متجاورة , و كل سطر يشكل فاكهة معينة , و كل فاكهة تشكلت بشكل حلقة جميلة تمثل حاويتها البلاستيكية . هذه الفواكه قد تبللت بقطرات من المطر الذي يزور لمنطقة كل حين , فيسقي مدرجات المزارع و يبلل سطول الباعة .

بجانب بائع الفواكه , رصت صناديق التمر " البلح أوالبسر " لتعرض فاكهة الصيف المفضلة . البرحي تم جلبه من مناطق نبته . فهو يتبختر على كافة الصناديق التي بجنبه , بطعمه الحلو و بمذاقه الرائع يجعله محبباً للزبون و مقرباً لدى البائع . و يجلس بجانبه و على درجة مقاربة منه تمر " الروثانه " الذي ظهر بين الاستواء و البلح " يطلق عليه منصف فنصفه رطب و النصف الآخرلازال بلح " فهو بمذاق مغري رائع يجمع بين طعم البلح و النضوج . هالني من أمر باعة التمر أن التمر بالكيلوا , و بينما في مناطقنا يعرضونه بالكرتون أو بالسطل , فأخذت حاجتي و صمت فقد تذكرت أنني لن أناقش أي أمر . و لن أذيع أي سر ...و لن أقول أن السعر مبالغ فيه فوق ما يتصور العقل ...

وعلى مقربة من هؤلاء الباعة تتسلل إلى أنفك رائحة الذرة المشوية , فتلتفت ذات اليمين لتجد الذرة الخضراء قد صفت في كؤوسها الملونة , فكأنها تسحرك بجميل تناسق ألوانها , و يقف بجانبها صاحبها الذي لا يمل و لا يكل من إيقاض سبات جمر ناره , فالجمر بين ثلاث نيران , بين ناره التي تتقد من تحته , و نار قطرات المطر التي تتساقط عليه كل حين فيخمد , و نار صاحب المحل الذي لا يرضى أن يبات جمره أو أن يأخذ أي أغفاءة فالزبائن بإنتظار اللذيذ من شوائه . و هكذا حياته تتجمع قطرات السماء فتختار تلك الجمرات الحمراء فتسقط على رأسها فتصمع صوت تشتشتها , فينبعث دخان يتطاير في السماء و من ثم يختلط بالغيوم ....و البائع عين على الشواء و عين على المارة لعله يقتنصهم عبر عرضه الذي يقدمه وسط الأجواء الممطرة .
و من خلف بائع الذرة هناك محل مستلزمات البرية , و رجل قد أخذ نصيبه من زبائنه , و بعد أن رحلوا أخذ نظم بضائعة و ينتظر الدور على من يأتي فيعلقه في حبل المشنقة !!

تشكلت السحب و رسمت على الأرض ظلالها , فكأنها تفرش الظل للسياح ليختاروا أجمل مناطقها .

رأيت طريقاً جانبياً يمرر المارة إلى قرى مجاورة , كتب باللوحة قرية " العكاس " و باللوحة التي بعدها " وادي الطالع " , وكنت قد وضعت في حساباتي أن الزيارة هذا اليوم هي لبعض القرى التي تمر علينا في طريق السودة , منها هاتين القريتين ....

تعرج الطريق ثم سلكت تحويلات أخرى , و أخذت منحنيات و مرتفعات , حتى وصلت منطقة كنت أعرفها من قبل , إنها قرية البادي و سد عشران , بيوت أثرية , سد مشيد , مزارع بشكل مدرجات مهجورة .

وقف السد كأنه ينتظر السيول التي تأخرت عليه هذه السنة , ثم أتته مقبلة في موسم لم يعتده , و لكن لم يحتفظ بالكثير من ماء الوديان , و ذلك لأن الأرض العطشى بللت ريقها بالكثير من أمطار السماء قبل أن يصل السد الذي ينتظرها . فلم يتبقى من مجاري الوديان مجتمعة و مصاب الجبال العالية إلى الشيء اليسير , ففرح به السد فأحاط به من كل جانب فكأنه يعانقه و يحتضنه .

يوصل لهذا السد ممر خرساني زين بأشجار تميل على أطراف الممر و كأنها تطلب الماء من المارة , و تستغيث بهم من جفاء السحب العابرة .

من هذا المطل تظهر آثار أناس سكنوا تلك الديار , أناس أقاموا هناك أعوام , زرعوا جبالها , و أقاموا دورها , و رعوا أغنامهم في وديانها .
أناس كانت لهم في تلك الأرض ابتسامة , و على مدرجاتها سعادة , وبين أشجارها ذكريات عامرة .

نضبت الآبار , و جفت الأرض من الأمطار , و وقف السد في سبيل سيل الوديان , و لم يبقى لأهل تلك الديار مقام , فتركوا بيوتهم , و هجروا مزارعهم , و استوطنوا المدن .

البيت المهجور يسكنه الصمت , وتحيط به الأشجار المخيفة من كل جانب , و لا سائل يسأل و لا حبيب يزور .

الجبال واقفة بشموخ , و الشمس تزور ذلك الوادي فتدخل المنازل فتتفقدها عبر نوافذها التي أخذت تتسع مع الزمن , و الرياح تعبث بأبوابها حتى أصبحت مسندة على جدرانها , ورغم البعد و الفرق و لكن لم تيأس تلك الأبواب . فهي تفتح ذراعيها و قلبها لزوارها بعد أن تركها أهلها و ساكنيها .....


بقايا من بقايا أناس قد رحلوا , و جدار هده الحنين لأهله , و أحجار تماسكت لتشد عضد بعضها و تصبر نفسها , و ثقوب تتسع بين جدرانها و تتحين نظرة لمن كان بالأمس يتقلب في كبده .

في جانب غير بعيد من ذلك الوادي , رقدت قرية عكاس , و هي تنظر إلى مدرجات الجبل , و تشرف على ممر الوادي الذي يكاد أن يندثر . و من سفح الجبل إلى منتهاه أقيمت المدرجات التي تمسك المياه , و تزرع على طول السنة . و لكن هذا الحال تبدل و تحول , فقد أصبحت الزراعة آخر أهتمام أهل أبناء البلد الجدد, فالمدن قد أخذتهم بين أطرافها , و المكاتب قد ضمتهم إلى قلبها ....

فغدا الآباء وحيدين بين بيوتهم المعمورة و ممرات مزارعهم المطمورة . فيوماً بعد يوم أصبحت الزراعة بالمدرجات أثراً بعدي عين .

إلا من القليل المدرجات المتناثرة هنا و هناك , تناشد أهلها بالحياة .

الأغنام تغير عليها الحال , و أصبحت تتنقل من مكان إلى مكان لتبحث عن المأكل , و برغم قلة الموجود , و لكن الله قد تكفل برزقها . فتجدها تجمل المكان بحسنها و تنشر الفضاء جميل ثغائها , و أصبحت رسمتها المتحركة على العشب الأخضر هي أجمل منظر .

و أنّا تلتفت في جبال عسير تجد قرية جديدة , أو مباني قد شيدت لتكون قرية تسكن رؤوس جبالها العالية . و على جانب آخر قرية قديمة قد هجرت فصارت بعداد النسيان ....

و بعضها قد جاور القرى القديمة , و تخلوا عن مبانيهم ذات الطراز الفريد , و سكنوا أماكن صممت لتحميهم من شديد برد المنطقة , و تكفيهم من شديد أمطارها الموسمية .


رغم ذلك ... وقف الطراز القديم شامخاً بوجه التغيير , وشاهداً بدورٍ ذو أثرا في قلوب أهل البلد . يسحر الجميع بتفاوت مناراته , و علوا حجراته , و تشابك جدرانه , و جمال سبك أحجاره , و وارف أشجاره . لقد وقف بنوافذه الأنيقة التي تطل على تلك المدينة الجديدة , ليذكرهم بمآثره , و ينبه ابناء تلك البلدة بمدى صبره في وجه الحياة العصرية الجديدة , و مدى تعلقة بماضيه الذي رسم فيه كلوحة فريدة في عالم يعشق التجديد و ينسى كل ماضي أصيل .

تشرف تلك البيوت على وادي يمر من تحتها , و يزرعون جانبيه أهل تلك البلدة , و تطل تلك المساكن على ساكنيها الأول عند عبورهم في ذلك الوادي , و تطمئن عليهم عند مرورهم على تلك المزارع , و تنظر إليهم عند تجولهم بين أشجار حقولهم , أو عندما يقضون وقتهم وهم يرعون أغنامهم .


عندما تقلب بصريك في تلك البقاع و في نواحي شتى من الجبال يتجسد جمال العمران في أكثر من مكان , و إن كان يعيبها أن الزمان قد اختار أهل تلك البيوت و فرق بينهم و بين مساكنهم , لكن تجد لحظات وفاء , فإن أشجار التين الشوكي لم يرضى بتلك الحال و أحزنه ألم الفراق , فأختار أن ينبت على رأس ذلك الدار فكان على رأسها كالتاج. يعيش في أعاليها , و تنبض جذوره بين رمال سطوحه , و حين يكتمل نمو ثمارها . فإن ورقة ثمره تتشكل كيدٍ بأصابع ملونة تلوح إلى المارة في أودية تلك البلدة الهادئة .

إن ألوانها المختلفة تظهر على صفيحة وريقاتها . بدءاً من بداية نموها حتى تحين ساعة قطفها , فهي تمثل عمر ثمرتها , و ثمرة فلذة كبد بلدتها أبنها الذي تركها وساكنها الذي هجرها . و حتى ألقاكم في تكملة هذا الجزء .
@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-24-2017, 06:18 PM   #4 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@

التين الشوكي ” البرشومي


عندما خرجنا من قرية البادي و مررنا بجمع آخر من القرى كانت البيوت التي شيدت من الأحجار هي النمط الملفت للانتباه , و هي الشيء الوحيد الذي يجعلك تشعر بأنك في منطقة مختلفة عن بقية مناطق السعودية , فهذا اللبس الفريد لقرى عسير يجعل المرء أمام لوحة تشكيلية رائعة . فمع التقدم التي تشهده المملكة لكن يبقى الطراز العمراني القديم محبب للنفس….


أما في مجال الطبيعة فإن انتشار أشجار التين ألشوكي ” البرشومي ” بشكل هائل و بألوانها الزاهية و أشكالها التي تجمع بين النعومة و الخشونة , نعومة أزهار البرشومي و خشونة أوراقها التي تحمل أشواكها , فإن مثل هذا المنظر يحرك بالمرء حب اكتشاف و معرفة أسرار هذه الشجر الغريب و التي أتت من مكان بعيد, و عندما ينتهي من تأملها و معرفة أسرارها فحق له أن يتمتع بطعمها .


و لكن حذتري لمن دفعه فضوله , و حاول أن يقطفها بيده و بدون قفازين , فعليه أن يتحمل شديد فضوله بشديد لسعها . فأشوكها التي تحيط حول الثمرة حادة و إلى الجسم نافذة بسهولة ….

و أما الأشواك التي تغطي سطح الثمرة فهي أشواك صغيرة و لكنها أشد ألماً و ذلك لأنها تتعمق في الجلد و تسبح في أطرافه بدون إذن .

و ليس الغريب أيضاً أن تجد هذه الأشجار في أطراف الحقول , و لكن الغريب أن تراها في أعالي السطوح , فتأخذك الدهشة كيف تصل تلك الأشجار أعالي المنازل ؟! , كيف تنبت على تلك الأحجار ؟! فإن عرفت الجواب و إلا سوف تتركك لتبحث في نفسك عن عظيم بأسها , و صبرها و تحملها .


و هل تنتهي غرابة هذه النبته , لا ….فلو بحثت عن موطنها الأصلي …لوجدت الجواب العجيب ….إن موطن البرشومي الأصلي هي دولة المكسيك .


و يستخدم المكسيكيون بكثرة في وجبة الإفطار . و يستخدمون معها كذلك أوراقه في الغذاء , بل توصلوا لبعض الدواء عن طريق خلطة من التين الشوكي ….إنها حكاية لا نهاية لها….


و أيضا هذه النبته ” البرشومي “ هو نبات عثري ينبت من قطرات الأمطار ..و يأخذ من قطرات المطر صفاءها و حلاوتها ….


و من يشاهد الصور أعلاه يجد أن البرشومي يزاحم الحجار و لعل المعلومة تصلك أيضاً أنه من فصيلة الصبار . و له أسماء عدة فيطلق عليه التين الشوكي …..


من حلو مذاقه فقد حاول أهل البلد زراعته , و نفذ صبرهم على هذه الفصيلة من أشجار الصبار , و التي لم ترضا بأن يملكوا أمرها , بل جعلت كل جميل من نبتها هو بيد خالقها , فلم تنجح محاولات زرعه بشكل يصل إلى بغية المزارع و المستهلك …فيالها من شجرة عجيبة….


و أفضل البرشومي هو ماكان في أعالي الجبال , فعلوه يعطيه مذاقاً حلواً رائعاً …و لعل هذا الأمر يجعل المرء يفكر هل لهذا تختار بعض السطوح لتعيش هناك ؟! أو أن رفعتها في نفسها يجعلها لا ترضا بالدون….


أيضاً لا يستحمل فراق أوراقه ….لذا لا يفضل تخزينه بعد قطفه أكثر من يومين , و لا يفضل تقشيره إلا قبل أكله مباشرة ….فهو يموت بسرع إن فارق أغصانه و أرضه ….فليس له صبر على بلاء الناس …و أيضاً و لا على فراق الناس…


فلعله يحن إلى أناس آخرين, من زمن قد مضى , أو لعله ينتظرهم لعلهم يرجعون إليه , أو ينظرون إليه و لو بعد حين , فهو منذ أمد لم يجاوز أبوابهم , و مع كل نسمة من النسمات يتوقع أنها خطوا أقدامهم , فيهب للقائهم , و تفاجئه تلك النسمات بأنها تبحث عن أهل تلك الدار و أهل ذلك الحي ….

البرشومي هو نبات طري لذا يرص بكراتين صلبة , و يغطى بأعشاب طرية و ذلك حتى لا يتعرض للفساد .

و من أراد أن يأكله فعليه أن يلبس القفاز , و ذلك بعد أن يضعه بالماء فترة بسيطة , و من ثم يزيل أشواكه الصغيرة بحكها بسكينة , بعد ذلك يزيل القشر الخارجي ….


يأكل معظم الناس البرشومي مع حبيباته الصغيرة و التي تكون موجودة بداخله , و حتى هذه الحبيبات يعتقد البعض أنها مفيدة للهظم …

هنا يعتلي البرشومي برج مبني من الحجر , و ينظر إلى الوادي من حوله و كأنه استلم وردية المراقبة لهذا الزمن الخالي من المارة….

و موسم حصاد البرشومي أربعة أشهر .

بالغالب يقدم الباعة الثمار للسياح بشكل جاهز , و ذلك بعد تقشيرها و تجهيزها بشكل كامل , و عندما يقدم بهذا الشكل فيحسن أن يبادر بالأكل .


نعود للمكسيك ” المعذرة قد يظن البعض أن ها التقرير عن المكسيك “…فقد جرت أبحاث متعددة في المكسيك لاختبار كفاءته في علاج السكر , و لكن لا أعلم هل وصلوا لنتيجة حاسمة أم لا .كل الذي أعلمه أنه لذيذ في الأكل …


أما إذا كنت تريد أن تعرف كيف وصل إلى أرضنا , فدعني أقول لك بعض القول , لقد وردت بعض الروايات أن أشجاره نقلت من المكسيك عبر البحارة الأسبان إلى أوربا و دول حوض البحر المتوسط …

و نقل أثناء المد العثماني إلى دول اليمن و الطائف و الجنوب , و نقل من يد الفكهاني لمائدة نسيم نجد بالقليل من الأثمانِ…

تشكل لوحة ورقة البرشومي , عبر إنبثاق أشواكها , و استدارة ثمارها من حولها , تشكل لوحة جميلة تجمع بين الحسن و البهاء , و الفاكهة الغنية ببعض الفيتامينات….

أما أماكنه في السعودية فهو يكثر في مدينة الطائف , و الباحة و جبال عسير بأكملها ..


و الآن ليس مستغرب أن تجد في قائمة الطعام للمطاعم المشهورة بعض العصائر التي تكون أحد مكوناتها فاكهة البرشومي , فمع التطور الحاصل في أساليب العرض للمأكولات , أصبح هناك عصير البرشومي , و حلا البرشومي , و جلي البرشومي , و التي تعد بطرق خاصة .

أيضاً لعل المكسيك تريد أن تطل بوجهها مرة أخرى عبر هذا التقرير , فالمكسيك تعد من أكثر دول العالم لإنتاجه , و تحاول أن تقوم بتصديره للعالم و لكن يقف عائقاً أمامها أنه لا يقبل الصبغة الحافظة .

فتغلبوا على هذه المشكلة ” المقصود بتغلبوا دولة المكسيك وهذه المرة الأخيرة التي يظهر هذا الأسم ” بأن تم تصنيعه من مربيات عدة , و وضعته في منتجات مختلفة .

في مصايف السعودية يعتبر موسم خير على الباعة الذين يصطفون في طرق السياح , بأيديهم حبيبات البرشومي يجلون عنها أشواكها و يقدونها لمشترين بطريقة جميلة و مريحة .

أما أنا و أطفالي لما كنا على مرتفعات المكسيك , آسف و عذراً على جبال عسير , لما وصلنا لبعض مناطق البرشومي , هرع الأطفال من سيارتنا المستأجرة و التي احتضنتنا عبر جبال تلك المنطقة , هرعوا إلى أشجاره و أعينهم تراقبها من بعيد , و أيديهم تتمنى أن تقطفه لولا أن كان لهم تجربة سابقة جعلتهم يتألمون أيام عدة من لسع أشواكه , فقرروا رفع علم السلام و الوئام مع هذا التين الذي بنظرهم مثل التنين ….

قد يكون ابني هو اشد العائلة تغزلاً بالبرشومي , فأنشد أنشودة الإتحاد الشهيرة , و التي انتشرت في الخليج أكثر من انتشار ثمار البرشومي نفسها . فأخذ يردد …

يأكلك حبة حبة

يأكلك صقر الإتي

يأكلك منته قده

يأكلك وخر عنوه

يأكلك اسري بدري

يأكلك أكل البرشومي

يأكلك هذا الإتي

يأكلك حبة حبة.
قلت لها ماهذا يافتى …

قال : هكذا علمني زمني …و لنا زمننا و لكم زمنكم
فهل إنتهت رحلة هذا اليوم ….لا… تبقى مكان آخر مشهور على طريق السودة .
@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-24-2017, 06:24 PM   #5 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@
منتزه السحاب و عالم من الضباب



الجولة الأخيرة هذا اليوم هي تبدأ من بطن الوادي القريب من قمة جبل سحاب . تؤشر اللوحة الموجودة على طريق أبها – السودة إلى طريق ضيق يؤدي إلى منتزه سحاب .

و حتى تصل إلى هذا المنتزه تمر بشوارع أكثر ضيقاً من أختها التي سبقتها , و مزارع منتشرة على مدرجات جبلية , وقرية صغيرة قد انتشر أهلها في طرقاتها إما بالذهاب إلى أعمالهم , أو بالوقوف على مزارعهم .

و على مقربة من تلك البيوت تجد الأطفال قد أخذوا نصيبهم من هذا الشهر السياحي . فلقد مررت بطفل صغير يجلس على حافة بيتهم . أمامه بعض البرشومي الذي نظف للتو وقد أتى به من المنزل . و بيده زهور الرياحين و التي تنشر عبقها على الزائرين . منظر الفاكهة و الزهور و الطفل منظر يسر...فإن كنت تريد أن تتذوق هذه الفاكهة الحلوة فمن يد ذلك الطفل أحلى . و إن كنت تريد أن تستمتع بعبق ذلك الزهر فشذا الطفولة البريئة أعلى . أعجبني من أمره أنه يلبس ملابس نظيفة و يقدم لك الفاكهة بشكل يدل على خبرة كبيرة .

و أعجبني أكثر أن الورود التي وضعها بيده قد تم اختيارها بعناية و تنظيمها بشكل يفوق محلات الورود المتخصصة . بشذى الورد , و بطعم البرشومي , و بابتسامة الطفل , و بقطرات المطر , و بصوت الماشية في المزارع استقبلتنا القرى الموجودة في طريق سحاب .


الطريق يتعرج و ينحني حتى يقترب من أشجار بعض المزارع و نلامسها بسيارتنا , و نقترب من بعض الصخور حتى نخشى منها على أنفسنا . يستقيم الطريق لحظة ثم يبدأ بالدوران حول الجبل بشكل حلزوني حتى نصعد إلى آخره . الطريق بتعرجاته يظهر لك أسفل الجبل بشكل جميل مع كل انعطاف .

و كلما أصعد إلى أعلى أسمع أنفاس أطفالي تزداد خوفاً , و أصواتهم تتأوه من شدة الصعود , ثم لم يصبروا على هذا الحال و بدأ و يطلبون العودة بالحال...و لكن هيهات هيهات لهم . ريحانة نجد عين على الطريق لمتابعته مع زوجها , و عين على أطفالها إشفاقا عليهم . حتى لفت منظرنا بعض الحيوانات من حولنا , و أصبحن يرثينا الحال بالكثير من الصريخ و الثغاء و النحيب .

لكن لا مجيب لتلك الأصوات ...إلا صوت واحد يردده النسيم أن الوصول للقم ليس من المستحيل , و أن الاستعانة بأصوات الطبيعة ممن حولنا لن تهز شعره من رأسنا , و لن تغير شيئاً عن رأينا ....

مع الاستمرار في هذا الطريق يقترب السائح من السحاب و تصغر القرى التي في قاع الجبل , فتغدو البيوت كألعاب صفت بعناية على سفوح الجبال و نظمت بصورة جميلة بين أشجار المزارع التي تحيط بها من كل جهة .

في الطريق إلى المنتزه سحاب تعتقد أنك الوحيد . و عندما تصعد تجد أن أغلب السياح قد استقروا في أماكنهم منذ وقت مبكر من النهار .

البعض منهم قد استعد بالخيام بلاستيكية تحسباً لقطرات قد تنثرها السحاب . فبدت تلك الخيام بشكل لوحة هندسية رائعة بألوانها الزاهية بين أشجار الطبيعة التي تغسلها الأمطار باليوم أكثر من مرة فغدت خضراء فاقعة ناصعة .

على جانب آخر تجد بعض السياح قد أوقفوا سياراتهم تحت الأشجار و استظلوا بظلالها و اختفوا عن أعين الناس خلفها . أطفال يركضون من بين الأغصان يظهرون ثم بعد برهة يغيبون عن الأبصار .

هناك و في أسفل الجبل عائلة قد فصلت بين رجالها و نسائها بفاصل يفصلهم عن بعضهم , و لم يظهر منهم إلا دخان الشواء يثور في السماء .

كل تلك الصورة تظهرها السحب تارة و تخفيها تارة . فالناس يعيشون في جو ضبابي بهيج . يجعل أدخنة السحب تلامس الأشجار , و تتخلل الجلسات , و ترسم على الوجوه البسمات. من ينظر من القمة يجد السحب تمر من تحته . أو تمر من بين يديه أو قادمة من بعيد إليه . في منتزه سحاب هناك الحقيقة تعانق الخيال . و يعتبر بصدق تغير كامل بالأجواء .

و من صعد القمة فعليه أن يبحث مكاناً آمناً من الأمطار فيتخذ جلسته , أو يستأجر من المنتزه جلسه مطلة , أو يطوف بسيارته تلك القمم ثم يعود و يبحث عن مكان آخر في القاع بين المزارع . أخذنا جولة مطولة و التقطنا صور عدة ,

ثم نزلنا من الجبل و كانت السحب تذروا القطرات على الطريق , فكأن السحاب أبت إلا أن تفرش الطريق برطب الندى لاستقبال السياح .

و كما استقبلتهم بتلك فإنها تودعهم عبر حبيبات تنثرها على الزجاج . تحركت ماسحات السيارة و كأنها تمسح دموع الوداع من على عيون محبيها .

بين قاع الوادي و قمة الجبل كل شيء تغيير , السحب التي كانت تتطاير في السماء وكنا نراها كفراش ابيض انتشر في السماء . أما الآن فهي فوقنا و بقطراتها تغازلنا .
شققنا الوادي بأشجاره , و بآثار الأمطار التي قد مرت من على ممراته متجهين إلى الطريق المؤدي إلى السودة . في طريقنا ذاك و جدنا طفل قد أستند على جدار قصير بجانب منزلهم , و بجانبه سلة مصنوعة من الخصاف , و بضع ترامس و أكواب ورقية , هذا الطفل يقف عند أغراضه أثناء مرور السياح و عندما يبتعدون يأخذ عربية صغيرة فيلعب فيها في ساحة مجاورة لبيتهم . وقفت على هذا الصبي و سألته :عفواً مالذي تبيع يافتى....

قال : أبيع خبز تنور و شاي بطعم النعناع . قلت له بكم الخبز يا شجاع قال : بخمسة ريال تباع ...قلت في نفسي لعله يقصد السلة الكاملة ...تأكدت من أمرة و أن مقصده الحبة الواحدة ...قلت لأطفالي هل تريدون خبزه واحدة بقيمة أشهر الأيسكريم السويسرية أو البلجيكية , قال أطفالي : و ما لذي تتميز به هذه الخبزه السعودية أليست مثل الخبزه الأجنبية....سرحت بعيداً أجمع بعض المعلومات عن خبز التنور . فقلت لهم لقد تم عملها بأيادي وطنية مية بالمية , و هذا من قبيل تشجيع الصناعات الوطنية , و في فرن أرضيته حجرية و جدرانه طينية, و لم يستعمل في صنعه الغاز أو الكيروسين, بل ناره من بعض أغصان الشجر المتساقطة أو بعض القش أو العش , و عجينته محلية و لم تلمسها العمالة الأجنبية إلا اللهم الخادمة الاندونيسية...رغم العرض الحسن الذي قدمته لهم , لكن قد أجمعوا أمرهم ثم قالوا : أنها خبزه , و من أشكالها قد ذقنا , فالحمد الله فنحن شبعى , أخذت خبزه واحدة و كاس من الشاي حتى أرضي ذلك الصبي , و عندما بدأ لهيبها يشعل بالسيارة الدفء و تنتشر دخانها على الزجاجة الأمامية راسماً لوحة ضبابية , قال لي أطفالي : هل تسمح لنا أن نجرب تلك الخبزه ....وافقت و أنا أنظر إليهم بنظرة و أرحب بهم في عالم الصناعات الوطنية , قلت لهم هل تريدون أن تستمتعوا بطعمها على الأصول التي أعلمها . قالوا : نعم وكيف ذلك ...قلت أجمعوا أمركم و ضعوا قطع الخبز التي تقاسمتموها من ذلك الرغيف في فوهة ذلك الكأس التعيس , فالخبز سيكون أكثر ليونة , و سوف يكتسب طعمه شيئاً من الحلاوة , و سوف يسهل أكله , و من ثم مضغه , و بعد ذلك هضمه , بعد التعليمات و بسرعة عجيبة , و بحركة واحدة فريدة فإذا جميع القطع في كوب الشاي تغرق , و بحركة أخرى فإذا القطع تسحب و تخرج , ثم تقطر قطرات و يختلط دخان الشاي بتلك الخبيزات ...

بعد تلك الوجبة الهنيئة انعطفت بالسيارة إلى منطقة السودة . حيث هناك تكون الوجبة الرئيسية , فلقد وضعت في ذهني أن أختم برنامج هذا اليوم على تلك القمم ,

فأريد أن أغيم بين الغيوم , و تحت شجرة أن أتناول وجبة هذا اليوم , و تحت أزيز صوت بريق الشاي الذي يغلي , و صراخ أطفالي الذي يخبوا و يعلوا , كانت البهجة من أثر الشبعة على الوجوه تظهر و لا تخبوا .

بعد أن أنهينا الغداء و ظهرت الشمس بين أطراف السحب التي تغطي السماء , أخذ أطفالي جولة بين أشجار السودة فيختفون بين الأشجار و يظهرون مرة أخرى من فوق بعض مرتفعات الجبال

, تداعبهم القطرات و تشاركهم اللعب النسمات , يركضون باتجاه زهرة جديدة , أو تجذبهم ألوان زهور فريدة ...



يقطفونها من الأرض ثم يجمعونها بشكل باقات متنوعة رائعة جميلة .

أقترب وقت المغيب و تلونت السماء بذلك اللون الجميل , و أرتعش أطفالي من هجمة البرد المفاجئة . فنادوا أن هيا بنا إلى جدار من البرد يحمينا , و عش من القطرات يدارينا . صلينا المغرب و أظلمت الدنيا من حولنا ...فنزلن من عالي الجبل إلى ذلك المنحدر حتى كانت أبها هي المستقر ...


و إلى لقاء قريب و يوم جديد من أيام أبها البهية


ملاحظات من أجل تقويم طريق السياحة السعودية :
1. القرى التي على أطراف أبها تحتاج إلى تنمية سياحية , فهي جميلة و تحتاج إلى توفير منتزهات تكون مساندة لمنتزه السودة .
2. منتزه سحاب جميل بمعنى الكلمة , و لكن يعيبه الطريق المؤدي إليه فهو طريق ضيق لا يناسب حجم الحركة التي تزدحم به .
3. السودة هي المرتفع الأجمل في عرف السياح و أهل البلد , لكن لم يخلوا من ممارسات تثير التعجب . فالأشجار قد هجم عليه بعض الذين لا يملكون أي حس بمن حولهم . و لقد رأيت أحد المتنزهين يجلس قبل المغرب حول نار تضطرم بشجر أخضر من تلك الغابة , فليتنا نعلم أننا في عملنا هذا قد حرمنا أنفسنا و أبنائنا تلك النعمة . وهي الظل الوارف و الزينة التي تزين تلك البقعة .
4. مداخل منتزه السودة و مخارجها بحاجة إلى توسعة أكبر من الموجود , فهي تزدحم قبيل المغرب بشكل لا يسمح للزائر أن يدخل أو يخرج منها بسهولة .
5. هناك فرصة لعمل حدائق مشابهة للزراعة على المدرجات المنتشرة على سفوح الجبال , فلو تم سقيا تلك المدرجات و زراعتها و عملها بشكل حدائق طبيعية للسياح لكانت أجمل مما نتصور .
6. الباعة الوافدين في طرقات السودة يجعل المرء يفكر أين السعودة , و أين الاستفادة من تلك المواسم الخيرة . نعم نحن نحب الخير للجميع , و لكن خيرات البلد يجب أن تستغل من أهل البلد , و الأقربون أولى بالمعروف .
7. التوعية المرورية أيضاً تشكوا من ضعف حالها في تلك البقعة , فهل يعقل أن يتحول الطريق ذو المسارين إلى طريق ذو أربع مسارات . ثلاث مسارات إلى نزول و مسار واحد بصعود و بدون أي نظام . ناهيك عن الخوف المستمر من هجمات السيارات القادمة من القرى الجانبية .
8. وجود نقاط التفتيش التي تتركز في طريق السودة و بدون أي حملة تفتيشية يزحم طريق السودة و بدون أي فائدة . فليت النقاط إما أن تفعل و يكون فيها عمل أو أن يتم فتح الطريق أمام المارة ليعبروا بسهولة .
9. المياه و دورات المياه بحاجة إلى زيادة و إعادة نظر في نظافتها و إعادة تأهيلها .
10. أول الموسم السياحي حماس منقطع النظير . ثم آخره فتور يضع كل المجهود الذي سبق . نحن نريد أن نحافظ على سمعة البلد في أول الموسم و آخرة .
11. أعتقد أن أبها بحاجة إلى دعم كامل أيام الصيف و ذلك بتوفير عمال بلدية مساندة للعمالة الأصلية , فالموسم من المستحيل أن يكفيه نفس الطاقم في أيام السنة العادية .
12. مزج الصبغة الأساسية للبلد , مع طابع التجديد يعطي شيئاً من جمع الأذواق و المحافظة على السمة الأساسية .
13. نحتاج إلى لجان سياحية تخطط طول العام و تسافر لبقاع عدة من العالم للنظر كيف يستثمرون السياحة , و كيف يخططون لمثل هذه المواسم . و هذا الطريق من طرق التطور .
@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-24-2017, 06:33 PM   #6 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@
مساء الخير عدت إليكم بوجه صبوح


عفواً قد يكون بدء الموضوع بمثل هذه الصورة في أول صفحة من صفحات الرحلة يعكر على البعض صبحه أو مساءه , أو حتى ظهره أو ضحاه أو عشاءه . و لكن هي الرحلة التي قمت بها تستلزم أن أبدأ بهذه الصورة . ناهيك عن ماتحمله هذه الصورة من نظرات الأمل من عينيه , و الشغف بطلب الرزق و العمل و التي تبدو على أطراف شنبيه . و إن لم تعجبك أيها الزائر لموقعي هذه الصورة من الممكن أن تستدعي أطفالك لتأملها فحتماً سيفرحون بها . و إن استوحشوا منها أو هربوا من الخوف من تقاسيم صاحبها . لا تكن متشائماً أبداً فاستدعي الولية " المدام " فقد يعجبها المنظر و تضحك و تسر , و قد تنسى مشاكل و يزول من القلب حزنٌ و هم . و إن لم تصل إلى ذلك و استبدلتك الزوجة بلكمة خطافية , أو بكلمة جارحة تغني عن مئة جملة , أو بتكشيرة تسد النفس لمدة سنة شمسية . فهناك أرجو أن تراسلني على بريدي الخاص لأغير هذه الصورة .بشرط أن يكون مع الرسالة أمر من الزوجة أو الأطفال بذلك .
و أكرر أعتذاري مرة أخرى عن الصورة , و أعلم أن العذر وحده لا يكفي . إذا لم نزد معه بصورة تذهب وحشة الصورة السابقة , لذا فقد وضعت صورة أخرى تنزل بالنفس الطمأنينة , و تجلب للوجه الأبتسامة .

و الصورة وحدها لا تكفي إذ لم تشرح الصورة بصورة كافية . فأدعوكم لتتأملوها معي . فالمتأمل للصورة السابقة يجد فيها مستويين من الوضوح , فالمستوى القريب ...فيه الألوان باهتة و الصورة غير واضحة . و المستوى البعيد... فيها الألوان رائعة و التفاصيل نقية صافية . و عندما أرى مثل هذه الصورة يتبادر إلى ذهني سؤال . لماذا دائماً نطمع ببعيد مجهول و تعجبنا أسراره الخفية , و نزهد بقريب معلوم و إن فاحت من حولنا رائحته الزكية . لماذا نبعد النظر عمن حولنا , و يقتصر النظر على البعيد الذي لا يناسبنا أو ليس لنا. لماذا ننظر إلى مايملك غيرنا و ننسى أو نتجاهل مابين أيدينا . أقترب بنظرك في كافة شئون حياتك فسوف تجد فيها أشياء جميلة , و أن ذلك الجمال الخفي على عيوننا قد يملك طاقات مكبوتة و بحاجة إلى أن نفجرها لتفيض حياتنا بالسرور و السعادة . لا تعتقد يامن تمر على هذه الصفحة أنني أتحدث عن مجهول بعيد , لا فلا تبعد بنظرك و أنظر إلى أقرب الناس إليك , وأنظر إليه بتفاؤل فستجد بين يديك زهرة رائعة جميلة و إن أعتادة عليها عيونك و أصبحت مع الوقت بألوان عادية باهتة . لا أعلم يبدو أنني خرجت كثيراً عن الموضوع , و لكن قد تكون عيون القرد العسلية و الزهور الندية سبباً بهذا البعد الرومانسي . " ابعد هذا تريدون صورة أخرى بأبعاد رومانسية أو عيون عسلية
أعود لرحلتي و التي تأخرت بسرد بقيتها عليكم . و أفتتحتها أيضاً بصورة قد لا تروق لكم . فإذاً دعوني أبدأ . فأقول : كان القرار أن نبقى هذا اليوم في وسط أبها , هو قرار أتخذته بنفسي و ليس قرار أحد ثاني من نون النسوة ممن ذهبن معي في رحلتي , قررت أن نتنقل بين أطرافها لنسبر أغوارها . نكتشف سدها الذي أمتلئ بمياه الأمطار , و جبالها التي ازدانت بالأشجار, و ننظر إلى أوديتها و شعابها التي كانت منذ لحظات تحتضن القطرات , و نتجول في الأحياء الراقية مثل أبها الجديدة و المشاريع المصاحبة .نرقى إلى الجبال المحيطة من جهة السودة , و التي أتخذها الأخوة الكويتيون مكاناً دائماً لزيارتهم و محل إقامتهم في إجازاتهم , فشيدوا فيها المنازل الأنيقة و القصور الفارهة . و في اتجاه آخر لنا جولة عبر الأجواء . حيث تأخذنا عربات التلفريك المتعددة على سفوح الجبال المحيطة . لكن السؤال الذي يفرض نفسه . من أين نبدأ رحلة اليوم ؟ لعلي لا أجعلكم تحتارون كثيراً في الوجهة . فلعلي اخترت وجهة مناسبة أبدأ منها . تناسبني , و تناسب أطفالي الصغار , و أرجو أن تناسبكم . فقد كانت البداية من أحد فنادق مدينة أبها , أعتقد أن مسماه " شفا أبها " و لست متأكداً من المسمى فلدي حساسية من أسماء المحلات السياحية , فأنا أذهب برحلة طويلة و أعود بنصف معلومة , و لكن الذي يهمن عندما أجلس على جهاز الكمبيوتر أن أقفز من حرف إلى حرف لأعبر عن جمال ملأت به القلب , و للأسف فإن هذا الجمال قد غطى على كل المسميات و الأرقام و أنسانيها . أعود إلى رحلتي حيث قررنا أن نتناول قهوة الصباح هناك . و لا يشعركم هذا الأسلوب أن قهوة الصباح و الفندق بدرجة عالية من الرقي بل يستحق نجمة إلا ربع , لكن المطل هناك جميل , و المنظر رائع .


حيث يطل على العقبة الشاهقة و التي تؤدي إلى منطقة الساحل , و بالتحديد يؤدي الطريق إلى جازان , فترى الطريق المتعرج يصغر حتى يظهر للرائي كخط قلم رصاص يتمايل على ورقة .

في هذه العقبة ترى السيارات في أرض تهامة كلعب صغيرة تدبي على سلسلة عظيمة من جبال عسير الشاهقة . فهي تتشبث بعناء لتصل إلى معالي الجبال الخضراء .

أيضاً بالمقابل هناك السيارات الهابطة من القمة إلى القاع حيث تسير مسرعة , و يواجه قائدها العناء الأكبر ليمسك بعنانها , و لتسير خلال الخط المرسوم على أطراف الجبل الذي تعانق رؤوسه الغيوم و الغمام .

تختفي السيارات خلف الجبال تارة ثم تظهر تارة أخرى , و تخفيها السحب مرة , و تبتلعها أحضان الجبال مرة أخرى . حركة مصغرة تجعل المرء يسرح بعيداً مع كل مركبة تظهر على تلك الجبال إما في الروحة أو في الغدوة . أيضاً تظهر الحقول التي تقبع في قيعان الأودية و على مدرجات الجبال كمربعات صغيرة من الحقول الخضراء الجميلة .

على جانب آخر مهم جداً بالنسبة لأطفالي - و لي أيضاً و إن أبديت غير ذلك - هناك القرود التي اجتمعت على نوافذ مقهى الفندق , فهي تصعد و تتسلق الجبل لعلها تحظى بقطعة موز , أو كسرة خبز , أو بقية من مشروب .القردة تحب اللهو و العبث , و الأطفال أكثر منها حرفة في هذا المجال , يرمون القطع المتبقية من الأطعمة , و عندما تقترب القردة من الأطعمة يرمون عليهن قطعة أخرى فيهربن . و هكذا دواليك كر و فر بين القردة و الأطفال . هل تنتهي فصول العبث و الشقاء بينهم.... بالطبع ...لأ . تذهب القردة لتبحث عن طريقة جديدة للحصول على غنيمة جديدة . الأطفال يحبون هذا الحيوان المرح , و يحسون بروح المرح تدخل إلى قلوبهم .



بعض القردة قد ألهته همومه عن كل زائر أتى ليستمتع هو و أطفاله . فتجد القرد شارد الذهن , يتأمل بقاع بعيدة للعالم من حوله .

في جانب آخر يسعى الأطفال بتقديم الأغذية لهذه القردة , و نحن من خلفهم نوجههم . ظاهرنا ...دعوتهم للحفاظ على البيئة , و بداخلنا ..خوفنا أن تلتهم تلك القردة بعض ما جلبنه للرحلة .

أما القردة فهي تحك رأسها... معلنة تجاهل التعليمات و استمرارها بتتبع الأطعمة و المشروبات

و مرة تظهر لنا بمظهر الحيوانات الحزينة , أو البريئة و التي تستحق الرأفة , و من ينظر لعيونها يعلم ماتخفيها من دهاء يتعوذ منه أكثر الثعالب دهاءاً و مكراً ..

و عندما ترفع رأسك , فسوف تجد مجموعة أخرى من فوقك , تبتسم لك ...و هي تنتظر أي فرصة لتخطف الطعام من بين يديك ...

من هناك ...و من بين أغصان الأشجار تطالعنا مجموعة أخرى من القردة , و هي تقبل ثم تدبر . ثم تلبث في مكانها و تنتظر ....تنتظر أن يقدم أصحابها ببعض طعامها...و لكن لسان حال الأخريات ...هيهات هيهات و نفسي نفسي ...

فيصيبها الحزن و الهم . ثم تأخذ تفكر و تتأمل كيف تحصل على مرادها ...

فلم يكن من الكبير منهن إلا أن ترك الصغار و ذهب ليأتي بنفسه بالطعام ....

في جانب آخرتوجد مجموعة أخرى...زوج و زوجه بين يديهم طفل يعبث بينهم , يقفز من على الأم و يذهب إلى الأب , و يبتعد ثم مايلبث أن يعود...في شقاء دائم ...

هناك الكل ينظر لما تجود به يداك ,هناك الصغار و الكبار , النساء و الأطفال يتحدون عليك , حتى يحصلوا على مبتغاهم , ثم يختصمون فيما بينهم من أجل لقمة العيش التي تقيم صلبهم . فهم يعملون بمبدأ أنا و أبن عمي على الغريب و أنا و أخي على الغريب ...و من بعد ذلك يعلمون أن البقاء للأقوى فيكون الصراع الداخلي فيما بينهم ...نحن بسرور في صراعنا معهم ...أو عندما ننظر في صراعاتهم مع بعضهم ...لأننا بالأصل أتينا من أجلهم , و المتعة بمتابعتهم و النظر لشقاوتهم .

أم تحتضن طفلها ...و أخرى تمسكه مع ذيله , و كل ذلك نابع من عطف الأمومة و حرصها عليه , و هل تعتقدون أنها خائفة من أطفالنا عليه , فنحن كذلك نتابعهم في كل لحظة و إنما نخشى على أطفالنا منهم . فسبحان الله الذي وزعه الرحمة على خلقه ....فسبحان الله العظيم الرحيم .

أما هذه فهي الأنثى المسكينة فتدور من حول بعلها , و تتقرب إليه بفحص شعره , أما هو فهو في سبات عميق لا يعلم مالذي تقوم به الزوج العطوف , و لا بالذي تتكبد من أجله أثناء نومه .... يعي هذا القرد الخامل ماتقوم به هذه المسكينة ....أم أنه سوف يستيقظ ثم يقول مافعلت خيراً قط ؟! و لا يفهم من كلامي معناً آخر...فحديثنا عن القردة و القرود!!

بعد برهة تجرأت القردة , فمن كان بعيد أصبح عندنا قريب , و كأنه يقول : مرحباً بالضيوف , و حللتم أهلاً و وطئتم سهلاً , وأكثر الله خيركم , و زاد الله من بقايا طعامكم ...

في استراحة محارب , يتم تبادل المعارف و الخبرات بين الفتيان و الفتيات , فمن كان من المهارات في تخليص الحشرات من بين الشعيرات فعليه أن يهب بمساعدة البقية من القرود و ذلك في سبيل فزعة أخوية . فكانت هذه النخوة من قردة على صخرة لأختها القردة .

بعد فترة تحس القردة بأنها بحاجة إلى فترة راحة . تستلقي على أحد الصخور و تأخذ بالعبث بشعور أطفالها .

و أخر منهن يضعن أطفالهن على ظهورهن و يبدأنا بالتنقل من جيل إلى جبل .

أيضاً غير بعيد من على صخور ذلك المطل يغرد طير , و يصدح طير , يطير طير و يهبط طير, في مشهد رائع يسر...





عندما انتهت فترة الاسترخاء بضيافة القردة الأشقياء . كان لنا أن نذهب إلى منطقة أخرى , و ذلك لنتناول وجبة الغداء , اخترت مطعم مطل على السد , كل شيء في ذلك الموقع جميل المنظر . يبدأ من جمال الجبال المحيطة وينتهي البصرببحيرة السد العظيمة .

أيضاً هناك الملاهي الترفيهية قد أخذت مكانها على طرف البحيرة . شكل لون البحيرة , و أركام السحب المتلونة في السماء , و منظر أبها الجديدة منظراً فريداً يظهر بأجمل صورة يتراقص هذا المنظر تحت صوت القطرات .





كانت زخات المطر هي الزائر لنا في ذلك المساء , فصوتها يقرع رأس سقف الغرف المطلة على تلك البحيرة .




من جهة أخرى تطل علينا أبها الجديدة و تتلون بألوان فريدة , عندما تشع الشمس تنعكس جمال مبانيها على صفيحته , و عندما تمطرنا السماء تهتز صفيحة الماء بكل محتواها من رسم أشجارها و زينة معمارها ..



أيضاً زارنا في مطلنا الحلزون , فيبدو أن صحى للتو من رقدته , و أبى إلا أن يشارك الجميع فرحته , فقد قرأت ذات مرة من طريف أخباره أن ينام لمدة ثلاث سنوات متواصلة , فلما رأيته بشكله و شحمه قد وصل . أكبرت لطفه و كرمه و إحتفائه بضيوفه ...فصباح الخير ياحلزون...إن كنت بالفعل أنت الحلزون الذي يذكرون ....و إن كنت غيره فمرحباً أيضاً أنا تكون...




في الأرض المجاورة للكبينة المطلة , نبتت أزهار مختلفة , نبتت بدون أن تشارك بها يد صاحب المطعم , و الذي أعتقد أنه لو علم بها لأقتصها من جذورها , فمتأكد أنه يحزنه أن يجد المرء شيئاً جميلاً بمطعمه ...أو لو تعلم هذه الزهور ماتحتويه تلك الكبائن من إتساخ دائم لما لبثت في مكانها ساعة ....

أيضاً لم تنسانا الفراشة من الزيارة , فقد حطت برقة على طرف النافذة فكانت لها هذه اللقطة , لا أعلم هل هربت من القطرات التي أشتدت و زادت . أما أنها أتت لتلقي تحية المساء على نسيم نجد و صغاره ....

كل شيء في ذلك المكان يسُر ...إلا أن المطعم المطل لا يسر صديق أو عدو . فأرضيته قد فرشت بفرش بالية قديمة . و لم يتوقف الأمر على ذلك بل فيها قطع ممزقة و كأنها تشكي الأيام و الليالي من عدم الاهتمام . أما الذباب – أكرمكم الله - فله في أجواء ذلك المطعم صولات و جولات , فهو يحلق من كبينة إلى كبينة بخفة و مرونة . فهو قد سمع بالمبيدات التي تقضي على جميع الحشرات , و لكن لم تمر على أنفه و لم يسبق أن خنقت نفسه , أما السفرجية فهم بأشكال مختلفة , و ملابس متفرقة, و يجمعهم شيئاً واحد ...أن ثيابهم متسخة . فأحدهم قد رسمت المرقة على ملابسه خرائط دول العالم مجتمعة . و احدهم يزعق من بعيد بصوت في الجبال يتردد بأن يعجل زميلة بتحضير سفرة فريدة لضحية جديدة . لم استطع أن أجلس على فرشة تلك الكبية فأنزلت فرشتي الثمينة . و بدأت أتأمل المنظر على صوت قرقرة الكبينات المجاورة . فكل كبينة تفوح برائحة المعسل و تكتم الأنفاس بالجمر المتوقد , و تفور النفس من صوت النادل , و رائحة التعميرة , و تحليق الذباب الطائر . و لا أعلم أين البلدية من هذا المكان . أم أنهم في سبات عميق لم يكتب لها منه أن تفيق . فموقع رائع , و مطل استراتيجي , و محل فسحة و استراحة ..تكون بهذا المستوى المتدني من النظافة . أعتقد أن في الأمر سر , و السر في بطن الشاعر . و الشاعر لم تعد تهمه المشاعر..." صورة مع التحية لصاحب المطعم المطل....
@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-24-2017, 06:37 PM   #7 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@


التلفريك




بعد أن خفت الزخات , و ظهرت الشمس على رؤوس جبال عسير , و أدينا صلاة العصر في ذلك المطل . كان لنا موعد مع مكان آخر من أماكن أبها الترفيهية , حيث الموعد مع التلفريك الذي ينقلك من أحد الجبال المحيطة بأبها إلى الجبل الأخضر في وسطها .

أوقفت سيارتي و نزلت ثم تبعتني أسرتي عبر طريق متعرج , المقصد منها أن تصل إلى التلفريك و كأنك مغامر متسلق . تحمست للتجربة بأن أمر أنا و أطفالي من بين الصخور...


من بين تلك الممرات نطل على مناطق مختلفة من جوانب أبها البهية , و نعرج على تضاريس جديدة ...شجيرات و أشجار , نسمات و رياح , صخور و جبال ...يال الجمال..



و يكتمل جمال تلك الصور الرائعة عندما أعبر من تحت الأشجار , و يطاردني أطفالي الصغارفأسمع أنفاسهم الثائرة , و تلفحنا النسمات الرطبة الباقية من القطرات الممطرة , كان ذلك جداً جميل , و أجمل منه عندما يمر من فوقك تلفريك فيه عائلة كاملة يلوحون بأيديهم و على وجوههم تبدو فرحة عارمة ....فنصبح بشوق عظيم لمثل تلك اللحظة ....التي تقلنا فيها تلك العربات في أجواء أبها الممطرة ..


فلما وصلنا للمرحلة الأخيرة . و قرب الوصول للوصول إلى منصة الانطلاق بالعربات المعلقة , وقفت أمامنا عقبة كأود من الصخور المرتفعة , و لكن قد تم عمل درج ليسهل الصعود عليها , و من ثم الوصول إلى الهدف عبرها . و لكن الذي لم يكن بالحسبان أن كانت هذه الدرجات قد كسرت , فتناثرت أشلاؤها , و تفتت أجزاؤها , و تطايرت حبيباتها . فغدت أثراً بعد عين , و حلماً بعد واقع . نظرت إليها و كيف أتصرف معها و معي أطفالي و عائلتي , و كيف يستطيع أطفالي أن يصعدوا إلى أعلاها , أو كيف تستطيع زوجتي التي تلبس عباءتها أن تتعدى هذه العضلة . ناهيك عن كبار في السن ينتظرون أن نتجاوزها ليعزموا أن يبادروا بعدنا . أطلت الوقوف حتى أجد حلاً مناسباً لهذه المفاجأة و التي أعتقد أنها من مفاجأة أبها لذلك الصيف . درت ببصري على من حولي و لم استغرب عندما وجدت مجموعة من الأحذية – أكرمكم الله – ممزقة و متناثرة بالقرب من تلك المنطقة . فهذا بعض أثر التسلق الخطر لتلك الصخور . أمسكت بأيدي أطفالي وصعدت بهم . ثم رجعت و أمسكت بيد زوجتي لتصعد , و نظرت من حولي فإذا نظرات الاستغراب تحيط بي . و علامات التساؤل الاجتماعية تدور من حولي . و كأن لسان حالهم يقول : لا حول و لا قوة بالله وصل الانقياد للمرأة , و التحرر من العادات ,و التقليد للمسلسلات أن يمسك هذا الرجل بيد زوجته أمام هذا الجمع . و أن يأخذ بيدها ..بدون أن يضع بينه و بين الناس ستراً يستره . ثم تحس بهمس في نفوسهم و كأنهم يقولون : " مسكين واطية على راسه " أو كأنهم ينظرون لحالي و يقولون : أكيد مدرسة و هي التي قد تكفلت بكامل الرحلة , لذا فهو ينقاد و بسهولة لأوامر المعلمة . لم أسمع بهمساتهم و لكن أعرف نظرات مجتمعي . استطعت أن أصعد ذلك الجبل , و لكن الذي يخاف على أولادة يجب أن يكون على حذر . ففوانيس الإضاءة على ممحطمة و على الأرض مرمية . و أسلاكها منكشفة عارية . فتنهدت كثيراً على أن وجدت قيمة الإنسان يعبث بها مراقب مهمل لم يراعى الله في متابعة عمله . أو مراقبة من تحت يده . و سألت الله أن يلطف بكل من يمر بجانب تلك الفوانيس المتساقطة في كل جانب و زاوية . لم أشأ أن أصور تلك المناظر , و تلك المهازل , فلو صورتها فلن تخرج من ذهن القارئ بسهولة , بل ستبقى سنين عدة قبل أن يتجرأ أن يعيد الكرة مرة أخرى في السياحة الداخلية . و كنت أتمنى أن أسأل أهل السياحة عن أسباب تلك المهزلة , و لكن خشيت أن تحول المعاملة على وزارة التجارة و يقال : هي التي تستورد البضائع الفاسدة , و من ضمنها الجزم المقلدة , و هذا يجعلها قابلة لأن تتمزق في أي قفزة غير محسوبة لأي درجة مكسورة . و أعلم لو زرت التجارة لقالوا :أن شكواك باطلة فيجب أن تقدم الشكوى لرئاسة رعاية الشباب . فهم الذين لم يهتموا برعاية و تدريب الشباب على أحسن حال حتى يستطيعوا أن يتسلقوا الجبال ...فعجباً على هذا الزمان الذي يعتبر تحويل الأخطاء على الآخرين من عمل الأبطال . لذا رأيت أن أصل إلى العربة المعلقة بأي طريق , و بدون أن يكون هناك شكوى أو بث حزن على ألم . بلطف من الله و توفيق منه و صلنا إلى العربات المعلقة , و بحسن حظ رغم سوء الطريق و صلنا إلى المنصة . ركبنا أول عربة , فتعلقت بنا العربة من جبل إلى جبل .

فبدت أبها صغيرة متنوعة . فيمر بوسطها أودية متعرجة جميلة . و تحيط بتلك الأودية الحقول الخضراء البسيطة . أحواض الزرع , و مدرجات المزارع , و تنوع ألوان البيوت , و امتداد الطرقات , و وجود الجسور , و حركة السيارات , و روحة الناس و غدوتهم . تجعل المنظر و كأنها صورة خيالية .



فبدت أبها رغم مبانيها كحديقة منظمة بوسط مزارعها الممتدة , و تتغذى تلك المزارع من الأودية التي تسقيها الجبال المحيطة العالية , فمن يشهد منظر أهل تلك الحقول و هم يتجولون بين حقولهم , فيقطفون ثمار زرعهم , و ينعمون بوقتهم ...يغبطهم على معيشتهم . و يلهج بالدعاء بأن يزيد الله لهم ..


العربة تسير عبر ذلك السلك المعلق , و النفس تتأمل , و صراخ الأطفال يزيد كلما مررنا من فوق البرج الذي يمسك بالأسلاك , فالعربات تسرع من بعده . و دغدغة في الأحشاء الداخلية تجعل المرء يصرخ بدون قصده . أو تقطع تفكير متأمل عن منظر يتأمله . بعد رحلة ألم و تأمل وصلنا الجبل الأخضر , و منه تستطيع أن تشاهد أبها من كل جانب . فمن فوقه تستطيع أن تمتلك صورة بانورامية جميلة عن تلك المدينة . لم ندوم طويلاً في الجبل الأخضر . رقم وجود جلسات و مطاعم و مقاهي و محلات و وجبات . فقد أراد الصغار أن يتعلقوا مرة أخرى بين السماء و الأرض , أما أم الأولاد فيهولها مثل هذا الأمر . فتصير الأم الكبيرة خائفة مرتعدة . و مع أقل حركة و كأنها طفلة صغيره . فيأنس صغارها بأن وجدوا أمهم بهذه الحالة . فهم يتساءلون أين من يعتبر من الكبار أليس يقال أنهم لا يخيفهم شيء . و أنهم لا يبالون بشيء . أين أمهم التي دائماً ما يصرخون باسمها عندما تواجههم أي مشكلة بحياتهم . يكررون السؤال لماذا أنت خائفة ؟! و هم يتضاحكون . فتجيب بجواب معروف منذ الأزل و هو هروب لمن به الخوف نزل . فتقول : إن هذه العربة ليست كغيرها من العربات التي ركبتها . فهي تنذر بخطر , و نخاف أن يصيبنا بها بعض الزلل . فيتساءل الأطفال بخبث : هل ركبت من قبل عربات معلقة ؟! . فتأتي منها حوقلة لتقطع السؤال و تُنهي عن أطفالها الاستهبال . و صلنا إلى المنصة النهائية للعربات تنهدت الزوجة و بصوت مسموع . تنهدت أنا و لكن بصوت داخلي استطعت أن أكتمه كل فترة التعلق . صاح الأطفال نريد أن نعيد الكرة مرة أخرى...قلت : يله بلا لعب عيال ...أمامنا برنامج سياحي طويل ...أما القصد الحقيقي فهو عد الرغبة بتكرار التجربة المعلقة .


طفلتي الصغيرة رغم أعجابها بهذه المركبة و لكن شد انتباهها شيء أعظم , فالحديقة التي تزدان بالأطفال و تتجمل بالألعاب هي كل أمنيتها و بغيتها , فهي تردد و بلغة الصغار " بابا مرديحا " نعم إنها مرجيحا و لكن هذه سوف نجدها في بلدتنا . أما هنا فدعينا نستمتع بالعربات المعلقة...ثم تصمت برهة و تقول : بابا مرديحا ...و من ملاحظة للصغار فإن الألعاب البدائية الصغيرة تشدهم أكثر من الألعاب الألكترونية ...أبتعدنا عن أرض الراجيح و صمتت الصغيرة حتى حين ....


بعد أن انتهينا من العربات.. انتقلنا لنأخذ جولة في جبل مطل على أبها و هو حي الموظفين , حين أشتراه مجموعة من الأخوة الكويتيين . فصارت الحارات هناك و كأنك بحي من أحياء الكويت . فلا ترى إلا الدشداشات , أو اللوحات الكويتية على السيارات , و هنا صراخ يهال , و نداء رجال , و ديوانيات نشرت في كل مكان . المكان استطاع الأحبة من أهل الكويت أن يحولوه إلى طابع خاص من سمات الأحياء الكويتية . بل إنني صليت معهم أحد الصلوات فلم أرى إلا الأحباب من تلك الديار ...فحياك الله أحبتنا في بيتكم الأول و الثاني , فحيكم الله و المنزل قلوبنا , و المحل عيوننا , و المكان صدورنا....

من على جبل عالي لمح أبني مجموعة من الشباب يتمرنون فقال : هل من الممكن أن ننتظر حتى ينتهون , قلت : ذلك من المستحيل فأنظر لمايحتويه ملعبهم من الكثير من الكور . فلو إنتظرنا كورة فلن ننتظر الأخرى , استمتعنا بالمنظر من أعلى ثم ذهبنا إلى نقطة من نقاط رحلتنا ...

بعد الجولة في ذلك الجبل , قررنا أن يكون لنا مطل آخر على أحد القرى القريبة من أبها .

حيث عزمت أن أجعل قهوة العصر هناك , و أن أرقب مغيب الشمس من فوق تلك الجبال , حيث تسكن قرية بين جبال عدة , و تقسمها أودية متفرعة تجتمع لتكون واد عظيم يقسم تلك البلدة .

عزمت أن أطل على أهل تلك البلدة ببناياته الأثرية و بمزارعها المنتشرة . أن أطل عليهم و ألقي عليهم تحية المساء .و أن أحيي بهم حب البقاء في بلدتهم و لم تؤثر عليهم الحضارة المدنية...



مع المغيب الشمس تلبس ثوباً جديد , و الكون يستعد للقاء نور القمر و وداع صفاء النهار . السماء تأخذ لون قرص الشمس , و الأرض تختفي بعض معالمها من وجهها , أنوار القرية تبدأ بالاشتعال واحدة بعد واحدة . فأنوار بيضاء و أخرى صفراء .

على سفوح جبال البلدة و عن أقتراب الليل تتشكل الطرق المتعرجة بشكل يتضح حده عبر فوانيس على أطرافها مصطفة , فتراها تمتد من أسفل الوادي حتى تعتلي الأعلى .

بإختفاء الشمس خلف الجبل , و قدوم الليل بثوبه الوجل , اختفت الأغنام العائدة للتو من المراعي , و لم يبقى سو صوتها الذي يتبارى مع صوت كلب ينبح من بين الجبال .

هنا و من هذا المنظر الرئع أسمع عند موضع قدمي . صوت القهوة و هي لا يقر لها قرار , و رائحتها و هي تعطر المكان , و نور النار الذي يضيء و يخفت و لا ينتهي إلى حال . و طفلي الذي رقد على رجلي , و بنتي التي تغطت بلحاف خوفاً من هجمة البرد الضاري , و ليس هناك سوى همس خافت من الجميع يوازي ذلك همس الليل الخافت الذي نزل ....

و بعدما حل الظلام على تلك القرية و لبست لباس السواد , و هربت عن الأنظار . آثرنا أن ننسحب بهدوء عنها حتى لا نوقظها عبر همساتنا , أو وقع نعالنا , أو ثورة أنفاس أطفالنا , أو غليان دلتنا…. فنزلنا بخفة و إتجهنا إلى شقتنا لنأخذ قسطاً من الراحة .

و في مساء ذلك اليوم خرجنا إلى مدينة خميس مشيط , و هي مدينة تجارية شهيرة في المنطقة , فكانت فرصة أن نتجول في رحابها ...

و كان مما صادفنا في زيارتنا لخميس مشيط . زواج في بعض أحياء البلد , و كانت طريقتهم في الحفل رائعة حيث يصطف الجميع و يأتون متماسكي الأيدي و هم يتغنون بالأهازيج الخاصة , فكان دخولهم من باب واسع , فيستقبهم أهل الزوج و ينشدون عليهم أهازيج مرحبة , فأعجبنا ذلك المنظر , فوقفنا حتى ينتهي العرض الرائع , فقالت ريحانة نجد " زوجتي " : ليتنا نتعرف على بعض عاداتهم و تقاليدهم في الزواج ...فقلت لها كمن وجد فرصة لينغص على زوجته رحلتها , فقلت بصوت خافت . أعطيني الضوء الأخضر و فيحصل لنا أن نتعرف على عاداتهم كلها , حل بالكون سكون ثم أحسست بوخزة معضدي كوخزة ابرة أو اشد قسوة , أو كلسعة عقرب أو أقسى لدغة , أو كصعكة كهرب أو أشد وطأة , فعلمت أن الريحانه قد تعاملت مع الموقف عبر أناملها الحادة ...تنحنحت ثم بلعت الصرخة حتى لا أبدوا أمام أطفالي بحالة حرجة ...
و عند هذه النقطة انتهى الخبر ....و ألقاكم في الحلقة الأخيرة بإذن الله تعالى .
في ختام هذه الحلقة أتشبث بخيط رفيع بأن تكون قد نالت أعجابكم هذه الصفحة ...
@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-24-2017, 06:43 PM   #8 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@
الحلقة الأخيرة

اليوم الأخير كان عبارة عن رحلة مطولة لأماكن شهيرة لأبها البهية , فإن كنتم باشتياق لتتعرفوا أين كانت الجولة فاستعدوا لنعبر كيلوات عدة , و نعيش مناطق متفاوتة , و نتعرف على مناشط متباينة .

نهاية الرحلة كانت مشابهة للبداية ,حيث بدأت رحلتي هذا اليوم من على السفرة . حيث تفوح رائحة الفول و تنتشر في الشقة , و تعقبها رائحة الخبز الفواحة فتزكم الأنوف فيجبر الجميع أن تمتد أياديهم إلى الأطباق .

فكما بدأنا الرحلة في أول حلقة من مائدة الإفطار فنحن اليوم نختمها من مائدة الإفطار . فحيا هلاً بكم في رحلتنا في ربوع أبها ...

البداية من منطقة الحبلة و هي منطقة تقع في أطراف مناطقة أبها , و قد كانت منذ سنوات قريبة تعتبر منطقة معزولة عن العالم , و هي قرية من القرى النائية تقبع تحت جبال عالية . حيث ينزل أهل تلك البلدة إلى بلدتهم بوسيلة وحيدة , و هي حبال ممتدة من سفوح الجبال إلى قيعانها . حيث تتواجد قريتهم التي عشقوها , و استحملوا الصعاب من أجلها , كانت عيشتهم التي اختاروها مناسبة لهم حيث يتسلقون الجبل في أول النهار ثم يجلبون حاجتهم و يعودون قبل الظلام . فلم يفكروا أن يغيروا من طريقتهم , أو يبدلوا عيشتهم . حيث تنتشر بيوت القرية تحت أغصان الأشجار , و يمر بتلك البلدة أودية تستسقي من الجبال المجاورة , و تحيط بهم مزارعهم الصغيرة التي توفر لهم الكثير من متطلبات الحياة . لذا فهم لا يصعدون الجبال العالية إلى للضرورة القصوى , أو لتوفير حاجات لم يستطيعوا أن يستخلصوها من بيئتهم . استمر وضعهم على هذا الحال سنوات عدة . حتى امتدت لهم يد الحضارة , و انتشلتهم من بقعتهم تلك , و أسكنتهم في أواسط المدن المحيطة . انتقلنا من أبها إلى الحبلة عبر طريق يجذبني و بشدة , و هو طريق الواديين , حيث يعجبني بتعرجاته و جميل بيوته . و لم يخلوا الطريق من مناظر المزارع المدرجة , و بعض القرى الصغيرة الرائعة , و الكثير من المساكن القديمة .


أيضاً لعل القردة كانت حاضرة في تلك المنطقة , فهذا موسمها الذي تنتظره , فهي تريد أن تستمتع بالموسم السياحي على طريقتها الخاصة , فمنها الاستعراض ومن الناس الأكل و الطعام .

وقفنا برهة من الوقت و كلي حذر من شقاوة تلك القردة , فإن تطعمها مرة فلن ينتهي الأمر ...بل تريد منك أن تستمر , و إن انتهى الطعام فالويل لك ثم الويل . فلن تتركك بحالك , و سوف تقذفك بالحجارة , فيتحول المرح إلى حزن و غم . ابتعدت عن القردة و تابعت الناس و هم يطعمونها بأنواع الأطعمة ...ثم بعد قليل و إذ بالقردة تصعد الجبل و تستمتع بالأكل و تترك البشر .

ولعل الباعة الذين ينتشرون على أطراف الطريق من أكثر الناس فائدة من وجود القردة ,فالناس تشتري الموز و تنفقه بلا هوادة على تلك القردة .

منظر الفاكهة المعروضة يغريك أن تتقدم خطوة لتنال سلة من الفواكه المشكلة , عرضهم للفواكه ينم عن ذوق رفيع ودراية كافية بكيفية جذب الزبون , فهم يعلمون أن العين تعشق كل جميل .

خرجت من ذلك المكان , و اتجهت إلى طريقي الموصل إلى الحبلة . وصلت هناك و كانت الشمس محرقة , و ذلك ليس بمستغرب فعلوا الجبال , و ارتفاعها جعلها بمقربة إلى قرص الشمس , مما نتج عنه هذه المناخ الحار , مع عدم وجود السحب , و توقف النسمات التي تنعش البدن .

كان لابد أن ننتقل إلى المطل , و لكن كل شيء بثمن , فدخول العربات برسوم معروفة , حيث تجد بالداخل جلسات مشرفة على بلدة الحبلة القديمة , و هذه الجلسات للأسف لا تفي باحتياجات جميع الزوار , و لا أعلم عن جمالها أو نظافتها , و لكن مظهرها يبشر بالخير, و أيضا توجد بالمنطقة المحيطة محلات مختلفة . هذه المحلات رغم فائدتها لزائري الحبلة , و لكن طريقة عرض السلع تبدو بشكل لا يهتم بالزبائن أو العرض المثالي . فلم تعرض بطرق العرض الحديثة , فأكوام من الملابس , أو البضائع على رفوف , أو طاولات المحل تبدو مبعثرة . و قلة التنظيم هي سمة من سمات تلك المحلات , مع وجود عامل قد أهمل محله , و أخذ ينظر يمينٍ و شمالاً , فكأنه يبحث عن شيء قد فقده , كل ذلك يجعل الناس تصد عنه . و تستغني عن خدماتهم المتهالكة . و رغم بعض العذر لهم بأن وقتهم موسمي , و فتح مثل هذه المحلات يتم في وقت محدد , و بخطوات سريعة , و لكن أعتقد أن العبث بنظرة السياح و عدم مراعاة شعورهم و ذوقهم تجعل المرء يعيد التفكير بالسياحة المحلية أكثر من مرة .

في مكان آخر يجلس عامل ينتظر الأطفال أن يقدموا له قسيمة الألعاب , فينهض متثاقلاً لتشغيل اللعبة , يدير المحرك ثم يرجع ببطء إلى مكانه , و كأن عقارب الزمن متوقفة رغم أن اللعبة متسارعة . لم يقطعه هذا المشوار , أو هذا العمل على أن يكمل حديثه مع صاحبه , فيرفع صوته لزميله الذي يجلس بالمحلات ليتمم مناقشة بعض أموره . جرس انتهاء الوقت المحدد ينبه العامل أن هناك أطفال يحسن به أن يفتح لهم باب الخروج , و أطفال أخرى قد حان وقتهم , و ينهض متثاقلاً ثم يذهب و الملل ظاهر من حركته . فيفتح الباب و ينظر إلى أطفال أخر قد حكم عليهم أن يدخلوا هذا القفص . فيبدأ دوران المحرك الخاص باللعبة بسرعة و كأنه أيضاً يريد أن ينهي الوقت بسرعة و يعود للركون مثل صاحبه العامل المهموم .

عندما تطل على مع جبال الحبلة , تجد أناس يهبطون عبر العربات المعلقة من سفوح الجبال إلى قيعانها , حيث توجد قرية شعبية في تلك المنطقة , و ستشاهد الناس و هم يتجولون عبر غاباتها الصغيرة , فيخرج من بين الأغصان رجال , ثم يتبعهم أطفال .


و عندما تمر ببصرك من تحت تلك الأشجار تجد عائلة قد استظلوا بظلها . و قد جلبوا جميع حاجياتهم معهم , إما أغراض طبخهم , أو بعض المشروبات الحارة التي تزيد من حرارتهم , أو الباردة التي تنشطهم و لكن في كلا الحالتين فإنها تؤنس جلستهم .

أما في أماكن أخرى إما تحت الجبل , أو في منتصفه , تجد مجموعة من الشباب قد عزموا أن يعيدوا تجربة الآباء و الأجداد , و ذلك بتسلق الجبل على طريقة أهل الحبلة , فقد ربطوا حبالهم في منتصف أجسامهم , ثم بدأ أكثرهم جرأة على المحاولة ...


بعد لحظات تجد أن الذين عزموا على أكمال كل المرحلة من التسلق هم قلة . أما الأغلبية فقد آثروا النجاة و السلامة , فهل هناك أفضل من السلامة . هؤلاء الشباب , يدفعهم حب المغامرة , أو حب التجربة , أو الاستعراض .




و كل ذلك ليس بمستقبح أو أنه منبوذ إنما أمر محمود . و لكن الاعتراض أن تكون تلك المغامرة بدون استخدام وسائل السلامة لتسلق الجبال العالية .

فيظهر لي عبر منظار الكاميرا أن الجبال قد وضع عليه سلالم تساعد من يحب أن يمارس تلك الهواية , و لكن أخوتنا هداهم الله , يتسلقونها بثيابهم , و كأنهم في وليمة فرح , أو كأن العمر يكرر مع كل محاولة ...

و لا يعلمون أن ليس كل مر تسلم الجرة , إنهم يخاطرون بحياتهم , و الخطر يحف بهم , بل يمشون على أطراف الجبال , و على جانب الهاوية , و بممرات ضيقة و على رؤوس أصابعهم ...

وليس ذلك فحسب بل تجد أنهم يعبثون على بعضهم و هم بهذا المكان العالي . ثم يتبعون كل ذلك قهقهات و أصوات نشاز يتأذى منها كل من في ذلك المكان .


إنني و أنا أنظر إليهم أتساءل كم هي فجيعة أمهم بهم لو رأتهم في هذا المنظر , فكيف لها أن تتلقى خبر إصابتهم بسوء لو قدر الله لهم ذلك . كم أتمنى دائماً أن نهتم بمن ينبض قلبه لنا , إذا كنا لا نهتم بأنفسنا , و لا تهمنا أعمارنا .

ليس كل هذا حال الشباب , بل بعضهم يمارسها على أصولها . فتجدهم قد لبسوا اللبس المناسب , و أخذوا المواقع المناسبة للتسلق , و بدؤوا بممارسة هوايتهم , فهؤلاء نقول : أهلاً و سهلاً و مرحباً .



خرجنا من المطل , و ذهبنا إلى الأرض الممتدة قبل الجبل . حيث هناك مخيمات الشباب . جاؤوا من كل فج عميق , و نصبوا خيامهم , و تفننوا بوضع مخيماتهم . بينهم تنافس في كل شيء .

و لكن الذي لفت نظري أن لهم في السيارات شأن و عمل . حيث عزم أهل أغلب المخيمات هناك . أن يوقفوا سياراتهم على الحجارة , و أن يتفننوا برص الحجارة على إطاراتها .

فكلٌ و الميول التي ينتمي إليها , أو الهوايات التي يعشقها . فبعضهم يضع الحجر بلون نادية المفضل , و بعضهم يكتب على سيارته بالحجارة اسم منطقته و بلدته . و بعضهم يضع رموز قبيلته .

و لكن هم بشغل دائم . و عمل مستمر . و كل رضاهم أن تبتسم عندما تراهم . أو تستأذن لتصور أعمالهم . أو يشد الأعجاب أعمالهم . و كل ذلك لهم و نسأل الله أن يصلحهم و أن يسددهم و يهديهم .

في مكان قريب نصبت خيام ممتدة حيث . يوجد مجموعة من الشباب قد وضعوا صناديق زجاجية , و وضعوا فيها ثعابين مختلفة هي حصيلتهم لشهور عدة . الزيارة بخمسة ريالات , و تشمل الفرجة على الثعابين التي قد أهلكها كثرة الزوار و التصوير معها . فهي بمرحلة قبل الموت فقد تعاقب البرد و حر الشمس الذي نال منها .
@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-24-2017, 06:47 PM   #9 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@

فتجد الثعابين بعضها يسحب نفسه سحباً ليرضي زائراً قد دفع مبلغاً . أو تجده تفتح فاها ليندهش منها من قد عنا إليها و من بعيد قد أتاها . لم أرحم ثعابين مثل تلك الثعابين .

قال ابني : أبي أريد أن أمسكها بيدي . فقلت خيراً لك أن تمسك حبل الغسيل من أن تمسك هذه الثعابين . فهي كالبلاستيكية أو أشد جماداً منها . أمسكها و صور معها , و هي تتمنى أن تلحق بأخواتها التي سبقنها بلفظ أنفاسهن الأخيرة .

بعد هذه الإطلالة , كان لابد أن نتجه إلى مكان آخر , فأين نذهب ...فكما تعلمون أن اليوم هو اليوم الأخير من الرحلة , فلابد أن يكون لنا زيارة للسودة , فنودعها و نستمتع بلحظات في أعالي جبالها , فمن أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال كان اتجاهنا . تركنا الحبلة خلفنا , و مررنا بمنتزه الأمير سلطان , و القرعاء ...

و شققنا أبها , ثم أخذنا الجبل المحبب إلى نفسي و الذي يرميني إلى حيث الهوى رماني . حيث جبال السودة . إن أكثر ما يميز السودة أنها تخبأ لك مفاجأة سارة بالتأكيد , و لكن ماهي ؟ هل هي سحب و غيوم , أم شمس و ظل و نسيم , أم أمطار و قطرات . لا تفكر كثيراً بماذا ستكون المفاجأة فكل أمر تتصوره بيد الخالق سهل و يسير .


كان المخطط أن سيكون الغداء تحت شجرة من أشجار السودة , أما أن نستظل بظلها عن أشعة الشمس الدافئة , أو أن نحتمي بأوراقها عن قطرات المطر الهاطلة . يساعدنا في ذلك أن الوجبة قد أعدت من قبل , فكل الذي علينا أن نختار مكاننا , و أن ننعم برائحة القهوة و هي تنشر رائحتها في جبال السودة , لكن عندما أقبلنا على السودة . كانت المفاجأة هذا اليوم من النوع الثقيل , فالسحب السوداء تغطي الأفق , و السماء بالأرض تكاد أن تلتصق, و بدأت حركة الناس تزداد و تضطرب .


فالطقس يخبر بأمر قد يطرأ و يستجد . الناس قد ضاقت بهم الطرقات , و قد غادروا أماكنهم من تحت الأشجار و الخيام , و أخذوا الحيطة و الحذر , و ضلوا يشاهدون الحدث , و يترقبون النتيجة من خلال نوافذ سياراتهم . و أحسنهم حالاً من ذهب إلى المطاعم المنتشرة , و استأجر كبينة , و بدأ يراقب الوضع من خلال زجاج كبينته . الرعد صوته يتقدم , و الكون يتحول إلى عالم مظلم , فكأنك في ليل بهيم . و كل حين تشاهد خطوط البرق تمتد من السماء حتى تلامس الأرض . بضوئها الكثيب و تعرجاتها المهولة . أما أنا و أسرتي فقد اخترت شجرة , فأوقفت السيارة تحت أغصانها , رغم علمي بخطورة هذا الموقف في أوقات البرق و الرعد , و لكن خوفي من العواصف , و ما تحمل هو الذي حملني على هذا الأمر , و حصل ماتوقعت فقد هطلت السماء بماء منهمر , و ألقت السحب بأمر ربها مافي بطنها من المطر و البرد . حيث بدأت زخات البرد تضرب الأرض و الأشجار . حتى تهلهلت أوراقها , وغدت الأرض تحت الشجر خضراء من الأغصان و الورق , و البعيدة عنها بيضاء من البرد . صوت البرد و هو يضرب سقف سيارتي و بتسارع مهول يجعل الخوف يدب في قلوب الصغار و الكبار . لأملك أما هذا القضاء و القدر إلا أن أدعو الله بسرعة الفرج . أضع يدي على زجاجة سيارتي الأمامية , و كلي خشية أن تتفتت بين يدي بفعل الضربات القوية من بلورات البرد و التي رأيتها تزداد حجماً و ترميها الرياح بقوة على جوانب السيارة . أيقنت أن البرد قد أصاب السيارة بأضرار بليغة , و أنني سوف أذهب بها إلى مكتب التأجير و أدفع تكاليف مضاعفة , فلما هدأت العاصفة , خرجت من سيارتي المستأجرة لأطمئن عليها , فوجدت فضل الله واسع فقد كانت الأغصان تخفف سقوط البرد على السيارة قبل أن تصل إليها . تنفس المتنزهين الصعداء بعد أن توقف هطول البرد , و استمر المطر فقط .



خرجوا من بين الأشجار , و أخذ يلملمون بقايا أغراض رحلتهم . و ما بعثرته الرياح من بعدهم . أما الأطفال و الصغار فقد أعجبهم أن تحولت أرض السودة إلى قطعة بيضاء في فصل الصيف و ليس الشتاء , فأخذوا يتقاذفون بكرات البرد المتبقية ...


و بعد وقت يسير خرجت أشعة شمس عسير لتذيب المتبقي من البساط الأبيض , و تحاول أن تمسح بقع من الماء المتساقط . تذوب قطع البرد فتكون جداول صغيرة تمر بين الأشجار , و ثم تختفي من بين أغصانها , و أعشابها , و أحجارها . علم الناس أن الأرض لم تعد تناسبهم لقضاء بقية اليوم . فرطوبة الأرض , و خشيتهم من تكرر الحدث , و خوفهم على أطفالهم من موجة البرد التي هبت . لذا فقد خرجوا من السودة زرافات و وحداناً ليبحثوا عن مناطق أقل ضرراً و ارتفاعاً , أو لم تصبها سحابة السودة الصيفية فلم يكن للماء في أرضها بقية . اكتظت الشوارع بالسيارت نزولاً إلى إتجاه أبها ...


و كانت سيارتي من بين السيارات الهاربة من تلك الأرض الغارقة . و لقد كان يوماً مشهود بالبرد و العواصف , حتى أن أحد الأشخاص ممن أعرفهم باسمه و أذاعت الصحف خبره توفي أثناء العاصفة الرعدية و هو يتلقى مكالمة هاتفية من على أرض السودة , بينما كانت عائلته بمرافقته - فرحمه الله تعالى - و أيضاً من الأحداث أن توقفت العربات المعلقة بعائلة لمدة خمس و أربعون دقيقة و هي معلقة بين السماء و الأرض , فنسأل الله اللطف بنا و الرحمة . و على أخوتنا المغفرة . خرجت من السودة حتى ابتعدت عن جبالها العالية .و وصلت إلى منطقة أقل سحباً , و ابعد عن المرتفعات العالية , انعطفت ذات اليمين , و ذلك لأتناول وجبة الغداء المنتظرة , اخترت جبل مطل على قرية .


هذا الجبل يردد من بين جباله أصوات الرعاة و ثغاء غنمهم , بل يكبر أصوات بيوت أهل القرية و أطفالهم , فكأن الجبال أخذت على عاتقها بترديد مقالهم . فتنشر الود بينهم و تنقل لبعضهم سرورهم و فرحهم و أخبارهم . هدأ أطفالي – أيضاً الكبار – بعد هذه العاصفة , و اخترنا مكاناً علياً لتناول الوجبة , فسبحان الله فتلك الأرض لم تصبها قطرة .


فتحنا الحافظات فانتشرت رائحة الكبسة التي أعدت بصورة رائعة , أو أن الجوع قد عمل عمله فأصبح بنظري بهذه الصورة – ليه مستخسر أن تثني على طبخ الريحانة ...صحيح رجال مالكم أمان – بعدما وضعنا سفرة الأكل , و نوعنا فيها المشارب و المآكل و لله الحمد , خرجت علينا من بين الجبال البعيدة سحابة سوداء مظلمة , فبدت أشد من أختها التي سبقتها .


بل يسبقها صوت الرعد و زمجرته , فسبحان من سبح الرعد بحمده و الملائكة من خيفته . لما نظر أبنائي و زوجتي و أيضاً أبيهم لهذا القادم من بعيد طلبنا من الله الحفظ و العون , و أن يجعلها سقيا رحمة لا غرق , و لا عذاب , و أن يجعلها في بطون الأودية و الشعاب .


أراد الله سبحانه و تعالى أن يسوق هذه السحاب بسرعة عجيبة عبر رياح هبة من جهتها . بل لم يتوقف الأمر على ذلك بل من خلف جبل آخر خرجت سحب أخرى بيضاء ثم تبعتها رمادية ثم سوداء . فأظلمت الدنيا من حولنا .


و سكتت أصوات أهل القرية التي بقربنا , و أخذ الراعاة يطردون غنمهم باتجاه محلاتهم . فلا تسمع إلا صوت الرعد من بين الجبال يدوي , و الأغنام بسرعة تهرب . أنهينا الغداء بسرعة قياسية . و بالحلق غصة , و بين الأيدي بقية من الأطعمة .


فنفضنا أغرضنا بسرعة , و ركبنا سيارتنا لنحاول أن نهرب من عالي الجبل الذي هو بالتأكيد معرض للصواعق و البرق بصورة أكثر .


و عندما وضعنا أرجلنا بسيارتنا و إذ السماء تنقسم ببرق يكاد أن يخطف الأبصار ...ثم ثواني فيتبعه صوت صواعق تكاد أن تذهب بالعقل و السمع . رحماك ربي خلقتنا من ضعف و أوكلنا أمرنا إليك بقوتك و عزتك . أحس بصوت الصواعق يهز سيارتي , و نور البرق يأتي من كل مكان . لم أخشى شيء سوى أن يصيب الهلع أطفالي و أمهم التي لم يروا مثل هذا من قبل . و أصدقكم القول لم أره حتى في أكثر البلدان الأوربية عرضة للصواعق و الرعود . و لقد مر بنا في ألمانيا عواصف موسمية و لكن لم تكن بمثل هذا الذي رأيت . لم يكن يسكن الطرقات سوى سيارتي التي تنزلق و بسرعة لتهبط إلى قاع الوادي , و لتتعدى المرتفعات العالية , و تهبط إلى منطقة أكثر أمناً , أيضاً خشيت إن لم أخرج من هذه المنطقة و بسرعة أن تحتجزني الأمطار عبر أماكن أخرى مررت بها و هي ليست معبدة . لم يدم الوضع كثيراً , فقد كانت سحابة صيف مرت على تلك الجبال و أروتها ثم غادرتها .


كانت محتاجاً أن أودع أبها بصورة أفضل حالة القلق التي أصابتا , لذا بحثت عن جلسة رائقة تنفض عني غبار التنقل و الترحال الذي طاردني شبحه منذ الصباح الباكر .



دخلت إلى قرية صغيرة . فبحثتن عن مزرعة لأستظل بظل شجره . وجدت مكاناً مناسباً في احد مدرجات المزارع القريبة من الجبال . و هذا المدرج يطل على طريق أبها – السودة .



كان علي أن أحمل أغراضي و خيمتي و القهوة و شاي . ثم مددت فرشتي تحت تلك الشجرة , و أخذت أرقب المزارع من حولي .



و بعض العاملين بها من أهل تلك القرية . حيث يجدون بطلب قوت يومهم , و التزود مما تحمله مزارعهم من زرعهم . فواكه , و خضروات , أو حبوب متنوعات . تنظر إلى المزارع و هو يتفقد كل شجرة . فينظر إلى مزرعته قطعة قطعة .

@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-24-2017, 06:51 PM   #10 (permalink)
@@ السعيد @@
أمير الرومانسية
 
الصورة الرمزية @@ السعيد @@

و ثم ينطلق إلى أحواضها و ينظر إلى الماء و إلى أين وصل , و العامل ماذا عمل . و الثمار أيها استوى و نضج . و الطيور و الحيوانات هل نظفت حظائرها و أعد أكلها . عمل دؤوب و سعي مستمر .

علاقة دائمة بين الخالق و المخلوق . فأرباب المزارع هم من أقرب أصحاب المهن إلى الله . فهم يتعاملون مع خلق الله مباشرة . فهذه الزروع تشق الأرض و تنبت من بين الجبال و تخرج بميعاد .

و هذه الأوراق تخرج من الأغصان رطبة ندية تخضر فترة ثم تصفر فتسقط . و هذه الزهور تتكون من بين التويج و الكأس فتكون أطرافها . و هذه الثمار تخرج من أكمامها . و هذا الثمر ينضج بوقته و يقطف بموسمه .

و هذا الزرع يزرع في حينه و ينبت بموعده . و هذا العشب يخرج بدون بذر , و هذا الزهر ينشر عطره بدون أمر .

و هذه الأرض تصلح لنوع معين من الزرع و لا تصلح لغيره مما ينبت في الأرض . و هذه القطعة من المزرعة تصاب بخير و بجانبها قطعة أرض تصاب بمرض .

و هذه الحديقة تغاث و غيرها فوقها الغمام و بجدب تصاب . حكم الإله تجعل المزارع دائم في تفكر و تأمل . و تجعله مربوط بخالقه أبد الدهر . أما أرباب المهن و الحرف فهم يتعاملون مع آلات عملت بأيدي البشر فتجده دائماً يبحث عن صانعها ليعالجها , أو مخترعها لينظر حلاً في مشكلتها . و عندما توافق مزاجه و تعمل بصورة مرضية له يقول : بارك الله بمن صنعها فنعم المصنوعة هي و نعم الصانع هو . و عندما تمل نفسه منها إما بعطل أو ملل . فيسلط على صانعها أقسى الكلمات و أشد العبارات . فتلاحظ أنه يتعامل مع بشر مثله فهو بمنزلة أقل من منزل المزارع المعتمد المتأمل المتوكل المناجي لربه .

بسطت بساطي , و أعددت قهوتي التي توافق مزاجي . و ذهب أطفالي لممارسة هواية استجدت في أذهانهم و هي تسلق الجبال الوعرة بحجارتها المرتفعة .

حيث تذهب أبنتي الكبرى مختفية عنهم حتى لا تمل من متابعتهم . ثم يتبعونها واحداً واحداً . لينظر ماذا يخبأ الجبل لهم . و عندما يجتمعون فوق سطحه .

تبدءوا أصواتهم لنا . إننا نراكم بصورة مصغرة . نحن نرى القرية كاملة بغنمها , و حقولها , و سياراته التي تدب على أرضها . و هكذا يدهشهم المنظر عن كل أمر آخر . بينما الريحانة تعد , و تطهو , و تمارس أهم برامجها الرحلاتية ..

أذهب أنا و أنظر إلى الأرض بماذا تزهو . فأتفحص زهورها , و أشم عبيرها , و تستهويني نسماتها .

أتنقل من مدرج إلى مدرج و كل مدرج فكأنما خصص لنوع معين من الزرع أو الزهر . و كل مدرج قد تبقى به بعض آثار القطر . و كل مدرج يتسابق على أخوته بأن منظره هو المنظر الذي يسر .

نبتعد و نقترب . نجتمع و نفترق . نصعد و نهبط . و نتحدث و نضحك . نصوت و نهمس . ننادي و نحادي . و كل في أمرنا إلى سرور


نسمر ونتجاذب أطراف الحديث , نأكل و نشرب , تمطر وتشرق , تهب نسمات ثم تعصف بهبوب عاليات , يخفت كل صوت ويرتفع كل همس . ويبقى صوت الطبيعة ولحنه الجميل يغني بأحلى لحن , حتى أن الأغنام و الماشية تكاد أن تتراقص مختالة بجمال منطقتها ,وجميل طبيعتها وحسن جوها .

و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء المرسلين ,و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ,و سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك . ونلقاكم بإذن الله تعالى في حلقات جديدة عن رحلتي إلى إيرلندا
@@ السعيد @@ غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نسيم الصوت و الإحساس...نسيم الفنان بأتم معنى الكلمة ! عاشق الموسيقى فضائح ستار اكاديمي 11 Star Academy 16 01-09-2016 11:25 PM
تزور مدنا ... ودول ... لكن هل فكرت ان تزور قلبك ؟ دموع الملائكة خواطر , عذب الكلام والخواطر 3 12-07-2009 02:11 AM
أتيتكم تائها فهل من يحتويني..!! هـاوي جنونك قصــر الضيافة الرومانسية 3 10-09-2009 05:24 PM
أتيتكم من الجزائر هل من مرحب الجارح02 قصــر الضيافة الرومانسية 13 07-12-2008 10:54 AM
أتيتكم ضيفاً فهل من مرحب شبابيك الصمت قصــر الضيافة الرومانسية 5 10-28-2006 03:02 AM

الساعة الآن 01:13 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103