تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات ادبيه وفكريه وثقافيه > التاريخ والحضارة القديمة والتراث

التاريخ والحضارة القديمة والتراث التاريخ والحضارة القديمة والتراث

مائة عام على الحرب العالمية الأولى

Like Tree3Likes

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-26-2014, 11:10 PM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ADS
مائة عام على الحرب العالمية الأولى







مائة عام على الحرب العالمية الأولى

مائة عام على الحرب العالمية الأولى
تعد الحرب العالمية الأولى من أكبر النزاعات المسلحة، التي أغرقت العالم بالدم من 1914 حتى 1918 وتسببت في مقتل ملايين الأشخاص. بمناسبة المئوية الأولى لنشوب هذه الحرب نتعرف في هذه الملف نتعرف على أهم محطاتها وتأثيراتها





===============


===============
============
القرآن الكريم
السيـــرة النبويـــة

مكتبة بحرجديد
صفة الصلاة.. الشرح الممتع
تفسير آيات الصــوم
خطب رمضانية
شهر القرآن
رمضان على المنابر
موسوعة رمضان
مجالس رمضان
أعمال القلوب
فضائل فضائل
رمضان 1434 هـ
الست من شوال
الاداب الشرعية
محاسن الأخلاق
الصحابة .. الحب

فرق وأديان
خطب كتب دروس

الأدب المفرد .. قراءة
صحيح البخاري.. قراءة
صحيح مسلم.. قراءة
السنن الكبرى... قراءة
مسند الأمام أحمد .. قراءة
الشمائل المحمدية.. قراءة
الرحيق المختوم .. قراءة
الطب النبوي.. قراءة

مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
تاريخ الرسل والملوك.. قراءة
الجواب الكافي لمن سأل قراءة
الفوائد لابن القيم.. قراءة
تأملات تربوية في القرآن
بحر الدموع .. قراءة
البداية والنهاية .. قراءة
منظومة السبل السوية قراءة
جامع الرسائل لابن تيمية
أحكام القرآن قراءة
أحكام القرآن للطحاوي
أحكام القرآن ابن العربي
أحكام القرآن.. الشافعي
المسند الجامع.. قراءة
المغني لابن قدامة قراءة
الشفا بتعريف حقوق المصطفى.. قراءة
زاد المعاد في هدي خير العباد.. قراءة
مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ
المنتقى من عمل اليوم والليلة.. قراءة
القول المفيد على كتاب التوحيد.. قراءة
معارج القبول إلى علم الأصول.. قراءة
النهاية في الفتن والملاحم.. قراءة
غذاء الألباب لمنظومة الآداب.. قراءة
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم.. قراءة
الاستيعاب في معرفة الأصحاب قراءة
أسد الغابة في معرفة الصحابة .. قراءة
مجموع فتاوى ابن تيمية .. قراءة
الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة قراءة
أضواء البيان في إيضاح القرآن .. قراءة
كشف الأسرار وتبرئة الأئمة الأطهار.. قراءة
العباب الزاخر واللباب الفاخر.. قراءة

البرهان في علوم القرآن.. قراءة
الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة
عمدة الأحكام شرح السحيم
الطبقات الكبرى.. قراءة
لسان العرب .. قراءة
معجم مقاييس اللغة قراءة
معاجم اللغة العربية.. قراءة
الماسونيــــة .. ملف!!
عقائد وحقائق

حزب البعث
الجيوب الأنفية.. ملف!!


أهمية المعاجم
مقدمة مختصرة عن المعاجم
معاجم الأبنية
المعجمات العربية نشأتها وأطوار التأليف فيها
عِلم المعجَمة عند العَرب (1)
بين الصحاح والقاموس المحيط
المعجم اللُّغويّ العربيّ الكبير في التراث العربيّ

رائد التأليف المعجمي في الأندلس
القراءات القرآنية
مقابسة قرآنية ( أيامًا معدوة ـ وأيامًا معدودات)
موقـف النحاة المعاصرين من القـراءات

التدرب على استعمال المعاجم اللغوية العربية
المعاجم العربية.. (2)
الأسس المعجمية في معاجم التعريب التراثية
المعاجم الباكية
المعاجم القرآنية



الحرب الأهلية الأمريكية
أثقل 10 دبابات حربية في العالم
أقوى 10 أسلحة في الحرب العالمية الثانية
أقوى 5 طائرات هيلوكوبتر حربية في العالم
أفضل 10 طائرات مقاتلة نفاثة في العالم
أغلى 10 طائرات حربية في العالم
كيف تعمل الطائرات بدون طيار؟
الطائرة المقاتلة بدون طيار x-47b ،،
اخطر انواع الطائرات المدمرة بدون طيار
اخطر الطائرات الحربية.. صور
سد النهضة
عملية الكربون الأسود
أشهر صورةأنهت حرباً

جين جياب
تكريم الحب
الفاظ قرآنية
أصل الأكراد (3)
أصل الأكراد (2)
أصل الأكراد (1)
جنكيزخان الطاغية
ليوبولد الثالث
ليوبولد الأول
ليوبولد الثاني
ديانا أميرة ويلز
سبستيان الأول
ملك البرتغال

نادر شاه
إسماعيل الصفوي

قصر البارون إمبان
قصر الأمير طاز
قصر القبة
قصر العروبة
قصر الجوهرة
قصر عابدين
تفاحة الحب

اقضل المستشفيات العالمية
مستشفيات عالمية تحولت لمتاحف مرعبة
مستشفى هايدلبرغ الجامعي
مستشفى دوسلدورف الجامعي
مركز الطب الجامعي هامبورغ
شاريتيه (برلين)
المستشفى الجامعي بآخن
الصحة في ألمانيا
إشراقة رمضان
وقفات قبل رمضان

التدخين.. تاريخ
تدوير النفايات
جمال الدين الأفغاني
الحرب السوفيتية في أفغانستان
أحمد شاه مسعود
برهان الدين رباني
الثورة الروسية
الثورة البلشفية

الحرب الأهلية الروسية


الرحمة المحمدية معالم
أخلاق النبي.. قبس
المبشرون في القرآن والسنة

ابن التراب

اقبل رمضان الخير
شهر الجهاد بالقرآن
نسائم الإيمان
التقوى ورمضان
رمضان شهر التقوى
رمضان فرصة للتقوى
البشارة برمضان
رمضان الأخلاق
فضل رمضان
فضل الجود في رمضان
من مظاهر الجود في رمضان من السنة
رمصان شهر الجود
الجود في رمصان
الرسالة الأمينة في فضائل المدينة
الشَّعر ... فوائد وأحكام
فضائل مدينة الحبيب صلى الله عليه وسلم

مجالس شهر رمضان
برامج رمضان

رمضان 1435 هـ/ أهلاً

أحاديث صحيحة في الصيام
الدولة الإسلامية والخليفة!!

فضائل الصيام
فضائل القيام
أخطاء في الإفطار
صوم رمضان علاج للقلب والروح والجسم
آيات في الصيام
الدعوة إلى الله عند السلف
أركان الصوم وشروطه
سنن الصوم وآدابه
مقدمة في أحكام الصيام
فضائل شهر رمضان
أخطاء في الصوم

تخصيص سورة الأعلى ، والكافرون والإخلاص في صلاة الوتر
أحكام الاعتكاف
صلاة التراويح
عمرة في رمضان تعدل حجة
مفسدات الصوم
الأعذار المبيحة للفطر

الاعتكاف وتربية النفس
أحكام زكاة الفطر
مقاصد العيد
أحكام العيد
صلاة العيد
أحكام قضاء رمضان
تاريخ الصيام
أحاديث رمضانية لا تصح
رمضان شهر الجهاد
رمضان شهر الدعاء
من معاني الصيام
رمضان والتوبة
قصص التوبة عند السلف

فضل الذكر
العشر الأواخر وليلة القدر

فضل ليلة القدر ومشروعية تحريها وقيامها
وقفات مع ليلة القدر
مفاخر العشر الأواخر
ليلة التغيير الكبرى
أحكام زكاة الفطر
أحسن الوداع
رحيل الشهر الكريم
زكاة الفطر

العراق اغتيال القرن (2014)

ثرثرة فوق سقف العالم(7)
ثرثرة فوق سقف العالم(6)
ثرثرة فوق سقف العالم(5)
ثرثرة فوق سقف العالم(4)
ثرثرة فوق سقف العالم(3)
ثرثرة فوق سقف العالم(2)
ثرثرة فوق سقف العالم(1)
سلاح الدول الكبرى

مائة عام على الحرب العالمية الأولى




=================
=================















القرآن الكريمالروافضخطب ودروسصفة الصلاةما تودُ وتسألُ ؟
مكتبـــة القرآندليل الأعشابقواعد قرآنيةكنز الأعلام الأدوات في اللغة ؟
من التاريخرحلة أمـواج (4)مكتبة بحرجديدجواهر ودرر مجالس رمضان ؟
أروع امرأةفي مدح الرسولتأملات تربويةروابط ممتعــةرحلة الحج ؟
كتاب الطهارة كتاب الصلاةكشكولخير جليسالسيـرة النبوية ؟
سوريا الأبية عقائد وحقائق إعصارُ حزنٍعاشقة الورد قد ينفذ صبـري ؟
الاداب الشرعية تجميع العطاء فضائل خُلقت فريداًأعمال القلوب ؟
سطور لابن القيممحاسن الأخلاقوطن الشموخ الأسماكشخصيتك هنا ؟
اختبار الذكاء أنهار العالمإيـــداع قلبأيُ قلبٍ تملكيهِالست من شوال ؟
ثقافات صادووه ح(1) قطوف بلاد الشامالنمل أسرار ؟
شمائل محمدية عاشوراء تحديد مستوى (Quote) الصحابة ؟
العيد ذكــــرى السرطان ملف الخيل العربية جسم الإنسان (2013 ) ؟
السنن الكبرى زاد المعاد الاستيعاب المنتقى القول المفيد ؟
أسد الغابة
مسند أحمد الطب النبوي معارج القبول البداية والنهاية ؟
العباب الزاخر
جامع الرسائل أحكام القرآن مقاييس اللغة أعضاء موقوفون ؟
وسام.. إعدام
برامج رمضان الفاظ قرآنية اغتيال العراق ابن التراب ؟
معاجم اللغة
عمدة الأحكام الفكر الصوفي المغني البرهان للزركشي ؟
نظم السبل السوية
لله ثم للتاريخ لسان العرب المسند الجامع الطبقات الكبرى ؟
صحيح البخاري
الفقه الميسر الإتصال مجاني أضواء البيان صحيح مسلم ؟
الفوائد
غذاء الألباب بحر الدموع الملوك والأمم فتاوى ابن تيمية ؟
الرحيق المختوم
حقوق المصطفى الفتن والملاحم تاريخ الطبري الجواب الكافي ؟




قال النبي صلى الله عليه وسلم : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا.. وقال صلى الله عليه وسلم: أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإنّ أحدَكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفَه.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام بعشرِ آياتٍ لم يُكتَب من الغافلين ، ومن قام بمائة آيةٍ كُتِبَ من القانتين ، ومن قام بألف آيةٍ كُتِبَ من المُقَنْطَرِينَ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رَحِمَ الله أمرأً صلى قبل العصر أربعاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى في اليوم والليلة أثني عشرة ركعةً تطوعاً ، بنى الله له بيتاً في الجنة.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُعجزُ أحدكم ، أن يكسِبَ كل يومٍ ألف حسنةٍ ؟ يسبح الله مائة تسبيحةٍ، فيكتُبُ اللهُ له بها ألف حسنةٍ ، أو يحُطُّ عنهُ بها ألف خطيئةٍ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكَّل به: آمين ولك بمثله.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذبَّ عن عِرْضِ أخيه بالغَيْبة ، كان حقاً على اللهِ أن يُعْتِقَهُ من النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان سهلاً هيناً ليناً ، حرَّمه الله على النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الجنَّة غُرفاً يُرى ظاهرُها منْ باطنِها ، وباطنُها من ظاهرِها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعمَ الطَّعامَ ، وألانَ الكلامَ ، وتابع الصِّيامَ ، وصلى بالليلِ ، والناسُ نيام.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عاد مريضاً ، أو زار أخاً له في الله ، ناداه منادٍ :أن طبتَ وطابَ ممشاكَ ، وتبوَّأتَ من الجنةِ منزلاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمنْ وجَدَ في صحيفتِهِ استِغفاراً كثيراً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استَغْفرَ للمؤمنينَ والمؤمناتِ ، كتبَ الله له بكلِّ مُؤمنٍ ومؤمنةٍ حسنة.. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: يصبح على كل سلامي من بن آدم صدقة تسليمه على من لقي صدقة وأمره بالمعروف صدقة ونهيه عن المنكر صدقة وإماطته الأذى عن الطريق صدقة وبضعة أهله صدقة ويجزئ من ذلك كله ركعتان من الضحى... وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة ، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة، فيحمده عليها، ويشرب الشربة، فيحمده عليها.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل.. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر.. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة .حطت خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر.. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.... وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من قال لا حول ولا قوة إلا بالله. كان له كنز في الجنة.. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم أجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء... وقال رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا : بلى يا ر سول الله, قال: إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فدلكم الرباط فذالكم الرباط... وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه...وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذى الناس... وسئل رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم،، عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال تقوى الله وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال الفم والفرج... وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة‏... وقال النبي صلى الله عليه وسلم:‏ إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب‏... وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏‏إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث...
=============
اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب.





التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 08-05-2014 الساعة 01:12 AM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2014, 11:16 PM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

الحرب العالمية الأولى..حقبة تاريخية منسية في ألمانيا؟

تحظى الحرب العالمية الأولى باهتمام كبير في العديد من الدول مثل فرنسا وبلجيكا، لكن هذا الاهتمام يبدو أقل بكثير في ألمانيا. لكن رغم ذلك يحاول الشباب الألماني معرفة المزيد عن هذه الحقبة ولا يكتفي بما يتعلمه في المدارس.

يسرد بريطانيون من مختلف الفئات العمرية علاقتهم بالحرب العالمية الأولى، وذلك على الموقع الإلكتروني للمتحف الحربي الإمبراطوري. دان وإلينا وإيملي وهيو.. بريطانيون لهم تجارب مع الحرب العالمية الأولى تنوعت بين الجد الأكبر الذي دفن جثث الضحايا في أرض المعركة أو الجد الآخر الذي كان طبيبا في الجيش وقتل برصاص القناصة أو الأم التي فقدت خطيبها في الحرب. يتحدث أحفاد وأبناء أحفاد من عايشوا الحرب العالمية الأولى في فيديو يدعو للتبرع لصالح معرض كبير عن الحرب العالمية الأولى الصيف المقبل. فالحرب العالمية الأولى من الأحداث المترسخة في ذاكرة العائلات البريطانية، على العكس من الألمان الذين يركزون على سؤال آخر عند الحديث عن الحرب وهو: هل كان جدي نازيا؟
مجرم أم مجني عليه؟
يرغب الكثير من الأطفال في ألمانيا معرفة صلة والديهم أو جديهم بحقبة النازية إذ يحيرهم سؤال مهم وهو: هل كان جدي وجدتي من جناة أم ضحايا هذه الحقبة أم أنهم غضوا الطرف عما كان يحدث آنذاك؟ لكن حياة من عاشوا هذه الفترة بمثابة الصندوق الأسود لأحفادهم الذين قد تتغير حياتهم بالكامل عندما يكتشفون حقائق مفزعة عن أجدادهم، كما كان الحال مع جنيفر تيغه التي ولدت لأم ألمانية وأب نيجيري. وبالصدفة البحتة عرفت جنيفر أن جدها الأكبر كان آمون غوت، الذي أدار أحد معسكرات الإبادة خلال الحقبة النازية والذي لعب الممثل الإنكليزي رالف فاينز دوره في فيلم "قائمة شنيدلر".
توضح قصة جنيفر سبب تراجع قضية الحرب العالمية الأولى في عقول الألمان لأنها صارت مغطاة بهلع أكبر متعلق بحقبة النازية والحرب العالمية الثانية والمحرقة النازية (الهولوكوست) والحرب الباردة.
شهدت ألمانيا تغييرات حادة في أنظمتها السياسية خلال القرن العشرين على عكس إنجلترا وفرنسا

شروخ في التاريخ الألماني
على العكس من إنكلترا وفرنسا التي تميزت أنظمتهما السياسية (الديمقراطية) بالاستقرار الكبير خلال القرن العشرين، يكشف التاريخ الألماني عن الكثير من الاضطرابات، إذ عرفت ألمانيا خمسة أنظمة مختلفة تماما منذ عام 1914 ، وهي: الإمبراطورية الألمانية ثم جمهورية فايمار ثم النظام الديكتاتوري النازي يليه الانقسام لدولتين ألمانيتين شرقية وغربية. لم تتوحد ألمانيا من جديد إلا قبل 25 عاما فقط، مما يعني أنها مقارنة بالدول الأخرى تعد ديمقراطية حديثة.
لم تمر أي دولة في أوروبا الغربية بمثل هذه التغييرات الحادة، لكن الكثير من دول أوروبا الشرقية والبلقان لهم تجرب سياسية مشابهة، لذا يتحدث أستاذ العلوم السياسية هرفريد مونكلر مع DW عن "فجوة في ثقافة التذكر بين الشرق والغرب" في أوروبا.
وعلى العكس من الفرنسيين أو البلجيكيين، لم يعايش الألمان الحرب العالمية الأولى بشكل كامل على أرضهم، فمعرفة الكثير من الناس بالحرب آنذاك اقتصرت على أخبار القتل والبطاقات المرسلة من أرض المعركة والتي كانت تتعرض للرقابة. وغطت التفجيرات وعمليات إجلاء السكان التي عاشها الألمان في الحرب العالمية الثانية على أحداث الحرب العالمية الأولى.
تحليل الأسباب بدلا من البحث عن المذنب
لكن بالرغم من هذا توجد في ألمانيا الكثير من النصب التذكارية والجمعيات التي تحيي ذكرى ضحايا الحرب العالمية الأولى. ويهتم العديد من الباحثين الألمان منذ نحو نصف قرن، ببحث فترة الحرب العالمية الأولى بشكل مكثف. وكان المؤرخ الألماني فريتس فيشر هو صاحب نظرية تحميل الألمان الذنب الأساسي في اندلاع الحرب العالمية الأولى. وأثارت هذه النظرية التي ظهرت في ستينات القرن الماضي العديد من المناقشات على المستوى الدولي.
وبمناسبة ذكرى مرور مائة عام على اندلاع الحرب العالمية الأولى، ظهرت العديد من الإصدارات الجديدة، لكنها لا تعطي أجوبة حاسمة عمن مسؤول عن إندلاع الحرب، لاسيما مع وجود عدد هائل من المصادر ووجهات النظر المختلفة التي تجعل من الصعب جدا تحميل طرف معين المسؤولية. وتهتم هذه الإصدارات بالتركيز على بحث أسباب الحرب كما هو الحال مع المؤرخ الأسترالي كريستوفر كلارك في كتابه " The Sleepwalkers" الذي خلص فيه إلى أن هذه الحرب كانت "حدثا يمكن تجنبه، إذ جاء نتيجة لأحداث وقرارات متعاقبة".
وفي كتابه "الحرب الكبرى" يصف أستاذ العلوم السياسية الألماني هرفريد مونكلر، بالتفصيل البانورما الزمنية للحرب العالمية الأولى ويوضح ما يمكن للساسة في الوقت الحاضر تعلمه من تلك الفترة، كالعمل على عدم اشتعال الصراعات الإقليمية لتمتد لأماكن متفرقة ويصعب السيطرة عليها لاحقا.


الغارات وأخبار القتل خلال الحرب العالمية الثانية غطى على اهتمام الألمان بالحرب العالمية الأولى




===============
===============
حياة likes this.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2014, 11:23 PM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

مائة عام على الحرب العالمية الأولى..


آثار الحرب العالمية الأولى على الشرق الأوسط مستمرة

خلال الحرب العالمية الأولى كان الشرق الأوسط لعبة في أيدي الدول الأوربية الكبرى. وعلى أساس وعود كاذبة حاولت أوروبا كسب القادة العرب إلى جانبها. آثار هذه السياسة مازالت ملحوظة إلى يومنا هذا.

في تونس والقاهرة ودمشق وصولا إلى صنعاء، خرج الناس مطلع عام 2011 إلى الشوارع للاحتجاج على الحكام المستبدين مطالبين بتغييرات سياسية طال انتظارها. ولكن خلف تلك المطالب يختبئ دافع آخر، كما يقول الفيلسوف التونسي عبد الوهاب المدب في كتاب له حول ربيع تونس. إن المحتجين يتطلعون لبداية عصر جديد، مشيرا إلى أنه يمكن مقارنة ما حققه العرب عام 2011 مع الثورة الفرنسية أو سقوط جدار برلين. ويضيف المدب: "مع وصول العرب والمسلمين إلى مملكة الحرية يشهد العالم بداية جديدة للتاريخ، فلا شيء سيكون أبدا كما كان في السابق".
في واقع الأمر يمكن اعتبار الربيع العربي بداية سياسية جديدة، زاخرة بمقتنعات وإيديولوجيات تعود أصولها إلى بدايات القرن العشرين أو بالأدق إلى الحرب العالمية الأولى. فالبرغم من أن سكان الشرق الأوسط، على خلاف الأوربيين، لم ينخرطوا في معارك طاحنة، إلا أن آثار الحرب وصلت إليهم وبقوة. ويمكن القول إن الحرب العالمية الأولى لم تؤثر في أي منطقة كما أثرت في الشرق الأوسط، حيث قلبت تلك المنطقة رأسا على عقب.
هجوم على الجيش العثماني: قوات بريطانية وفرنسية في معركة غاليبولي

تحرير من "الهيمنة التركية"
في عام 1914، كانت الدول العربية الحالية ولايات تابعة للإمبراطورية العثمانية. وفي القرن التاسع عشر بدأت القوة التركية تضعف وباتت الإمبراطورية مهددة بالانهيار. ولذا وافق حاكم القسطنطينية على عرض القيصر الألماني بتقديم الحماية للدول العثمانية. ومقابل ذلك تعهد العثمانيون بالقتال إلى جانب ألمانيا في حال اعتداء روسيا عليها.
وهذا ما دفع بريطانيا وفرنسا إلى خطب ود الحكام العرب واستمالتهم للمشاركة في القتال بهدف الاستقلال عن القسطنطينية. "سيؤدي تحالفنا إلى طرد الأتراك من البلدان العربية وتحرير مواطنيها من السيطرة التركية"، كما كتب الدبلوماسي البريطاني هنري مكماهون عام 1915 في رسالة إلى حاكم مكة الشريف حسين بن علي، الذي وافق على العرض وأطلق بعدها بسنة ما يعرف بـ"الثورة العربية الكبرى"، وبدأ العرب بالسيطرة على مناطق واسعة من الإمبراطورية العثمانية.

عودة أبو تايه أحد قادة الثورة العربية على العثمانيين

وبالمقابل حاولت برلين أيضا استمالة القادة العرب إلى جانبها، وذلك من خلال "مركز أخبار الشرق"، وبجهود مديره عالم الآثار ماكس فون أوبنهايم، الذي قال يومها: "يجب على قناصلنا في تركيا والهند وعلى جواسيسنا وغيرهم الدفع بالعالم الإسلامي بأسره إلى التمرد على هذه الكتلة من التجار الكاذبين بلا ضمير .. على الأقل يجب أن تفقد بريطانيا الهند". مغزى هذا الكلام واضح: وهو أن المحافظات العربية التابعة للإمبراطورية العثمانية مجرد لعبة في أيدي الاستعمار الأوربي.
نشأة حدود مصطنعة غير طبيعية
كلا الدولتين، أي ألمانيا وبريطانيا، انتهجتا سياستهما بدون أي اهتمام بمصالح سكان المنطقة. ويتضح ذلك أيضا من خلال اتفاقية سايكس بيكو في أيار/مايو عام 1916، والتي اتفقت فيها بريطانيا وفرنسا على توزيع المناطق العربية المستقلة عن العثمانيون، وذلك على أساس تجاهل تام لوعود الدولتين بضمان استقلال المناطق العربية.
وتم على أساس الاتفاقية رسم حدود جديدة. وبموجها تحكم بريطانيا أراضي الأردن والعراق اليوم وقسما من إسرائيل، في حين تحكم فرنسا سوريا ولبنان. وفلسطين تخضع لإدارة دولية. وتأسست هناك بعد سنوات قليلة من ذلك دولة إسرائيل.
وهكذا نشأت فجأة دول وحدود جديدة تفصل بين مناطق كانت مرتبطة ببعضها حتى ذلك الحين. وبهدف تعويد مواطني الدول الجديدة على تغير الوضع، تحدد الدول المستعمِرة معايير تمكنهم من تعريف هويتهم، وذلك بشكل خاص على أساس انتمائهم إلى مجموعة معينة على أسس عدة أهمها الأساس الديني. وكما تقول المؤرخة ليلى دخلي، نشأت في هذه الفترة سياسة بخصوص تحديد الهوية: الناس صاروا يصنفون أنفسهم على أنهم سنة أو شيعة أو مسيحيين كاثوليك أو أرثوذكس. وتضيف دخلي: "صار المرء يجد نفسه مجبرا على إيجاد مكان ضمن مجموعة. الحاجة للبحث عن هوية صارت أمرا استراتيجيا متعمدا".

الطريق الطويل نحو الحرية: معارضون علمانيون مصريون أثناء محاكمتهم في نهاية عام 2013

هويات مميتة
وهكذا انتشر منطق الانتماء إلى مجموعة معينة كانتشار النار في الهشيم في كل أنحاء الشرق الأوسط. لقد دفعوا الناس إلى اتباع منطق "إما صديق أو إما عدو". ولا يبقى في ذلك مجال لما بينهما، كما يقول المؤرخ اللبناني جورج قرم، الذي يضيف "صار المرء لا يُقيم جاره، الذي يعيش معه منذ فترة طويلة، على أساس سلوكه، وإنما ينظر إليه على أنه الآخر الذي يهدد هويته الخاصة".
إنها "الهويات المميتة"، كما وصفها الكاتب اللبناني أمين معلوف. وخضعت هذه الهويات للنقاش مع اندلاع الثوارت في عام 2011. ولكن بعد ثلاث سنوات من انطلاقة هذه الثورات صار العالم ينظر بتفاؤل أقل إلى الشرق الأوسط. فمخلفات الحرب العالمية الأولى ثقيلة جدا. ومائة عام من منطق الانتماء إلى المجموعة، لا يمكن تغييرها بين عشية وضحاها.




===============
===============
حياة likes this.

التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 07-26-2014 الساعة 11:29 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2014, 11:31 PM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

مائة عام على الحرب العالمية الأولى..


بريطانيا: حرب الكلمات حول الحرب العظمى

مئة عام بعد بداية الحرب العالمية الأولى، ومازال الجدل محتدما على أشده في بريطانيا حول دور هذه الدولة في تلك الحرب، وهل أخطأت أم لا؟


بريطانيا تحب النوستالجيا (الحنين إلى الماضي). بل يمكن القول إن هذا البلد مع تاريخه الكبير مبني على النوستالجيا. ولكن حتى وقت قريب خلا لم يعد هناك الكثير من النوستالجيا المتعلقة بالحرب العالمية الأولى ومعاركها ونهاية النظام الطبقي القديم. (يعتقد كثير من البريطانيين أن الحرب العالمية الأولى مزقت النظام الطبقي السابق، حيث كان كل شخص يعرف مكانه الاجتماعي فيه).
ومنذ بداية هذا العام يسود جدل واسع في الأوساط السياسية والعلمية حول كيفية إحياء الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى. جدل أشبه بـ"حرب الكلمات"، أطلق شرارتها الأولى وزير التربية البريطاني مايكل غوف، عندما اشتكى في الأسابيع الأولى من هذا العام من بعض الباحثين والعلماء اليساريين الذين هاجموا الدور البريطاني في تلك الحرب. فقد صوروا الحرب، على حد تعبير غوف، على أنها "منصة ذبح بشعة"، وبهذا قللوا من شأن "وطنية وشرف وشجاعة" أولئك الناس الذين قاتلوا في الحرب "بدافع مشروع" وقتلوا دون ذلك، أي قاتلوا لصد الهجوم الألماني.

الاهتمام بإحياء ذكرى الحرب العالمية الأولى كبير جدا في بريطانيا، ولكن الخلاف يدور حول الكيفية

تريستان هانت، الأكاديمي اليساري الليبرالي والمتحدث الخاص بشؤون التعليم في حزب العمال المعارض، رد على كلمات الوزير غوف. هانت اتهم في مقال صحفي الوزير غوف، قائلا إنه يطلق تعليقات "قبيحة" وحادة، في وقت ينبغي أن يستغل بشكل أفضل من أجل التأمل في الروح الوطنية. كما اتهم هانت وزير التعليم بأنه يبحث عن انتصار همجي من خلال تأجيج الروح القومية وتصعيد المشاعر المعادية للاتحاد الأوروبي قبيل الانتخابات الحاسمة للبرلمان الأوروبي في مايو/ أيار المقبل.
احتفال "محترم"
وتصر الحكومة التي يقودها حزب المحافظين على أن ردها "كريم": فهي تنظم احتفالا رسميا يكرم ويحترم ضحايا الحرب. ومن المخطط تنفيذ برنامج كبير بفعاليات منوعة وبكلفة ملايين الجنيهات الإسترلينية، بما في ذلك الزيارات لساحات المعارك لتلاميذ المدارس، وحفلات موسيقية تذكارية، وإزاحة الستار عن لوحات وتماثيل خاصة لتكريم الملايين الذين لقوا حتفهم في "الحرب التي اندلعت لإنهاء كل الحروب". متحف الحرب الإمبراطوري في جنوب لندن خضع لتجديد شامل ووسع معارضه المخصصة للحرب العالمية الأولى. وخاصة تلك المعارض الفنية التي تصور جميع التغيرات في المجتمع البريطاني والأوروبي عموما، التي أدت إلى قيام الحرب.
ولكن وزير التعليم مايكل غوف يقول إنه سيكون من الخطأ تجاهل مسألة المذنب والمسبب لاندلاع الحرب، بقصر الاحتفال على انتصار بريطانيا وحلفائها. إذا اقتصر إحياء الذكرى على "التصور اليساري" فسيكون في ذلك إهانة لمن ضحوا بأرواحهم في الحرب. مثل أغنية "أوه .. يا لها من حرب جميلة" ( تتم حاليا إعادة تشغيلها في المسرح الملكي في لندن) والمسلسل الكوميدي التلفزيوني "Blackadder" الذي يصور أن الصراع كان غير مجديا تماما، وكان يمكن تجنبه من أجل حياة الإنسان، كما يقدم هذا المسلسل جميع الأطراف على أنها مسؤولة عن اندلاع الحرب. يشار هنا إلى أن العديد من المؤرخين العسكريين البريطانيين يتفقون مع غوف بأن هذا اعتقاد خاطئ.
"لم تكن بدون جدوى"

تذكر الذين سقطوا في الحربين العالميتين هو أمر مهم في اسكتلندا أيضا

ماكس هاستينغز، مؤلف واحد من كتب عديدة صدرت مؤخرا عن الحرب؛ عنوانه "مأساة 1914"، وفيه يذهب أبعد من ذلك، إذ يقول إن هزيمة القيصر كان لابد منها ولا تقل أهمية عن إيقاف هتلر في الحرب العالمية الثانية.
"هدف ألمانيا القيصرية من الحرب لم يكن أقل بكثير من هدف ألمانيا في عهد هتلر في عام 1939. القيصر كان يريد الهيمنة على أوروبا"، كما يزعم هاستينغز "لو انتصر الألمان حينها لكان ذلك يوما سيئا للغاية للديمقراطية والحرية في أوروبا".
هاستينغز، صحفي سابق في صحيفة "ديلي تلغراف" المحافظة، يقول تم إعادة كتابة التاريخ وتحريفه لتجنب إغضاب ألمانيا اليوم. يصف هاستينغز ذلك بأنه إهانة لبريطانيا، إهانة لأمة تناست بالكامل ماضيها العسكري.
"علينا أن نحاول قول الحقيقة"
"ألمانيا الحديثة هي بلد عظيم جدا يمارس ديمقراطية رائعة جدا، تجعل كل واحد منا يحترمها"، يقول هاستينغز، ويضيف "لكن إذا كنا نسعى لتدريس التاريخ للأجيال اللاحقة فعلينا أن نحاول قول الحقيقة".
ولكن تحديد "الحقيقة" حول "الحرب العظمى" أصعب مما يتصور هاستينغز وغوف. وهكذا يدخل على خط النقاش مؤرخون بارزون، منهم مؤرخ بريطاني معروف لم يسبق أبدا أن صنف على أنه ذو توجه يساري. ويرى هذا المؤرخ أن تدخل بريطانيا في نزاع دائر داخل القارة الأوروبية هو أمر مشروع ومبرر تماما. وعلى الجانب الآخر، يرى نيال فيرغسون، أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، أنه كان "يفترض ببريطانيا أن تنأى بنفسها عن ذلك النزاع. فالبلاد لم تكن تحت تهديد مباشر. لقد كان أكبر خطأ في التاريخ الحديث"، كما يدعي فيرغسون.
الطريقة التي يحيي فيها البريطانيون ذكرى الحرب العالمية الأولى تغيرت بمرور السنين

"أكبر خطأ في التاريخ الحديث؟"
ولكن تشبيه القيصر بهتلر هو أمر خاطئ، كما يرى فيرغسون. فأهداف القيصر فيلهلم لم تكن مجنونة مثل أهداف الزعيم النازي. وكان على بريطانيا أن تقف بداية على الحياد، وبعدها تختار اللحظة المناسبة للتدخل. لأن انضمامها المبكر إلى المعركة في البداية، بحسب فيرغسون، أدى إلى غوص بريطانيا في مستنقع عميق وحرب مدمرة طويلة الأمد استنزفت ليس موارد بريطانيا فحسب، بل ودمرت أوروبا وأدت إلى ولادة اثنين من أكبر الأنظمة الاستبدادية في القرن العشرين: النازية في ألمانيا والستالينية في الاتحاد السوفييتي.
ثم يضيف فيرغسون إلى تعليله نقطة أخرى: لقد فشلت بريطانيا في تحقيق الهدف الأساسي لدخولها الحرب، ألا وهو منع ألمانيا من الهيمنة على أوروبا. "والآن وبعد مرور مائة سنة، أي بلد يهيمن على أوروبا؟ فقط أسألوا اليونانيين"، يقول فيرغسون.





===============
===============
حياة likes this.

التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 07-26-2014 الساعة 11:33 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2014, 11:45 PM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

مائة عام على الحرب العالمية الأولى..


حرب الخلافة العثمانية
المحاولات المنسية للاستيلاء على اسطنبول في الحرب العالمية الأولى



كان مسرح الأحداث العثماني والشرق الأوسطي خلال الحرب العالمية الأولى بالنسبة للمؤرخين الغربيين أشبه بعرض هامشي ــ لكنه مع ذلك شديد التنوع. وحتى الكتب التي تناقش الإستراتيجية الألمانية يظهر فيها الشرق الأوسط العثماني طوال الحرب العالمية الأولى أشبه بأرض خيالية. ما ينقص في الأدبيات التاريخية هو ذاك الحس بالجبهات العثمانية بوصفها مسرحا نشطا وحيويا على نحو خاص لأحداث الحرب العالمية الأولى

لم يكل كتاب اللغة الإنجليزية (وخصوصا الأستراليين) عن ترديد قصة معركة غاليبولي. وأصبح فيلم لورنس العرب من كلاسيكيات السينما في هوليوود، ولا زالت المذبحة ضد الأرمن عام 1915 تستثير جدلا محموما بين الباحثين. تغطي الأدبيات الألمانية قطاعا أوسع قليلا. يترك كتاب فريتز فيشر "الطموح إلى القوة العظمى" (1961) ظلاله الواسعة على معظم الباحثين الألمان في مجال التاريخ العثماني سواء اتفقوا معه أم لا، وذلك في نقاشه حول "الجهاد" الذي أعلنته الدولة العثمانية ضد قوى الوفاق الثلاثي، وفي مقدمتها بريطانيا العظمى، والذي كان يهدف إلى تحريض المسلمين في مصر والهند البريطانية على التمرد على الاحتلال البريطاني. وحتى الكتب التي تناقش الإستراتيجية الألمانية يظهر فيها الشرق الأوسط العثماني طوال الحرب العالمية الأولى غالبا في صورة أشبه بأرض خيالية، حيث كانت الخطط الطموحة التي تعد في برلين تشهد فشلها هناك بسبب الإمكانات المحدودة لأهل المنطقة. الدور الروسي
والأمر الذي لا يزال ينقص الأدبيات التاريخية هو ذاك الحس بالجبهات الحربية العثمانية باعتبارها مسرحا نشطا وحيويا لأحداث الحرب العالمية الأولى. ويعود جزء من هذه المشكلة حسب رأيي إلى الجهل الغربي بدور روسيا الكامل في الحرب على جبهات تمتد من اسكندنافيا وساحل بحر البلطيق إلى إيران وأرض الرافدين، يدين هذا الجهل بدوره للجمود الشديد الذي وضعت فيه الثورة الروسية الباحثين فيما يخص الجانب العسكري للصراع. لكنني أظن أن المسألة مرتبطة أيضا بما يمكن أن نسميه انحرافات النتائج. يميل المؤرخون إلى التقليل من أهمية الجبهات العثمانية في نطاق الحرب الكبيرة، نظرا لعلمهم بأن جهود ألمانيا لإطلاق العنان للجهاد العثماني من أجل إسقاط الإمبراطورية البريطانية، مثلها مثل الجهود البريطانية لتخفيف الأعباء عن روسيا وإخراج العثمانيين من الحرب عبر السيطرة على مضيق الدردنيل وكذا تجهيزات روسيا لضربة عسكرية من الجو والبر والبحر لاسطنبول، أي كل هذه المناورات الإستراتيجية قد باءت جميعها في النهاية بالفشل.
فالكتب عن معركة غاليبولي مثلا تحتوى دائما على روايات ذات طابع ذات محدود عن الحملة تُختتم بانسحاب آخر قوات الحلفاء من شبه الجزيرة في يناير عام 1916. أما النقاشات عن إستراتيجية "الجهاد" الألماني فهي تميل بصورة مشابهة إلى سرد الوقائع كما هي، فيما يصبح الحديث فضفاضا عندما يجري التطرق إلى الحملة العسكرية الفعلية. وحتى يومنا هذا ظلت خطط روسيا لإنزال قواتها بكثافة على البوسفور، والتي كان من المفترض تنفيذها في صيف عام 1917، مجهولة فعليا وذلك لسبب واضح وهو أن اندلاع الثورة الروسية قد قلل كثيرا من أهمية هذه الخطط. ومع ذلك فإن هذه المناورات كانت بالنسبة للمخططين الألمان والبريطانيين والروس في ذاك الوقت ذات أهمية إستراتيجية هائلة، وكان يبدو أن نتيجة الحرب كلها كانت تعتمد على التوازن (أما أهمية مسرح الأحداث العثماني بالنسبة للعثمانيين أنفسهم، فلا يوجد بالطبع أي ذكر له).
أيضا لم يكن ثمة شيء قدري محتوم فيما يخص الفشل النهائي. لنبدأ بمبادرة "الجهاد" الألمانية، لم تكمن المشكلة بالضرورة في مفهومها ولكن في تنفيذها. كان الحكم البريطاني لمصر ذات الغالبية المسلمة وشبه القارة الهندية التي تعج بملايين المسلمين مؤسساً على الخداع والهيبة أكثر من اعتماده على التواجد العسكري على الأرض. ولو كانت ثمة تهديدات عسكرية حقيقية للراج البريطاني أو لمقر القيادة البريطانية في القاهرة عامي 1914 أو 1915، فما من شك في أن البريطانيين كانوا سينشغلون بنزاع حقيقي كان سيستوجب قمع هذا التحريض الجهادي. على النقيض من رؤى المُخطِط الرئيسي للجهاد الألماني البارون ماكس فون أوبنهايم، فإن فشل تحقق هذا التحريض لا يعكس عدم الإخلاص بقدر كاف للبروبغندا الجهادية، بل يعكس بالأحرى عدم قدرة ألمانيا على حشد قوات كافية في الممرات الحيوية الرئيسية للإمبراطورية البريطانية مثل قناة السويس (الهند كانت بعيدة جدا بحيث أن الجهود غير العملية لإذكاء نار الجهاد هناك كانت، حسب رأيي، مجرد لهو غير ضروري).
كما عرضت في كتابي The Berlin-Baghdad Express، لم يتمكن الألمان بسبب الانقطاعات الجبلية في خط السكك الحديدية العثماني الرئيسي بين الأناضول وسوريا، من إرسال مدفعية بعيدة المدى تصل لخط السكة الحديد المستخدم لحركة التعزيزات العسكرية البريطانية على طول قناة السويس ولا على جمع طائرات حربية لمنافسة سيطرة العدو على المجال الجوي (ومن بين ذلك أن البريطانيين بمراقبتهم للجو بلا منازع قد عرفوا بالضبط من أين ومتى ستأتي الضربات التركية الألمانية). ولم يسعف القضية تحول الموارد الألمانية إلى عشرات من مبادرات "الجهاد" الصغيرة التي استهدفت الجميع بدءا من الحسين شريف مكة إلى أئمة الشيعة في كربلاء إلى شاه إيران ووصولا إلى الأمير حبيب الله في أفغانستان، ولم يكن باستطاعة أحد منهم توجيه ضربة لمصالح بريطانية لها ولو جزء بسيط من أهمية السويس. لو جلب الأتراك والألمان قوات كافية تتيح عبورا ناجحا للقناة وهددوا القاهرة، لكانت بروبغندا "الجهاد" المصرية عملت من تلقاء نفسها.
موقف تشرشل
إن معرفتنا بمآل حملات الحلفاء تحت القيادة البريطانية في الدردنيل وغاليبولي، والتي تعد الآن مثلا للعبث الاستراتيجي الدموي، يجعل رؤيتنا مشوهة مرة أخرى. حتى نهاية حياته ظل وزير البحرية البريطاني وينستون تشرشل يعتقد أن قرار مجلس الحرب (حكومة الحرب) الشهير بوقف حملة كسح الألغام البحرية بعد معركة 18 آذار/ مارس 1915 كان الخطأ الأكبر في هذه الحرب ــ لقد ظن حينها أن نقصان الذخيرة في سرايا المدفعية على الشاطئ سيجعل معنويات القوات العثمانية الألمانية على وشك الانهيار. لم تبق إلا قلة قليلة تدافع عن موقف تشرشل، لسبب وجيه، وهو أنه كان على خطأ بشأن مستوى الذخيرة والمدفعية لدى العدو (في الواقع أطلقت المدفعية الألمانية التركية حوالي 2250 قذيفة فقط خلال معركة 18 آذار/ مارس 1915 التي تأرجحت فيها كفة الطرفين بين الهزيمة والنصر، لكن كان معهم أكثر من عشرين ألف قذيفة احتياطية، ومن الصعب القول إن المعنويات كانت منخفضة بعد أن شاهد رجال المدفعية غرق ما لا يقل عن ثلاث سفن حربية للعدو خلال هذا اليوم).
ومع ذلك فقد كانت لتشرشل وجهة نظر، وإن لم تكن بالضرورة متعلقة بنظام المعركة في هذا اليوم بالذات. تكمن وجهة نظره في الهدف من الحملة ــ طرد العثمانيين من الحرب، وفتح منفذ مشترك إلى موانئ روسيا الدافئة في البحر الأسود لإرسال إمدادات الحرب وبشكل أوسع وضع حد للمطامع الألمانية في الشرق الأوسط العثماني، وقد كانت وجهة نظر سليمة استراتيجيا. لو سقطت اسطنبول في عام 1915، كان ذلك سيتيح لقوى الوفاق الثلاثي فتح جبهة واسعة في البلقان من اليونان وتراقيا في مواجهة القوى المركزية عن طريق بلغاريا (أي قوى متذبذبة، في هذا السيناريو، كانت ستلتحق على الأرجح بقوى الوفاق الثلاثي المنتصرة، وليس بالقوى المركزية)، من الصعب تصور أن إمبراطورية النمسا وهنغاريا، على الأقل، كانت ستستطيع مواصلة القتال لثلاث سنوات أخرى. من المؤكد أنه كان سيكون باستطاعة ألمانيا مواصلة القتال، ولكن بساقين مبتورتين بسبب سعيها لغزو شرق أوروبا Drang nach Osten، إلا أنه من الصعب تصور السبب وراء مواصلتها للقتال.
كان فشل الحلفاء الحقيقي في الدردنيل وبعد ذلك في غاليبولي، حسب قناعتي، دبلوماسيا ــ استراتيجيا. لقد كان تشرشل نفسه، ورغم ندمه لاحقا على وقف الحملة البحرية في آذار/ مارس 1915، قد نصح في الأصل بالاستعانة بالقوات البرية لدحر سرايا المدفعية على الساحل ــ وكان هذا النصح موجها لكتشنر وحده لإبلاغه بأنه لم يعد ثمة خيار متاح. ولكن حتى إذا تركنا جانبا أن قوات الحلفاء قد نزلت إلى الشاطئ في الخامس والعشرين من نيسان/ أبريل عام 1915، فقد كانت قادرة بالفعل على القيام بهجوم بري وجوي وبحري وكان بإمكان البريطانيين أن يضعوا في حسبانهم دعم 150 ألفا من القوات اليونانية التي عرضتها أثينا ــ إلا أن الروس قد غاروا من وجود قوة أرثوذكسية أخرى قد ترث بطريركية القسطنطينية واعترضوا على مشاركة اليونانيين.
في غضون ذلك، ورغم أن قلة قليلة تعرف هذا اليوم، فإن روسيا نفسها قد وعدت بإرسال أربعين ألف جندي إلى البوسفور لدعم قوات الحلفاء للتقدم في الدردنيل ــ لكن ورغم موافقة البريطانيين في آذار/ مارس 1915 لإعطاء روسيا السيادة على اسطنبول بعد غزوها، لكنهم لم يلتزموا بذلك. وبالنظر إلى الأهمية الإستراتيجية للحملة، فمن المثير للدهشة إلا يكون البريطانيون قادرين على إرغام أي من اليونان وروسيا على إحداث هذا التشتت في الموارد العثمانية، الذي كان من شأنه وحده أن يجعل نجاح الحملة ممكنا.
معارك الدردنيل وعواقبها
لم تقدم الدراسات عن حملة الدردنيل شيئا جديدا ــ لقد عكف المؤرخون البريطانيون لسنوات على دراسة ما يعرف بتقارير "لجنة الدردنيل" التي جمعتها لجنة تحقيق رسمية في عام 1916-1917. مع ذلك تبقى ثمة نفائس مخفية في هذه الوثائق وتفتح المجال لأسئلة افتراضية مبهرة عن الكيفية المحتملة لنجاح الحملة (وتشرح أيضا أسباب فشلها). عندما سأل المحققون السير إيان هاميلتون قائد القوات البرية التي احتشدت آنذاك، عما خططت القيادة البريطانية العليا عمله في حال كان باستطاعة كاسحات الألغام تطهير الممر عبر المضيق في آذار/ مارس، أجاب بأنه كان ينوي إنزال قواته على الضفة الأوروبية لبحر مرمرة وأن يهاجم الجبهة العثمانية في كاتالكه، قبل أن تتمكن القيادة التركية الألمانية من الهرع إلى إرسال تعزيزات إليها من تراقيا.
لكن هاميلتون كان تحت إمرة وزير الحرب هوارتسيو كيتشنر الذي أمره بشيء من التعجل ــ جرت هذه المحادثة في آذار/ مارس عام 1915، وقبل أيام فقط من المعركة الحاسمة في المضايق ــ بأن عليه أن يخطط لإنزال قواته على الضفة الآسيوية من اسطنبول في إسكودار. لماذا إذن؟ سأل هاملتون كيتشنر. والإجابة كانت كاشفة: بعد الرسو في إسكودار أُمرت قوات هاميلتون أن „تنضم إلى قوات روسية ستتعاون معي وتحت إمرتي“.
يوجد هنا احتمال تاريخي مذهل. إذ كان من الواضح أن هاميلتون وكيتشنر كانا يفكران في أن إنزال روسي ــ بريطاني مشترك على الضفة الآسيوية الأقل تحصينا (أيضا مع مشاركة فرنسية) لإقناع الحكومة العثمانية بعدم جدوى المقاومة، كان أفضل من الخوض في الوحل لتسعة أشهر في مواجهة دفاعات غاليبولي الشديدة التحصين. لو أعطينا مصداقية لهذه المحادثة التاريخية، فسنجد أنها جرت في يوم 12 آذار/ مارس 1915 وهو اليوم ذاته الذي وافقت الحكومة البريطانية على أحقية حصول روسيا على اسطنبول والمضيقين العثمانيين بعد الحرب.
والآن يمكن للمرء أن يفكر في أنه كان من المعقول أن يربط البريطانيون بين شيئين وهو أن حصول روسيا على الجائزة الكبرى ما بعد الحرب يجب أن يكون مشروطا بمشاركتها فعليا بإنزال قوات برية وجوية وبحرية لاحتلال اسطنبول. ومع ذلك لم يقم وزير الخارجية البريطاني بأي شيء من هذا القبيل، فقد انخدع بحركة بها شيء من الابتزاز الدبلوماسي الذكي ــ إذ أشار وزير الخارجية الروسي س. د. سازنوف قبل ذلك بأسبوع وعلى نحو مبهم بأنه لو لم يتمكن من المضيقين، فإن حكومة صديقة لألمانيا قد تتولى الحكم في بطرسبورغ وتعقد سلاما منفصلا مع ألمانيا ــ بعدها أعلن غراي موافقة بريطانيا غير المشروطة بمنطق غريب مفاده أنه بوعده الروس بالحصول على اسطنبول قد حال دون إدعاء الحكومة الروسية بأن بريطانيا لن تسلمها اسطنبول
التردد الروسي
وهكذا فإن روسيا حصلت على ضمان دبلوماسي بسيادتها المستقبلية على اسطنبول والمضيقين، وترُكت لها حرية عدم الظهور خلال معركة غاليبولي الطويلة الدامية التي تلت فيما بعد. في حركة ذات طابع تهكمي ملغز، ظهر الأسطول الروسي في البحر الأسود لفترة وجيزة في يوم إنزال قوات الحلفاء في 25 آذار/ أبريل 1915، وأطلق نحو نصف دزينة قذائف على مساحات غير مأهولة من شواطئ البحر الأسود. (بعد ذلك بأسبوع عاد الأسطول وأطلق 161 قذيفة، لكن ذلك لم يكن مقنعا للبريطانيين). بالطبع يعود فشل حملة غاليبولي بدرجة كبيرة إلى الشجاعة التركية (أشهر بطولات مصطفى كمال وعلى رأسها معركتا شُنق باير في يوم 25 نيسان/ أبريل والمرة الأخرى عندما استعاد العثمانيون الموقع في 9 آب/ أغسطس) والقدرة الألمانية على التنظيم والنظام. لكن علينا ألا نقلل من شأن دور الطمع الروسي والانعدام التام للكفاءة الدبلوماسية البريطانية في إتاحة هذا الفشل.
السؤال الواضح بالنسبة للروس هو لماذا لم يظهروا من أجل المطالبة بجائزتهم الموعودة في ربيع عام 1915؟ فحتى لو أقررنا بأن الحكومة البريطانية لم تفعل شيئا لإجبار روسيا على المشاركة بقوات في حملة غاليبولي، فقد كان سيبدو منطقيا أن تقوم روسيا بالمشاركة من أجل ضمان أحقيتها في اسطنبول. وفي الحقيقة قامت القيادة العليا الروسية في نهاية أيار/ مايو 1915 بحشد قوات قوامها أربعين ألف جندي في أوديسا من أجل إنزال محتمل لها في البوسفور. وإن لم تتمكن روسيا من تنفيذ عمليتها في الوقت المناسب لمساعدة البريطانيين في آذار/ مارس أو نيسان/ أبريل، فقد كان لديها محفزات كافية لعمل ذلك في وقت لاحق خلال ذاك الربيع أو الصيف. لكن اتضح أن عام 1915 كان عاما مريعا لروسيا، ففي الثاني من أيار/ مايو 1915، وأثناء قيام أسطول البحر الأسود الروسي بهجمات مضللة وغير جادة على شواطئ البوسفور لدعم البريطانيين إلى جانب القوات النيوزيلندية والأسترالية التي ثبتت في مواجهة قصف عنيف على ضفتي الدردنيل الأوروبية والآسيوية، اخترق الألمان الجبهة الروسية في غورليس ــ تارنو، ما أحدث ثغرة في السهل الأوروبي الشمالي. سيشهد هذا الصيف الانسحاب الروسي الكبير، بعد سقوط معظم المناطق الخاضعة لروسيا في بولندا، بما في ذلك مقار قيادة الجيش القيصري في بارانوفيتشي ووارسو نفسها في أيدي القوت الألمانية ــ النمساوية.
سبّب هذا الانسحاب معاناة كبيرة، ونتج عنه نزوح مليوني لاجئ من بينهم نصف مليون يهودي طردوا من مناطق الجبهات خوفا من أنهم قد يساعدون الألمان. في لحظة تصفية حساباتها مع الألمان ــ التي كادت تعصف بالحكم القيصري (تولى القيصر نيقولا الثاني بنفسه قيادة الجيش في أيلول/ سبتمبر عام 1915 لاستعادة المعنويات) ــ كانت روسيا في موقف يصعب فيه عليها حشد قوات برية وبحرية وجوية لتوجيه ضربة لاسطنبول. وفي وضع مريع من ناحية التوقيت، تكبد الأرمن التابعون للحكم العثماني آلام لحظتهم الخاصة في تصفية الحسابات في مايو 1915، عندما بدأت حملة التهجير في شرق تركيا (الحملة التي انتشرت في الصيف على نطاق كبير خلف خطوط القتال).
لم يعد باستطاعة جيش القوقاز الروسي في تبليسي، والذي اُستدعي لتخفيف العبء عن القوات الروسية في أوروبا، من المجيء لمساعدة الأرمن، ولا قيادة البحر الأسود كانت قادرة حقا على التفكير في إرسال قوات برية وبحرية وجوية قوامها أربعين ألفا إلى البوسفور. لكن يجب ألا تجعلنا الظروف الإستراتيجية الدراماتيكية التي واجهت القادة الروس في 1915 نغفل عن الأهمية الطاغية التي أولوها للجبهة العثمانية وخصوصا، لاسطنبول والمضيقين. وفعلا بمجرد استقرار خطوط القتال للجيش القيصري في أوروبا في خريف 1915 بالقدر الذي سمح بإرسال تعزيزات إلى تبليسي، اندفع جيش القوقاز الروسي ليحاصر أرضروم العثمانية „المنيعة“ في شباط/ فبراير 1916، وليستولي على مينائي ريزه وترابزون في نيسان/ أبريل، وإرزينغان المعقل الحساس في الشرق التركي في تموز/ يوليو (وذلك بالتزامن مع فان وموس وبيتليس جنوبا). لقد دُمر الجيش الثالث العثماني، الذي كان مقر قيادته في السابق في أرضروم، عن بكرة أبيه تقريبا في عام 1916، إذ خسر 100 ألف من رجاله ومعظم أسلحته. ونظرا لتلهفهم المسبق بدأ الروس في إنشاء خط سكة حديد بطول سواحل البحر الأسود من باتوم وحتى ترابزون، محولا الأخيرة إلى قاعدة أمامية حيوية. وبمجرد ما ذاب جليد الشتاء كان جاهزا للزحف إلى سيفا وأنقرة واسطنبول نفسها، ومتصلا بمحطة سكة حديد لتوزيع المؤن العسكرية في أنقرة.
اسطنبول وتسارغراد
بعيدا تماما عن فكرة نسيان اسطنبول بعد الإخفاق البريطاني في غاليبولي، شهدت الخطط الروسية لحصار "تسارغراد" أي مدينة القيصر كما كانوا يطلقون على اسطنبول حراكا قويا (وفي الحقيقة قادت الأمور لبعضها البعض تلقائيا ــ بدأت روسيا هجوم القوقاز في 10 تشرين الثاني/ يناير 1916 في اليوم التالي لإخلاء آخر جندي بريطاني لكيب هيليس، ويمكن أن تكون الفكرة الانتهازية نوعا ما لضرب الجيش العثماني الثالث قبل وصول الإمدادات قد استُلهمت من أحداث معركة غاليبولي).
وكما تبين، لم يكن العام الحرج في إقرار مستقبل اسطنبول والمضيقين، هو 1915 عندما كانت روسيا ما زالت غير مستعدة وتواجه خطر تغلب الألمان عليها، ولا عام 1916، عندما بدأت في وضع الأساس لمشروعها، ولكن في عام 1917 عندما أصبحت كل القطع الضرورية للعملية البرية والبحرية والجوية أخيرا جاهزة. وآخرها ظهرت في الثلاثين من نوفمبر عام 1917، عندما دُشنت أول مدرعة بحرية روسية في البحر الأسود إثر خطأ وقع في اللحظة الأخيرة بسبب انفجار على سطحها. تلك كانت المدرعة "الإمبراطورة كاترين العظمى"، تيمنا بالإمبراطورة الأسطورية التي كانت أول من وضع فكرة غزو "تسارغراد"، روما الثانية، وسعيا لاستعادة أيام المجد الروسي في القرن الثامن عشر (وعلى خطى فرضها لمعاهدة كيتشوك كاينارجي الإملائية على العثمانيين في عام 1774).
في غضون ذلك زال تهديد الطرادة الألمانية غوبن التي كانت وبالا على الأسطول الروسي واشتهرت بإفلاتها من المراقبة البريطانية ووصولها إلى اسطنبول في تموز/ أغسطس 1914، وأعانت العثمانيين في دخول الحرب عن طريق قصف أوديسا في أكتوبر من ذاك العام، وأسهمت في إبعاد الأسطول الروسي عن إعانة البريطانيين في نيسان/ أبريل 1915 من خلال تهديدها لأوديسا، والتي أفلتت من عشرات من التوربيدو والقذائف في هجمات استهدفتها في البحر الأسود. (لقد نُزعت مدافعها الأساسية وأُعيد تركيبها على الشاطئ).
وإذا كان عام 1915 عاما مريعا لروسيا فإن عام 1917 كان عام معجزاتها، إذ كانت أخيرا بصدد غزو اسطنبول، بعد „ألف عام من الإحباط“ حسبما كتب دبلوماسي روسي. وقد استمرت الخطط الروسية للضربة البرية والبحرية والجوية على البوسفور حتى بعد اندلاع ثورة فبراير دون انقطاع، بل في الواقع تم تسريع العمل من أجل تنفيذها، من جانب لأن مثل هذا الغزو الدراماتيكي كان يعد بحشد الرأي العام لتأييد الحكومة المؤقتة. بل ونظم الأدميرال ألكسندر. ف. كولتشاك الفرقة "تسارغرادسكي" التي كان من المقرر أن تقود عملية الإنزال بحيث تُحدث أكبر قدر من التأثير السياسي الدراماتيكي. وكما وصف بافل ميليوكوف مؤسس حزب "كاديت" الليبرالي ووزير خارجية الحكومة المؤقتة بصورة بليغة، فإنه „سيكون من العبث والإجرام التخلي عن أكبر جائزة للحرب ...، باسم فكرة إنسانية وكوزموبوليتية هي الاشتراكية العالمية“.
ولضمان ظروف مناخية ملائمة في البحر الأسود، كان من المفترض أن يبدأ الهجوم البري والبحري والجوي في الفترة ما بين 14 حزيران/ يونيو و 14 تموز/ أغسطس 1917. في نيسان/ أبريل 1917، وحتى عندما واجه ميليوكوف مشكلات مع المعارضين اليساريين للحرب لرفضه التخلي عن أطماع روسيا "الإمبريالية" في المضيقين (هذه الأزمة قادت إلى أول محاولة انقلاب بلشفية فاشلة في مطلع مايو، بالتزامن مع استقالة ميليوكوف والمعتدلين الآخرين في الحكومة المؤقتة)، أطلق كولتشاك أول مناورة استطلاعية إلى مضيق البوسفور، وكانت عبارة عن مجموعتين من المدمرات والطرادات وأيضا ثلاث ناقلات طائرات بدائيات (كانت نماذج أولية مصممة لتتيح للطائرات البحرية أن تنطلق في طلعات قصيرة المدى). قصفت العديد من الطائرات البحرية الروسية المنطلقة من ناقلات الطائرات التي حملتها من أوديسا، العديد من الحصون العثمانية بطول البحر الأسود.
الثورة الروسية
وفي السادس والعشرين من حزيران/ يونيو 1917، وأيضا عندما كانت التحضيرات الأخيرة لهجوم كيرنسكي الشهير الفاشل على المواقع النمساوية في غاليسيا تجري على قدم وساق، وصلت قوات كولتشاك المهاجمة إلى البوسفور. في هذه المرة ظهرت المدرعة البحرية "الإمبراطورة كاترين العظمى" للمرة الأولى، مصحوبة بناقلات طائرات وأسطول صغير من المدمرات ــ لكن كان على هذا الأسطول المهيب أن يعود أدراجه وهو على بعد أربعين ميلا من الساحل، لأسباب ربما ذات صلة بتدني المعنويات (كان ثمة تمرد في أسطول البحر الأسود، رغم أن كولتشاك قد بدا وكأنه استعاد السيطرة بعد إعدامه لقادة التمرد).
وفي الأنفاس الأخيرة لروح "تسارغراد" نفذت عدة طائرات حربية روسية شُحنت على ناقلات الطائرات هجمات على اسطنبول نفسها في يومي 9 و 10 تموز/ يوليو 1917، وأسقطت عدة قنابل على منشآت في ناحية المرفأ في القرن الذهبي ووصلت إلى سان ستيفانو (يشيلكوي، وهو الموقع الحالي لمطار اسطنبول الدولي) قبل أن تعود. والفصل الأخير في هذه الدراما كان في محله: في السادس والعشرين من تموز/ يوليو 1917، عندما اكتسحت حركات التمرد صفوف الجيوش الروسية وأنزلت الدمار بأسطول البحر الأسود، أخطأ زورق روسي وحيد مزود بمحرك طريقه في حقل الألغام الذي يحمي مضيق البوسفور، وعندئذ ألقى قائده برسالة سلام في زجاجة تجاه الشاطئ (ومفادها أن الأتراك والروس إخوة: الألمان هم الأعداء الحقيقيين لكليهما). بهذه الطريقة الغريبة والمؤثرة نوعا ما تقوضت طموحات روسيا القديمة لغزو اسطنبول والمضايق على رمال الثورة الروسية.
لم يكن كل ذلك فعل الثورة الروسية وحدها، فبعد أن خبت شعلة الجيوش الروسية المنتصرة المنتشرة على نطاق واسع في أماكن مثل غاليسيا النمساوية والأناضول وأرض الرافدين وإيران ــ وتحديدا عندما قامت قوات الاحتلال القيصرية في كل هذه المناطق بشد الرحال إلى الوطن كي لا تفوتهم فرصة الانتزاع الثوري الكبير للأراضي، انمحت الاضطرابات السياسية في عام 1917 بالنسبة للكثيرين من الجمهور الغربي وظل فصل كامل من الحرب العالمية الأولى، بأبواب قليلة ذات أهمية بارزة من مسرح الشرق الأوسط (غاليبولي، المذبحة الأرمينية، ت. إي. لورنس واستيلاء بريطانيا على فلسطين وسوريا) يُذكر على نطاق واسع حتى اليوم. لكن تشوهات المعرفة التاريخية الناجمة عن ذلك خطيرة، ويتبدى ذلك بصورة لافتة في المساومات اللانهائية حول مشروعية معاهدة سايكس ــ بيكو عام 1916 بشأن تقسيم تركيا العثمانية.
إن سرد قصة انهيار الإمبراطورية العثمانية دون ذكر الدور الرائد لروسيا، كما يفعل العديد من المؤرخين والكُتّاب ذوي الشعبية الواسعة، يشبه بعض الشيء الحديث عن انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991 دون الإشارة إلى دور الولايات المتحدة. في الواقع لعبت روسيا دورا رائدا في تحطيم الإمبراطورية العثمانية ــ بل وحتى المفاوضات المسماة بسايكس بيكو كان قد تم الإعداد لها في سان بطرسبورغ في ربيع عام 1916 تحت رعاية وزير الخارجية الروسي سازونوف. وكون روسيا بسبب ثورتها الرهيبة عام 1917 ومعاهدة بريست ليتوفسك لعام 1918 التي وافقت من خلالها على اتفاق سلام إملائي منفصل مع ألمانيا، يجعلها تخسر أي أحقية لها في الأراضي العثمانية في تسويات ما بعد الحرب، لا يغير من حقيقة مفادها أنها قد دعمت مطالبها بقوة السلاح (بل وكادت أن تحصل عليها في عام 1917).
عندما نسترجع المناورات الإمبريالية الروسية خلال الحرب العالمية الأولى والتي طواها النسيان، يمكننا أن نفهم مغزى أحداث كانت تبدو بخلاف ذلك غامضة، بدءا من التضحية الدموية التي قدمتها قوات الحلفاء في غاليبولي (من أجل أن تفوز روسيا باسطنبول والمضيقين ــ هذا لا يعني أن هذا الهدف كان قد أُوضح للجنود البريطانيين أو لجنود القوات النيوزيلندية والأسترالية)، إلى الكارثة الأرمينية في عام 1915 (كان الأرمن العثمانيون بيدقا مهما لمطامع روسيا في شرق تركيا)، ثم إلى النزاع الذي واجهه البريطانيون على ضفاف دجلة في شمال أرض الرافدين، حيث استسلم الجنرال تاونسهند مع كامل فرقته في كوت العمارة (طلب البريطانيون من البعثة الروسية في إيران أن تخفف العبء عن تاونسهند بقصف بغداد ــ واختار الروس بانتهازية كما في غاليبولي ألا يمدوا يد العون).
وبإمكاننا باسترجاع هذه الأحداث بخاصة، أن نحسن فهم الحرب العالمية الأولى التي يمكن بسبب أصولها العائدة إلى الحرب الإيطالية التركية وحرب البلقان في الأعوام من 1911 إلى 1913، وأيضا بسبب نتيجتها المتنازع عليها بمرارة في الشرق الأوسط، أن نطلق عليها ببساطة اسما جديدا هو حرب الخلافة العثمانية.

===============
===============
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2014, 11:49 PM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

مائة عام على الحرب العالمية الأولى..


الطليعيّون والحرب
الفن التشكيلي ما بين الحربين العالميتين



كّلت الحرب العالمية الأولى منعطفاً تاريخيا ومحرّكاً للتغيير في كل المجالات بما فيها الفن التشكيلي. إذ نادرا ما عرف التاريخ ذلك العدد الكبير من المفاهيم والمدارس الفنية الجديدة التي نشأت في تلك السنوات القليلة. وكان موقف الفنانين من الحرب متناقضاً، فبينما رحّب بها الكثيرون في البداية غيّر آخرون رأيهم بعد فترة واعتبروها أمراً بشعاً مخيفاً. لكنّ الجميع تأثّروا بها بشكل مباشر بلا شك.

كان الفن الطليعي يعيش أوج ازدهاره في الفترة التي سبقت مباشرةً الحرب العالمية الأولى. ونحن نسمّي هذه المرحلة اليوم "الحداثة الكلاسيكية". وقد برز فيها فنّانو مجموعة "الجسر" و "الفارس الأزرق"في ألمانيا، والمستقبليّون في إيطاليا والمجموعة التي أطلقت على نفسها اسم "العاصفة"في انكلترا والتكعيبيّون في فرنسا، أما في روسيا فقد تمثّلت الحركة الطليعية في الفنّانين الذين تجمّعوا حول كاسيمير ماليفيتش وناتاليا غونتشاروفا تحت أسماء مختلفة. ورغم أن هذا الفن الجديد واجه هجوماً مستمراً لدى خروجه إلى النور إلاّ أن أولئك الفنّانين استطاعوا إثبات وجودهم وإنجاح حركتهم من خلال التعاون في إقامة معارض مشتركة والحصول على مساعدة عشاق جمع الأعمال الفنية والعاملين في تجارة الفن. المرحلة الكبرى قبل 1914
في تلك الفترة اقتحم الفنّانون أرضاً جديدة وخاصة في مجال استخدام الأدوات التشكيلية الجديدة، والتي تتبدّى فائدتها الحقيقية عندما يكون هدف الفنّان هو الوصول إلى التجريد. وقد لجأ الفنّانون إلى التجريب لكي يكتشفوا طرقاً جديدة في عرض كلّ من موضوع العمل والشكل الذي يظهر به. وكانت النتيجة نوعاً من الجمع بين الواقعية والتجريد وبطريقة لم تحدث من قبل. كتب فاسيلي كاندينسكي، الذي كان يعيش في ميونيخ: "يا له من إنجاز يمزج الطرافة بالدقّة بحيث أن لدينا الآن هذا التنوّع الكبير في الأصوات الفنية. إنّها بمجموعها تصنع سيمفونية القرن العشرين."
وفي حين أن مجموعة "الجسر"تأسّست ضمن بلد واحد، فإن مجموعة "الفارس الأزرق"انطلقت بشكل عالمي منذ البداية، حيث كان من ضمن أعضائها روس وفرنسيون وإيطاليون ونمساويون. اعتباراً من فاسيلي كاندينسكي وأليكسي، مروراً بيافلينسكي وبابلو بيكاسو وروبرت ديلونيه وانتهاء بإرما بوسّي وأرنولد شونبرغ الذي شارك معهم كرسّام. وقد عرضت جمعية الفنانين "كارو بوبه"في موسكو عام 1912 أعمالاً لفنانين من مجموعة "الجسر"ومجموعة "الفارس الأزرق"وللفرنسيّين ديلونيه والبرت غليزيه وفرناند ليجيه وهنري ماتيس أيضاً. وقد ثمّن فرناند ليجيه عام 1914 "صالون المستقلّين"الباريسي واصفاً إياه بأنه „أهم تظاهرة للفن العالمي الحالي“.
وبينما كانت الدول تحضّر نفسها عسكرياً ومعنوياً للحرب وتشن الحروب الدعائية ضد بعضها بما في ذلك من تصوير الآخر كعدوّ ينبغي سحقه، كان فنّانو تلك البلدان المتعادية يعاملون بعضهم كأصدقاء بنوع من الحسّ الأممي.
منعطف 1914 انهار كل شيء مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914. فقد كان على الفنانين أن يلتحقوا بالحرب أو أنهم أرادوا ذلك بأنفسهم وانتهت بذلك تلك العلاقات الأممية. ويكفي المصير الذي آلت إليه مجموعة الفارس الأزرق ــ والتي كان لسان حالها صحيفة "المناخ"ــ مثالاً يشرح كل شيء: فقد فرّق الموقف المختلف تجاه الحرب كلاً من فرانز مارك وكاندينسكي وكلاً من مارك وباول كلي. كما كان على كل من كاندينسكي وياولنسكي وماريانه فون فيريفكين كروس مغادرة الأراضي الألمانية باعتبارهم "أعداء أجانب"عندما بدأت الحرب.
وبذلك تم حلّ المجموعة عملياً وألغيت معارضها الجوّالة الكثيرة. وقد كان الشاعر هوغو بال يخطّط لجعل كاندينسكي يقدّم حلمه الكبير عن العمل الفني المتكامل لجمهور ميونيخ. لكن ذلك المخطط لم يعد وارداً طبعاً بعد ذلك كله. كما أن الحرب جعلت من الصديق الحميم لأهل ميونيخ الفرنسي روبير ديلونيه عدوّاً رسميّاً. ولم يطل الأمر كثيراً حتى سقط أوغست ماكه في أيلول/ سبتمبر 1914 وفرانز مارك في آذار/ مارس 1916 قتلى في الجبهة.
لم يكن الفنانون الذين يقاتلون في الجبهات فقط هم من عُزلوا عن زملائهم في المجال الفني وعن أصدقائهم وجمهورهم، ولكن ذلك شمل أولئك الذين لم يلتحقوا بالحرب أيضا. ينقل لنا جوان غريس عن تاجر القطع الفنية دانييل ــ هنري كانفايلر، الذي كان عليه أن يهرب من فرنسا باعتباره ألمانيا، قوله في 30 تشرين الأول/ أكتوبر: „يكتب ماتيس من باريس...، أن دوران في الجبهة وسيغونزاك أيضا. كما أن دو لا فريسنايه الذي التحق بالحرب طوعا يرقد الآن جريحا في مشفى ميداني احتياطي. فون براك الذي تهمني أعماله أكثر من أي فنان آخر انقطعت أخباره تماما.“
وهذه شهادة كتبها دوشامب عام 1915 من نيويورك عن باريس: „باريس تشبه منزلاً مهجوراً. الأنوار مطفأة والأصدقاء غائبون، إما في الجبهة أو أنهم قُتلوا.“ الطليعيّون يواجهون النهاية. مابين الحماس للحرب والتشكّك بها لقد جعلتنا تجربة حربين عالميتين بما فيهما من هزّات وأهوال لا نفهم ذلك الحماس للحرب في آب/ أغسطس 1914 وتبادل العداء والكراهية ما بين المتحاربين وخاصة بين الألمان والفرنسيين وبين الألمان والإنكليز. وعندما يقرأ المرء ما كتبه المثقّفون والفنّانون من رسائل ومذكّرات تعود إلى ذلك الزمان يخرج بانطباع بأنه لم يكن لديهم تقريباً تصوّر عن الحرب الحقيقية. أما الشكل الجديد للحرب التكنولوجية الحديثة فقد جهلوه تماماً. لقد كانت الحرب التي سبقت الحرب العالمية الأولى موغلة في القدم بالنسبة إليهم. وكانوا يأملون بتغيير عميق يخلّصهم مما كان يُدعى "مادّية" في تلك الأيام. ويقرّبهم من "الإنساني" أو "الروحي" وهي نفسها تعابير ليست أقل غموضاً، وهي تعني "الشأن الثقافي"عموماً. كان يُنظر إلى الحرب „مجازياً“ كحدث تجديدي ذي سمة طبيعية، أو حسب صياغة مؤرّخ الفن بيتر باريه: „كتحرير للإنسان المفكّر من مجتمع مصاب بوباء الفساد وفقد الحساسية."
هذا الفهم للحرب كان هو الدافع الذي جعل فرانز مارك يرمي نفسه فيها بطريقة لم يسبقه إليها فنان آخر. كان تعبيره الأثير في هذا السياق هو "التطهير". „فمن أجل التطهير تخاض الحروب وتُزهق الدماء“، كما يقول الفنّان، وبرأيه فإن العالم القديم منافق وكاذب ومتظاهر ولا أخلاقي ومتمسّك بالشكليّات وبذلك فهو الذي قد اختار فناءه بنفسه. وقد كتب مارك من الجبهة لكاندينسكي، وكان في ذلك الوقت بقرب منطقة مِتس، أنّه يرى في الحرب „وسيلة شافية للوصول إلى أهدافنا، رغم وحشيّتها“ فهي „ستطهّر أوروبا“. لكن كاندينسكي رد عليه بإيجاز: „ستجهّزها لذلك“، وأكمل مُبدياً شكوكه وعدم تفهّمه: „كنت أعتقد أن التحضير لبناء مستقبل جديد يتطلّب تنظيف المكان الذي سيقام عليه ولكن بطريقة أخرى. إن الثمن الذي يُدفع لهذا التنظيف مخيف ومقزّز“.
كان كاندينسكي في ذلك الوقت يعيش منفيّاً في سويسرا. وكان قد كتب لمارك قبل ذلك بسنتين رسالة توضّح تصوراته الواقعية تقريباً حول الحرب التي كان يدور حولها الحديث حينها. ومما جاء فيها: „يمكن للاحتمالات المُرعبة أن تتطوّر بلا نهاية وقد تؤدي إلى نتائج قذرة ومديدة ستسحب ذيولها النتنة على الكرة الأرضية بكاملها ... وإلى جبال من الجثث.“ إذن فلدينا صديقان حميمان لكل منهما تصور مختلف وموقف مناقض لموقف الآخر من الحرب. كما أن صديقاً آخر هو باول كلي بدأ الآن ينظر إلى مارك بعين النقد والريبة. يلفت انتباهه في هذا السياق تعابير السلوك والمظهر العسكري والبذلة العسكرية التي يرتديها مارك: „ذلك الزي والتقليد الملعون يستحق الكراهية“.
لكن ذلك الاحتفاء بالحرب وتعظيم شأنها لم يكونا دائماً مدفوعين بموقف وطني أو قومي بل كانا تعبيراً عن الموقف المعادي للبورجوازية الذي اتخذه الفنانون الطليعيون سواء في روسيا أو ألمانيا أو إيطاليا أو النمسا. فقد كانوا ينتظرون من الحرب أن تدمّر الأنظمة القديمة وتتجاوز العالم الذي دمغته البورجوازية ذات الثقافة التقليدية بطابعها الذي تجاوزه الزمن. لم يكن لديهم أهداف مشتركة ملموسة وواضحة أو نماذج لمجتمع مثالي بديل وإنما رغبة معينة يعبّر عنها ماكس بِكمان بالكلمات التالية: „لقد جعلتهم الثقافة المُحبطة السائدة هذه الأيام يبحثون عن اهتمام ما يوجّهون إليه دوافعهم. وهذا يعني بكلمات أخرى تركيز طموحاتهم الغامضة ونزوعهم إلى عالم أفضل على هدف واضح ذي مغزى أخلاقي وعقلاني“.
لكن ذلك الاحتفاء بالحرب وتعظيم شأنها لم يكونا دائماً مدفوعين بموقف وطني أو قومي بل كانا تعبيراً عن الموقف المعادي للبورجوازية الذي اتخذه الفنانون الطليعيون سواء في روسيا أو ألمانيا أو إيطاليا أو النمسا. فقد كانوا ينتظرون من الحرب أن تدمّر الأنظمة القديمة وتتجاوز العالم الذي دمغته البورجوازية ذات الثقافة التقليدية بطابعها الذي تجاوزه الزمن. لم يكن لديهم أهداف مشتركة ملموسة وواضحة أو نماذج لمجتمع مثالي بديل وإنما رغبة معينة يعبّر عنها ماكس بِكمان بالكلمات التالية: „لقد جعلتهم الثقافة المُحبطة السائدة هذه الأيام يبحثون عن اهتمام ما يوجّهون إليه دوافعهم. وهذا يعني بكلمات أخرى تركيز طموحاتهم الغامضة ونزوعهم إلى عالم أفضل على هدف واضح ذي مغزى أخلاقي وعقلاني“.
كانت توقّعاتهم من الحرب مختلفة تماماً. وسنكتفي هنا بإيراد ثلاثة مواقف متناقضة كمثال على ذلك: فقد كان رأي الفنان الألماني لوفيس كورين „أنّه إذا نظرنا إلى فن المدرسة التكعيبية والساذجة التي تقلّد الفنون البدائية الأفريقية ــ وهو يعني بهذا الفنانين الفرنسيين الذين ينحون هذا المنحى ــ“، فإن إعلان الحرب جاء كنوع من الصاعقة التي„ ستُظهر للعالم أن الفن الألماني يحتل ذروة الفن العالمي.“ و „فلتختفِ نزعة التقليد ــ السلافية التي تميّز الحقبة الفنيّة الأخيرة لزماننا“. لكن هذه الأصوات القوميّة المتعصّبة كانت قليلة بين الفنّانين، باستثناء فنّاني إيطاليا.
من جهة أخرى كان ثمة من يخشى من أن يُحسب مع الجبناء الذين يتهرّبون من واجبهم ولذلك عليهم أن يتطوّعوا بأنفسهم للمساهمة في الحرب. عبّر عن هذا الموقف وبهذه الطريقة شبه السخيفة إرنست بارلاخ وفلهلم ليمبروك وأوسكار شلمر و وأوسكار كوكوشكا الذي قال „لأنه عارٌ أبدي أن يقعد المرء في بيته“. أما الموقف الثالث فقد عبّر عنه ماكس بِكمان وأوتو ديكس اللذان أرادا أن يعيشا تجربة الحرب نفسها كنوع متطرّف وغير عادي من الحياة والواقع ليعكساها في الفنّ.
تناقض لا حلّ له
لقد كان التناقض الذاتي، أي في موقف الفنان نفسه، أكثر شيوعاً في ذلك الوقت من المواقف الثابتة كالموقف القومي أو التعصّب للوطن. فرغم أن ماكس بِكمان ذهب إلى الجيش متطوّعاً، إلاّ أنّه لم يكن يريد إطلاق النار، لا على الروس لأنه كان يعتبر دوستويفسكي صديقاً روحيّاً، ولا على الفرنسيين لأنّه تعلّم منهم الكثير. وصحيح أن مارك قاتل الجنود الفرنسيين بشراسة لكنّه لم يكن يريد إطلاقاً أن „يبيد الثقافة الفرنسية التي يقدّرها كثيراً“. هذا الموقف المتناقض الذي كان شائعاً بين الفنّانين والذي لا يمكن أن ينسجم مع الروح الإنسانية كان يسمح بقتل البشر ولكنّه يريد أن تبقى الثقافة والفن والروحي"عموماً سليمة لا تُمسّ.

الفنّانين عبّرا عنها بطريقة متناقضة مع نفسها. فقد كتب كلي بعد سقوط الصديق المشترك أوغست ماكه في المعركة: „من هنا فإن أوغست ماكه، عدوّ الفرنسيين، قد سقط.“ كما كتب مارك عن الرحيل الفاجع والمفاجئ لماكه: „سقط برصاصة عدوّة، بل إن المرء ليودّ أن يقول رصاصة صديقة، فقد كانت فرنسية."
كان موقف الفنّانين الإيطاليين المنتمين إلى الاتجاه المستقبلي -futurist- بقيادة ف. ت. مارينِتّي هو الأقرب إلى الترحيب بالحرب من بين مواقف الطليعيّين الأوروبيّين. فقد كال بيان المستقبليين الذي صدر عام 1909 المديح لكل أشكال العدوانية والهجومية والديناميكية والشجاعة والخطر... الخ: „لم يعد ثمة جمالية إلاّ للقتال“. ولا شك أن أحد أسباب هذا الفيض البلاغي هو محاولة استفزاز البورجوازية. لكنّ هذه البيانات الواضحة بخصوص الحرب كان لها تأثير مديد وسياسي أيضاً. „إننا نريد تمجيد الحرب، ذلك التطهير الوحيد للعالم، والنزعة العسكرية والوطنية والفوضويّة بفعلها التدميري، وتلك الأفكار الجميلة التي يضحّي في سبيلها الإنسان بروحه واحتقار المرأة التقليدية“. انتهت النزعة المستقبليّة إلى الفعل المباشر والحيوي بالحرب.

في بيانه „الحرب، التطهير الوحيد للعالم، 1915“ أعلن مارينيتّي: „إلى كل مستقبليّي إيطاليا من شعراء ورسّامين ونحّاتين وموسيقيّين: اتركوا القصيدة والريشة والإزميل والأوركسترا. فلقد بدأت الرحلة الحمراء للعبقرية! وليس يطربنا بعد الآن إلاّ سيمفونية المدافع المرعبة وتلك المنحوتات الرائعة بجنون التي تشكّلها المدفعية الملهمة من الكتل الكبيرة لجنود أعدائنا“. أذن فقد أصبحت المدفعية هي الفنّان الحقيقي الكامل وجبال الجثث أصبحت منحوتات وتماثيل تستحق الإعجاب.
نقد الحربء
لكننا لا نستطيع التعميم بأن كل فناني 1914 كانوا متحمسّين للحرب وأفكارها. ففي فرنسا عبّر أندريه بريتون، الذي سيصبح الرأس المفكّر للسريالية، في نفس اليوم الذي أعلنت فيه ألمانيا الحرب عن احتقاره „للحماس السخيف للحرب“ و „للبيانات الشوفينية ذات النفس الطفولي“. أما في هولندا فقد عبّر ثيو فان دوسبورغ عن مخاوفه بأن تؤدي الحرب إلى انتصار العالم المنافق القذر على العالم المثقّف والنبيل. وقد كانت مخاوف أقرب إلى الواقع من آمال مارك التي كانت بالعكس ترى أن الحرب ستنتهي بانتصار الثقافة على النزعة المادّية المبتذلة.
هناك فنّانون أداروا للحرب ظهورهم وهاجروا إلى الخارج، مثل روبير دولوني وفيلهلم ليمبروك وهانز أرب أو مارسيل دو شامب. وقد لاحظ ماكس إرنست: „لقد تلت آب/أغسطس 1914 موجة الحرب القذرة. لا أحد من الأصدقاء مستعجل على التضحية بحياته في سبيل الله والملك والوطن. آرب هرب إلى باريس )كمواطن إلزاسي) ... “ومن ذكريات فيلهلم ليمبروك المؤثّرة بشكل خاص: „كنت في كولونيا لمدة عدة أسابيع في نهاية تموز/ يوليو 1914 عندما بدأت الأجراس القيصرية الكبرى للكاتدرائية تُقرع منذرة باقتراب الحرب بأسرع ما تستطيع. لا بأس، إنها الأجراس القيصرية للكاتدرائية على الأقل.
ولكن الأمر لم يطل إلى أن نزلت سرايا الجنود إلى الشوارع في مارشات عسكرية تغطّي خوذها بأوراق البلّوط الخضراء وتنهمر عليها زهور الصيف من جميلات الصبايا والنساء. وهم يهتفون عالياً أو يغنّون: „علا صوت النداء... “أو „ألمانيا، ألمانيا فوق الجميع“... عند ذلك نظرت من شرفة فندق صغير إلى الشارع مشدوهاً، وكالمشلول كنت أرى كيف تتحوّل آلاف من الرؤوس المتحمّسة للحرب إلى رؤوس قتيلة، نعم رؤوس ميّتة مكشّرة ذات أفواه فاغرة وفي كل منها فتحتان سوداوان بجانب الأنف الممزّق. نعم لقد رأيت ذلك."
صدمة الواقع في منتصف عام 1915 لم يعد معظم مؤيّدي الحرب يفكّرون بالطريقة نفسها التي كانوا يفكرّون بها قبل عام من ذلك التاريخ. والسبب هو التغيّر الكبير الذي أحدثته الحرب في وضعهم. فالكثير من الفنانين أصيبوا بجراح خطيرة، كما أن آخرين انهاروا تماماً كحال ماكس بِكمان وإرنست لودفيغ كيرشنر. كما قُتل من الجانب الألماني كل من أوغست ماكه وألبرت فايزغيربر ومن الجانب الفرنسي هنري غوديير ــ برزسكا. لقد عايش الجميع على الجبهة أو خلفها تماماً أعمال الإبادة العسكرية المتواصلة والتي شملت كل مكان. وما كتبه أوسكار شلمر ينطبق على كل الفنانين تقريباً: „لم أعد ذلك الرجل الذي تطوّع بنفسه للحرب في آب/ أغسطس. لا جسدياً وبالتأكيد ليس نفسياً أيضاً. “ أكمل هانز رشتر بعد ذلك: „كنّا خلال الحرب ضد الحربز"
ورغم كل إجراءات المراقبة فقد بدأ الفنانون يعملون لنقل ما عايشوه من تدمير هائل بمجرد أن أدركوا ذلك وفور عودتهم إلى مراسمهم وورشاتهم. وكان هدفهم إيصال هذه التجربة وهذا الموقف المضاد للحرب إلى الجمهور العريض عبر سلسلة من الأعمال الفنّية. كان هذا حال كل من الفنانين الألمان فيلي ياكِل وماكس سليفوغت، والفرنسي فيلكس فالوتون والبلجيكي فرانس ماساريل. كما أن الفنانة الروسية ناتاليا غونتشاروفا أنتجت سلسلة أعمال كهذه. إذن فلم ينتظر الفنانون إلى نهاية الحرب ليعلنوا عن نقدهم الحاد لها بشكل فني، بل فعلوا ذلك مبكّراً بعد تجربتهم الأولى فيها.
وهذا ينطبق على كل البلدان. كان أولئك الفنانون الذين سماهم باول كلي "رسامين بلا ريشة" في مواقعهم المتفرّقة في الجبهة أو خلفها مضطرين لاستخدام تكنيكات بسيطة ولوحات صغيرة قابلة للنقل السريع. رغم ذلك فقد عملوا كثيراً بهذا العتاد البسيط. يقول أوتو ديكس: „تراكمت أعمالي حتى لم أعد أعرف أين أذهب بها. “وسنقتصر هنا على بعض الأمثلة فقط: فقد عالج فرناند ليجيه وديكس حدث الحرب المرعب والفريد والدمار الذي رافقه بشكل أساسي. بينما كرّس بِكمان والروسي أوسيب زادكين أعمالهم لمعاناة الضحايا. في حين عكست أعمال لودفيغ مايدنر والنمساوي إيغون شيله التقابل بين الغرباء بطريقة مكثّفة. وكان موضوع عمل فيليكس فالوتون هو تأثير الحرب على الطبيعة والأرض التي أصبحت يباباً. أما من ناحية التكنيك وطريقة العمل فقد تغيّرت بالمقارنة مع الفن المعتاد تحت تأثير تجربة الحرب وبشكل فردي تماماً.
وأصبحت في الكثير من الحالات أكثر توجّهاً إلى الواقع . وقد اكتسب سؤال الهوية الخاصة موقعاً مركزياً لدى أولئك الفنانين المعزولين والمتروكين بلا أية مساعدة والمحرومين من التواصل وتبادل الخبرات مع زملائهم من الفنانين. وكان وضعهم كجنود يقيّدهم مكانيّاً ويجعلهم يحسّون بأن الموت قريب منهم ويحرمهم من جو المرسم الآمن. ينطبق ذلك بشكل خاص على الفنانين الألمان، وأقل على الفنانين الطليان والفرنسيين بسبب ما ظُنّ أنه وطنيّتهم وإن كان السبب الأهم هو وضوح موقفهم وثباته. كان الأمر يبدو وكأن الفنان قد فقد دفعة واحدة كل شيء ثابت في حياته بما فيه دوره ومكانته. وكثيراً جداً ما عرض الفنانون أنفسهم كأشخاص حائرين وفاقدين للتوجّه. نرى مثلاً لودفيغ كيرشنر ــ الذي لم يكن في الجبهة ــ في صورة ذاتية له تعود إلى عام 1915 في حالة رعب وذراعه اليمنى مبتورة. لقد فرضت هزّات الحرب نفسها على اللغة الفنية وتركت آثارها في أسلوب بعض الفنانين.
وأثر ذلك بين الفنانين الألمان أكثر وضوحاً مما هو بين زملائهم الفرنسيين والايطاليين. إذ فقد ماكس بكمان شعوره القديم بالأمان وصار يحاول عبر الرسم بخطوط مرتجفة أن يجسّد ذلك الواقع في لوحته. كما اخترع أوتو ديكس لغة تصويرية متوحّشة مطبوعة بتجربة الخراب التي عايشها. حتى باول كلي الذي لمع بأوراقه الملوّنة خلال رحلته إلى تونس انتقل إلى الرسم بالأبيض والأسود كطريقة للإنذار بالخطر المحدق. لم يعد من الممكن التعبير عن الواقع بالوسائل المعهودة، فهي تتطلّب طرقاً تجريبيّة ووسائل من نوع آخر. والسبب هو، كما قال إرنست بارلاخ في ربيع 1915، „أن معايشة التجربة لا تتم في العين ولكن في النفس."
نحو الجذرية المتطرّفة
غير أن أمراً مفاجئاً تماماً ما لبث أن حلّ بالفن خلال الحرب العالمية الأولى وهو سيره باتجاه التجذّر، وخاصّة لدى أولئك الفنّانين الذين سُرّحوا من العمل العسكري لأسباب صحيّة وعادوا ليعملوا في مراسمهم.
فتحت تأثير الحرب آثر كثير من الفنانين أن يبدأوا بداية جديدة. طالب غروش مثلا كما مارس أيضاً بريشته الحادّة وبدون أي اعتبارات ملطّفة „الوضوح المؤلم والوحشي“. أما كلي فقد انصرف إلى الفن التجريبي والعمل المفعم بالشاعرية والألوان والتجريدي نوعاً ما. أخيراً فقد تخلّى بكمان عن فنّه التاريخي لصالح بداية جريئة باستخدام أكثر الوسائل التصويرية بساطة. وهكذا فيبدو أن حالة الحرب المتطرّفة في قساوتها والتي عانى منها الجميع، حتى بعد عودتهم إلى مراسمهم وورشاتهم، قد زادت من حدّة الإدراك والحساسية للموقف والجرأة في التغيير والدقّة في الممارسة الفنّية.
أضف إلى ذلك فقد ظهرت أثناء الحرب وبطريقة مفاجئة تماماً الحركة الدادائية ببرنامجها الذي أراد تثويرا كاملاً للفن. فمنذ شباط/ فبراير عام 1916 بدأت مدينة زيورخ تثير اهتمام الرأي العام. إذ كان الفنّانون والشعراء قد هربوا من بلدانهم المحاربة إلى سويسرا المحايدة. كتب هانز آرب: „كرّسنا أنفسنا للفنون الجميلة هربا وقرفاً من فظائع الحرب العالمية الأولى 1914. فبينما كانت المدافع تهدر في الفضاء البعيد كنّا نحن نغنّي ونرسم ونلصق لوحاتنا ونكتب الشعر بكل قوانا. لقد كنا نبحث عن فن واضح وأصلي يحاول أن يشفي الناس من جنون العصر، وعن نظام جديد يوازن بين الجحيم والجنة.“ وقف هؤلاء الفنانون ضد كل شيء: الحرب والبورجوازية وأخيراً ضد الفن البورجوازي أيضاً.
كانوا يقدّمون عروضهم في Cabaret Voltaire ــ أي نادي فولتير ــ بما في ذلك الرقصات بالأقنعة والقصائد الخالية من الكلمات والقصائد الارتجالية وموسيقى الألفاظ. لقد وُلد هذا العمل الكبير فنّاً جديداً. وما لبثت الدادائية أن ازدهرت في نيويورك وبرشلونة وفي كولونيا بعد انتهاء الحرب وكذلك في برلين وباريس. أخيراً ففي زمان الحرب نفسها أيضاً تم وضع التصاميم الأولى الكبرى لاتجاهات فن القرن العشرين التالية. كان ذلك من خلال أعمال كاسيمير ماليفيتش وفلاديمير تاتلين في موسكو وبييت موندريان في هولندا ومارسيل دوشامب في نيويورك وبابلو بيكاسو في باريس وجيورجيو دي كيريكو في فيرارا.
كان مارسيل دوشامب قد هرب من الحرب إلى نيويورك عام 1915، وكانت الولايات المتحدة مازالت محايدة تجاه الحرب. وهناك بدأ الفنان بتنفيذ عمله الفني "الإناء الزجاجي الكبير"بعنوان: "العروس تتعرّى على يد فتاها، حتّى!". وكان هذا العمل هو بداية وأساس ما سمّي "فن الفكرة الموجّهة". وفي روسيا حيث كان المرء قد انعزل عن عالم الفن الغربي استطاع ماليفيتش في عام 1915 الوصول إلى التجريد الخالص. بينما أسّس فلاديمير تاتلين نوعاً فنيا جديدا هو الصورة المادية الخالصة. واحدة من التحولات غير المتوقّعة إطلاقاً في تاريخ الحركة الطليعية هي ذلك التحوّل المفاجئ لبيكاسو بابتعاده عن التكعيبية التي كانت قد جعلته تجسيداً للفنّان الحديث بالأصل.
وكانت „أولغا في الكنبة“ (1917) تلك اللوحة المدهشة بنزعتها الطبيعية هي قمة توجّه جديد فتح الطريق أمام التيارات الواقعية الجديدة في عشرينات القرن الماضي في ايطاليا وألمانيا وفرنسا. في الوقت نفسه كان هناك من يواجه الصورة المثالية للعالم التي يعاد رسمها وكأن كل شيء فيه مازال سليماً. ومقابل هذه الصورة رسم الفنانون صورة جديدة لعالم ممزّق وغارق في الخرافة. فعندما أقام كل من جورجيو دي كيريكو وكارلو كارّا في نيسان/ أبريل 1917 في إحدى المصحات العقلية العسكرية في فيرارا والتي طلبا النقل إليها تهرّباً من الخدمة في الجبهة وجدا الوقت والإمكانية للرسم. وقد أنتج دي كيريكو في فيرارا في تلك السنة بعض أعماله الكبرى التي أدخل فيها التباين والاختلاف إلى الوحدة التصويرية للوحة بطريقة ملغزة. وهو ما أصبح مرشداً لسورياليي العشرينات قبل غيرهم.
صحيح أن مجموعة الطليعيّين العالمية تبعثرت تماماً في عام 1914، لكنّ أفرادها استطاعوا خلق عوالم فنّية جديدة بسبب الصدمات الوجودية وأشكال المعاناة المتعددة التي عانوا منها. وقد نشأت تلك العوالم الفنية التصويرية لأسباب مختلفة ولأهداف متباينة: ضد الحرب أو بالرغم من الحرب أو بسبب الحرب أو تحت ضغط الحرب نفسها.



===============
===============
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2014, 11:53 PM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

مائة عام على الحرب العالمية الأولى..


عكاز لمن لا حيلة له
إستراتيجية ألمانيا "الإسلامية" بين 1914- 1918



حاولت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى أن تشعل الأوضاع في الشرق الأدنى. ولم تختلف الآراء حول وجه من وجوه الحرب الكبرى كما اختلفت حول إستراتيجية التثوير هذه. وهو ما يدفعنا للتساؤل ما إذا كان بإمكاننا أن نواصل التمسك بالتأويل الموروث، الذي يرى أن الأمر يتعلق في هذه الإستراتيجية بعملية غير مدروسة، جاءت تعبيرا عن جنون الإمبريالية الألمانية؟

ضربت الحرب الكبرى في البداية كل الثوابت السياسية والعسكرية السابقة عليها بعرض الحائط. ففي الثاني من آب/ أغسطس 1914، وقّعت ألمانيا والإمبراطورية العثمانية على معاهدة تحالف عسكري، في حين أنه أسابيع قليلة قبل التوقيع، لم يكن ذلك بالأمر الممكن. فهيئة أركان الحرب والخارجية الألمانيتين كانتا تتخوفان من أن يتحول التحالف مع الإمبراطورية العثمانية إلى عبء على ألمانيا، وأن يعمق من الصراع مع بريطانيا بشكل لا يمكن التحكم فيه. لقد سعت برلين ما بين 1817 و 1914 إلى إقامة علاقات جيدة مع الباب العالي، لكنها تجنّبت دائما، وفي نجاح، التوقيع على اتفاقيات ملزمة. لكن اندلاع الحرب دفعها إلى تغيير إستراتيجيتها: فألمانيا احتاجت في حربها ضد فرنسا وبريطانيا وروسيا إلى حلفاء، ولم يكن أمامها من خيار آخر سوى الإمبراطورية العثمانية. وكان هذا التحالف الألماني ـ العثماني تعبيرا عن الضعف الألماني وليس عن الامبريالية الألمانية. موقف ضعف
ورغم هذا الحليف الجديد فإن الوضع الجيوإستراتيجي لألمانيا وحليفتها الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية كان في غاية الهشاشة. ففي جنوب أوروبا لم يكن في البداية ممكنا التأكد من موقف الدول المحايدة رومانيا وبلغاريا. وكان البريطانيون والفرنسيون يسيطرون على البحار ويراقبون سواحل آسيا الصغرى. وكانت ترابط في مصر فيالق قوية للبريطانيين، بل إن بريطانيا تمكنت من أن تقيم في هذا البلد نظاما استعماريا صارما. وبعيد إعلان الإمبراطورية العثمانية الحرب، بدأ تدفق القوات البريطانية ـ الهندية من الخليج الفارسي وعبر نهري دجلة والفرات. ورغم أن الحدود بين الإمبراطورية العثمانية وفارس كانت مفتوحة، إلا أن روسيا وبريطانيا كانتا تراقبان هذا البلد سياسيا وعسكريا. واندلعت في القوقاز حروب ساخنة بين الأتراك والروس ولم تكن الإمبراطورية العثمانية مستعدة لمثل هذا الصراع. فحروب البلقان أنهكتها والجيش كان يوجد في مرحلة إعادة هيكلة. ولم تتوفر الإمبراطورية على صناعة لإنتاج الأسلحة والذخيرة، فقد كانت مرتبطة كليا بالاستيراد. وكانت جيوشها تقاتل على جبهات متعددة وفي ظروف سيئة وضد خصوم أقوى.
أمل الباب العالي بصمود قواته حتى تصبح ألمانيا في وضع يسمح لها بتحقيق انتصار على القوى الغربية، مما كان سيمكّن الإمبراطورية العثمانية من الجلوس في محادثات السلام بجهة القوى المنتصرة. لقد كان الوضع الاستراتيجي لألمانيا وحلفاءها في الشرق ضعيفا. لكنه قدم مع ذلك فرصا جديدة: فانطلاقا من الأراضي العثمانية كان يمكن الوصول بسهولة إلى مناطق النفوذ الروسية والبريطانية في بلاد فارس كما أن الهجوم على مصر كان ممكنا نظريا.
وكان من شأن تحقق الأمرين أن يقطع الاتصالات بين بريطانيا والهند، لكن ألمانيا وحلفاءها لم تتوفر لهم الوسائل العسكرية للهجوم. أما الجيش العثماني فكان ضعيفا. ولم يكن واردا أن يتم إرسال أعداد كبيرة من الجيوش الألمانية وحلفاءها إلى الشرق، حتى لا يتأثر وضعها سلبا في أوروبا. ولهذا توجب العثور على طرق أخرى من أجل تحسين الوضع العسكري للإمبراطورية العثمانية وفي الآن نفسه إضعاف القوة العسكرية لبريطانيا في الشرق، وهو فعلا ما تم القيام به.
الجهاد على الطريقة الألمانية
تبنى الأتراك والألمان إستراتيجية عرفتها الحروب القديمة والتي يمكن التعبير عنها بالجملة القائلة: „عدو عدوي، صديقي“. إذ تمحورت إستراتيجية ألمانيا وتركيا في التلاعب بالتناقضات الدينية والإثنية والسياسية في المناطق الخاضعة للقوى المعادية بهدف خلق ثورات فيها، من أجل إضعاف موقف بريطانيا وروسيا أولا. ولم تنحصر هذه الإستراتيجية في الشرق الأدنى. فقد حاول عملاء الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية تأليب اليهود للقيام بثورة ضد روسيا في القسم البولندي الخاضع لها. وفي ايرلندا دعمت المخابرات الألمانية المتمردين الكاثوليك وفي روسيا الشيوعيين الروس. وفي الشرق الأدنى ساهم الألمان والنمساويون والأتراك في "الجهاد الإسلامي" ضد بريطانيا وحلفائها.
وقد بدا الأمر مبشرا بالنجاح من جهة تعبئة القاعدة الدينية ضد بريطانيا ومن جهة أخرى شرعنة حرب ألمانيا وحلفاءها في المنطقة عبر إعلان السلطان العثماني خليفة للمسلمين قاطبة والدعوة إلى وحدة المسلمين، بغض النظر عن قومياتهم. وقد لخّص البارون الألماني ماكس فون أوبنهايم خطط الوحدة الإسلامية في مذكرة بعنوان: „تثوير المناطق الإسلامية الخاضعة لأعدائنا“ بعث بها في أكتوبر 1914 إلى الحكومة الألمانية. ومن أجل تنسيق العمليات في المنطقة، تم تأسيس هيئة لأركان الحرب، تعاونت تعاونا وثيقا مع الخارجية الألمانية. وشغل أوبنهايم منصب رئيس مكتب الاستعلامات الخاص بالشرق، الذي هدف إلى دعم بروبغندا السلطان العثماني ودعم الحركات المتمردة في الشرق الأدنى. إن هذه المؤسسات إضافة إلى كتابات أوبنهايم دفعت المؤرخين في الماضي إلى الحديث عن „جهاد على الطريقة الألمانية“، أي عن حركات ثورية زرعتها ألمانيا في المنطقة لخدمة أهدافها الامبريالية.
لكن الواقع كان مختلفا عن ذلك. ففي البداية نشطت المكاتب الألمانية ـ ورغم بعض الخلافات ـ في اتفاق تام مع الحلفاء العثمانيين. وتم تنسيق وتخطيط الأنشطة العثمانية من طرف مخابرات إنفير باشا والمكتب المركزي للحركة الإسلامية، الذي كان تابعا لوزارة الحربية. كما أن خارطة الوحدة الإسلامية كانت مطروحة على جدول الأعمال لمّا اندلعت الحرب العالمية الأولى. فمنذ عام 1900، وبعد خسارة مناطق واسعة في أوروبا ذات أغلبية مسيحية، شكلت أفكار الوحدة الإسلامية جزءا أساسيا من الإيديولوجية التي كانت تقوم عليها السياسة العثمانية. فقد كانت التصورات عن الوحدة الإسلامية مناسبة لتقديم دعم إيديولوجي لقوى المقاومة ضد القوى المسيحية كما هو الحال في ليبيا.
ويمكن تتبع آثار التأثير القوي لإيديولوجية الوحدة الإسلامية في السياسة العثمانية حتى فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني. فقد أكد السلطان في حيوية دوره كخليفة لثلاثمائة مليون مسلم، حتى وإن كانوا لا يقعون تحت سلطته. ولذلك فلم يكن البتة رجال البروبغندا الألمان من صدروا فكرة الوحدة الإسلامية إلى المنطقة. بل استغلوا تلك الفكرة، التي كانت حاضرة في المنطقة، لأهدافهم.
عمليات
كان للبروبغندا الألمانية ـ النمساوية خارج الحدود العثمانية هدف واحد في إيران ومصر وأفغانستان وهو العمل على إشعال نار الثورة وحمل الحكومات على الدخول في الحرب إلى صفهم أو الإطاحة بها وتعويضها بنظام جديد من شأنه القيام بهذه المهمة. ومباشرة بعد دخول الإمبراطورية العثمانية في الحرب، أرسلت بعثات إلى الدول المجاورة، هدفت إلى نشر البروبغندا العثمانية والتخطيط لإشعال ثورات فيها. وأكبر مثال على ذلك ما حدث في إيران.
فقد كان هذا البلد مقسما إلى منطقتي نفوذ روسية وبريطانية، أما سلطة الحكومة المركزية فقد ظلت منحصرة في العاصمة طهران. أما السلطة المحلية الوحيدة فقد كانت تعتمد على قوات درك يقودها ضباط سويديون ويبلغ تعدادها خمسة آلاف رجل. وقد لعبت القبائل التي كانت تتمتع بقسم من الاستقلال الذاتي دورا أساسيا في السياسية الإيرانية. أما العملاء الألمان الذين كانت تقودهم الخارجية الألمانية فقد تسللوا منذ بداية العام 1915 إلى إيران. وقد تمكنوا من كسب قسم كبير من الوجهاء وزعماء القبائل إلى صفهم.
وقد تكللت جهودهم بالنجاح لأنهم جمعوا بين استخدام الرشوة والبروبغندا الإسلامية والقومية. وقد حققت العملية نجاحا جعل البريطانيين يرون في الألمان وحلفائهم منذ تشرين الأول/ أكتوبر 1915 "سادة لطهران". لكن فشل الانقلاب الذي أعدّ له بشكل ارتجالي شهورا بعد ذلك أتى على النجاحات التي حققها التدخل الألماني ـ العثماني. وبدا للوهلة الأولى كما لو أن كل المحاولات التثويرية لألمانيا وحلفائها فشلت، فلم تحدث ثورة في مصر والتزمت أفغانستان الحياد وظل السودان هادئا، لكن الأوضاع كانت معقدة.
تأويل
وبعد الحرب انتقد العديد من الألمان مشاريع التثوير بقوة. أوطو ليمان فون ساندرس الذي تزعم المهمة العسكرية الألمانية في تركيا اعتبر تلك الخطط „كبيرة ولكنها غير واضحة“ أما السفير الألماني ووزير الدولة لاحقا ريشارد فون كيلمان فقد كتب في مذكراته: “هذه البعثات كانت مصيبة كبرى. ففي أذهان الألمان ظل الشرق محتفظا بالكثير مما جاء في ألف ليلة وليلة“. أما كورت بريفر، أحد قيادات الإستراتيجية التثويرية، فقد انتقد تلك البعثات باعتبارها كانت تقوم على أوهام. لكن الأبحاث المعاصرة أظهرت بأن الهزيمة أرغمت الكثير من الألمان على النظر إلى أنشطتهم بين 1914 و 1918 بخليط من الحقد على الذات والحطّ من أهمية النجاحات التي تم تحقيقها.
ولقد اعتمدت الدراسات العلمية حول هذا الموضوع منذ 1960 على هذه التأويلات وعملت على توسيعها إيديولوجيا. ويعتبر العمل الذي قدمه المؤرخ فريتس فيشر في هذا السياق الأكثر تأثيرا. فانطلاقا من عمله وعمل أتباعه ثم استنتاج فكرتين مثيرتين للجدل، أولا: بأن إستراتيجية التثوير كانت فاشلة تماما، وثانيا: أنها كانت جزءا من خطة امبريالية ألمانية للسيطرة على العالم، عرفت بدايتها مع رحلة القيصر فيلهلم الثاني إلى الشرق عام 1898. ورغم أنه لا يمكن الدفاع عن هذه الفكرة إلا أنه كان لها تأثير كبير حتى نهاية القرن.
إعادة تأويل
يتوجب أولا التذكير بوضع ألمانيا وحلفاءها في الشرق الأدنى. إن ألمانيا نشطت هناك انطلاقا من موقف ضعيف ورجال السياسة الشرقية لألمانيا كانوا يدركون ذلك. فلم تكن البلاد بقادرة على تحقيق مشاريعها الامبريالية. ومثلت عمليات التثوير وسيلة للتعويض عن هذا الضعف. كما أن محاولة خلق ثورة إسلامية ـ وكما ذكرنا سابقا ـ لم يكن البتة فكرة ألمانية هدفت لاستغلال العثمانيين كما يزعم فيشر. وقد استغلت ألمانيا رفقة حليفها العثماني إيديولوجية كانت قائمة وسبق استعمالها. وفي النهاية خطط لهذه الثورات لتكون مجرد مساعدات عسكرية في الهجوم على بريطانيا وروسيا.
فلم يكن الهدف تعويض السيطرة البريطانية والروسية بسيطرة ألمانية. ويتوجب في هذا السياق أيضا مراجعة الفكرة التي تقول بالفشل التام لمحاولات التثوير الألمانية ـ العثمانية. فنظرة على النموذج الإيراني تؤكد ذلك بوضوح. ومن المدهش في هذا السياق أن المنافحين عن الأطروحة الامبريالية لم يلتفتوا إلى الرؤية البريطانية والروسية المتعلقة بخطط تثوير الشرق. فالمراجع البريطانية تتحدث مثلا عن نجاح وشيك للعملاء الألمان. ففي أيلول/ سبتمبر 1915 توقع نائب الملك البريطاني في الهند حدوث ثورة وإعلان الحرب على بريطانيا خلال أسابيع. وهو ما دفع بريطانيا إلى اتخاذ إجراءات كبيرة. وتمكن مائة من العملاء الألمان ما بين 1915 و 1918 على إرغام عشرة آلاف من الجنود البريطانيين والروس على البقاء في الهند.
فلم تتمكن هذه القوات من المشاركة في الحرب القائمة في أوروبا. كما أن العمليات الألمانية والعثمانية أرغمت بريطانيا على إنفاق أموال طائلة في إيران. ففي الوقت الذي لم تبلغ فيه نفقات الحكومة الألمانية في هذا البلد بين عام 1914 و 1918 أكثر من ثمانية وأربعين مليون مارك ذهبي، أنفقت بريطانيا في عام 1918 وحده أكثر من ثلاثين مليون جنيه ذهبي، وهو ما يعادل ثلاثمائة وستين مليون مارك ذهبي، من أجل وقف محاولات التمرد التي يقف خلفها الألمان. لكن هذه الثورات الإسلامية كان لها تأثير كبير في مناطق أخرى. فقد تخوفت الحكومة البريطانية من أن يكون هناك صدى للبروبغندا الإسلامية لألمانيا وحلفائها في الهند بأقليتها المسلمة القوية. فمنذ كانون الأول/ ديسمبر 1914 شهدت باريس مؤتمرا فرنسيا ـ بريطانيا لمناقشة سبل مواجهة البروبغندا الإسلامية.
وقد خطت بريطانيا خطوة أخرى في العام 1916، إذ قام الجيش والمؤسسات المدنية في مكتب العرب بالقاهرة بمواجهة الطموحات الإسلامية. وكان مكتب العرب مشهورا لأنه بداخله تمت دراسة ومراقبة ما سمي بالثورة العربية. لكن من غير المعروف أن هذه المؤسسة التي خرجت إلى الوجود عام 1916 لم يكن الهدف منها تحقيق ثورة عربية وإنما كان في ذلك الوقت مواجهة التهديدات الإسلامية. إن ما سمي بالثورة العربية، والتي لم تمثل في واقع الأمر سوى هجمات لا تأثير عسكري لها، كانت عبارة عن بروبغندا مناهضة للعثمانيين. ولما رفع شريف مكة عام 1916 السلاح، كان الدور الأساسي مكتب العرب في القاهرة وضع إستراتيجية للتواصل. وتمثلت الفكرة الأساسية في نزع الشرعية عن السلطان العثماني كخليفة للمسلمين ودعوته إلى "الحرب المقدسة".
وكانت المنشورات التي وزعت في شمال إفريقيا والهند ومصر والسودان تقول: إذا كان المسلمون العرب قد حملوا السلاح ضد السلطان العثماني، فكيف يمكنه أن يتحدث باسم كل المسلمين ويعلن الحرب على الحلفاء؟ لكن تأثير هذه البروبغندا ظل محدودا. فمن مصر كتب المفوض البريطاني هنري ماكماهون مثلا إلى لندن: „ينظر إلى حسين كمتمرد على الخليفة وكأداة في يد البريطانيين“.
نتائج البروبغندا
ومع انهزام ألمانيا وحلفاءها في العام 1918 توقفت محاولات التثوير جميعها. لكن التطورات اللاحقة أظهرت بأن تلك المحاولات كان لها تأثير حتى بعد نهاية الحرب. ففي مصر منعت بريطانيا بقوة السلاح بين العام 1914 و 1918 كل معارضة سياسية. ومن أجل الإجهاز التام على بروبغندا الوحدة الإسلامية التي ارتبطت بالعثمانيين مارست السلطات البريطانية إجراءات الرقابة على البريد والأخبار. كما قامت بطرد كل الألمان والنمساويين المتواجدين في البلد أو أقدمت على سجنهم، كما طردت من القطاع العمومي كل الموظفين المنحدرين من هذين البلدين.
وأعلن قانون الحرب منذ شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1914. كما تم ترحيل مئات من المعارضين السياسيين المصريين، وقد قادت هذه الإجراءات القمعية إلى ثورة في مصر عام 1919، لكن الثورة جاءت متأخرة بالنسبة للألمان، لكنها كانت نتيجة لأنشطتهم في المنطقة. ونتيجة لهذه الثورة تمكنت مصر عام 1922 من الحصول على سيادة موسعة. أما بريطانيا فاضطرت لكي تودع خططها بسيطرة كاملة على الشرق الأدنى. وكان الوضع شبيها بذلك في أفغانستان. فالبعثة الألمانية إلى أمير أفغانستان بقيادة أوسكار فون نيدرماير، هدفت إلى تشجيعه على مهاجمة الهند في أحد أشهر العمليات الألمانية خلال الحرب. لقد كان للخبر وقع القنبلة في مكتب الخارجية البريطاني عام 1915، خبر نجاح بعثة ألمانية في الوصول إلى أفغانستان وفشل كل الجهود البريطانية والروسية في اعتراضها.
لقد تحدث العملاء البريطانيون عن أجواء حرب داخل قبائل الشعب الأفغاني التي كانت تأمل بإعلان الأمير الجهاد ضد بريطانيا. ولربما لم تستطع ألمانيا استغلال ذلك بنجاح. فلم ينجح نيدرماير ورغم وجود حزب قوي مناصر للحرب داخل بلاط الأمير في إقناع الأمير بالتراجع عن سياسة الحياد التي كان ينهجها. وتظهر النظرة إلى التطورات اللاحقة في المنطقة إلى أي حد كانت السياسة الألمانية قريبة من النجاح. فبعد اغتيال والده حبيب الله عام 1919 واعتلائه العرش تسبب هدفه المتمثل في استرجاع السيادة الكاملة للبلاد في حرب ضد بريطانيا، لكن جاء ذلك متأخرا بسنة بالنسبة للألمان. فلقد سقط والد الأمير الجديد ضحية لعملية اغتيال قام بها أعضاء في الحزب المناصر للحرب، لأنه كان يتملكهم إحساس بأن الأمير العجوز لم يغتنم الفرصة التي قدمها له الألمان.
لكن الحرب البريطانية ـ الأفغانية الثالثة، التي أعقبت تلك الأحداث، شكلت تحديا جديا للبريطانيين، الذين واجهوا صعوبات كبيرة في أحد جبهات القتال كما أنها كانت تتهددهم من الخلف انتفاضات القبائل الهندية. وتمكن الأمير الجديد في المفاوضات التي أعقبت الحرب من تحقيق كل أهدافه السياسية، وخصوصا بسط سيطرته على السياسة الخارجية للبلد. وكانت الحجج التي ساقها أمان الله من أجل إقناع الأفغان بحمل السلاح أمرا مثيرا للتعجب. لقد كانت شبيهة بتلك الحجج التي قدمها الألمان لوالده سنوات قبل ذلك. وخصوصا تلك المتعلقة بالإشارة إلى الوضع السيئ للمسلمين تحت الاستعمار البريطاني وتهديد البلاد الإسلامية بسبب الحرب البريطانية على تركيا والدعوة إلى الجهاد. وقد أمر الأمير الجديد بطباعة منشورات تزعم أن الهند ومصر أعلنتا الثورة على بريطانيا وأن ألمانيا دخلت من جديد في حرب ضد بريطانيا. وبدا كل ذلك مثل صورة طبق الأصل عن تقنيات البروبغندا الألمانية خلال الحرب العالمية الأولى.
خلاصة
لا يمكن اختزال محاولات التثوير التي قامت بها ألمانيا وحلفاؤها في الشرق، كظاهرة تاريخية، في تفسير مبسط وخطي. لقد عمدت هذه الدول إلى تبني هذه الوسيلة في البداية لأنها كانت في وضعية ضعيفة ومن أجل تعويض ضعفها السياسي والعسكري. لقد تخلى هذا التحالف عن تصدير القيم الأوروبية، داعما القيم ورؤى العالم المحلية.
وهو ما عمل على الأقل على تقوية الشعور القومي للحليف التركي كما تبين ذلك من دوره داخل التحالف. لكن نتائج عمليات التثوير لا تتكشف إلا عند النظرة الثانية: فالهدف الأساسي والذي تمثل في التحريض على الثورة وكسب حلفاء جدد لم يتحقق، لكن ذلك ساهم في استنزاف الخصم ماديا. وفي نهاية المطاف ساهمت أنشطة ألمانيا وحلفائها في تحقيق أهداف لم تكن تسعى لتحقيقها، وهو ظهور حركات مناهضة للامبريالية في المنطقة، ساهمت على الخصوص وبشكل مضطرد في إضعاف الموقف البريطاني.



===============
http://www.goethe.de/ges/phi/prj/ffs...ar12234130.htm
===============
===============
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2014, 11:56 PM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

مائة عام على الحرب العالمية الأولى..


وهم التفوّق الحضاري
تبدّل النزعة الاستعمارية مع الحرب العالمية الأولى



أنهت الحرب العالمية الأولى الطموحات الاستعمارية الألمانية. في الوقت الذي كانت فيه دول أخرى بالكاد بدأت بذلك، كبولونيا مثلاً. لكن ورغم أن زمن الاستعمار قد انتهى رسمياً فإن بُنى التفكير الاستعمارية والنزوع إلى التحكّم بالآخرين والدور السلطوي العالمي مازالت مستمرّة إلى اليوم وكثيراً ما تحدّد ولو بشكل غير واع نظرة الغرب إلى العالم. وما يلي هو محاولة لخلق وعي أكبر بهذه المسألة ومن ثمة لتغيير طرق التفكير المتعلّقة بها.

يخبرنا ترجمان السفارة الألمانية في بكين عام 1900 هاينرش كوردس: "لم أكد أنقل نظري من العربة إلى المحمل الذي يقل السيّد المبعوث والذي لم يكن يبعد عنّي أكثر من ثلاث خطوات حتى رأيت مشهداً جمّد الدم في عروقي. فعلى يسار المحمل الذي كان قد تجاوز مخفر الشرطة بقليل ظهر فجأة جندي يبدو عليه أنه من منشوريا بزيّه العسكري الكامل وعلى رأسه قبّعة مزيّنة بريشة زرقاء وزرّ أحمر يدل على رتبته. وكان يقف هناك بوضعية الرامي ولم تكن فوّهة سبطانة البندقية تبعد عن النافذة الجانبية للمحمل بأكثر من متر، أي أنها موجّهة بالضبط إلى رأس السيد فون كيتلر. صحت مرعوباً: „قف“. لكن الرصاصة خرجت في الوقت نفسه وانهار المحمل على الأرض". هذا الدبلوماسي الألماني الذي اغتيل عام 1900 هو كليمنس فون كيتلر وكان أرستقراطيّاً أصله من مدينة مونستر.
زرت مونستر منذ فترة وجيزة. اسم هذه المدينة مشتق من كلمة لاتينية تعني "الدير". وقد انتقل مقرّ الجامعة المحلية إلى القصر الذي كان يقطنه المطارنة الذين كانوا يحكمون المنطقة. أما اليوم فإن الطلاّب يشكّلون ما نسبته 15% من سكّان مونستر. وعندما يمر المرء عبر المدينة فعليه أن يكون يقظاً حيال الجيش الكبير من سائقي الدرّاجات أكثر من يقظته حيال السيارات. وقد فازت هذه المدينة الوادعة الواقعة في ولاية شمال الراين ــ ويستفاليا في عام 2004 في المسابقة العالمية لأفضل المدن من حيث جدارتها بالسكن.
لكن لهذه المدينة وجهاً قاتماً أيضاً. فأنا حتى الآن لم أنس مشهداً رأيته فيها في طفولتي. فقد حدث خلال السنتين اللتين قضيتهما في بيليفلد، المدينة المجاورة، عندما كنت لم أزل تلميذاً صغيراً أن المدرسة نظّمت لنا رحلة إلى مونستر فشاهدنا البحيرة الحالمة والقنوات الرومانسية التي تخترق المدينة القديمة. لكن الشيء الوحيد الذي علق في ذاكرتي لا علاقة له بهذا كله. فما ترك في نفسي أعمق الأثر هو تلك الأقفاص المعلّقة في برج كنيسة القديس لامبيرتي والتي حُبس فيها مسيحيون من أتباع مذهب تجديد العماد في القرن السادس عشر والذين كانوا قد ثاروا على المطران. كانت ألسنة هؤلاء قد أحرقت وهم أحياء وظلّت عظامهم معروضة على الناس وراء تلك القضبان خمسين سنة.
في ذلك الوقت لم أكن طبعاً قد سمعت بكيتلر. وقد علمت فيما بعد أن حديقة ذلك القصر المُدهش تخبّئ أسرارا ليس من المرغوب عرضها على النقاش العلني. من تلك الأسرار ثلاثة نُصُب تذكارية لجنود سقطوا في حروب ألمانيا الامبريالية في بداية القرن العشرين. وعلى واحد من تلك النصب قرأت ما يلي: „تخليداً لذكرى السيّد مبعوث القيصر الألماني كليمنس فون كيتلر الذي سقط خلال تأدية واجبه في بكين في العشرين من حزيران/ يونيو عام 1900."
ليس سهلاً أن تعثر الآن على تلك النصب التذكارية لأن شجيرات الحديقة الكثيفة وأعشابها قد غطّتها تماماً. وكان أحدهم قد بخّ على إحدى تلك المسلاّت كلمة "دم" باللون الأحمر وإن كان يبدو لي أن إحساساً عابراً بالوطنية قد خامره بعد ذلك فأضاف إلى الكلمة إشارة استفهام... لكن إشارة الاستفهام تلك لم تكن ضروريةً أبداً إذ أن أيدي كيتلر وجنود القيصر كانت قد غاصت في الدماء. ولعل الصور المنشورة أعلاه توضح لنا طريقة تعامل ألمانيا الحالية مع تركتها الاستعمارية.
من هم الهون؟
لقد كان كيتلر مشاركاً كدبلوماسي بالسياسة التي انتهت بتدمير الصين وخضوعها للقوى الاستعمارية. لقد أعطى الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين الذين احتجّوا على النفوذ الأجنبي. وكان يضرب المساجين الذين يقعون في أيدي الجنود الألمان ويهينهم بنفسه. وكرد فعل على اغتياله أرسلت ألمانيا حملة عسكرية كان هدفها القضاء على "انتفاضة الملاكمين" الذين ثاروا ضد المستعمرين. وقد نشرت إحدى الصحف المحلية في تلك الأيام النكتة التالية: „السؤال: هل من الصحيح أن الأوروبيّين يريدون تحطيم الصين؟ الجواب: نعم، وقد بدأت الخادمة عندنا بالخطوة الأولى في ذلك عندما كسّرت المزهرية الكبيرة في الصالون
لهذه النكتة علاقة بالموقف الألماني في ذلك الوقت. فقد كانت فرنسا وبريطانيا وأمريكا وقوى استعمارية أخرى مشغولة ومنذ فترة طويلة بتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ. وكان استغلال بلدان ما وراء البحار يجلب أرباحا هائلة. لذلك فقد أرادت ألمانيا التي لم يكن قد مضى على وحدتها أكثر من ثلاثين عاماً أن تنضم إلى هذا النادي الاستعماري بأي ثمن. لكنها لم تنجح في ذلك كما يجب. كان جوهر السياسة القيصرية يتحدّد بفكرة صاغها عالم الاجتماع الألماني المعروف ماكس فيبر بالشكل التالي: „علينا أن ندرك أن توحيد ألمانيا كان انقلاباً على ماضيها وقد كلّف ثمناً باهظاً كان من الأفضل توفيره لو أن تلك الوحدة لم تكن البداية لأن تصبح ألمانيا قوة عالمية عظمى وتمارس سياستها على هذا الأساس“.
ولم يترك القيصر مجالاً لأي شك في المعنى الحقيقي لذلك. فقد ألقى خطبة في بريمن على جنود الحملة المتجهة إلى الصين ــ وهي الخطبة التي اشتهرت بخطبة الهون ــ شرح فيها ظروف شنّ تلك الحملة وأهدافها. ورغم وجود أكثر من رواية لهذه الخطبة يمكن للمرء الانطلاق من أن ما يلي جاء فيها فعلا: „لا ترحموا أحداً. ولا تقبلوا أسرى. وافعلوا ما تريدون بمن يسقط في أيديكم. وكما استطاع الهون بقيادة ملكهم أتيلا قبل ألف سنة أن يخلّدوا ذكرهم بحيث مازال اسمهم رمزاً للقوة في الروايات والأساطير يجب أن يظلّ اسم الألماني مهاباً في الصين من خلال أعمالكم حتى بعد ألف سنة بحيث لا يجرؤ أي صيني أن ينظر إلى أي ألماني حتى ولو بطرف عينه“.
وقد أصبح لنكتة المزهرية المذكورة أعلاه معنى مزدوج مع مرور الوقت. فرغم أن القتال كان قد حُسم قبل وصول الحملة الألمانية إلى الصين لم يمنع ذلك الجنود الألمان من المشاركة في الفظائع التي كان المستعمرون هناك يرتكبونها في حق المنهزمين. كتب أحد جنود الحملة إلى أمه أن الصينيين مستثنون من حقوق الإنسان ولذلك فيمكن قتلهم بلا حدود وأنّهم كانوا يُقتلون طعناً توفيراً للذخيرة. لكن ذلك الجندي لم يذكر حوادث الاغتصاب الجماعية وحوادث السلب والنهب التي لا تناسب رسالة إلى الأم، على ما يبدو.
بعد ذلك الوقت بعدة سنين، في الحرب العالمية الأولى استخدمت الصحافة البريطانية تلك المقارنة التي عقدها القيصر الألماني مع الهون للسخرية منه بأن قلبت طرفيها بحيث أصبح الهون هم الألمان „في الواقع“.
الاستعمار في أوروبا نفسها
لقد حاولت القيصرية الألمانية أن تعوّض تخلّفها عن ركب المستعمرين العالميين الكبار، كالبريطانيين مثلاً، بأن تستعمر داخل أوروبا. وكانت النتيجة هي وقوع مناطق الدانمارك وبولونيا القديمتين تحت الاحتلال الألماني على أثر حروب القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وتحت شعار "التوغّل في الشرق" نفّذ الألمان عملية "جرمنة" موجّهة للبولونيين بلغت أوجها منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى عام 1918 عندما حصلت بولونيا على استقلالها.
لا تختلف هذه الجرمنة كثيراً عن الاستعمار. فقد طبّق المحتلّون قوانين عنصرية على الأهالي واستبعدوا لغتهم من المدارس وحدّوا من تطوير حركة البناء „في الأراضي غير الألمانية“ كما جلبوا مزيداً من المستعمرين أسكنتهم في أراض اشترتها من البولونيين. حتى في القانون الألماني تم إلغاء الفرق بين الاستعمار والاستيطان.
لم يقصّر ماكس فيبر في دعم السياسة الألمانية بخصوص بولونيا. بل إنه قد تجاوز اللغة التي تحدث بها القيصر في خطبة بريمن الشهيرة، بأن قال عن البولونيين أنهم „تجمّعات من البدو الشرقيين“ الذين قد يسبّبوا „تخلّفاً حضارياً يصيب عددا من الأجيال“. واعتبر أن اختلاط الألمان بالسلافيين يشكّل تهديداً قاتلاً ولذلك فقد طالب الحكومة بحماية "العرق الجرماني" من "البولونيين البدائيين" حرفيا: القريبين من الأرض “الذين يأكلون العشب تقريباً“. بل إن „هناك اختلافا في تركيب المعدة“ بين الألمان والبولونيين. من كان يمكن له أن يتوقّع صدور هذا النوع من الأقوال عن عالم الاجتماع الشهير هذا؟
إحدى الشخصيّات التي تعلّمنا عنها في دروس التاريخ في المدرسة والتي أثّرت بي كثيراً تُدعى: ميشال درزيمالا. فقد رُفض السماح له بالبناء على أرضه الخاصة بسبب كونه بولونياً. وكانت النتيجة أنه اشترى عربة من عربات السيرك في عام 1904 وسكن فيها. لكن الإدارة الألمانية لم تقبل بذلك بكل هذه البساطة، بل اعتبرت أن أية عربة تمكث أكثر من 24 ساعة في المكان نفسه يمكن اعتبارها بيتاً. وهكذا استمر الجدال واكتسبت القضية شهرة خاصة كانت حصيلتها أن درزيمالا استطاع جمع بعض التبرّعات واشترى بها عربة أفضل قليلاً سكن فيها لكنّه كان ينقلها من مكانها كل يوم مسافة صغيرة لكي لا يترك للسلطة حجّة لطرده من السكن. وقد دام هذا الصراع عدة سنوات واضطرّ المسكين في النهاية إلى أن يهجر المنطقة كلها إلى منطقة أخرى. وما زالت قضيته تُعتبر مثالاً على مقاومة السكان لعملية الجرمنة الاستعمارية.
حتى عائلتي تأثر مصيرها بالعلاقة الاستعمارية التي ربطت ألمانيا ببولونيا. فقد غادر أحد أجدادي ساكسونيا إلى منطقة بولونية بجوار وارسو في القرن الثامن عشر. وقد حدث أن تلك العائلة تحوّلت من عائلة ألمانية إلى عائلة بولونية مع مرور الوقت في تلك المدينة التي بقيت محتلة لمدة 120 عاماً، من الألمان في البداية ثم من الروس. بدّلت العائلة لغتها وطائفتها الدينية (رغم عدم وجود دولة بولونية في ذلك الوقت طبعا) وشاركت في الحياة السياسية والاقتصادية للقسم المحتل من البلاد. وكان التناقض الدرامي على أشده عندما أعادت ألمانيا النازية احتلال بولونيا في الحرب العالمية الثانية في الموجة الثانية من „التوغّل شرقاً“ واعتبر المحتلون أفراد تلك العائلة بولونيين وأبادوا معظمهم. أي أن ما حدث هو أن أحفاد المستعمرين اندمجوا في المجتمع الأهلي وأصبحوا جزءاً منه ومن ثمة تحوّلوا إلى ضحية للاستعمار.
عندما يصبح ضحايا الاستعمار هم أنفسهم مستعمرين
„يطلق اسم المستعمرات على البلدان التي يتم حكمها من قبل بلاد أخرى أقوى منها وأكثر حضارة. وهذه البلدان تكون عادة مسكونة من قبل شعوب بدائية مازالت متوحّشة وغير قادرة على حكم نفسها، أو من قبل شعوب ترفض التلاؤم مع التغيّرات العالمية وتعلّم العلوم والاختراعات الحديثة وبذلك تصبح دون مستوى دول أخرى أكثر تقدّماً”.
ما هو مصدر هذا الاقتباس حول الاستعمار؟ هل هو مجلة ألمانية؟ أو ربما كان المصدر فرنسيا أو بريطانياً؟ لا على الإطلاق. فهذه الفقرة مأخوذة من مقال من المجلة الشهرية "بولونيا عبر البحار" (Polska na Morsu) لعام 1935. ويستمر النص نفسه كالتالي: „تتضمّن المسألة الاستعمارية المشكلتين الأساسيتين التاليتين: الأولى هي التقسيم غير العادل لمناطق المستعمرات، بحيث توجد بلدان من بينها بولونيا لا تمتلك أية مستعمرة على الإطلاق، وبلدان أخرى تحوز على مناطق هائلة تتجاوز بكثير مساحة البلد المستعمِر نفسه. المشكلة الثانية هي تطلّع البلدان المستعمَرة إلى الاستقلال. والمثال الأوضح على ذلك هو ما تواجهه بريطانيا في الهند. أحد الحلول العادلة هو إعادة تقسيم المستعمرات على الدول الواقعة على البحار والتي لديها فائض من السكّان. أضف إلى ذلك أن على المستعمرات أن توضع تحت الانتداب الذي تعترف به وتشرف عليه عصبة الأمم“.
وهذه المجلة التي اقتبسنا منها الفقرة السابقة هي من إصدارات مؤسسة "اتحاد البحرية والاستعمار" وهي منظمة أهلية تأسست بعد استقلال بولونيا وأعلنت أن هدفها هو „تشجيع وتنمية الاهتمام بالمشاريع البحرية ــ كالأسطول مثلا ــ وتأسيس المستعمرات. وقد أنشئت مستوطنات فعلاً في البرازيل وتم التحضير لإنشاء مستعمرة في ليبيريا وذلك من أموال التبرّعات والدعم الحكومي. وقد وصل عدد أعضاء هذا الاتحاد الاستعماري حوالي المليون قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية. وهذا الرقم يساوي ثلاثة بالمائة تقريباً من سكان بولونيا في ذلك الوقت. إذن فقد كانت بولونيا تحلم باستعمار الآخرين رغم أن سكانها عانوا بأنفسهم من نير الاستعمار لأربعة أجيال على الأقل.
تتشابه الحجج التي قدّمتها حركة الاستعمار البولونية مع تلك التي كانت تردّدها الدول الاستعمارية الكبرى: منها الكثافة السكانية المفرطة في بلدانها والرغبة في توسيع الهيمنة غير المشروطة وتوسيع قوة الدولة الداخلية وزيادة رفاه سكّانها. أما سكّان البلدان التي ينبغي استعمارها فلا يحظون إلا بنظرة دونية. فرغم أن المستعمِر يفترض به أن يسمح لأهالي البلدان المستعمَرة „بشيء من المكاسب“ فإن ذلك ينبغي أن يحكمه معيار أن تلك المكاسب تكفي فقط لشراء منتجات الصناعة الأوروبية. وهذه الصناعات يجب ألا تقتصر على المنتجات الضرورية لهم ولكن أن تشمل المنتجات غير الضرورية أيضاً. وفي هذا الصدد يمثّل ما يُدعى "الرسالة الحضارية" دافعاً أيديولوجياً أساسياً للحركة الاستعمارية. حيث يُنظر إلى أهالي مستعمرات ما وراء البحار كأطفال أزليّين عندهم دائما وقت لكل شيء وتقتصر احتياجاتهم على الحد الأدنى وحبّهم للكحول يفوق أي ولع آخر.
في الوقت نفسه تم تصوير المستعمِر على أنه يمتلك المواصفات المضادّة تماماً: فهو „عبد أزلي للعمل“ وللمال أيضاً ــ يجب الاعتراف بذلك ــ. وهذا التشديد على النشاط وحب العمل المقترنين بإرادة المنافسة البنّاءة مع قوى الاستعمار القديم )أي بريطانيا وفرنسا) يُفترض أن تؤمّن للبولونيين موقعهم الذي يستحقّونه „كسادة جدد للعالم“. وقد ترافق الفخر القومي بالنزعة إلى الحماية من الذوبان في الثقافات الأخرى. وبسبب هذه القاعدة العنصرية فقد مُنع التواصل الحميمي مع السكّان الأهليين.
لقد استمرت الدعاية الحكومية البولونية بخداع شعبها حتى قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية من خلال إيهامه بحلم الدولة العظمى. وقد كانت تلك الدعاية تتضمن التأكيد على أن معدّلات النمو السكاني الطبيعية ستمكّن بولونيا خلال عدة سنوات بتجاوز فرنسا من حيث عدد السكان مما يجعل من التمدد الاستعماري أمراً لا مفر منه.
ما هي علاقتي الشخصية بذلك؟
صحيح أن الإحساس بالفخر بكوني بولونياً يخامرني بعض الأحيان، لكنّني أحس بالخجل أيضاً بخصوص هذا الموضوع. ويبدو كما لو كان الأمر صدفة تاريخية أن تقوم ألمانيا والدول الاستعمارية الأخرى بتنفيذ برنامج معيّن ما يلبث آخرون من بينهم مواطنو بلدي أن يحلموا به هم أيضاً. وهو أمر سيئ بحد ذاته ويزيد من سوئه أنه يشبه وضع قزم يدّعي أنه عملاق استعماري ولا يكتفي بأن يصيب نفسه بالفساد ولكنه يعرض نفسه أيضا للسخرية.
وباعتبار أن النزعة الاستعمارية يبدو أنها لم تعد تلعب أي دور في حياة الفرد الألماني أو البولوني، فلماذا الاهتمام بهذا الموضوع ومناقشته إذن؟
الواقع المؤسف هو أن أشكال التفكير الاستعماري لا تزال منتشرة. فقد دُعيت في أيار/ مايو هذا العام إلى لقاء مع وفد برلماني ألماني كان في لبنان. وكان البرلمانيّون أعضاء في اللجنة الثقافية للبوندستاغ الألماني. دار الحديث في حلقة صغيرة وكان أحد الموضوعات هو تأسيس شراكة بين مدينتين للمرة الأولى في تاريخ العلاقات الثنائية بين ألمانيا ولبنان. وقد ناقشنا توسيع التعاون الثقافي القائم أصلاً بين مدينتي كولونيا ــ حيث أعيش ــ وبيروت. وهنا استغرب أحد العاملين في السفارة قائلاً: „لماذا كولونيا؟ صحيح أن الثقافة هامة لكن الاقتصاد أكثر أهميّة. من البديهي أن ندعم فكرة الشراكة بين المدن. لكننا يجب أن نختار مدينة مناسبة لذلك. أعني مدينة فيها إنتاج صناعي. كمدينة تسفيكاو مثلاً“. وهذا يعني مدينة لا تنتج الثقافة بالدرجة الأولى ولكن بضائع يمكن بيعها.
لكن ذلك الدبلوماسي اقتنع أخيراً بصواب فكرة اختيار كولونيا، بل ولعله من المثير أن أذكر أنّه تحمّس بعد ذلك لتلك الفكرة إلى درجة أن تطبيقها ما كان له أن يكون ممكنا لولا دعمه لها. ومن الممكن جداً ألّا يكون قد شعر بوجود أي تناقض في فكرته الأصلية التي عبّر عنها أولاً. والسبب هو شيوع الرأي القائل بأن أية سياسة تجاه الدول غير الأوروبية يجب أن تكون خاضعة للمصلحة الاقتصادية التي تعني إمكانية إيجاد وتوسيع السوق لمنتجات البلد الأوروبي. وهو رأي يلقى قبولاً في مجتمعات ما بعد الحقبة الاستعمارية.

أفكار وأيديولوجيّات

وفق الأفكار التي يطرحها عالم الاجتماع والسياسة المصري سمير أمين فإن القواعد الأساسية للسياسة لم تتغيّر جذريّاً منذ زمن القيصر الألماني ومبعوثه كيتلر. وكان أمين قد أنجز تحليلاً ضافياً ومعقّدا للاستعمار واستنتج أننا نعيش الآن مرحلته الثالثة أي مرحلة „الإخضاع الإمبريالي للكرة الأرضية“. يشرح لنا أمين أنّ „المرحلة الأولى كانت في القرنين السابع والثامن عشر وتضمّنت إخضاع الأمريكتين والتجارة بالعبيد السود. أما الثانية فقد بدأت في القرن التاسع عشر وأدّت إلى إخضاع آسيا وأفريقيا. لكنّها لم تلبث أن ووجهت بهجوم مضاد من قبل الشعوب: فبعد أن استعادت المستعمرات البريطانية السابقة استقلالها في أمريكا الشمالية واندلاع الثورة بين عبيد هاييتي انتشرت حركات التحرّر الكبرى في آسيا وأفريقيا. ونحن نخطو الآن في المرحلة الثالثة التي أسمّيها مرحلة الإمبريالية المشتركة بين الثلاثي، أي الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان“.
كانت المرحلة الزمنية الممتدّة ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الثمانينات تمتاز بهيمنة اليسار السياسي. وقد نشأت من هزيمة الفاشية وانهيار الإمبراطوريات الاستعمارية. وهنا على المرء أن يفهم مفهوم اليسار السياسي بشكل موسّع جداً بحيث يضم لا الكتلة السوفييتية وحلفاءها فحسب، ولكن بعض الدول القومية الغربية و "القوميات الشعبية" في جنوب الكرة الأرضية أيضاً. هذا اليسار السياسي يلفظ أنفاسه. ونحن نعيش الآن في زمن يستعيد اليمين فيه الهيمنة. إن اليمين يعبّئ قواه السياسية والعسكرية بهدف إجبار العالم على تبني نظامه الاقتصادي والاجتماعي.
لقد حدث تحوّل من نوع خاص على "العنصرية" التي كانت تشكّل نواة مرحلة التوسّع الاستعماري الأولى. فهي مازالت تعيش وبنشاط وإن كانت قد اتخذت شكلاً آخر يمكن التعبير عنه بفكرة أن الدول والأمم التي تعتبر نفسها أكثر تحضّراً تمتلك حق إجبار الدول الأخرى التي تعتبرها „أقل تحضّرا“ على اتباع نظامها. ومازال أساس رفاه ذلك الثلاثي الامبريالي، بمفهوم سمير أمين، هو حرمان باقي العالم منه. بالإضافة إلى ذلك يشرح لنا أمين أن نشوء وانتشار التيارات الإسلامية مرتبط أيضاً بهذا المنطق. فقد كان سبب ما حظوا به من تشجيع وتمويل لفترة طويلة من قبل الأمريكان هو قبولهم الليبرالية الجديدة. فالإسلاميّون لا ينتقدون عولمة الاقتصاد مثلاً ولكن فقط عولمة الثقافة. إذن فهم في الحقيقة لا يصارعون الأسباب الحقيقية للتوتّرات الاجتماعية والاقتصادية المحلية والعالمية وإنما يشجّعون الناس على تأسيس تجمّعات صغيرة محافظة وحتى معادية للأجانب وكارهة للغرباء تسود فيها السلبية والخضوع.
جينيالوجيا السلطة
ثمة الكثير من الصحة في تحليلات سمير أمين، وهو ما لمسته من خلال عملي ككاتب ومنتج ثقافي يقف على نقاط الفصل ما بين الشمال الثري والجنوب الذي مازال مهمَلاً من قبلنا. لكنّني كنت قد تعلّمت أيضاً شيئاً من ميشيل فوكو عندما درست الفلسفة. فأنا أحس عندما أقرأ وجهات نظر أمين بالحاجة إلى الشك الإبستمولوجي ــ الخاص بنظرية المعرفة ــ الموجود عند ذلك المفكر الفرنسي.
وهو الانطباع نفسه الذي أحسست به بعد قراءة "الاستشراق" لإدوار سعيد. فهو يقوم بنقد أشكال التفكير الاستعماري. لكن التركيز على مناطق معينة سواء أكانت البلدان العربية أو بلدان الجنوب الفقيرة يمنع هذين الكاتبين من إدراك ظواهر تقع خارج إطار السياق الجغرافي أو التاريخي الذي درساه. إذن فقد كان مصدر استنتاجاتهما النقدية المحِقّة قطاعات معيّنة من ضمن سياق عام أكبر بكثير. كما أن العمليات التي يصفانها تكاد تعطي الانطباع بأنها فريدة ولا يمكن تكرارها، وهو ما يمكن أن يمهّد لخطوة تالية تقسم العالم وبشكل غير عادل إلى "الأشرار" و "الأخيار"، أو "السادة" و "العبيد". بدلاً من ذلك ينبغي على الفيلسوف أن يفحص الأدوات التي نتعرّف من خلالها على الواقع ونصفه.
في كتابه "أركيولوجيا ــ المعرفة" يلفت ميشيل فوكو نظرنا إلى أنه يكمن في أصل كل معرفة بعض القواعد التي تتبدّل بتبدّل المراحل والحقب (وهو يسمّيها ابستيمات). إنها تعطي المعرفة تبريرها وتحدّد لها شروط إمكانها وإمكانيّاتها. وهي بهذا المعنى تشكّل أساساً لما يزامنها من عمليات تاريخية وسياسية وأخلاقية ــ اجتماعية. وبنفس الطريقة يوضّح لنا تحليل مفهوم "جينيالوجيا السلطة" أن السلطة تعرّض دائماً مجموعات معيّنة للنبذ والقمع.
ليس هذا المكان مناسباً لتحليل وجهات نظر فوكو طبعاً. ولكن للوصول إلى فكرة أن وجود التفكير الكولونيالي ــ أو الاستعماري ــ في ألمانيا وبولونيا في القرن العشرين لم يكن صدفة. فهذان البلدان إما لم يشاركا (بولونيا) أو شاركا لوقت قصير (ألمانيا) في عملية الاستعمار لأسباب مختلفة جدا. ولكن حالتهما تدلّ على أن الخطاب الكولونيالي كان يشكّل جزءاً من التفكير السياسي والحياة السياسية تشترك فيه كل أوروبا. هذا الخطاب كان هو القاعدة ولم يقتصر على بلدان غرب أوروبا، أو الشمال الغني، كما يقال. ولذلك ــ وبالانسجام مع فوكو ــ فقد كان يمكن للفقرة التي نشرتها المجلة البولونية "بولونيا عبر البحار" أن تظهر وبتعديلات قليلة جداً في أية مجلة في أية دولة في هذا العالم. هذا النوع من الوعي للأشياء غاب عن كتابات أمين التي اقتبستها هنا. إذ أن تحليل الظاهرة الاستعمارية يتطلّب البحث عن الطريقة التي فهم فيها الاستعمار بالمعنى العام وكجزء من أية بنية سلطوية أو بنية هيمنة، وليس الاقتصار على القوى العالمية الكبرى. فليس هناك حكومة بريئة.
الألعاب اللغوية والصمت
لست سياسياً. ولا أمتلك تأثيراً كبيراً على ما تفعله أوروبا في الجنوب الفقير، رغم أنني مواطن أوروبي. لكنني أكون سعيداً كلّما أمكن وضع تلك السياسة موضع نقاش. قد يحدث هذا خلال حديث بسيط مع مجموعة من البرلمانيين والدبلوماسيين، كما حدث معي في الحديث الذي جرى في السفارة الألمانية والذي ذكرته هنا. ولم يكن انطباعي حينذاك أنني أجلس مع مجموعة من "الوحوش الإمبرياليين". بالعكس تماماً، فهم كغالبية مواطنيهم درسوا البرنامج التعليمي نفسه الذي يطبّق في المدارس وكانت لديهم طموحاتهم البشرية المعتادة ومخاوفهم وقرأوا الصحف نفسها بما فيها من محاولات التلاعب بوعي الناس. وأنا أثمّن الوقت الذي أمضوه في الاستماع إلي. وأعتقد أنهم فعلوا ذلك بكل جدية.
إلى جانب ذلك فأنا سعيد أيضاً بأن مدينة بريمن التي ألقى فيها القيصر قبل أكثر من مائة سنة "خطبة الهون" الشهيرة قد حوّلت نصب الاستعمار التذكاري إلى نصب مضاد للاستعمار. حتى ولو كان ذلك مجرد „لعبة لغوية“. فذلك الفيل الحجري الذي نُحت هناك في عام 1931 لم يتغيّر إطلاقاً، كما هي عادة الفيلة على كل حال. لكن الصمت هو الأمر الأسوأ. مثلاً ذلك الصمت الذي يلفّ مشاركة الكنيسة في السياسة الاستعمارية بالطريقة التي يلف بها أقفاص البرج في مونستر. وآمل أن تسير الكنيسة على منوال الدول وتشكيلات المجتمع المدني التي تعرض سياساتها الاستعمارية للنقاش العام (بغض النظر عن مدى انخراطها في هذه السياسات حتى الآن). لكن دور العقائد والمؤسسات الدينية في الحركة الاستعمارية يحتاج إلى معالجة خاصة في مرة قادمة.





===============
http://www.goethe.de/ges/phi/prj/ffs...ar12234621.htm
===============
===============
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2014, 11:59 PM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

مائة عام على الحرب العالمية الأولى..


في الشرق البري
رحلة الأمريكي جون دوس باسوس للشرق



بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بفترة قصيرة، انطلق الكاتب الأمريكي جون دوس باسوس، إلى المشرق واطلع بشكل مباشر على التغيرات الجذرية التي خلفتها الحرب في تلك المنطقة. إذ بدأت رحلته من اسطنبول المحتلة وانتهت في سوريا، مارًا بجورجيا وأذربيجان وإيران والعراق، وأعطى من خلالها لمحة فريدة من نوعها حول أجواء تلك الفترة.

جاء قرار جون دوس باسوس بالتوجه إلى الشرق الأوسط في عام مليء باضطرابات تاريخية تخطف الأنفاس، وأذعن لذلك الشوق الذي طالما جذبه إلى المشرق، والذي كان معهودا بين الأدباء الغربيين. وكان باسوس قد رافق والدته عام 1912 في رحلة نيلية إلى الحدود السودانية وقضى أربعة أيام في اسطنبول في طريق عودتهم إلى أوروبا. إلا أنه حين توجه بمفرده مرة أخرى إلى اسطنبول في عام 1921 كانت قد نُشرت له روايتان بالفعل. إن روايات هذا الكاتب، الذي كان قد أتم عامه الخامس والعشرين في تلك الفترة، مستوحاة من تجاربه الحربية وهما: "مبادرة رجل واحد" و "ثلاثة جنود". ويجدر بالذكر أن جون دوس باسوس ولد في شيكاغو في 14 كانون الثاني/ يناير عام 1896 كابن غير شرعي لمحام ذي شأن من نيويورك. وبوفاة والده عام 1917 حصل باسوس على إرث صغير ساعده على تمويل أسفاره ونمط حياته غير المستقر. تجارب ذات بصمة
علم باسوس بخبر وفاة والده خلال فترة إقامته الطويلة في إسبانيا. وبعد وفاته تطوع باسوس، ذلك الشاب المثقف في الجيش. ولكنه لم يتطوع كجندي، بل كسائق سيارة إسعاف بإحدى الوحدات الصحية التي تُمول من قبل مؤسسة خيرية. وكان ذلك كفيلا ليعايش باسوس تجارب الحرب بشكل مباشر. ومما كتبه في هذا الصدد بتاريخ 23 آب/ أغسطس 1917 ضمن رسالة إلى صديقه رمزي مارفن: „إنه لمثير للتعجب، كيف يمكن لكم هائل من القنابل أن ينفجر من حولك دون أن يصيبك منه شيء.“ إن أولى روايات باسوس، «مبادرة رجل واحد»، تعد رواية قصيرة، حيث أنها لا تتعدى المائة صفحة وتكاد تكون مجزأة. إلا أنها على الرغم من ذلك تجسد لنا الانتهاكات والصراعات المضنية والوحشية البالغة، بأقصى واقعية ممكنة. إنها ليست رواية تقليدية بل نوع من التقارير الأدبية الحية من ساحة الحرب، تتمحور أحداثها حول لقطات ومسارات صوتية لم تخلو، بل تجلت فيها بوضوح تأثير تقنية المونتاج. ولقد استعان دوس باسوس في تقارير رحلاته السابق ذكرها بتقنيات مماثلة استمدها من أعمال أدبية رائدة، وأجادها إلى حد البراعة في رواياته الكبيرة. تلك الروايات التي أرست قواعد شهرته: "تحول مانهاتن" (1925) وثلاثية "الولايات المتحدة الأمريكية" (1930-1936).
لقد كره دوس باسوس الحرب، وكان في النصف الأول من حياته من أشد المناهضين للنظام الاجتماعي الذي بدا له أنه المتسبب فيها، ألا وهو الرأسمالية. وعلى الرغم من ذلك كتب من جبهة القتال إلى صديقه رمزي مارفن في 29 آب/ أغسطس 1917 قائلا: „أنا أكثر سعادة هنا، إنها تغمرني حقا، سعادةٌ، لم أشعر بها منذ زمن طويل.“ ولعلنا نظن من الوهلة الأولى أن ثمة تناقض صارخ بين رأي باسوس وقوله في الخطاب. إنه يجسد الحرب كمناورة تقليدية (يصفها في إحدى خطاباته بتاريخ 23 آب/ أغسطس 1917: „حماقة لعينة إلى أبعد الحدود، خلايا سرطانية ضخمة تتغذى على الأكاذيب“)، وعلى الرغم من ذلك يزعم، وهو الذي عايش الحرب بشكل مباشر، أنه لم يشعر أبدا بمثل هذه السعادة؟ يتعين على المرء التفكير قليلا للوصول إلى العامل المشترك الذي يجمع بين هذين الموقفين. إنه شعور بالضيق إزاء الحداثة والحضارة، ويتجسد لنا بوضوح من خلال تقارير الرحلات المعنية، والتي يمر عليها مائة عام عما قريب. وبأسلوب مشابه لخطاب 1917 الذي سبق الإشارة إليه، يصف باسوس شعوره أثناء رحلة القافلة من بغداد إلى دمشق "اليوم السابع عشر"، قائلا: „لم أكن أبدا بمثل هذه السعادة“. إننا لنتعجب إذا ما سمعنا هذا الوصف عن الحرب، ولكننا نصدقه على الفور إذا ما وُصفت به الصحراء.
أسفار عديدة
لقد بدأت خبرة جون دوس باسوس مع السفر منذ طفولته، تلك التي وصفها فيما بعد بأنها „طفولة غرف الفنادق“. حيث قضى دوس باسوس طفولته ما بين غرف الفنادق في بروكسل ولندن وفيسبادن وباريس، وكانت اللغة الأولى التي نشأ بها هي الفرنسية. وكان والده، جون راندولف دوس باسوس هو من يتكفل بأسفاره. ويُذكر أنه كان يعامل والدة دوس باسوس بمثابة الزوجة الثانية، فلم يكن يراها بشكل منتظم، بل خلال رحلات عمله إلى أوروبا في المقام الأول. وبعد حصوله على مجموع متوسط في دراسة اللغات الأوروبية وآدابها بجامعة هارفارد، (حيث عقد عدة صداقات من بينها مع إدوارد إ. كيومينجز) سافر في عام 1916على مدى أربعة أشهر عبر إسبانيا. وإن المقالات وقصص الرحلات التي نشأت إبان تلك الفترة والتي كُتبت في الأصل من أجل الصحف الأمريكية، تحولت مجتمعة إلى أولى أعماله من أدب الرحلات: „Rosinante to the Road Again” (عودة روسينانت إلى الطريق مرة أخرى، 1922).
إلا أن تقريره حول رحلته إلى المشرق يفوق في جودته كتاب إسبانيا بمراحل: فإضافة إلى قيمته الأدبية، يعد هذا العمل دليلا فريدا من نوعه على ما أحدثته الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية من اضطرابات في جميع جوانب الحياة في منطقتي القوقاز وشرق البحر المتوسط. إذ أن "المشرق" كما يُطل علينا اليوم في نشرات الأخبار، كان قد بدأ يتشكل في تلك الفترة. ولو كان قد قام بتلك الرحلة (هما في الواقع رحلتين، الأولى عام 1921 إلى الشرق الأوسط، والثانية 1926 إلى المغرب) قبل ذلك بأعوام قليلة، لكانت اختلفت كثيرا عن تلك التي نتناولها هنا؛ ولأصبحت الأحاديث والمشاهد والأجواء مختلفة تماما.
وذلك لأن الحرب العالمية الأولى لم تكن قد انتهت تماما في الشرق الأوسط بحلول عام 1921. فقد اعتزمت القوى الأوروبية المنتصرة، لاسيما فرنسا وإنجلترا، إعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط بأكملها. فبعد أن شاركت الإمبراطورية العثمانية بعد تردد في الحرب كحليف لألمانيا، في نهاية تشرين الثاني/ أكتوبر 1914، انهارت في عام 1918. فساندت إنجلترا حركات الاستقلال العربية ضد الحكم العثماني من مصر، التي كانت قد أحكمت السيطرة عليها. ويجدر بالذكر أن الإمبراطورية العثمانية شملت آنذاك ما يُعرف حاليا بالمملكة العربية السعودية وإمارات الخليج وإسرائيل وفلسطين والعراق والأردن وسوريا ولبنان.
وفي غمرة تلك الأحداث كان الكولونيل توماس إدوارد لورنس، صاحب الشخصية الأسطورية لورنس العرب، قد وعد الملك حسين (1854-1931)، حاكم الحجاز بما فيها المدن المقدسة، مكة المكرمة والمدينة المنورة، بحكم دولة عربية عظمى ومستقلة، تخضع حدودها التفصيلية للتفاوض فيما بعد. وكان ذلك في مقابل مشاركته في المعركة ضد العثمانيين. إلا أن إنجلترا وفرنسا اتفقتا سرا، وذلك عبر اتفاق سايكس بيكو (1916) في البداية، على تقسيم الشرق الأوسط إلى منطقتي مصالح دون إيلاء أي اعتبار لرغبات العرب. ثم جاء تدخُل الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون من خلال "نقاط باريز الأربعة عشر"، حيث وعد شعوب الشرق الأوسط بحق تقرير المصير عقب انتهاء الحرب ــ أو على الأقل بـ „فرصة خالية من العوائق للتنمية المستقلة“، أيا كان معنى ذلك.
النفوذ السياسي للغرب
إضافة إلى تلك الجوانب الغامضة، لم تكتفي بريطانيا بدعم الملك حسين فحسب، بل ساندت كذلك أقرب منافسيه في شبه الجزيرة العربية، الملك عبد العزيز بن سعود (1880-1953). وشغل الكابتن وليم شكسبير منصب ضابط اتصال لدى الملك عبد العزيز بن سعود، فيما كان توماس إدوارد لورانس ضابط اتصال لدى الملك حسين. وقد وصلت أنباء انتصار بن سعود في المملكة العربية السعودية، كما عُرفت فيما بعد تيمنا به، إلى دوس باسوس في اليوم السادس عشر من رحلة قافلته إلى دمشق („يبدو أن القتال قد توقف في نجد“). وفي هذه الأثناء تم تنصيب أبناء الأمير حسين، الذي يسانده لورانس، حكاما على سوريا (الأمير فيصل، مواليد 1885 ويُذكر كثيرا في رحلة القافلة) وعلى إمارة شرق الأردن (عبد الله، 1882-1951) وذلك بمباركة قوى الانتداب. إلا أن فيصل، على الرغم من كونه هو الآخر غريبا على البلاد، قد تمرد ضد الهيمنة الفرنسية وطُرد من سوريا (قارن ما كُتب في اليوم السابع والثلاثين من رحلة القافلة: „أناس من أنصار فيصل يتآمرون في باحات سرية ضد الفرنسيين“). وعلى سبيل „التعويض“ اتجه البريطانيون إلى تنصيبه ملكا على العراق (من 1921 وحتى وفاته في 1933) حيث تعّين على البريطانيين مواجهة الثورات.
وفي هذا الصدد ينبغي علينا أن ندرك أن تلك البلدان لم تكن أبدا دولا تفصلها حدود صريحة أو حتى مقاطعات إدارية قائمة بذاتها. وإن تلك الحدود التي رسمتها كل من إنجلترا وفرنسا، والقائمة في معظمها حتى الآن، كانت اصطناعية ولازالت تعتبر كذلك من قبل معظم سكان المنطقة. إذ فصلت بشكل تعسفي بين مناطق طبيعية تنتمي معا وتجمع بينها روابط تاريخية منذ أزمان طويلة، وقطّعت الروابط العائلية والعلاقات التجارية، وتعارضت بشكل صارخ مع نمط الحياة البدوي لكثير من سكان المنطقة. وربما قد لاحظ القارئ بالفعل أن دوس باسوس قد سافر من دمشق إلى طهران دون جواز سفر أو وجود نقاط لمراقبة الحدود. وإنه كان بإمكانه في ظل هذه الظروف أن يصل حتى غزة، إذا ما رغب في ذلك ــ وهو أمر لا يسعنا إلا أن نحلم به في يومنا هذا، أي أن يجوب المرء الشرق الأوسط بهذه السهولة!
ولم يختلف وضع إيران عن البلدان العربية كثيرا وإن اختلفت الأسباب التاريخية. ففي القرن التاسع عشر شهدت إيران صراعات بين بريطانيا وروسيا والإمبراطورية العثمانية سعيا لكسب النفوذ. وعلى الرغم من موقف إيران المحايد إبان الحرب العالمية الأولى، إلا أن معارك القوى العظمى امتدت حتى الأراضي الإيرانية. وباندلاع ثورة أكتوبر انسحب الروس من إيران، وانهزم فيها العثمانيون بعد ذلك بعام. وتولى قائد لواء القوزاق الموالي لبريطانيا، رضا خان، زمام السلطة. ويجدر بالذكر أن رضا شاه قد أدخل على إيران إصلاحات جذرية على غرار إصلاحات أتاتورك في تركيا. وفي عام 1925 تُوِج رضا خان شاهاً على البلاد. أما ابنه، محمد رضا، فقد أسقطته الثورة الإسلامية في عام 1979 بقيادة آية الله الخميني. إزاء هذه الخلفية التاريخية تعد تحفظات الحكام ضد الإنجليز غير مفاجئة بالمرة. إلا أن المثير للدهشة، وإن لم يكن منذرا بالخطر، هو مدى تشابه المواقف السياسية في الشرق والغرب بين الماضي والحاضر.
في تركيا
إن معالم التاريخ تتجلى خلال النصف الأول من الرحلة بصورة تتفوق في وضوحها على وصف تلك الفترة التي سافر فيها دوس باسوس من طهران إلى دمشق. فقد وصل باسوس إلى المدينة في صيف 1921 وكان يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما. وكانت طبيعة سكان اسطنبول في تلك الفترة من شأنها أن تُثير التعجب! جنود الحلفاء وأسرى الحرب من الروس وقوات الدرك الإيطالية وسكان من اليونانيين، ما بين ضباط وسيدات مسنات يتسمن بالعجرفة، ودبلوماسيون من أذربيجان وجواسيس من أرمينيا ـ بدا أن الأتراك هم الأقلية، ولذا لم يكن لهم أي صوت مؤثر. فقد أخضع الإنجليز اسطنبول في عام 1920 إلى قانون الحرب، ولم يكن واضحا في جميع الأحوال أيٌ من الجهات الفاعلة في الشرق الأوسط سوف تستحوذ عليها في النهاية. مع العلم بأن الدولة التركية آنذاك كانت أبعد المرشحين في الأفق. تلك الدولة التي جاهد مصطفى كمال (أتاتورك(، سويا مع ضباط عثمانيين آخرين في الأناضول، للحفاظ على استقلالية الجزء المتبقي منها، واتخذ أنقرة مركزا جديدا للبرلمان التركي أو ما أُطلق عليه "الجمعية الوطنية الكبرى". إلا أن ما نجح الأوروبيون في تحقيقه فيما يخص الشرق الأوسط العربي، فشل فشلا ذريعا في تركيا التي تحددت حدودها الحالية بمقتضى معاهدة لوزان عام 1923 ـ وأصبحت مستقلة.
إن تلك الأوضاع المضطربة لم تسُد منطقة البوسفور فحسب، بل كانت سمة مشتركة بين باقي العواصم التي زارها دوس باسوس في تلك الرحلة. فلقد أبحر باسوس بعد ذلك بالسفينة إلى باطومي على الساحل الشرقي للبحر الأسود. إذ كان السفر عن طريق البر عبر الأناضول بالكاد ممكنا، بسبب الحرب التي اندلعت بين القوات التركية وقوات الحلفاء. فكان السفر برا شديد الخطورة في جميع الأحوال. وعلى الرغم من انتهاء الحرب في أرمينيا وجورجيا وأذربيجان إلا أن نتائجها المدمرة لم تلبث أن تجلّت بوضوح.
ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى كانت الأوضاع الغذائية في جميع أنحاء الشرق الأوسط غير مستقرة، وتفاقمت حدتها بشكل كارثي في جمهوريات القوقاز نظرا للمجاعة التي اجتاحت باقي أجزء الاتحاد السوفيتي. وقد أسفرت تلك المجاعة عن وفاة أكثر من خمسة ملايين نسمة ما بين عامي 1918 و 1922 في المناطق الخاضعة لحكم البلاشفة. وعكف دوس باسوس على تسجيل الخراب والدمار الذي لحق بجوانب الحياة التقليدية القديمة وكذا حالات البؤس والمجاعات. ولكنه امتنع عن التقييم. كما أن المعارف والنتائج التي استخلصها مما رآه لم تكن ذات طابع أخلاقي أو سياسي بل بالأحرى فلسفي وأنثروبولوجي (مع العلم أن دوس باسوس قد سجل لفترة وجيزة في عام 1922 لدراسة الأنثروبولوجيا بجامعة السوربون في باريس). ففي باطومي تمحورت تأملات دوس باسوس حول "شفق الأشياء" (The Twilight of Things). أشياءٌ قد فقدت قيمتها ومغزاها، ولكنها تشكل وجود الإنسان بأكمله (هنا يفكر المرء تلقائيا في مصطلح "العدة" لهايديغر). وجد دوس باسوس تلك الأشياء في مخزن رجل مسن، أو "الراعي الأخير للأشياء" على حد وصفه، بالقرب من الميناء. وبدت وكأنها لوحة "فانيتاس" (الفناء) التي تعكس ضياع أولئك البشر في مواجهة عهد جديد. ربما يرى المرء أن دوس باسوس قد استخدم هذه التأملات الفلسفية ليقي نفسه من هول ما يرى؛ وذلك بأن تجعل منه مراقبا شديد الهدوء وتمكنه في الوقت نفسه من مواصلة المشاهدة بجرأة.
دور المسافر كوسيط
تنطوي تلك النظرة الحيادية على البذور الأولى لاثنتين من الإيديولوجيات المختلفة اختلافا جذريا: طالما تساءل دوس باسوس والمعاصرون له ما إن كان المرء شاهدا وضحية لنقلة نوعية حضارية، أي للتقدم بمختلف أنواعه؟ أم أننا نُسحق بلا جدوى من قبل تاريخ يدور في دائرة مفرغة؟ وإن أحد نقاط القوة في تقرير الرحلة، هو عدم البت في تلك المسألة وإبقاؤها مفتوحة، حتى نطرح على أنفسنا كقراء هذا التساؤل في يومنا هذا.
ومن الناحية الأدبية يعد هذا التقرير عملا رائدا ولازال من شأنه أن يكون قدوة لكتُاب أدب الرحلات في عصرنا الحالي. فحين يروي دوس باسوس عن اغتيال المبعوث الأذربيجاني في إسطنبول، يطلعنا في الوقت نفسه وبشكل غير مباشر على ملاحقة الوطنيين من أبناء بلدان منطقة القوقاز إلى الخارج، بعد الغزو السوفيتي لها. كما نتعرف على خلفيات عملية الاغتيال من خلال تلك الرسالة التي نشرتها أرملة المبعوث الأذربيجاني في باب "بريد القراء"، والتي يبدو أن دوس باسوس قد اقتبسها حرفيا. أي أن ما ينعكس هنا هو صوت الشخص المعني. فلم يعد دور المسافر يتعدى الوسيط.
وعلى الرغم من ذلك، فإن ذات الراوي لا تختفي من تقرير الرحلة كليا. إذ أنه في سياق القصة يتمحور الحديث تدريجيا وبشكل متزايد حول مشاعر المسافر وحالاته النفسية. ولكن لا يوجد جزء في التقرير يقترب فيه القارئ من الراوي ــ والراوي من نفسه! ــ كما في الجزء الذي يجسد فيه رحلة القافلة من بغداد إلى دمشق على مدى سبعة وعشرين يوما: „أروع شيء في العالم ألا يمتلك المرء ساعة أو مالا وألا يشعر بالمسؤولية تجاه أي شيء“ (اليوم السادس). „لم أشعر أبدا بمثل هذه السعادة“ (اليوم السابع عشر). إلا أن مثالية السفر التي يشهدها دوس باسوس على مدى تلك الأيام، قد اصطبغت بالفعل بصبغة حزينة. فهو يعلم أنه يجول في عالم في طور التدهور والسقوط.
وإنه لم يتبق من ذلك المشرق سوى جزر. ذلك المشرق الذي توقع دوس باسوس نهايته، بل وسنحت له الفرصة ليشهد بداية النهاية بنفسه. فمدخني الحشيش الذين ذكرهم في تقريره، مازال لهم وجود، ولكنهم ليسوا بمثل هذا الاسترخاء كما كانوا من قبل؛ وقوافل الجمال لا تزال ترتحل، ولكن من أجل السياح فقط. أما تلك الكراهية المفهومة تجاه السياسة الغربية والتي يُستشعر بنبرتها في أحاديث السادة، فإن حدتها لم تخف، كما هو معروف. مثلها في ذلك مثل التوغل الغربي الذي يشكو منه الشرق منذ ذلك الحين. كما توقفت سكة بغداد الحديدية، التي لم تصل أبعد خطوطها إلى بغداد قط، وتحولت إلى نوع من المتاحف المفتوحة للمسافرين عبر الصحراء.
أما عن كوننا لا نتوق بشوق لذلك الزمن وكأنه „أيام خوالي“، فهذا ما علّمنا إياه تقرير الرحلة بأسلوبه الذي يتسم بوضوح الرؤية والبعد عن المثالية، والمقدم إلينا من أحد أبرز الأدباء الأمريكيين في القرن العشرين.

===============
http://www.goethe.de/ges/phi/prj/ffs...ar12235275.htm
===============
===============
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-27-2014, 12:11 AM   #10 (permalink)
احتاج
رومانسي مبتديء
اللهُمّ صلِ على مُحمّد
 
الصورة الرمزية احتاج
 
أحداثُ وأحداث تتغير مع كٌل حربٍ وحربْ
اللهٌم أحميِنا عمَا تحمِلٌه لنا السنينْ القادمة

جٌزيتَ خيراَ ,
احتاج غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحرب العالمية الثانية بيااااان التاريخ والحضارة القديمة والتراث 8 03-08-2013 12:19 PM
الحرب العالمية الأولى جنات رفوف المحفوظات 0 12-12-2011 12:56 AM
][الحرب العالمية الأولى!!][ بحرجديد التاريخ والحضارة القديمة والتراث 12 06-24-2011 07:40 PM
الحرب العالمية الثالثة غريب من صغري المنتدى العام - نقاشات و حوارات جادة هادفة 0 11-22-2006 12:19 AM
الحرب العالمية ضد التمااسيح غـرك زمانك نكت جديده نكت مضحكة نكت خليجية عربية 1 11-12-2005 01:44 AM

الساعة الآن 11:59 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103