تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

مجموع فتاوى ابن تيمية .. قراءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-08-2014, 01:17 AM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

مجموع فتاوى ابن تيمية .. قراءة






مجموع فتاوى ابن تيمية .. قراءة



مجموع فتاوى ابن تيمية .. قراءة


يعد الكتاب من أضخم الموسوعات الشرعية، التي تُغنيك عن اقتناء الكثير من أمهات الكتب؛ لشمولها، وتنوعها، وعمقها، وسلاسة أسلوبها، ووحدة منهجها. وقد تناول الكتاب العقائد، وعلم الكلام، والمنطق، والفلسفة، والمناظرات، واشتمل على: الفقه وأصوله، والتفسير وأصوله، والحديث وأصوله، والتصوف وأصوله، وغير ذلك. ولا يمثل الكتاب المذهب الحنبلي فقط، بل قد يدلل - في مواضع منه - على أن ابن تيمية كان مجتهدًا مطلقًا، ولم يكن أسيرًا للمذهب الحنبلي.


ابن تيمية
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النميري الحراني الدمشقي الحنبلي، أبو العباس، تقي الدين ابن تيمية الإمام، شيخ الإسلام. ولد في حران سنة (661 هـ) وتحول به أبوه إلى دمشق فنبغ واشتهر. وطلب إلى مصر من أجل فتوى أفتى بها، فقصدها، فتعصب عليه جماعة من أهلها فسجن مدة، ونقل إلى الإسكندرية. ثم أطلق فسافر إلى دمشق سنة 712 ه، واعتقل بها سنة 720 وأطلق، ثم أعيد، ومات معتقلا بقلعة دمشق سنة (728 هـ) فخرجت دمشق كلها في جنازته.
شيخ الإسلام ابن تيميه

اجزاء الكتاب:
العقــــــــيدة
المنـــــــــطق
الآداب والتصــوف
التفســـير
الحـــديث
أصول الفقـــه
الفقــــــــه



=============
محمد بن صالح العثيمين
صفي الرحمن المباركفوري
الإمام ابن قيم الجوزية
الإمام ابن كثير
الشيخ حافظ الحكمي

القاضي عياض
شيخ الإسلام ابن تيميه
الطبري
ابن عون السفاريني
ابن الجوزي

أم العفاف
الشمائل المحمدية كتاب .. قراءة
زاد المعاد في هدي خير العباد.. قراءة
الأدب المفرد .. قراءة

السنن الكبرى.. النسائي.. قراءة
مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ
مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
المنتقى من عمل اليوم والليلة.. قراءة
القول المفيد على كتاب التوحيد.. قراءة
الرحيق المختوم .. قراءة
مسند الأمام أحمد .. قراءة
الطب النبوي.. قراءة

معارج القبول إلى علم الأصول.. قراءة
البداية والنهاية .. قراءة
الجزء الأول
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الرابع
الجزء الخامس
الجزء السادس
الجزء السابع
الجزء الثامن
الجزء التاسع
الجزء العاشر
الجزء الحادي عشر
الجزء الثاني عشر
الجزء الثالث عشر
الجزء الرابع عشر

الشفا بتعريف حقوق المصطفى

النهاية في الفتن والملاحم
تاريخ الرسل والملوك.. قراءة
الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي.. قراءة
الفوائد.. قراءة
غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب.. قراءة
بحر الدموع .. قراءة
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم.. قراءة
الفيروزآبادي

مجموع فتاوى ابن تيمية .. قراءة


==============
==============
==============
==============












القرآن الكريمالروافضخطب ودروسصفة الصلاةما تودُ وتسألُ ؟
مكتبـــة القرآندليل الأعشابقواعد قرآنيةكنز الأعلام الأدوات في اللغة ؟
من التاريخرحلة أمـواج (4)مكتبة بحرجديدجواهر ودرر مجالس رمضان ؟
أروع امرأةفي مدح الرسولتأملات تربويةروابط ممتعــةالبخاري ومسلم ؟
كتاب الطهارة كتاب الصلاةكشكولخير جليسالسيـرة النبوية ؟
سوريا الأبية أضواء البيانإعصارُ حزنٍ الإتصال مجانيقد ينفذ صبـري ؟
الاداب الشرعية تجميع العطاء فضائل خُلقت فريداًأعمال القلوب ؟
سطور لابن القيممحاسن الأخلاقوطن الشموخ الأسماكشخصيتك هنا ؟
اختبار الذكاء أنهار العالمإيـــداع قلبأيُ قلبٍ تملكيهِالست من شوال ؟
ثقافات صادووه ح(1) قطوف بلاد الشامالنمل أسرار ؟
شمائل محمدية عاشوراء تحديد مستوى (Quote) الصحابة ؟
العيد ذكــــرى السرطان ملف الخيل العربية جسم الإنسان (2013 ) ؟
السنن الكبرى زاد المعاد الاستيعاب المنتقى القول المفيد ؟
أسد الغابة
مسند أحمد الطب النبوي معارج القبول البداية والنهاية ؟
5
6 6 6 6 ؟
5
6 6 6 6 ؟
الفوائد
غذاء الألباب بحر الدموع الملوك والأمم فتاوى ابن تيمية ؟
الرحيق المختوم
حقوق المصطفى الفتن والملاحم تاريخ الطبري الجواب الكافي ؟




قال النبي صلى الله عليه وسلم : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا.. وقال صلى الله عليه وسلم: أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإنّ أحدَكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفَه.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام بعشرِ آياتٍ لم يُكتَب من الغافلين ، ومن قام بمائة آيةٍ كُتِبَ من القانتين ، ومن قام بألف آيةٍ كُتِبَ من المُقَنْطَرِينَ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رَحِمَ الله أمرأً صلى قبل العصر أربعاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى في اليوم والليلة أثني عشرة ركعةً تطوعاً ، بنى الله له بيتاً في الجنة.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُعجزُ أحدكم ، أن يكسِبَ كل يومٍ ألف حسنةٍ ؟ يسبح الله مائة تسبيحةٍ، فيكتُبُ اللهُ له بها ألف حسنةٍ ، أو يحُطُّ عنهُ بها ألف خطيئةٍ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكَّل به: آمين ولك بمثله.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذبَّ عن عِرْضِ أخيه بالغَيْبة ، كان حقاً على اللهِ أن يُعْتِقَهُ من النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان سهلاً هيناً ليناً ، حرَّمه الله على النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الجنَّة غُرفاً يُرى ظاهرُها منْ باطنِها ، وباطنُها من ظاهرِها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعمَ الطَّعامَ ، وألانَ الكلامَ ، وتابع الصِّيامَ ، وصلى بالليلِ ، والناسُ نيام.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عاد مريضاً ، أو زار أخاً له في الله ، ناداه منادٍ :أن طبتَ وطابَ ممشاكَ ، وتبوَّأتَ من الجنةِ منزلاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمنْ وجَدَ في صحيفتِهِ استِغفاراً كثيراً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استَغْفرَ للمؤمنينَ والمؤمناتِ ، كتبَ الله له بكلِّ مُؤمنٍ ومؤمنةٍ حسنة.
=============
اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب.




التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 02-08-2014 الساعة 01:29 AM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2014, 01:31 AM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
/ قال شيخ الإسلام أحْمَدُ بن تَيْمية ـ قَدسَ اللَّه روحه‏:‏
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون‏.‏ العالم بما كان وما هو كائن وما سيكون ،الذي إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له‏:‏ كن فيكون، الذى يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، سبحانه وتعالى عما يشركون، وهو الله لا إله إلا هو له الحمد فى الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، الذي دل على وحدانيته في إلهيته أجناس الآيات، وأبان علمه لخليقته ما فيها من إحكام المخلوقات، وأظهر قدرته على بريته ما أبدعه من أصناف المحدثات، وأرشد إلى فعله بسنته تنوّع الأحوال المختلفات، وأهدى برحمته لعباده نعمه التي لا يحصيها إلا رب السموات، وأعلم بحكمته البالغة دلائل حمده وثنائه الذي يستحقه من جميع الحالات، لا يحصي العباد ثناء عليه ،بل هو كما أثنى على نفسه لما له من الأسماء والصفات، وهو المنعوت بنعوت الكمال وصفات الجلال التي لا يمثاله فيها شىء من الموجودات، وهو القدوس السلام المتنزه أن يماثله شىء في نعوت الكمال، أو يلحقه شىء من الآفات، فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، الذي خلق / السموات والأرض ولم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شىء فقدره تقديرا‏.‏
أرسل الرسل مُبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا، مبشرين لمن أطاعهم بغاية المراد من كل ما تحبه النفوس وتراه نعيما، ومنذرين لمن عصاهم باللعن والإبعاد وأن يعذبوا عذابًا أليما، وأمرهم بدعاء الخلق إلى عبادته وحده لا شريك له، مخلصين له الدين ولو كره المشركون‏.‏ كما قال تعالى‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 51-52 ‏]‏‏.‏ وجعل لكل منهم شرعةً ومنهاجًا، ليستقيموا إليه ولا يبغوا عنه اعوجاجًا ‏.‏
وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأولين والآخرين، وصفوة رب العالمين، الشاهد البشير النذير الهادي السراج المنير، الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى صراط العزيز الحميد، الله الذي له ما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذابٍ شديد‏.‏ بعثه بأفضل المناهج والشِّرع، وأحبط به أصناف الكفر والبدع، وأنزل عليه أفضل الكتب والأنباء، وجعله مهيمنًا على ما بين يديه من كتب السماء‏.‏
وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله‏.‏ هو شهيد عليهم وهم شهداء على الناس في الدنيا والآخرة، بما أسبغه عليهم من النعم الباطنة والظاهرة، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة، إذ لم يبق بعده نبي يبين ما بدل من الرسالة، وأكمل لهم دينهم، وأتم عليهم نعمه، ورضى لهم الإسلام دينا، وأظهره على / الدين كله إظهارا بالنصرة والتمكين، وإظهارًا بالحجة والتبيين، وجعل فيهم علماءهم ورثة الأنبياء، يقومون مقامهم في تبليغ ما أنزل من الكتاب، وطائفة منصورة لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى حين الحساب‏.‏
وحفظ لهم الذّكر الذي أنزله من الكتاب المكنون كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏9‏]‏‏.‏ فلا يقع في كتابهم من التحريف والتبديل كما وقع من أصحاب التوراة والإنجيل‏.‏
وخصهم بالرواية والإسناد الذي يميز به بين الصدق والكذب الجهابذة النقاد، وجعل هذا الميراث يحمله من كل خلف عدوله أهل العلم والدين؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، لتدوم بهم النعمة على الأمة، ويظهر بهم النور من الظلمة، ويحيي بهم دين اللّه الذي بعث به رسوله، وبين اللّه بهم للناس سبيله، فأفضل الخلق أتبعهم لهذا النبي الكريم المنعوت في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 128‏]‏ ‏.‏
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب العالمين، وإله المرسلين، وملك يوم الدين‏.‏
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله إلى الناس أجمعين، أرسله والناس من الكفر والجهل والضلال في أقبح خيبة وأسوأ حال‏.‏ فلم يزل صلى الله عليه وسلم يجتهد في تبليغ الدين وهدى العالمين وجهاد الكفار والمنافقين، حتى طلعت شمس الإيمان، وأدبر ليل البهتان، وعز جند الرحمن، وذل حزب الشيطان، وظهر نور الفرقان، واشتهرت تلاوة القرآن، وأعلن بدعوة الأذان، / واستنار بنور اللّه أهل البوادي والبلدان، وقامت حجة اللّه على الإنس والجان، لما قام المستجيب من معد بن عدنان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، صلاة يرضى بها الملك الديان، وسلم تسليمًا مقرونًا بالرضوان‏.‏
أما بعد ‏:‏
فإنه لا سعادة للعباد، ولا نجاة فى المعاد إلا باتباع رسوله‏:‏ ‏{‏تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 13، 14‏]‏ فطاعة الله ورسوله قطب السعادة التى عليه تدور، ومستقر النجاة الذى عنه لا تحور‏.‏
فإن الله خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏}‏‏[‏الذاريات 56‏]‏‏.‏ وإنما تعبَّدهم بطاعته وطاعة رسوله، فلا عبادة إلا ما هو واجب أو مستحب فى دين الله، وما سوى ذلك فضلال عن سبيله‏.‏ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد‏)‏ أخرجاه فى الصحيحين ، وقال صلى الله عليه وسلم فى حديث العرباض ابن سارية الذى رواه أهل السنن وصححه الترمذى‏:‏ ‏(‏إنه من يَعِشْ منكم بعدى فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتى وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى، تمسكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومُحْدثَاتِ الأمور، فإن كل بدْعَةٍ ضَلالة‏)‏‏.‏ وفى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم وغيره أنه كان يقول فى خطبته‏:‏ ‏(‏خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدىُ محمد، وشَرُّ الأمور محدثاتُها، وكل بدعة ضلالة‏)‏‏.‏
وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه فى نحو من أربعين موضعا من القرآن، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏80‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ / ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 64، 65‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏32‏]‏ ،وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 31‏]‏، فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول، وجعل متابعة الرسول سببًا لمحبة الله عبده، وقد قال تعالى‏:‏ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏، فما أوحاه الله إليه يهدى الله به من يشاء من عباده، كما أنه صلى الله عليه وسلم بذلك هداه الله تعالى كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 50‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ ‏[‏ المائدة ‏:‏15، 16‏]‏ ‏.‏
فبمحمد صلى الله عليه وسلم تبين الكفر من الإيمان، والربح من الخسران، والهدى من الضلال، والنجاة من الوبال، والغى من الرشاد، والزيغ من السداد، وأهل الجنة من أهل النار، والمتقون من الفجار، وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، من سبيل المغضوب عليهم والضالين ‏.‏
فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب، فإن هذا إذا فات حصل الموت فى الدنيا، وذاك إذا فات حصل العذاب‏.‏
فحق على كل أحد بذل جهده واستطاعته فى معرفة ما جاء به وطاعته؛ إذ / هذا طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة فى دار النعيم‏.‏ والطريق إلى ذلك الرواية والنقل، إذ لا يكفى من ذلك مجرد العقل، بل كما أن نور العين لا يرى إلا مع ظهور نور قدَّامه، فكذلك نور العقل لا يهتدى إلا إذا طلعت عليه شمس الرسالة، فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام، وكان معرفة ما أمر الله به رسوله واجبًا على جميع الأنام‏.‏
والله ـ سبحانه ـ بعث محمدًا بالكتاب والسنة، وبهما أتم على أمته المنة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 150، 152‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 164‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 231‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏2‏]‏‏.‏
وقال تعالى عن الخليل ‏:‏‏{‏رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 129‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 34‏]‏، وقد قال غير واحد من العلماء، منهم يحيى ابن أبى كثير وقتادة والشافعى وغيرهم‏:‏ ‏{‏الًحٌكًمّة‏}‏‏:‏ هى السنة، لأن الله أمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى فى بيوتهن من الكتاب والحكمة، والكتاب‏:‏ القرآن، وما سوى ذلك مما كان الرسول يتلوه هو السنة‏.‏
وقد جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه من حديث / أبي رافع وأبي ثعلبة وغيرهما أنه قال‏:‏ ‏(‏لا أُلْفِيَنَّ أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيتُ عنه فيقول‏:‏ بيننا وبينكم القرآن، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه‏)‏‏.‏وفي رواية‏:‏ ‏(‏ألا وإنه مثل الكتاب‏)‏‏.‏
ولما كان القرآن متميزًا بنفسه ـ لما خصه الله به من الإعجاز الذي باين به كلام الناس كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 88‏]‏ وكان منقولا بالتواتر ـ لم يطمع أحد في تغيير شىء من ألفاظه وحروفه، ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل في الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد‏.‏
فأقام الله ـ تعالى ـ الجهابذة النقاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بَيِّن الحق من البهتان، وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة في ذلك والنقصان ‏.‏
وقام كل من علماء الدين بما أنعم به عليه وعلى المسلمين ـ مقام أهل الفقه الذين فقهوا معاني القرآن والحديث ـ بدفع ما وقع في ذلك من الخطأ في القديم والحديث، وكان من ذلك الظاهر الجلي، الذي لا يسوغ عنه العدول، ومنه الخفي، الذي يسوغ فيه الاجتهاد للعلماء العدول‏.‏
وقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف والتِّلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، / ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة، والقصص المأثورة، ما هو عند أهله معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، بتوسد أحدهم التراب وتركهم لذيذ الطعام والشراب، وترك معاشرة الأهل والأصحاب، والتصبر على مرارة الاغتراب، ومقاساة الأهوال الصعاب، أمر حببه الله إليهم وحلاه ليحفظ بذلك دين الله‏.‏ كما جعل البيت مثابة للناس وأمنًا، يقصدونه من كل فج عميق، ويتحملون فيه أمورًا مؤلمة تحصل في الطريق، وكما حبب إلى أهل القتال الجهاد بالنفس والمال حكمة من الله يحفظ بها الدين ليهدى المهتدين، ويظهر به الهدى ودين الحق، الذي بعث به رسوله ولو كره المشركون ‏.‏
فمن كان مخلصًا في أعمال الدين يعملها لله، كان من أولياء الله المتقين، أهل النعيم المقيم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 62‏:‏ 64‏]‏ ‏.‏
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى في الدنيا بنوعين‏:‏
أحدهما‏:‏ ثناء المثنين عليه‏.‏
الثاني‏:‏ الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له‏.‏
فقيل‏:‏ يا رسول الله، الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏تلك عاجل بشرى المؤمن‏)‏‏.‏ وقال البراء بن عازب‏:‏ سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن قوله‏:‏ ‏{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }‏ فقال‏:‏ ‏(‏هى الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له‏)‏
والقائمون بحفظ العلم الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الربان، الحافظون له من الزيادة والنقصان، هم من أعظم أولياء اللّه المتقين وحزبه/ المفلحين، بل لهم مزية على غيرهم من أهل الإيمان والأعمال الصالحات، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏11‏]‏ قال ابن عباس‏:‏ يرفع الله ‏[‏الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات‏]‏‏.‏
وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله سُلَّمًا إلى الدراية‏.‏ فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة، أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمعوج والقويم‏.‏
وغيرهم من أهل البدع والكفار، إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل‏.‏
وأما هذه الأمة المرحومة، وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين هم من أمرهم على يقين، فظهر لهم الصدق من المين، كما يظهر الصبح لذي عينين‏.‏ عصمهم الله أن يجمعوا على خطأ في دين الله معقول أو منقول، وأمرهم إذا تنازعوا في شىء أن يردوه إلى الله والرسول، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏59‏]‏ ‏.‏
فإذا اجتمع أهل الفقه على القول بحكم لم يكن إلا حقا، وإذا اجتمع أهل/ الحديث على تصحيح حديث لم يكن إلا صدقًا، ولكل من الطائفتين من الاستدلال، على مطلوبهم بالجلي والخفي ما يعرف به من هو بهذا الأمر حَفىّ، واللّه تعالى يلهمهم الصواب في هذه القضية، كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، وكما عرف ذلك بالتجربة الوجودية، فإن الله كتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، لما صدقوا في موالاة الله ورسوله، ومعاداة من عدل عنه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 22‏]‏‏.‏
وأهل العلم المأثور عن الرسول أعظم الناس قيامًا بهذه الأصول، لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه، ويتكلم في أحب الناس إليه، عملاً بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 135‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏8‏]‏‏.‏ ولهم من التعديل والتجريح، والتضعيف والتصحيح، من السعي المشكور، والعمل المبرور،ما كان من أسباب حفظ الدين، وصيانته عن إحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات‏:‏ منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه، والمعرفة بمعانيه‏.‏
/ وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أن يبلِّغ عنه من شهد لمن غاب، ودعا للمبلغين بالدعاء المستجاب، فقال في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار‏)‏‏.‏ وقال أيضًا في خطبته في حجة الوداع‏:‏ ‏(‏ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع‏)‏
وقال أيضًا‏:‏ ‏(‏نَضَّر اللّه امرأ سمع منا حديثًا فبلغه إلى من لم يسمعه، فرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يُغَلّ عليهن قلب مسلم‏:‏ إخلاص العمل للّه، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم‏)‏‏.‏
وفى هذا دعاء منه لمن بلغ حديثه وإن لم يكن فقيها، ودعاء لمن بلغه وإن كان المستمع أفقه من المبلغ، لما أعطى المبلغون من النضرة، ولهذا قال سفيان بن عيينة‏:‏ لا تجد أحدًا من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة، لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، يقال‏:‏ نضُرَ، ونَضَرَ، والفتح أفصح‏.‏
ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يعظمون نقلة الحديث، حتى قال الشافعى ـ رضى الله عنه‏:‏ إذا رأيتُ رجلا من أهل الحديث فكأني رأيت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وإنما قال الشافعي هذا، لأنه في مقام الصحابة من تبليغ حديث النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الشافعى أيضًا‏:‏ أهل الحديث حفظوا، فلهم علينا الفضل لأنهم حفظوا لنا‏.‏ اهـ‏.‏
توحيد الألوهية
/ وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى‏:‏
قاعدة فى الجماعة والفرقة، وسبب ذلك ونتيجته
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ‏}‏ ‏[‏ الشورى‏:‏ 13‏]‏
أخبر ـ سبحانه ـ أنه شرع لنا ما وصى به نوحا، والذى أوحاه إلى محمد، وما وصى به الثلاثة المذكورين، وهؤلاء هم أولو العزم المأخوذ عليهم الميثاق فى قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 7‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ‏}‏، فجاء فى حق محمد باسم ‏{‏الَّذٌي‏}‏ وبلفظ الإيحاء، وفى سائر الرسل بلفظ ‏(‏الوصية‏)‏‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ‏}‏‏.‏ وهذا تفسير الوصية،و‏{‏أّنً‏}‏‏:‏ المفسرة التى تأتى بعد فعل من معنى القول لا من لفظه،كما فى قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 123‏]‏، ‏{‏وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 131‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ قلنا لهم‏:‏ اتقوا الله‏.‏ فكذلك قوله‏:‏ ‏{‏أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ‏}‏ فى معنى‏:‏ قال لكم من الدين ما وصى به رسلاً، قلنا‏:‏ أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، فالمشروع لنا هو الموصى به، والموحى، وهو‏:‏ ‏{‏أَقِيمُوا الدِّينَ‏}‏ فأقيموا الدين مفسر / للمشروع لنا، الموصى به الرسل، والموحى إلى محمد، فقد يقال‏:‏ الضمير فى ‏{‏أّقٌيمٍوا‏}‏ عائد إلينا‏.‏ ويقال‏:‏ هو عائد إلى المرسل‏.‏ ويقال‏:‏ هو عائد إلى الجميع‏.‏ وهذا أحسن‏.‏ ونظيره‏:‏ أمرتك بما أمرت به زيدًا، أن أطع الله، ووصيتكم بما وصيت بنى فلان، أن افعلوا‏.‏ فعلى الأول‏:‏ يكون بدلا من ‏{‏مّا‏}‏ أى شرع لكم ‏{‏أّنً أّقٌيمٍوا‏}‏ وعلى الثانى‏:‏ شرع ‏{‏مّا‏}‏ خاطبهم‏.‏ ‏{‏أّقٌيمٍوا‏}‏، فهو بدل أيضًا، وذكر ما قيل للأولين‏.‏ وعلى الثالث‏:‏ شرع الموصى به ‏{‏أّقٌيمٍوا‏}‏‏.‏
فلما خاطب بهذه الجماعة بعد الإخبار بأنها مقولة لنا، ومقولة لهم، عُلم أن الضمير عائد إلى الطائفتين جميعًا‏.‏ وهذا أصح إن شاء الله‏.‏ والمعنى على التقديرين الأولين يرجع إلى هذا، فإن الذى شرع لنا، هو الذى وصى به الرسل‏.‏ وهو الأمر بإقامة الدين، والنهى عن التفرق فيه، ولكن التردد فى أن الضمير تناولهم لفظه، وقد عُلم أنه قيل لنا مثله، أو بالعكس، أو تناولنا جميعا ‏.‏
وإذا كان الله قد أمر الأولين والآخرين، بأن يقيموا الدين، ولا يتفرقوا فيه، وقد أخبر أنه شرع لنا ما وصى به نوحًا، والذى أوحاه إلى محمد، فيحتمل شيئين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن يكون ما أوحاه إلى محمد يدخل فيه شريعته التى تختص بنا؛ فإن جميع ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم قد أوحاه إليه، من الأصول والفروع، بخلاف نوح وغيره من الرسل، فإنما شرع لنا من الدين ما وصوا به، من إقامة الدين، وترك التفرق فيه‏.‏ والدين الذى اتفقوا عليه‏:‏ هو الأصول‏.‏ فتضمن الكلام أشياء ‏:‏
/ أحدها‏:‏ أنه شرع لنا الدين المشترك، وهو الإسلام والإيمان العام، والدين المختص بنا، وهو الإسلام، والإيمان الخاص‏.‏
الثانى‏:‏ أنه أمرنا بإقامة هذا الدين كله المشترك، والمختص، ونهانا عن التفرق فيه‏.‏
الثالث‏:‏ أنه أمر المرسلين بإقامة الدين المشترك، ونهاهم عن التفرق فيه‏.‏
الرابع‏:‏ أنه لما فصل بقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ بين قوله‏:‏ ‏{‏مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى‏}‏ أفاد ذلك ‏.‏
ثم قال بعد ذلك‏:‏‏{‏وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏14‏]‏ فأخبر أن تفرقهم إنما كان بعد مجىء العلم، الذى بين لهم ما يتقون، فإن الله ما كان ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون‏.‏ وأخبر أنهم ما تفرقوا إلا بغيا، والبغى مجاوزة الحد، كما قال ابن عمر ‏.‏‏.‏‏.‏ الكبر والحسد، وهذا بخلاف التفرق عن اجتهاد ليس فيه علم، ولا قصد به البغى، كتنازع العلماء السائغ، والبغى إما تضييع للحق، وإما تَعَدّ للحد، فهو إما ترك واجب، وإما فعل محرم؛ فعلم أن موجب التفرق هو ذلك‏.‏
وهذا كما قال عن أهل الكتاب‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏14‏]‏، فأخبر أن نسيانهم حظا مما ذُكروا به ـ وهو ترك العمل ببعض ما أمروا به ـ كان سببًا لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، وهكذا هو الواقع فى أهل ملتنا، مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة فى أصول دينها، وكثير من فروعه، من أهل / الأصول والفروع، ومثلما نجده بين العلماء وبين العبَّاد؛ ممن يغلب عليه الموسوية، أو العيسوية، حتى يبقى فيهم شبه من الأمتين اللتين قالت كل واحدة‏:‏ ليست الأخرى على شىء، كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة، والمتصوف المتمسك منه بأعمال باطنة، كل منهما ينفى طريقة الآخر، ويدعى أنه ليس من أهل الدين، أو يعرض عنه إعراض من لا يعده من الدين، فتقع بينهما العداوة والبغضاء‏.‏
وذلك‏:‏ أن الله أمر بطهارة القلب، وأمر بطهارة البدن، وكلا الطهارتين من الدين الذى أمر الله به وأوجبه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏6‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏108‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏222‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏103‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏41‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 28‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏33‏]‏‏.‏
فنجد كثيرًا من المتفقهة، والمتعبدة، إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع؛ اهتماما، وعملا‏.‏ ويترك من طهارة القلب ما أمر به، إيجابًا، أو استحبابًا، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك‏.‏ ونجد كثيرًا من المتصوفة، والمتفقرة، إنما همته طهارة القلب فقط، حتى يزيد فيها على المشروع، اهتماما وعملا‏.‏ ويترك من طهارة البدن ما أمر به، إيجابا، أو استحبابًا‏.‏
فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة فى كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه، مع اشتمال قلوبهم على أنواع من / الحسد والكِبْر، والغِلِّ لإخوانهم، وفى ذلك مشابهة بَيِّنةٌ لليهود‏.‏
والآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة، فيبالغون فى سلامة الباطن حتى يجعلوا الجهل بما تجب معرفته، من الشر ـ الذى يجب اتقاؤه ـ من سلامة الباطن، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهى عنه، وبين سلامة القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها، ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات، ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى‏.‏
وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به، والبغى الذى هو مجاوزة الحد؛ إما تفريطًا وتضييعًا للحق، وإما عدوانًا وفعلا للظلم‏.‏ والبغى تارة تكون من بعضهم على بعض، وتارة يكون فى حقوق الله، وهما متلازمان ولهذا قال‏:‏ ‏{‏بّغًيْا بّيًنّهٍمً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 213‏]‏، فإن كل طائفة بَغَتْ على الأخرى، فلم تعرف حقها الذى بأيديها، ولم تَكُفَّ عن العدوان عليها‏.‏
وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏4‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏213‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏16‏]‏، وقال تعالى فى موسى بن عمران مثل ذلك، وقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 105‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 951‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 30- 32‏]‏، لأن المشركين كل منهم يعبد إلها يَهْواه‏.‏ كما قال فى الآية الأولى‏:‏ ‏{‏كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 3 1‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ‏}‏‏[‏المؤمنون‏:‏ 51-53‏]‏
فظهر أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين، والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمر به باطنا، وظاهرا‏.‏
وسبب الفرقة ترك حظ مما أمر العبد به، والبغي بينهم‏.‏
ونتيجة الجماعة رحمة اللّه، ورضوانه، وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة، وبياض الوجوه‏.‏
ونتيجة الفرقة عذاب اللّه، ولعنته، وسواد الوجوه، وبراءة الرسول منهم‏.‏
وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة، فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعةٌ لله ورحمته بفعل لم يأمر الله به، من اعتقاد، أو قول، أو عمل‏.‏ فلو كان القول، أو العمل، الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به، لم يكن ذلك طاعة للّه، ولا سببا لرحمته، وقد احتج بذلك أبو بكر عبد العزيز في أول ‏[‏التنبيه‏]‏ نبه على هذه النكتة‏.‏
/وقـــال ‏:‏
فَصْـل
قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور في السنن من رواية فقيهى الصحابة، عبد اللّه بن مسعود، وزيد بن ثابت‏:‏ ‏(‏ثلاث لا يُغَلُّ عليهن قلبُ مسلم‏:‏ إخلاص العمل للّه، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم‏)‏‏.‏ وفي حديث أبي هريرة المحفوظ‏:‏ ‏(‏إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لكم ثلاثا‏:‏ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تَعْتَصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تَنَاصَحوا من ولاَّه الله أمركم‏)‏
فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث، إخلاص العمل للّه، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين‏.‏ وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي للّه ولعباده، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة‏.‏
وبيان ذلك أن الحقوق قسمان‏:‏ حق للّه، وحق لعباده‏.‏ فحق الله أن نعبده ولا نشرك به شيئًا، كما جاء لفظه في أحد الحديثين، وهذا معنى إخلاص العمل للّه، كما جاء في الحديث الآخر‏.‏ وحقوق العباد قسمان‏:‏ خاص وعام؛ أما الخاص فمثل‏:‏ برّ كل إنسان والديه، وحق زوجته، وجاره، فهذه من فروع الدين، لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه؛ ولأن مصلحتها خاصة فردية ‏.‏
وأما الحقوق العامة فالناس نوعان‏:‏ رعاة ورعية؛ فحقوق الرعاة مناصحتهم، وحقوق الرعية لزوم جماعتهم، فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم، وهم لا يجتمعون / على ضلالة، بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم واعتصامهم بحبل اللّه جميعا، فهذه الخصال تجمع أصول الدين‏.‏
وقد جاءت مفسرة في الحديث الذي رواه مسلم عن تَمِيم الدَّارِىّ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ لمن يا رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏للّه، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم‏)‏‏.‏ فالنصيحة للّه ولكتابه ولرسوله تدخل في حق اللّه وعبادته وحده لا شريك له، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم هي مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم، فإن لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة، وأما النصيحة الخاصة لكل واحد منهم بعينه، فهذه يمكن بعضها ويتَعذَّر استيعابها على سبيل التعيين‏.‏


بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2014, 06:58 AM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
/ وقال شيخ الإسلام ـ قَدسَ اللَّه روحه‏:‏
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما‏.‏
وبعد‏:‏ فهذه قاعدة جليلة في توحيد الله، وإخلاص الوجه والعمل له، عبادة واستعانة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء‏}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏26‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 53‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏17‏]‏، وقال تعالى فى الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهٌِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏107‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 123‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}‏ ‏[‏هود‏:‏88‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏التغابن ‏:‏1‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏19‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ٍقُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ‏}‏ الآية ‏[‏الزمر‏:‏38‏]‏، / وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 22، 23‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏ ‏[‏الإسـراء‏:‏ 56، 57‏]‏ ،وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏88‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا‏}‏ الآية ‏[‏الفرقان‏:‏ 58‏:‏ 59‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ‏}‏ الآية ‏[‏البينة‏:‏5‏]‏‏.‏ ونظائر هذا فى القرآن كثير، وكذلك فى الأحاديث، وكذلك في إجماع الأمة، ولاسيما أهل العلم والإيمان منهم، فإن هذا عندهم قطب رحى الدين كما هو الواقع‏.‏
ونبين هذا بوجوه نقدم قبلها مقدمة ‏.‏
وذلك أن العبد، بل كل حي، بل وكل مخلوق سوى الله، هو فقير محتاج إلى جَلْب ما ينفعه، ودفع ما يضره، والمنفعة للحي هي من جنس النعيم واللذة، والمضرَّة هي من جنس الألم والعذاب؛ فلابد له من أمرين‏:‏
أحدهما‏:‏ هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع ويلتذ به‏.‏
والثاني‏:‏ هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع من دفع المكروه‏.‏ وهذان هما الشيئان المنفصلان الفاعل والغاية فهنا أربعة أشياء ‏:‏
أحدها‏:‏ أمر محبوب مطلوب الوجود ‏.‏
/الثاني‏:‏ أمر مكروه مبغض مطلوب العدم‏.‏
والثالث‏:‏ الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب‏.‏
والرابع‏:‏ الوسيلة إلى دفع المكروه‏.‏
فهذه الأربعة الأمور ضرورية للعبد، بل ولكل حي لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها، وأما ما ليس بحي فالكلام فيه على وجه آخر‏.‏
إذا تبين ذلك فبيان ما ذكرته من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن الله تعالى هو الذي يحب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب، وهو المعين على المطلوب وما سواه هو المكروه، وهو المعين على دفع المكروه؛ فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قوله‏:‏ ‏{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏ فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب، لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب؛ فالأول‏:‏ من معنى الألوهية‏.‏ والثاني‏:‏ من معنى الربوبية؛ إذ الإله‏:‏ هو الذي يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالا وإكرامًا‏.‏ والرب‏:‏ هو الذى يربى عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها‏.‏
وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}‏ ‏[‏هود‏:‏88‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏123‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏4‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏58‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ}‏ ‏[‏الرعد‏:‏30‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 8، 9‏]‏‏.‏
فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين‏.‏
/الوجه الثإني‏:‏ أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته فى الآخرة تَقَرُّ عُيونهم ولا شىء يعطيهم فى الآخرة أحب إليهم من النظر إليه؛ ولا شىء يعطيهم فى الدنيا أعظم من الإيمان به ‏.‏
وحاجتهم إليه فى عبادتهم إياه وتألههم كحاجتهم وأعظم فى خلقه لهم وربوبيته إياهم؛ فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح، ولا نعيم ولا لذة، بدون ذلك بحال‏.‏ بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى‏.‏
ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت لا إله إلا الله أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول‏:‏ لا إله إلا الله، رأس الأمر‏.‏
فأما توحيد الربوبية الذى أقر به الخلق، وقرره أهل الكلام؛ فلا يكفى وحده، بل هو من الحجة عليهم، وهذا معنى ما يروى‏:‏ ‏(‏يابن آدم، خلقت كل شىء لك، وخلقتك لى، فبحقي عليك ألا تشتغل بما خلقته لك، عما خلقتك له‏)‏‏.‏
واعلم أن هذا حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، كما فى الحديث الصحيح، الذى رواه معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏أتدرى ما حق الله على عباده‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا‏.‏ أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏حقهم ألا يعذبهم‏)‏
/وهو يحب ذلك، ويرضي به، ويرضي عن أهله، ويفرح بتوبة من عاد إليه؛ كما أن في ذلك لذة العبد وسعادته ونعيمه، وقد بينت بعض معنى محبة الله لذلك وفرحه به في غير هذا الموضع‏.‏
فليس فى الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه، إلا الله سبحانه، ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة فى الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم،{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}‏‏[‏الأنبياء‏:‏22‏]‏، فإن قوامهما بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما آلهة غير الله لم يكن إلها حقّا؛ إذ الله لا سَمِيَّ له ولا مثل له؛ فكانت تفسد لانتفاء ما به صلاحها هذا من جهة الإلهية‏.‏
وأما من جهة الربوبية فشىء آخر؛ كما نقرره فى موضعه‏.‏
واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئا، ليس له نظير فيقاس به؛ لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة‏.‏
فإن حقيقة العبد قلبه، وروحه، وهى لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذى لا إله إلا هو، فلا تطمئن فى الدنيا إلا بذكره، وهى كادحة إليه كَدْحًا فملاقيته، ولابد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه‏.‏
ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا فى وقت وفى بعض الأحوال، وتارة أخرى يكون ذلك الذى يتنعم به والْتَذَّ غير منعم له ولا ملتذ له، بل قد / يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده، ويضره ذلك‏.‏
وأما إلهه فلابد له منه فى كل حال وكل وقت، وأينما كان فهو معه؛ ولهذا قال إمامنا ‏[‏إبراهيم‏]‏ الخليل صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏76‏]‏‏.‏ وكان أعظم آية فى القرآن الكريم‏:‏ ‏{‏اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}‏ ‏[‏البقرة‏:‏255‏]‏، وقد بسطت الكلام فى معنى ‏[‏القيوم‏]‏ فى موضع آخر، وبينا أنه الدائم الباقى الذى لا يزول ولا يعدم، ولا يفنى بوجه من الوجوه‏.‏
واعلم أن هذا الوجه مبنى على أصلين‏:‏
أحدهما‏:‏ على أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن، لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم‏:‏ إن عبادته تكليف ومشقة وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار، أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم؛ فإنه وإن كان فى الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس، والله ـ سبحانه ـ يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ}‏ الآية ‏[‏التوبة‏:‏120‏]‏، وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة‏:‏ ‏(‏أجرك على قدر نصبك‏)‏ ـ فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعى، وإنما وقع ضمنا وتبعا لأسباب ليس هذا موضعها، وهذا يفسر فى موضعه‏.‏
ولهذا لم يجئ فى الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح‏:‏ أنه تكليف، كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة، وإنما جاء ذكر التكليف فى موضع النفى، كقوله‏:{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 286‏]‏، / ‏{لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ}‏ ‏[‏النساء‏:‏84‏]‏، ‏{‏لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏7‏]‏ أى‏:‏ وإن وقع فى الأمر تكليف، فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنه يسمى جميع الشريعة تكليفًا، مع أن غالبها قرة العيون وسرور القلوب؛ ولذات الأرواح وكمال النعيم، وذلك لإرادة وجه الله والإنابة إليه، وذكره وتوجه الوجه إليه، فهو الإله الحق الذى تطمئن إليه القلوب، ولا يقوم غيره مقامه فى ذلك أبدًا‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 65‏]‏ فهذا أصل‏.‏
الأصل الثإني‏:‏ النعيم فى الدار الآخرة أيضًا مثل النظر إليه، لا كما يزعم طائفة من أهل الكلام ونحوهم، أنه لا نعيم ولا لذة إلا بالمخلوق‏:‏ من المأكول والمشروب والمنكوح ونحو ذلك، بل اللذة والنعيم التام فى حظهم من الخالق سبحانه وتعالى، كما فى الدعاء المأثور‏:‏ ‏(‏اللهم إني أسألك لذة النَّظرِ إلى وجهك، والشَّوق إلى لقائك فى غير ضراء مضرة، ولا فتنة مُضلة‏)‏‏.‏ رواه النسائى، وغيره‏.‏ وفى صحيح مسلم وغيره، عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا دخل أهل الجنة نادى مناد‏:‏ يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه‏.‏ فيقولون‏:‏ ما هو‏؟‏‏!‏ ألم يُبَيِّضْ وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويُجِرنْا من النار‏؟‏‏!‏ ـ قال ـ فيكشف الحجاب؛ فينظرون إليه ـ سبحانه ـ فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه‏)‏، وهو الزيادة‏.‏
فبين النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم الله فى الجنة، لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما يكون أحب إليهم لأن تنعمهم وتلذذهم به أعظم من التنعم والتلذذ بغيره‏.‏ فإن اللذة تتبع الشعور بالمحبوب، فكلما كان الشىء أحب إلى الإنسان كان حصوله ألذ له، وتنعمه به أعظم‏.‏ / وروى أن يوم الجمعة يوم المزيد، وهو يوم الجمعة من أيام الآخرة، وفى الأحاديث والآثار ما يصدق هذا، قال الله تعالى فى حق الكفار‏:‏ ‏{‏كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ }‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 15، 16‏]‏‏.‏ فعذاب الحجاب أعظم أنواع العذاب، ولذة النظر إلى وجهه أعلى اللذات، ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم منه ـ تعالى‏.‏
وهذان الأصلان ثابتان فى الكتاب والسنة، وعليهما أهل العلم والإيمان، ويتكلم فيهما مشايخ الصوفية والعارفون، وعليهما أهل السنة والجماعة، وعوام الأمة، وذلك من فطرة الله التى فطر الناس عليها‏.‏
وقد يحتجون على من ينكرها بالنصوص والآثار تارة؛ وبالذوق والوجد أخرى ـ إذا أنكر اللذة ـ فإن ذوقها ووجدها ينفى إنكارها‏.‏ وقد يحتجون بالقياس فى الأمثال تارة؛ وهى الأقيسة العقلية‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا ضلال، ولا نصر ولا خذلان، ولا خفض ولا رفع، ولا عز ولا ذل، بل ربه هو الذى خلقه ورزقه، وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمه، فإذا مسه الله بضر فلا يكشفه عنه غيره، وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه، وأما العبد فلا ينفعه ولا يضره إلا بإذن الله، وهذا الوجه أظهر للعامة من الأول؛ ولهذا خوطبوا به فى القرآن أكثر من الأول، لكن إذا تدبر اللبيب طريقة القرآن، وجد أن الله يدعو عباده بهذا الوجه إلى الأول‏.‏
فهذا الوجه يقتضى‏:‏ التوكل على الله، والاستعانة به، ودعاه، ومسألته، دون ما سواه‏.‏ ويقتضى أيضا‏:‏ محبة الله وعبادته لإحسانه إلى عبده، وإسباغ/ نعمه عليه، وحاجة العبد إليه فى هذه النعم، ولكن إذا عبدوه وأحبوه، وتوكلوا عليه من هذا الوجه، دخلوا فى الوجه الأول‏.‏ ونظيره فى الدنيا من نزل به بلاء عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق، فجعل يدعو الله ويتضرع إليه حتى فتح له من لذة مناجاته ما كان أحب إليه من تلك الحاجة التى قصدها أولا، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه‏.‏
والقرآن مملوء من ذكر حاجة العباد إلى الله دون ما سواه، ومن ذكر نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم فى الآخرة من صنوف النعيم واللذات، وليس عند المخلوق شىء من هذا، فهذا الوجه يحقق التوكل على الله والشكر له ومحبته على إحسانه‏.‏
الوجه الرابع‏:‏ أن تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه، إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته فى عبادة الله، فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته، ضره وأهلكه، وكذلك من النكاح واللباس، وإن أحب شيئا حبًا تامًا بحيث يخالله فلابد أن يسأمه، أو يفارقه‏.‏ وفى الأثر المأثور‏:‏ ‏(‏أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان‏)‏ ‏(‏واعلم أن كل من أحب شيئا لغير الله فلابد أن يضره محبوبه، ويكون ذلك سببا لعذابه؛ ولهذا كان الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله، يمثل لأحدهم كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يأخذ بلهزمته‏.‏ يقول‏:‏ أنا كنزك، أنا مالك‏.‏
وكذلك نظائر هذا فى الحديث‏:‏ ‏(‏يقول الله يوم القيامة‏:‏ يابن آدم، أليس عدلا منى أن أولى كل رجل منكم ما كان يتولاه فى الدنيا‏؟‏‏)‏‏.‏ وأصل التَّولِّى/ الحب؛ فكل من أحب شيئًا دون الله ولاه الله يوم القيامة ما تولاه، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، فمن أحب شيئًا لغير الله فالضرر حاصل له إن وجد، أو فقد، فإن فقد عذب بالفراق وتألم، وإن وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة، وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء‏.‏ وكل من أحب شيئًا دون الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته، فصارت المخلوقات وبالا عليه، إلا ما كان لله وفى الله، فإنه كمال وجمال للعبد، وهذا معنى ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه‏)‏‏.‏ رواه الترمذى، وغيره ‏.‏
الوجه الخامس‏:‏ أن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب الضرر من جهته، فإنه يخذل من تلك الجهة، وهو أيضًا معلوم بالاعتبار والاستقراء، ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة، ولا استنصر بغير الله إلا خذل‏.‏ وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 81‏:‏ 82‏]‏‏.‏
وهذان الوجهان فى المخلوقات نظير العبادة والاستعانة فى المخلوق، فلما قال‏:‏ ‏{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏ كان صلاح العبد فى عبادة الله واستعانته‏.‏ وكان فى عبادة ما سواه، والاستعانة بما سواه، مضرته وهلاكه وفساده‏.‏
الوجه السادس‏:‏ أن الله ـ سبحانه ـ غنى، حميد، كريم، واجد، رحيم، فهو ـ سبحانه ـ محسن إلى عبده مع غناه عنه؛ يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمة وإحسانا والعباد لا يتصور أن يعملوا إلا لحظوظهم، فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه، ويجلبوا / له منفعة ويدفعوا عنه مضرة ما، وإن كان ذلك أيضًا من تيسير الله تعالى، فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد إذا لم يكن العمل لله‏.‏ فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته، سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر فإذا أحبوا الأنبياء والأولياء طلبوا لقاءهم، فهم يحبون التمتع برؤيتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك‏.‏
وكذلك من أحب إنسانًا لشجاعته أو رياسته، أو جماله أو كرمه، فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة، ولولا التذاذه بها لما أحبه، وإن جلبوا له منفعة كخدمة أو مال، أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو ـ ولو بالدعاء أو الثناء ـ فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله، فأجناد الملوك، وعبيد المالك، وأجَرَاءُ الصانع، وأعوان الرئيس، كلهم إنما يسعون فى نيل أغراضهم به، لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم، إلا أن يكون قد عُلِمَ وأدِّب من جهة أخرى، فيدخل ذلك فى الجهة الدينية، أو يكون فيها طبع عدل، وإحسان من باب المكافأة والرحمة، وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه‏.‏ وهذا من حكمة الله التى أقام بها مصالح خلقه، وقسم بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات؛ ليتخذ بعضهم بعضًا سخريا‏.‏
إذا تبين هذا ظهر أن المخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد منفعته بك، وإن كان ذلك قد يكون عليك فيه ضرر إذا لم يراع العدل، فإذا دعوته؛ فقد دعوت مَنْ ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ‏.‏
والرب ـ سبحانه ـ يريدك لك، ولمنفعتك بك، لا لينتفع بك، وذلك منفعة عليك بلا مضرة‏.‏ فتدير هذا، فملاحظة هذا الوجه يمنعك أن ترجو المخلوق أو / تطلب منه منفعة لك، فإنه لا يريد ذلك بالقصد الأول، كما أنه لا يقدر عليه‏.‏ ولا يحملنك هذا على جفوة الناس، وترك الإحسان إليهم، واحتمال الأذى منهم، بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم، وكما لا تَخَفْهُمْ فَلا تَرْجُهُمْ، وخَف الله فى الناس ولا تخف الناس فى الله، وارج الله فى الناس ولا ترج الناس فى الله، وكن ممن قال الله فيه‏:‏ ‏{‏وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 17-20 ‏]‏ وقال فيه‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 9‏]‏‏.‏
الوجه السابع‏:‏ أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجاتهم بك، وإن كان ذلك ضررًا عليك، فإن صاحب الحاجة أعمى لا يعرف إلا قضاءها‏.‏
الوجه الثامن‏:‏ أنه إذا أصابك مضرة كالخوف والجوع والمرض، فإن الخلق لا يقدرون على دفعها إلا بإذن الله، ولا يقصدون دفعها إلا لِغَرَضٍ لهم فى ذلك‏.‏
الوجه التاسع‏:‏ أن الخلق لو اجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه الله لك، ولو اجتهدوا أن يضروك لم يضروك إلا بأمر قد كتبه الله عليك، فهم لا ينفعونك إلا بإذن الله، ولا يضرونك إلا بإذن الله، فلا تُعَلِّقْ بهم رجاءك‏.‏
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 20-21‏]‏‏.‏ والنصر يتضمن دفع الضرر، والرزق يتضمن حصول المنفعة / قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }‏ ‏[‏قريش‏:‏ 3، 4‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 57‏]‏، وقال الخليل ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏{رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏ 126‏]‏‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم‏)‏‏:‏ بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم‏؟‏
/ فَصْــــل
جماع هذا أنك إذا كنت غير عالم بمصلحتك، ولا قادر عليها، ولا مريد لها كما ينبغى، فغيرك من الناس أولى ألا يكـون عالما بمصلحتك، ولا قـادرًا عليها، ولا مريدا لها، والله ـ سبحانه ـ هو الذى يعلم ولا تعلم، ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله العظيم، كما فى حديث الاستخارة‏:‏ ‏(‏اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب‏)‏‏.‏
/ فَصْــل
وهو مثل المقدمة لهذا الذى أمامه، وهو أن كل إنسان فهو همام حارث حساس متحرك بالإرادة، بل كل حى فهو كذلك له علم وعمل بإرادته‏.‏ والإرادة هى المشيئة والاختيار، ولابد فى العمل الإرادى الاختيارى من مراد وهو المطلوب، ولا يحصل المراد إلا بأسباب، ووسائل تحصله، فإن حصل بفعل العبد فلابد من قدرة وقوة، وإن كان من خارج فلابد من فاعل غيره، وإن كان منه ومن الخارج فلابد من الأسباب، كالآلات ونحو ذلك، فلابد لكل حى من إرادة، ولابد لكل مريد من عون يحصل به مراده‏.‏
فصار العبد مجبولاً على أن يقصد شيئا ويريده، ويستعين بشىء ويعتمد عليه فى تحصيل مراده، هذا أمر حتْمٌ لازم ضرورى فى حق كل إنسان يجده فى نفسه، لكن المراد والمستعان على قسمين‏:‏
منه ما يراد لغيره، ومنه ما يراد لنفسه‏.‏ والمستعان‏:‏ منه ما هو المستعان لنفسه، ومنه ما هو تبع للمستعان وآلة له، فمن المراد ما يكون هو الغاية المطلوب، فهو الذى يذل له الطالب ويحبه، وهو الإله المقصود، ومنه ما يراد لغيره، وهو بحيث يكون المراد هو ذلك الغير، فهذا مراد بالعرض‏.‏ ومن المستعان ما يكون هو الغاية التى يعتمد عليه العبد، ويتوكل عليه، ويعتضد به، ليس عنده فوقه غاية فى الاستعانة، ومنه ما يكون تبعًا لغيره، بمنزلة الأعضاء مع القلب، والمال مع المالك، والآلات مع الصانع‏.‏
/ فإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال جميع الناس، وجدهم لا ينفكون عن هذين الأمرين‏:‏ لابد للنفس من شىء تطمئن إليه وتنتهى إليه محبتها، وهو إلهها‏.‏ ولابد لها من شىء تثق به وتعتمد عليه فى نيل مطلوبها هو مستعانها، سواء كان ذلك هو الله أو غيره، وإذا فقد يكون عامًا وهو الكفر، كمن عبد غير الله مطلقا، وسأل غير الله مطلقًا‏.‏ مثل‏:‏ عباد الشمس والقمر، وغير ذلك الذين يطلبون منهم الحاجات، ويفزعون إليهم فى النوائب‏.‏
وقد يكون خاصًا فى المسلمين، مثل‏:‏ من غلب عليه حب المال، أو حب شخص، أو حب الرياسة، حتى صار عبد ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏تعس عبد الدرهم ‏!‏ تعس عبد الدينار‏!‏ تعس عبد الخميصة‏!‏ تعس عبد الخميلة‏!‏‏:‏ إن أعطى رضي، وإن منع سخط‏!‏ تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش‏)‏، وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله، بحيث يكون عنده مخدومه من الرؤساء ونحوهم، أو خادمه من الأعوان والأجناد ونحوهم، أو أصدقاؤه أو أمواله، هى التى تجلب المنفعة الفلانية وتدفع المضرة الفلانية، فهو معتمد عليها ومستعين بها والمستعان هو مدعو ومسؤول‏.‏
وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة، فمن اعتمد عليه القلب فى رزقه ونصره ونفعه وضره، خضع له وذل، وانقاد وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته، لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، كما يصيب كثيرًا ممن يحب المال أو يحب من يحصل له به العز والسلطان‏.‏
وأما من أحبه القلب وأراده وقصده، فقد لا يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه، كاستشعار المحب قدرة المحبوب على وصله،/ فإذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه استعانه ،وإلا فلا، فالأقسام ثلاثة؛ فقد يكون محبوبًا غير مستعان، وقد يكون مستعانًا غير محبوب، وقد يجتمع فيه الأمران‏.‏
فإذا علم أن العبد لابد له فى كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو إلهه، ومنتهى يطلب منه هو مستعانه ـ وذلك هو صمده الذى يصمد إليه فى استعانته وعبادته ـ تبين أن قوله‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏ كلام جامع محيط أولا وآخرًا،لا يخرج عنه شىء، فصارت الأقسام أربعة‏:‏
إما أن يعبد غير الله ويستعينه ـ وإن كان مسلما ـ فالشرك فى هذه الأمة أخفى من دَبيبِ النمل‏.‏
وإما أن يعبده ويستعين غيره، مثل كثير من أهل الدين، يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته وحده لا شريك له، وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم، ورزقهم، وهدايتهم، من جهته من الملوك والأغنياء والمشائخ‏.‏
وإما أن يستعينه ـ وإن عبد غيره ـ مثل كثير من ذوى الأحوال، وذوى القدرة وذوى السلطان الباطن أو الظاهر، وأهل الكشف والتأثير، الذين يستعينونه ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجؤون إليه، لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته التى بعث الله بها رسوله ‏.‏
والقسم الرابع‏:‏ الذين لا يعبدون إلا إياه، ولا يستعينون إلا به، وهذا القسم الرباعى قد ذكر فيما بعد أيضا، لكنه تارة يكون بحسب العبادة والاستعانة، وتارة يكون بحسب المستعان، فهنا هو بحسب المعبود والمستعان؛ لبيان أنه لابد لكل عبد من معبود مستعان، وفيما بعد بحسب عبادة الله واستعانته، فإن الناس فيها على أربعة أقسام ‏.‏
/ وقال شيخ الإسلام‏:‏
فصـل
فى وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه، فلا يعمل إلا له، ولا يرجى إلا هو، هو ـ سبحانه ـ الذى ابتدأك بخلقك والإنعام عليك، بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلا، وما فعل بك لا يقدر عليه غيره‏.‏ ثم إذا احتجت إليه فى جلب رزق أو دفع ضرر، فهو الذى يأتى بالرزق لا يأتى به غيره، وهو الذى يدفع الضرر لا يدفعه غيره، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ‏‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 20-21‏]‏
وهو ـ سبحانه ـ ينعم عليك، ويحسن إليك بنفسه، فإن ذلك موجب ما تسمى به، ووصف به نفسه؛ إذ هو الرحمن الرحيم، الودود المجيد، وهو قادر بنفسه، وقدرته من لوازم ذاته، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته، لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه، بل هو الغنى عن العالمين ‏{‏وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 40‏]‏ ‏{‏وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ }‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 7، 8‏]‏ ‏.‏
وفى الحديث الصحيح الإلهى‏:‏ ‏(‏يا عبادى لو أن أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُم / وَجِنَّكُمْ كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا، ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئا، ولو قاموا فى صعيد واحد فسألونى، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندى شيئا‏)‏ إلى آخر الحديث ‏.‏
فالرب ـ سبحانه ـ غنى بنفسه، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه، واجب له من لوازم نفسه، لا يفتقر فى شىء من ذلك إلى غيره، بل أفعاله من كماله‏:‏ كَمُلَ فَفَعل، وإحسانه وجُودُه من كماله، لا يفعل شيئًا لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه، بل كُل ما يريده فعله، فإنه فعال لما يريد‏.‏ وهو ـ سبحانه ـ بالغ أمره، فكل ما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد، ولا يعوقه أحد، لا يحتاج فى شىء من أموره إلى معين، وما له من المخلوقين ظهير، وليس له ولى من الذل‏.‏
/ فصــل
والعبد كلما كان أذل للّه وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له، كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله‏.‏ وأما المخلوق فكما قيل‏:‏ احتج إلى من شئت تكن أسِيرهُ، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل‏:‏
بين التذلل والتدلل نقطة ** فى رفعها تتحير الأفهــام
ذاك التــذلل شــــــرك ** فافهم يا فتى بالخلف
فأعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمة عند الخلق، إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم، كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ـ ولو فى شربة ماء ـ نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يشرك به شىء‏.‏
ولهذا قال حاتم الأصم ـ لما سئل‏:‏ فيم السلامة من الناس‏؟‏ قال‏:‏ أن يكون شيئك لهم مبذولاً وتكون من شيئهم آيسًا، لكن إن كنت معوضًا لهم عن ذلك وكانوا محتاجين، فإن تعادلت الحاجتان تساويتم كالمتبايعين ليس لأحدهما فضل على الآخر، وإن كانوا إليك أحوج خضعوا لك‏.‏
فالرب ـ سبحانه ـ أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون/ إليه‏.‏ والخلق أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم؛ لأنهم كلهم محتاجون فى أنفسهم، فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم جهلة بمصالح أنفسهم، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم ‏؟‏ ‏!‏ فإنهم لا يقدرون عليها، ولا يريدون من جهة أنفسهم، فلا علم ولا قدرة ولا إرادة‏.‏ والرب ـ تعالى ـ يعلم مصالحك ويقدر عليها، ويريدها رحمة منه وفضلا، وذلك صفته من جهة نفسه، لا شىء آخر جعله مريدًا راحمًا، بل رحمته من لوازم نفسه، فإنه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شىء، والخلق كلهم محتاجون، لا يفعلون شيئًا إلا لحاجتهم ومصلحتهم، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة، ولا ينبغى لهم إلا ذلك، لكن السعيد منهم الذى يعمل لمصلحته التى هى مصلحة،لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك‏.‏ فهم ثلاثة أصناف‏:‏ ظالم، وعادل، ومحسن‏.‏
فالظالم‏:‏ الذى يأخذ منك مالا أو نفعًا ولا يعطيك عوضه، أو ينفع نفسه بضررك‏.‏
والعادل‏:‏ المكافئ‏.‏ كالبائع لا لك ولا عليك، كل به يقوم الوجود، وكل منهما محتاج إلى صاحبه، كالزوجين، والمتبايعين، والشريكين‏.‏
والمحسن‏:‏ الذى يحسن لا لعوض يناله منك‏.‏ فهذا إنما عمل لحاجته ومصلحته، وهو انتفاعه بالإحسان، وما يحصل له بذلك مما تحبه نفسه من الأجر، أو طلب مدح الخلق، وتعظيمهم، أو التقرب إليك، إلى غير ذلك‏.‏ وبكل حال‏:‏ ما أحسن إليك إلا لما يرجو من الانتفاع‏.‏ وسائر الخلق، إنما يكرمونك ويعظمونك لحاجتهم إليك، وانتفاعهم بك، إما بطريق / المعاوضة؛ لأن كل واحد من المتبايعين والمتشاركين والزوجين محتاج إلى الآخر، والسيد محتاج إلى مماليكه وهم محتاجون إليه، والملوك محتاجون إلى الجند والجند محتاجون إليهم، وعلى هذا بنى أمر العالم‏.‏ وإما بطريق الإحسان منك إليهم‏.‏ فأقرباؤك وأصدقاؤك وغيرهم إذا أكرموك لنفسك، فهم إنما يحبونك ويكرمونك لما يحصل لهم بنفسك من الكرامة، فلو قد وليت ولوا عنك وتركوك، فهم فى الحقيقة إنما يحبون أنفسهم، وأغراضهم‏.‏
فهؤلاء كلهم من الملوك إلى من دونهم، تجد أحدهم سيدًا مطاعًا، وهو فى الحقيقة عبد مطيع وإذا أوذى أحدهم بسبب سيده أو من يطيعه تغير الأمر بحسب الأحوال، ومتى كنت محتاجا إليهم، نقص الحب والإكرام والتعظيم بحسب ذلك وإن قضوا حاجتك‏.‏
والرب ـ تعالى ـ يمتنع أن يكون المخلوق مكافئا له أو متفضلا عليه؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ـ إذا رفعت مائدته ـ‏:‏ ‏(‏الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبا مباركا فيه غير مكفى ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا‏)‏ رواه البخارى من حديث أبى أمامة‏.‏ بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضـل على العبد وحده لا شريك له فى ذلك، بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله، وسعادة العبد فى كمال افتقاره إلى الله واحتياجه إليه، وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه، أى بموجب علمه ذلك‏.‏ فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم، مثل أن يذهب ماله ولا يعلم، بل يظنه باقيًا، فإذا علم بذهابه صار له حال آخر، فكذلك الخلق كلهم فقراء إلى الله، لكن أهل الكفر والنفاق فى جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره والعمل به، والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجـب إقـراره، وهـؤلاء هـم عباد الله ‏.‏
/الإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات، وفقره من لوازم ذاته، يمتنع أن يكون إلا فقيرًا إلى خالقه، وليس أحد غنيًا بنفسه إلا الله وحده، فهو الصمد الغنى عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، فالعبد فقير إلى الله من جهة ربوبيته ومن جهة إلهيته، كما قد بسط هذا فى مواضع‏.‏
والإنسان يذنب دائما، فهو فقير مذنب، وربه تعالى يرحمه ويغفر له، وهو الغفور الرحيم، فلولا رحمته وإحسانه لما وجد خير إصلا، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه، وهو محتاج دائما إلى حصول النعمة، ودفع الضر والشر ولا تحصل النعمة إلا برحمته، ولا يندفع الشر إلا بمغفرته، فإنه لا سبب للشر إلا ذنوب العباد، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 79‏]‏، والمراد بالسيئات‏:‏ ما يسوء العبد من المصائب، وبالحسنات‏:‏ ما يسره من النعم، كما قال‏:‏ ‏{‏وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 168‏]‏، فالنعم والرحمة والخير كله من الله فضلا وجودًا، من غير أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق، وإن كان ـ تعالى ـ عليه حق لعباده، فلذلك الحق هو أحقه على نفسه، وليس ذلك من جهة المخلوق، بل من جهة الله، كما قد بسط هذا فى مواضع‏.‏
والمصائب بسبب ذنوب العباد وكسبهم، كما قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 30‏]‏ والنعم، وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها، فهو ـ سبحانه ـ المنعم بالعبد وبطاعته وثوابه عليها، فإنه ـ سبحانه ـ هو الذى خلق العبد وجعله مسلما طائعا، كما قال الخليل‏:‏ ‏{‏الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 78‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ‏}‏ ‏[‏البقرة ‏:‏128‏]‏، وقال ‏:‏‏{‏اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 40‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 24‏]‏، فسأل ربه أن يجعله مسلما وأن يجعله مقيم الصلاة، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ‏}‏ الآية ‏[‏الحجرات‏:‏ 7‏]‏، قال فى آخرها‏:‏ ‏{‏فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 8 ‏]‏‏.‏
وفى صحيح أبى داود وابن حبان‏:‏ ‏(‏اهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها علينا‏)‏ ، وفى الفاتحة‏:‏ ‏{‏اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 6 ‏]‏ وفى الدعاء الذى رواه الطبرإني عن ابن عباس قال‏:‏ مما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة‏:‏ ‏(‏اللهم إنك تسمع كلامى، وترى مكإني، وتعلم سِرّى وعلانيتى، ولا يخفى عليك شىء من أمرى، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوَجِل ‏[‏أى‏:‏ الخائف‏.‏ انظر‏:‏ لسان العرب، مادة ‏"‏ وجل‏"‏‏]‏ المشفق، المقر بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وذل لك جسده، ورَغِمَ لك أنفسه، اللّهم لا تجعلنى بدعائك رب شقيا، وكن بى رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين‏)‏‏.‏
ولفظ العبد فى القرآن يتناول من عَبَدَ الله، فأما عبد لا يعبده فلا يطلق عليه لفظ عبده، كما قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 42‏]‏، وأما قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 42‏]‏، فالاستثناء فيه منقطع، كما قاله أكثر المفسرين والعلماء، وقوله‏:‏ ‏{‏عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 6‏]‏، ‏{‏وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 63‏]‏، ‏{‏وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 17‏]‏ و ‏{‏نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏30، 44‏]‏، ‏{‏وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏41‏]‏، ‏{‏وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 45‏]‏، ‏{‏فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا‏}‏ ‏[‏ الكهف‏:‏ 65‏]‏، ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏، ‏{‏إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا‏}‏ ‏[‏ الإسراء‏:‏ 3‏]‏، ‏{‏وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏23‏]‏، ‏{‏فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ‏}‏ ‏[‏ النجم‏:‏ 10‏]‏، ‏{‏وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ‏}‏ ‏[‏ الجن‏:‏ 19‏]‏، ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 1‏]‏‏.‏ ونحو هذا كثير‏.‏ وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها، كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 194‏]‏، ‏{‏أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 102‏]‏ قد يقال فى هذا‏:‏ إن المراد به الملائكة، والأنبياء، إذا كان قد نهى اتخاذهم أولياء فغيرهم بطريق الأولى، فقد قال‏:‏ ‏{‏إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 93‏]‏ ‏.‏
وفى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم فى الدَّجَّال‏:‏ ‏(‏فيوحى الله إلى المسيح أن لى عبادًا لا يَدَان لأحد بقتالهم‏)‏ ، وهذا كقوله‏:‏ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 5‏]‏، فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله، لكنهم مُعَبَّدُونَ، مُذَللونَ، مقهورون، يجرى عليهم قدره‏.‏
وقد يكون كونهم عبيدًا‏:‏ هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفارًا، كقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏ يوسف‏:‏ 106 ‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا‏}‏ ‏[‏مريم ‏:‏93 ‏]‏ أى‏:‏ ذليلاً خاضعا‏.‏ ومعلوم أنهم لا يأتون يوم القيامة إلا كذلك، وإنما الاستكبار عن عبادة الله كان فى الدنيا، ثم قال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏94، 95‏]‏، فذكر بعدها أنه يأتى منفردًا، كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 94‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 83‏]‏، ‏{‏وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا‏}‏ الآية ‏[‏الرعد‏:‏ 15 ‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 116 ‏]‏، فليس المراد بذلك مجرد كونهم مخلوقين مدبرين مقهورين تحت المشيئة والقدرة، فإن هذا / لا يقال طوعا وكرها، فإن الطوع والكره إنما يكون لما يفعله الفاعل طوعا وكرها، فأما ما لا فعل له فيه فلا يقال له‏:‏ ساجد أو قانت، بل ولا مسلم، بل الجميع مقرون بالصانع بفطرتهم، وهم خاضعون مستسلمون، قانتون مضطرون من وجوه‏:‏
منها‏:‏ علمهم بحاجتهم وضرورتهم إليه ‏.‏ومنها‏:‏دعاؤهم إياه عند الاضطرار‏.‏
ومنها‏:‏ خضوعهم واستسلامهم لما يجرى عليهم من أقداره ومشيئته‏.‏ ومنها‏:‏ انقيادهم لكثير مما أمر به فى كل شىء، فإن سائر البشر لا يُمَكِّنُونَ العبد من مراده، بل يقهرونه ويلزمونه بالعدل الذى يكرهه، وهو مما أمر الله به، وعصيانهم له فى بعض ما أمر به ـ وإن كان هو التوحيد ـ لا يمنع كونهم قانتين خاضعين، مستسلمين كرهاً، كالعصاة من أهل القبلة وأهل الذِّمة وغيرهم، فإنهم خاضعون للدين الذى بعث به رسله، وإن كانوا يعصونه فى أمور‏.‏
والمؤمن يخضع لأمر ربه طوعا، وكذلك لما يقدره من المصائب، فإنه يفعل عندها ما أمر به من الصبر وغيره طوعا، فهو مسلم لله طوعا، خاضع له طوعا، والسجود مقصود الخضوع، وسجود كل شىء بحَسَبِه سجودا يناسبها ويتضمن الخضوع للرب‏.‏
وأما فقر المخلوقات إلى الله ـ بمعنى حاجتها كلها إليه، وأنه لا وجود لها ولا شىء من صفاتها، وأفعالها إلا به ـ فهذا أول درجات الافتقار، وهو افتقارها إلى ربوبيته لها، وخلقه وإتقانه، وبهذا الاعتبار كانت مملوكة له، وله ـ سبحانه ـ الملك والحمد‏.‏
وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب، فالحدوث / دليل افتقار الأشياء إلى محدثها، وكذلك حاجاتها إلى محدثها بعد إحداثه لها دليل افتقارها، فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق الرازق ‏.‏
والصواب‏:‏ أن الأشياء مفتقرة إلى الخالق لذواتها لا لأمر آخر جعلها مفتقرة إليه، بل فقرها لازم لها، لا يمكن أن تكون غير مفتقرة إليه، كما أن غَنَاء الرب وصفُ لازم له لا يمكن أن يكون غير غنى، فهو غنى بنفسه لا بوصف جعله غنيًا، وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها، وهى معدومة وهى موجودة، فإذا كانت معدومة فقيل عن مطر ينتظر نزوله وهو مفتقر إلى الخالق كان معناه‏:‏ أنه لا يوجد إلا بالخالق‏.‏ هذا قول الجمهور من نظار المسلمين وغيرهم، وهذا الافتقار أمر معلوم بالعقل، وما أثبته القرآن من استسلام المخلوقات وسجودها وتسبيحها وقنوتها، أمر زائد على هذا عند عامة المسلمين من السلف وجمهور الخلف ‏.‏
ولكن طائفة تدعى أن افتقارها، وخضوعها، وخلقها، وجريان المشيئة عليها هو تسبيحها وقنوتها، وإن كان ذلك بلسان الحال، ولكونها دلالة شاهدة للخالق جل جلاله‏.‏ وقل للأرض‏:‏ من فجر أنهارها، وغرس أشجارها، وأخرج نباتها وثمارها، فإن لم تجبك حـواراً وإلا أجابتك اعتباراً، وهذا يقوله الغزالى وغيره، وهو أحـد الوجوه التى ذكرهـا أبو بكر بن الأنبارى فى قوله‏:‏ ‏{‏كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 116 ‏]‏ قال‏:‏ كل مخلوق قانت له باشر صنعت فيه وجرى أحكامه عليه، فذلك دليل على ذله لربه، وهو الذى ذكره الزجاج فى قوله‏:‏ ‏{‏وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 83 ‏]‏ قال‏:‏ إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره فى جِبِلِّهم، لا يقدر أحـد يمتنع من جبلة جبله الله عليها، وهذا المعنى صحيح، لكن الصواب ـ / الذى عليه جمهور علماء السلف والخلف ـ‏:‏ أن القنوت، والاستسلام، والتسبيح أمر زائد على ذلك، وهذا كقول بعضهم‏:‏ إن سجود الكاره وذله وانقياده لما يريده الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر، وكما قال بعضهم فى قوله‏:‏ ‏{‏وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ‏}‏ ‏[‏ الإسراء‏:‏ 44‏]‏‏.‏ قال‏:‏ تسبيحه دلالته على صانعه، فتوجب بذلك تسبيحا من غيره ،والصواب‏:‏ أن لها تسبيحا وسجودا بحسبها ‏.‏
والمقصود أن فقر المخلوقات إلى الخالق، ودلالتها عليه وشهادتها، له أمر فِطْرِىّ فطر الله عليه عباده، كما أنه فطرهم على الإقرار به بدون هذه الآيات، كما قد بسط الكلام على هذا فى مواضع، وبين الفرق بين دلالة الآيات ودلالة القياس الشمولى، والتمثيلى، فإن القياس البرهإني العقلى، سواء صيغ بلفظ الشمول، كالأشكال المنطقية، أو صيغ بلفظ التمثيل، وبين أن الجامع هو علة الحكمة ويلزم ثبوت الحكم أينما وجد، وقد بسطنا الكلام على صورة القياسين فى غير هذا الموضع ‏.‏
والتحقيق‏:‏ أن العلم بأن المحدث لابد له من محدث هو علم فطرى، ضرورى فى المعينات الجزئية، وأبلغ مما هو فى القضية الكلية، فإن الكليات إنما تصير كليات فى العقل بعد استقرار جزئياتها فى الوجود، وكذلك عامة القضايا الكلية، التى يجعلها كثير من النظار المتكلمة والمتفلسفة أصول علمهم، كقولهم‏:‏ الكل أعظم من الجزء، أو النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والأشياء المساوية لشىء واحد متساوية ونحو ذلك، فإنه أىّ كلى تصوره الإنسان علم أنه أعظم من جزئيه، وإن لم تخطر له القضية الكلية، كما يعلم أن بدن الإنسان بعضه أكثر من بعض، وأن الدرهم أكبر من بعضه، وأن المدينة أكثر من بعضها، / وأن الجبل أكبر من بعضه، وكذلك النقيضان وهما‏:‏ الوجود والعدم، فإن العبد إذا تصور وجود أى شىء كان وعدمه، علم أن ذلك الشىء لا يكون موجودا معدوما فى حالة واحدة، وأنه لا يخلو من الوجود والعدم، وهو يقضى بالجزئيات المعينة، وإن لم يستحضر القضية الكلية، وهكذا أمثال ذلك ‏.‏
ولما كان القياس الكلى فائدته أمر مطلق لا معين، كان إثبات الصانع بطريق الآيات هو الواجب، كما نزل به القرآن، وفطر الله عليه عباده، وإن كانت الطريقة القياسية صحيحة، لكن فائدتها ناقصة، والقرآن إذا استعمل ـ لعله فى الآيات الإلهيات ـ استعمل قياس الأولى لا القياس الذى يدل على المشترك، فإنه ما وجب تنزيه مخلوق عنه من النقائص والعيوب التى لا كمال فيها، فالبارى ـ تعالى ـ أولى بتنزيهه عن ذلك، وما ثبت للمخلوق من الكمال الذى لا نقص فيه كالحياة، والعلم، والقدرة، فالخالق أولى بذلك منه، فالمخلوقات كلها آيات للخالق، والفرق بين الآية وبين القياس‏:‏ أن الآية تدل على عين المطلوب الذى هو آية وعلامة عليه، فكل مخلوق فهو دليل، وآية على الخالق نفسه، كما قد بسطناه فى مواضع‏.‏
ثم الفِطر تعرف الخالق بدون هذه الآيات، فإنها قد فطرت على ذلك، ولو لم تكن تعرفه بدون هذه الآيات، لم تعلم أن هذه الآية له، فإن كونها آية له ودلالة علىه، مثل كون الاسم يدل على المسمى، فلابد أن يكون قد تصور المسمى قبل ذلك، وعرف أن هذا اسم له، فكذلك كون هذا دليلاً على هذا يقتضى تصور المدلول عليه، وتصور أن ذلك الدليل مستلزم له، فلابد فى ذلك أن يعلم أنه مستلزم للمدلول، فلو لم يكن المدلول متصوراً لم يعلم أنه دليل عليه، / فمعرفة الإضافة متوقفة على تصور المضاف والمضاف إليه، لكن قد لا يكون الإنسان عالماً بالإضافة، ولا كونه دليلا، فإذا تصوره عرف المدلول إذا عرف أنه مستلزم له، والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق، فلابد أن يكونوا يعرفونه، حتى يعلموا أن هذه دلائل مستلزمة له ‏.‏
والمقصود أن هذه الطرق العقلية الفطرية، هى التى جاء بها القرآن، واتفق العقل والشرع، وتلازم الرأى والسمع ‏.‏
والمتفلسفة ـ كابن سينا والرازى ومن اتبعهما ـ قالوا‏:‏ إن طريق إثباته الاستدلال عليه بالممكنات، وإن الممكن لابد له من واجب، قالوا‏:‏ والوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لابد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين‏.‏ وهذه المقالة أحدثها ابن سينا، ورَكَّبها من كلام المتكلمين وكلام سلفه، فإن المتكلمين قسموا الوجود إلى قديم ومحدث، وقسمه هو إلى واجب وممكن، وذلك أن الفلك عنده ليس محدثا، بل زعم أنه ممكن‏.‏ وهذا التقسيم لم يسبقه إليه أحد من الفلاسفة، بل حُذَّاقُهُمْ عرفوا أنه خطأ، وأنه خالف سلفه وجمهور العقلاء وغيرهم، وقد بينا فى مواضع أن القِدَم، ووجوب الوجود، متلازمان عند عامة العقلاء، الأولين والآخرين، ولم يعرف على طائفة منهم نزاع فى ذلك، إلا ما أحدثه هؤلاء، فإنا نشهد حدوث موجودات كثيرة، حدثت بعد أن لم تكن، ونشهد عدمها بعد أن كانت، وما كان معدوما أو سيكون معدوما لا يكون واجب الوجود، ولا قديمًا أزليًا‏.‏
ثم إن هؤلاء إذا قدر أنهم أثبتوا واجب الوجود، فليس فى دليلهم أنه مغاير للسموات والأفلاك، وهذا مما بيَّن تهافتهم فيه الغزالى وغيره، لكن / عمدتهم أن الجسم لا يكون واجبًا؛ لأنه مركب، والواجب لا يكون مركبًا، هذا عمدتهم ‏.‏
وقد بينا بطلان هذا من وجوه كثيرة، وما زال النظار يبينون فساد هذا القول كل بحسبه، كما بين الغزالى فساده بحسبه ‏.‏
وذلك أن لفظ الواجب صار فيه اشتراك بين عدة معان‏:‏ فيقال للموجود بنفسه الذى لا يقبل العدم، فتكون الذات واجبة والصفات واجبة، ويقال للموجود بنفسه والقائم بنفسه، فتكون الذات واجبة دون الصفات، ويقال لمبدع الممكنات، وهى المخلوقات، والمبدع لها هو الخالق، فيكون الواجب هو الذات المتصفة بتلك الصفات، والذات مجردة عن الصفات لم تخلق، والصفات مجردة عن الذات لم تخلق، ولهذا صار من سار خلفهم ممن يدعى التحقيق والعرفان، إلى أن جعل الواجب هو الوجود المطلق، كما قد بسط القول عليه فى مواضع ‏.‏
والمقصود هنا الكلام أولاً فى أن سعادة العبد فى كمال افتقاره إلى ربه واحتياجه إليه؛ أى فى أن يشهد ذلك ويعرفه، ويتصف معه بموجب ذلك من الذل والخضوع والخشوع، وإلا فالخلق كلهم محتاجون، لكن يظن أحدهم نوع استغناء فيطغى، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏6، 7‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 51‏]‏، وفى الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏كَانَ يَؤُوسًا‏}‏ ‏[‏الإسراء 83‏]‏‏.‏


بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2014, 07:03 AM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
/ فصــل
والسعادة فى معاملة الخلق‏:‏ أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم فى الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم فى الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفًا من الله لا منهم، كما جاء فى الأثر‏:‏ ‏(‏ارج الله فى الناس ولا ترج الناس فى الله، وخف الله فى الناس ولا تخف الناس فى الله‏)‏ أى‏:‏ لا تفعل شيئًا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا خوفًا من ذمهم، بل ارج الله ولا تخفهم فى الله فيما تأتى وما تذر، بل افعل ما أمرت به وإن كرهوه‏.‏ وفى الحديث‏:‏ ‏(‏إن من ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله، أو تَذُمَّهُمْ على ما لم يؤتك الله‏)‏ فإن اليقين يتضمن اليقين فى القيام بأمر الله وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنا، لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك، إما ميل إلى ما فى أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله؛ لما يرجوه منهم‏.‏ وإما ضعيف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب فى الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك، ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفا منهم ورجاء لهم؛ وذلك من ضعف اليقين‏.‏
وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك، فالأمر فى ذلك إلى الله لا لهم، / فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يقدر، كـان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، لكن من حمده الله ورسوله فهو المحمود، ومن ذمَّه الله ورسوله فهو المذموم ‏.‏
ولما قال بعض وفد بنى تَمِيم‏:‏ يا محمد، أعطنى، فإن حَمْدِى زَيْنُ وإن ذَمِّى شَيْنٌ‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ذاك الله عز وجل‏)‏
وكتبت عائشة إلى معاوية، وروى أنها رفعته إلى النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يُغْنُوا عنه من الله شيئا‏)‏ هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف‏:‏ ‏(‏من أرضى الله بسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاماً‏)‏ هذا لفظ المأثور عنها،وهذا من أعظم الفقه فى الدين،والمرفوع أحق وأصدق، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، وهو كاف عبده ‏{‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ‏}‏ ‏[‏ الطلاق‏:‏ 2، 3 ‏]‏‏.‏ فالله يكفيه مُؤْنَةَ الناس بلا رَيْب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه، فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه، إذا سلموا من الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً، كالظالم الذى يعض على يده يقول‏:‏ ‏{‏يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ‏}‏ ‏[‏ الفرقان‏:‏ 27، 28 ‏]‏، وأما كون حامده ينقلب ذاماً، فهذا يقع كثيراً، ويحصل فى العاقبة، فإن العاقبة للتقوى، لا يحصل ابتداء عند أهوائهم، وهو سبحانه أعلم ‏.‏
فالتوحيد ضد الشرك، فإذا قام العبد بالتوحيد الذى هو حق الله، فعبده / لا يشرك به شيئاً كان موحداً‏.‏ ومن توحيد الله وعبادته‏:‏ التوكل عليه والرجاء له، والخوف منه، فهذا يخلص به العبد من الشرك‏.‏ وإعطاء الناس حقوقهم، وترك العدوان عليهم، يخلص به العبد من ظلمهم، ومن الشرك بهم‏.‏ وبطاعة ربه واجتناب معصيته، يخلص العبد من ظلم نفسه، وقد قال ـ تعالى ـ فى الحديث القدسى‏:‏ ‏(‏قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين‏)‏‏.‏ فالنصفان يعود نفعهما إلى العبد، وكما فى الحديث الذى رواه الطبرانى فى الدعاء‏:‏ ‏(‏يا عبادى، إنما هى أربع، واحدة لى، وواحدة لك، وواحدة بينى وبينك، وواحدة بينك وبين خلقى، فالتى لى‏:‏ تعبدنى لا تشرك بى شيئا‏.‏ والتى لك‏:‏ عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه‏.‏ والتى بينى وبينك‏:‏ فمنك الدعاء وعلىّ الإجابة‏.‏ والتى بينك وبين خلقى‏:‏ فأت إليهم ما تحب أن يأتوه إليك‏)‏‏.‏ والله يحب النصفين، ويحب أن يعبدوه ‏.‏
وما يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو من فضله وإحسانه، وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب، وهو إنما يحبه لكونه طريقا إلى عبادته، والعبد يطلب ما يحتاج أولا، وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة وإلى الهداية إلى الصراط المستقيم، وبذلك يصل إلى العبادة‏.‏ فهو يطلب ما يحتاج إليه أولا ليتوسل به إلى محبوب الرب، الذى فيه سعادته‏.‏ وكذلك قوله‏:‏ ‏(‏عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه‏)‏ ، فإنه يحب الثواب الذى هو جزاء العمل، فالعبد إنما يعمل لنفسه، ‏{‏لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 286‏]‏، ثم إذا طلب العبادة فإنما يطلبها من حيث هى نافعة له، محصلة لسعادته، محصنة له من عذاب ربه فلا يطلب العبد قط إلا ما فيه حظ له، وإن كان الرب يحب ذلك فهو يطلبه من حيث هو ملائم له، فمن عبد الله لا يشرك به شيئًا أحبه وأثابه، فيحصل / للعبد ما يحبه من النعم تبعًا لمحبوب الرب، وهذا كالبائع والمشترى، البائع يريد من المشترى أولا الثمن، ومن لوازم ذلك‏:‏ إرادة تسليم المبيع، والمشترى يريد السلعة، ومن لوازم ذلك‏:‏ إرادة إعطاء الثمن‏.‏
فالرب يحب أن يحب، ومن لوازم ذلك‏:‏ أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به‏.‏ والعبد يحب ما يحتاج إليه وينتفع به، ومن لوازم ذلك‏:‏ محبته لعبادة الله، فمن عبد الله وأحسن إلى الناس، فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله، فى إخلاص الدين له‏.‏ ومن طلب من العباد العوض، ثناء أو دعاء أو غير ذلك، لم يكن محسنًا إليهم لله‏.‏ ومن خاف الله فيهم ولم يخفهم فى الله كان محسنًا إلى الخلق وإلى نفسه، فإن خوف الله يحمله على أن يعطيهم حقهم ويكف عن ظلمهم، ومن خافهم ولم يخف الله فهذا ظالم لنفسه ولهم، حيث خاف غير الله ورجاه؛ لأنه إذا خافهم دون الله احتاج أن يدفع شرهم عنه بكل وجه، إما بمداهنتهم ومراءاتهم، وإما بمقابلتهم بشىء أعظم من شرهم أو مثله، وإذا رجاهم لم يقم فيهم بحق الله، وهو إذا لم يخف الله فهو مختار للعدوان عليهم، فإن طبع النفس الظلم لمن لا يظلمها فكيف بمن يظلمها ‏؟‏ فتجد هذا الضرب كثير الخوف من الخلق، كثير الظلم إذا قدر، مهين ذليل إذا قهر، فهو يخاف الناس بحسب ما عنده من ذلك، وهذا مما يوقع الفتن بين الناس‏.‏
وكذلك إذا رجاهم فهم لا يعطونه ما يرجوه منهم، فلابد أن يبغضهم فيظلمهم إذا لم يكن خائفا من الله عز وجل، وهذا موجود كثيرًا فى الناس، تجدهم يخاف بعضهم بعضًا ويرجو بعضهم بعضًا، وكل من هؤلاء يتظلم من الآخر، ويطلب ظلمه، فهم ظالمون بعضهم لبعض، ظالمون فى حق الله حيث خافوا غيره ورجوا غيره، ظالمون لأنفسهم، فإن هذا من الذنوب التى تعذب النفس بها وعليها، وهو يجر إلى فعل المعاصى المختصة، كالشرك والزنا، فإن الإنسان إذا لم يخف / من الله اتبع هواه، ولاسيما إذا كان طالبًا ما لم يحصل له؛ فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به وتدفع به الغم والحزن عنها، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح إليه وبه، فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وقول الزور، وذكر مجريات النفس والهزل واللعب، ومخالطة قرناء السوء وغير ذلك، ولا يستغنى القلب إلا بعبادة الله ـ تعالى ‏.‏
فإن الإنسان خلق محتاجًا إلى جلب ما ينفعه، ودفع ما يضره، ونفسه مريدة دائمًا، ولابد لها من مراد يكون غاية مطلوبها لتسكن إليه وتطمئن به، وليس ذلك إلا لله وحده، فلا تطمئن القلوب إلا به، ولا تسكن النفوس إلا إليه، و ‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 22‏]‏، فكل مألوه سواه يحصل به الفساد، ولا يحصل صلاح القلوب إلا بعبادة الله وحده لا شريك له‏.‏
فإذا لم تكن القلوب مخلصة لله الدين، عبدت غيره من الآلهة التى يعبدها أكثر الناس مما رضوه لأنفسهم، فأشركت بالله بعبادة غيره، واستعانته، فتعبد غيره وتستعين به، لجهلها بسـعادتها التى تنالها بـعبادة خالقها والاستعانة به، فبالعبادة له تستغنى عن معبود آخر، وبالاستعانة به تستغنى عن الاستعانة بالخلق، وإذا لم يكن العبد كذلك، كان مذنبًا محتاجًا، وإنما غناه فى طاعة ربه، وهذا حال الإنسان؛ فإنه فقير محتاج، وهو مع ذلك مذنب خطاء، فلابد له من ربه، فإنه الذى يسدى مغافرَهُ، ولابد له من الاستغفار من ذنوبه،قال تعالى‏:‏‏{‏فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏19‏]‏، فبالتوحيد يقوى العبد ويستغنى، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، وبالاستغفار يغفر له ويدفع عنه عذابه، ‏{‏وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 33‏]‏، فلا يزول فقر العبد وفاقته / إلا بالتوحيد؛ فإنه لابد له منه، وإذا لم يحصل له لم يزل فقيرًا محتاجًا معذبًا فى طلب ما لم يحصل له، والله تعالى لا يغفر أن يشرك به، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار، حصل له غناه وسعادته، وزال عنه ما يعذبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏
والعبد مفتقر دائما إلى التوكل على الله والاستعانة به، كما هو مفتقر إلى عبادته، فلابد أن يشهد دائمًا فقره إلى الله، وحاجته فى أن يكون معبودًا له، وأن يكون معينًا له، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 175‏]‏ أى يخوفكم بأوليائه‏.‏ هذا هو الصواب الذى عليه الجمهور، كابن عباس وغيره وأهل اللغة كالفراء وغيره‏.‏ قال ابن الأنبارى‏:‏ والذى نختاره فى الآية‏:‏ يخوفكم أولياءه‏.‏ تقول العرب‏:‏ أعطيت الأموال‏:‏ أى أعطيت القوم الأموال، فيحذفون المفعول الأول ‏.‏
قلت‏:‏ وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفًا مطلقًا، ليس له فى تخويف ناس بناس ضرورة، فحذف الأول لأنه ليس مقصودًا‏.‏
وقال بعض المفسرين‏:‏ يخوف أولياءه المنافقين، والأول أظهر؛ لأنها نزلت بسبب تخويفهم من الكفار، فهى إنما نزلت فيمن خوف المؤمنين من الناس، وقد قال‏:‏ ‏{‏يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 175‏]‏ الضمير عائد إلى أولياء الشيطان، الذين قال فيهم‏:‏ ‏{‏فَاخْشَوْهُمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 173‏]‏ قبلها، والذى قال الثانى فسرها من جهة المعنى، وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه؛ لأن سلطانه عليهم، فهو يدخل عليهم المخاوف دائما، وإن كانوا ذوى عَدَدٍ وعُدَدٍ، وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله لا يخوفهم الكفار، أو أنهم أرادوا المفعول الأول، أى يخوف / المنافقين أولياءه، وهو يخوف الكفار، كما يخوف المنافقين، ولو أريد أنه يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه، وهو قوله‏:‏ ‏{‏فّلا تّخّافٍوهٍم‏}‏‏.‏
وأيضًا، فإنه يعد أولياءه وَيُمَنِّيهِمْ، ولكن الكفار يلقى الله فى قلوبهم الرعب من المؤمنين، والشيطان لا يختار ذلك، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 13‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 12‏]‏، ولكن الذين قالوا ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين أظهروا الإسلام وهم يوالون العدو فصاروا بذلك منافقين،وإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم، كما قال تعالى‏:‏ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة ‏:‏56‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ‏}‏ الآية ‏[‏ الأحزاب‏:‏ 19 ‏]‏‏.‏ فكلا القولين صحيح من حيث المعنى، لكن لفظ أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين، كما دل عليه السياق، وإذا جعلهم مخوفين فإنما يخافهم من خوفه الشيطان منهم ‏.‏
فدلت الآية على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناسا خائفين منهم ‏.‏
ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما قال‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ‏}‏ ‏[‏ المائدة‏:‏ 44 ‏]‏، فخوف الله أمر به، وخوف أولياء الشيطان نَهَى عنه، قال تعالى‏:‏ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏150‏]‏، فنهى عن خَشْيَةِ الظالم وأمر بخشيته، وقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ‏}‏ ‏[‏ الأحزاب‏:‏ 39 ‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ‏}‏ ‏[‏ النحل‏:‏ 51 ‏]‏ ‏.‏
وبعض الناس يقول‏:‏ يا رب، إنى أخافك وأخاف من لا يخافك، فهذا / كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحدًا، فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه، وإذا قيل‏:‏ قد يؤذينى، قيل‏:‏ إنما يؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه، فالأمر لله، وإنما يسلط على العبد بذنوبه، وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر، ولم يسلطه عليك، فإنه قال‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏3‏]‏، وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه، فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط عليك، كما قال‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏33‏]‏‏.‏
وفى الآثار‏:‏ ‏(‏يقول الله‏:‏ أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيها بيدى، فمن أطاعنى جعلت قلوب الملوك عليه رحمة، ومن عصانى جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبِّ الملوك، ولكن توبوا إلىَّ وأطيعون أعطفهم عليكم‏)‏ ‏.‏
ولما سلط الله العدو عـلى الصحابة يوم أحد قال‏:‏ ‏{‏أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ‏}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏ 165‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ‏}‏ الآيات ‏[‏آل عمران‏:‏ 146‏]‏ والأكثرون يقرؤون‏:‏ قاتل ـ والربيون الكثير عند جماهير السلف والخلف‏:‏ هم الجماعات الكثيرة، قال ابن مسعود وابن عباس ـ فى رواية عنه ـ والفراء‏:‏ ألوف كثيرة‏.‏ وقال ابن عباس فى أخرى ومجاهد وقتادة‏:‏ جماعات كثيرة، وقرئ بالحركات الثلاث فى الراء، فعلى هذه القراءة فالربيون الذين قاتلوا معه‏:‏ الذين ما وهنوا وما ضعفوا‏.‏ وأما على قراءة أبى عمرو وغيره ففيها وجهان‏:‏
أحدهما‏:‏ يوافق الأول، أى الربيون يقتلون فما وهنوا، أى ما وهن من بقى/ منهم، لقتل كثير منهم، أى ما ضعفوا لذلك ولا دخلهم خور ولا ذلوا لعدوهم، بل قاموا بأمر الله فى القتال حتى أدَالُهم الله عليهم وصارت كلمة الله هى العليا ‏.‏
والثانى‏:‏ أن النبى صلى الله عليه وسلم قتل معه ربيون كثير فما وهن من بقى منهم لقتل النبى صلى الله عليه وسلم‏.‏ وهذا يناسب صرخ الشيطان أن محمدًا قد قتل، لكن هذا لا يناسب لفظ الآية، فالمناسب أنهم مع كثرة المصيبة ما وهنوا، ولو أريد أن النبى قتل ومعه ناس لم يخافوا لم يحتج إلى تكثيرهم بل تقليلهم هو المناسب لها، فإذا كثروا لم يكن فى مدحهم بذلك عبرة‏.‏
وأيضا، لم يكن فيه حجة على الصحابة، فإنهم يوم أحد قليلون والعدو أضعافهم، فيقولون ولم يهنوا؛ لأنهم ألوف ونحن قليلون ‏.‏
وأيضًا، فقوله‏:‏ ‏{‏وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 146‏]‏ يقتضى كثرة ذلك، وهذا لا يعرف أن أنبياء كثيرون قتلوا فى الجهاد‏.‏
وأيضا‏:‏ فيقتضى أن المقتولين مع كل واحد منهم ربيون كثير، وهذا لم يوجد، فإن من قبل موسى من الأنبياء لم يكونوا يقاتلون، وموسى وأنبياء بنى إسرائيل لم يقتلوا فى الغزو، بل ولا يعرف نبى قتل فى جهاد، فكيف يكون هذا كثيرًا ويكون جيشه كثيرًا‏؟‏‏!‏
والله ـ سبحانه ـ أنكر على من ينقلب، سواء كان النبى مقتولا أو ميتا، فلم يذمهم إذا مات أو قتل على الخوف بل على الانقلاب على الأعقاب، ولهذا تلاها الصديق رضى الله عنه ـ بعد موته صلى الله عليه وسلم فكأن لم يسمعوها قبل ذلك‏.‏
ثم ذكر بعدها معنى آخر‏:‏ وهو أن من كان قبلكم كانوا يقاتلون فيقتل منهم/ خلق كثير وهم لا يهنون، فيكون ذكر الكثرة مناسبا؛ لأن من قتل مع الأنبياءكثير، وقتل الكثير من الجنس يقتضى الوهن، فما وهنوا وإن كانوا كثيرين، ولو وهنوا دل على ضعف إيمانهم، ولم يقل هنا‏:‏ ولم ينقلبوا على أعقابهم، فلو كان المراد أن نبيهم قتل لقال‏:‏ فانقلبوا على أعقابهم؛ لأنه هو الذى أنكره إذا مات النبى أو قتل، فأنكر سبحانه شيئين‏:‏ الارتداد إذا مات أو قتل، والوهن والضعف والاستكانة لما أصابهم فى سبيل الله من استيلاء العدو؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 146‏]‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ ولم يقل‏:‏ فما وهنوا لقتل النبى، ولو قتل وهم أحياء لذكر ما يناسب ذلك، ولم يقل‏:‏ ‏{‏فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ‏}‏، ومعلوم أنّ ما يصيب فى سبيل الله فى عامة الغزوات لا يكون قتل نبى‏.‏
وأيضًا‏:‏ فكون النبى قاتل معه أو قتل معه ربيون كثير، لا يستلزم أن يكون النبى معهم فى الغزاة، بل كل من اتبع النبى وقاتل على دينه فقد قاتل معه، وكذلك كل من قتل على دينه فقد قتل معه، وهذا الذى فهم الصحابة، فإن أعظم قتالهم كان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، حتى فتحوا البلاد شامًا، ومصرًا، وعراقًا، ويمنًا وعربًا، وعجمًا، ورومًا، ومغربًا، ومشرقًا، وحينئذ فظهر كثرة من قتل معه، فإن الذين قاتلوا وأصيبوا وهم على دين الأنبياء كثيرون، ويكون فى هذه الآية عبرة لكل المؤمنين إلى يوم القيامة، فإنهم كلهم يقاتلون مع النبى صلى الله عليه وسلم على دينه، وإن كان قد مات، والصحابة الذين يغزون فى السرايا، والنبى ليس معهم، كانوا معه يقاتلون، وهم داخلون فى قوله‏:‏ ‏{‏مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ‏}‏ الآية ‏[‏الفتح‏:‏ 29‏]‏، وفى قوله‏:‏ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ‏}‏ الآية ‏[‏الأنفال‏:‏ 75‏]‏‏.‏ ليس من شرط من يكون مع المطاع أن يكون مشاهدًا للمطاع ناظرًا إليه‏.‏
وقد قيل فى‏:‏ ‏{‏ربيون‏}‏ هنا‏:‏ إنهم العلماء، فلما جعل هؤلاء هذا كلفظ الربانى، وعن ابن زيد هم الأتباع كأنه جعلهم المربوبين‏.‏ والأول أصح من وجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن الربانيين عين الأحبار، وهم الذين يربون الناس، وهم أئمتهم فى دينهم، ولا يكون هؤلاء إلا قليلاً‏.‏
الثانى‏:‏ أن الأمر بالجهاد والصبر لا يختص بهم، وأصحاب الأنبياء لم يكونوا كلهم ربانيين، وإن كانوا قد أعطوا علما ومعهم الخوف من الله عز وجل‏.‏
الثالث‏:‏ أن استعمال لفظ الربانى فى هذا ليس معروفا فى اللغة‏.‏
الرابع‏:‏ أن استعمال لفظ الربى فى هذا ليس معروفا فى اللغة، بل المعروف فيها هو الأول، والذين قالوه قالوا‏:‏ هو نسبة للرب بلا نون والقراءة المشهور ‏[‏ربى‏]‏ بالكسر، وما قالوه إنما يتوجه على من قرأه بنصب الراء، وقد قرئ بالضم، فعلم أنها لغات‏.‏
الخامس‏:‏ أن الله تعالى يأمر بالصبر والثبات كل من يأمره بالجهاد، سواء كان من الربانيين أو لم يكن‏.‏
السادس‏:‏ أنه لا مناسبة فى تخصيص هؤلاء بالذكر، وإنما المناسب ذكرهم فى مثل قوله‏:‏ ‏{‏لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ‏}‏ الآية ‏[‏المائدة‏:‏ 63‏]‏‏.‏ وفى قوله‏:‏ ‏{‏وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 79‏]‏ فهناك ذكرهم به مناسبا‏.‏
السابع‏:‏ قيل‏:‏ إن الربانى منسوب إلى الرب، فزيادة الألف والنون كاللحيانى، وقيل‏:‏ إلى تربيته الناس، وقيل‏:‏ إلى ربان السفينة، وهذا أصح، فإن/ الأصل عدم الزيادة فى النسبة؛ لأنهم منسوبون إلى التربية، وهذه تختص بهم، وأما نسبتهم إلى الرب فلا اختصاص لهم بذلك، بل كل عبد له فهو منسوب إليه، إما نسبة عموم أو خصوص ولم يسم الله أولياءه المتقين ربانيين، ولا سمى به رسله وأنبياءه، فإن الربانى من يرب الناس، كما يرب الربانى السفينة، ولهذا كان الربانيون يذمون تارة، ويمدحون أخرى، ولو كانوا منسوبين إلى الرب لم يذموا قط‏.‏ وهذا هو الوجه الثامن‏:‏
أنها إن جعلت مدحًا فقد ذموا فى مواضع، وإن لم تكن مدحا لم يكن لهم خاصة يمتازون بها من جهة المدح، وإذا كان منسوبًا إلى ربانى السفينة بطل قول من يجعل الربانى منسوبا إلى الرب، فنسبة الربيون إلى الرب أولى بالبطلان‏.‏
التاسع‏:‏ أنه إذا قدر أنهم منسوبون إلى الرب، فلا تدل النسبة على أنهم علماء‏.‏ نعم تدل على إيمان وعبادة وتأله، وهذا يعم جميع المؤمنين، فكل من عبد الله وحده لا يشرك به شيئا فهو متأله عارف بالله، والصحابة كلهم كذلك، ولم يسموا ربانيين ولا ربيين، وإنما جاء أن ابن الحنفية قال لما مات ابن عباس‏:‏ اليوم مات ربانى هذه الأمة، وذلك لكونه يؤدبهم بما آتاه الله من العلم، والخلفاء أفضل منهم، ولم يسموا ربانيين، وإن كانوا هم الربانيين‏.‏ وقال إبراهيم‏:‏ كان علقمة من الربانيين؛ ولهذا قال مجاهد‏:‏ هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، فهم أهل الأمر والنهى‏.‏ والأحبار يدخل فيه من أخبر بالعلم ورواه عن غيره وحدث به وإن لم يأمر، أو ينه، وذلك هو المنقول عن السلف فى الربانى، نقل عن علىّ قال‏:‏ ‏(‏هم الذين يغذون الناس بالحكمة / ويربونهم عليها‏)‏ ، وعن ابن عباس قال‏:‏ ‏[‏هم الفقهاء المعلمون‏]‏
قلت‏:‏ أهل الأمر والنهى هم الفقهاء المعلمون‏.‏ وقال قتادة وعطاء‏:‏ هم الفقهاء العلماء الحكماء‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ واحدهم ربانى، وهم العلماء المعلمون‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ أحسب الكلمة عبرانية أو سريانية، وذلك أن أبا عبيد زعم أن العرب لا تعرف الربانيين‏.‏
قلت‏:‏ اللفظة عربية منسوبة إلى ربان السفينة الذى ينزلها ويقوم لمصلحتها، ولكن العرب فى جاهليتهم لم يكن لهم ربانيون؛ لأنهم لم يكونوا على شريعة منزلة من الله عز وجل‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2014, 07:04 AM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
/ وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله‏:‏
فصـل
قال الله تعالى ‏:‏‏{‏اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏‏[‏ الفاتحة‏:‏ 6، 7‏]‏
وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون‏)‏‏.‏
وكتاب الله يدل على ذلك فى مواضع، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏60‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 90‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 112‏]‏، وقال النصارى‏:‏ ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 77‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏، وقال تعالى‏:‏ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏ 30، 31 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 79، 80‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 56، 57‏]‏‏.‏
ولما أمرنا الله ـ سبحانه ـ أن نسأله فى كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، كان ذلك مما يبين أن العبد يُخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين، وقد وقع ذلك كما أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال‏:‏ ‏(‏لتسلكن سَنَنَ من كان قبلكم حَذْو القُذَّةِ بالقُذَّةِ ‏[‏حذو القذة بالقذة‏:‏ أى كما تُقَدَّر كُلُّ واحدة منهما على قدر صاحبتها وتُقْطَع‏.‏ يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 4/82‏]‏ حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، اليهود والنصارى‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فمن ‏؟‏‏)‏ وهو حديث صحيح ‏.‏
وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى، كما يرى فى أحوال منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب، والبخل بالعلم، والكبر وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم، وغير ذلك‏.‏ وكما يرى فى منحرفة أهل العبادة والأحوال من الغلو فى الأنبياء والصالحين، والابتداع فى العبادات، من الرهبانية والصور والأصوات‏.‏
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تُطْرُونِى كما أطْرَتْ النصارى / عيسى ابن مريم، فإنما أنا عَبْدٌ فقولوا‏:‏ عبد الله ورسوله‏)‏ ، ولهذا حقق الله له نعت العبودية فى أرفع مقاماته حيث قال‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏10‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏19‏]‏ ‏.‏ولهذا يشرع فى التشهد وفى سائر الخطب المشروعة،كخطب الجمع والأعياد، وخطب الحاجات عند النكاح وغيره، أن نقول‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله‏.‏
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحقق عبوديته؛ لئلا تقع الأمة فيما وقعت فيه النصارى فى المسيح، من دعوى الألوهية، حتى قال له رجل‏:‏ ما شاء الله وشئت‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أجعلتنى لله ندًا‏؟‏ بل ما شاء الله وحده‏)‏، وقال أيضًا لأصحابه‏:‏ ‏(‏لا تقولوا‏:‏ ما شاء الله وشاء محمد، بل قولوا‏:‏ ما شاء الله ثم شاء محمد‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا قبرى عيدًا وصلوا علىّ حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏اللهم لا تجعل قبرى وثَنَا يُعْبَد، اشتد غَضَبُ الله على قوم اتَّخَذُوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك‏)‏‏.‏
والغلو فى الأمة وقع فى طائفتين‏:‏ طائفة من ضلال الشيعة الذين يعتقدون فى الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية، وطائفة من جهال المتصوفة يعتقدون نحو ذلك فى الأنبياء والصالحين، فمن توهم فى نبينا أو غيره من الأنبياء شيئًا من الألوهية والربوبية، فهو من جنس النصارى، وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به الكتاب والسنة عنهم، قال تعالى فى خطابه لبنى إسرائيل‏:‏‏{‏وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 12‏]‏، والتعزير‏:‏ النصر والتوقير والتأييد‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 8، 9 ‏]‏، فهذا فى حق الرسول، ثم قال فى حق الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏9‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 156، 157‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ‏}‏‏[‏آل عمران‏:‏ 31، 32‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 56‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏ 24 ‏]‏‏.‏
وذكر طاعة الرسول فى أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 24‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 65‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌِ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 63 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ‏}‏ ‏[‏ النور‏:‏ 51، 52 ‏]‏، فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده كما قال‏:‏ ‏{‏فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ‏}‏ ‏[‏ النحل‏:‏ 51‏]‏، وقال ‏:‏‏{‏وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 41‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏، وقال‏:‏ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 10‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا‏}‏ ‏[‏ النور‏:‏ 63‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 6‏]‏‏.‏
وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين‏)‏‏.‏ وقال له عمر‏:‏ والله يا رسول الله لأنت أحب إلى من كل أحد إلا من نفسى، فقال‏:‏ ‏(‏لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك‏)‏ فقال‏:‏ فأنت أحب إلى من نفسى قال‏:‏ ‏(‏الآن يا عمر‏)‏‏.‏
فقد بين الله فى كتابه حقوق الرسول من الطاعة له، ومحبته، وتعزيره، وتوقيره، ونصره، وتحكيمه، والرضا بحكمه، والتسليم له، واتباعه والصلاة والتسليم عليه، وتقديمه على النفس والأهل والمال، ورد ما يتنازع فيه إليه وغير ذلك من الحقوق‏.‏
وأخبر أن طاعتَه طاعتُه فقال‏:‏ ‏{‏مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 80‏]‏، ومبايعتَه مبايعتُه فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 10‏]‏، وقرن بين اسمه واسمه فى المحبة فقال‏:‏ ‏{‏وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 62‏]‏، وفى الأذى فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 57‏]‏، وفى الطاعة والمعصية فقال‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ‏}‏‏[‏النساء‏:‏ 13‏]‏، ‏{‏وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 14‏]‏،وفى الرضا فقال‏:‏ ‏{‏وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 62‏]‏‏.‏ فهذا ونحوه هو الذى يستحقه رسول الله بأبى هو وأمى ‏.‏
فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له، كما قال‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏36‏]‏، ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 5‏]‏، ‏{‏وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏5‏]‏، وقد جمع بينهما فى مواضع، كقوله‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 123‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 58‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 88‏]‏‏.‏
وكذلك التوكل كما قال‏:‏ ‏{‏وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏ ‏[‏ إبراهيم‏:‏ 12‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 38‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏173‏]‏‏.‏
والدعاء لله وحده،سواء كان دعاء العبادة، أو دعاء المسألة والاستعانة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 18، 20‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 14‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 213‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏52‏]‏‏.‏
وذم الذين يدعون الملائكة والأنبياء وغيرهم، فقال‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 56، 57‏]‏، روى عن ابن مسعود‏:‏ أن قومًا كانوا يدعون الملائكة، / والمسيح، وعُزَيرًا، فقال الله‏:‏ هؤلاء الذين تدعونهم يخافون الله، ويرجونه، ويتقربون إليه كما تخافونه أنتم، وترجونه، وتتقربون إليه‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ‏}‏ ‏[‏ الإسراء‏:‏ 67‏]‏، وقال‏:‏‏{‏أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ‏}‏‏؟‏ ‏[‏النمل‏:‏ 26‏]‏، وقال ‏{‏وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏68‏]‏‏.‏
وتوحيد الله، وإخلاص الدين له فى عبادته واستعانته، فى القرآن كثير جدًا، بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏إنى لأعلم كلمة لا يقولها عند الموت أحَدٌ إلا وجد رُوحهُ لها روحا‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة‏)‏ ، وهو قلب الدين والإيمان، وسائر الأعمال كالجوارح له‏.‏ وقول النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلي الله ورسوله‏.‏ ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه‏)‏ ، فبين بهذا أن النية عمل القلب وهى أصل العمل‏.‏ وإخلاص الدين لله، وعبادة الله وحده، ومتابعة الرسول فيما جاء به، هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله‏.‏
ولهذا أنكرنا على الشيخ يحيى الصرصرى ما يقوله فى قصائده فى مدح الرسول من الاستغاثة به، مثل قوله‏:‏ بك أستغيث وأستعين وأستنجد، ونحو ذلك‏.‏
/ وكذلك ما يفعله كثير من الناس، من استنجاد الصالحين والمتشبهين بهم، والاستعانة بهم أحياء وأمواتا، فإنى أنكرت ذلك فى مجالس عامة وخاصة، وبينت للناس التوحيد، ونفع الله بذلك ما شاء الله من الخاصة والعامة‏.‏
وهو دين الإسلام العام، الذى بعث الله به جميع الرسل، كما قال تعالى‏:‏‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 36‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 25‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 54‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 51، 52‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 13‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56‏]‏‏.‏ وقال النبى صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل‏:‏ ‏(‏يا معاذ، أتدرى ما حق الله على عباده‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا‏.‏ أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك‏؟‏ ألا يعذبهم‏)‏ ، وقال لابن عباس‏:‏ ‏(‏إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله‏)‏‏.‏
ويدخل فى العبادة الخشية، والإنابة، والإسلام، والتوبة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 39‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ‏}‏ ‏[‏ المائدة‏:‏ 44‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏ 18 ‏]‏، وقال الخليل‏:‏ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 80، 82‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏ 13 ‏]‏، ‏{‏وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 41‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ‏}‏‏[‏ النور‏:‏ 52 ‏]‏، وقال نوح‏:‏‏{‏أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ‏}‏‏[‏ نوح‏:‏ 3 ‏]‏‏.‏
فجعل العبادة والتقوى لله، وجعل له أن يطاع، كما قال تعالى‏:‏‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 64 ‏]‏، وكذلكَ قَالت الرسُل مثْل نُوحٍ، وهودٍ، وصالحٍ، وشعيب، ولوط، وغيرهم‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 108، 126، 144، 163، 179‏]‏، فجعلوا التقوى لله، وجعلوا لهم أن يطاعوا‏.‏ وكذلك فى مواضع كثيرة جدًا من القرآن‏:‏‏{‏اتَّقُوا اللَّهَ‏}‏ ‏{‏وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 131‏]‏‏.‏ وكذلك ‏.‏‏.‏
وقال‏:‏‏{‏عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏88‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏54‏]‏، وقال عن إبراهيم‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 131‏]‏، وقالت بلقيس‏:‏ ‏{‏‏[‏إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 44‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 125‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 112‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏ ‏{‏وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 71‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 54‏]‏، ‏{‏تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 8‏]‏‏.‏ والاستغفار‏:‏ ‏{‏فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏10‏]‏، / ‏{‏وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 3‏]‏، والاسترزاق والاستنصار، كما فى صلاة الاستسقاء، والقنوت على الأعداء، قال‏:‏‏{‏فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 17‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 160‏]‏، والاستغاثة كما قال‏:‏ ‏{‏إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 9‏]‏، والاستجارة كما قال‏:‏ ‏{‏قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏}‏‏[‏المؤمنون‏:‏ 88، 89‏]‏، والاستعاذة كما قال‏:‏ ‏{‏وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 97، 98 ‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ‏}‏ الآية ‏[‏النحل‏:‏ 98‏]‏، وتفويض الأمر كما قال مؤمن آل فرعون‏:‏ ‏{‏وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 44‏]‏‏.‏ وفى الحديث المتفق عليه فى الدعاء الذى علمه النبى صلى الله عليه وسلم أن يقال عند المنام‏:‏ ‏(‏اللهم إنى أسلمت نفسى إليك، ووجهت وجهى إليك، وفوضت أمرى إليك، وألجأت ظهرى إليك‏)‏ ‏.‏
وقال‏:‏‏{‏وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ‏}‏‏[‏الأنعام‏:‏ 51‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ‏}‏ ‏[‏السجدة ‏:‏4‏]‏، فالولى الذى يتولى أمرك كله، والشفيع الذى يكون شافعًا فيه أى عونا، فليس للعبد دون الله من ولى يستقل ولا ظهير معين وقال‏:‏ ‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 107‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏2‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 43، 44‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 22، 23‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 26‏]‏‏.‏
فالعبادة والاستعانة وما يدخل فى ذلك من الدعاء، والاستغاثة، والخشية، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والتوبة، والاستغفار‏:‏ كل هذا لله وحده لا شريك له، فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا ملك ولا نبي ولا غيره، بل أكبر الكبائر الإشراك بالله وأن تجعل له ندا وهو خالقك، والشرك أن تجعل لغيره شركا أى نصيبا فى عبادتك، وتوكلك، واستعانتك، كما قال من قال‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏، وكما قال تعالى‏:‏‏{‏وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 94‏]‏، وكما قال‏:‏‏{‏أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ‏}‏‏؟‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 43‏]‏، وكما قال‏:‏ ‏{‏مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 4‏]‏‏.‏
وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة، وكذلك أجزاؤها التى هى عبادة بنفسها من السجود، والركوع، والتسبيح، والدعاء، والقراءة، والقيام، لا يصلح إلا لله وحده‏.‏
ولا يجوز أن يتنفل على طريق العبادة إلا لله وحده، لا لشمس، ولا لقمر / ولا لملك، ولا لنبى، ولا صالح، ولا لقبر نبى ولا صالح، هذا فى جميع ملل الأنبياء، وقد ذكر ذلك فى شريعتنا حتى نهى أن يتنفل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات، ولهذا نهى النبى صلى الله عليه وسلم معاذًا أن يسجد له‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها‏)‏‏.‏ ونهى عن الانحناء فى التحية، ونهاهم أن يقوموا خلفه فى الصلاة وهو قاعد‏.‏
وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة، لا يتصدق إلا لله، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏19، 20‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏9‏]‏، وقال‏:‏ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 265‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 39‏]‏، فلا يجوز فعل ذلك على طريق الدين لا لملك ولا لشمس ولا لقمر؛ ولا لنبى؛ ولا لصالح؛ كما يفعل بعض السُّوال والمعظمين كرامة لفلان؛ وفلان؛ يقسمون بأشياء‏:‏ إما من الأنبياء وإما من الصحابة وإما من الصالحين، كما يقال‏:‏ بكر وعلى ونور الدين أرسلان والشيخ عدى والشيخ جاليد‏.‏
وكذلك الحج ،لا يحج إلا إلى بيت الله ،فلا يطاف إلا به ،ولا يحلق الرأس إلا به، ولا يوقف إلا بفنائه، لا يفعل ذلك بنبى، ولا صالح، ولا يقبر نبى ولا صالح، ولا بوثن‏.‏
وكذلك الصيام، لا يصام عبادة إلا لله، فلا يصام لأجل الكواكب والشمس والقمر، ولا لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك‏.‏
/ وهذا كله تفصيل الشهادتين، اللتين هما أصل الدين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا عبده ورسوله، والإله من يستحق أن يألهه العباد، ويدخل فيه حبه وخوفه، فما كان من توابع الألوهية فهو حق محض لله، وما كان من أمور الرسالة فهو حق الرسول‏.‏
ولما كان أصل الدين الشهادتين، كانت هذه الأمة الشهداء ولها وصف الشهادة والقسيسون لهم العبادة بلا شهادة؛ ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 53‏]‏؛ ولهذا كان المحققون على أن الشهادتين أول واجبات الدين، كما عليه خلص أهل السنة، وذكره منصور السمعانى والشيخ عبد القادر وغيرهما؛ وجعله أصل الشرك؛ وغيروا بذلك ملة التوحيد التى هى أصل الدين؛ كما فعله قدماء المتفلسفة، الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله‏.‏
ومن أسباب ذلك‏:‏ الخروج عن الشريعة الخاصة التى بعث الله بها محمدًا صلى الله عليه وسلم، إلى القدر المشترك الذى فيه مشابهة الصابئين، أو النصارى، أو اليهود، وهو القياس الفاسد، المشابه لقياس الذين قالوا‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏275‏]‏ فيريدون أن يجعلوا السماع جنسًا واحدًا، والملة جنسًا واحدًا، ولا يميزون بين مشروعة ومبتدعة، ولا بين المأمور به والمنهى عنه‏.‏ فالسماع الشرعى الدينى سماع كتاب الله وتزيين الصوت به وتحبيره‏.‏ كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏زينوا القرآن بأصواتكم‏)‏، وقال أبو موسى‏:‏ لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا‏.‏ والصور، والأزواج، والسرارىُّ التى أباحها الله تعالى، / والعبادة‏:‏ عبادة الله وحده لا شريك له ‏{‏فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 36، 37‏]‏ ‏.‏
وهذا المعنى يقرر قاعدة اقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم، وينهى أن يشبه الأمر الدينى الشرعى بالطبيعى البدعى، لما بينهما من القدر المشترك كالصوت الحسن، ليس هو وحده مشروعا حتى ينضم إليه القدر المميز، كحروف القرآن، فيصير المجموع من المشترك، والمميز هو الدين النافع‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2014, 07:05 AM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
/ وقال ـ رحمه الله‏:
فصـل
فى ألا يسأل العبد إلا الله
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ‏}‏ ‏[‏الشرح‏:‏ 7، 8‏]‏ قال النبى صلى الله عليه وسلم لابن عباس‏:‏ ‏(‏إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله‏)‏‏.‏ وفى الترمذي ‏(‏ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع، فإنه إن لم ييسره لم يتيسر‏)‏، وفى الصحيح، أنه قال لعدى بن مالك والرهط الذين بايعهم معه‏:‏ ‏(‏لا تسألوا الناس شيئًا‏)‏ فكان سوط أحدهم يسقط من يده، فلا يقول لأحد‏:‏ ناولنى إياه، وفى الصحيح فى حديث السبعين ألفا، الذين يدخلون الجنة بغير حساب‏:‏ ‏(‏هم الذين لا يَسْتَرقوُن، ولا يَكْتَوُون، ولا يتَطيَّرُون‏)‏، والاسترقاء طلب الرقية، وهو نوع من السؤال‏.‏
وأحاديث النهى عن مسألة الناس الأموال كثيرة كقوله‏:‏ ‏(‏لا تحل المسألة إلا لثلاثة‏.‏‏.‏‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏لأن يأخذ أحدكم حبله ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث، وقوله‏:‏ ‏(‏لا تزال المسألة بأحدهم‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏من سأل الناس وله ما يغنيه ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏، وأمثال ذلك‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏من نزلت به فاقَةٌ فأنزلها بالناس، لم تسد فاقته‏)‏ الحديث ‏.‏
فأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم، فليس من هذا الباب؛ لأن المخبر/ لا ينقص الجواب من علمه بل يزداد بالجواب، والسائل محتاج إلى ذلك، قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هلا سألوا إذا لم يعلموا ‏؟‏ فإن شفاء العىِّ السؤال‏)‏‏.‏ ولكن من المسائل ما ينهى عنه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 101‏]‏‏.‏وكنهيه عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك‏.‏
وأما سؤله لغيره أن يدعو له‏:‏ فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم لعمر‏:‏ ‏(‏لا تنسنا من دعائك‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علىّ فإنه من صلَّى علىَّ مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لى الوسيلة حَلَّتْ له شفاعتى يوم القيامة‏)‏، وقد يقال فى هذا‏:‏ هو طلب من الأمة الدعاء له؛ لأنهم إذا دعوا له حصل لهم من الأجر أكثر مما لو كان الدعاء لأنفسهم‏.‏ كما قال للذى قال‏:‏ أجعل صلاتى كلها عليك ‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إذًا يَكْفِيكَ الله ما أهَمَّكَ من أمر دنياك وآخرتك‏)‏، فطلبه منهم الدعاء له لمصلحتهم، كسائر أمره إياهم بما أمر به، وذلك لما فى ذلك من المصلحة لهم، فإنه قد صح عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا دعوة قال الملك الموكل به‏:‏ آمين ولك مثله‏)‏‏.‏
/وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله‏:‏
فصل
العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فإن الإسلام مبنى على أصلين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن نعبد الله وحده لا شريك له‏.‏ والثانى‏:‏ أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ‏}‏ الآية ‏[‏الجاثية‏:‏18، 19‏]‏،وقال تعالى‏:‏‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏21‏]‏‏.‏
فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم، من واجب ومستحب، لا نعبده بالأمور المبتدعة، كما ثبت فى السنن من حديث الْعِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ‏.‏ قال الترمذى‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ وفى مسلم أنه كان يقول فى خطبته‏:‏ ‏(‏خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة‏)‏‏.‏
وليس لأحد أن يعبد إلا الله وحده، فلا يصلى إلا لله، ولا يصوم إلا لله، / ولا يحج إلا بيت الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يخاف إلا الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يحلف إلا بالله‏.‏ وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو لِيَصْمُتْ‏)‏‏.‏ وفى السنن‏:‏ ‏(‏من حلف بغير الله فقد أشرك‏)‏، وعن ابن مسعود‏:‏ لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقا؛ لأن الحلف بغير الله شرك، والحلف بالله توحيد‏.‏ وتوحيد معه كذب، خير من شرك معه صدق، ولهذا كان غاية الكذب أن يعدل بالشرك، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏عدلت شهادة الزور الإشراك بالله‏)‏ مرتين أو ثلاثا‏.‏ وقرأ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 31‏]‏، وإذا كان الحالف بغير الله قد أشرك، فكيف الناذر لغير الله‏؟‏ والنذر أعظم من الحلف؛ ولهذا لو نذر لغير الله فلا يجب الوفاء به، باتفاق المسلمين‏.‏ مثل أن ينذر لغير الله صلاة، أو صوما، أو حجا، أو عمرة، أو صدقة‏.‏
ولو حلف ليفعلن شيئا، لم يجب عليه أن يفعله، قيل‏:‏ يجوز له أن يكفر عن اليمين، ولا يفعل المحلوف عليه، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذى هو خير، وليُكَفِّر عن يمينه‏)‏، وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه نهى عن النذر وقال‏:‏ ‏(‏إنه لا يأتى بخير، وإنما يستخرج به من البخيل‏)‏، فإذا كان النذر لا يأتى بخير فكيف بالنذر للمخلوق‏؟‏ ولكن النذر لله يجب الوفاء به إذا كان فى طاعة، وإذا كان معصية لم يجز الوفاء باتفاق العلماء، وإنما تنازعوا‏:‏ / هل فيه بدل، أو كفارة يمين، أم لا ‏؟‏ لما رواه البخارى فى صحيحه، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من نَذَرَ أن يطيع الله فَلْيُطِعْه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يَعْصِه‏)‏‏.‏
فمن ظن أن النذر للمخلوقين يجلب له منفعة، أو يدفع عنه مضرة، فهو من الضالين كالذين يظنون أن عبادة المخلوقين تجلب لهم منفعة، أو تدفع عنهم مضرة‏.‏
وهؤلاء المشركون قد تتمثل لهم الشياطين، وقد تخاطبهم بكلام، وقد تحمل أحدهم فى الهواء، وقد تخبره ببعض الأمور الغائبة، وقد تأتيه بنفقة أو طعام، أو كسوة، أو غير ذلك، كما جرى مثل ذلك لعباد الأصنام من العرب وغير العرب، وهذا كثير، موجود فى هذا الزمان، وغير هذا الزمان، للضالين المبتدعين المخالفين للكتاب والسنة، إما بعبادة غير الله، وإما بعبادة لم يشرعها الله‏.‏
وهؤلاء إذا أظهر أحدهم شيئا خارقا للعادة لم يخرج عن أن يكون حالا شيطانيا، أو محالا بهتانيا فخواصهم تقترن بهم الشياطين، كما يقع لبعض العقلاء منهم، وقد يحصل ذلك لغير هؤلاء،لكن لا تقترن بهم الشياطين إلا مع نوع من البدعة ،إما كفر، وإما فسق، وإما جهل بالشرع‏.‏ فإن الشيطان قصده إغواء بحسب قدرته، فإن قدر على أن يجعلهم كفارًا جعلهم كفارًا وإن لم يقدر إلا على جعلهم فساقا، أو عصاة، وإن لم يقدر إلا على نقص عملهم ودينهم، ببدعة يرتكبونها يخالفون بها الشريعة التى بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فينتفع منهم بذلك‏!‏‏!‏
/ ولهذا قال الأئمة‏:‏ لو رأيتم الرجل يطير فى الهواء أو يمشى على الماء، فلا تغتروا به، حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهى، ولهذا يوجد كثير من الناس يطير فى الهواء وتكون الشياطين هى التى تحمله، لا يكون من كرامات أولياء الله المتقين‏.‏
ومن هؤلاء‏:‏ من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الحج الذى أمر الله به ورسوله لابد فيه من الإحرام، والوقوف بعرفة، ولابد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة؛ فإنه ركن لا يتم الحج إلا به، بل عليه أن يقف بمزدلفة، ويرمى الجمار ويطوف للوداع، وعليه اجتناب المحظورات، والإحرام من الميقات، إلى غير ذلك من واجبات الحج‏.‏ وهؤلاء الضالون الذين يضلهم الشيطان يحملهم فى الهواء، يحمل أحدهم بثيابه، فيقف بعرفة ويرجع من تلك الليلة‏.‏ حتى يرى فى اليوم الواحد ببلده ويرى بعرفة‏.‏
ومنهم من يتصور الشيطان بصورته ويقف بعرفة، فيراه من يعرفه واقفًا، فيظن أنه ذلك الرجل وقف بعرفة ‏!‏ فإذا قال له ذلك الشيخ‏:‏ أنا لم أذهب العام إلى عرفة، ظن أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ، وإنما هو شيطان تمثل على صورته، ومثل هذا وأمثاله يقع كثيرًا، وهى أحوال شيطانية، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏36‏]‏‏.‏ وذكر الرحمن هو الذكر الذى أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏9‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى‏}‏ إلى قوله‏:‏‏{‏كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 123-126‏]‏ ونسيانها هو ترك الإيمان والعمل بها ،وإن حفظ حروفها،قال ابـن عباس‏:‏ تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، ألا يَضِلَّ فى الدنيا، ولا يَشْقَى فى الآخرة وقرأ هذه الآية، فمن اتبع ما بعث الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة هداه الله وأسعده، ومن أعرض عن ذلك ضل وشقى، وأضله الشيطان وأشقاه‏.‏
فالأحوال الرحمانية وكرامات أوليائه المتقين يكون سببه الإيمان، فإن هذه حال أوليائه‏:‏ قـال تعـالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ‏[‏ يونس‏:‏ 62-63‏]‏ وتكون نعمة لله على عبده المؤمن فى دينه ودنياه، فتكون الحجة فى الدين والحاجة فى الدنيا للمؤمنين، مثل ما كانت معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ كانت الحجة فى الدين والحاجة للمسلمين، مثل البركة التى تحصل فى الطعام والشراب، كنبع الماء من بين أصابعه ،و مثل نزول المطر بالاستسقاء، ومثل قهر الكفار وشفاء المريض بالدعاء، ومثل الأخبار الصادقة، والنافعة بما غاب عن الحاضرين، وأخبار الأنبياء لا تكذب قط‏.‏
وأما أصحاب الأحوال الشيطانية، فهم من جنس الكهان، يكذبون تارة ويصدقون أخرى، ولابد فى أعمالهم من مخالفة للأمر، قال تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏221‏:‏ 222‏]‏‏.‏
ولهذا يوجد الواحد من هؤلاء ملابسا الخبائث من النجاسات والأقذار، / التى تحبها الشياطين، ومرتكبا للفواحش، أو ظالما للناس فى أنفسهم وأموالهم، وغير ذلك، والله تعالى قد حرم ‏{‏الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ‏}‏ الآية ‏[‏ الأعراف‏:‏ 33‏]‏
وأولياء الله هم الذين يتبعون رضاه بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور، وهذه جملة لها بسط طويل لا يتسع له هذا المكان، والله أعلم‏.‏
/ وقال شيخ الإسلام‏:‏
فصل جامع
قد كتبتُ فيما تقدم فى مواضع قبلُ بعض القواعد، وآخر مسودة الفقه‏:‏ أن جماع الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم، وهذا أصل جامع عظيم‏.‏
وتفصيل ذلك‏:‏ أن الله خلق الخلق لعبادته، فهذا هو المقصود المطلوب لجميع الحسنات، وهو إخلاص الدين كله لله، وما لم يحصل فيه هذا المقصود، فليس حسنة مطلقة مستوجبة لثواب الله فى الآخرة، وإن كان حسنة من بعض الوجوه له ثواب فى الدنيا، وكل ما نهى عنه فهو زيغ وانحراف عن الاستقامة، ووضع للشىء فى غير موضعه فهو ظلم ‏.‏
ولهذا؛ جمع بينهما ـ سبحانه ـ فى قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏}‏ ‏[‏ الأعراف‏:‏ 29‏]‏ فهذه الآية فى سورة الأعراف المشتملة على أصول الدين، والاعتصام بالكتاب، وذم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، كالشرك وتحريم الطيبات، أو خالفوا ما شرعه الله من أمور دينهم؛ كإبليس، ومخالفى الرسل من قوم نوح إلى قوم فرعون، والذين بدلوا الكتاب من أهل الكتاب، فاشتملت السورة على ذم من أتى بدين باطل ككفار العرب، ومن خالف الدين الحق كله كالكفار بالأنبياء، أو بعضه ككفار أهل الكتاب ‏.‏
وقد جمع ـ سبحانه ـ فى هذه السورة وفى الأنعام وفى غيرهما ذنوب المشركين فى نوعين
/ أحدهما‏:‏ أمر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونهى عما لم ينه الله عنه كتحريم الطيبات، فالأول‏:‏ شرع من الدين ما لم يأذن به الله‏.‏ والثانى‏:‏تحريم لما لم يحرمه الله ‏.‏
وكذلك فى الحديث الصحيح حديث عياض بن حمار، عن النبى صلى الله عليه وسلم، عن الله تعالى‏:‏ ‏(‏إنى خلقت عبادى حُنَفَاء فاجتالتهم الشياطين، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا‏)‏‏.‏
ولهذا كان ابتداع العبادات الباطلة، من الشرك ونحوه، هو الغالب على النصارى ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة، والمتصوفة‏.‏ وابتداع التحريمات الباطلة هو الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة، بل أصل دين اليهود فيه آصار وأغلال من التحريمات؛ ولهذا قال لهم المسيح‏:‏ ‏{‏وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏50 ‏]‏، وأصل دين النصارى فيه تأله بألفاظ متشابهة، وأفعال مجملة، فالذين فى قلوبهم زيغ اتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما قررته فى غير هذا الموضع‏:‏ بأن توحيد الله الذى هو إخلاص الدين له، والعدل الذى نفعله نحن هو جماع الدين يرجع إلى ذلك، فإن إخلاص الدين لله أصل العدل، كما أن الشرك بالله ظلم عظيم ‏.‏
/ وقال شيخ الإسلام‏:‏
اعلم ـ رحمك الله ـ أن الشرك بالله أعظم ذنب عُصى الله به،قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 48، 116 ‏]‏ وفى الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل‏:‏أى الذنب أعظم ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تجعل لله ندا وهو خلقك‏)‏‏!‏‏!‏ والند المثل‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 22‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ‏}‏ ‏[‏ الزمر‏:‏ 8‏]‏ فمن جعل لله ندا من خلقه فيما يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة ‏.‏
فإن الله ـ سبحانه ـ هو المستحق للعبادة لذاته؛ لأنه المألوه المعبود، الذى تألهه القلوب وترغب إليه،وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون إلها ‏؟‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏ الزخرف‏:‏15‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا‏}‏‏[‏ مريم‏:‏ 93‏]‏، وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 172‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏ الذاريات‏:‏ 51 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ‏}‏ ‏[‏ الزمر‏:‏ 11‏]‏، فالله ـ سبحانه ـ هو المستحق أن يعبد لذاته ،قال تعالى ‏:‏‏{‏الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏ الفاتحة‏:‏ 2‏]‏، فذكر ‏(‏الحمد‏)‏ بالألف واللام التى تقتضى الاستغراق لجميع المحامد، فـدل على أن الحمد كله لله، ثم حصره فى قوله‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏ الفاتحة‏:‏ 5‏]‏‏.‏ فهذا تفصيل لقوله‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏‏.‏ فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله، وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه، فقوله‏:‏‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ‏}‏ إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته‏:‏ من المحبة والخوف، والرجاء ،والأمر ،والنهى‏.‏‏{‏وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ إشارة إلى ما اقتضته الربوبية ،من التوكل والتفويض والتسليم؛ لأن الرب ـ سبحانه وتعالى ـ هو المالك، وفيه أيضا معنى الربوبية والإصلاح، والمالك الذى يتصرف فى ملكه كما يشاء ‏.‏
فإذا ظهر للـعبد من سـر الربـوبية أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى، قال تعالى‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏الملك ‏:‏1‏]‏ فلا يرى نفعا،ولا ضرا، ولا حركة، ولا سكونًا، ولا قبضا، ولا بسطا، ولا خفضًا، ولا رفعًا، إلا والله ـ سبحانه وتعالى ـ فاعله، وخالقه، وقابضه، وباسطه، ورافعه، وخافضه‏.‏ فهذا الشهود هو سر الكلمات الكونيات، وهو علم صفة الربوبية‏.‏ والأول هو علم صفة الإلهية وهو كشف سر الكلمات التكليفيات ‏.‏
فالتحقيق بالأمر والنهى، والمحبة والخوف والرجاء، يكون عن كشف علم الإلهية ‏.‏
والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم يكون بعد كشف علم الربوبية، /وهو علم التدبير السارى فى الأكوان،كما قال الله عز وجل‏:‏‏{‏إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 40‏]‏‏.‏ فإذا تحقق العبد لهذا المشهد، ووفقه لذلك، بحيث لا يحجبه هذا المشهد عن المشهد الأول فهو الفقيه فى عبوديته، فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدين، فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف والكرم، والجمال داخل فى مشهد الربوبية ‏.‏
ولهذا قيل‏:‏ إن هذه الآية جمعت جميع أسرار القرآن‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏؛ لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهى، والمحبة والخوف والرجاء، كما ذكرنا، وآخرها اقتضى عبوديته بالتفويض والتسليم، وترك الاختيار، وجميع العبوديات داخلة فى ذلك ‏.‏
ومن غاب عن هذا المشهد وعن المشهد الأول، ورأى قيام الله عز وجل على جميع الأشياء، وهو القيام على كل نفس بما كسبت، وتصرفه فيها، وحكمه عليها، فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه، وإرادته القدرية، فغاب بما لاحظ عن التمييز والفرق، وعطل الأمر والنهى والنبوات، ومرق من الإسلام مروق السهم من الرَّمِيَّةِ ‏.‏
وإن كان ذلك المشهد قد أدهشه وغيب عقله، لقوة سلطانه الوارد، وضعف قوة البصيرة؛ أن يجمع بين المشهدين، فهذا معذور منقوص إلا من جمع بين المشهدين‏:‏ الأمر الشرعى، ومشهد الأمر الكونى الإرادى‏.‏ وقد زلت فى هذا المشهد أقدام كثيرة من السالكين؛ لقلة معرفتهم بما بعث الله به المرسلين؛ وذلك لأنهم عبدوا الله على مرادهم منه، ففنوا بمرادهم عن مراد الحق ـ عز وجل ـ منهم؛لأن الحق يغنى بمراده ومحبوبه، ولو عبدوا الله على / مراده منهم لم ينلهم شىء من ذلك؛لأن العبد إذا شهد عبوديته ولم يكن مستيقظاً لأمر سيده، لا يغيب بعبادته عن معبوده، ولا بمعبوده عن عبادته، بل يكون له عينان ينظر بأحدهما إلى المعبود كأنه يراه ؛كما قال صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإحسان‏:‏‏(‏أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك‏)‏، والأخرى ينظر بها إلى أمر سيده، ليوقعه على الأمر الشرعى الذى يحبه مولاه ويرضاه ‏.‏
فإذا تقرر هذا، فالشرك إن كان شركاً يكفر به صاحبه، وهو نوعان ‏:‏
شرك فى الإلهية، وشرك فى الربوبية ‏.‏
فأما الشرك فى الإلهية فهو‏:‏ أن يجعل لله نداً، أى‏:‏ مثلا فى عبادته، أو محبته، أو خوفه، أو رجائه، أو إنابته، فهذا هو الشرك الذى لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، قال تعالى‏:‏‏{‏قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏38‏]‏ وهذا هو الذى قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركـى العـرب؛ لأنهم أشـركوا فى الإلـهية، قـال الله تعــالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ‏}‏ الآية ‏[‏ البقرة ‏:‏165‏]‏، وقالوا‏:‏‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏ الآية ‏[‏ الزمر‏:‏3‏]‏، وقالوا‏:‏ ‏{‏أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ‏}‏ ‏!‏ ‏[‏ ص‏:‏ 5‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ‏}‏ إلـى قوله‏:‏ ‏{‏الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ‏}‏ ‏[‏ ق‏:‏ 24‏:‏ 26 ‏]‏ ‏.‏
وقال النبى صلى الله عليه وسلم لحُصَيْن‏:‏ ‏(‏كم تعبد ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ ستة فى الأرض وواحد فى السماء‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فمن الذى تعد لرغبتك ورهبتك ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ الذى فى السماء‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ألا تسلم فأعلمك كلمات ‏؟‏‏)‏ فأسلم‏.‏ فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قل‏:‏ اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِى رشْدى، وَقِنِي شَرَّ نَفْسِي‏)‏‏.‏
وأما الربوبية فكانوا مقرين بها، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 25‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏}‏ ‏؟‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 84- 89 ‏]‏، وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هى التى تُنَزِّل الغَيْثَ، وترزق العالم وتدبره، وإنما كان شركهم كما ذكرناه‏:‏ اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئا من دون الله كما يحب الله تعالى، فقد أشرك، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏96-98‏]‏‏.‏ وكذا من خاف أحداً كما يخاف الله، أو رجاه كما يرجو الله، وما أشبه ذلك ‏.‏
وأما النوع الثانى‏:‏ فالشرك فى الربوبية، فإن الرب سبحانه ـ هو المالك المدبر، المعطى المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل ،فمن شهد أن المعطى أو المانع، أو الضار أو النافع، أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته ‏.‏
ولكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك، فلينظر إلى المعطى الأول مثلا ،فيشكره على ما أولاه من النعم، وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافئه عليه، لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من أسْدَى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه‏)‏ لأن النعم كلها لله تعالى، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ‏}‏ ‏[‏ النحل‏:‏53‏]‏،وقال تعالى‏:‏‏{‏كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ‏}‏ ‏[‏ الإسراء‏:‏20‏]‏، فالله ـ سبحانه ـ هو المعطى على الحقيقة، فإنه هو الذى خلق الأرزاق وقدرها، وساقها إلى من يشاء من عباده، فالمعطى هو الذى أعطاه، وحرك قلبه لعطاء غيره‏.‏ فهو الأول والآخر‏.‏
/ ومما يقوى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضى الله عنهما‏:‏ ‏(‏واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشىء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشىء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجَفَّت الصُّحُفُ‏)‏‏.‏ قال الترمذى‏:‏ هذا حديث صحيح‏.‏ فهذا يدل على أنه لا ينفع فى الحقيقة إلا الله، ولا يضر غيره، وكذا جميع ما ذكرنا فى مقتضى الربوبية ‏.‏
فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لَوْمِه وذَمِّه إياهم، وتجرَّد التوحيد فى قلبه، فقوى إيمانه، وانشرح صدره، وتنور قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه، ولهذا قال الفُضَيْل بن عياض ـ رحمه الله ـ‏:‏ من عرف الناس استراح‏.‏ يريد ـ والله أعلم ـ أنهم لا ينفعون ولا يضرون ‏.‏
وأما الشرك الخفى‏:‏ فهو الذى لا يكاد أحد أن يسلم منه، مثل‏:‏ أن يحب مع الله غيره‏.‏
فإن كانت محبته لله مثل حب النبيين والصالحين، والأعمال الصالحة فليست من هذا الباب؛ لأن هذه تدل على حقيقة المحبة، لأن حقيقة المحبة أن يحب المحبوب وما أحبه، ويكره ما يكرهه، ومن صحت محبته امتنعت مخالفته؛ لأن المخالفة إنما تقع لنقص المتابعة، ويدل على نقص المحبة قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏}‏ الآية ‏[‏ آل عمران‏:‏ 31‏]‏‏.‏ فَلَيْسَ الكَلام فى هذا‏.‏ / إنما الكلام فى محبة تتعلق بالنفوس لغير الله تعالى، فهذا لا شك أنه نقص فى توحيد المحبة لله، وهو دليل على نقص محبة الله تعالى، إذ لو كملت محبته، لم يحب سواه ‏.‏
ولا يرد علينا الباب الأول؛ لأن ذلك داخل فى محبته‏.‏ وهذا ميزان لم يجر عليك، كلما قويت محبة العبد لمولاه، صغرت عنده المحبوبات وقلت، وكلما ضعفت، كثرت محبوباته وانتشرت
وكذا الخوف، والرجاء ،وما أشبه ذلك، فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئاً سواه، قـال الـله تعـالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏39‏]‏، وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف كما ذكرنا فى المحبة، وكذا الرجاء وغيره، فهذا هو الشرك الخفى، الذى لا يكاد أحد أن يسلم منه، إلا من عصمه الله تعالى‏.‏ وقد روى أن الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل‏.‏
وطرق التخلص من هذه الآفات كلها‏:‏ الإخلاص لله عز وجل، قال الـله تعـالى‏:‏‏{‏فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏ الكهف‏:‏110 ‏]‏، ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهى ‏.‏
/ فصـل
ولابد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل، فتعتصم به، فتقل آفاتها، أو تذهب عنها بالكلية، بحول الله وقوته ‏.‏
فنقول‏:‏ اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة‏:‏ المحبة، والخوف، والرجاء‏.‏ وأقواها الـمحبة، وهى مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد فى الدنيا والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول فى الآخرة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 62 ‏]‏، والخوف المقصود منه‏:‏ الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقى العبد فى السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبداً لله لا لغيره ‏.‏
فإن قيل‏:‏فالعبد فى بعض الأحيان، قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأى شىء يحرك القلوب ‏؟‏ قلنا‏:‏ يحركها شيئان ‏:‏
أحدهما‏:‏ كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به، ولهذا أمر الله عز وجل بالذكر الكثير، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا‏}‏ الآية ‏[‏ الأحزاب‏:‏ 41-42‏]‏
والثانى‏:‏ مطالعة آلائه ونعمائه، قال الله تعالى‏:‏‏{‏فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏ الأعراف‏:‏ 69‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ‏}‏ ‏[‏ النحل‏:‏53 ‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهرَةً وَبَاطِنَةً‏}‏ ‏[‏ لقمان‏:‏ 20 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا‏}‏ ‏[‏ إبراهيم‏:‏ 34‏]‏‏.‏
فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه، من تسخير السماء والأرض، وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة، من الإيمان وغيره، فلابد أن يثير ذلك عنده باعثا، وكذلك الخوف، تحركه مطالعة آيات الوعيد، والزجر، والعرض، والحساب ونحوه، وكذلك الرجاء، يحركه مطالعة الكرم، والحلم، والعفو ‏.‏
وما ورد فى الرجاء والكلام فى التوحيد واسع‏.‏ وإنما الغرض التنبيه على تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة، والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2014, 07:06 AM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
/ وَقَال شَيْخ الإسلام ـ رَحمه اللّه‏:‏
فَصْل
ذكر الله عن إمامنا إبراهيم خليل الله أنه قال لمناظريه من المشركين الظالمين‏:‏ ‏{‏وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عليكم سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الذي نَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 81، 82‏]‏‏.‏
وفي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الظلم بالشرك وقال‏:‏ ‏(‏ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح‏:‏ ‏{‏إن الشرك لظلم عظيم‏}‏‏؟‏‏)‏‏.‏ فأنكر أن نخاف ما أشركوهم بالله من جميع المخلوقات العلويات والسفليات، وعدم خوفهم من إشراكهم بالله شريكا لم ينزل الله به سلطانًا، وبين أن القسم الذي لم يشرك هو الآمن المهتدى ‏.‏
وهذه آية عظيمة تنفع المؤمن الحنيف في مواضع، فإن الإشراك في هذه الأمة أخفي من دَبِيب النمل، دع جليله، وهو شرك في العبادة والتأله، وشرك في الطاعة والانقياد، وشرك في الإيمان والقبول ‏.‏
فالغالية من النصارى والرافضة وضُلال الصوفية والفقراء والعامة، يشركون بدعاء غير الله تارة، وبنوع من عبادته أخرى، وبهما جميعًا تارة، ومن أشرك هذا الشرك أشرك في الطاعة‏.‏
/وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك، وأتباع القضاة، والعامة المتبعة لهؤلاء، يشركون شرك الطاعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعُدِىّ بن حاتم لما قرأ‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 31‏]‏ فقال‏:‏ يا رسول الله، ما عبدوهم‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏ما عبدوهم، ولكن أحَلُّوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم‏)‏‏.‏
فتجد أحد المنحرفين يجـعل الواجب ما أوجبه متبوعه، والحرام ما حرمه، والحلال ما حلله، والدين ما شرعه، إما دينًا وإما دنيا، وإما دنيا ودينًا‏.‏ ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك، وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئا في طاعته بغير سلطان من اللّه، وبهذا يخرج من أوجب اللّه طاعته من رسول، وأمير وعالم ووالد وشيخ وغير ذلك‏.‏
وأما الشرك الثالث‏:‏ فكثير من أتباع المتكلمة، والمتفلسفة، بل وبعض المتفقهة والمتصوفة، بل وبعض أتباع الملوك والقضاة، يقبل قول متبوعه فيما يخبر به من الاعتقادات الخبرية، ومن تصحيح بعض المقالات وإفساد بعضها، ومدح بعضها، وبعض القائلين، وذم بعض، بلا سلطان من اللّه‏.‏ ويخاف ما أشركه في الإيمان والقبول، ولا يخاف إشراكه باللّه شخصًا في الإيمان به، وقبول قوله بغير سلطان من اللّه‏.‏
وبهذا يخرج من شرع اللّه تصديقه من المرسلين، والعلماء المبلغين، والشهداء الصادقين، وغير ذلك‏.‏ فباب الطاعة والتصديق ينقسم إلى مشروع في حق البشر وغير مشروع ‏.‏
وأما العبادة والاستعانة والتأله، فلا حق فيها للبشر بحال، فإنه كما قال القائل‏:‏ ما وضعت يدى في قَصْعَةِ أحد إلا ذللت له ‏!‏ ولا ريب أن من نصرك ورزقك / كان له سلطان عليك، فالمؤمن يريد ألا يكون عليه سلطان إلا للّه ولرسوله، ولمن أطاع اللّه ورسوله، وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه، فإذا قصد دفع هذا السلطان وهذا القهر عن نفسه، كان حسنًا محمودًا، يصح له دينه بذلك، وإن قصد الترفع عليهم والترؤس والمراءاة بالحال الأولى كان مذمومًا، وقد يقصد بترك الأخذ غنى نفسه عنهم ويترك أموالهم لهم‏.‏
فهذه أربع مقاصد صالحة‏:‏ غنى نفسه وعزتها حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا تذل لهم، وسلامة مالهم ودينهم عليهم حتى لا تنقص عليهم أموالهم، فلا يذهبها عنهم، ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يكره لهم من الاستيلاء عليه، ففي ذلك منفعة له ألا يذل ولا يفتقر إليهم، ومنفعة لهم أن يبقى لهم مالهم ودينهم، وقد يكون في ذلك منفعة بتأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم لهم، حتى يقبلوا منه، ويتألفون بالعطاء لهم، فكذلك في إبقاء أموالهم لهم، وقد يكون في ذلك أيضًا حفظ دينهم، فإنهم إذا قبل منهم المال قد يطمعون هم أيضًا في أنواع من المعاصى، ويتركون أنواعا من الطاعات، فلا يقبلون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفي ذلك منافع ومقاصد أخر صالحة ‏.‏
وأما إذا كان الأخذ يفضى إلى طمع فيه حتى يستعان به في معصية أو يمنع من طاعة، فتلك مفاسد أخر، وهى كثيرة ترجع إلى ذله وفقره لهم، فإنهم لا يتمكنون من منعه من طاعة إلا إذا كان ذليلًا أو فقيرًا إليهم، ولا يتمكنون هم من استعماله في المعصية إلا مع ذله أو فقره، فإن العطاء يحتاج إلى جزاء ومقابلة، فإذا لم تحصل مكافأة دنيوية من مال أو نفع لم يبق إلا ما ينتظر من لمنفعة الصادرة منه إليهم ‏.‏
/ وللرد وجوه مكروهة مذمومة، منها‏:‏ الرد مراءاة بالتشبه بمن يرد غنى وعزة ورحمة للناس في دينهم ودنياهم، ومنها‏:‏ التكبر عليهم والاستعلاء حتى يستعبدهم، ويستعلى عليهم بذلك، فهذا مذموم أيضًا‏.‏ ومنها‏:‏ البخل عليهم فإنه إذا أخذ منهم احتاج أن ينفعهم، ويقضى حوائجهم، فقد يترك الأخذ بُخْلا عليهم بالمنافع‏.‏ ومنها‏:‏ الكسل عن الإحسان إليهم، فهذه أربع مقاصد فاسدة في الرد للعطاء‏:‏ الكبر، والرياء، والبخل، والكسل ‏.‏
فالحاصل‏:‏ أنه قد يترك قبول المال لجلب المنفعة لنفسه، أو لدفع المضرة عنها، أو لجلب المنفعة للناس، أو دفع المضرة عنهم، فإن في ترك أخذه غنى نفسه وعزها، وهو منفعة لها، وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على القبول من أنواع المفاسد، وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم لهم، ودفع الضرر المتولد عليهم إذا بذلوا بذلًا قد يضرهم، وقد يتركه لمضرة الناس، أو لترك منفعتهم، فهذا مذموم كما تقدم، وقد يكون في الترك أيضا مضرة نفسه، أو ترك منفعتها، إما بأن يكون محتاجًا إليه فيضره تركه، أو يكون في أخذه وصرفه منفعة له في الدين والدنيا، فيتركها من غير معارض مقاوم؛ فلهذا فصلنا هذه المسألة، فإنها مسألة عظيمة، وبإزائها مسألة القبول أيضا، وفيها التفصيل، لكن الأغلب أن ترك الأخذ كان أجود من القبول؛ ولهذا يعظم الناس هذا الجنس أكثر، وإذا صح الأخذ كان أفضل، أعنى الأخذ والصرف إلى الناس ‏.‏
/ سئل الشيخ ـ رحمه اللّه ـ عمن قال‏:‏ يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث اللّه تعالى فيه‏:‏ على معنى أنه وسيلة من وسائل اللّه تعالى في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث اللّه تعالى فيه‏.‏
وأما من توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به، سواء كان ذلك بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو غيرهما مما هو في معناهما، وقول القائل‏:‏ أتوسل إليك يا إلهى برسولك ‏!‏ أو أستغيث برسولك عندك، أن تغفر لى، استغاثة بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم ‏.‏
قال‏:‏ ولم يزل الناس يفهمون معنى الاستغاثة بالشخص، قديما وحديثا، وأنه يصح إسنادها للمخلوقين، وأنه يستغاث بهم على سبيل التوسل، وأنها مطلقة على كل من سأل تفريج الكربة بواسطة التوسل به، وأن ذلك صحيح في أمر الأنبياء والصالحين ‏.‏
قال‏:‏ وفيما رواه الطبرإني عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن بعض الصحـابة ـ رضي اللّه عنهـم ـ قال‏:‏ استغيثوا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنه لا يستغاث بى، وإنما يستغاث باللّه‏)‏‏.‏ / أن النبي صلى الله عليه وسلم لو نفي عن نفسه أنه يستغاث به، ونحو ذلك، يشير به إلى التوحيد، وإفراد البارى بالقدرة، لم يكن لنا نحن أن ننفي ذلك، ونجوز أن نطلق أن النبي صلى الله عليه وسلم والصالح يستغاث به، يـعنى في كـل ما يستغاث فيه باللّه تعالى، ولا يحتاج أن يقول على سبيل أنه وسيلة وواسطة، وأن القـائل لا يستـغاث به متنقصـا له، وأنه كافر بذلك، لكنه يعذر إذا كان جاهلا، فإذا عرف معنى الاستغاثة ثم أصر على قوله بعد ذلك صار كافرًا
والتوسل به استغاثة به كما تقدم، فهل يعرف أنه قال أحد من علماء المسلمين‏:‏ إنه يجوز أن يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم والصـالح، في كـــل ما يستغاث به اللّه تعـالى‏؟‏ وهـل يجوز إطلاق ذلك‏؟‏ كما قال القائل، وهــل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الصـالح أو غيرهما إلى اللّه تعالى في كل شىء استغاثة بذلك المتوسل به‏؟‏ كما نقله هذا القائل عن جميع اللغات، وسواء كان التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الصالح استغـاثة بـه، أو لم يكـن، فهل يعـرف أن أحدا من العلمـاء قال‏:‏ إنه يجوز التوسل إلى اللّه بكل نبي وصالح‏؟‏ فقد أفتى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في فتاويه المشهورة‏:‏ أنه لا يجوز التوسل إلى اللّه تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث فيه، فهل قال أحد خلاف ما أفتى به الشيخ المذكور ‏؟‏
وبتقدير أن يكون في المسألة خلاف، فمن قال‏:‏ لا يتوسل بسائر الأنبياء والصالحين، كما أفتى الشيخ عز الدين‏؟‏ هل يكفر كما كفره هذا القائل‏؟‏ ويكون ما أفتى به الشيخ كفرًا، بل نفس التوسل به لو قال قائل‏:‏ لا يتوسل به، / ولا يستغاث به، إلا في حياته وحضوره، لا في موته ومغيبه، هل يكون ذلك كفرًا‏؟‏ أو يكون تنقصا ‏؟‏
ولو قال‏:‏ ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى لا يستغاث فيه إلا باللّه، أى‏:‏ لا يطلب إلا من اللّه تعالى هل يكون كفرًا، أو يكون حقا‏؟‏ وإذا نفي الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه أمرًا من الأمور لكونه من خصائص الربوبية، هل يحرم عليه أن ينفيه عنه أم يجب، أم يجوز نفيه‏؟‏ أفتونا ـ رحمكم اللّه ـ بجواب شاف كاف، موفقين مثابين ــ إن شاء اللّه تعالى‏.‏
الجواب ‏:‏
الحمد للّه رب العالمين‏.‏ لم يقل أحد من علماء المسلمين‏:‏ إنه يستغاث بشىء من المخلوقات، في كل ما يستغاث فيه باللّه تعالى، لا بنبي، ولا بملك، ولا بصالح، ولا غير ذلك، بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، أنه لا يجوز إطلاقه ‏.‏
ولم يقل أحد‏:‏ إن التوسل بنبي، هو استغاثة به، بل العامة الذي ن يتوسلون في أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم‏:‏ أتوسل إليك بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، أو بالكعبة، أو غير ذلك، مما يقولونه في أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يُسأل، وإنما يُطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به‏.‏
والاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه / منها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعليكم النَّصْرُ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 72‏]‏، وكما قال‏:‏ ‏{‏فَاسْتَغَاثَهُ الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 15‏]‏، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏2‏]‏‏.‏
وأمَّا ما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يطلب إلا من اللّه؛ ولهذا كان المسلمون لا يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويستسقون به، ويتوسلون به، كما في صحيح البخارى‏:‏ أن عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ استسقى بالعباس وقال‏:‏ اللهم إنا كنا إذا أجْدَبْنَا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون‏.‏
وفي سنن أبى داود‏:‏ أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنا نستشفع باللّه عليك، ونستشفع بك على اللّه، فقال‏:‏ ‏(‏شأن اللّه أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه‏)‏‏.‏
فأقره على قوله‏:‏ نستشفع بك على اللّه، وأنكر عليه قوله‏:‏ نستشفع باللّه عليك ‏.‏
وقد اتفق المسلمون على أن نبينا شفيع يوم القيامة، وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة، لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأما عند الوعيدية فإنما يشفع في زيادة الثواب ‏.‏
وقول القائل‏:‏ إن من توسل إلى اللّه بنبي، فقال‏:‏ أتوسل إليك برسولك، فقد استغاث برسوله حقيقة، في لغة العرب وجميع الأمم، قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بنى آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسؤول به مدعو، ويفرقون بين المسؤول والمسؤول به، سواء استغاث بالخالق / أو بالمخلوق، فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على النصر فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل مخلوق يستغاث به في مثل ذلك ‏.‏
ولو قال قائل لمن يستغيث به‏:‏ أسألك بفلان، أو بحق فلان، لم يقل أحد‏:‏ إنه استغاث بما توسل به، بل إنما استغاث بمن دعا، وسأله؛ ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء اللّه الحسنى‏:‏ إن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة أخص بالأفعال، والإجابة أخص بالأقوال‏.‏
والتوسل إلى اللّه بغير نبينا صلى الله عليه وسلم ـ سواء سُمِّىَ أو لم يُسَمَّ ـ لا نعلم أحدًا من السلف فعله، ولا روى فيه أثرًا، ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع، وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ففيه حديث في السنن، رواه النسائي والترمذى وغيرهما‏:‏ أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه، إني أصبت في بصرى فادع اللّه لى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏توضأ وصلِّ ركعتين، ثم قل‏:‏ اللّهم أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، يا محمد، إني أتَشَفَّع بك في ردّ بَصَرى‏.‏ اللّهم شَفِّع نبيك في‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك‏)‏ فرد اللّه بصره‏.‏ فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ التوسل به‏.‏
وللناس في معنى هذا قولان‏:‏
أحدهما‏:‏ أن هذا التوسل هو الذي ذكر عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ لما قاله‏:‏ كنا إذا أجْدَبْنَا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فقد ذكر عمر ـ رضي الله عنه ـ ‏:‏أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم / به استسقاؤهم به، بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى اللّه، وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته ولا في مغيبه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مثل هذا شافعًا لهم، داعيا لهم؛ ولهذا قال في حديث الأعمى‏:‏ اللّهم فشفعه في، فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له، فسأل اللّه أن يشفعه فيه‏.‏
والثاني‏:‏ أن التوسل يكون في حياته، وبعد موته، وفي مغيبه وحضرته، ولم يقل أحد‏:‏ إن من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية، ليست أدلتها جلية ظاهرة، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها، ونحو ذلك‏.‏ واختلاف الناس فيما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، كاختلافهم‏:‏ هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح‏؟‏ وليس هو من مسائل السب عند أحد من المسلمين‏.‏
وأما من قال‏:‏ إن من نفي التوسل الذي سماه استغاثة بغيره كفر، وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين وأمثاله، فأظهر من أن يحتاج إلى جواب، بل المُكَفِّر بمثل هذه الأمور، يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله، من المفترين على الدين، لا سيما مع قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من قال لأخيه‏:‏ كافر فقد باء بها أحدهما‏)‏‏.‏
وأما من قال‏:‏ ما لا يقدر عليه إلا اللّه لا يستغاث فيه إلا به، فقد قال الحق، بل لو قال كما قال أبو يزيد‏:‏ استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وكما قال الشيخ أبو عبد اللّه القرشى‏:‏ استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون لكان قد أحسن، فإن مطلق هذا الكلام يفهم الاستغاثة / المطلقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس‏:‏ ‏(‏إذا سألت فاسأل اللّّه، وإذا استعنت فاستعن باللّه‏)‏‏.‏
وإذا نفي الرسول عن نفسه أمرًا كان هو الصادق المصدوق في ذلك، كما هو الصادق المصدوق في كل ما يخبر به ، من نفي، وإثبات، وعلىنا أن نصدقه في كل ما أخبر به من نفي وإثبات، ومن رد خبره تعظيما له، أشبه النصارى، الذي ن كذبوا المسيح في إخباره عن نفسه بالعبودية، تعظيما له، ويجوز لنا أن ننفي ما نفاه، وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ذلك البتة، واللّه أعلم‏.‏
/ وسئل شيخ الإسلام تقى الدين بن تيمية ـ رضي الله عنه‏:‏
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، وفقهم اللّه لطاعته، فيمن يقول‏:‏ لا يستغاث برسول اللّه صلى الله عليه وسلم، هل يحرم عليه هذا القول، وهل هو كفر أم لا‏؟‏ وإن استدل بآيات من كتاب اللّه وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم هل ينفعه دليله أم لا‏؟‏ وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة فما يجب على من يخالف ذلك‏؟‏ أفتونا مأجورين‏.‏
فأجاب ‏:‏
الحمد للّه، قد ثبت بالسنة المستفيضة، بل المتواترة، واتفاق الأمة‏:‏ أن نبينا صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة وأن الناس يستشفعون به، يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم وأنه يشفع لهم ‏.‏
ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد‏.‏
وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر، ولم ينكروا شفاعته للمؤمنين، وهؤلاء مبتدعة ضُلال، وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل ‏.‏
/وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة، وسواء سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه ‏؟‏
وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به، كما رواه البخارى في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال‏:‏ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وفي سنن أبى داود وغيره أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك المال، فادع اللّه لنا، فإنا نستشفع بك على اللّه ونستشفع باللّه عليك‏.‏ فسبح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابـه وقال‏:‏ ‏(‏ويحك، إن اللّه لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن اللّه أعظم من ذلك‏)‏، وذكر تمام الحديث فأنكر قوله‏:‏ نستشفع باللّه عليك، ولم ينكر قوله‏:‏ نستشفع بك على اللّه، بل أقره عليه، فعلم جوازه‏.‏ فمن أنكر هذا فهو ضال مخطئ مبتدع، وفي تكفيره نزاع وتفصيل ‏.‏
وأما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ذلك ولكن قال‏:‏ لا يدعى إلا اللّه وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا اللّه لا تطلب إلا منه، مثل غفران الذنوب، وهداية القلوب، وإنزال المطر، وإنبات النبات، ونحو ذلك ـ فهذا مصيب في ذلك، بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضًا‏.‏ كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 135‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 56‏]‏، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عليكم هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ‏}‏‏؟‏ ‏[‏فاطر‏:‏3‏]‏، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏126‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذي نَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 40‏]‏‏.‏
فالمعإني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها، والمعإني المنفية بالكتاب والسنة يجب نفيها، والعبارة الدالة على المعإني نفيًا وإثباتًا إن وجدت في كلام الله ورسوله، وجب إقرارها، وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب عليه حكمه، وإلا رجع فيه إليه ‏.‏
وقد يكون في كلام اللّه ورسوله عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد اللّه ورسوله، فهذا يرد عليه فهمه‏.‏ كما روى الطبرإني في معجمه الكبير‏:‏ أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذى المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق‏:‏ قوموا بنا لنستغيث برسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنه لا يستغاث بى، وإنما يستغاث باللّه‏)‏، فهذا إنما أراد به النبي صلى الله عليه وسلم المعنى الثاني، وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا اللّه، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون به، كما في صحيح البخارى، عن ابن عمر قال‏:‏ ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقى، فما ينزل حتى يجيش له كل ميزاب ‏:‏
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه**ثمال اليتامى عصمة للأرامل ‏!‏
وهو قول أبى طالب؛ ولهذا قال العلماء المصنفون في أسماء اللّه تعالى‏:‏ يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا اللّه، وأن كل / غوث فمن عنده، وإن كان جعل ذلك على يدى غيره فالحقيقة له سبحانه وتعالى ولغيره مجاز ‏.‏
قالوا‏:‏ من أسمائه تعالى المغيث والغياث، وجاء ذكر المغيث في حديث أبى هريرة، قالوا‏:‏ واجتمعت الأمة على ذلك‏.‏
وقال أبو عبد اللّه الحليمى‏:‏ الغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال‏:‏ غياث المستغيثين، ومعناه المدرك‏:‏ عباده فى الشدائد إذا دعوه، ومجيبهم ومخلصهم، وفى خبر الاستسقاء فى الصحيحين‏:‏ ‏(‏اللهم أغثنا، اللّهم أغثنا‏)‏‏.‏ يقال‏:‏ أغاثه إغاثة وغياثًا وغوثًا، وهذا الاسم فى معنى المجيب والمستجيب، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 9 ‏]‏، إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر ‏.‏
قالوا ‏:‏الفرق بين المستغيث والداعى‏:‏ أن المستغيث ينادى بالغوث، والداعى ينادى بالمدعو والمغيث‏.‏ وهذا فيه نظر، فإن من صيغة الاستغاثة ياللّه للمسلمين، وقد روى عن معروف الكرخى أنه كان يكثر أن يقول‏:‏ واغوثاه، ويقول‏:‏ إنى سمعت اللّه يقول ‏:‏‏{‏إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ‏}‏، وفى الدعاء المأثور‏:‏ ‏(‏يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أصلح لى شأنى كله، ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك‏)‏‏.‏
والاستغاثة برحمته استغاثة به فى الحقيقة، كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به فى الحقيقة، وكما أن القسم بصفاته قسم به فى الحقيقة، ففى الحديث‏:‏ ‏(‏أعوذ بكلمات اللّه التامة من شر ما خلق‏)‏، وفيه ‏(‏أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك‏)‏‏.‏
/لهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام اللّه غير مخلوق بقوله‏:‏ ‏(‏أعوذ بكلمات اللّه التامة‏)‏ قالوا‏:‏ والاستعاذة لا تصلح بالمخلوق ‏.‏
وكذلك القَسَم، قد ثبت فى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصـمت‏)‏، وفـى لفــظ‏:‏ ‏(‏مــن حلف بغـير اللّه فقد أشرك‏)‏ رواه الترمذي وصححه‏.‏ ثم قد ثبـت فى الصحيح‏:‏ الحلف بـ ‏(‏عزة اللّه‏)‏، و ‏(‏لعمر اللّه‏)‏، ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير اللّه الذى نهى عنه، والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع فى هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطئ ضال ‏.‏
وأما بالمعنى الذى نفاه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ فهو أيضاً مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير اللّه ما لا يكون إلا للّه فهو أيضاً كافر إذا قامت عليه الحجة التى يكفر تاركها ‏.‏
ومن هذا الباب قول أبى يزيد البسطامى‏:‏ استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول الشيخ أبى عبد اللّه القرشى المشهور بالديار المصرية‏:‏ استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون ‏.‏
وفى دعاء موسى ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏(‏اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك‏)‏، ولما كان هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق وكان مختصاً باللّه صح إطلاق نفيه عما سواه؛ ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوَّز مطلق الاستغاثة بغير اللّه، ولا أنكرعلى من نفى مطلق الاستغاثة عن غير اللّه‏.‏
/وكذلك الاستغاثة أيضا ،فيها ما لا يصلح إلا لله، وهى المشار إليها بقوله‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ ‏[‏ الفاتحة ‏:‏5‏]‏ فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا اللّه‏.‏ وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستنصار، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 72 ‏]‏، والنصر المطلق هو خلق ما به يغلب العدو ولا يقدر عليه إلا اللّه ‏.‏
ومن خالف ما ثبت فى الكتاب والسنة، فإنه يكون إما كافراً، وإما فاسقاً، وإما عاصيا، إلا أن يكون مؤمنا مجتهداً مخطئًا فيثاب على اجتهاده، ويغفر له خطؤه، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذى تقوم عليه به الحجة، فإن اللّه يقول‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏‏[‏الإسراء‏:‏15‏]‏‏.‏ وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها‏:‏ فإنه يعاقب بحسب ذلك، إما بالقتل، وإما بدونه‏.‏ واللّه أعلم ‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2014, 07:08 AM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
/ وقال شيخ الإسلام ‏:‏
فصل
سَمَّى اللّه آلهتهم التى عبدوها من دونه شفعاء، كما سماها شركاء فى غير موضع، فقال فى يونس‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الآية 18 ‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا‏}‏ ‏[‏ الزمر ‏:‏43، 44‏]‏، ‏{‏وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء‏}‏ ‏[‏ الروم‏:‏ 12، 13‏]‏‏.‏
وجمع بين الشرك والشفاعة فى قوله‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ‏}‏ ‏[‏ سبأ‏:‏ 22، 23 ‏]‏‏.‏ فهذه الأربعة هى التى يمكن أن يكون لهم بها تعلق، الأول‏:‏ ملك شىء ولو قل، الثانى‏:‏ شركهم فى شىء من الملك‏.‏ فلا ملك ولا شركة ولا معاونة يصير بها نداً‏.‏ فإذا انتفت الثلاثة بقيت الشفاعة فعلقها بالمشيئة‏.‏
وقال‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏ النجم‏:‏ 62 ‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً‏}‏ الآيتين ‏[‏الإسراء‏:‏56‏]‏، وقال فى اتخاذهم قربانا‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏3‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏}‏ ‏[‏ الأحقاف‏:‏28‏]‏
/ وقال شيخ الإسلام ـ رحمه اللّه ‏:‏
فصل
فى الشفاعة المنفية فى القرآن، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 48 ‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏123 ‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 254 ‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 100، 101 ‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 18‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ‏}‏ ‏[‏ الأعراف‏:‏53 ‏]‏، وأمثال ذلك ‏.‏
واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر؛ إذ منعوا أن يشفع لمن يستحق العذاب، أو أن يخرج من النار من يدخلها، ولم ينفوا الشفاعة لأهل الثواب فى زيادة الثواب ‏.‏
ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة‏:‏ إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار مَنْ فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ‏.‏
وأيضاً، فالأحاديث المستفيضة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الشفاعة‏:‏ فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيه / نوع شفاعة للكفار‏.‏ وأيضاً، ففى الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال‏:‏ يا رسول اللّه، هل نفعتَ أبا طالب بشىء ‏؟‏ فإنه كان يَحُوطك ويغضب لك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم هو فى ضَحْضاح من نار، ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار‏)‏، وعن عبد اللّه بن الحارث قال‏:‏ سمعت العباس يقول‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول اللّه، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم، وجدته فى غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح‏)‏ ‏.‏
وعن أبى سعيد الخدرى ــ رضى اللّه عنه ــ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال‏:‏ ‏(‏لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه، يغلى منه دماغه‏)‏ ‏.‏
فهذا نص صحيح صريح لشفاعته فى بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب، بل فى أن يجعل أهون أهل النار عذاباً، كما فى الصحيح أيضاً عن ابن عباس‏:‏ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه‏)‏ ‏.‏
وعن أبى سعيد الخدرى؛ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن أدنى أهل النار عذاباً منتعل بنعلين من نار، يغلى دماغه من حرارة نعليه‏)‏ ، وعن النعمان بن بشير قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل يوضع فى أخمص قدميه جمرتان، يغلى منهما دماغه‏)‏ ، وعنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار، يغلى منهما دماغه، كما يغلى المِرْجَل، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً‏)‏‏.‏
/وهذا السؤال الثانى يضعف جواب من تأول نفى الشفاعة على الشفاعة للكفار، وإن الظالمين هم الكافرون ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏
فيقال‏:‏ الشفاعة المنفية هى الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق، وهى أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته، فأما إذا أذن له فى أن يشفع فشفع، لم يكن مستقلاً بالشفاعة، بل يكون مطيعاً له أى تابعاً له فى الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسؤول ‏.‏
وقد ثبت بنص القرآن فى غير آية‏:‏ أن أحداً لا يشفع عنده إلا بإذنه‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏255 ‏]‏ ،وقال‏:‏‏{‏وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏[‏ سبأ‏:‏23 ‏]‏، وقال‏:‏‏{‏وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى‏}‏ ‏[‏ الأنبياء‏:‏ 28 ‏]‏،وأمثال ذلك‏.‏ والذى يبين أن هذه هى الشفاعة المنفية‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏{‏وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏ الأنعام‏:‏ 51 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ‏}‏ ‏[‏ السجدة‏:‏ 4‏]‏، فأخبر أنه ليس لهم من دون الله ولىّ ولا شفيع‏.‏
وأما نفى الشفاعة بدون إذنه، فإن الشفاعة إذا كانت بإذنه لم تكن من دونه، كما أن الولاية التى بإذنه ليست من دونه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ‏}‏ ‏[‏ المائدة‏:‏ 55، 56 ‏]‏ ‏.‏
وأيضاً، فقد قال‏:‏ ‏{‏أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ
قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏ الزمر‏:‏ 43، 44 ‏]‏، فذم الذين اتخذوا من دون اللّه شفعاء وأخبر أن لِلّه الشفاعة جميعا، فعلم أن الشفاعة منتفية عن غيره؛ إذ لا يشفع أحد إلا بإذنه، وتلك فهى له ‏.‏وقد قال‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 18‏]‏‏.‏
ومما يوضح ذلك ‏:‏أنه نفى يومئذ الخلة بقوله‏:‏‏{‏مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 254 ‏]‏ ومعلوم أنه إنما نفى الخلة المعروفة، ونفعها المعروف كما ينفع الصديق الصديق فى الدنيا، كما قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏}‏‏[‏الانفطار‏:‏17-19‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ‏}‏ ‏[‏ غافر‏:‏ 15، 16 ‏]‏، لم يَنْفِ أن يكون فى الآخرة خلة نافعة بإذنه،فإنه قد قال‏:‏‏{‏الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ‏}‏ الآيات ‏[‏الزخرف‏:‏67، 68‏]‏، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يقول اللّه تعالى‏:‏ حَقَّْتْ مَحَبَّتِى لِلْمُتحَابِينَ فِى‏)‏ ، ويقول اللّهُ تعالى‏:‏ ‏(‏أَيْنَ المُتَحَابُّونَ بِجَلالِى ‏؟‏ الْيَوْمَ أَظِلُّهُمْ فِى ظِلِّى يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظلِّى‏)‏ ‏.‏
فتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا يُنفع أحد ولا يضر إلا بإذن اللّه، وأنه لا يجوز أن يُعبد أحد غير اللّه، ولا يُستعان به من دون اللّه، وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله للّه، ويتبرأ كل مدع من / دعواه الباطلة، فلا يبقى من يدعى لنفسه معه شركا فى ربوبيته، أو إلهيته، ولا من يدعى ذلك لغيره‏.‏ بخلاف الدنيا، فإنه وإن لم يكن رب ولا إله إلا هو فقد اتُخذ غيره ربا وإلها، وادعى ذلك مدعون ‏.‏
وفى الدنيا يشفع الشافع عند غيره ،وينتفع بشفاعته وإن لم يكن أذن له فى الشفاعة، ويكون خليله، فيعينه ويفتدى نفسه من الشر، فقد ينتفع بالنفوس والأموال فى الدنيا، النفوس ينتفع بها تارة بالاستقلال، وتارة بالإعانة وهى الشفاعة، والأموال بالفداء، فنفى اللّه هذه الأقسام الثلاثة‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 48 ‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 254‏]‏، كما قال‏:‏ ‏{‏لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏ لقمان‏:‏ 33 ‏]‏، فهذا هذا واللّه أعلم ‏.‏
وعاد ما نفاه اللّه من الشفاعة إلى تحقيق أصلى الإيمان، وهى الإيمان باللّه وباليوم الآخر، التوحيد والمعاد، كما قرن بينهما فى مواضع كثيرة، كقوله‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 8 ‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ‏}‏ ‏[‏ البقـرة‏:‏ 156 ‏]‏، وقـوله‏:‏ ‏{‏مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ‏}‏ ‏[‏ لقمان‏:‏ 28 ‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 28 ‏]‏‏.‏ وأمثال ذلك ‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2014, 07:09 AM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
/ سئل شيخ الإسلام ـ قدس اللّه روحه‏:‏
عن رجلين تناظرا، فقال أحدهما‏:‏ لابد لنا من واسطة بيننا وبين اللّه، فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك ‏.‏
فأجاب ‏:‏
الحمد للّه رب العالمين‏.‏ إن أراد بذلك أنه لابد من واسطة تبلغنا أمر اللّه ،فهذا حق‏.‏ فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه اللّه ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه، وما أعده لأوليائه من كرامته، وما وعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه اللّه تعالى من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، التى تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل، الذين أرسلهم اللّه إلى عباده ‏.‏
فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زُلفى، ويرفع درجاتهم، ويكرمهم فى الدنيا والآخرة‏.‏ وأما المخالفون للرسل، فإنهم ملعونون، وهم عن ربهم ضالون محجوبون، قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏ ‏[‏ الأعراف‏:‏ 35، 36 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى‏}‏ ‏[‏ طه‏:‏ 123‏:‏ 126 ‏]‏، قال ابن عباس‏:‏ تكفل اللّه لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل فى الدنيا، ولا يشقى فى الآخرة ‏.‏
وقال تعالى عن أهل النار‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ‏}‏ ‏[‏ الملك‏:‏ 8، 9 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏ الزمر‏:‏ 71 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ‏}‏ ‏[‏ الأنعام‏:‏ 48، 49 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ َيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء ‏:‏163‏:‏ 165 ‏]‏‏.‏ومثل هذا فى القرآن كثير ‏.‏
وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين، واليهود، والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين اللّه وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن اللّه / أمره وخبره‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ٌ‏}‏ ‏[‏ الحج‏:‏ 75‏]‏ ومن أنكر هذه الوسائط فهو كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ المِلَل ‏.‏
والسور التى أنزلها اللّه بمكة مثل‏:‏ الأنعام، والأعراف، وذوات‏:‏ ‏{‏الر‏}‏ و ‏{‏حم‏}‏ و ‏{‏طس‏}‏ ونحو ذلك، هى متضمنة لأصول الدين، كالإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر ‏.‏
وقد قص اللّه قصص الكفار الذين كذبوا الرسل، وكيف أهلكهم، ونصر رسله، والذين آمنوا، قال تعالى‏:‏ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ‏}‏ ‏[‏ الصافات‏:‏ 171‏:‏ 173 ‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ‏}‏ ‏[‏ غافر‏:‏ 51 ‏]‏‏.‏
فهذه الوسائط تُطاع وتُتَّبَع ويقتدى بها‏.‏ كما قال تعالى‏:‏‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 64 ‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 80 ‏]‏، وقال تعالى ‏:‏‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 31 ‏]‏، وقـال‏:‏ ‏{‏فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏ الأعراف‏:‏157 ‏]‏، وَقَالَ تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا‏}‏ ‏[‏ الأحزاب‏:‏21‏]‏‏.‏
وإن أراد بالواسطة‏:‏ أنه لابد من واسطة فى جلب المنافع، ودفع المضار، مثل‏:‏ أن يكون واسطة فى رزق العباد، ونصرهم، وهداهم، يسألونه ذلك، ويرجون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك، الذى كفر اللّه به المشركين، حيث اتخذوا من دون اللّه أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار‏.‏
لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها، حتى قال‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 4‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏51‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏ ‏[‏ الإسراء‏:‏ 56، 57‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ‏}‏ ‏[‏ سبأ‏:‏ 22، 23 ‏]‏ ‏.‏
وقالت طائفة من السلف‏:‏ كان أقوام يدعون المسيح، والعزير، والملائكة‏:‏ فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه ‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏ ‏؟‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 79‏:‏ 80 ‏]‏، فبين سبحانه‏:‏ أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر ‏.‏
فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين ‏.‏
وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء 26‏:‏ 29 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 172‏]‏، وقال تعالى‏:‏ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا‏}‏ ‏[‏ مريم‏:‏ 88 ـ 95 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏ يونس‏:‏ 18 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى‏}‏ ‏[‏ النجم‏:‏ 26 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 255 ‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فلا راد لفضله‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 107 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ‏}‏ ‏[‏ فاطر‏:‏ 2 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏ ‏[‏ الزمر‏:‏ 38 ‏]‏، ومثل هذا كثير فى القرآن‏.‏ ومن سِوَى الأنبياء ـ من مشايخ العلم والدين ـ فمن أثبتهم وسائط بين / الرسول وأمته، يبلغونهم، ويعلمونهم، ويؤدبونهم، ويقتدون بهم، فقد أصاب فى ذلك‏.‏وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة، لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا فى شىء ردوه إلى الله والرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل أحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر‏)‏‏.‏
وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه ـ كالحجاب الذين بين الملك ورعيته ـ بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدى عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس، لقربهم منهم، والناس يسألونهم، أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج‏.‏ فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل‏.‏ وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادا‏.‏ وفى القرآن من الرد على هؤلاء، ما لم تتسع له هذه الفتوى ‏.‏
فإن الوسائط التى بين الملوك وبين الناس، يكونون على أحد وجوه ثلاثة‏:‏
إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه‏.‏
/ ومن قال‏:‏ إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بتلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر، بل هو ـ سبحانه ـ يعلم السر وأخفى، لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء ‏{‏وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏11‏]‏‏.‏ يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ‏.‏
الوجه الثانى‏:‏ أن يكون الملك عاجزًا عن تدبير رعيته، ودفع أعدائه ـ إلا بأعوان يعينونه ـ فلابد له من أنصار وأعوان، لذله وعجزه‏.‏ والله ـ سبحانه ـ ليس له ظهير، ولا ولى من الذل، قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي لسَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ‏}‏ ‏[‏ سبأ‏:‏ 22 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ َكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا‏}‏ ‏[‏ الإسراء‏:‏ 111 ‏]‏ ‏.‏
وَكُلُّ مَا فى الوجود من الأسباب فهو خالقه، وربه ومليكه، فهو الغنى عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه ،بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم ـ فى الحقيقة ـ شركاؤهم فى الملك‏.‏ والله ـ تعالى ـ ليس له شريك فى الملك، بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير ‏.‏
والوجه الثالث‏:‏ أن يكون الملك ليس مريدًا لنفع رعيته، والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج‏.‏ فإذا خاطب الملك من ينصحه، ويعظمه، أو من يدل علىه، بحيث يكون يرجوه ويخافه، تحركت إرادة الملك / وهمته، فى قضاء حوائج رعيته، إما لما حصل فى قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه ‏.‏
والله ـ تعالى ـ هو رب كل شىء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أجرى نفع العباد بعضهم على بعض، فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك، فهو الذى خلق ذلك كله، وهو الذى خلق فى قلب هذا المحسن الداعى الشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة، ولا يجوز أن يكون فى الوجود من يكرهه على خلاف مراده، أو يعلمه ما لم يكن يعلم، أو من يرجوه الرب ويخافه ‏.‏
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يقولن أحدكم‏:‏ اللهم اغفر لى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت، ولكن ليعزِم المسألة، فإنه لا مكره له‏)‏‏.‏ والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه، كما قال‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 255 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى‏}‏ ‏[‏ الأنبياء‏:‏ 28 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏[‏ سبأ‏:‏ 22، 23 ‏]‏ ‏.‏
فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ من دعى من دونه ليس له ملك ولا شرك فى الملك، ولا هو ظهير، وأن شفاعتهم لا تنفع إلا لمن أذن له ‏.‏
وهذا بخلاف الملوك، فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك، وقد يكون شريكًا لهم فى الملك، وقد يكون مظاهرًا لهم معاونا لهم على ملكهم، وهؤلاء / يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك هم وغيرهم، والملك يقبل شفاعتهم، تارة بحاجته إليهم، وتارة لخوفه منهم، وتارة لجزاء إحسانهم إليه ومكافأتهم ولإنعامهم عليه، حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك، فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد، حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه، فإذا لم يقبل شفاعته، يخاف ألا يطيعه، أو أن يسعى فى ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض، كلها من هذا الجنس، فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة ‏.‏
والله ـ تعالى ـ لا يرجو أحدًا، ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغنى، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ‏}‏ ‏[‏ يونس‏:‏ 66‏]‏ ‏.‏
والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏ يونس‏:‏ 18 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏}‏ ‏[‏ الأحقاف‏:‏ 28 ‏]‏ ‏.‏
وأخبر عن المشركين أنهم قالوا‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏ ‏[‏ الزمر‏:‏ 3 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 80 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏‏[‏ الإسراء‏:‏ 56، 57‏]‏‏.‏ فأخبر أن ما يدعى من دونه لا يملك كشف ضر ولا تحويله، وأنهم يرجون رحمته، ويخافون عذابه، ويتقربون إليه فهو ـ سبحانه ـ قد نفى ما من الملائكة والأنبياء، إلا من الشفاعة بإذنه، والشفاعة هى الدعاء ‏.‏
ولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع، والله قد أمر بذلك، لكن الداعى الشافع ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له فى ذلك، فلا يشفع شفاعة نهى عنها، كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏ 113، 114 ‏]‏، وقال تعالى فى حق المنافقين‏:‏ ‏{‏سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 6 ‏]‏ ‏.‏
وقد ثبت فى الصحيح‏:‏ أن الله نهى نبيه عن الاستغفار للمشركين والمنافقين، وأخبر أنه لا يغفر لهم، كما فى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 48، 116‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏ 84 ‏]‏، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ‏}‏ ‏[‏ الأعراف‏:‏ 55 ‏]‏ ـ فى الدعاء ـ ومن الاعتداء فى الدعاء‏:‏ أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله، مثل‏:‏ أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم، أو المغفرة للمشركين، ونحو ذلك‏.‏ أو يسأله ما فيه معصية الله، كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان ‏.‏
/ فالشفيع الذى أذن الله له فى الشفاعة، شفاعته فى الدعاء الذى ليس فيه عدوان ‏.‏
ولو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه فإنهم معصومون أن يقروا على ذلك‏.‏ كما قال نوح‏:‏ ‏{‏إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ‏}‏ ‏[‏ هود‏:‏ 45 ‏]‏، قال تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ ‏}‏ ‏[‏ هود‏:‏ 46، 47 ‏]‏ ‏.‏
وكل داع شافع دعا الله ـ سبحانه وتعالى ـ وشفع‏:‏ فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره، ومشيئته، وهو الذى يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة، فهو الذى خلق السبب والمسبب، والدعاء من جملة الأسباب التى قدرها الله ـ سبحانه وتعالى‏.‏
وإذا كان كذلك‏:‏ فالالتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد، ومَحْو الأسباب أن تكون أسبابا نَقْصٌ فى العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدْحٌ فى الشرع، بل العبد يجب أن يكون تَوكُّله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ والله يقدر له من الأسباب ـ من دعاء الخلق وغيرهم ـ ما شاء ‏.‏
والدعاء مشروع، أن يدعو الأعلى للأدنى، والأدنى للأعلى فطلب الشفاعة والدعاء من الأنبياء كما كان المسلمون يستشفعون بالنبى صلى الله عليه وسلم فى الاستسقاء، ويطلبون منه الدعاء، بل وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون بالعباس عمه، والناس يطلبون الشفاعة يوم القيامة من الأنبياء، / ومحمد صلى الله عليه وسلم وهو سيد الشفعاء، وله شفاعات يختص بها ومع هذا فقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علىّ ،فإنه من صلى علىّ مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لى الوسيلة، فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد‏!‏ فمن سأل الله لى الوسيلة حَلت عليه شفاعتى يوم القيامة‏)‏‏.‏ وقد قال صلى الله عليه وسلم لعمر ـ لما أراد أن يعتمر وودعه ـ‏:‏ ‏(‏يا أخى لا تنسنى من دعائك‏)‏‏.‏
فالنبى صلى الله عليه وسلم قد طلب من أمته أن يدعوا له، ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم، بل أمره بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات التى يثابون عليها، مع أنه صلى الله عليه وسلم له مثل أجورهم فى كل ما يعملونه، فإنه قد صح عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏من دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوِزْر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا‏)‏، وهو داعى الأمة إلى كل هدى، فله مثل أجورهم فى كل ما اتبعوه فيه ‏.‏
وكذلك إذا صلوا عليه، فإن الله يصلى على أحدهم عشرًا، وله مثل أجورهم مع ما يستجيبه من دعائهم له، فذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه، وصار ما حصل له به من النفع نعمة من الله عليه، وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكًا، كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به‏:‏ آمين ولك مثل ذلك‏)‏، وفى حديث آخر‏:‏ ‏(‏أسرع الدعاء دعوة غائب لغائب‏)‏‏.‏
/فالدعاء للغير ينتفع به الداعى، والمدعو له وإن كان الداعى دون المدعو له، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعى والمدعو له‏.‏ فمن قال لغيره‏:‏ ادع لى وقصد انتفاعهما جميعًا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى، فهو نبه المسؤول وأشار عليه بما ينفعهما، والمسؤول فعل ما ينفعهما، بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى، فيثاب المأمور على فعله، والآمر أيضًا يثاب مثل ثوابه؛ لكونه دعا إليه، لا سيما ومن الأدعية ما يؤمر بها العبد، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ‏}‏ ‏[‏ محمد‏:‏ 19 ‏]‏، فأمره بالاستغفار، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 64‏]‏‏.‏
فذكر ـ سبحانه ـ استغفارهم، واستغفار الرسول لهم إذ ذاك مما أمر به الرسول، حيث أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولم يأمر الله مخلوقًا أن يسأل مخلوقًا شيئًا لم يأمر الله المخلوق به، بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب أو استحباب ففعله هو عبادة لله، وطاعة وقربة إلى الله، وصلاح لفاعله وحسنة فيه، وإذا فعل ذلك كان أعظم لإحسان الله إليه، وإنعامه عليه، بل أجل نعمة أنعم الله بها على عباده أن هداهم للإيمان ‏.‏
والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة والحسنات، وكلما ازداد العبد عملا للخير، ازداد إيمــانه‏.‏ هذا هو الإنعــام الحقيقـى المذكــور فى قولـه‏:‏ ‏{‏صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 7 ‏]‏، وفى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 69 ‏]‏، بل نعم الدنيا بدون الدين هل هى من نعمه أم لا ‏؟‏ فيه قولان مشهوران للعلماء من أصحابنا وغيرهم ‏.‏
/والتحقيق‏:‏ أنها نعمة من وجه وإن لم تكن نعمة تامة من وجه، وأما الإنعام بالدين الذى ينبغى طلبه فهو ما أمر الله به من واجب ومستحب، فهو الخير الذى ينبغى طلبه باتفاق المسلمين، وهو النعمة الحقيقية عند أهل السنة، إذ عندهم أن الله هو الذى أنعم بفعل الخير‏.‏ والقدرية عندهم إنما أنعم بالقدرة عليه، الصالحة للضدين فقط ‏.‏
والمقصود هنا‏:‏ أن الله لم يأمر مخلوقاً أن يسأل مخلوقاً إلا ما كان مصلحة لذلك المخلوق، إما واجب أو مستحب، فإنه سبحانه لا يطلب من العبد إلا ذلك، فكيف يأمر غيره أن يطلب منه غير ذلك ‏؟‏ بل قد حرم على العبد أن يسأل العبد ماله إلا عند الضرورة ‏.‏
وإن كان قصده مصلحة المأمور أو مصلحته ومصلحة المأمور، فهذا يثاب على ذلك، وإن كان قصده حصول مطلوبه من غير قصد منه لانتفاع المأمور، فهذا من نفسه أتى، ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط، بل قد نهى عنه، إذ هذا سؤال محض للمخلوق من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته، والله يأمرنا أن نعبده ونرغب إليه، ويأمرنا أن نحسن إلى عباده، وهذا لم يقصد لا هذا ولا هذا، فلم يقصد الرغبة إلى الله ودعائه، وهو الصلاة، ولا قصد الإحسان إلى المخلوق الذى هو الزكاة، وإن كان العبد قد لا يأثم بمثل هذا السؤال، لكن فرق ما بين ما يؤمر به العبد وما يؤذن له فيه، ألا ترى أنه قال فى حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب‏:‏ إنهم ‏[‏لا يسترقون‏]‏‏.‏ وإن كان الاسترقاء جائزاً‏.‏ وهذا قد بسطناه فى غير هذا الموضع ‏.‏
والمقصود هنا‏:‏ أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التى / تكون بين الملوك والرعية، فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عُبّاد الأوثان كانوا يقولون‏:‏ إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذى أنكره الله على النصارى حيث قال‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏ 31‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏}‏ ‏[‏ البقرة ‏:‏186‏]‏، أى فليستجـيبوا لى إذا دعوتهم بالأمر والنهى، وليؤمنوا بى أن أجيب دعاءهم لى بالمسألة والتضرع ‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ‏}‏ ‏[‏ الشرح‏:‏ 7، 8‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ‏}‏ ‏[‏ الإسراء ‏:‏67‏]‏ ،وقال تعالى‏:‏ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏ النمل‏:‏ 62‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ‏}‏ ‏[‏ الرحمن‏:‏ 29‏]‏
وقد بين الله هذا التوحيد فى كتابه، وحسم مواد الإشراك به حتى لا يخاف أحد غير الله، ولا يرجو سواه، ولا يتوكل إلا عليه ،وقال تعالى ‏:‏‏{‏فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً‏}‏ ‏[‏ المائدة‏:‏ 44‏]‏، ‏{‏إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ‏}‏ أى يخوفكم أولياءه ‏{‏فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏175‏]‏ ،وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً‏}‏ ‏[‏ النساء‏:‏77‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ‏}‏‏[‏ التوبة‏:‏ 18‏]‏، وقـال تعـــالــى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 52 ‏]‏‏.‏
فبين أن الطاعة لله ورسوله، وأما الخشية فلله وحده ‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 59‏]‏، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 173 ‏]‏ ‏.‏
وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يحقق هذا التوحيد لأمته، ويحسم عنهم مواد الشرك؛ إذ هذا تحقيق قولنا‏:‏ لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذى تألهه القلوب؛ لكمال المحبة والتعظيم، والإجلال والإكرام، والرجاء والخوف، حتى قال لهم‏:‏ ‏(‏لا تقولوا‏:‏ ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا‏:‏ ما شاء الله ثم شاء محمد‏)‏ ، وقال له رجل‏:‏ ما شاء الله وشئت‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أجعلتنى لله ندا ‏؟‏ بل ما شاء الله وحده‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏من كان حالفاً فَلْيَحْلِفْ بالله أو لِيصْمُتْ‏)‏، وقال ‏:‏‏(‏من حلف بغير الله فقد أشرك‏)‏، وقال لابن عباس‏:‏‏(‏إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله، جَفَّ القلم بما أنت لاقٍ، فلو جهدت الخليقة على أن تنفعك لم تنفعك إلا بشىء كتبه الله لك، ولو جهدت أن تضرك لم تضرك إلا بشىء كتبه الله عليك‏)‏‏!‏ وقال أيضاً‏:‏ ‏(‏لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، وإنما أنا عبد فقولوا‏:‏ عبد الله ورسوله‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏اللهم لا تجعل قبرى وثَنًا يُعْبَد‏)‏ ، وقال‏:‏ ‏(‏لا تتخذوا قبرى عيداً، وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم‏)‏ ، وقال فى مرضه‏:‏ ‏(‏لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور / أنبيائهم مساجد‏)‏ يحذر ما صنعوا، قالت عائشة‏:‏ ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً‏.‏ وهذا باب واسع ‏.‏
ومع علم المؤمن أن الله رب كل شىء ومليكه، فإنه لا ينكر ما خلقه الله من الأسباب، كما جعل المطر سبباً لإنبات النبات، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 164 ‏]‏، وكما جعل الشمس والقمر سببا لما يخلقه بهما، وكما جعل الشفاعة والدعاء سبباً لما يقضيه بذلك، مثل صلاة المسلمين على جنازة الميت، فإن ذلك من الأسباب التى يرحمه الله بها، ويثيب عليها المصلين عليه، لكن ينبغى أن يعرف فى الأسباب ثلاثة أمور ‏:‏
أحدهما‏:‏ أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لابد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع‏.‏ فإذا لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع، لم يحصل المقصود، وهو ـ سبحانه ـ ما شاء كان ـ وإن لم يشأ الناس ـ وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله ‏.‏
الثانى‏:‏ ألا يجوز أن يعتقد أن الشىء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم أو يخالف الشرع، كان مبطلاً، مثل من يظن أن النذر سبب فى دفع البلاء وحصول النعماء‏.‏ وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه نهى عن النذر وقال‏:‏ ‏(‏إنه لا يأتى بخير وإنما يستخرج به من البخيل‏)‏‏.‏
الثالث‏:‏ أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شىء سبباً إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله، فيدعو غيره ـ وإن ظن أن ذلك سبب فى حصول بعض أغراضه ـ / وكذلك لا يُعْبَد الله بالبِدَع المخالفة للشريعة ـ وإن ظن ذلك ـ فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراض الإنسان، فلا يحل له ذلك؛ إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به؛ إذ الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما أمر الله به فمصلحته راجحة، وما نهى عنه فمفسدته راجحة، وهذه الجمل لها بسط لا تحتمله هذه الورقة، والله أعلم ‏.‏
/ وسئل ـ رحمه الله ‏:‏
قال السائل‏:‏ إن الله يسمع الدعاء بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه الوسيلة والواسطة ‏.‏
فأجاب ‏:‏
الحمد لله، إن أراد بذلك أن الإيمان بمحمد، وطاعته، والصلاة والسلام عليه وسيلة للعبد فى قبول دعائه وثواب دعائه فهو صادق، وإن أراد أن الله لا يجيب دعاء أحد حتى يرفعه إلى مخلوق، أو يقسم عليه به، أو أن نفس الأنبياء بدون الإيمان بهم وطاعتهم وبدون شفاعتهم وسيلة فى إجابة الدعاء، فقد كذب فى ذلك‏.‏ والله أعلم‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-08-2014, 07:11 AM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
/ وسئل شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى‏:‏
هل يجوز التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم أم لا ‏؟‏
فأجاب ‏:‏
الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته، والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك، مما هو من أفعاله، وأفعال العباد المأمور بها فى حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين، وكان الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ يتوسلون به فى حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه، كما كانوا يتوسلون به ‏.‏
وأما قول القائل‏:‏ اللهم إنى أتوسل إليك به‏.‏ فللعلماء فيه قولان، كما لهم فى الحلف به قولان‏.‏ وجمهور الأئمة ـ كمالك والشافعى وأبي حنيفة ـ على أنه لا يسوغ الحلف بغيره من الأنبياء والملائكة‏.‏ ولا تنعقد اليمين بذلك باتفاق العلماء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى تنعقد اليمين به خاصة دون غيره؛ ولذلك قال أحمد فى منسكه الذى كتبه للمروذى ‏[‏أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذى، صاحب الإمام أحمد، حدث عن أحمد بن حنبل ولازمه وعن هارون بن معروف ومحمد بن منهال وروى عنه أبو بكر الخلال وعبد الله الخرقى، ولد فى حدود المائتين، وتوفى سنة خمس وسبعين ومائتين‏.‏ ‏[‏ سير أعلام النبلاء 13 / 173-175 ‏]‏ صاحبه‏:‏ إنه يتوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم فى دعائه، ولكن غير أحمد قال‏:‏ إن هذا إقسام على الله به، ولا يقسم على الله بمخلوق، وأحمد فى إحدى الروايتين قد جوز القسم به، فلذلك جوز التوسل به ‏.‏
ولكن الرواية الأخرى عنه ـ هى قول جمهور العلماء ـ أنه لا يقسم به، / فلا يقسم على الله به كسائر الملائكة والأنبياء، فإنا لا نعلم أحداً من السلف والأئمـة قال‏:‏ إنه يقسم به على الله كما لم يقولوا‏:‏ إنه يقسم بهم مطلقا؛ ولهذا أفتى أبو محمد بن عبد السلام‏:‏ أنه لا يقسم على الله بأحد من الملائكة والأنبياء وغيرهم، لكن ذكر له أنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث فى الإقسام به فقال‏:‏ إن صح الحديث كان خاصاً به، والحديث المذكور لا يدل على الإقسام به، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من كان حالفاً فليحلف بالله وإلا فليصمت‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏من حلف بغير الله فقد أشرك ، والدعاء عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع‏.‏ والله أعلم ‏.‏
/ وقال شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له‏.‏ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، أرسله بين يدى الساعة بشيراً ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغى، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد فى الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما ‏.‏
ففرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وطريق أهل الجنة وطريق أهل النار، وبين أوليائه وأعدائه‏.‏ فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله ‏.‏
وقد أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس، فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما جاء به ويتبعه فى باطنه وظاهره‏.‏ والإيمان به ومتابعته هو سبيل الله، وهو دين الله، / وهو عبادة الله، وهو طاعة الله، وهو طريق أولياء الله، وهو الوسيلة التى أمر الله بها عباده فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ‏}‏ ‏[‏ المائدة‏:‏ 35‏]‏‏.‏ فابتغاء الوسيلة إلى الله إنما يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد واتباعه ‏.‏
وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد، باطناً وظاهراً، فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته، فى مشهده ومغيبه، لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق فى حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه، ولا بعذر من الأعذار‏.‏ ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته ‏.‏
وهو صلى الله عليه وسلم شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذى يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدراً وأعلاهم جاها عند الله، وقد قال تعالى عن موسى‏:‏ ‏{‏وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا‏}‏ ‏[‏ الأحزاب‏:‏ 69 ‏]‏ ، وقال عن المسيح‏:‏‏{‏وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏45‏]‏‏.‏ ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم جاها من جميع الأنبياء والمرسلين، لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه، كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ بدعائه وشفاعته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما ‏.‏
ولفظ التوسل فى عرف الصحابة كانوا يستعملونه فى هذا المعنى‏.‏ والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به فالكفار والمنافقون لا تغنى عنهم شفاعة الشافعين فى الآخرة‏.‏
/ولهذا نهى عن الاستغفار لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار، ونهى عن الاستغفار للمنافقين وقيل له‏:‏ ‏{‏سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 6 ‏]‏، ولكن الكفار يتفاضلون فى الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان فى الإيمان، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏ 37 ‏]‏ ‏.‏
فإذا كان فى الكفار من خف كفره بسبب نصرته ومعونته، فإنه تنفعه شفاعته فى تخفيف العذاب عنه لا فى إسقاط العذاب بالكلية، كما في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب أنه قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، فهل نفعت أبا طالب بشىء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك ‏؟‏ قال ‏:‏‏(‏نعم هو فى ضحْضاح من نار، ولولا أنا لكان فى الدرْك الأسفل من النار‏)‏، وفى لفظ‏:‏ إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم، وجدته فى غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح‏)‏، وفيه عن أبى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال‏:‏ ‏(‏لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار يبلغ كعْبيه يغلى منهما دماغه‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار يغلى منهما دماغه‏)‏‏.‏
وكذلك ينفع دعاؤه لهم بألا يُعجل عليهم العذاب فى الدنيا كما كان صلى الله عليه وسلم يحكى نبياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول‏:‏ ‏(‏اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون‏)‏‏.‏ وروى أنه دعا بذلك أن اغفر لهم فلا تعجل عليهم العذاب فى الدنيا؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ ‏[‏ فاطر‏:‏ 45‏]‏‏.‏
/ وأيضا، فقد يدعو لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه أو يرزقه، كما دعا لأم أبى هريرة حتى هداها الله، وكما دعا لدوس فقال‏:‏ ‏(‏اللهم اهـد دوسـاً وائت بهم‏)‏، فهداهم الله، وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين لما طلبوا منه أن يستسقى لهم، فاستسقى لهم، وكان ذلك إحسانا منه إليهم يتألف به قلوبهم كما كان يتألفهم بغير ذلك ‏.‏
وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاهاً عند الله، لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته، لكن دعاء الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم، فإن الإيمان بهم وطاعتهم يوجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب مطلقاً وعاماً، فكل من مات مؤمنا بالله ورسوله مطيعاً لله ورسوله كان من أهل السعادة قطعاً، ومن مات كافراً بما جاء به الرسول كان من أهل النار قطعاً ‏.‏
وأما الشفاعة والدعاء فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ـ ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهاً ـ فلا شفيع أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له، كما قال تعالى عنه‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ‏}‏ ‏[‏ إبراهيم‏:‏ 41‏]‏، وقد كان صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبى طالب اقتداء بإبراهيم وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏ 113‏]‏ ‏.‏
ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏‏:‏ 114، 115‏]‏، وثبت فى صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يلْقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم‏:‏ ألم أقل لك‏:‏ لا تعصنى ‏؟‏ فيقول له أبوه‏:‏ فاليـوم لا أعصيك‏.‏ فيقول إبراهيم‏:‏ يا رب، أنت وعدتنى ألا تُخْزنى يوم يُبْعثون، وأي خزْى أخْزى من أبى الأبعد ‏؟‏ فيقول الله عز وجل‏:‏ إنى حرمتُ الجنة على الكافرين، ثم يقال‏:‏ انظر ما تحت رجليك، فينظر فإذا هو بذيخ مُتلطخ ‏[‏الذيخ‏:‏ ذكر الضباع ، وأراد بالتلطخ‏:‏ التلطخ برجيعه أو بالطين‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 2 / 174‏]‏، فيؤخذ بقوائمه فيلقى فى النار‏)‏، فهذا لما مات مشركا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال تعالى للمؤمنين‏:‏ ‏{‏قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏ الممتحنة‏:‏ 4، 5 ‏]‏‏.‏ فقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه، إلا فى قول إبراهيم لأبيه‏:‏ ‏{‏لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ‏}‏ فإن الله لا يغفر أن يشرك به ‏.‏
وكذلك سيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم ، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة؛ أن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏استـأذنت ربـى أن أستغفر لأمـى فلم يأذن لــى، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لى‏)‏‏.‏ وفى رواية‏:‏ أن النبى صلى الله عليه وسلم / زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال‏:‏ ‏(‏استأذنتُ ربى أن أستغفر لأمى فلم يأذن لى، واستأذنته فى أن أزور قبرها فأذن لى، فزروا القبور، فإنها تُذكر الموت‏)‏‏.‏ وثبت عن أنس فى الصحيح أن رجلا قال ‏:‏يا رسول الله، أين أبى ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فى النار‏)‏، فلما قفى دعاه فقال ‏:‏‏(‏إن أبى وأباك فى النار‏)‏‏.‏ وثبت أيضاً فى الصحيح عن أبى هريرة‏:‏ لمــا أنزلت هذه الآية‏:‏‏{‏وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 214‏]‏ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فاجتمعوا فعم وخص فقال‏:‏ ‏(‏يا بنى كعب ابن لؤى، انقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا بنى مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا بنى عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا بنى عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا فاطمة، أنقذى نفسك من النار ، فإنى لا أملك لكم من الله شيئاً ، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها ‏[‏أى أصلكم فى الدنيا، ولا أُغنى عنكم من الله شيئاً، والبلال جمع بلل، وقيل‏:‏ هو كل ما بل الحلق من ماء أو لبن أو غيره، انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 1 / 351 ‏]‏‏)‏ ، وفى رواية عنه‏:‏ ‏(‏يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإنى لا أغنى عنكم من الله شيئاً‏.‏ يا بنى عبد المطلب، لا أغنى عنكم من الله شيئاً‏.‏ يا عباس بن عبد المطلب، لا أغنى عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئاً‏.‏ يا فاطمة بنت رسول الله، سلينى من مالى ما شئت ، لا أغنى عنك من الله شيئا‏)‏‏.‏ وعن عائشة لما نزلت‏:‏ ‏{‏وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏}‏ ‏[‏ الشعراء‏:‏214‏]‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا‏.‏ سلونى من مالى ما شئتم‏)‏‏.‏
وعن أبى هريرة قال‏:‏ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً ذات يوم فذكر الغُلُول فعظمه وعظم أمره ثـم قـال‏:‏ ‏(‏لا أُلْفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير لهُ رُغاء ‏[‏الرغاء‏:‏ صوت الإبل‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 2 / 240‏]‏ يقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئاً / قد أبلغتك‏.‏ لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له حمْحمة ‏[‏الحمحمة‏:‏ صوت الفرس دون الصهيل‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 1 / 436‏]‏ فيقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى ‏.‏فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك‏.‏ لا ألفـين أحــدكم يجىء يــوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء ‏[‏الثغاء‏:‏ صياح الغنم‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 1 / 214‏]‏، فيقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك‏.‏ لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق ‏[‏أراد بالرقاع‏:‏ ما عليه من الحقوق المكتوبة فى الرقاع، وخفوقها‏:‏ حركتها‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 2/ 251‏]‏‏.‏ فيقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى‏.‏ فأقول‏:‏لا أملك لك شيئا قد أبلغتك‏.‏لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت ‏[‏صامت‏:‏ يعنى الذهب والفضة، خلاف الناطق وهو الحيوان‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 3 / 52‏]‏‏.‏ فيقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك ‏(‏أخرجاه فى الصحيحين ، وزاد مسلم‏:‏ ‏(‏لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح‏.‏ فيقول‏:‏ يا رسول الله، أغثنى، فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك‏)‏‏.‏ وفى البخارى عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ولا يأتى أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يُعار ‏[‏ اليُعار‏:‏ صياح الشاة‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 5 / 297‏]‏‏.‏ فيقول‏:‏ يا محمد، فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئاً، قد بلغت‏.‏ ولا يأتى أحدكم ببعير يحمله على رقبته له رُغاء فيقول‏:‏ يا محمد، فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئاً، قد بلغت‏)‏‏.‏ وقوله هنا صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا أملك لك من الله شيئا‏)‏ كـقول إبـراهيـم لأبيـه‏:‏ ‏{‏لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏ الممتحنة‏:‏ 4‏]‏‏.‏
وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهى نافعة فى الدنيا والدين باتفاق المسلمين، وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة فى زيادة الثواب ورفع الدرجات متفق عليها بين المسلمين‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن بعض أهل البدعة ينكرها ‏.‏
وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء‏:‏ من يدخل النار لا يخرج منها / لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثم إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم فى الشخص الواحد ثواب وعقاب‏.‏ وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم، فيقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الله يخرج من النار قوماً بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويخرج آخرين بشفاعة غيره، ويخرج قوماً بلا شفاعة ‏.‏
واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 48‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 123 ‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{‏مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 254 ‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{‏مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يطاع‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 18 ‏]‏، وبقوله‏:‏ ‏{‏فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ‏}‏ ‏[‏ المدثر‏:‏ 48‏]‏‏.‏
وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان‏:‏
أحدهما‏:‏ أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى فى نعتهم‏:‏ ‏{‏مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ‏}‏ ‏[‏ المدثر‏:‏42‏:‏ 48 ‏]‏، فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفاراً ‏.‏
والثانى‏:‏ أنه يراد بذلك نفى الشفاعة التى يثبتها أهل الشرك، ومن شابههم من أهل البدع، من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل / المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة، وكما يعامل المخلوق المخلوق بالمعاوضة ‏.‏
فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون‏:‏ هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصّهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم، فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة‏.‏
فأنكر الله هذه الشفاعة فقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏ البقرة‏:‏ 255 ‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 26 ‏]‏، وقال عن الملائكة‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ‏}‏ ‏[‏ الأنبياء‏:‏26‏:‏ 28 ‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏[‏ سبأ‏:‏ 22، 23‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 18 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 51 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 4‏]‏، / وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 86‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏94‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ َسْتَبْشِرُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 43‏:‏ 45 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا َمْسًا يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا‏}‏ ‏[‏ طه‏:‏ 108، 109 ‏]‏، وقال صاحب يس‏:‏ ‏{‏وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 22 ـ 25 ‏]‏ ‏.‏
فهذه الشفاعة التى أثبتها المشركون للملائكة والأنبياء والصالحين حتى صوروا تماثيلهم وقالوا‏:‏ استشفاعنا بتماثيلهم استشفاع بهم، وكذلك قصدوا قبورهم وقالوا‏:‏ نحن نستشفع بهم بعد مماتهم ليشفعوا لنا إلى الله، وصوَّروا تماثيلهم فعبدوهم كذلك، وهذه الشفاعة أبطلها الله ورسوله وذم المشركين عليها وكفرهم بها‏.‏ قال الله تعالى عن قوم نوح‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضلالا‏}‏ ‏[‏ نوح‏:‏ 23، 24 ‏]‏ قال ابن عباس وغيره‏:‏ هؤلاء قوم صالحون كانوا فى قوم نوح، فلما ماتوا عَكَفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم، وهذا مشهور فى كتب التفسير والحديث /وغيرها كالبخارى وغيره، وهذه أبطلها النبى صلى الله عليه وسلم وحسم مادتها وسد ذَرِيعتها، حتى لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى فيها، وإن كان المصلى فيها لا يستشفع بهم، ونهى عن الصلاة إلى القبور وأرسل على بن أبى طالب فأمره ألا يدع قبراً مُشْرفًا إلا سَوَّاه، ولا تمثالا إلا طَمَسَه ومَحَاه، ولعن المصورين‏.‏ وعن أبى الهياج الأسدى، قال لى على بن أبى طالب‏:‏ لأبعثك على ما بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته‏.‏ وفى لفظ‏:‏ ولا صورة إلا طمستها‏.‏ أخرجه مسلم‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عليقات لاذعة ونوادر من قلب الثورة الليبية عطر الباديه ثقف نفسك مع ثقافات العالم 6 03-11-2011 07:21 PM
بوادر الندم على المشتركين و بوادر الفشل لبرنامج قسمة و نصيب جوزيفين ستار اكاديمي 1 2 3 4 5 6 7 8 Star Academy 14 06-03-2007 02:35 PM
حكم ونوادر رؤوم القلب المنتدى العام - نقاشات و حوارات جادة هادفة 0 05-22-2004 04:47 PM
حكم ونوادر محامي العدالة خواطر , عذب الكلام والخواطر 0 05-20-2004 03:06 PM

الساعة الآن 11:17 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103