تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات ادبيه وفكريه وثقافيه > التاريخ والحضارة القديمة والتراث > قسم الوثائق والصور والحرف والتراث

قسم الوثائق والصور والحرف والتراث قسم الوثائق والصور والحرف والتراث

بحر الدموع .. قراءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-05-2014, 05:55 PM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ADS
بحر الدموع .. قراءة








بحر الدموع .. قراءة


بحر الدموع .. قراءة



بحر الدموع
أحد كتب الرقائق والوعظ، تميز فيه مصنفه بأسلوب شيق يمس شغاف القلب، حيث أورد فيه قصصًا تبكي العيون وتحرك القلوب، وصنفه على فصول. وتكلم فيه على أمور من المحرمات وذمها وشنع على فاعليها. وهو كتاب يحث على ذكر الله بالتوبة والندم ويجعل منهما سببًا في كشف الغم، ودفع البلاء، وجلب السعادة. وطعمه المؤلف بآيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ونتفًا من الأشعار، كما ضمنه كثيرًا من أقوال السلف من الزهاد والعباد، ويفيد الكتاب الخطباء والوعاظ كثيرًا.

ابن الجوزي

عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي أبو الفرج، علامة عصره في التاريخ والحديث، ولد ببغداد سنة (508 هـ) ونسبته إلى (مشرعة الجوز) من محالها. كثير التصانيف، له نحو ثلاثمائة مصنف، وتوفي سنة (597 هـ).
سيرة ابن الجوزي

=============
الشمائل المحمدية كتاب .. قراءة
الرحيق المختوم .. قراءة
الطب النبوي.. قراءة
الشفا بتعريف حقوق المصطفى.. قراءة

زاد المعاد في هدي خير العباد.. قراءة
الأدب المفرد .. قراءة
صحيح البخاري.. قراءة
صحيح مسلم.. قراءة
السنن الكبرى.. النسائي.. قراءة
مسند الأمام أحمد .. قراءة
مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ
مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
المنتقى من عمل اليوم والليلة.. قراءة
القول المفيد على كتاب التوحيد.. قراءة
معارج القبول إلى علم الأصول.. قراءة
النهاية في الفتن والملاحم.. قراءة
تاريخ الرسل والملوك.. قراءة
الجواب الكافي لمن سأل قراءة
الفوائد لابن القيم.. قراءة
غذاء الألباب لمنظومة الآداب.. قراءة
بحر الدموع .. قراءة
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم.. قراءة
الاستيعاب في معرفة الأصحاب قراءة
أسد الغابة في معرفة الصحابة .. قراءة
البداية والنهاية .. قراءة
مجموع فتاوى ابن تيمية .. قراءة
الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة قراءة
أضواء البيان في إيضاح القرآن .. قراءة
كشف الأسرار وتبرئة الأئمة الأطهار.. قراءة
لسان العرب .. قراءة
منظومة السبل السوية قراءة
المسند الجامع.. قراءة
الطبقات الكبرى.. قراءة
العباب الزاخر واللباب الفاخر.. قراءة

جامع الرسائل لابن تيمية
أحكام القرآن قراءة
أحكام القرآن للطحاوي
أحكام القرآن ابن العربي
أحكام القرآن.. الشافعي
معجم مقاييس اللغة قراءة
معاجم اللغة العربية.. قراءة
المغني لابن قدامة قراءة

كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز

كتاب الزكاة
كتاب الصيام

كتاب الحج
عمدة الأحكام شرح السحيم

البرهان في علوم القرآن.. قراءة
الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة.. قراءة



محمد بن صالح العثيمين
صفي الرحمن المباركفوري
الإمام ابن قيم الجوزية
الإمام ابن كثير
الشيخ حافظ الحكمي

القاضي عياض
شيخ الإسلام ابن تيميه
الطبري
ابن عون السفاريني
ابن الجوزي
أم العفاف الصديقة

الفيروزآبادي

الصغاني
ابن الأثير

ابن منظور
ابن فارس
الجوهري
ابن جني

سيبويه
ابن سيده
الخليل بن أحمد
عمرو بنِ كُلثوم
قيس بن الخطيم
المرقش الاكبر
لبيد بن ربيعة
الأعشى الأكبر
الاصمعي
ابن عطية
أبو عثمان المازني

علماء اللغة العربية (1)
بن رجب الحنبلي

ابن حجر العسقلاني
ابن عبد البر
ابن سعد
قـيس بـن ذريـح
عبد الله بن المبارك
الخنسـاء
الحطيئة
الأخطـل الكـبير
قيس بن الملوح
ابن فارس اللغوي
الإمام ابن قدامة

الإمام الزركشي

مقرن بن عبد العزيز




الهجرة النبوية إلى المدينة
قريش تعقد اجتماعها في دار الندوة
مشاهد وصور من الهجرة
الأنصار وبيعة العقبة الثانية
الأنصار وبيعة العقبة الأولى
المستجيبون للدعوة من غير أهل مكة
عرض الدعوة الإسلامية على القبائل

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
أوائل المهاجرين من الصحابة
منعطف التاريخ .. الهجرة النبوية
بنو قينقاع ـ من صفحات اليهود
غزوة الأحزاب.. معجزات
قتل خالد الهذلي.. فوائد وحكم
عبرة من مصارع الطغاة في بدر

غزوة بني المصطلق (المريسيع)

الجلاء الأول لليهود "بنو قينقاع"

الجلاء الثاني لليهود (بني النضير)
الجلاء الثالث لليهود ( بني قريظة )
الغزوات والسرايا قبل بدر
تحويل القِبْلة دروس وعبر
علي طريق الهجرة

بناء المسجد النبوي


من نتائج الهجرة
قيام الدولة الإسلامية

دروس من غزوة أحد
صلح الحديبية دروس
حادثة الإفك دروس
ذات الرقاع.. دروس
غزوة الخندق.. دروس
الأحداث عقب أحد

الغزوات قبل بدر
السرايا قبل بدر
تشريع الجهاد
صحيفة المدينة
الله أعْلَى وأجَّل
أطلقوا ثمامة
غزوة بني لِحْيان
غزوة بني النضير
أبو جَندل
أبو بصير

حمراء الأسد
بدر الثانية

مشاهد من بدر
غزوة بدر
قضية الأسرى

غزوة الخندق
عبقريّة التفكير

تأملات في بدر
قصة الإفك

غزوة أحد
دومة الجندل
بين المحنة والمنحة

أحداث ذات الرقاع
فوائد من غزوة أحد
الغزوات قبل أحد
مشاهد من حمراء الأسد

السرايا بعد غزوة أحد
فجيعة يوم الرجيع

خطر من الشمال
بيعة الرضوان
مقتل ابن أبي الحقيق
وقفة مع إسلام عكرمة

فقه السنن المروية
وقفة مع عام الوفود
التعبد في غار حراء

عمرة القضاء فوائد وحِكم
معركة مؤتة
حجة الوداع
بعث أسامة إلى مشارف الشام
بل الرفيق الأعلى




=================
=================















القرآن الكريمالروافضخطب ودروسصفة الصلاةما تودُ وتسألُ ؟
مكتبـــة القرآندليل الأعشابقواعد قرآنيةكنز الأعلام الأدوات في اللغة ؟
من التاريخرحلة أمـواج (4)مكتبة بحرجديدجواهر ودرر مجالس رمضان ؟
أروع امرأةفي مدح الرسولتأملات تربويةروابط ممتعــةرحلة الحج ؟
كتاب الطهارة كتاب الصلاةكشكولخير جليسالسيـرة النبوية ؟
سوريا الأبية عقائد وحقائق إعصارُ حزنٍعاشقة الورد قد ينفذ صبـري ؟
الاداب الشرعية تجميع العطاء فضائل خُلقت فريداًأعمال القلوب ؟
سطور لابن القيممحاسن الأخلاقوطن الشموخ الأسماكشخصيتك هنا ؟
اختبار الذكاء أنهار العالمإيـــداع قلبأيُ قلبٍ تملكيهِالست من شوال ؟
ثقافات صادووه ح(1) قطوف بلاد الشامالنمل أسرار ؟
شمائل محمدية عاشوراء تحديد مستوى (Quote) الصحابة ؟
العيد ذكــــرى السرطان ملف الخيل العربية جسم الإنسان (2013 ) ؟
السنن الكبرى زاد المعاد الاستيعاب المنتقى القول المفيد ؟
أسد الغابة
مسند أحمد الطب النبوي معارج القبول البداية والنهاية ؟
العباب الزاخر
جامع الرسائل أحكام القرآن مقاييس اللغة أعضاء موقوفون ؟
وسام.. إعدام
6 6 6 6 ؟
معاجم اللغة
عمدة الأحكام الفكر الصوفي المغني البرهان للزركشي ؟
نظم السبل السوية
لله ثم للتاريخ لسان العرب المسند الجامع الطبقات الكبرى ؟
صحيح البخاري
الفقه الميسر الإتصال مجاني أضواء البيان صحيح مسلم ؟
الفوائد
غذاء الألباب بحر الدموع الملوك والأمم فتاوى ابن تيمية ؟
الرحيق المختوم
حقوق المصطفى الفتن والملاحم تاريخ الطبري الجواب الكافي ؟




قال النبي صلى الله عليه وسلم : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا.. وقال صلى الله عليه وسلم: أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإنّ أحدَكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفَه.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام بعشرِ آياتٍ لم يُكتَب من الغافلين ، ومن قام بمائة آيةٍ كُتِبَ من القانتين ، ومن قام بألف آيةٍ كُتِبَ من المُقَنْطَرِينَ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رَحِمَ الله أمرأً صلى قبل العصر أربعاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى في اليوم والليلة أثني عشرة ركعةً تطوعاً ، بنى الله له بيتاً في الجنة.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُعجزُ أحدكم ، أن يكسِبَ كل يومٍ ألف حسنةٍ ؟ يسبح الله مائة تسبيحةٍ، فيكتُبُ اللهُ له بها ألف حسنةٍ ، أو يحُطُّ عنهُ بها ألف خطيئةٍ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكَّل به: آمين ولك بمثله.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذبَّ عن عِرْضِ أخيه بالغَيْبة ، كان حقاً على اللهِ أن يُعْتِقَهُ من النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان سهلاً هيناً ليناً ، حرَّمه الله على النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الجنَّة غُرفاً يُرى ظاهرُها منْ باطنِها ، وباطنُها من ظاهرِها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعمَ الطَّعامَ ، وألانَ الكلامَ ، وتابع الصِّيامَ ، وصلى بالليلِ ، والناسُ نيام.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عاد مريضاً ، أو زار أخاً له في الله ، ناداه منادٍ :أن طبتَ وطابَ ممشاكَ ، وتبوَّأتَ من الجنةِ منزلاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمنْ وجَدَ في صحيفتِهِ استِغفاراً كثيراً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استَغْفرَ للمؤمنينَ والمؤمناتِ ، كتبَ الله له بكلِّ مُؤمنٍ ومؤمنةٍ حسنة.
=============
اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب.







التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 04-01-2014 الساعة 02:18 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 10:17 PM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الفقيه الإمام العابد أبو محمد عبدالرحمن بن علي الجوزي، رحمه الله تعالى ورضي عنه بمنّه وكرمه‏:‏
الحمد لله الذي اخترع الأشياء بلطيف قدرته، وبديع صنعته، فأحسن فيما اخترع، وأبدع الموجودات على غير مثال، فلا شريك له فيما ابتدع، ألف بين اللطيف والكثيف من أعداد آحاد الجوهر وجمع، ليقرّ له بالوحدانية، ويستدلّ على وجود الصانع بما صنع، فالعارفون واقفون تحت مطارف اللطائف بأقبية أبنية التوبة والورع، ليس لقلوبهم مجال في ميدان الكبرياء على أن حماه رحب متسع، فهم إن مالوا إلى نيل مطلوبهم، ردّهم قهر إلهيبة إلى مفاوز الخوف والجزع، وإن همّوا بالذهاب عن الباب، عاقهم قيود الغيب، فعز عليهم الرجوع وامتنع‏.‏
فمنهم كاتم محبته *** قد كف شكوى لسانه وقطع
ومنهم بائح يقول إذا *** لام عذول ذر الملام ودع
أليس قلبي محل محنته *** وكيف يخفى ما فيه وهو قطع
أين المحبون والمحب لهم *** وأين من شتت الهوى وجمع
لهم عيون تبكي فوا عجبًا *** لجفن صبّ إذا هما ودمع
قد حرّموا النوم والمتيم لا *** هجوعًا إذا الخلي هجع
بالباب يبكون والبكاء إذا *** كان خليّا من النفاق نفع
تشفع فيهم دموعهم وإذا *** شفع دمع المتيمين شفع
فبينما هم حيارى بين الخوف والجزع، سكارى من شراب اليأس والطمع، إذ بزغ عليهم قمر السعادة من فلك الإرادة في جوانب قلوبهم ولمع، وأفيض عليهم من ملابس سنادس الاستيناس والبسط خلع، لكل خلعة علمان من الإيمان، ما زيّن بهما بشر، إلا ارتفع، رقم العلم الأيمن‏:‏ ‏{‏سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى‏}‏ ‏[‏الأنبياء 101‏]‏، ورقم العلم الأيسر‏:‏ ‏{‏لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ‏}‏ ‏[‏الأنبياء 103‏]‏، فسبحان من يتوب على الجاني، ويقبل العاصي إذا تاب إليه ورجع‏.‏
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من أقرّ له بالوحدانية، واعترف له بالربوبية?والألوهية، ولعز جلاله وجماله قد خضع‏.‏
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي سنّ السنن، وبيّن الفرائض، وشرع الأعياد والجُمع، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما ركد الماء ونبع، وظهر في ميدان سطح السماء نجم وطلع، وسلم تسليمًا كثيرًا‏.‏
قال الله العظيم‏:‏ ‏{‏وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏الذاريات 55‏]‏، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏قال الله تبارك وتعالى‏:‏ أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه، وإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن تقرّب اليّ شبرًا تقرّبت منه ذراعًا، وإن تقرّب إليّ ذراعًا، تقرّبت منه باعًا، وإن أتاني مشيًا، أتيته هرولة‏"‏ ‏[‏رواه مسلم حديث رقم 2675‏]‏‏.‏
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من عجز منكم عن الليل أن يكابده، وجبن عن العدو أن يقاتله، وبخل بالمال أن ينفقه، فليكثر ذكر الله تعالى‏)‏‏.‏ ‏[‏صحيح بشواهد منه من حديث ابن مسعود‏]‏‏.‏
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه‏:‏ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مسجد المدينة، فقال‏:‏ ‏(‏إن لله تعالى سرايا من الملائكة تجول، وتقف على مجالس الذكر في الأرض، فإذا رأيتم رياض الجنة، فارتعوا‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ وما رياض الجنة يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏مجالس الذكر، اغدوا وروحوا في ذكر الله تعالى، ومن كان يحبّ أن يعلم منزلته عند الله تعالى، فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإن الله ينزل العبد حيث أنزله من نفسه‏)‏‏.‏ ‏[‏صححه الحاكم في المستدرك، وضعفه الذهبي في التلخيص‏]‏‏.‏
وقال عبد الله بن بسر‏:‏ أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله، إن شرائع الإسلام كثرت عليّ فأمرني بشيء أتشبث به، فقال‏:‏ ‏(‏لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله تعالى‏)‏ ‏[‏رواه الترمذي 3375، وابن ماجه وصححه ابن حبان‏]‏‏.‏
وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من يوم إلا وبقاع الأرض تنادي بعضًا بعضًا‏:‏ يا جارة، هل جاز عليك اليوم ذاكرًا لله تعالى‏)‏ ‏[‏رواه ابن المبارك في الزهد‏]‏‏.‏
إخواني، إذا صعدت الملائكة من مجالس الذكر، قال المولى جل علاه‏:‏ ‏(‏يا ملائكتي، أين كنتم، وهو أعلم، فيقولون‏:‏ يا ربنا، أنت أعلم، كنا عند عبادك يسبّحونك ويقدّسونك ويعظمونك ويمجّدونك ويسألونك ويستغفرونك ويستعيذونك، فيقول‏:‏ يا ملائكتي، وما الذي طلبوا‏؟‏ ومما استعاذوا‏؟‏ فيقولون‏:‏ يا ربنا أنت أعلم، طلبوا الجنة، واستعاذوا من النار، فيقول‏:‏ يا ملائكتي، اشهدوا إني قد أعطيتهم ما طلبوا، وأمنتهم مما خافوا، وأدخلهم الجنة برحمتي‏)‏‏.‏ ‏[‏مسلم 632‏]‏‏.‏
وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى يقول‏:‏ ‏(‏عبدي اذكرني ساعة بالغداة وساعة بالعشيّ، أكفك ما بينهما‏)‏‏.‏
وفي بعض الكتب المنزلة أن الله تبارك وتعالى يقول‏:‏ يا ابن آدم ما أجبرك‏!‏ تسألني، فأمنعك لعلمي بما يصلحك، ثم تلح عليّ في المسألة، فأجود برحمتي وكرمي عليك، فأعطيك ما سألتني، فتستعين بما أعطيك على معصيتي، فأهمّ بهتك سترك، فكم من جميل أصنعه معك، ومن من قبيح تعمله معي‏.‏ يوشك أن أغضب عليك غضبة لا أرضى بعدها أبدًا‏.‏
وفي بعض الكتب المنزلة أيضا‏:‏ يقول الله تبارك وتعالى‏:‏ عبدي، إلى كم تستمر على عصياني، وأنا غذيتك برزقي واحساني، أما خلقتك بيدي‏؟‏ أما نفخت فيك من روحي‏؟‏ أما علمت فعلي بمن أطاعني، وأخذي لمن عصاني‏؟‏ أما تستحي تذكرني في الشدائد وفي الرخاء تنساني‏؟‏ عين بصيرتك أعماها الهوى‏.‏ قل لي بماذا تراني‏؟‏ هذا حال من لم تؤثر فيه الموعظة، فإلى كم هذا التواني‏؟‏ إن تبت من ذنبك، آتيتك أماني‏.‏ اترك دارًا صفوها كدر، وآمالها أماني‏.‏ بعت وصلي بالدون، وليس لي في الوجود ثاني‏.‏ ما جوابك إذا شهدت عليك الجوارح بما تسمع وترى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا‏}‏ ‏[‏آل عمران 30‏]‏‏.‏
وأنشدوا‏:‏
تعصي الإله وأنت تدعي حبه *** هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع
قال مالك بن دينار‏:‏ دخلت على جار لي وهو في الغمرات يعاني عظيم السكرات، يغمى عليه مرة، ويفيق أخرى، وفي قلبه لهيب الزفرات، وكان منهمكًا في دنياه، متخلفًا عن طاعة مولاه، فقلت له‏:‏ يا أخي، تب إلى الله، وارجع عن غيّك، عسى المولى أن يشفيك من ألمك، ويعافيك من مرضك وسقمك، ويتجاوز بكرمه عن ذنبك‏.‏ فقال‏:‏ هيهات هيهات‏!‏ قد دنا ما هو آت، وأنا ميّت لا محالة، فيا أسفي على عمر أفنيته في البطالة‏.‏ أردت أن أتوب مما جنيت، فسمعت هاتفًا يهتف من زاوية البيت‏:‏ عاهدناك مرارًا فوجدناك غدارًا‏.‏
نعوذ بالله من سوء الخاتمة، ونستغفره من الذنوب المتقادمة‏.‏
?يا أخي أقبل على قبلة التوجه إلى مولاك، وأعرض عن مواصلة غيّك وهواك وواصل بقية العمر بوظائف الطاعات، واصبر على ترك عاجل الشهوات، فالفرار أيها المكلف كل الفرار من مواصلة الجرائم والأوزار، فالصبر على الطاعة في الدنيا أيسر من الصبر على النار‏.‏
وأنشدوا‏:‏
أمولاي إني عبد ضعيف *** أتيتك أرغب بما لديك
أتيتك أشكو مصاب الذنوب *** وهل يشتكى الضر إلا إليك
فمنّ بعفوك يا سيّدي *** فليس اعتمادي إلا عليك
قال بعض السادة الأخيار لولده لما حضرته الوفاة‏:‏ يا بنيّ، اسمع وصيتي، واعمل ما أوصيك به‏.‏ قال نعم يا أبت‏.‏ قال يا بنيّ، اجعل في عنقي حبلًا، وجرّني إلى محرابي، ومرّغ خدي على التراب، وقل‏:‏ هذا جزاء من عصى مولاه، وآثر شهوته وهواه، ونام عن خدمة مولاه‏.‏ قال‏:‏ فلما فعل ذلك به، رفع طرفه إلى السماء وقال‏:‏ إلهي وسيدي ومولاي، قد آن الرحيل إليك، وأزف القدوم عليك، ولا عذر لي بين يديك، غير أنك الغفور وأنا العاصي، وأنت الرحيم وأنا الجاني، وأنت السيد وأنا العبد، ارحم خضوعي وذلتي بين يديك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك‏.‏
قال‏:‏ فخرجت روحه في الحال، فإذا بصوت ينادي من زاوية البيت سمعه كل من حضر وهو يقول‏:‏ تذلل العبد لمولاه، واعتذر إليه مما جناه، فقرّبه وأدناه وجعل الجنة مأواه‏.‏
إلهي إن كنت الغريق وعاصيًا *** فعفوك يا ذا الجود والسعة الرحب
بشدّة فقري باضطراري بحاجتي *** إليك إلهي حين يشتد بي الكرب
بما بي من ضعف وعجز وفاقة *** بما ضمّنت من وسع رحمتك الكتب
صلاة وتسليم وروح وروحة *** على الصادق المصدوق ما انفلق الحب
أبي القاسم الماحي الأباطيل كلها *** وأصحابه الأخيار ساداتنا النجب
إخواني، هذا القبول ينادي صبيان الهوى، الشاب التائب حبيب الله، ويصيح بكهول الخطا عسى الله أن يتوب عليهم، ويهتف بشيوخ الندم‏:‏ إنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي‏.‏
وفي الخبر‏:‏ إذا تاب العبد إلى الله عز وجل، وحسنت توبته، وقام بالليل يناجي ربه، أوقدت الملائكة سراجًا من نور، وعلقته بين السماء والأرض، فتقول الملائكة‏:‏ ما هذا‏؟‏ فيقال لهم‏:‏ إن فلان بن فلان قد اصطلح الليلة مع مولاه‏.‏
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا قام العبد بالليل، تباشرت أعضاؤه، ونادى بعضها بعضًا‏:‏ قد قام صاحبنا لخدمة الله تعالى‏)‏‏.‏
وعن أحمد الحواري، قال‏:‏ دخلت على أبي سليمان الداراني، فوجدته يبكي، فقلت له‏:‏ وما يبكيك يا سيدي‏؟‏ قال لي‏:‏ يا أحمد، إن أهل المحبة إذا جنهم الليل، افترشوا أقدامهم، فدموعهم تجري على خدودهم بين راكع وساجد، فإذا أشرف المولى جل جلاله عليهم، قال‏:‏ يا جبريل، بعيني من تلذذ بكلامي، واستراح إلى مناجاتي، واني لمطلع عليهم، أسمع كلامهم، وأرى حنينهم، وبكاءهم، فنادهم يا جبريل، وقل لهم‏:‏ ما هذا الجزع الذي أرى بكم‏؟‏ هل أخبركم مخبر أن حبيبًا يعذب أحبابه بالنار‏؟‏ أم هل يحمل بي أن أبيّت قومًا، وعند البيات آمرهم إلى النار‏؟‏ لا يليق هذا بعبد ذميم، فكيف بالملك الكريم‏؟‏‏!‏ فبعزتي لأجعلن هديّتي اليهم أن أكشف لهم عن وجهي الكريم، فأنظر اليهم وينظرون إليّ‏.‏
وعن أبي سليمان الداراني رضي الله عنه، قال‏:‏ قرأت في بعض الكتب المنزلة‏:‏ يقول الله تعالى‏:‏ بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي، وكابد المكابدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم وقد صاروا إلى جواري، وبحبحوا في رياض خلدي هنالك فليبشر المصغون بأعمالهم بالنظر العجيب إلى الحبيب القريب‏.‏ أترون إني أضيع لهم ما عملوا‏؟‏ كيف وأنا أجود على المولين، وأقبل التوبة على الخاطئين وأنا بهم أرحم الراحمين‏؟‏‏!‏‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 10:17 PM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الفصل الأول
يا أسير دنياه، يا عبد هواه، يا موطن الخطايا، ويا مستودع الرزايا، اذكر ما قدّمت يداك، وكن خائفًا من سيدك ومولاك أن يطّلع على باطن زللك وجفاك، فيصدك عن بابه، ويبعدك عن جنابه، ويمنعك عن مرافقة أحبابه، فتقع في حضرة الخذلان، وتتقيد بشرك الخسران، وكلما رُمت التخلص من غيّك وعناك، صاح بك لسان الحال وناداك‏:‏
إليك عنا فما تحظى بنجوانا *** يا غادرًا قد لها عنا وقد خانا
أعرضت عنا ولم تعمل بطاعتنا *** وجئت تبغي الرضا والوصل قد بانا
بأي وجه نراك اليوم تقصدنا *** وطال ما كنت في الأيام تنسانا
يا ناقض العهد ما في وصلنا طمع *** إلا لمجتهد بالجدّ قد دانا
يا من باع الباقي بالفاني، أما ظهر لك الخسران، ما أطيب أيام الوصال، وما أمرّ أيام الهجران، ما طاب عيش القوم حتى هجروا الأوطان، وسهروا الليالي بتلاوة القرآن فيبيتون لربهم سجدًا وقياما‏.‏
عن عبد العزيز بن سلمان العابد، قال‏:‏ حدثني مطهر، وقد كان بكى شوقًا إلى الله تعالى ستين عامًا، قال‏:‏ رأيت كأني على ضفة نهر يجري بالمسك الأذفر، وحافاته شجر اللؤلؤ، وطينة العنبر، وفيه قضبان الذهب، وإذا بجوار مترنمات يقلن بصوت واحد‏:‏ سبحانه وتعالى سبحان، سبحان المسبّح بكل لسان سبحان الموجود في كل مكان نحن الخالدات فلا نموت أبدًا‏.‏ نحن الراضيات، فلا نغضب أبدًا‏.‏ نحن الناعمات، فلا نتغيّر أبدًا‏.‏ قال‏:‏ فقلت لهن‏:‏ من أنتن‏؟‏‏!‏ فقلن‏:‏ خلق من خلق الله تعالى‏.‏ قلت‏:‏ ما تصنعن هاهنا‏؟‏ فقلن بصوت واحد حسن مليح‏:‏
ذرانا إله الناس رب محمد *** لقوم على الأطراف بالليل قوم
يناجون رب العالمين إلههم *** ونسري هموم القوم والناس نوم
فقلت‏:‏ بخ بخ‏!‏ من هؤلاء الذين أقر الله أعينهم‏؟‏ قلن‏:‏ أما تعرفهم‏؟‏‏!‏ قلت‏:‏ لا والله ما أعرفهم‏.‏ فقلن‏:‏ هم المجتهدون بالليل، أصحاب السهر بالقرآن‏.‏
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا أذنب العبد، وتاب إلى الله، وحسنت توبته، تقبل الله منه كل حسنة عملها، وغفر له كل ذنب اقترفه، ويرفع له بكل ذنب درجة في الجنة، ويعطيه الله بكل حسنة قصرًا في الجنة، ويزوجه الله حورًا من الحور العين‏)‏‏.‏
وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏أوحى الله إلى داود عليه السلام‏:‏ يا داود، بشر المذنبين، وأنذر الصديقين، فتعجب داود عليه السلام، فقال‏:‏ يا رب، فكيف أبشر المذنبين وأنذر الصديقين‏؟‏‏!‏ قال الله تعالى‏:‏ يا داود، بشر المذنبين ألا يتعاظمني ذنب أغفره، وأنذر الصديقين ألا يعجبوا بأعمالهم، فإني لا أضع حسابي على أحد إلا هلك‏.‏ يا داود، إن كنت تزعم أنك تحبني فأخرج حب الدنيا من قلبك، فإن حبي وحبها لا يجتمعان في قلب واحد‏.‏ يا داود، من أحبني، يتهجد بين يدي إذا نام البطالون، ويذكرني في خلوته إذا لها عن ذكري الغافلون، ويشكر نعمتي عليه إذا غفل عني الساهون‏)‏‏.‏
وأنشدوا‏:‏
طوبى لمن سهرت بالليل عيناه *** وبات في قلق من حب مولاه
وقام يرعى نجوم الليل منفردًا *** شوقًا إليه وعين الله ترعاه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏البرّ لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديّان لا يفنى‏.‏ كن كيف شئت كما تدين تدان‏)‏‏.‏
ما هذا، أتدري ما صنعت‏؟‏ بعت القرب بالبعد، والعقل بالهوى والدين بالدنيا‏.‏
وأنشدوا‏:‏
قم فأرث نفسك وابكها *** ما دمت وابك على مهل
فإذا اتقى اللهَ الفتى *** فيما يريد فقد كمل
وعن جابر رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما نزع الله عبدًا من ذنب إلا هو ويريد أن يغفر له، وما استمال الله عبدًا لعمل صالح، إلا وهو يريد أن يتقبله منه‏)‏‏.‏
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏التائبون إذا خرجوا من قبورهم، ارتفع من بين أيديهم ريح المسك، ويأتون على مائدة من الجنة يأكلون منها وهم في ظل العرش، وسائر الناس في سدّة الحساب‏)‏‏.‏
ويروى إن رجلًا أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله، بما أتقي النار‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بدموع عينيك‏)‏‏.‏ قال‏:‏ وكيف أتقيها بدموع عيني‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أهمل دموعهما من خشية الله، فإنه لا يعذب بالنار عينًا بكت من خشيته‏)‏‏.‏ ‏[‏قال المصنف في العلل المتناهية هذا حديث لا يصح عن رسول الله‏]‏‏.‏
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قطرة تخرج من عين المؤمن من خشية الله، خير له من الدنيا وما فيها، وخير له من عبادة سنة، وتفكّر ساعة في عظمة الله وقدرته خير من صيام ستين يومًا وقيام ستين ليلة‏.‏ إلا وإن لله ملكًا ينادي في كل يوم وليلة‏:‏ أبناء الأربعين، زرع دنا حصاده، أبناء الخمسين، هلموا إلى الحساب، أبناء الستين، ماذا قدّمتم وماذا أخرتم، أبناء السبعين، ماذا تنتظرون‏.‏ ألا ليت الخلق لم يخلقوا، فإذا خلقوا ليتهم علموا لما خلقوا له، فعملوا لذلك‏.‏ ألا قد أتتكم الساعة فخذوا حذركم‏)‏‏.‏
نزه مشيبك عن شيء يدنّسه *** إن البياض قليل الحمل للدنس
يا عبد السوء، كم تعصي ونستر، كم تكسر باب نهي ونجبر، كم نستقطر من عينيك دموع الخشية ولا يقطر، كم نطلب وصلك بالطاعة، وأنت تفرّ وتهجر، كم لي عليك من النعم، وأنت بعد لا تشكر‏.‏ خدعتك الدنيا وأعمال الهوى وأنت لا تسمع ولا تبصر‏.‏ سخّرت لك الأكوان وانت تطغى وتكفر، وتطلب الإقامة في الدنيا وهي نظرة لمن يعبر‏.‏
منعوك من شرب المودة والصفا *** لما رأوك على الخيانة والجفا
إن أنت أرسلت العنان إليهم *** جادوا عليك تكرّمًا وتعطّفا
حاشاهم أن يظلموك وإنما *** جعلوا الوفا منهم لأرباب الوفا

وروي عن الحسن البصري رضي الله عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏دخلت على بعض المجوس وهو يجود بنفسه عند الموت، وكان حسن الجوار، وكان حسن السيرة، حسن الأخلاق، فرجوت أن الله يوفقه عند الموت، ويميته على الإسلام، فقلت له‏:‏ ما تجد، وكيف حالك‏؟‏ فقال‏:‏ لي قلب عليل ولا صحة لي، وبدن سقيم، ولا قوة لي، وقبر موحش ولا أنيس لي، وسفر بعيد ولا زاد لي، وصراط دقيق ولا جواز لي، ونار حامية ولا بدن لي‏,‏ وجنّة عالية ولا نصيب لي، ورب عادل ولا حجة لي‏.‏
قل الحسن‏:‏ فرجوت الله أن يوفقه، فأقبلت عليه، وقلت له‏:‏ لم لا تسلم حتى تسلم‏؟‏ قال‏:‏ إن المفتاح بيد الفتاح، والقفل هنا، وأشار إلى صدره وغشي عليه‏.‏
قال الحسن‏:‏ فقلت‏:‏ إلهي وسيدي ومولاي، إن كان سبق لهذا المجوسي عندك حسنة فعجل بها إليه قبل فراق روحه من الدنيا، وانقطاع الأمل‏.‏
فأفاق من غشيته، وفتح عينيه، ثم أقبل وقال‏:‏ يا شيخ، إن الفتاح أرسل المفتاح‏.‏ أمدد يمناك، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، ثم خرجت روحه وصار إلى رحمة الله‏.‏
وأنشدوا‏:‏
يا ثقتي يا أملي *** أنت الرجا أنت الولي
اختم بخير عملي *** وحقق التوبة لي
قبل حلول أجلي *** وكن لي يا ربّ ولي

إخواني، ما هذه السّنة وأنتم منتبهون‏؟‏ وما هذه الحيرة وأنتم تنظرون‏؟‏ وما هذه الغفلة وأنتم حاضرون‏؟‏ وما هذه السكرة وأنتم صاحون‏؟‏ وما هذا السكون وأنتم مطالبون‏؟‏ وما هذه الاقامة وأنتم راحلون‏؟‏ أما آن لهؤلاء الرّقدة أن يستيقظوا‏؟‏ أما حان لأبناء الغفلة أن يتعظوا‏؟‏‏.‏
واعلم أن الناس كلهم في هذه الدنيا على سفر، فاعمل لنفسك ما يخلصها يوم البعث من سقر‏.‏
آن الرحيل فكن على حذر *** ما قد ترى يغني عن الحذر
لا تغترر باليوم أو بغد *** فلربّ مغرور على خطر

قال الجنيد‏:‏ كان سري السقطي رضي الله عنه متصل الشغل، وكان إذا فاته شيء من ورده لا يقدر أن يعيده‏.‏
وكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم يكن له وقت ينام فيه، فكان ينعس وهو جالس، فقيل له‏:‏ يا أمير المؤمنين، ألا تنام‏؟‏ فقال‏:‏ كيف أنام‏؟‏‏!‏ إن نمت بالنهار، ضيّعت حقوق الناس، وإن نمت بالليل ضيّعت حظي من الله‏.‏
وسمع الجنيد رضي الله عنه ما يقول‏:‏ ما رأيت أعبد لله تعالى من سريّ السّقطي، أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رؤي قط مضطجعًا إلا في علته التي مات فيها‏.‏
قال الجنيد رضي الله عنه‏:‏ سمعت السريّ السقطي رضي الله عنه يقول‏:‏ لولا الجمعة والجماعة ما خرجت من بيتي، وللزمت بيتي حتى أموت‏.‏
قال أبو بكر الصيدلاني‏:‏ سمعت سليمان بن عمار يقول‏:‏ رأيت أبي في المنام فقلت له‏:‏ ما فعل بك ربك‏؟‏ فقال‏:‏ إن الرب قرّبني وأدناني، وقال لي‏:‏ يا شيخ السوء أتدري لم غفرت لك‏؟‏ فقلت‏:‏ لا يا إلهي‏.‏ قال‏:‏ إنك جلست للناس يومًا مجلسًا فأبكيتهم، فبكى فيهم عبد من عبيدي لم يبك من خشيتي قط، فغفرت له ووهبت أهل المجلس كلهم له، ووهبتك فيمن وهبت له‏.‏

عن علي بن محمد بن إبراهيم الصفار، قال‏:‏ حضرت أسود بن سالم ليلة وهو يقول هذين البيتين ويكررهما ويبكي‏:‏
أمامي موقف قدّام ربي *** يسألني وينكشف الغطا
وحسبي إن أمرّ على صراط *** كحد السيف أسفله لظى
قال‏:‏ ثم صرخ صرخة، ولم يزل مغمى عليه حتى أصبح رضي الله عنه‏.‏

وكذلك يروى عن الضحّاك بن مزاحم أنه قال‏:‏ خرجت ذات ليلة إلى مسجد الكوفة، فلما قربت من المسجد، فإذا في بعض رحابه شاب قد خرّ ساجدًا وهو يخور بالبكاء، فلم أشك أنه ولي من أولياء الله تعالى‏؟‏، فقربت منه لأسمع ما يقول فسمعته يقول أبياتًا‏:‏
عليك يا ذا الجلال معتمدي *** طوبى لمن كنت أنت مولاه
طوبى لمن بات خائفًا وجلًا *** يشكو إلى ذي الجلال بلواه
وما به علة ولا سقم *** أكثر من حبّه لمولاه
اذا خلا في ظلام الليل مبتهلًا *** أجابه الله ثم لبّاه
ومن ينل ذا من الإله فقد *** فاز بقرب تقرّ عيناه
فبقي يكرر هذه الأبيات ويبكي، وأنا أبكي رحمة لبكاءه، فبينما أنا كذلك، لاح لي ضوء كالبرق الخاطف، فأسرعت بيدي إلى عيني، فسمعت، فإذا بمناد ينادي من فوق رأسه بصوت عذب لذيذ لا يشبه كلام بني آدم، هو يقول‏:‏
لبيّك عبدي وأنت في منفي *** وكل ما قلت قد قبلناه
صوتك تشتاقه ملائكتي *** وحسبك الصوت قد سمعناه
إن هبت الريح من جوانبه *** خرّ صريعًا لما تغشاه
ذاك عبدي يجول في حجبي *** وذنبك اليوم قد غفرناه
فقلت‏:‏ مناجاة الحبيب مع حبيبه وربّ الكعبة، فخريّت مغشيًا على وجهي لما أدركني من إلهيبة، ثم أفقت من عشيتي وأنا أسمع ضجيج الملائكة في الهواء، وخفقان أجنحتهم بين السماء والأرض، خيّل اليّ أن السماء قد قربت من الأرض، ورأيت النور قد غلب على ضوء القمر، وكانت ليلة مقمرة ساطعة النور، فدنوت منه وسلمت عليه، فردّ عليّ السلام، فقلت له‏:‏ بارك الله فيك، من أنت يرحمك الله‏؟‏ فقال لي‏:‏ أنا راشد بن سليمان، فعرفته لما كنت أسمع عنه‏.‏ فقلت له‏:‏ رحمك الله، لو أذنت لي في صحبتك لآنس بك، فقال لي‏:‏ هيهات هيهات، وهل يأنس بالمخلوقين من تلذذ بمناجاة رب العالمين، فانصرف عني وتركني رضي الله عنه‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 10:18 PM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الفصل الثاني
إخواني، إلى كم تماطلون بالعمل، و تطمعون في بلوغ الأمل، وتغترّون بفسحة المهل، ولا تذكرون هجوم الأجل‏؟‏ ما ولدتم فللتراب، وما بنيتم للخراب، وما جمعتم فللذهاب، وما عملتم ففي كتاب مدّخر ليوم الحساب‏.‏ وأنشدوا‏:‏
ولو أننا إذا متنا تركنا *** لكان الموت راحة كل حيّ
ولكنّا إذا متنا بعثنا *** ونُسأل بعدها عن كل شيء
يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال‏:‏ لا يغرّنّكم قول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا ‏}‏ ‏[‏الأنعام 160‏]‏، فإن السيئة وإن كانت واحدة، فانها تتبعها عشر خصال مذمومة‏:‏
أولها‏:‏ إذا أذنب العبد ذنبًا، فقد أسخط الله وهو قادر عليه‏.‏
والثانية‏:‏ أنه فرّح إبليس لعنه الله‏.‏
والرابعة‏:‏ أنه تقرّب من النار‏.‏
والخامسة‏:‏ أنه قد آذى الحفظة‏.‏
والثامنة‏:‏ أنه قد أحزن النبي صلى الله عليه وسلم في قبره‏.‏
والتاسعة‏:‏ أنه أشهد على نفسه السماوات والأرض وجميع المخلوقات بالعصيان‏.‏
والعاشرة‏:‏ أنه خان جميع الآدميين، وعصى رب العالمين‏.‏
ويروى عن ذي النون المصري رحمه الله تعالى أنه قال‏:‏ خرجت أريد الحجاز ولم أصحب أحدًا من الناس، فبينما أنا سائر، إذ وقعت في أرض صحراء، وقد نفذ زادي، فأشرفت على الهلاك، إذ لاحت لي شجرة في وسط الصحراء دانية الفروع، متدلية الأغصان، كثيرة الأوراق، فقلت في نفسي‏:‏ أسير نحو هذه الشجرة، فأكون في ظلها حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا‏.‏
فلما وصلت إلى الشجرة، ودنوت منها، وأردت الدخول في ظلها، فأخذ غصن من أغصانها بركوتي، فانهرق الماء الذي كان بقي لي فيها أحيي به رمقي، فأيقنت بالهلاك، وطرحت نفسي في ظل الشجرة، وبقيت أنتظر ملك الموت ليقبض روحي، فإذا أنا بصوت حزين وهو يقول‏:‏ إلهي وسيدي ومولاي، إن كان هذا رضاك مني، فزد حتى ترضى عني يا أرحم الراحمين‏.‏
فقمت وجعلت أمشي نحو الصوت، فإذا أنا بشخص حسن الصورة، وهو ملقى على الرمل، والنسور قد أحدقت به تنهش من لحمه، فسلمت عليه فردّ السلام، وقال لي‏:‏ يا ذا النون، لما نفذ الزاد، وانهرق الماء، أيقنت بالموت والفناء، فجلست عند رأسه، وجعلت أبكي رحمة لبكائه، وشفقة لما رأيت منه‏.‏
فبينما أنا كذلك، إذ أنا بقصعة من الطعام وضعت بين يدي، فوكز الأرض بعرقوبه، فإذا بعين من الماء قد تفجرت، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فقال لي‏:‏ يا ذا النون، كل واشرب، لا بد لك من الوصول إلى بيت الله الحرام، ولكن يا ذا النون لي إليك حاجة، فإن قضيتها فلك الأجر والثواب، فقلت‏:‏ وما هي‏؟‏ قال‏:‏ إذا أنا مت، فاغسلني وادفني، واسترني من الوحش والطير، وسر فإذا قضيت الحج، فإنك تصل إلى مدينة بغداد، وتدخل من باب الزعفران، فإنك تجد هنالك الصبيان يلعبون، وعليهم ألوان الثياب، فتجد هنالك شابُا، صغير السن، ليس يشغله شيء عن ذكر الله تعالى، قد تحزّم بخرقة، وجعل على كتفيه أخرى، في وجهه خطان أسودان من آثار الدموع، فإذا وجدته فذلك ولدي وقرّة عيني، فأقرئه مني السلام‏.‏
قال ذا النون‏:‏ فلما فرغ من كلامه، سمعته يقول‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وشهق شهقة فارق الدنيا رحمة الله عليه، فقلت‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، وكان معي قميص في وعائي لا أفارقه فغسلته من ذلك الماء، وكفنته وواريته التراب، وسرت إلى بيت الله الحرام وقضيت مناسك الحج، وخرجت إلى زيارة قبر رسول الله، فلما قضيت الزيارة، وسرت إلى مدينة بغداد، فدخلتها في يوم عيد، فإذا أنا بالصبيان يلعبون وعليهم ألوان الثياب، فنظرت فرأيت الصبي الموصوف جالسًا لا يشغله الموهوب عن علام الغيوب، وقد ظهرت على وجهه الأحزان، وفي وجهه خطان أسودان من آثار الدموع، وهو يقول‏:‏
الناس كلهم للعيد قد فرحوا *** وقد فرحت أنا بالواحد الصمد
الناس كلهم للعيد قد صبغوا *** وقد صبغت ثياب الذل والكمد
الناس كلهم للعيد قد غسلوا *** وقد غسلت أنا بالدمع للكبد
قال ذو النون‏:‏ فسلمت عليه، فرد عليّ السلام، وقال‏:‏ مرحبا برسول أتى من أبي، فقلت له‏:‏ من أخبرك بأني رسول أتيتك من أبيك‏؟‏ قال‏:‏ الذي أخبرني أنك دفنته بالصحراء‏.‏ يا ذا النون، أتزعم أنك دفنت أبي بالصحراء‏؟‏ والله إن أبي رفع إلى سدرة المنتهى، ولكن سر معي إلى جدتي‏.‏
فأخذ بيدي وسار معي إلى منزله، فلما وصل إلى الباب نقر نقرًا خفيفًا، فإذا بالعجوز قد خرجت إلينا، فلما رأتني، قالت مرحبًا بمن تمتع بالنظر في وجه حبيبي وقرّة عيني‏.‏ قلت لها‏:‏ من أخبرك بأني رأيته‏؟‏ قالت‏:‏ الذي أخبرني بأنك كفنته وإن الكفن مردود عليك‏.‏ يا ذا النون، فوعزة ربي وجلاله، إن خرقة ابني يباهي الله بها الملائكة في الملأ الأعلى‏.‏
ثم قالت‏:‏ يا ذا النون، صف لي كيف تركت ابني وقرة عيني وثمرة فؤادي‏؟‏ قلت لها‏:‏ تركته في الفيافي والقفار بين الرمال والأحجار، وقد حضي بما أمل من العزيز الغفار‏.‏
فلما سمعت العجوز ذلك، ضمّت الصبي إلى صدرها، وغابت عني، وحجبت عن نظري، فلا أدري‏:‏ أفي السماء صعد بهما، أو في جوف الأرض هبط بهما، فصرت أطلبهما في أركان الدار، فما وجدتهما، فسمعت هاتفًا يقول‏:‏ يا ذا النون لا تتعب نفسك، فلقد طلبتهم الأملاك، فلم يجدوهم‏.‏ فقلت‏:‏ أين صاروا، فقال لي‏:‏ إن الشهداء يموتون بسيوف المشركين، وهؤلاء المحبون يموتون بالشوق إلى رب العالمين، فيحملون في مركب من نور في مقعد صدق عند مليك مقتدر‏.‏
قال ذا النون‏:‏ فتفقدت الجراب، فوجدت الكفن الذي كفنته فيه مطويّا كما كان أولًا، رضي الله عنه ونفعنا ببركاتهم‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 10:19 PM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الفصل الثالث
أيها المقيم على الخطايا والعصيان، التارك لما أمرك الرحمن، المطيع للغويّ الفتان، إلى متى أنت على جرمك مصرّ، ومما يقرّبك إلى مولاك تفرّ‏؟‏ تطلب من الدنيا ما لا تدركه، وتتقي من الآخرة ما لا تملكه، لا أنت بما قسم الله من الرزق واثق، ولا أنت بما أمرك به لاحق‏.‏
يا أخي، الموعظة، والله لا تنفعك، والحوادث لا تردعك‏.‏ لا الدهر يدعك، ولا داعي الموت يسمعك، كأنك يا مسكين لم تزل حيًا موجودًا، كأنك لا تعود نسيًا مفقودًا‏.‏
فاز، والله، المخفون من الأوزار، وسلم المتقون من عذاب النار، وأنت مقيم على كسب الجرائم والأوزار‏.‏
وأنشدوا‏:‏
عيل صبري وحق لي أن أنوحا *** لم تدع لي الذنوب قلبًا صحيحا
أخلقت مهجتي أكف المعاصي *** ونعاني المشيب نعيًا صريحا
كلما قلت قد بري جرح قلبي *** عاد قلبي من الذنوب جريحا
إنّما الفوز والنعيم لعبد *** *** جاء في الحشر آمنًا مستريحا
إخواني، ارفضوا هذه الدنيا كما رفضها الصالحون، وأعدّوا الزاد لنقلة لا بدّ لها أن تكون، واعتبروا بما تدور به عليكم الأيام والسنون‏.‏
يا من غدًا في الغيّ والتيه *** وغرّه طول تماديه
أملى لك الله فبارزته *** ولم تخف غبّ معاصيه
قال الجنيد رضي الله عنه‏:‏ مرض السّريّ السّقطي رضي الله عنه فدخلت عليه أعوده، فقلت له‏:‏ كيف تجدك‏؟‏ فقال‏:‏
كيف أشكو إلى طبيبي ما بي *** والذي قد أصابني من طبيبي
فأخذت المروحة لأروّح عليه، فقال‏:‏ كيف يجد ريح المروحة من جوفه يحترق من داخل، ثم أنشأ يقول‏:‏
القلب محترق والدمع مستبق *** والكرب مجتمع والصبر مفترق
كيف القرار على من لا قرار له *** مما جناه الهوى والشوق والقلق
يا ربّ إن كان شيء فيه لي فرج *** فامنن عليّ به ما دام بي رمق
ويروى عن علي بن الموفق رضي الله عنه أنه قال‏:‏ خرجت يومًا لأؤذن، فأصبت قرطاسًا، فأخذته ووضعته في كمي، وأقمت الصلاة وصليت، فلما صليت قرأته، فإذا مكتوب‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ يا علي بن الموفق، أتخاف الفقر وأنا ربك‏؟‏‏.‏
ويروى عن المزني، قال‏:‏ دخلت على الشافعي رضي الله عنه في علته التي مات منها، فقلت له‏:‏ كيف أصبحت‏؟‏ قال‏:‏ أصبحت في الدنيا راحلًا، وللإخوان مفارقًا، ولكأس المنيّة شاربًا، ولسوء عملي ملاقيًا، وعلى الله واردًا، فلا أدري‏:‏ أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها‏؟‏ ثم بكى وأنشأ يقول‏:‏
ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو من الذنب ولم تزل *** تجود وتعفو منّة وتكرّما
فلولاك لم ينجو من إبليس عابد *** وكيف وقد أغوى صفيّك آدما
إخواني‏:‏ بادروا بالتوبة من الذنوب، واقتفوا آثار التوّابين، واسلكوا مسالك الأوّابين، الذين نالوا التوبة والغفران، وأتعبوا أنفسهم في رضا الرحمن، فلو رأيتهم في ظلم الليالي قائمين، ولكتاب ربهم تالين، بنفوس خائفة، وقلوب واجفة، قد وضعوا جباههم على الثرى ورفعوا حوائجهم لمن يرى ولا يرى‏:‏
وأنشدوا‏:‏
ألا قف ببابي عند قرع النوائب *** وثق بي تجدني خير خلّ وصاحب
ولا تلتفت غيري فتصبح نادمًا *** ومن يلتفت غيري يعش خائب
كان أبو محفوظ معروف الكرخي قد خصّه الله بالاجتباء في حال الصبا، يذكر أن أخاه عيسى قال‏:‏ كنت أنا وأخي معروف في المكتب، وكنا نصارى، وكان المعلم يعلم الصبيان‏:‏ ‏"‏ أب‏"‏ و‏"‏ ابن‏"‏ فيصيح أخي معروف‏:‏ ‏"‏أحد أحد‏"‏ فيضربه المعلم على ذلك ضربًا شديدًا، حتى ضربه يومًا ضربًا عظيمًا، فهرب على وجهه‏.‏
وكانت أمه تبكي وتقول‏:‏ لئن ردّ الله عليّ معروفًا، لأتبعنّه على أي دين كان، فقدم عليها معروف بعد سنين كثيرة، فقالت له‏:‏ يا بنيّ، على أي دين أنت‏؟‏ قال‏:‏ على دين الإسلام، فقالت‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فأسلمت أمي وأسلمنا كلنا‏.‏
وقال أحمد بن الفتح‏:‏ رأيت بشر بن الحارث في منامي وهو قاعد في بستان بين يديه مائدة وهو يأكل منها، فقلت‏:‏ يا أبا نصر‏,‏ ما فعل الله بك‏؟‏ قال‏:‏ رحمني وغفر لي، وأباح لي الجنة بأسرها، وقال لي‏:‏ كل من جميع ثمارها، واشرب من أنهارها، وتمتع بجميع ما فيها، كما كنت تحرم نفسك عن الشهوات في دار الدنيا‏.‏
فقلت له‏:‏ فأين أخوك أحمد بن حنبل‏؟‏ فقال‏:‏ هو قائم على باب الجنة يشفع لأهل السنة ممن يقولون‏:‏ القرآن كلام الله غير مخلوق‏.‏
فقلت له‏:‏ وما فعل الله بمعروف الكرخي‏؟‏ فحرّك رأسه، وقال هيهات هيهات‏!‏ حالت بيننا وبينه الحجب‏.‏ إن معروفًا لم يعبد الله شوقًا إلى جنّته، ولا خوفًا من ناره، وإنما عبده شوقًا إليه، فرفعه إلى الرفيق الأعلى، ورفع الحجاب بينه وبينه‏.‏
ذلك الترياق المقدس المجرّب، فمن كانت له إلى الله حاجة، فليأت قبره، وليدع، فإنه يستجاب له إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏[‏التبرك بقبور الأولياء هو من الشرك، والتوسل المشروع التوسل بأسماء الله وصفاته ودعاء الرجل الصالح‏]‏‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 10:19 PM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الفصل الرابع
يا إخوان الغفلة تيقظوا، يا مقيمين على الذنوب انتهوا واتعظوا، فبالله أخبروني‏:‏ من أسوأ حالا ممن استعبده هواه، أم من أخسر صفقة ممن باع آخرته بدنياه، فما للغفلة قد شملت قلوبكم‏؟‏ وما للجهالة قد ترت عنكم عيوبكم‏؟‏ أما ترون صوارم الموت بينكم لامعة، وقوارعه بكم واقعة، وطلائعه عليكم طالعة، وفجائعه لعذركم قاطعة، وسهامه فيكم نافذة، وأحكامة بنواصيكم آخذة‏؟‏ فحتى م‏؟‏ والى م‏؟‏ وعلام التخلف والمقام‏؟‏ أتطمعون في بقاء الأبد‏؟‏ كلا والواحد والصمد‏.‏ إن الموت لبالرّصد، ولا يبقي على والد ولا ولد، فجدّوا، رحمكم الله، في خدمة مولاكم، وأقلعوا عن الذنوب، فلعله يتولاكم‏.‏
يروى عن محمد بن قدامة، قال‏:‏ لقي بشر بن الحارث رجلًا سكران، فجعل السكران يقبله، ويقول‏:‏ يا سيدي أبا نصر، ولا يدفعه بشر عن نفسه، فلما تولى تغرغرت عينا بشر بالدموع، وقال‏:‏ رجل أحبّ رجلًا على خير توهّمه فيه، ولعل المحبّ قد نجا والمحبوب لا يدري ما حاله‏.‏
فوقف على أصحاب الفاكهة، فجعل ينظر، فقلت‏:‏ يا أبا نصر، لعلك تشتهي من هذا شيئًا‏؟‏ قال‏:‏ لا ولكن نظرت في هذا؛ إذا كان يطعم هذا لمن يعصيه، فكيف من يطيعه ماذا يطعمه في الجنة ويسقيه‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏


إخواني‏:‏ ما للغافل إلى كم ينام‏؟‏ أما توقظ الليالي والأيام‏؟‏ أين سكان القصور والخيام‏؟‏ دار والله عليهم كأس الحمام، فالتقطهم الموت كما يلتقط الحبّ الحمام‏.‏ ما لمخلوق فيها دوام، طويت الصحف وجفت الأقلام‏.‏
وأنشدوا‏:‏
دعوني على نفسي أنوح وأندب *** بدمع غزير واكف يتصبب
دعوني على نفسي أنوح لأنني *** أخاف على نفسي الضعيفة تعطب
فمن لي إذا نادى المنادي بمن عصا *** إلى أين ألجأ أم إلى أين أذهب
فيا طول حزني ثم يا طول حسرتي *** إذا كنت في نار الجحيم أعذب
وقد ظهرت تلك القبائح كلها *** وقد قرّب الميزان والنار تلهب
ولكنني أرجو الاله لعله *** يحسن رجائي فيه لي يتوهب
ويدخلني دار الجنان بفضله *** فلا عمل أرجو به أتقرّب
سوى حب طه الهاشمي محمد *** وأصحابه والآل من قد ترهبوا
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يؤتى برجل يوم القيامة قد جمع المال من حلال وأنفقه في الحلال، فيقال له‏:‏ قف للحساب، فيحاسب على كل حبة وذرة ودانق‏:‏ من أين أخذه وفيما أنفقه‏)‏ ثم قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يا ابن آدم، ما تصنع بالدنيا‏؟‏ حلالها حساب، وحرامها عقاب‏)‏‏.‏
وأنشدوا‏:‏
فلا تأمن لذي الدنيا صلاحًا *** فإن صلاحها عين الفساد
ولا تفرح لمال تقتنيه *** فإنك فيه معكوس المراد

قال بعض العارفين رضي الله عنه‏:‏ إن أبا يزيد البسطامي بكى عند موته، ثم ضحك، ثم فارق الدنيا، فرؤي في المنام بعد موته، فقيل له‏:‏ لم بكيت قبل الموت ثم ضحكت‏؟‏ فقال‏:‏ لما كنت في النزع، أتاني إبليس لعنة الله عليه، وقال لي‏:‏ يا أبا يزيد، أفلتّ من شبكتي، فبكيت حينئذ إلى الله تعالى، فنزل عليّ ملك من السماء، وقال لي‏:‏ يا أبا يزيد، يقول لك رب العزة‏:‏ لا تخف ولا تحزن، وأبشر بالجنة، فضحكت عند ذلك، وفارقت الدنيا‏.‏
وأنشدوا‏:‏
وقفت وأجفاني تفيض دموعها *** وقلبي من خوف القطيعة هائم
وكل مسيء أوبقته ذنوبه *** ذليل حزين مطرق الطرف نادم
فيا رب ذنبي تعاظم قدره *** وأنت بما أشكو يا رب عالم
وأنت رؤوف بالعباد مهيمن *** حليم كريم واسع العفو راحم
يا أخي كم من يوم قطعته بالتسويف‏؟‏ وكم من سبب أضعت فيه التكليف، وكم أذن سمّاعة لا يزجرها التخويف‏؟‏‏.‏
ولما حضرت جابر بن زيد الوفاة قيل‏:‏ ما تشتهي‏؟‏ قال‏:‏ نظرة في وجه الحسن فبلغ ذلك الحسن، فجاء ودخل عليه، وقال له‏:‏ يا جابر كيف تجدك‏؟‏ قال‏:‏ أجد أمر الله غير مردود‏.‏ يا أبا سعيد، حدثني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الحسن‏:‏ يا جابر قال رسول الله صلى لله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏المؤمن من الله على سبيل خير، إن تاب قبله، وإن استقال أقاله، وإن اعتذر إليه قبل اعتذاره، وعلامة قبول ذلك خروج روحه‏,‏ يجد بردًا على قلبه‏)‏‏.‏ فقال جابر‏:‏ الله أكبر‏!‏ إني لأجد بردًا على قلبي‏.‏ ثم قال‏:‏ اللهم إن نفسي تطمع في ثوابك، فحقق ظني، وآمن خوفي وجزعي، ثم تشهّد ومات رضي الله عنه‏.‏
وكان سبب توبة داود الطائي أنه دخل المقبرة، فسمع امرأة عند قبر تبكي وتقول‏:‏
تزيد بلى في كل يوم وليلة *** وتسأل لما تبلى وأنت حبيب
مقيم إلى أن يبعث الله خلقه *** لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 10:20 PM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الفصل الخامس
إخواني‏:‏ قيّدوا هذه النفوس بزمام، وازجروا، هذه القلوب عن الآثام، واقرؤوا صحف العبر بألسنة الأفهام‏.‏
يا مَن أجله خلفه وأمله قدّام، يا مقتحمًا على الجرائم أيّ اقتحام، انتبهوا يا نوّام، كم ضيّعتم من أعوام، الدنيا كلها منام، وأحلى ما فيها أضغاث أحلام، غير أن عقل الشيخ فيها الغلام، فكل من قهر نفسه فهو الهمام‏.‏ هذه الغفلة قد تناهت، والمصائب قد تدانت، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، والسلام‏.‏
مرّ عيسى عليه السلام على قرية، فوجد كل من فيها أمواتا، وهم مطروحون على وجوههم في الأزقّة، فتعجّب عيسى عليه السلام من ذلك، وقال‏:‏ يا معشر الحواريين، إن هؤلاء القوم قد ماتوا على سخط وغضب، ولو ماتوا على رضا من الله، لدفن بعضهم بعضًا‏.‏ فقالوا‏:‏ يا روح الله، وددنا أن نعرف قضيّتهم وخبرهم‏.‏
قال‏:‏ فسأل الله عز وجل في ذلك، فأوحى الله إليه‏:‏ إذا كان الليل نادهم، فإنهم يجيبونك‏.‏
فلما كان من الليل، صعد عيسى على شرف ونادى‏:‏ يا أهل القرية، فأجابه مجيب من بينهم‏:‏ لبيّك يا روح الله، فقال‏:‏ ما قضيتكم‏,‏ وما خبلاكم‏؟‏ فقال‏:‏ يا روح الله، بتنا في عافية، وأصبحنا في هاوية‏.‏ قال‏:‏ ولم ذلك‏؟‏ قال‏:‏ لحبنا في الدنيا، وطاعة لأهل المعاصي، ولم نأمر بالمعروف، ولم ننه عن المنكر‏.‏ فقال له عيسى عليه السلام‏:‏ كيف كان حبكم للدنيا‏؟‏ قال‏:‏ كحبّ الصبي لأمه؛ إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت جزنّا وبكينا‏.‏ فقال له عيسى عليه السلام‏:‏ يا هذا‏:‏ ما بال أصحابك لم يجيبوني‏؟‏ قال‏:‏ إنهم ملجمون بلجام من النار بأيدي ملائكة غلاظ شداد‏.‏ قال‏:‏ وكيف أجبتني أنت من بينهم‏؟‏ قال‏:‏ إني كنت فيهم، ولم أكن منهم، فلما نزل بهم العذاب لحقني معهم، فأنا الآن معلّق على شفير جهنّم، لا أدري‏:‏ أنجو منها، أم أكبّ فيها‏.‏
أعاذنا الله منها‏.‏

يا من يسير بعمره وقد تعدّى الحدود، إبك على معصيتك فلعلك مطرود‏.‏ يا من عمره ينتهب وليس الماضي يعود، قد أسمعتك المواعظ من أرشادها نصحًا، وأخبرك الشيب أنك بالموت تقصد وتنحّا، وناداك لسان الاعتبار‏:‏ ‏{‏ يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا ‏}‏ ‏[‏الانشقاق 6‏]‏‏.‏
وأنشدوا‏:‏
لما تقضى زمن التواصل والرضا *** قد صرت تطلب ردّ أمر قد مضى
هلا أتيت ووقت وصلك ممكن *** وبياض شيبك في العوارض ما أضا
يا أخي‏:‏ هذا أوان الرجوع والاستغفار والاقلاع عن الذنوب والأوزار‏.‏
‏(‏من بلغ أربعين سنة ولم يغلب خيره على شره، فليتجهز إلى النار‏)‏‏.‏
وأنشدوا‏:‏
أتيتك راجيًا يا ذا الجلال *** ففرّج ما ترى من سوء حالي
عصيتك سيّدي ويلي بجهلي *** وعيب الذنب لم يخطر ببالي
إلى من يشتكي المملوك إلا *** إلى مولاه يا مولى الموالي
فويلي ليت أمي لم تلدني *** ولا أعصيك في ظلم الليالي
وها أنا ذا عبيدك عبد سوء *** ببابك واقف يا ذا الجلال
فإن عاقبت يا ربي فإني *** محق بالعذاب وبالنكال
وإن تعفو فعفوك أرتجيه *** ويحسن إن عفوت قبيح حالي
يقول الله عز وجل‏:‏ يا عبادي، أما علمتم أني جعلت الدنيا دار تكليف وامتحان، وأني لا أخص بمنازل الفضل والإحسان إلا من تاب إليّ فيها عن مواطن الزلات والعصيان، فما لكم ما أتيتم لبابي‏؟‏ ولا رغبتم في جزيل فضلي وثوابي، ولا خفتم من أخذي وعقابي‏؟‏‏.‏
فيا من جلّت غفلته، وطالت سكرته، تأمّل عطف الموالي عليك، وإحسانه إليك‏.‏ فبالله عليكم، حطّوا بالتوبة عن ظهوركم، واغسلوا وجوهكم بقطرات الدموع، واشتملوا بأردية التذلل والخضوع‏.‏
وأنشدوا‏:‏
ركبت مآثمي فلقيت ذلًا *** وسالت عبرتي طلًا ووبلًا
وصرت أعاتب القلب المبلا *** إلى من يشتكي المملوك إلًا
إلى مولاه يا مولى الموالي *** فلطفك بي إله العرش أولى
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 10:20 PM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الفصل السادس
إخواني، انتبهوا من غفلتكم، فنوم الغفلة ثقيل، وشمّروا لآخرتكم، فإنما الدنيا منزل، وفي طريقها مقيل‏.‏
جاء في بعض الأخبار، أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه عليهم السلام‏:‏ يا نبيي، شتان بين من عصاني وخالف أمري، وبين من قطع عمره في معاملتي، وذكري ولزوم الوقوف ببابي، ومرّغ خده على أعتابي، فيا خجلة الخاطئين، ويا ندامة البطالين‏.‏
وأنشدوا‏:‏
اخلوا بنفسك إن أردت تقرّبا *** ودع الأنام بمعزل يا عاني
واعمل على قطع العلائق جملة *** في العيش في خرق الحجاب الفاني

وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم لأصحابه‏:‏ ‏(‏يا أصحابي، أتدرون من المفلس‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، المفلس عندنا من ليس له دينار ولا درهم‏.‏ فقال لهم‏:‏ ‏(‏ليس هو ذلك، إنما المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وصدقة، ثم يأتي وقد شتم هذا، ولطم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا كذلك، حتى تفنى حسناته قبل أن يؤدي ما عليه، فتؤخذ خطاياهم، فتحمل على خطاياه، ويقذف به في النار، فهذا هو المفلس‏)‏‏.‏ نعوذ بالله من الحرمان‏.‏

قال بعض الصالحين رضي الله عنهم‏:‏ أتيت إبراهيم بن أدهم لأزوره، فطلبته في المسجد، فلم أجده، فقيل لي‏:‏ إنه خرج الآن من المسجد، فخرجت في طلبه، فوجدته في بطن وادٍ نائمًا في زمان الحر، وحيّة عظيمة عند رأسه، وفي فم الحيّة غصن من الياسمين، وهي تشرّد عنه الذباب، فبقيت متعجبًا من ذلك، وإذا بالحية قد أنطقها الله الذي أنطق كل شيء، فقالت لي‏:‏ مم تتعجب أيها الرجل‏؟‏ فقلت لها، من فعلك هذا‏,‏ وأكثر تعجبي من كلامك وأنت عدوة لبني آدم‏.‏ فقالت لي‏:‏ والله العظيم، ما جعلنا الله أعداء إلا للعاصين، وأما أهل طاعته، فنحن لهم منقادون‏.‏
وأنشدوا‏:‏
فعالي قبيح وظني حسن *** وربي غفور كثير المنن
تبارز مولاك يا من عصى *** وتخشى من الجار لما فطن
ركبت المعاصي وشيبي معي *** فوالله يا نفس ما ذا حسن
فقومي الدياجي له وارغبي *** وقولي له يا عظيم المنن
وقولي له يا عظيم الرجا *** إذا أنت لم تعف عني فمن
بحقّ النبي هو المصطفى *** بحق الحسين بحق الحسن
أيدفع مثلي إلى مالك *** وتعلم أني ضعيف البدن

جلس الحسن البصري ذات يوم يعظ الناس، فجعلوا يزدحمون عليه ليقربوا منه، فأقبل عليهم، وقال‏:‏ يا إخوتاه، تزدحمون عليّ لتقربوا مني‏؟‏ فكيف بكم غدًا في القيامة إذا قرّبت مجالس المتقين، وأبعدت مجالس الظالمين، وقيل للمخفين جوزوا، وللمثقلين حطوا‏؟‏ فيا ليت شعري‏:‏ أمع المثقلين أحط، أم مع المخفين أجوز‏؟‏ ثم بكى حتى غشي عليه، وبكى من حوله، فأقبل عليهم وناداهم، يا إخوتاه، ألا تبكون خوفًا من النار‏؟‏ ألا من بكى خوفًا من النار نجاه الله منها يوم يجرّ الخلائق بالسلاسل والأغلال‏.‏
يا إخوتاه، ألا تبكون شوقًا إلى الله‏.‏ ألا وإن من بكى شوقًا إلى الله، لم يحرم من النظر غدًا إلى الله إذا تجلى بالرحمة، واطّلع بالمغفرة، واشتدّ غضبه على العاصين‏.‏
يا إخوتاه، ألا تبكون من عطش يوم القيامة‏؟‏ يوم يحشر الخلائق وقد ذبلت شفاههم، ولم يجدوا ماء إلا حوض المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيشرب قوم، ويمنع آخرون‏.‏ ألا وإن من بكى من خوف عطش ذلك اليوم سقاه الله من عيون الفردوس‏.‏
قال‏:‏ ثم نادى الحسن رضي الله عنه‏:‏ واذلاه إذا لم يرو عطشي يوم القيامة من حوض النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
ثم بكى وجعل يقول‏:‏ والله لقد مررت ذات يوم بامرأة من المتعبدات، وهي تقول‏:‏ إلهي، قد سئمت الحياة شوقًا ورجاء فيك‏.‏ فقلت لها‏:‏ يا هذه، أتراك على يقين من عملك‏؟‏ فقالت‏:‏ حبي فيه وحرصي على لقائه بسطني‏.‏ أتراه يعذبني وأنا أحب‏؟‏‏.‏
فبينما أنا كذلك أخاطبها، إذ مرّ بي صبيّ صغير من بعض أهلي، فأخذته في ذراعي، وضممته إلى صدري، ثم قبلته‏.‏ فقالت لي‏:‏ أتحب هذا الصبي‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فبكت، وقالت‏:‏ لو يُعلم الله الخلائق ما يستقبلون غدًا، ما قرّت أعينهم، ولا التذّت قلوبهم بشيء من الدنيا أبدًا‏.‏
قال‏:‏ فبينما أنا كذلك، إذ أقبل لها ولد يقال له‏:‏ ضيغم، فقالت‏:‏ يا ضيغم، أتراني أراك غدًا يوم القيامة في المحشر أو يحال بيني وبينك‏؟‏ قال‏:‏ فصاح الصبي صيحة ظننت أنه قد انشق قلبه، ثم خرّ مغشيًا عليه، فجعلت تبكي عليه، وبكيت لبكائها‏.‏
فلما أفاق من غشيته، قالت له‏:‏ يا ضيغم، قال لها لبيك يا أماه‏.‏ قالت‏:‏ أتحب الموت‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قالت‏:‏ ولم يا بنيّ‏؟‏ قال لها‏:‏ لأصير إلى من هو خير منك، وهو أرحم الراحمين، إلى من غذاني في ظلمة أحشائك، وأخرجني من أضيق المسالك، ولو شاء لأماتني عند الخروج من ضيق ذلك المسلك حتى تموتي أنت من شدة أوجاعك، لكنه برحمته ولطفه، سهّل ذلك عليّ وعليك‏.‏ أما سمعتيه عز وجل يقول‏:‏ ‏{‏نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ‏}‏ ‏[‏الحجر 49ـ50‏]‏ وجعل يبكي وينادي‏:‏ أواه أواه، إن لم أنج غدًا من عذاب الله، ولم يزل يبكي حتى غشي عليه، وسقط على الأرض، فدنت منه أمه، فلمسته بيدها، فإذا هو ميّت رحمه الله‏.‏
فجعلت تبكي وتقول‏:‏ يا ضيغماه، يا قتيلًا في حبّ مولاه‏.‏ ولم تزل كذلك حتى صاحت صيحة عظيمة، ووقعت في الأرض، قال‏:‏ فحرّكتها، فإذا هي قد ماتت‏.‏ رحمة الله عليه وعليها، ورحمنا الله بهما‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 10:21 PM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الفصل السابع
إخواني، الدنيا سموم قاتلة، والنفوس عن مكائدها غافلة، كم من نظرة تحلو في العاجلة، ومرارتها لا تطاق في العاقبة الآجلة‏.‏ يا ابن آدم، قلبك قلب ضعيف، ورأيك في إطلاق الطرف وأى وهم سخيف‏.‏ عينك مطلوقة، ولسانك يجني الآثام، وجسدك يتعب في كسب الحطام، كم من نظرة محتقرة زلت بها الأقدام‏.‏
عاتبت قلبي لما *** رأيت جسمي نحيلا
فلام قلبي طرفي *** وقال كنت الرسولا
فقال طرفي لقلبي *** بل كنت أنت الدليلا
فقلت كفا جميعًا *** تركتماني قتيلا
كان عيسى عليه السلام يقول‏:‏ النظرة تزرع في القلب الشهوة‏.‏
وقال الحسن‏:‏ من أطلق طرفه، كثر ألمه‏.‏
قال إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول‏:‏
ومن كان يؤتى من عدو وحاسد *** فإني من عيني أوتى ومن قلبي
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسلسل دمًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما بالك‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ مرّت بي امرأة، فنظرت إليها، فلم يزل يتبعها بصري، فاستبقني جدار فضربني، فصنع بي ما ترى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله إذا أراد بعبد خيرًا، عجّل له عقوبته في الدنيا‏)‏ ‏[‏راه الحاكم في المستدرك‏]‏‏.‏
قال أبو بعقوب النهرجوري‏:‏ رأيت في الطواف رجلًا بفرد عيم، وهو يقول في طوافه‏:‏ أعوذ بك منك، فقلت له‏:‏ ما هذا الدعاء، فقال‏:‏ إني مجاور منذ خمسين سنة، فنظرت إلى شخص يومًا فاستحسنته، وإذا بلطمة قد وقعت على عيني، فسالت على خدي، فقلت‏:‏ آه، فوقعت أخرى، وقائل يقول‏:‏ لوزدت لزدناك‏.‏
دعوني أناجي مولى جليلًا *** إذا الليل أرخى على السدولا
نظرت إليك بقلب ذليل *** لأرجو به يا إلهي القبولا
لك الحمد والمجد والكبرياء *** وأنت الإله الذي لن يزولا
وأنت الإله الذي لم يزل *** حميدًا كريمًا عظيمًا جليلا
تميت الأنام وتحيي العظام *** وتنشى الخلائق جيلًا فجيلا
عظيم الجلال كريم الفعال *** جزيل النوال تنيل السؤولا
حبيب القلوب غفور الذنوب *** تواري العيوب تقيل الجهولا
وتعطي الجزيل وتولي الجميل *** وتأخذ من ذا وذاك القليلا
خزائن جودك لا تنقضي*** تعمّ الجواد بها والبخيلا
قال بعض العارفين‏:‏ خرجنا من أرض العراق نريد مكة ومدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكنا في رفقة كثيرة من الناس، فإذا نحن برجل من أهل العراق، وقد خرج معنا رجل به أدمة في شقرة وهو مصفرّ اللون، قد ذهب الدم من وجهه مما بلغت فيه العبادة، وعليه ثياب خلقة من رقاع شتى، وبيده عصا ومعه مزود فيه شيء من الزاد‏.‏
قال‏:‏ وكان ذلك الرجل العابد الزاهد أُويسًا القرني، فلما نظر إليه أهل القافلة على تلك الحالة، أنكروه، وقالوا له‏:‏ نظن أنك عبد‏.‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قالوا‏:‏ نظن أنك عبد سوء هربت من مولاك‏.‏ قال لهم‏:‏ نعم‏.‏ قالوا‏:‏ كيف رأيت نفسك حين هربت من مولاك، وما صار حالك إليه‏؟‏ أما إنك لو أقمت عنده، ما كانت هذه حالتك، وإنما أنت عبد سوء مقصّر‏.‏ فقال لهم‏:‏ نعم والله، أنا عبد سوء، ونعم المولى مولاي، ومن قبلي التقصير، وليتني أطعته وطلبت رضاه، ما كان من أمري هذا، وجعل يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق‏.‏
قال‏:‏ فرحمه القوم، وظنوا أنه يعني مولى من موالي الدنيا، وهو ما كان يريد بذلك إلا رب العزة‏.‏
فقال له رجل من أهل القافلة‏:‏ لا تخف، أنا آخذ لك من مولاك الأمان، فارجع إليه وتب‏.‏ فقال‏:‏ إني راجع إليه، وراغب فيما لديه‏.‏
قال‏:‏ وكان خرج زائرًا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏[‏زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم مستحبة لمن دخل المدينة وزار مسجده أما قصد السفر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فذمه كثير من السلف حتى قال مالك أنه سفر معصية لا قصر فيه‏]‏، فسارت القافلة ذلك اليوم، وسار معهم، وجدّوا في السير، فلما كان في الليل نزلوا في فلاة من الأرض، وكانت ليلة شاتية باردة كثيرة المطر‏.‏ قال‏:‏ وقد كان إلى على نفسه ألا يسأل من أمور الدنيا لمخلوق، وإنما تكون حوائجه إلى الله سبحانه وتعالى، فبلغ به البرد تلك الليلة مبلغًا شديدًا، حتى اضطربت جوارحه من شدة البرد، واشتد عليه سلطان البرد حتى مات في جوف الليل‏.‏
فلما أصبحوا وأرادوا الرحيل نادوه‏:‏ قم أيها الرجل، فإن الناس قد رحلوا، فلم يجبهم، فأتاه رجل قريب منه، فحرّكه فوجده ميتًا رحمه الله، فنادى‏:‏ يا أهل القافلة، إن العبد الهارب من سيده قد مات، ولا ينبغي لكم الرحيل حتى تدفنوه‏.‏ قالوا‏:‏ وما الحيلة في أمره‏؟‏‏.‏
فقال لهم رجل صالح كان معهم‏:‏ إن هذا العبد كان عبدًا تائبًا راجعًا إلى مولاه نادمًا على ما صنع، ونحن نرجو أن ينفعنا الله به، وقد قبل توبته، ونخاف أن نسأل عنه إن تركناه غير مدفون، ولا بدّ لكم أن تصبروا حتى تحفروا له قبرا وتدفنوه فيه‏.‏
فقالوا‏:‏ هذا موضع ليس فيه ماء، فقال بعضهم لبعض‏:‏ اسألوا الدليل، فسألوه، فقال‏:‏ إن بينكم وبين الماء ساعة، ولكن أرسلوا معي واحدًا وأنا آتيكم بالماء‏.‏
فأخذ الدليل دلوًا، وساروا إلى الماء، فلما خرج من القافلة، إذا هو بغدير من الماء، فقال الدليل‏:‏ هذا هو العجب الذي لم أر مثله هذا موضع ليس فيه ماء، ولا على قرب منه‏!‏‏.‏
فرجع إليهم، وقال لهم‏:‏ قد كفيتم المؤنة‏.‏ عليكم بالحطب، فجمعوه ليسخنوا به الماء من شدة البرد، ثم أتوا إلى الماء ليأخذوه، فوجوده ساخنًا يغلي، فازدادوا تعجبًا، وفزعوا من ذلك الرجل، وقالوا إن لهذا العبد قصة وشأنًا‏.‏
قال‏:‏ فأخذوا في حفر قبره، فوجدوا التراب ألين من الزبد، والأرض تفوح مثل المسك الأذفر، وملؤا رعبًا وفزعًا، وكانوا إذا نظروا إلى التراب الذي يخرج من القبر، وجدوه صفة التراب، وإذا شمّوه، وجدوا رائحة كرائحة المسك‏.‏
فضربوا له خباء وأدخلوه فيه، وتنافسوا في كفنه، فقال رجل من القوم‏:‏ أنا أكفنه، وقال آخر، أنا أكفنه‏.‏ فاتفق رأيهم على أن يجعل كل واحد منهم ثوبًا‏.‏
ثم إنهم أخذوا إداوة وقرطاسًا، وكتبوا صفته ونعته، وقالوا‏:‏ إذا وصلنا، إن شاء الله، المدينة، فلعل من يعرفه، وجعلوا الكتاب في أوعيتهم‏.‏
فلما غسّلوه، وأرادوا أن يكفنوه، كشفوا الثوب الذي كان عليه، فوجدوه مكفنًا بكفن من الجنة، لم ير الراؤون مثله، ووجدوا على كفنه مسكًا وعنبرًا، وقد ملأت رائحة حنوطه الدنيا، وعلى جبينه خاتم من المسك، وعلى قدميه كذلك‏.‏
فقالوا‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏ إن الله عز وجل قد كفّنه وأغناه عن أكفان العباد، ونرجو الله تعالى أنه قد أوجب لنا الجنة ورحمنا بهذا العبد الصالح، وندموا ندامة شديدة على تركه تلك الليلة حتى مات بالبرد‏.‏
ثم لإنهم حملوه ليدفنوه، ووضعوه في بقعة سهلة ليصلّوا عليه، فلما كبّروا، سمعوا أصوات التكبير من السماء إلى الأرض، ومن المشرق إلى المغرب وانخلعت أفئدتهم وأبصارهم، ولم يدروا كيف صلوا عليه من شدة الجزع، وعظم رعبهم مما سمعوا فوق رؤوسهم، فحملوه يريدون قبره، فكأنه يخطف من بينهم ولا يجدون له ثقلًا، حتى أتوا به إلى القبر ليدفنوه، فدفنوه، ورجع القوم وقد تعجبوا من أمره‏.‏
فلما قضوا سفرهم، وأتوا إلى مسجد الكوفة، وأخبروا بخبره، وما كان من صفته، فعند ذلك عرفه الناس، وارتفعت الأصوات بالبكاء في مسجد الكوفة، ولولا ذلك ما عرف أحد بموته، ولا بمكان قبره، لاختفائه عن الناس وهروبه منهم رضي الله عنه، ونفعنا ببركاته‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2014, 10:21 PM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الفصل الثامن
إخواني، إلى كم هذه الغفلة وأنتم مطالبون بغير مهلة‏؟‏ فبالله عليكم، تعاهدوا أيامكم بتحصيل العدد، وأصلحوا من أعمالكم ما فسد، وكونوا من آجالكم على رصد، فقد آذنتكم الدنيا بالذهاب، وأنتم تلعبون بالأجل وبين أيديكم يوم الحساب‏.‏ آه من ثقل الحمل‏.‏‏.‏ آه من قلة الزاد وبعد الطريق‏.‏
فيا أيها المغرور بإقباله، المفتون بكواذب آماله، الذي غاب عن الصواب، وهو في فعله كذاب‏.‏
يا بطال، إلى كم تؤخر التوبة وما أنت في التأخير بمعذور‏؟‏ إلى متى يقال عنك‏:‏ مفتون ومغرور‏؟‏ يا مسكين، قد انقضت أشهر الخير وأنت تعد الشهور‏؟‏ أترى مقبول أنت أم مطرود‏؟‏ أترى مواصل أنت أم مهجور‏؟‏ أترى تركب النجب غدًا أم أنت على وجهك مجرور‏؟‏ أترى من أهل الجحيم أنت أم من أرباب النعيم والقصور‏.‏ فاز والله المخفون، وخسر هنالك المبطلون، ألا إلى الله تصير الأمور‏.‏
وأنشدوا‏:‏
مالي أراك على الذنوب مواظبًا *** أأخذت من سوء الحساب أمانا
لا تغفلن كأن يومك قد أتى *** ولعل عمرك قد دنا أو حانا
ومضى الحبيب لحفر قبره مسرعًا *** وأتى الصديق فأنذر الجيرانا
وأتو بغسّال وجاؤوا نحوه *** وبدا بغسلك ميتًا عريانا
فغسلت ثم كسيت ثوبا للبلى *** ودعوا لحمل سريرك الإخوانا
وأتاك أهلك للوداع فودّعوا *** وجرت عليك دموعهم غدرانا
فخف الاله فإنه من خافه *** سكن الجنان مجاورًا رضوانا
جنات عدن لا يبيد نعيمها *** أبدًا يخالط روحه ريحانا
ولمن عصا نار يقال لها لظى *** تشوى الوجوه وتحرق الأبدانا
نبكي وحق لنا البكاء يا قومنا *** كي لا يؤاخذنا بما قد كانا

قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا كان ابن آدم في سياق الموت، بعث الله إليه خمسة من الملائكة‏:‏
أما الملك الأول، فيأتيه وروحه في الحلقوم، فيناديه‏:‏ يا ابن آدم، أين بدنك القوي‏؟‏ ما أضعفه اليوم‏؟‏ أين لسانك الفصيح‏؟‏ ما أسكته اليوم‏؟‏ أين أهلك وقرابتك‏؟‏ ما أوحشك منهم اليوم‏!‏‏.‏
ويأتيه الملك الثاني إذا قبض روحه، ونشر عليه الكفن، فيناديه‏:‏ يا ابن آدم، أين ما أعددت من الغنى للفقر‏؟‏ أين ما أعددت من الخراب للعمران‏؟‏ أين ما أعددت من الأنس للوحشة‏؟‏‏.‏
ويأتيه الملك الثالث إذا حمل على الأعناق، فيناديه‏:‏ يا ابن آدم، اليوم تسافر سفرًا بعيدًا لم تسافر سفرًا أبعد منه، اليوم تزور قومًا لم تزورهم قبل هذا قط، اليوم تدخل مدخلًا ضيقًا لم تدخل أضيق منه، فطوبى لك إن فزت برضوان الله، وويل لك إن رجعت بسخط الله‏.‏
ويأتيه الملك الرابع إذا ألحد في قبره فيناديه‏:‏ يا ابن آدم، بالأمس كنت على ظهرها ماشيا، واليوم صرت في بطنها مضطجعًا‏.‏ بالأمس كنت على ظهرها ضاحكًا، واليوم أصبحت في بطنها باكيًا‏.‏ بالأمس كنت على ظهرها مذنبًا، واليوم أمسيت في بطنها نادمًا‏.‏
ويأتيه الملك الخامس إذا سويّ عليه التراب، وانصرف عنه الأهل والجيران والأصحاب، فيناديه‏:‏ يا ابن آدم، دفنوك وتركوك، ولو أقاموا عندك ما نفعوك‏.‏ جمعت المال وتركته لغيرك‏.‏ اليوم تصير إما لجنة عالية، أو إلى نار حامية‏)‏‏.‏

ويروى عن بعض المتعبدين أنه قال‏:‏ إلهي عصيتك قويًا، وأطعتك ضفيفًا، وأسخطتك جلدًا، وخدمتك نحيفًا، فيا ليت شعري، هل قبلتني على لؤمي، أم صرفتني على جرمي‏؟‏ قال‏:‏ ثم غشي عليه ووقع على الأرض وانسلخت جبهته‏.‏
فقامت إليه أمه، وقبّلته بين عينيه، ومسحت جبهته وهي تبكي وتقول‏:‏ قرّة عيني في الدنيا، وثمرة فؤادي في الآخرة، كلم عجوزك الثكلى، وردّ جواب أمك الحريّ‏.‏
قال‏:‏ فأفاق الفتى من غشيته، ويده قابضة على كبده، وروحه تتردد في جسده، ودموعه تنسكب على خده ولحيته، فقال لها‏:‏ يا أماه، هذا اليوم الذي كنت تحذريني منه، وهذا هو المصرع الذي كنت تخوّفيني منه، هذا مصرع الأهوال، وسقوط عثرة الأثقال، فيا أسفًا على الأيام الخالية، ويا جزعي من الأيام الطوال التي لم أعرّج فيها على الاقبال‏.‏
يا أماه أنا خائف على نفسي أن يطول في النار سجني وحبسي‏.‏ يا حزناه إن رميت فيها على رأسي، ويا أسفاه إن قطعت فيها أنفاسي‏.‏
يا أماه، افعلي ما أقول لك‏.‏
فقالت له‏:‏ يا بنيّ، فدتك نفسي، ماذا تريد‏؟‏‏.‏
قال لها‏:‏ ضعي خدي على التراب، وطئيه بقدمك حتى أذوق طعم الذل في الدنيا، والتلذذ للسيّد المولى، عسى أن يرحمني وينجيني من نار لظى‏.‏ قالت أمه‏:‏ فقمت إليه في الحال، وقد ألصق خده بالتراب، والدموع تجري من عينيه كالميزاب، فوطئت خده بقدمي، فإذا هو ينادي بصوت ضعيف‏:‏ هذا جزاء من أذنب وعصى، وهذا جزاء من أخطأ وأساء، هذا جزاء من لم يقف بباب المولى، هذا جزاء من لم يراقب العلي الأعلى‏.‏
قالت‏:‏ ثم تحوّل إلى القبلة، وقال‏:‏ لبيّك لبيّك، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين‏.‏
قال‏:‏ ثم مات في مكانه، فرأته أمه في المنام كأن وجهه فلقة قمر تجلى من سحاب، فقالت له‏:‏ يا بنيّ، ما فعل بك مولاك‏؟‏ قال‏:‏ رفع درجتي، وقرّبني من محمد صلى الله عليه وسلم، فقالت له أمه‏:‏ يا بنيّ، ما الذي سمعت منك تقوله عند وفاتك‏؟‏ فقال لها‏:‏ يا أماه، هتف بي هاتف وقال لي‏:‏ يا عمران، أجب داعي الله، فأجبته، ولبيّت ربي عز وجل‏.‏ رحمه الله تعالى‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قراءة الأفكار - هل يتمكن الدماغ البشري من قراءة الافكار ! دموع الملائكة المنتدى العلمي - أبحاث علمية - بحوث علمية 2 03-06-2010 03:41 AM
تلك الدموع.... العبادي00 خواطر , عذب الكلام والخواطر 3 01-04-2010 03:40 AM
لحن الدموع البراق33 خواطر , عذب الكلام والخواطر 7 04-04-2007 05:28 PM
جفت الدموع hemoo_fon خواطر , عذب الكلام والخواطر 2 11-30-2003 09:15 PM

الساعة الآن 11:52 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103