تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات ادبيه وفكريه وثقافيه > التاريخ والحضارة القديمة والتراث > قسم الوثائق والصور والحرف والتراث

قسم الوثائق والصور والحرف والتراث قسم الوثائق والصور والحرف والتراث

البداية والنهاية .. قراءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-31-2014, 09:54 PM   #121 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ADS



الجزء السابع
سنة ثلاث عشرة من الهجرة
استهلت هذه السنة والصديق عازم على جمع الجنود ليبعثهم إلى الشام، وذلك بعد مرجعه من الحج عملاً بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏}‏، ‏[‏التوبة‏:‏ 123‏]‏‏.‏
وبقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ‏}‏ الآية ‏[‏التوبة‏:‏ 29‏]‏، واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه جمع المسلمين لغزو الشام - وذلك عام تبوك - حتى وصلها في حر شديد وجهد‏.‏
فرجع عامه ذلك‏.‏
ثم بعث قبل موته أسامة بن زيد مولاه ليغزو تخوم الشام كما تقدم‏.‏
ولما فرغ الصديق من أمر جزيرة العرب بسط يمينه إلى العراق، فبعث إليها خالد بن الوليد، ثم أراد أن يبعث إلى الشام كما بعث إلى العراق، فشرع في جمع الأمراء في أماكن متفرقة من جزيرة العرب، وكان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة معه الوليد بن عقبة فيهم، فكتب إليه يستنفره إلى الشام‏:‏ إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاكه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة، وسماه لك أخرى وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك‏.‏
فكتب إليه عمرو بن العاص‏:‏ إني سهم من سهام الإسلام وأنت عبد الله الرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها فارم بي فيها‏.‏
وكتب إلى الوليد بن عقبة بمثل ذلك ورد عليه مثله، وأقبلا بعد ما استخلفا في عملهما، إلى المدينة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/6‏)‏
وقدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن فدخل المدينة وعليه جبة ديباج، فلما رآها عمر عليه أمر من هناك من الناس بتحريقها عنه، فغضب خالد بن سعيد وقال لعلي بن أبي طالب‏:‏ يا أبا الحسن أغلبتم يا بني عبد مناف عن الأمرة‏؟‏
فقال له علي‏:‏ أمغالبة تراها أو خلافة ‏؟‏
فقال‏:‏ لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم‏.‏
فقال له عمر بن الخطاب‏:‏ اسكت فض الله فاك، والله لا تزال كاذباً تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلا نفسك، وأبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر، ولما اجتمع عند الصديق من الجيوش ما أراد قام في الناس خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله، ثم حث الناس على الجهاد، فقال‏:‏ ألا لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد فإن القصد أبلغ، إلا أنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا إيمان لمن خشيه له، ولا عمل لمن لا نية له، ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به هي النجاة التي دل الله عليها إذ نجى بها من الخزي، والحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة‏.‏
ثم شرع الصديق في تولية الأمراء وعقد الألوية والرايات، فيقال‏:‏ إن أول لواء عقده لخالد بن سعيد بن العاص، فجاء عمر بن الخطاب فثناه عنه، وذكره بما قال، فلم يتأثر به الصديق كما تأثر به عمر، بل عزله عن الشام وولاه أرض تيماء يكون بها فيمن معه من المسلمين حتى يأتيه أمره‏.‏
ثم عقد لواء يزيد بن أبي سفيان، ومعه جمهور من الناس، ومعه سهيل بن عمرو، وأشباهه من أهل مكة، وخرج معه ماشياً يوصيه بما اعتمده في حربه ومن معه من المسلمين، وجعل له دمشق‏.‏
وبعث أبا عبيدة بن الجراح على جند آخر، وخرج معه ماشياً يوصيه، وجعل له نيابة حمص‏.‏
وبعث عمرو بن العاص، ومعه جند آخر وجعله على فلسطين، وأمر كل أمير أن يسلك طريقاً غير طريق الآخر، لما لحظ في ذلك تداخل من المصالح‏.‏
وكان الصديق اقتدى في ذلك بنبي الله يعقوب حين قال لبنيه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 67‏]‏ فكان سلوك يزيد بن أبي سفيان على تبوك‏.‏
قال المدائني بإسناده عن شيوخه قالوا‏:‏ وكان بعث أبي بكر هذه الجيوش في أول سنة ثلاث عشرة‏.‏
قال محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان‏:‏ خرج أبو بكر ماشياً، ويزيد بن أبي سفيان راكباً، فجعل يوصيه، فلما فرغ قال‏:‏ أقرئك السلام، واستودعك الله‏.‏ ثم انصرف ومضى يزيد وأجد السير‏.‏
ثم تبعه شرحبيل بن حسنة، ثم أبو عبيدة مدداً لهما فسلكوا غير ذلك الطريق‏.‏
وخرج عمرو بن العاص حتى نزل العرمات من أرض الشام‏.‏
ويقال‏:‏ إن يزيد بن أبي سفيان نزل البلقاء أولاً‏.‏
ونزل شرحبيل بالأردن، ويقال ببصرى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/7‏)‏
ونزل أبو عبيدة بالجابية‏.‏
وجعل الصديق يمدهم بالجيوش، وأمر كل واحد منهم أن ينضاف إلى من أحب من الأمراء‏.‏
ويقال‏:‏ إن أبا عبيدة لما مر بأرض البلقاء قاتلهم حتى صالحوه، وكان أول صلح وقع بالشام‏.‏
ويقال‏:‏ إن أول حرب وقع بالشام أن الروم اجتمعوا بمكان يقال له‏:‏ العرية من أرض فلسطين، فوجه إليهم أبا أمامة الباهلي في سرية فقتلهم وغنم منهم، وقتل منهم بطريقاً عظيماً‏.‏
ثم كانت بعد هذه وقعة مرج الصفراء استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاص، وجماعة من المسلمين‏.‏
ويقال‏:‏ إن الذي استشهد في مرج الصفراء ابن لخالد بن سعيد، وأما هو ففر حتى انحاز إلى أرض الحجاز فالله أعلم‏.‏
حكاه ابن جرير‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ ولما انتهى خالد بن سعيد إلى تيماء، اجتمع له جنود من الروم في جمع كثير من نصارى العرب، من غيرا، وتنوخ، وبني كلب، وسليح، ولخم، وجذام، وغسان، فتقدم إليهم خالد بن سعيد، فلما اقترب منهم تفرقوا عنه ودخل كثير منهم في الإسلام، وبعث إلى الصديق يعلمه بما وقع من الفتح فأمره الصديق أن يتقدم ولا يحجم؛ وأمده بالوليد بن عقبة، وعكرمة بن أبي جهل، وجماعة‏.‏
فسار إلى قريب من إيلياء فالتقى هو وأمير من الروم يقال له‏:‏ ماهان فكسره، ولجأ ماهان إلى دمشق، فلحقه خالد بن سعيد، وبادر الجيوش إلى لحوق دمشق وطلب الحظوة، فوصلوا إلى مرج الصفراء، فانطوت عليه مسالح ماهان، وأخذوا عليهم الطريق، وزحف ماهان ففر خالد بن سعيد، فلم يرد إلى ذي المروة‏.‏
واستحوذ الروم على جيشهم إلا من فر على الخيل، وثبت عكرمة بن أبي جهل، وقد تقهقر عن الشام قريباً وبقي رداءاً لمن نفر إليه، وأقبل شرحبيل بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد إلى الصديق، فأمّره على جيشه وبعثه إلى الشام، فلما مر بخالد بن سعيد بذي المروة، أخذ جمهور أصحابه الذين هربوا معه إلى ذي المروة‏.‏
ثم اجتمع عند الصديق طائفة من الناس فأمّر عليهم معاوية بن أبي سفيان، وأرسله وراء أخيه يزيد بن أبي سفيان، ولما مرَّ بخالد بن سعيد أخذ من كان بقي معه بذي المروة إلى الشام‏.‏
ثم أذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول إلى المدينة وقال‏:‏ كان عمر أعلم بخالد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 8‏)‏


بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 09:57 PM   #122 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
وقعة اليرموك
على ما ذكره سيف بن عمر في هذه السنة قبل فتح دمشق، وتبعه على ذلك أبو جعفر بن جرير - رحمه الله - وأما الحافظ ابن عساكر - رحمه الله - فإنه نقل عن يزيد بن أبي عبيدة، والوليد، وابن لهيعة، والليث، وأبي معشر، أنها كانت في سنة خمسة عشرة بعد فتح دمشق‏.‏
وقال محمد بن إسحاق‏:‏ كانت في رجب سنة خمس عشرة‏.‏
وقال خليفة بن خياط‏:‏ قال ابن الكلبي‏:‏ كانت وقعة اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة‏.‏
قال ابن عساكر‏:‏ وهذا هو المحفوظ، وأما ما قاله سيف‏:‏ من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة، فلم يتابع عليه‏.‏
قلت‏:‏ وهذا ذكر سياق سيف وغيره على ما أورده ابن جرير وغيره‏.‏
قال‏:‏ ولما توجهت هذه الجيوش نحو الشام أفزع ذلك الروم، وخافوا خوفاً شديداً، وكتبوا إلى هرقل يعلمونه بما كان من الأمر، فيقال‏:‏ إنه كان يومئذ بحمص، ويقال‏:‏ كان حج عامه ذلك إلى بيت المقدس، فلما انتهى إليه الخبر‏.‏
قال لهم‏:‏ ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، وإنهم لا قِبَلَ لأحدٍ بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام، ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام، وضيقوا عليكم جبال الروم‏.‏
فنخروا من ذلك نخرة حمر الوحش كما هي عاداتهم في قلة المعرفة، والرأي بالحرب، والنصرة في الدين والدنيا‏.‏
فعند ذلك سار إلى حمص، وأمر هرقل بخروج الجيوش الرومية صحبة الأمراء، في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش كثيف، فبعث إلى عمرو بن العاص أخاً له لأبويه تذارق في تسعين ألفاً من المقاتلة‏.‏
وبعث جرجة بن بوذيها إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بازائه في خمسين ألفاً أو ستين ألفاً‏.‏
وبعث الدارقص إلى شرحبيل بن حسنة‏.‏
وبعث اللقيقار، ويقال‏:‏ القيقلان - قال ابن إسحاق وهو خصي هرقل نسطورس - في ستين ألفاً إلى أبي عبيدة بن الجراح‏.‏
وقالت الروم‏:‏ والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا‏.‏
وجميع عساكر المسلمين أحد وعشرون ألفاً سوى الجيش الذي مع عكرمة بن أبي جهل‏.‏
وكان واقفاً في طرف الشام ردءاً للناس - في سنة آلاف - فكتب الأمراء إلى أبو بكر وعمر يعلمونهما بما وقع من الأمر العظيم، فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونوا جنداً واحداً، والقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله، والله ينصر من نصره، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، وليصل كل رجل منكم بأصحابه‏.‏
وقال الصديق‏:‏ والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد، وبعث إليه وهو بالعراق، ليقدم إلى الشام فيكون الأمير على من به فإذا فرغ عاد إلى عمله بالعراق، فكان ما سنذكره‏.‏
ولما بلغ هرقل ما أمر به الصديق أمراءه من الاجتماع، بعث إلى أمرائه أن يجتمعوا أيضاً، وأن ينزلوا بالجيش منزلا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، وعلى الناس أخوه تذارق، وعلى المقدمة جرجة، وعلى المجنبتين ماهان، والدارقص، وعلى البحر القيقلان‏.‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 9‏)‏‏.‏
وقال محمد بن عائد عن عبد الأعلى عن سعيد بن عبد العزيز‏:‏ إن المسلمين كانوا أربعة وعشرين ألفاً، وعليهم أبو عبيدة، والروم كانوا عشرين ومائة ألف عليهم ماهان وسقلاب يوم اليرموك‏.‏
وكذا ذكر ابن إسحاق‏:‏ أن سقلاب الخصي كان على الروم يومئذ في مائة ألف، وعلى المقدمة جرجه - من أرمينية - في اثني عشر ألفاً، ومن المستعربة اثني عشر ألفاً عليهم جبلة بن الأيهم، والمسلمون في أربعة وعشرين ألفاً، فقاتلوا قتالاً شديداً، حتى قاتلت النساء من ورائهم أشد القتال‏.‏
وقال الوليد‏:‏ عن صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير قال‏:‏ بعث هرقل مائتي ألف عليهم ماهان الأرمني‏.‏
قال سيف‏:‏ فسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريباً من اليرموك، وصار الوادي خندقاً عليهم‏.‏
وبعث الصحابة إلى الصديق يستمدونه ويعلمونه بما اجتمع من جيش الروم باليرموك، فكتب الصديق عند ذلك إلى خالد بن الوليد أن يستنيب على العراق، وأن يقفل بمن معه إلى الشام، فإذا وصل إليهم فهو الأمير عليهم، فاستناب المثنى بن حارثة على العراق، وسار خالد مسرعاً في تسعة آلاف وخمسمائة، ودليله رافع بن عميرة الطائي فأخذ به على السماق حتى انتهى إلى قراقر، وسلك به أراضي لم يسلكها قبله أحد، فاجتاب البراري والقفار، وقطع الأودية، وتصعّد على الجبال، وسار في غير مهيع، وجعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق، وهو في مفاوز معطشة، وعطش النوق وسقاها الماء عللاً بعد نهل، وقطع مشارفها وكعمها حتى لا تجتز رحل أدبارها‏.‏
واستاقها معه، فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء، ويقال‏:‏ بل سقاه الخيل، وشربوا ما كانت تحمله من الماء، وأكلوا لحومها، ووصل ولله الحمد والمنة في خمسة أيام، فخرج على الروم من ناحية تدمر، فصالح أهل تدمر وأركه، ولما مر بعذراء أباحها وغنم لغسان أموالاً عظيمة، وخرج من شرقي دمشق ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها وسلمها إليه، فكانت أول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 10‏)‏
وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني إلى الصديق، ثم سار خالد، وأبو عبيدة، ومرثد، وشرحبيل إلى عمرو بن العاص - وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور - فكانت واقعة أجنادين‏.‏
وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد‏:‏
لله عينا رافع أنى اهتدى * فوز من قراقر إلى نوى
خمساً إذا ماسارها الجيش بكى * ما سارها قبلك أنسي أرى
وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير‏:‏ إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك‏.‏
فسار خالد بمن معه، وسروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد‏:‏ عند الصباح يحمد القوم السرى، فأرسلها مثلاً وهو أول من قالها رضي الله عنه‏.‏
ويقول غير ابن إسحاق كسيف بن عمر، وأبي نحيف وغيرهما في تكميل السياق الأول‏:‏ حين اجتمعت الروم مع أمرائها بالواقوصة، وانتقل الصحابة من منزلهم الذي كانوا فيه، فنزلوا قريباً من الروم في طريقهم الذي ليس لهم طريق غيره، فقال عمرو بن العاص‏:‏
أبشروا أيها الناس، فقد حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور بخير‏.‏
ويقال‏:‏ إن الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير إلى الروم جلس الأمراء لذلك، فجاء أبو سفيان فقال‏:‏ ما كنت أظن أني أعمر حتى أدرك قوماً يجتمعون لحرب ولا أحضرهم‏.‏
ثم أشار أن يتجزأ الجيش ثلاثة أجزاء‏:‏
فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم، ثم تسير الأثقال والذراري في الثلث الآخر، ويتأخر خالد بالثلث الآخر حتى إذا وصلت الأثقال إلى أولئك سار بعدهم ونزلوا في مكان تكون البرية من وراء ظهورهم، لتصل إليهم البرد والمدد‏.‏
فامتثلوا ما أشار به ونعم الرأي هو‏.‏
وذكر الوليد، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير‏:‏ أن الروم نزلوا فيما بين دير أيوب واليرموك، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر، وأذرعات خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة‏.‏
ويقال‏:‏ إن خالداً إنما قدم عليهم بعد ما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صابروهم وحاصروهم شهر ربيع الأول بكماله، فلما انسلخ وأمكن القتال لقلة الماء بعثوا إلى الصديق يستمدونه فقال خالد لها، فبعث إلى خالد فقدم عليهم في ربيع الآخر، فعند وصول خالد إليهم أقبل ماهان مدداً للروم ومعه القساقسة، والشمامسة، والرهبان، يحثونهم ويحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية‏.‏
فتكامل جيش الروم أربعون ومائتا ألف وثمانون ألفاً مسلسل بالحديد والحبال، وثمانون ألفاً فارس، وثمانون ألفاً راجل‏.‏
قال سيف‏:‏ وقيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفرون ثلاثين ألفاً، فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 11‏)‏
قال سيف‏:‏ وقدم عكرمة بمن معه من الجيوش فتكامل جيش الصحابة ستة وثلاثين ألفاً إلى الأربعين ألفاً‏.‏
وعند ابن إسحاق والمدايني أيضاً‏:‏ أن وقعة أجنادين قبل وقعة اليرموك، وكانت واقعة أجنادين لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وقتل بها بشر كثير من الصحابة، وهزم الروم، وقتل أميرهم القيقلان‏.‏
وكان قد بعث رجلاً من نصارى العرب يجس له أمر الصحابة فلما رجع إليه قال‏:‏ وجدت قوماً رهبانا بالليل فرساناً بالنهار، والله لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه، أو زنى لرجموه‏.‏
فقال له القيقلان‏:‏ والله لئن كنت صادقاً لبطن الأرض خير من ظهرها‏.‏
وقال سيف بن عمر في سياقه‏:‏ ووجد خالد الجيوش متفرقة، فجيش أبي عبيدة وعمرو بن العاص ناحية، وجيش يزيد وشرحبيل ناحية‏.‏
فقام خالد في الناس خطيباً‏.‏
فأمرهم بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف‏.‏ فاجتمع الناس وتصافوا مع عدوهم في أول جمادى الآخرة، وقام خالد بن الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال‏:‏
إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وإن هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم وإن هزمونا لا نفلح بعدها أبداً، فتعالوا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضناً اليوم والآخر غداً والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم، ودعوني اليوم إليكم فأمروه عليهم وهم يظنون أن الأمر يطول جداً، فخرجت الروم في تعبئة لم ير مثلها قبلها قط‏.‏
وخرج خالد في تعبئة لم تعبها العرب من قبل ذلك‏.‏
فخرج في ستة وثلاثين كردوساً إلى الأربعين، كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وجعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص، ومعه شرحبيل بن حسنة، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان‏.‏
وأمر على كل كردوس أميراً، وعلى الطلائع قباب بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود، والقاضي يومئذ أبو الدرداء، وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد المقداد بن الأسود‏.‏
وذكر إسحاق بن يسار بإسناده‏:‏ أن أمراء الأرباع يومئذ كانوا أربعة‏:‏
أبو عبيدة، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وخرج الناس على راياتهم وعلى الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيالة خالد بن الوليد، وهو المشير في الحرب الذي يصدر الناس كلهم عن رأيه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 12‏)‏
ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها، كأنهم غمامة سوداء، يصيحون بأصوات مرتفعة، ورهبانهم يتلون الإنجيل ويحثونهم على القتال، وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش فساق بفرسه إلى أبي عبيدة فقال له‏:‏
إني مشير بأمر، فقال‏:‏ قل أمرك الله أسمع لك وأطيع فقال له خالد‏:‏
إن هؤلاء القوم لا بد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني أخشى على الميمنة والميسرة وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين، وأجعلها وراء الميمنة والميسرة حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءاً فنأتيهم من ورائهم‏.‏
فقال له‏:‏ نعم ما رأيت‏.‏
فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة، وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى، وأمر أبا عبيدة أن يتأخر عن القلب إلى وراء الجيش كله، لكي إذا رآه المنهزم استحى منه ورجع إلى القتال، فجعل أبو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد أحد العشر رضي الله عنهم، وساق خالد إلى النساء من وراء الجيش ومعهن عدد من السيوف وغيرها‏.‏
فقال لهن‏:‏ من رأيتموه مولياً فاقتلنه، ثم رجع إلى موقفه رضي الله عنه‏.‏
ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين فقال‏:‏ عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدأوهم بالقتال وشرِّعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله تعالى‏.‏
قالوا‏:‏ وخرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم ويقول‏:‏ يا أهل القرآن، ومتحفظي الكتاب وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق ألم تسمعوا لقول الله‏:‏ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏55‏]‏ الآية، فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فراراً من عدوكم، وأنتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره‏.‏
وقال عمرو بن العاص‏:‏ يا أيها المسلمون غضوا الأبصار، وأجثوا على الركب، وأشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويجزي بالإحسان إحساناً، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفراً كفراً وقصراً قصراً فلا يهولكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل‏.‏
وقال أبو سفيان‏:‏ يا معشر المسلمين أنتم العرب وقد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل نائين عن أمير المؤمنين وإمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده شديد عليكم حنقه، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غداً إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا وإنها سنة لازمة وأن الأرض ورائكم، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري، ليس لأحد فيها معقل ولا معدل إلا الصبر ورجاء ما وعد لله فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون‏.‏
ثم ذهب إلى النساء فوصاهم، ثم عاد فنادى‏:‏ يا معاشر أهل الإسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم، ثم سار إلى موقفه رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 13‏)‏
وقد وعظ الناس أبو هريرة أيضاً فجعل يقول‏:‏ سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم عز وجل في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، ألا وإن للصابرين فضلهم‏.‏
قال سيف بن عمر إسناده عن شيوخه أنهم قالوا‏:‏ كان في ذلك الجمع ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر‏.‏
وجعل أبو سفيان يقف على كل كردوس ويقول‏:‏ الله الله إنكم دارة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم دارة الروم وأنصار الشرك، اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك‏.‏
قالوا‏:‏ ولما أقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد‏:‏ ما أكثر الروم وأقل المسلمين ‏!‏‏!‏ فقال خالد‏:‏ ويلك، أتخوفني بالروم‏؟‏ إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر برأ من توجعه، وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق -‏.‏
ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الأزور، والحارث بن هشام، وأبو جندل بن سهيل، ونادوا‏:‏ إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على تذارق، وإذا هو جالس في خيمة من حرير‏.‏
فقال الصحابة‏:‏ لا نستحل دخولها فأمر لهم بفرش بسط من حرير، فقالوا‏:‏ ولا نجلس على هذه‏.‏
فجلس معهم حيث أحبوا وتراضوا على الصلح، ورجع عنهم الصحابة بعد ما دعوهم إلى الله عز وجل فلم يتم ذلك‏.‏
وذكر الوليد بن مسلم‏:‏ أن ماهان طلب خالداً ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم‏.‏
فقال ماهان‏:‏ إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعام وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها‏.‏
فقال خالد‏:‏ إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أن لا دم أطيب من دم الروم فجئنا لذلك‏.‏
فقال أصحاب ماهان‏:‏ هذا والله ما كنا نُحَدَّثُ به العرب‏.‏
قالوا‏:‏ ثم تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو - وهما على مجنبتي القلب - أن ينشئا القتال‏.‏
فبدرا يرتجزان ودعوا إلى البراز، وتنازل الأبطال، وتجاولوا وحمى الحرب وقامت على ساق‏.‏ هذا وخالد مع كردوس من الحماة الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، والأبطال يتصاولون من الفريقين بين يديه، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل، ويدبر أمر الحرب أتم تدبير‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 14‏)‏
وقال إسحاق بن بشير عن سعيد بن عبد العزيز عن قدماء مشايخ دمشق، قالوا‏:‏ ثم زحف ماهان فخرج أبو عبيدة، وقد جعل على الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة قباب بن أشيم الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيل خالد بن الوليد، وخرج الناس على راياتهم، وسار أبو عبيدة بالمسلمين، وهو يقول‏:‏
عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معاشر المسلمين اصبروا وصابروا فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب، ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدؤوهم بالقتال، وأشرعوا الرماح واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله‏.‏
وخرج معاذ بن جبل فجعل يذكرهم، ويقول‏:‏ يا أهل القرآن، ومستحفظي الكتاب، وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال، وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا للصادق المصدق، ألم تسمعوا لقول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ إلى آخر الآية فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فراراً من عدوكم، وأنتم في قبضته، وليس لكم ملتحد من دونه‏.‏
وسار عمرو بن العاص في الناس وهو يقول‏:‏
أيها المسلمون غضوا الأبصار، واجثوا على الراكب، وأشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا وثبة الأسد، فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب ويجزي الإحسان إحساناً، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفراً كفراً وقصراً قصراً، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد لتطايروا تطاير أولاد الحجل‏.‏
ثم تكلم أبو سفيان فأحسن وحث على القتال فأبلغ في كلام طويل‏.‏
ثم قال حين تواجه الناس‏:‏
يا معشر أهل الإسلام حضر ما ترون، فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم، وحرض أبو سفيان النساء وقال‏:‏ من رأيتنه فارَّاً فاضربنه بهذه الأحجار والعصي حتى يرجع‏.‏
وأشار خالد أن يقف في القلب سعيد بن زيد، وأن يكون أبو عبيدة من وراء الناس ليرد المنهزم، وقسم خالد الخيل قسمين‏:‏
فجعل فرقة وراء الميمنة‏.‏
وفرقة وراء الميسرة‏.‏
لئلا يفر الناس وليكونوا ردءاً لهم من ورائهم‏.‏
فقال له أصحابه‏:‏ افعل ما أراك الله، وامتثلوا ما أشار به خالد رضي الله عنه‏.‏
وأقبلت الروم رافعة صلبانها ولهم أصوات مزعجة كالرعد، والقساقسة والبطارقة تحرضهم على القتال، وهم في عدد وعدد لم ير مثله، فالله المستعان وعليه التكلان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 15‏)‏
وقد كان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام، وهو أفضل من هناك من الصحابة، وكان من فرسان الناس وشجعانهم، فاجتمع إليه جماعة من الأبطال يومئذ فقالوا‏:‏ ألا تحمل فنحمل معك‏؟‏
فقال‏:‏ إنكم لا تثبتون‏.‏
فقالوا‏:‏ بلى‏!‏ فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه ثم جاؤوا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى، وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه، وفي رواية‏:‏ جرح‏.‏
وقد روى البخاري معنى ما ذكرناه في صحيحه‏.‏
وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول‏:‏ اللهم زلزل أقدامهم، وأرعب قلوبهم، وأنزل علينا السكينة، وألزمنا كلمة التقوى، وحبب إلينا اللقاء، وأرضنا بالقضاء‏.‏
وخرج ماهان فأمر صاحب الميسرة وهو الدبريجان، وكان عدو الله متنسكاً فيهم، فحمل على الميمنة وفيها الأزد، ومذحج، وحضرموت، وخولان، فثبتوا حتى صدقوا أعداء الله، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال‏.‏
فزال المسلمون من الميمنة إلى ناحية القلب، وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر، وثبت صور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، وانكشف زبيد‏.‏
ثم تنادوا فتراجعوا وحملوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم، وأشغلوهم عن أتباع من انكشف من الناس، واستقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة، وجعلت خولة بنت ثعلبة تقول‏:‏
يا هارباً عن نسوة تقّيات * فعن قليل ما ترى سبيات
ولا حصيات ولا رضيات
قال‏:‏ فتراجع الناس إلى مواقفهم‏.‏
وقال سيف بن عمر، عن أبي عثمان الغساني عن أبيه، قال قال عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك‏:‏ قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم‏؟‏
ثم نادى‏:‏ من يبايع على الموت‏؟‏
فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعاً جراحاً، وقتل منهم خلق منهم‏:‏ ضرار بن الأزور رضي الله عنهم‏.‏
وقد ذكر الواقدي وغيره‏:‏ أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجيء إليهم بشربة ماء فلما اقتربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال‏:‏ ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر، فقال‏:‏ ادفعها إليه فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعاً ولم يشربها أحد منهم رضي الله عنهم أجمعين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 16‏)‏
ويقال‏:‏ إن أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيداً رجل جاء إلى أبو عبيدة، فقال‏:‏ إني قد تهيأت لأمري فهل لك من حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏
قال‏:‏ نعم، تقرئه عني السلام وتقول‏:‏ يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً‏.‏
قال‏:‏ فتقدم هذا الرجل حتى قتل رحمه الله‏.‏
قالوا‏:‏ وثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنها الرحا‏.‏
فلم تر يوم اليرموك إلا مخاً ساقطاً، ومعصماً نادراً، وكفاً طائرة من ذلك الموطن‏.‏
ثم حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف منهم ثم قال‏:‏ والذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد غير ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم، ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف فما وصل إليهم حتى انفض جمعهم، وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد فانكشفوا وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم‏.‏
قالوا‏:‏ وبينما هم في جولة الحرب وحومة الوغى والأبطال يتصاولون من كل جانب، إذ قدم البريد من نحو الحجاز فدفع إلى خالد بن الوليد فقال له‏:‏ ما الخبر‏؟‏
فقال له - فيما بينه وبينه -‏:‏ إن الصديق رضي الله عنه قد توفي، واستخلف عمر، واستناب على الجيوش أبا عبيدة عامر بن الجراح فأسرها خالد ولم يبد ذلك للناس لئلا يحصل ضعف ووهن في تلك الحال، وقال له والناس يسمعون‏:‏ أحسنت، وأخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة، وأوقف الرسول الذي جاء بالكتاب - وهو منجمة بن زنيم - إلى جانبه، كذا ذكره ابن جرير بأسانيده‏.‏
قالوا‏:‏ وخرج جرجه أحد الأمراء الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجه‏:‏ يا خالد أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمتهم‏؟‏
قال‏:‏ لا‏!‏
قال‏:‏ فبم سميت سيف الله‏؟‏
قال‏:‏ إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعاً، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه‏.‏
فقال لي‏:‏ أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 17‏)‏
فقال جرجه‏:‏ يا خالد إلى ما تدعون‏؟‏
قال‏:‏ إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله عز وجل‏.‏
قال‏:‏ فمن لم يجبكم‏؟‏
قال‏:‏ فالجزية ونمنعهم‏.‏
قال‏:‏ فإن لم يعطها‏؟‏
قال‏:‏ نؤذنه بالحرب ثم نقاتله‏.‏
قال‏:‏ فما منزلة من يجيبكم، ويدخل في هذا الأمر اليوم‏؟‏
قال‏:‏ منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا‏.‏
قال جرجه‏:‏ فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر‏؟‏
قال‏:‏ نعم وأفضل‏.‏
قال‏:‏ وكيف يساويكم وقد سبقتموه‏؟‏
فقال خالد‏:‏ إنا قبلنا هذا الأمر عنوة، وبايعنا نبينا وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا‏.‏
فقال جرجه‏:‏ بالله لقد صدقتني ولم تخادعني‏؟‏
قال‏:‏ تالله لقد صدقتك، وإن الله ولي ما سألت عنه‏.‏
فعند ذلك قلب جرجه الترس ومال مع خالد وقال‏:‏ علمني الإسلام فمال به خالد إلى فسطاطه فسن عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين‏.‏
وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة بن أبي جهل، والحرث بن هشام‏.‏
فركب خالد وجرجه معه والروم خلال المسلمين، فتنادى الناس وثابوا وتراجعت الروم إلى مواقفهم وزحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجه من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب‏.‏
وصلى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر إيماء وأصيب جرجه رحمه الله ولم يصل لله إلا تلك الركعتين مع خالد رضي الله عنهما، وضعضعت الروم عند ذلك‏.‏
ثم نهد خالد بالقلب حتى صار في وسط خيول الروم، فعند ذلك هربت خيالتهم، وأسندت بهم في تلك الصحراء، وأفرج المسلمون بخيولهم حتى ذهبوا‏.‏
وأخر الناس صلاتي العشاءين، حتى استقر الفتح، وعمد خالد إلى رحل الروم وهم الرجالة ففصلوهم حتى آخرهم حتى صاروا كأنهم حائط قد هدم ثم تبعوا من فر من الخيالة، واقتحم خالد عليهم خندقهم، وجاء الروم في ظلام الليل إلى الواقوصة، فجعل الذين تسلسلوا وقيدوا بعضهم ببعض إذا سقط واحد منهم سقط الذين معه‏.‏
قال ابن جرير وغيره‏:‏ فسقط فيها وقتل عندها مائة ألف وعشرون ألفاً سوى من قتل في المعركة‏.‏
وقد قاتل نساء المسلمين في هذا اليوم وقتلوا خلقاً كثيراً من الروم، وكن يضربن من انهزم من المسلمين، ويقلن‏:‏ أين تذهبون وتدعوننا للعلوج‏؟‏ فإذا زجرنهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى القتال‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 18‏)‏
قال‏:‏ وتجلل القيقلان وأشراف من قومه من الروم ببرانسهم، وقالوا‏:‏ إذا لم نقدر على نصر دين النصرانية فلنمت على دينهم، فجاء المسلمون فقتلوهم عن آخرهم‏.‏
قالوا‏:‏ وقتل في هذا اليوم من المسلمين ثلاثة آلاف منهم‏:‏ عكرمة وابنه عمرو، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وأثبت خالد بن سعيد فلا يدرى أين ذهب، وضرار بن الأزور، وهشام بن العاص، وعمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسي، وحقق الله رؤيا أبيه يوم اليمامة‏.‏
وقد أتلف في هذا اليوم جماعة من الناس وانهزم عمرو بن العاص في أربعة حتى وصلوا إلى النساء ثم تراجعوا حين وعظهم الأمير بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 111‏]‏ الآية‏.‏
وثبت يومئذ يزيد بن أبي سفيان وقاتل قتالاً شديداً، وذلك أن أباه مر به فقال له‏:‏ يا بني عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين إلا محفوفاً بالقتال، فكيف بك وبأشباهك الذين ولو أمور المسلمين ‏؟‏‏!‏ أولئك أحق الناس بالصبر والنصيحة، فاتق الله يا بني، ولا يكونن أحد من أصحابك بأرغب في الأجر والصبر في الحرب، ولا أجرأ على عدو الإسلام منك‏.‏
فقال‏:‏ أفعل إن شاء الله‏.‏
فقاتل يومئذ قتالاً شديداً، وكان من ناحية القلب رضي الله عنه‏.‏
قال سعيد بن المسيب عن أبيه قال‏:‏ هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتاً يكاد يملأ العسكر يقول‏:‏ يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين، قال‏:‏ فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد، وأكمل خالد ليلته في خيمة تذارق أخي هرقل - وهو أمير الروم كلهم يومئذ - هرب فيمن هرب، وباتت الخيول تجول نحو خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى أصبحوا وقتل تذارق وكان له ثلاثون سرادقاً وثلاثون رواقاً من ديباج بما فيها من الفرش والحرير، فلما كان الصباح حازوا ما كان هنالك من الغنائم‏.‏
وما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصديق حين أعلمهم خالد بذلك ولكن عوضهم الله بالفاروق رضي الله عنه‏.‏
وقال خالد حين عزى المسلمين في الصديق‏:‏ الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت وكان أحب إلي من عمر، والحمد لله الذي ولى عمر وكان أبغض إلى من أبي بكر وألزمني حبه‏.‏
وقد اتبع خالد من انهزم من الروم حتى وصل إلى دمشق فخرج إليه أهلها فقالوا‏:‏ نحن على عهدنا وصلحنا‏؟‏
قال‏:‏ نعم‏.‏
ثم اتبعهم إلى ثنية العقاب فقتل منهم خلقاً كثيراً، ثم ساق وراءهم إلى حمص فخرج إليه أهلها فصالحهم كما صالح أهل دمشق‏.‏
وبعث أبو عبيدة عياض بن غنم وراءهم أيضاً فساق حتى وصل ملطية فصالحه أهلها ورجع‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 19‏)‏
فلما بلغ هرقل ذلك بعث إلى مقاتليها فحضروا بين يديه وأمر بملطية فحرقت وانتهت الروم منهزمة إلى هرقل وهو بحمص والمسلمون في آثارهم يقتلون ويأسرون ويغنمون‏.‏
فلما وصل الخبر إلى هرقل ارتحل من حمص، وجعلها بينه وبين المسلمين وترس بها، وقال هرقل‏:‏ أما الشام فلا شام، وويل للروم من المولود المشئوم‏.‏
ومما قيل من الأشعار في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو‏:‏
ألم ترنا على اليرموك فزنا * كما فزنا بأيام العراق
وعذراء المدائن قد فتحنا * ومرج الصفر على العتاق
فتحنا قبلها بصرى وكانت * محرمة الجناب لدى النعاق
قتلنا من أقام لنا وفينا * نهابهم بأسياف رقاق
قتلنا الروم حتى ما تساوى * على اليرموك معروق الوراق
فضضنا جمعهم لما استجالوا * على الواقوص بالبتر الرقاق
غداة تهافتوا فيها فصاروا * إلى أمر يعضل بالذواق
وقال الأسود بن مقرن التميمي‏:‏
وكم قد أغرنا غارة بعد غارة *يوماً ويوماً قد كشفنا أهاوله
ولولا رجال كان عشو غنيمة * لدى مأقط رجت علينا أوائله
لقيناهم اليرموك لما تضايقت * بمن حل باليرموك منه حمائله
فلا يعد من منا هرقل كتائباً * إذا رامها رام الذي لا يحاوله
وقال عمرو بن العاص‏:‏
القوم لخم وجذام في الحرب * ونحن والروم بمرج نضطرب
فإن يعودوا بها لا نصطحب * بل نعصب الفرار بالضرب الكرب
وروى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة‏:‏ حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا أبو معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق قال‏:‏ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء‏.‏
فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمة الروم‏:‏ ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرا مثلكم‏؟‏
قالوا‏:‏ بلى‏.‏
قال‏:‏ فأنتم أكثر أم هم‏؟‏
قالوا‏:‏ بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موطن‏.‏
قال‏:‏ فما بالكم تنهزمون‏؟‏
فقال شيخ من عظمائهم‏:‏ من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغصب، ونظلم، ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض‏.‏
فقال‏:‏ أنت صدقتني‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 20‏)‏
وقال الوليد بن مسلم‏:‏ أخبرني من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا‏:‏ لما نزل المسلمون بناحية الأردن، تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق منها قبل ذلك، فبينا نحن فيها إذ أرسل إلينا بطريقها فجئناه‏.‏
فقال‏:‏ أنتما من العرب‏؟‏
قلنا‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ وعلى النصرانية‏؟‏
قلنا‏:‏ نعم‏.‏
فقال‏:‏ ليذهب أحدكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم ورأيهم، وليثبت الآخر على متاع صاحبه‏.‏
ففعل ذلك أحدنا فلبث ملياً ثم جاءه فقال‏:‏ جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولاً عتاقاً، أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها، ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر‏.‏
قال‏:‏ فالتفت إلى أصحابه، وقال‏:‏ آتاكم منهم ما لا طاقة لكم به‏.‏

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 09:58 PM   #123 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
انتقال إمرة الشام من خالد إلى أبي عبيدة بعد وقعة اليرموك
وصيرورة الإمرة بالشام إلى أبو عبيدة، فكان أبو عبيدة أول من سمي أمير الأمراء‏.‏
وقد تقدم أن البريد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم يوم اليرموك، وأن خالداً كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن، فلما أصبحوا أجلى لهم الأمر وقال ما قال، ثم شرع أبو عبيدة في جمع الغنيمة وتخميسها، وبعث بالفتح والخمس مع قباب بن أشيم إلى الحجاز، ثم نودي بالرحيل إلى دمشق، فساروا حتى نزلوا مرج الصفر، وبعث أبو عبيدة بين يديه طليعة أبا أمامة الباهلي ومعه رجلان من أصحابه‏.‏
قال أبو أمامة‏:‏ فسرت فلما كان ببعض الطريق أمرت الآخر فكمن هناك وسرت أنا وحدي حتى جئت باب البلد، وهو مغلق في الليل وليس هناك أحد فنزلت وغرزت رمحي بالأرض، ونزعت لجام فرسي، وعلقت عليه مخلاته ونمت فلما أصبح الصباح قمت فتوضأت وصليت الفجر، فإذا باب المدينة يقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته‏.‏
ثم رجعت والطلب ورائي فلما انتهينا إلى الرجل الذي في الطريق من أصحابي ظنوا أنه كمين فرجعوا عني، ثم سرنا حتى أخذنا الآخر‏.‏
وجئت إلى أبو عبيدة فأخبرته بما رأيت فأقام أبو عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من أمر دمشق‏.‏
فجاءه الكتاب يأمره بالمسير إليها، فساروا إليها حتى أحاطوا بها‏.‏
واستخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب في خيل هناك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 21‏)‏
وقعة جرت بالعراق بعد مجيء خالد إلى الشام
وذلك أن أهل فارس اجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه على تمليك شهريار بن أزدشير بن شهريار، واستغنموا غيبة خالد عنهم فبعثوا إلى نائبه المثنى بن حارثة جيشاً كثيفاً نحواً من عشرة آلاف عليهم هرمز بن حادويه، وكتب شهريار إلى المثنى‏:‏ إني قد بعثت إليك جنداً من وحش أهل فارس، إنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم‏.‏
فكتب إليه المثنى‏:‏ من المثنى إلى شهريار إنما أنت أحد رجلين‏:‏ إما باغ لذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد الله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير‏.‏
قال‏:‏ فجزع أهل فارس من هذا الكتاب، ولاموا شهريار على كتابه إليه واستهجنوا رأيه‏.‏
وسار المثنى من الحرة إلى بابل، ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصراة الأولى، اقتتلوا قتالاً شديداً جداً، وأرسل الفرس فيلاً بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن الحارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلاً ذريعاً، وغنموا منهم مالاً عظيماً، وفرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة، ووجدوا الملك قد مات فملكوا عليهم ابنة كسرى بوران بنت أبرويز فأقامت العدل، وأحسنت السيرة، فأقامت سنة وسبع شهور، ثم ماتت فملكوا عليهم أختها آزرميدخت زنان فلم ينتظم لهم أمر، فملكوا عليهم سابور بن شهريار وجعلوا أمره إلى الفرخزاذ بن البندوان فزوجه سابور بابنه كسرى آزرميدخت فكرهت ذلك وقالت‏:‏ إنما هذا عبد من عبيدنا فلما كان ليلة عرسها عليه هموا إليه فقتلوه، ثم ساروا إلى سابور فقتلوه أيضاً، وملكوا عليهم هذه المرأة وهي آزرمدخيت ابنة كسرى، ولعبت فارس بملكها لعباً كثيراً، وآخر ما استقر أمرهم عليه في هذه السنة أن ملكوا امرأة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏(‏‏(‏لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 22‏)‏
وفي هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السعدي، وكان قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل هذه، فلما آيسته رجع إلى البادية وقال‏:‏
هل حبل خولة بعد البين موصول * أم أنت عنها بعيد الدار مشغول
وللأحبة أيام تذكرها * وللنوى قبل يوم البين تأويل
حلَّت خويلة في حي عهدتهم * دون المدينة فيها الديك والفيل
يقارعون رؤس العجم ضاحية * منهم فوارس لا عزل ولا ميل
وقد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل‏:‏
وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة * ببابل إذ في فارس ملك بابل
ثم إن المثنى بن حارثة استبطأ أخبار الصديق لتشاغله بأهل الشام، وما فيه من حرب اليرموك المتقدم ذكره، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق، واستناب على العراق بشير بن الخصاصية، وعلى المسالح سعيد بن مرة العجلي، فلما انتهى المثنى إلى المدينة وجد الصديق في آخر مرض الموت‏.‏
وقد عهد إلى عمر بن الخطاب، ولما رأى الصديق المثنى قال لعمر‏:‏ إذا أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس لحرب أهل العراق مع المثنى، وإذا فتح الله على أمرائنا بالشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أعلم بحربه‏.‏
فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين إلى الجهاد بأرض العراق لقلة من بقي فيه من المقاتلة بعد خالد بن الوليد، فانتدب خلقاً، وأمر عليهم أبا عبيدة بن مسعود، وكان شاباً شجاعاً خبيراً بالحرب والمكيدة، وهذا آخر ما يتعلق بخبر العراق إلى آخر أيام الصديق، وأول دولة الفاروق‏.‏
خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
كانت وفاة الصديق رضي الله عنه في يوم الاثنين عشية، وقيل‏:‏ بعد المغرب، ودفن من ليلته، وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوماً‏.‏
وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان، وقرىء على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا‏.‏
فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وكان عمره يوم توفي ثلاثاً وستين سنة، للسن الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جمع الله بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 23‏)‏
قال محمد بن سعد، عن أبي قطن عمرو بن الهيثم، عن ربيع بن حسان الصائغ قال‏:‏ كان نقش خاتم أبي بكر ‏(‏نعم القادر الله‏)‏‏.‏
وهذا غريب‏.‏
وقد ذكرنا ترجمة الصديق رضي الله عنه، وسيرته وأيامه وما روي من الأحاديث، وما روي عنه من الأحكام في مجلد ولله الحمد والمنة‏.‏
فقام بالأمر من بعده أتم القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏
وهو أول من سمي بأمير المؤمنين‏.‏
وكان أول من حياه بها المغيرة بن شعبة، وقيل‏:‏ غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة عمر بن الخطاب وسيرته التي أفردناها في مجلد، ومسنده والآثار المروية مرتباً على الأبواب في مجلد آخر ولله الحمد‏.‏
وقد كتب بوفاة الصديق إلى أمراء الشام مع شداد بن أوس، ومحمد بن جريح، فوصلا والناس مصافون وجيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا، وقد أمر عمر على الجيوش أبا عبيدة حين ولاه وعزل خالد بن الوليد‏.‏
وذكر سلمة عن محمد بن إسحاق‏:‏ أن عمر إنما عزل خالد لكلام بلغه عنه، ولما كان من أمر مالك بن نويرة، وما كان يعتمده في حربه‏.‏
فلما ولي عمر كان أول ما تكلم به أن عزل خالداً، وقال‏:‏ لا يلي لي عملاً أبداً‏.‏
وكتب عمر إلى أبي عبيدة‏:‏ إن أكذب خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه، وإن لم يكذب نفسه فهو معزول، فأنزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله نصفين‏.‏
فلما قال أبو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد‏:‏ أمهلني حتى استشير أختي، فذهب إلى أخته فاطمة - وكانت تحت الحارث بن هشام - فاستشارها في ذلك، فقالت له‏:‏ إن عمر لا يحبك أبداً، وإنه سيعزلك وإن كذبت نفسك‏.‏
فقال لها‏:‏ صدقت والله، فقاسمه أبو عبيدة حتى أخذ إحدى نعليه وترك له الآخرة، وخالد يقول‏:‏ سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين‏.‏
وقد روى ابن جرير عن صالح بن كيسان أنه قال‏:‏ أول كتاب كتبه عمر إلى أبي عبيدة حين ولاه وعزل خالداً أن قال‏:‏ وأوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بأمرهم الذي يحق عليك، ولا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلاً قبل أن تستريده لهم وتعلم كيف ماتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك، فغض بصرك عن الدنيا، وأله قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم‏.‏
وأمرهم بالمسير إلى دمشق، وكان بعدما بلغه الخبر بفتح اليرموك وجاءته به البشارة، وحمل الخمس إليه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 24‏)‏
وقد ذكر ابن إسحاق أن الصحابة قاتلوا بعد اليرموك أجنادين، ثم بفحل من أرض الغور قريباً من بيسان بمكان يقال له‏:‏ الردغة سمي بذلك لكثرة ما لقوا من الأوحال فيها، فأغلقوها عليهم، وأحاط بها الصحابة‏.‏
قال‏:‏ وحينئذ جاءت الإمارة لأبي عبيدة من جهة عمر وعزل خالد، وهذا الذي ذكره بن إسحاق من مجيء الإمارة لأبي عبيدة في حصار دمشق هو المشهور‏.‏
فتح دمشق
قال سيف بن عمر‏:‏ لما ارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصفر وهو عازم على حصار دمشق إذ أتاه الخبر بقدوم مددهم من حمص، وجاءه الخبر بأنه قد اجتمع طائفة كبيرة من الروم بفحل من أرض فلسطين وهو لا يدري بأي الأمرين يبدأ‏.‏
فكتب إلى عمر في ذلك، فجاء الجواب‏:‏ أن ابدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، فانهد لها واشغلوا عنكم أهل فحل بخيول تكون تلقاءهم، فإن فتحها الله قبل دمشق فذلك الذي نحب، وإن فتحت دمشق قبلها فسر أنت ومن معك واستخلف على دمشق، فإذا فتح الله عليكم فحل فسر أنت وخالد إلى حمص واترك عمراً وشرحبيل على الأردن وفلسطين‏.‏
قال فسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة أمراء مع كل أمير خمسة أمراء وعلى الجميع عمارة بن مخشى الصحابي، فساروا من مرج الصفر إلى فحل، فوجدوا الروم هنالك قريباً من ثمانين ألفاً، وقد أرسلوا المياه حولهم حتى أردغت الأرض فسموا ذلك الموضع الردغة‏.‏
وفتحها الله على المسلمين فكانت أول حصن فتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله‏.‏
وبعث أبو عبيدة جيشاً يكون بين دمشق وبين فلسطين، وبعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق وبين حمص، ليرد من يرد إليهم من المدد من جهة هرقل‏.‏
ثم سار أبو عبيدة من مرج الصفر قاصداً دمشق، وقد جعل خالد بن الوليد في القلب، وركب أبو عبيدة وعمرو بن العاص في المجنبتين، وعلى الخيل عياض بن غنم، وعلى الرجالة شرحبيل بن حسنة، فقدموا دمشق وعليها نسطاس بن نسطوس، فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي وإليه كيسان أيضاً‏.‏
ونزل أبو عبيدة على باب الجابية الكبير، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب الجابية الصغير، ونزل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة على بقية أبواب البلد، ونصبوا المجانيق والدبابات، وقد أرصد أبو عبيدة أبا الدرداء على جيش ببرزة يكونون ردءا له، وكذا الذي بينه وبين حمص وحاصروها حصاراً شديداً سبعين ليلة، وقيل‏:‏ أربعة أشهر، وقيل‏:‏ ستة أشهر، وقيل‏:‏ أربعة عشر شهراً فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 25‏)‏
وأهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع، ويرسلون إلى ملكهم هرقل - وهو مقيم بحمص - يطلبون منه المدد فلا يمكن وصول المدد إليهم من ذي الكلاع، الذي قد أرصده أبو عبيدة رضي الله عنه بين دمشق وبين حمص - عن دمشق ليلة - فلما أيقن أهل دمشق أنه لا يصل إليهم مدد أبلسوا وفشلوا وضعفوا، وقوي المسلمون واشتد حصارهم، وجاء فصل الشتاء واشتد البرد وعسر الحال وعسر القتال، فقدر الله الكبير المتعال، ذو العزة والجلال، أن ولد لبطريق دمشق مولود في تلك الليالي فصنع لهم طعاماً وسقاهم بعده شراباً، وباتوا عنده في وليمته قد أكلوا وشربوا وتعبوا فناموا عن مواقفهم، واشتغلوا عن أماكنهم وفطن لذلك أمير الحرب خالد بن الوليد فإنه كان لا ينام ولا يترك أحداً ينام، بل مراصد لهم ليلاً ونهاراً وله عيون وقصاد يرفعون إليه أحوال المقاتلة صباحاً ومساءاً‏.‏
فلما رأى حمدة تلك الليلة، وأنه لا يقاتل على السور أحد كان قد أعد سلاليم من حبال فجاء هو وأصحابه من الصناديد الأبطال مثل‏:‏ القعقاع بن عمرو، ومذعور بن عدي، وقد أحضر جيشه عند الباب وقال لهم‏:‏ إذا سمعتم تكبيرنا فوق السور فارقوا إلينا‏.‏
ثم نهد هو وأصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقرب في أعناقهم، فنصبوا تلك السلالم وأثبتوا أعاليها بالشرفات، وأكدوا أسافلها خارج الخندق، وصعدوا فيها، فلما استووا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير، وجاء المسلمون فصعدوا في تلك السلالم، وانحدر خالد وأصحابه الشجعان من السور إلى البوابين فقتلوهم وقطع خالد، وأصحابه أغاليق الباب بالسيوف، وفتحوا الباب عنوة، فدخل الجيش الخالدي من الباب الشرقي‏.‏
ولما سمع أهل البلد التكبير ثاروا، وذهب كل فريق إلى أماكنهم من السور لا يدرون ما الخبر، فجعل كلما قدم أحد من أصحاب الباب الشرقي قتله أصحاب خالد‏.‏
ودخل خالد البلدة عنوة، فقتل من وجده، وذهب أهل كل باب فسألوا من أميرهم الذي عند الباب من خارج الصلح - وقد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فيأبون عليهم - فلما دعوهم إلى ذلك أجابوهم‏.‏
ولم يعلم بقية الصحابة ما صنع خالد‏.‏
ودخل المسلمون من كل جانب وباب فوجدوا خالداً وهو يقتل من وجده، فقالوا له‏:‏ إنا قد أمناهم، فقال‏:‏ إني فتحتها عنوة‏.‏
والتقت الأمراء في وسط البلد عند كنيسة المقسلاط بالقرب من درب الريحان اليوم‏.‏
هكذا ذكره سيف بن عمرو وغيره وهو المشهور أن خالدا فتح الباب قسراً‏.‏
وقال آخرون‏:‏ بل الذي فتحها عنوة أبو عبيدة‏.‏
وقيل‏:‏ يزيد بن أبي سفيان، وخالد صالح أهل البلد فعكسوا المشهور المعروف‏.‏ والله أعلم‏.‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 26‏)‏
وقد اختلف الصحابة فقال قائلون‏:‏ هي صلح - يعني على ما صالحهم الأمير في نفس الأمر وهو أبو عبيدة -‏.‏
وقال آخرون‏:‏ بل هي عنوة، لأن خالداً افتتحها بالسيف أولاً كما ذكرنا، فلما أحسوا بذلك ذهبوا إلى بقية الأمراء ومعهم أبو عبيدة فصالحوهم، فاتفقوا فيما بينهم على أن جعلوا نصفها صلحاً ونصفها عنوة، فملك أهلها نصف ما كان بأيديهم وأقروا عليه، واستقرت يد الصحابة على النصف‏.‏
ويقوي هذا ما ذكره سيف بن عمرو‏:‏ من أن الصحابة كانوا يطلبون إليهم أن يصالحوهم على المشاطرة فيأبون، فلما أحسوا باليأس أنابوا إلى ما كانت الصحابة دعوهم إليه فبادروا إلى إجابتهم‏.‏
ولم تعلم الصحابة بما كان من خالد إليهم والله أعلم‏.‏
ولهذا أخذ الصحابة نصف الكنيسة العظمى التي كانت بدمشق، تعرف‏:‏ بكنيسة يوحنا‏.‏
فاتخذوا الجانب الشرقي منها مسجداً، وأبقوا لهم النصف الغربي كنيسة، وقد أبقوا لهم مع ذلك أربع عشرة كنيسة أخرى مع نصف الكنيسة المعروفة‏:‏ بيوحنا وهي‏:‏ جامع دمشق اليوم، وقد كتب إليهم خالد بن الوليد كتاباً، وكتب فيه شهادته أبو عبيدة، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل‏:‏
إحداها‏:‏ كنيسة المقسلاط التي اجتمع عندها أمراء الصحابة، وكانت مبنية على ظهر السوق الكبير، وهذه القناطر المشاهدة في سوق الصابونيين من بقية القناطر التي كانت تحتها، ثم بادت فيما بعد وأخذت حجارتها في العمارات‏.‏
الثانية‏:‏ كنيسة كانت في رأس درب القرشيين، وكانت صغيرة‏.‏
قال الحافظ ابن عساكر‏:‏ وبعضها باق إلى اليوم وقد تشعثت‏.‏
الثالثة‏:‏ كانت بدار البطيخ العتيقة‏.‏
قلت‏:‏ وهي داخل البلد بقرب الكوشك، وأظنها هي المسجد الذي قبل هذا المكان المذكور، فإنها خربت من دهر والله أعلم‏.‏
الرابعة‏:‏ كانت بدرب بني نصر بين درب الحبالين ودرب التميمي‏.‏
قال الحافظ ابن عساكر‏:‏ وقد أدركت بعض بنيانها، وقد خرب أكثرها‏.‏
الخامسة‏:‏ كنيسة بولص‏.‏
قال ابن عساكر‏:‏ وكانت غربي القيسارية الفخرية، وقد أدركت من بنيانها بعض أساس الحنية‏.‏
السادسة‏:‏ كانت في موضع دار الوكالة، وتعرف اليوم بكنيسة القلانسيين‏.‏
قلت‏:‏ والقلانسيين هي‏:‏ الحواحين اليوم‏.‏
السابعة‏:‏ التي بدرب السقيل اليوم، وتعرف‏:‏ بكنيسة حميد بن درة سابقاً، لأن هذا الدرب كان أقطاعاً له وهو‏:‏ حميد بن عمرو بن مساحق القرشي العامري، ودرة أمه، وهي‏:‏ درة ابنة هاشم بن عتبة بن ربيعة، فأبوها خال معاوية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 27‏)‏
وكان قد أقطع هذا الدرب فنسبت هذه الكنيسة إليه، وكان مسلماً، ولم يبق لهم اليوم سواها، وقد خرب أكثرها، ولليعقوبية منهم كنيسة داخل باب توما بين رحبة وخالد - وهو‏:‏ خالد بن أسيد بن أبي العيص - وبين درب طلحة بن عمرو بن مرة الجهني، وهي‏:‏ الكنيسة الثامنة، وكان لليعقوبيين كنيسة أخرى فيما بين التنوى وسوق علي‏.‏
قال ابن عساكر‏:‏ قد بقي من بنائها بعضه، وقد خربت منذ دهر، وهي‏:‏ الكنيسة التاسعة‏.‏
وأما العاشرة‏:‏ فهي الكنيسة المصلبة‏.‏
قال الحافظ ابن عساكر‏:‏ وهي باقية إلى اليوم بين الباب الشرقي وباب توما بقرب النيبطن عند السور، والناس اليوم يقولون‏:‏ النيطون‏.‏
قال ابن عساكر‏:‏ وقد خرب أكثرها هكذا قال‏.‏
وقد خرجت هذه الكنيسة وهدمت في أيام صلاح الدين فاتح القدس بعد الثمانين وخمسمائة بعد موت الحافظ ابن عساكر رحمه الله‏.‏
الحادية عشرة‏:‏ كنيسة مريم داخل الباب الشرقي‏.‏
قال ابن عساكر‏:‏ وهي من أكبر ما بقي بأيديهم‏.‏
قلت‏:‏ ثم خربت بعد موته بدهر في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري على ما سيأتي بيانه‏.‏
الثانية عشرة‏:‏ كنيسة اليهود التي بأيديهم اليوم في حارتهم، ومحلها معروف بالقرب من الجبر، وتمسيه الناس اليوم بستان القط، وكانت لهم كنيسة في درب البلاغة لم تكن داخلة في العهد فهدمت فيما بعد وجعل مكانها المسجد المعروف‏:‏ بمسجد ابن السهروردي، والناس يقولون درب الشاذوري‏.‏
قلت‏:‏ وقد أخربت لهم كنيسة كانوا قد أحدثوها لم يذكرها أحد من علماء التاريخ ولا ابن عساكر ولا غيره، وكان إخرابها في حدود سنة سبع عشرة وسبعمائة، ولم يتعرض الحافظ ابن عساكر لذكر كنيسة السامرة بمرة‏.‏
ثم قال ابن عساكر‏:‏ ومما أحدث - يعني‏:‏ النصارى - كنيسة بناها أبو جعفر المنصور بنى قطيطا في الفريق عند قناة صالح قريباً من دازبها وأرمن اليوم‏.‏
قال‏:‏ ومما أحدث كنيستنا العباد، إحداهما‏:‏ عند دار ابن وقد أخربت فيما بعد وجعلت مسجداً، يعرف‏:‏ بمسجد الجنيق، وهو مسجد أبي اليمن الماشلي، وقد جعلت مسجداً، والأخرى التي في رأس درب النقاشين وقد جعلت مسجداً‏.‏
انتهى ما ذكره الحافظ ابن عساكر الدمشقي رحمه الله‏.‏
قلت‏:‏ وظاهر سياق سيف بن عمر يقتضي‏:‏ أن فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة، ولكن نص سيف على ما نص عليه الجمهور‏:‏ من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة‏.‏
كذا حكاه الحافظ ابن عساكر، من طريق محمد بن عائذ القرشي الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن عثمان بن حصين بن غلاق، عن يزيد بن عبيدة قال‏:‏ فتحت دمشق سنة أربع عشرة‏.‏
ورواه دحيم عن الوليد قال‏:‏ سمعت أشياخاً يقولون‏:‏ إن دمشق فتحت سنة أربع عشرة‏.‏
وهكذا قال سعيد بن عبد العزيز، وأبو معشر، ومحمد بن إسحاق، ومعمر، والأموي، وحكاه عن مشايخه، وابن الكلبي، وخليفة بن خياط، وأبو عبيد القاسم بن سلام‏:‏ أن فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 28‏)‏
وزاد سعيد بن عبد العزيز، وأبو معشر، والأموي‏:‏ وكانت اليرموك بعدها بسنة‏.‏
وقال بعضهم‏:‏ بل كان فتحها في شوال سنة أربع عشرة‏.‏
وقال خليفة‏:‏ حاصرهم أبو عبيدة في رجب وشعبان ورمضان وشوال، وتم الصلح في ذي القعدة‏.‏
وقال الأموي في مغازيه‏:‏ كانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى، ووقعة فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، - يعني‏:‏ ووقعة دمشق سنة أربع عشرة -‏.‏
وقال دحيم عن الوليد‏:‏ حدثني الأموي‏:‏ أن وقعة فحل وأجنادين كانت في خلافة أبي بكر، ثم مضى المسلمون إلى دمشق فنزلوا عليها في رجب سنة ثلاث عشرة، يعني‏:‏ ففتحوها في سنة أربع عشرة‏.‏
وكانت اليرموك سنة خمس عشرة، وقدم عمر إلى بيت المقدس سنة ست عشرة‏.‏





بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 09:59 PM   #124 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل الاختلاف في فتح دمشق صلحاً أو عنوة‏.‏
واختلف العلماء في دمشق هل فتحت صلحاً أو عنوة‏؟‏
فأكثر العلماء على أنه استقر أمرها على الصلح، لأنهم شكوا في المتقدم على الآخر أفتحت عنوة، ثم عدل الروم إلى المصالحة، أو فتحت صلحاً، أو اتفق الاستيلاء من الجانب الآخر قسراً‏؟‏ فلما شكوا في ذلك جعلوها صلحاً احتياطاً‏.‏
وقيل‏:‏ بل جعل نصفها صلحاً، ونصفها عنوة، وهذا القول قد يظهر من صنع الصحابة في الكنيسة العظمى التي كانت أكبر معابدهم حين أخذوا نصفها وتركوا لهم نصفها‏.‏ والله أعلم‏.‏
ثم قيل‏:‏ أن أبا عبيدة هو الذي كتب لهم كتاب الصلح، وهذا هو الأنسب والأشهر، فإن خالداً كان قد عزل عن الإمرة‏.‏
وقيل‏:‏ بل الذي كتب لهم الصلح خالد بن الوليد، ولكن أقره على ذلك أبو عبيدة فالله أعلم‏.‏
وذكر أبو حذيفة إسحاق بن بشر‏:‏ أن الصديق توفي قبل فتح دمشق، وأن عمر كتب إلى أبي عبيدة يعزيه والمسلمين في الصديق، وأنه قد استنابه على من بالشام، وأمره أن يستشير خالداً في الحرب، فلما وصل الكتاب إلى أبي عبيدة كتمه من خالد حتى فتحت دمشق بنحو من عشرين ليلة‏.‏
فقال له خالد‏:‏ يرحمك الله ما منعك أن تعلمني حين جاءك‏؟‏
فقال‏:‏ إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا أريد، ولا للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن إخوان، وما يضر الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه‏.‏
ومن أعجب ما يذكر ههنا‏:‏ ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الملك بن محمد، حدثنا راشد بن داود الصنعاني، حدثني أبو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد قال‏:‏ بعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى أهل اليمامة، وبعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام، فذكر الراوي‏.‏
فقال خالد لأهل اليمامة إلى أن قال‏:‏ ومات أبو بكر واستخلف عمر، فبعث أبا عبيدة إلى الشام فقدم دمشق فاستمد أبو عبيدة عمر، فكتب عمر إلى خالد بن الوليد أن يسير إلى أبي عبيدة بالشام، فذكر مسير خالد من العراق إلى الشام كما تقدم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 29‏)‏
وهذا غريب جداً، فإن الذي لا يشك فيه أن الصديق هو الذي بعث أبا عبيدة وغيره من الأمراء إلى الشام، وهو الذي كتب إلى خالد بن الوليد أن يقدم من العراق إلى الشام ليكون مدداً لمن به، وأميراً عليهم ففتح الله تعالى عليه وعلى يديه جميع الشام على ما سنذكره إن شاء الله تعالى‏.‏
وقال محمد بن عائذ‏:‏ قال الوليد بن مسلم‏:‏ أخبرني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير‏:‏ أن المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا أبا عبيدة بن الجراح وافداً إلى أبي بكر بشيراً بالفتح، فقدم المدينة فوجد أبا بكر قد توفي، واستخلف عمر بن الخطاب، فأعظم أن يتأمر أحد من الصحابة عليه، فولاه جماعة الناس فقدم عليهم، فقالوا‏:‏ مرحباً بمن بعثناه بريداً، فقدم علينا أميراً‏.‏
وقد روى الليث، وابن لهيعة، وحيوة بن شريح، ومفضل بن فضالة، وعمر بن الحارث، وغير واحد، عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر‏:‏ أنه بعثه أبو عبيدة بريداً بفتح دمشق، قال‏:‏ فقدمت على عمر يوم الجمعة، فقال لي‏:‏ منذ كم لم تنزع خفيك‏؟‏
فقلت‏:‏ من يوم الجمعة، وهذا يوم الجمعة‏.‏
فقال‏:‏ أصبت السنة‏.‏
قال الليث‏:‏ وبه نأخذ، يعني‏:‏ أن المسح على الخفين للمسافر لا يتأقت بل له أن يمسح عليهما ما شاء، وإليه ذهب الشافعي في القديم‏.‏
وقد روى أحمد، وأبو داود، عن أبي بن عمارة مرفوعاً مثل هذا‏.‏
والجمهور على ما رواه مسلم، عن علي في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة‏.‏
ومن الناس من فصل بين البريد ومن في معناه وغيره، فقال في الأول‏:‏ لا يتأقت، وفيما عداه يتأقت لحديث عقبة وحديث علي والله أعلم‏.‏
فصل بعث خالد بن الوليد إلى البقاع لفتحه
ثم إن أبا عبيدة بعث خالد بن الوليد إلى البقاع ففتحه بالسيف، وبعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون، وعلى الروم رجل يقال له‏:‏ سنان، تحدر على المسلمين من عقبة بيروت، فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء، فكانوا يسمون عين ميسنون عين الشهداء‏.‏
واستخلف أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبي سفيان كما وعده بها الصديق، وبعث يزيد دحية بن خليفة إلى تدمر في سرية ليمهدوا أمرها، وبعث أبا الزهراء القشيري إلى البثينة وحوران، فصالح أهلها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/30‏)‏
قال أبو عبيدة القاسم بن سلام رحمه الله‏:‏ افتتح خالد دمشق صلحاً، وهكذا سائر مدن الشام كانت صلحاً دون أراضيها‏.‏
فعلى يدي يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وأبي عبيدة‏.‏
وقال الوليد بن مسلم‏:‏ أخبرني غير واحد من شيوخ دمشق بينما هم على حصار دمشق إذ أقبلت خيل من عقبة السلمية مخمرة بالحرير، فثار إليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا والعقبة التي أقبلوا منها، فهزموهم وطردوهم إلى أبواب حمص، فلما رأى أهل حمص ذلك ظنوا أنهم قد فتحوا دمشق‏.‏
فقال لهم أهل حمص‏:‏ إنا نصالحكم على ما صالحتم عليه أهل دمشق ففعلوا‏.‏
وقال خليفة بن خياط‏:‏ حدثني عبد الله بن المغيرة، عن أبيه قال‏:‏ افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبرية، فإن أهلها صالحوه‏.‏
وهكذا قال ابن الكلبي‏.‏
وقالا بعث أبو عبيدة خالداً فغلب على أرض البقاع، وصالحه أهل بعلبك، وكتب لهم كتاباً‏.‏
وقال ابن المغيرة، عن أبيه‏:‏ وصالحهم على أنصاف منازلهم، وكنائسهم، ووضع الخراج‏.‏
وقال ابن إسحاق وغيره‏:‏ وفي سنة أربع عشرة فتحت حمص وبعلبك صلحاً على يدي أبي عبيدة في ذي القعدة‏.‏
قال خليفة‏:‏ ويقال‏:‏ في سنة خمس عشرة‏.‏
وقعة فِحل
وقد ذكرها كثير من علماء السير قبل فتح دمشق، وإنما ذكرها الإمام أبو جعفر بن جرير بعد فتح دمشق، وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني، وأبي حارثة القيسي قالا‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 31‏)‏
خلف الناس يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق، وسار نحو فحل، وعلى الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حسنة، وسار أبو عبيدة، وقد جعل على المقدمة خالد بن الوليد، وأبو عبيدة على الميمنة، وعمرو بن العاص على الميسرة، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى الرجالة عياض بن غنم، فوصلوا إلى فحل، وهي‏:‏ بلدة بالغور، وقد انحاز الروم إلى بيسان، وأرسلوا مياه تلك الأراضي على هنالك من الأراضي فحال بينهم وبين المسلمين، وأرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم، وما صنعه الروم من تلك المكيدة، إلا أن المسلمين في عيش رغيد ومدد كبير وهم على أهبة من أمرهم‏.‏
وأمير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة، وهو لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة‏.‏
وظن الروم أن المسلمين على غرة فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم، وعلى الروم سقلاب بن مخراق، فهجموا على المسلمين فنهضوا إليهم نهضة رجل واحد كأنهم على أهبة دائماً فقاتلوهم حتى الصباح، وذلك اليوم بكماله إلى الليل‏.‏
فلما أظلم الليل فر الروم، وقتل أميرهم سقلاب، وركب المسلمون أكتافهم، وأسلمتهم هزيمتهم إلى ذلك الوحل الذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرقهم الله فيه، وقتل منهم المسلمين بأطراف الرماح ما قارب الثمانين ألفاً لم ينج منهم إلا الشريد، وغنموا منهم شيئاً كثيراً ومالاً جزيلاً‏.‏
وانصرف أبو عبيدة وخالد بمن معهم من الجيوش نحو حمص كما أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‏.‏
واستخلف أبو عبيدة على الأردن شرحبيل بن حسنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص، فحاصر بيسان فخرجوا إليه فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم صالحوه على مثل ما صالحت عليه دمشق، وضرب عليهم الجزية والخراج على أراضيهم، وكذلك فعل أبو الأعور السلمي بأهل طبرية سواء‏.‏
ما وقع بأرض العراق آنذاك من القتال
وقد قدمنا أن المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه إلى الشام، وقد قيل‏:‏ أنه سار بتسعة آلاف، وقيل‏:‏ بثلاثة آلاف، وقيل‏:‏ بسبعمائة، وقيل‏:‏ بأقل إلا أنهم صناديد جيش العراق‏.‏
فأقام المثنى بمن بقي فاستقل عددهم وخاف من سطوة الفرس لولا اشتغالهم بتبديل ملوكهم وملكاتهم، واستبطأ المثنى خبر الصديق فسار إلى المدينة فوجد الصديق في السياق، فأخبره بأمر العراق، فأوصى الصديق عمر أن يندب الناس لقتال أهل العراق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 32‏)‏
فلما مات الصديق ودفن ليلة الثلاثاء أصبح عمر فندب الناس وحثهم على قتال أهل العراق، وحرضهم ورغبهم في الثواب على ذلك، فلم يقم أحد لأن الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم، وشدة قتالهم‏.‏
ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم أحد، وتكلم المثنى بن حارثة فأحسن، وأخبرهم بما فتح الله تعالى على يد خالد من معظم أرض العراق، ومالهم هنالك من الأموال، والأملاك، والأمتعة، والزاد، فلم يقم أحد في اليوم الثالث، فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبو عبيدة بن مسعود الثقفي‏.‏
ثم تتابع الناس في الإجابة، أمر عمر طائفة من أهل المدينة وأمر على الجميع أبا عبيد، هذا ولم يكن صحابياً، فقيل لعمر‏:‏ هلا أمرت عليهم رجلاً من الصحابة‏؟‏
فقال‏:‏ إنما أومر أول من استجاب، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الذي استجاب قبلكم‏.‏
ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً، وأمره أن يستشير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب فسار المسلمون إلى أرض العراق، وهم سبعة آلاف رجل‏.‏
وكتب عمر إلى أبي عبيدة‏:‏ أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد إلى العراق، فجهز عشرة آلاف عليهم هاشم بن عتبة، وأرسل عمر جرير بن عبد الله البجلي في أربعة آلاف إلى العراق، فقدم الكوفة، ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله، وانهزم جيشه، وغرق أكثرهم في دجلة‏.‏
فلما وصل الناس إلى العراق وجدوا الفرس مضطربين في ملكهم، وآخر ما استقر عليه أمرهم أن ملكوا عليهم بوران بنت كسرى بعد ما قتلوا التي كانت قبلها آزرميدخت وفوضت بوران أمر الملك عشر سنين إلى رجل منهم يقال له‏:‏ رستم بن فرخزاذ على أن يقوم بأمر الحرب، ثم يصير الملك إلى آل كسرى، فقبل ذلك‏.‏
وكان رستم هذا منجماً يعرف النجوم وعلمها جيداً، فقيل له‏:‏ ما حملك على هذا‏؟‏ يعنون وأنت تعلم أن هذا الأمر لا يتم لك، فقال‏:‏ الطمع، وحب الشرف‏.‏

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 09:59 PM   #125 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
وقعة النمارق
بعث رستم أميراً يقال له‏:‏ جابان، وعلى مجنبته رجلان يقال لأحدهما‏:‏ حشنس ماه، ويقال للآخر‏:‏ مردانشاه وهو خصي أمير حاجب الفرس، فالتقوا مع أبي عبيد بمكان يقال له‏:‏ النمارق - بين الحيرة والقادسية - وعلى الخيل المثنى بن حارثة، وعلى الميسرة عمرو بن الهيثم، فاقتتلوا هنالك قتالاً شديداً، وهزم الله الفرس، وأسر جابان ومردانشاه‏.‏
فأما مردانشاه فإنه قتله الذي أسره‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 33‏)‏
وأما جابان فإنه خدع الذي أسره حتى أطلقه فأمسكه المسلمون وأبوا أن يطلقوه، وقالوا‏:‏ إن هذا هو الأمير وجاؤا به إلى أبي عبيد فقالوا‏:‏ قتله فإنه الأمير‏.‏
فقال‏:‏ وإن كان الأمير فإني لا أقتله‏.‏
وقد أمنه رجل من المسلمين ثم ركب أبو عبيد في آثار من انهزم منهم، وقد لجأوا إلى مدينة كسكر التي لابن خالة كسرى واسمه‏:‏ نرسي فوازرهم نرسي على قتال أبي عبيد، فقهرهم أبو عبيد، وغنم منهم شيئاً كثيراً وأطعمات كثيرة جداً، ولله الحمد‏.‏
وبعث بخمس ما غنم من المال والطعام إلى عمر بن الخطاب بالمدينة‏.‏
وقد قال في ذلك رجل من المسلمين‏:‏
لعمري وما عمري عليَّ بهين * لقد صبحت بالخزي أهل النمارق
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم * يجوسونهم ما بين درنا وبارق
قتلناهم ما بين مرج مسلح * وبين الهواني من طريق التدارق
فالتقوا بمكان بين كسكر والسفاطية وعلى ميمنة نرسي وميسرته ابنا خاله بندويه وبيرويه أولاد نظام، وكان رستم قد جهز الجيوش مع الجالينوس، فلما بلغ أبو عبيد ذلك أعجل نرسي بالقتال قبل وصولهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت الفرس، وهرب نرسي والجالينوس إلى المدائن بعد وقعة جرت من أبي عبيد مع الجالينوس بمكان يقال له‏:‏ باروسما، فبعث أبو عبيد المثنى بن حارثة، وسرايا أخر إلى متاخم تلك الناحية كنهر جور ونحوها ففتحها صلحاً وقهراً، وضربوا الجزية والخراج، وغنموا الأموال الجزيلة ولله الحمد والمنة‏.‏
وكسروا الجالينوس الذي جاء لنصره جابان غنموا جيشه وأمواله، وكر هارباً إلى قومه حقيراً ذليلاً‏.‏
وقعة جسر أبي عبيد ومقتل أمير المسلمين وخلق كثير منهم
لما رجع الجالينوس هارباً مما لقي من المسلمين، تذامرت الفرس بينهم، واجتمعوا إلى رستم فأرسل جيشاً كثيفاً عليهم ذا الحاجب بهمس حادويه وأعطاه راية أفريدون وتسمى‏:‏ درفش كابيان، وكانت الفرس تتيمن بها‏.‏
وحملوا معهم راية كسرى، وكانت من جلود النمور عرضها ثمانية أذرع‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 34‏)‏
فوصلوا إلى المسلمين وبينهم النهر، وعليه جسر فأرسلوا‏:‏ إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم‏؟‏
فقال المسلمون لأميرهم أبي عبيد‏:‏ أأمرهم فليعبروا هم إلينا‏.‏
فقال‏:‏ ما هم بأجرأ على الموت منا، ثم اقتحم إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق هنالك فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يعهد مثله المسلمون في نحو من عشرة آلاف، وقد جاءت الفرس معهم بأفيلة كثيرة عليها الجلاجل، قائمة لتذعر خيول المسلمين فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة، ومما تسمع من الجلاجل التي عليها، ولا يثبت منها إلا القليل على قسر‏.‏
وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم على الفيلة ورشقتهم الفرس بالنبل، فنالوا منهم خلقاً كثيراً، وقتل المسلمون منه مع ذلك ستة آلاف‏.‏
وأمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة أولاً، فاحتوشوها فقتلوها عن آخرها، وقد قدمت الفرس بين أيديهم فيلاً عظيماً أبيض، فتقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع ذلومه فحمى الفيل، وصاح صيحة هائلة وحمل فتخبطه برجليه فقتله ووقف فوقه فحمل على الفيل خليفة أبي عبيد الذي كان أوصى أن يكون أميراً بعده فقتل، ثم آخر ثم آخر حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نص أبو عبيد عليهم واحداً بعد واحد، ثم صارت إلى المثنى بن حارثة بمقتضى الوصية أيضاً‏.‏
وقد كانت دومة امرأة أبي عبيد رأت مناماً يدل على ما وقع سواء بسواء‏.‏
فلما رأى المسلمون ذلك وهنوا عند ذلك، ولم يكن بقي إلا الظفر بالفرس، وضعف أمرهم، وذهب ريحهم، وولوا مدبرين، وساقت الفرس خلفهم فقتلوا بشراً كثيراً وانكشف الناس فكان أمراً بليغاً، وجاؤا إلى الجسر فمر بعض الناس‏.‏
ثم انكسر الجسر فتحكم فيمن وراءه الفرس، فقتلوا من المسلمين وغرق في الفرات نحو من أربعة آلاف‏.‏ فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏
وسار المثنى بن حارثة فوقف عند الجسر الذي جاؤا منه، وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقي بنفسه في الفرات فيغرق‏.‏
فنادى المثنى‏:‏ أيها الناس على هينتكم فإني واقف على فم الجسر لا أجوزه حتى لا يبقى منكم أحد ههنا، فلما عدّى الناس إلى الناحية الأخرى، سار المثنى فنزل بهم أول منزل، وقام يحرسهم هو وشجعان المسلمين، وقد جرح أكثرهم وأثخنوا‏.‏
ومن الناس من ذهب في البرية لا يُدري أين ذهب، ومنهم من رجع إلى المدينة النبوية مذعوراً‏.‏
وذهب بالخبر عبد الله بن زيد بن عاصم المازني إلى عمر بن الخطاب فوجده على المنبر، فقال له عمر‏:‏ ما وراءك يا عبد الله بن زيد‏؟‏
فقال‏:‏ أتاك الخبر اليقين يا أمير المؤمنين، ثم صعد إليه المنبر فأخبره الخبر سراً‏.‏
ويقال‏:‏ كان أول من قدم بخبر الناس عبد الله بن يزيد بن الحصين الحطمي فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 35‏)‏
قال سيف بن عمر‏:‏ وكانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث عشرة بعد اليرموك بأربعين يوماً فالله أعلم‏.‏
وتراجع المسلمون بعضهم إلى بعض، وكان منهم من فر إلى المدينة، فلم يؤنب عمر الناس، بل قال‏:‏ إنا فيئكم، وأشغل الله المجوس بأمر ملكهم‏.‏
وذلك أن أهل المدائن عدوا على رستم فخلعوه ثم ولوه، وأضافوا إليه الفيرزان، واختلفوا على فرقتين، فركب الفرس إلى المدائن ولحقهم المثنى بن حارثة في نفر من المسلمين، فعارضه أميران من أمرائهم في جيشهم، فأسرهما وأسر معهما بشراً كثيراً فضرب أعناقهم‏.‏
ثم أرسل المثنى إلى من بالعراق من أمراء المسلمين يستمدهم، فبعثوا إليه بالأمداد، وبعث إليه عمر بن الخطاب بمدد كثير فيهم جرير بن عبد الله البجلي، في قومه بجلية بكمالها، وغيره من سادات المسلمين حتى كثر جيشه‏.‏
وقعة البويب التي اقتص فيها المسلمون من الفرس
فلما سمع بذلك أمراء الفرس، وبكثرة جيوش المثنى، بعثوا إليه جيشاً آخر مع رجل يقال له‏:‏ مهران فتوافوا هم وإياهم بمكان يقال له‏:‏ البويب، قريب من مكان الكوفة اليوم، وبينهما الفرات‏.‏
فقالوا‏:‏ إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم‏؟‏
فقال المسلمون‏:‏ بل اعبروا إلينا‏.‏
فعبرت الفرس إليهم فتواقفوا، وذلك في شهر رمضان، فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم، وعبى الجيش، وجعل يمر على كل راية من رايات الأمراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت‏.‏
وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بجلة وجماعة من سادات المسلمين‏.‏
وقال المثنى لهم‏:‏ إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا‏.‏ فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول‏.‏
فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم، واقتتلوا قتالاً شديداً‏.‏
ورأى المثنى في بعض صفوفه خللاً، فبعث إليهم رجلاً يقول‏:‏ الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول لكم‏:‏ لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا‏.‏
فلما رأى ذلك منهم - وهم بنو عجل - أعجبه وضحك‏.‏ وبعث إليهم يقول‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 36‏)‏
يا معشر المسلمين عاداتكم، انصروا الله ينصركم‏.‏ وجعل المثنى المسلمون يدعون الله بالظفر والنصر‏.‏
فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره، وحمل على مهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة، وحمل غلام من بني تغلب نصراني فقتل مهران وركب فرسه‏.‏
كذا ذكره سيف بن عمر‏.‏
وقال محمد بن إسحاق‏:‏ بل حمل عليه المنذر بن حسان بن ضرار الضبي فطعنه واحتز رأسه جرير بن عبد الله البجلي، واختصما في سلبه فأخذ جرير السلاح، وأخذ المنذر منطقته‏.‏
وهربت المجوس، وركب المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلاً‏.‏
وسبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون‏.‏
فركبوا أكتافهم بقية ذلك اليوم وتلك الليلة، ومن أبعد إلى الليل فيقال‏:‏ أنه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة ألف، ولله الحمد والمنة‏.‏
وغنم المسلمون مالاً جزيلاً وطعاماً كثيراً، وبعثوا بالبشارة والأخماس إلى عمر رضي الله عنه‏.‏
وقد قتل من سادات المسلمين هذا اليوم بشر كثير أيضاً، وذلت لهذه الوقعة رقاب الفرس، وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة، فغنموا شيئاً عظيماً لا يمكن حصره‏.‏
وجرت أمور يطول ذكرها بعد يوم البويب، وكانت هذه الوقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام‏.‏
وقد قال الأعور الشني العبدي في ذلك‏:‏
هاجت لأعور دار الحي أحزاناً * واستبدلت بعد عبد القيس حساناً
وقد أرانا بها الشمل مجتمع * إذ بالنخيلة قتلى جند مهراناً
إذ كان سار المثنى بالخيول لهم * فقتل الزحف من فرس وجيلاناً
سما لمهران والجيش الذي معه * حتى أبادهم مثنى ووحداناً
فصل بعث عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص أميراً على العراق‏.‏
ثم بعث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص الزهري أحد العشرة في ستة آلاف أميراً على العراق، وكتب إلى جرير عبد الله، والمثنى بن حارثة أن يكونا تبعاً له، وأن يسمعا له ويطيعا، فلما وصل إلى العراق كانا معه، وكانا قد تنازعا الإمرة فالمثنى يقول لجرير‏:‏ إنما بعثك أمير المؤمنين مدداً إلي‏.‏
ويقول جرير‏:‏ إنما بعثني أميراً عليك‏.‏
فلما قدم سعد بن أبي وقاص على أمر العراق انقطع نزاعهما‏.‏
قال ابن إسحاق‏:‏ وتوفي المثنى بن حارثة في هذه السنة‏:‏
كذا قال ابن إسحق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 37‏)‏
والصحيح‏:‏ أن بعث عمر سعداً إنما كان في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي‏.‏
ذكر اجتماع الفرس على يزدجرد بعد اختلافهم
كان شيرين قد جمع آل كسرى في القصر الأبيض، وأمر بقتل ذكرانهم كلهم، وكانت أم يزدجرد فيهم ومعها ابنها وهو صغير، فواعدت أخواله فجاؤا وأخذوه منها، وذهبوا إلى بلادهم، فلما وقع ما وقع يوم البويب وقتل من قتل منهم كما ذكرنا، وركب المسلمون أكتافهم وانتصروا عليهم، وعلى أخذ بلدانهم، ومحالهم وأقاليمهم‏.‏
ثم سمعوا بقدوم سعد بن أبي وقاص من جهة عمر، اجتمعوا فيما بينهم وأحضروا الأميرين الكبيرين فيهم ووهما‏:‏ رستم والفيرزان فتذامروا فيما بينهم وتواصوا، وقالوا لهما‏:‏ لئن لم تقوما بالحرب كما ينبغي لنقتلنكما ونشتفي بكما‏.‏
ثم رأوا فيما بينهم‏:‏ أن يبعثوا خلف نساء كسرى من كل فجٍ ومن كل بقعة فمن كان لها ولد من آل كسرى ملكوه عليهم‏.‏
فجعلوا إذا أتوا بالمرأة عاقبوها هل لها ولد وهي تنكر ذلك خوفاً على ولدها إن كان لها ولد، فلم يزالوا حتى دلوا على أم يزدجرد، فأحضروها وأحضروا ولدها فملكوه عليهم، وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وهو‏:‏ من ولد شهريار بن كسرى وعزلوا بوران واستوثقت الممالك له، واجتمعوا عليه وفرحوا به، وقاموا بين يديه بالنصر أتم قيام‏.‏
واستفحل أمره فيهم وقويت شوكتهم به، وبعثوا إلى الأقاليم والرساتيق، فخلعوا الطاعة للصحابة، ونقضوا عهودهم وذممهم‏.‏
وبعث الصحابة إلى عمر بالخبر، فأمرهم عمر أن يتبرزوا من بين ظهرانيهم، وليكونوا على أطراف البلاد حولهم على المياه، وأن تكون كل قبيلة تنظر إلى الأخرى بحيث إذا حدث حدث على قبيلة لا يخفى أمرها على جيرانهم‏.‏ وتفاقم الحال جداً، وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة‏.‏
وقد حج بالناس عمر في هذه السنة، وقيل‏:‏ بل حج بهم عبد الرحمن بن عوف، ولم يحج عمر هذه السنة والله أعلم‏.‏
ما وقع سنة ثلاث عشرة من الحوادث
كانت فيها وقائع تقدم تفصيلها ببلاد العراق على يدي خالد بن الوليد رضي الله عنه، فتحت فيها الحيرة والأنبار وغيرهما من الأمصار‏.‏
وفيها‏:‏ سار خالد بن الوليد من العراق إلى الشام على المشهور‏.‏
وفيها‏:‏ كانت وقعة اليرموك في قول سيف بن عمر، واختيار ابن جرير، وقتل بها من قتل من الأعيان ممن يطول ذكرهم وتراجمهم رضي الله عنهم أجمعين‏.‏
وفيها‏:‏ توفي أبو بكر الصديق‏.‏ وقد أفردنا سيرته في مجلد ولله الحمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 38‏)‏
وفيها‏:‏ ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة منها، فولي قضاء المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واستناب على الشام أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وعزل عنها خالد بن الوليد المخزومي، وأبقاه على شورى الحرب‏.‏
وفيها‏:‏ فتحت بصرى صلحاً وهي أول مدينة فتحت من الشام‏.‏
وفيها‏:‏ فتحت دمشق في قول سيف وغيره كما قدمنا، واستنيب فيها يزيد بن أبي سفيان، فهو أول من وليها من أمراء المسلمين رضي الله عنهم‏.‏
وفيها‏:‏ كانت وقعت وقعة الفحل من أرض الغور، وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم‏.‏
وفيها‏:‏ كانت وقعة جسر أبي عبيد فقتل فيها أربعة آلاف من المسلمين‏.‏
منهم‏:‏ أميرهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو والد صفية امرأة عبد الله بن عمر، وكانت امرأة صالحة رحمهما الله‏.‏
ووالد المختار بن أبي عبيد كذاب ثقيف، وقد كان نائباً على العراق في بعض وقعات العراق كما سيأتي‏.‏
وفيها‏:‏ توفي المثنى بن حارثة في قول ابن إسحاق، وقد كان نائباً على العراق، استخلفه خالد بن الوليد حين سار إلى الشام وقد شهد مواقف مشهورة، وله أيام مذكورة ولا سيما يوم البويب بعد جسر أبي عبيد قتل فيه من الفرس، وغرق بالفرات قريب من مائة ألف، الذي عليه الجمهور‏:‏ أنه بقي إلى سنة أربع عشرة كما سيأتي بيانه‏.‏
وفيها‏:‏ حج بالناس عمر بن الخطاب في قول بعضهم، وقيل‏:‏ بل حج عبد الرحمن بن عوف‏.‏
وفيها‏:‏ استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق الشام فأقبلوا من كل النواحي، فرمى بهم الشام والعراق‏.‏
وفيها‏:‏ كانت وقعة أجنادين في قول ابن إسحاق يوم السبت لثلاث من جمادى الأولى منها‏.‏
وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبين جسرين على الروم القيقلان، وأمير المسلمين عمرو بن العاص، وهو في عشرين ألفاً في قول، فقتل القيقلان انهزمت الروم، وقتل منهم خلق كثير‏.‏
واستشهد من المسلمين أيضاً جماعة منهم وهشام بن العاص، والفضل بن العباس، وأبان بن سعيد، وأخواه خالد وعمرو، ونعيم بن عبد الله بن النحام، والطفيل بن عمرو، وعبد الله بن عمرو الدوسيان، وضرار بن الأزور، وعكرمة بن أبي جهل، وعمه سلمة بن هشام، وهبار بن سفيان، وصخر بن نصر، وتميم وسعيد ابنا الحارث بن قيس رضي الله عنهم الأزور‏.‏
وقال محمد بن سعد‏:‏ قتل يومئذ طليب بن عمرو، وأمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن قتل يومئذ عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة فيما ذكره الواقدي‏.‏
قال‏:‏ ولم يكن له رواية، وكان ممن صبر يوم حنين‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ وقتل يومئذ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، والحارث بن أوس بن عتيك رضي الله عنهم‏.‏
وفيها‏:‏ كانت وقعة مرج الصفر في قول خليفة بن خياط، وذلك لثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى، وأمير الناس خالد بن سعيد بن العاص فقتل يومئذ‏.‏
وقيل‏:‏ إنما قتل أخوه عمرو‏.‏
وقيل‏:‏ ابنه فالله أعلم‏.‏
قال ابن إسحاق‏:‏ وكان أمير الروم قلقط فقتل من الروم مقتلة عظيمة حتى جرت طاحون هناك من دمائهم‏.‏ والصحيح‏:‏ أن وقعة مرج الصفر في أول سنة أربع عشرة كما ستأتي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 39‏)‏
ذكر المتوفين في هذه السنة مرتبين على الحروف كما ذكرهم الحافظ الذهبي
أبان بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي أبو الوليد المكي صحابي جليل، وهو‏:‏ الذي أجار عثمان بن عفان يوم الحديبية حتى دخل مكة لأداء رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
أسلم بعد مرجع أخويه من الحبشة خالد، وعمرو، فدعوه إلى الإسلام فأجابهما، وساروا فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر‏.‏
وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع على البحرين، وقتل بأجنادين‏.‏
أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهور أنه قتل ببدر فيما ذكره البخاري وغيره‏.‏
وزعم الواقدي فيما نقله عن أهل العلم‏:‏ أنه شهد أحداً وأنه بقي بعد ذلك زماناً‏.‏
قال‏:‏ وحدثني ابن أبي الزناد، عن محمد بن يوسف‏:‏ أن أنسة مات في خلافة أبي بكر الصديق، وكان‏:‏ يكنى أبا مسروح‏.‏
وقال الزهري‏:‏ كان يأذن للناس على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
تميم بن الحارث بن قيس السهمي وأخوه قيس صحابيان جليلان هاجرا إلى الحبشة وقتلا بأجنادين‏.‏
الحارث بن أوس بن عتيك من مهاجرة الحبشة، قتل بأجنادين‏.‏
خالد بن سعيد بن العاص الأموي من السابقين الأولين، ممن هاجر إلى الحبشة، وأقام بها بضع عشرة سنة‏.‏
ويقال‏:‏ أنه كان على صنعاء من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره الصديق على بعض الفتوحات كما تقدم، قتل يوم مرج الصفر في قول، وقيل‏:‏ بل هرب فلم يمكنه الصديق من دخول المدينة تعزيراً له فأقام شهراً في بعض ظواهرها حتى أذن له‏.‏
ويقال‏:‏ أن الذي قتله أسلم، وقال‏:‏ رأيت له حين قتلته نوراً ساطعاً إلى السماء رضي الله عنه‏.‏
سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة، ويقال‏:‏ حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي سيدهم، أبو ثابت‏.‏
ويقال‏:‏ أبو قيس صحابي جليل كان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدراً في قول عروة وموسى بن عقبة والبخاري وابن ماكولا‏.‏
وروى ابن عساكر‏:‏ من طريق حجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس‏:‏ أن راية المهاجرين يوم بدر كانت مع علي، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة رضي الله عنهما‏.‏
قلت‏:‏ والمشهور أن هذا كان يوم الفتح والله أعلم‏.‏
وقال الواقدي‏:‏ لم يشهدها لأنه نهسته حية فشغلته عنها بعد أن تجهز لها فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه، وأجره وشهد أحداً وما بعدها‏.‏
وكذا قال خليفة بن خياط‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 40‏)‏
وكانت له جفنة تدور مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث دار من بيوت نسائه بلحم وثريد، أو لبن وخبز، أو خبز وسمن، أو بخل وزيت، وكان ينادي عند أطمة كل ليلة لمن أراد القرى‏.‏
وكان يحسن الكتابة بالعربي، والرمي والسباحة، وكان يسمي من أحسن ذلك كاملاً‏.‏
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر ما ذكره غير واحد من علماء التاريخ‏:‏ أنه تخلف عن بيعة الصديق، حتى خرج إلى الشام فمات بقرب من حوران سنة ثلاث عشرة في خلافة الصديق‏.‏
قاله ابن إسحاق، والمدائني، وخليفة‏.‏
قال‏:‏ وقيل في أول خلافة عمر‏.‏
وقيل‏:‏ سنة أربع عشرة‏.‏
وقيل‏:‏ سنة خمس عشرة‏.‏
وقال الفلاس وابن بكر‏:‏ سنة ست عشرة‏.‏
قلت‏:‏ أما بيعة الصديق فقد روينا في مسند الإمام أحمد أنه سلَّم للصديق ما قاله من أن الخلفاء من قريش‏.‏
وأما موته بأرض الشام فمحقق، والمشهور‏:‏ أنه بحوران‏.‏
قال محمد بن عائذ الدمشقي، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال‏:‏ أول مدينة فتحت من الشام بصرى، وبها توفي سعد بن عبادة‏.‏
وعند كثير من أهل زماننا أنه دفن بقرية من غوطة دمشق يقال لها‏:‏ المنيحة، وبها قبر مشهور به‏.‏
ولم أر الحافظ ابن عساكر تعرض لذكر هذا القبر في ترجمته بالكلية فالله أعلم‏.‏
قال ابن عبد البر‏:‏ ولم يختلفوا أنه وجد ميتاً في مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول‏:‏
قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * رميناه بسهم فلم يخطئ فؤاده
قال ابن جريج‏:‏ سمعت عطاء يقول‏:‏ سمعت أن الجن قالوا في سعد بن عبادة هذين البيتين له‏.‏
عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وكان رضي الله عنه من أشد الناس غيرة، ما تزوج امرأة بكراً ولا طلق امرأة فتجاسر أحد أن يخطبها بعده‏.‏
وقد روي‏:‏ أنه لما خرج من المدينة قسم ماله بين بنيه، فلما توفي ولد له ولد فجاء أبو بكر وعمر إلى ابنه قيس بن سعد فأمراه أن يدخل هذا معهم، فقال‏:‏ إني لا أغير ما صنع سعد، ولكن نصيبي لهذا الولد‏.‏
سلمة بن هشام بن المغيرة، أخو أبي جهل بن هشام، أسلم سلمة قديماً، وهاجر إلى الحبشة، فلما رجع منها حبسه أخوه وأجاعه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت ولجماعة معه من المستضعفين‏.‏
ثم انسل فلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد الخندق، وكان معه بها، وقد شهد أجنادين وقتل بها رضي الله عنه‏.‏
ضرار بن الأزور الأسدي، كان من الفرسان المشهورين، والأبطال المذكورين، له ومواقف مشهودة وأحوال محمودة‏.‏
ذكر عروة وموسى بن عقبة‏:‏ أنه قتل بأجنادين‏.‏
له حديث في استحباب إبقاء شيء من اللبن في الضرع عند الحلب‏.‏
طليب بن عمير بن وهب بن كثير بن هند بن قصي القرشي العبدي، أمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدراً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 41‏)‏
قاله ابن إسحاق، والواقدي، والزبير بن بكار‏.‏
ويقال‏:‏ أنه أول من ضرب مشركاً، وذلك أن أبا جهل سب النبي صلى الله عليه وسلم فضربه طليب بلحى جمل فشجه، استشهد طليب بأجنادين، وقد شاخ رضي الله عنه‏.‏
عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من الأبطال المذكورين والشجعان المشهورين، قتل يوم أجنادين بعد ما قتل عشرة من الروم مبارزة كلهم بطارقة أبطال، وله من العمر يومئذ بضع وثلاثون سنة‏.‏
عبد الله بن عمرو الدوسي، قتل بأجنادين‏.‏
وليس هذا الرجل معروفاً‏.‏
عثمان بن طلحة العبدري الحجبي‏.‏
قيل‏:‏ أنه قتل بأجنادين، والصحيح‏:‏ أنه تأخر إلى ما بعد الأربعين‏.‏
عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن أمير مكة نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، استعمله عليها عام الفتح، وله من العمر عشرون سنة، فحج بالناس عامئذ، واستنابه عليها أبو بكر بعده عليه السلام، وكانت وفاته بمكة، قيل‏:‏ يوم توفي أبو بكر رضي الله عنهما‏.‏
له حديث واحد رواه أهل السنن الأربعة‏.‏
عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو عثمان القرشي المخزومي، كان من سادات الجاهلية كأبيه، ثم أسلم عام الفتح بعدما فر، ثم رجع إلى الحق‏.‏
واستعمله الصديق على عُمان حين ارتدوا فظفر بهم كما تقدم‏.‏
ثم قدم الشام، وكان أميراً على بعض الكراديس، ويقال‏:‏ أنه لا يعرف له ذنب بعدما أسلم‏.‏
وكان يقبل المصحف ويبكي ويقول‏:‏ كلام ربي كلام ربي‏.‏
احتج بهذا الإمام أحمد على جواز تقبيل المصحف ومشروعيته‏.‏
وقال الشافعي‏:‏ كان عكرمة محمود البلاء في الإسلام‏.‏
قال عروة‏:‏ قتل بأجنادين‏.‏
وقال غيره‏:‏ باليرموك بعدما وجد به بضع وسبعون ما بين ضربة وطعنة رضي الله عنه‏.‏
الفضل بن العباس بن عبد المطلب، قيل‏:‏ أنه توفي في هذه السنة، والصحيح‏:‏ أنه تأخر إلى سنة ثماني عشرة‏.‏
نعيم بن عبد الله بن النحام أحد بني عدي، أسلم قديماً قبل عمر، ولما يتهيأ له هجرة إلى ما بعد الحديبية، وذلك لأنه كان فيه بر بأقاربه، فقالت له قريش‏:‏ أقم عندنا على أي دين شئت فوالله لا يتعرضك أحد إلا ذهبت أنفسنا دونك‏.‏
استشهد يوم أجنادين، وقيل‏:‏ يوم اليرموك رضي الله عنه‏.‏
هبار بن الأسود بن أسد أبو الأسود القرشي الأسدي، هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم يوم خرجت من مكة حتى أسقطت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، وقتل بأجنادين رضي الله عنه‏.‏
هبار بن سفيان بن عبد الأسود المخزومي ابن أخي أم سلمة‏.‏
أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة، واستشهد يوم أجنادين على الصحيح، وقيل‏:‏ قتل يوم مؤتة والله أعلم‏.‏
هشام بن العاص بن وائل السهمي أخو عمرو بن العاص‏.‏
روى الترمذي‏:‏
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ابنا العاص مؤمنان‏)‏‏)‏‏.‏
وقد أسلم هشام قبل عمرو، وهاجر إلى الحبشة، فلما رجع منها احتبس بمكة‏.‏
ثم هاجر بعد الخندق، وقد أرسله الصديق إلى ملك الروم‏.‏
وكان من الفرسان‏.‏
وقتل بأجنادين، وقيل‏:‏ باليرموك، والأول‏:‏ أصح والله أعلم‏.‏
أبو بكر الصديق رضي الله عنه، تقدم وله ترجمة مفردة ولله الحمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 42‏)‏
سنة أربع عشرة من الهجرة
استهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق، وذلك لما بلغه من قتل أبي عبيد يوم الجسر، وانتظام شمل الفرس، واجتماع أمرهم على يزدجر الذي أقاموه من بيت الملك، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم، وآذوا المسلمين وأخرجوا العمال من بين أظهرهم‏.‏
وقد كتب عمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد‏.‏
قال ابن جرير رحمه الله‏:‏ وركب عمر رضي الله عنه في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له‏:‏ صرار، فعسكر به عازماً على غزو العراق بنفسه، واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، واستصحب عثمان بن عفان وسادات الصحابة‏.‏
ثم عقد مجلساً لاستشارة الصحابة فيما عزم القيام به، ونودي أن الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه قال له‏:‏ إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلاً وترجع أنت إلى المدينة، فارثا عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف‏.‏
فقال عمر‏:‏ فمن ترى أن نبعث إلى العراق، فقال‏:‏ قد وجدته‏.‏
قال‏:‏ من هو‏؟‏
قال‏:‏ الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري‏.‏
فاستجاد قوله، وأرسل إلى سعد فأمره على العراق وأوصاه فقال‏:‏
يا سعد بن وهيب لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فإن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم، وهم عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه، فإنه أمر‏.‏
هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين‏.‏
ولما أراد فراقه قال له‏:‏ إنك ستقدم على أمر شديد، فالصبر الصبر على ما أصابك ونابك، تجمع لك خشية الله، واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين‏:‏ في طاعته، واجتناب معصيته، وإنما طاعة من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وإنما عصيان من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/43‏)‏
وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء، منها‏:‏ للسر، ومنها‏:‏ العلانية، فأما العلانية‏:‏ فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء، وأما السر‏:‏ فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه، وبمحبة الناس‏.‏
ومن محبة الناس فلا تزهد في التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله إذا أحب عبداً حببه، وإذا أبغض عبداً بغضه، فاعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عند الناس‏.‏
قالوا‏:‏ فسار سعد نحو العراق في أربعة آلاف ثلاثة آلاف من أهل اليمن، وألف من سائر الناس‏.‏
وقيل‏:‏ في ستة آلاف، وشيعهم عمر من صرار إلى الأعوص، وقام عمر في الناس خطيباً هنالك، فقال‏:‏ إن الله إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول لتحيي القلوب، فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحيها الله، من علم شيئاً فلينفع به، فإن للعدل أمارات وتباشير‏.‏
فأما الأمارات‏:‏ فالحياء، والسخاء، والهين، واللين‏.‏
وأما التباشير‏:‏ فالرحمة‏.‏
وقد جعل الله لكل أمر باباً، ويسر لكل باب مفتاحاً، فباب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد والاعتبار، ذكر الموت والاستعداد بتقديم الأموال‏.‏
والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق، والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء‏.‏
إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحد، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه فانهوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها، نأخذ له الحق غير متعتع‏.‏
ثم سار سعد إلى العراق، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة، ولما انتهى سعد إلى نهر زرود، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بن حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات رحمه الله ورضي الله عنه‏.‏
واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية، ولما بلغ سعداً موته ترحم عليه، وتزوج زوجته سلمى، ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتها، ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره، وأمده عمر بأمداد أخر، حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفاً، وقيل‏:‏ ستة وثلاثون‏.‏
وقال عمر‏:‏ والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب‏.‏
وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفاً على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد، عرف العرفاء، وأمر على القبائل، وولى على الطلائع والمقدمات، والمجنبات، والساقات، والرجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 44‏)‏
قال سيف بإسناده عن مشايخه قالوا‏:‏ وجعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النون، وجعل إليه الإقباض وقسمة الفيء، وجعل داعية الناس وقاصهم سلمان الفارسي، وجعل الكاتب زياد بن أبي سفيان‏.‏
قالوا‏:‏ وكان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلاثمائة وبضعة عشر صحابياً، منهم بضعة وسبعون بدرياً، وكان فيه سبعمائة من أبناء الصحابة رضي الله عنهم‏.‏
وبعث عمر كتابه إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية، والقادسية باب فارس في الجاهلية، وأن يكون بين الحجر والمدر، وأن يأخذ الطرق والمسالك على فارس، وأن يبدروهم بالضرب والشدة، ولا يهولنك كثرة عَدَدِهم وعُدَدِهم فإنهم قوم خدعة مكرة، وإن أنتم صبرتم وأحسنتم ونويتم الأمانة رجوت أن تُنْصَرُوا عليهم، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبداً إلا أن يجتمعوا، وليست معهم قلوبهم‏.‏
وإن كانت الأخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا إلى الحجر، فإنكم عليه أجرأ، وإنهم عنه أجبن وبه أجهل، حتى يأتي الله بالفتح عليهم، ويرد لكم الكرة‏.‏
وأمره بمحاسبة نفسه، وموعظة جيشه، وأمرهم بالنية الحسنة والصبر، فإن النصر يأتي من الله على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وسلوا الله العافية، وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏
واكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون، وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وأرجه، ولا تدل بشيء‏.‏
واعلم أن الله قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم‏.‏
فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء، وخير القدر في عافية‏.‏
وكتب إليه عمر‏:‏ قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم، فإنه قد ألقي في روعي أنكم ستهزمونهم، فلا تشكن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء الله‏.‏
وجعل عمر يدعو لسعد خاصة، وله وللمسلمين عامة‏.‏
ولما بلغ سعد العُذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاذ بن أراذويه، فغنموا مما معه شيئاً كثيراً، ووقع منهم موقعاً كبيراً، فخمسها سعد، وقسم أربعة أخماسها في الناس، واستبشر الناس بذلك، وفرحوا، وتفاءلوا، وأفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم، على هذه السرية‏:‏ غالب بن عبد الله الليثي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 45‏)‏
غزوة القادسية
ثم سار سعد فنزل القادسية، وبث سراياه، وأقام بها شهراً لم ير أحداً من الفرس، فكتب إلى عمر بذلك، والسرايا تأتي بالميرة من كل مكان، فعجت رعايا الفرس أطراف بلادهم إلى يزدجرد من الذين يلقون من المسلمين من النهب والسبي‏.‏
وقالوا‏:‏ إن لم تنجدونا وإلا أعطينا ما بأيدينا وسلمنا إليهم الحصون‏.‏
واجتمع رأي الفرس على إرسال رستم إليهم، فبعث إليه يزدجرد فأمره على الجيش فاستعفى رستم من ذلك وقال‏:‏ إن هذا ليس برأي في الحرب، إن إرسال الجيوش بعد الجيوش أشد على العرب من أن يكسروا جيشاً كثيفاً مرة واحدة‏.‏
فأبى الملك إلا ذلك، فتجهز رستم للخروج، ثم بعث سعد كاشفاً إلى الحيرة إلى صلوبا فأتاه الخبر بأن الملك قد أمر على الحرب رستم بن الفرخزاذ الأرمني، وأمده بالعساكر‏.‏
فكتب سعد إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر‏:‏ لا يكربنك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث إليه رجالاً من أهل النظر والرأي والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعائهم توهيناً لهم، وفلجاً عليهم، واكتب إلي في كل يوم‏.‏
ولما اقترب رستم بجيوشه، وعسكر بساباط، كتب سعد إلى عمر يقول‏:‏ إن رستم قد عسكر بساباط، وجر الخيول والفيول، وزحف علينا بها، وليس شيء أهم عندي، ولا أكثر ذكراً مني لما أحببت أن أكون عليه من الاستعانة والتوكل‏.‏
وعبأ رستم فجعل على المقدمة وهي أربعون ألفاً الجالنوس، وعلى الميمنة الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام، وذلك ستون ألفاً، وعلى الساقة البندران في عشرين ألفاً، فالجيش كله ثمانون ألفاً، فيما ذكره سيف وغيره‏.‏
وفي رواية‏:‏ كان رستم في مائة ألف وعشرين ألفاً، يتبعها ثمانون ألفاً، وكان معه ثلاث وثلاثون فيلاً، منها فيل أبيض كان لسابور، فهو أعظمها وأقدمها، وكانت الفيلة تألفه‏.‏
ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم‏:‏ النعمان بن مقرن، وفرات بن حبان، وحنظلة بن الربيع التميمي، وعطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معدي كرب، يدعون رستم إلى الله عز وجل‏.‏
فقال لهم رستم‏:‏ ما أقدمكم‏؟‏
فقالوا‏:‏ جئنا لموعود الله إيانا، أخذ بلادكم، وسبي نسائكم وأبنائكم، وأخذ أموالكم، فنحن على يقين من ذلك، وقد رأى رستم في منامه كأن ملكاً نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله ودفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر‏.‏
وذكر سيف بن عمر‏:‏ أن رستم طاول سعداً في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعداً بالقادسية أربعة أشهر كل ذلك لعله يضجر سعداً ومن معه ليرجعوا، ولولا أن الملك استعجله ما التقاه، لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم، لما رأى في منامه، ولما يتوسمه، ولما سمع منهم، ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 46‏)‏
ولما دنا جيش رستم من سعد أحب سعد أن يطلع على أخبارهم على الجلية، فبعث رجلاً سرية لتأتيه برجل من الفرس، وكان في السرية طليحة الأسدي الذي كان ادعى النبوة ثم تاب، وتقدم الحارث مع أصحابه حتى رجعوا، فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش والصفوف، وتخطى الألوف، وقتل جماعة من الأبطال حتى أسر أحدهم وجاء به لا يملك من نفسه شيئاً، فسأله سعد عن القوم فجعل يصف شجاعة طليحة، فقال‏:‏ دعنا من هذا، وأخبرنا عن رستم‏؟‏
فقال‏:‏ هو في مائة ألف وعشرين ألفاً، ويتبعها مثلها، وأسلم الرجل من فوره رحمه الله‏.‏
قال سيف عن شيوخه‏:‏ ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه، فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه‏.‏
فلما قدم عليه جعل رستم يقول له‏:‏ إنكم جيراننا، وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا‏.‏
فقال له المغيرة‏:‏ إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولاً، قال له‏:‏ إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني، فأنا منتقم بهم منهم، واجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز‏.‏
فقال له رستم‏:‏ فما هو‏؟‏
فقال‏:‏ أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله‏.‏
فقال‏:‏ ما أحسن هذا ‏؟‏‏!‏ وأي شيء أيضاً‏؟‏
قال‏:‏ وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله‏.‏
قال‏:‏ وحسن أيضاً، وأي شيء أيضاً‏؟‏
قال‏:‏ والناس بنو آدم وحواء فهم أخوة لأب وأم‏.‏
وقال‏:‏ وحسن أيضاً‏.‏
ثم قال رستم‏:‏ أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا‏؟‏
قال‏:‏ أي والله، ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة‏.‏
قال‏:‏ وحسن أيضاً‏.‏
قال‏:‏ ولما خرج المغيرة من عنده ذكر رستم رؤساء قومه في الإسلام فانفوا ذلك، وأبوا أن يدخلوا فيه قبحهم الله وأخزاهم وقد فعل‏.‏
قالوا‏:‏ ثم بعث إليه سعد رسولاً آخر بطلبه، وهو ربعي بن عامر، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة، والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت، واللآلئ الثمينة والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه‏.‏
فقالوا له‏:‏ ضع سلاحك‏.‏
فقال‏:‏ إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت‏.‏
فقال رستم‏:‏ ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فحرق عامتها‏.‏
فقالوا له‏:‏ ما جاء بكم‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 47‏)‏
فقال‏:‏ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لتدعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله‏.‏
قالوا‏:‏ وما موعود الله‏؟‏
قال‏:‏ الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي‏.‏
فقال رستم‏:‏ قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا‏؟‏
قال‏:‏ نعم ‏!‏كم أحب إليكم‏؟‏ يوماً أو يومين‏؟‏
قال‏:‏ لا بل حتى نكاتب أهل رأينا رؤساء قومنا‏.‏
فقال‏:‏ ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل‏.‏
فقال‏:‏ أسيدهم أنت‏؟‏
قال‏:‏ لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم‏.‏
فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال‏:‏ هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل‏؟‏
فقالوا‏:‏ معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا، تدع دينك إلى هذا الكلب أما ترى إلى ثيابه‏؟‏
فقال‏:‏ ويلكم لا تنظرون إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي، والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب‏.‏
ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلاً، فبعث إليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي‏.‏
وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة، فتكلم بكلام حسن طويل‏.‏
قال فيه رستم للمغيرة‏:‏ إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل‏.‏
فقال‏:‏ من يوصلني إليه وله درهمان‏؟‏
فلما سقط عليه غرق فيه فجعل يطلب الخلاص فلا يجده‏.‏
وجعل يقول‏:‏ من يخلصني وله أربعة دراهم‏؟‏
ومثلكم كمثل الثعلب ضعيف دخل جحراً في كرم فلما رآه صاحب الكرم ضعيفاً رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئاً كثيراً، فجاء بجيشه واستعان عليه بغلمانه فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا‏.‏
ثم استشاط غضباً وأقسم بالشمس‏:‏ لأقتلنكم غداً‏.‏
فقال المغيرة‏:‏ ستعلم‏.‏
ثم قال رستم للمغيرة‏:‏ قد أمرت لكم بكسوة، ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا‏.‏
فقال المغيرة‏:‏ أبعد أن أوهنا ملككم وضعفنا عزكم، ولنا مدة نحو بلادكم، ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيداً على رغمكم ‏؟‏‏!‏
فلما قال ذلك استشاط غضباً‏.‏
وقال ابن جرير‏:‏ حدثني محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي، ثنا أمية بن خالد، ثنا أبو عوانة، عن حصيب بن عبد الرحمن قال‏:‏ قال أبو وائل‏:‏ جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس‏.‏
قال‏:‏ لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمان آلاف بين ذلك، والمشركون ثلاثون ألفاً ونحو ذلك، فقالوا‏:‏ لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح ما جاء بكم‏؟‏ ارجعوا‏.‏
قال‏:‏ قلنا‏:‏ ما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون‏:‏ دوك دوك، وشبهونا بالمغازل‏.‏
فلما أبينا عليهم أن نرجع، قالوا‏:‏ ابعثوا إلينا رجلاً من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم‏؟‏
فقال المغيرة بن شعبة‏:‏ أنا‏.‏
فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا‏.‏
فقال‏:‏ إن هذا لم يزدني رفعة، ولم ينقص صاحبكم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 48‏)‏
فقال رستم‏:‏ صدق ما جاء بكم‏.‏
فقال‏:‏ إنا كنا قوماً في شر وضلالة فبعث الله إلينا نبياً فهدانا الله به ورزقنا على يديه، فكان فيما رزقنا حبة تنبت في هذا البلد، فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا‏:‏ لا صبر لنا عنها أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبة‏.‏
فقال رستم‏:‏ إذا نقتلكم‏.‏
قال‏:‏ إن قتلتمونا دخلنا الجنة، وإن قتلناكم دخلتم النار وأديتم الجزية‏.‏
قال‏:‏ فلما قال‏:‏ وأديتم الجزية نخروا وصاحوا، وقالوا‏:‏ لا صلح بيننا وبينكم‏.‏
فقال المغيرة‏:‏ تعبرون إلينا أو نعبر إليكم‏؟‏
فقال رستم‏:‏ بل نعبر إليكم فاستأخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم‏.‏
وذكر سيف‏:‏ أن سعداً كان به عرق النسا يومئذ، وأنه خطب الناس وتلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏ وصلى بالناس الظهر، ثم كبر أربعاً وحملوا بعد أن أمرهم أن يقولوا‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله في طردهم إياهم، وقتلهم إياهم، وقعودهم لهم كل مرصد، وحصرهم لبعضهم في بعض الأماكن حتى أكلوا الكلاب والسنانير‏.‏
وما رد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند، ولجأ أكثرهم إلى المدائن، ولحقهم المسلمون إلى أبوابها‏.‏
وكان سعد قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة، فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتهم على عواتقهم وسياطهم بأيديهم، والنعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطها الأرض بأرجلها، وجعلوا يتعجبون منها غاية العجب، كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عَدَدِها وعُدَدِها‏.‏
ولما استأذنوا على الملك يزدجرد أذن لهم، وأجلسهم بين يديه، وكان متكبراً قليل الأدب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها‏؟‏ عن الأردية، والنعال، والسياط ثم كلما قالوا شيئاً من ذلك تفاءل، فرد الله فأله على رأسه‏.‏
ثم قال لهم‏:‏ ما الذي أقدمكم هذه البلاد‏؟‏ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا‏؟‏
فقال له النعمان بن مقرن‏:‏ إن الله رحمنا، فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة‏.‏
فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين‏:‏ فرقة تقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينهد إلى من خالفه من العرب، ويبدأ بهم ففعل، فدخلوا معه جميعاً على وجهين‏:‏ مكروه عليه فاغتبط، وطائع إياه فازداد‏.‏
فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق‏.‏
وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين الإسلام، حسن الحسن وقبح القبيح كله‏.‏
فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء، فإن أبيتم فالمناجزة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 49‏)‏
وإن أجبتم إلى ديننا، خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمنكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وإن أتيتمونا بالجزي قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم‏.‏
قال‏:‏ قتلكم يزدجرد‏.‏
فقال‏:‏ إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم لا تغزوكم فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم‏.‏
فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم‏.‏ فأسكت القوم، فقام المغيرة بن شعبة فقال‏:‏ أيها الملك، إن هؤلاء رؤس العرب وجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم، الأشرافَ الأشرافُ، ويعظم حقوق الأشرافِ الأشرافَ، وليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا، ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبني فأكون أنا الذي أبلغك، ويشهدون على ذلك‏.‏ إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً‏.‏
فأما ما ذكرت من سوء الحال‏:‏ فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا‏:‏ فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا‏.‏ وأما المنازل‏:‏ فإنما هي ظهر الأرض‏.‏
ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل، وأشعار الغنم‏.‏
ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه‏.‏
وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا، وأحلمنا‏.‏
فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد‏.‏
أول ترب كان له الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئاً إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله‏.‏
فقال لنا‏:‏ إن ربكم يقول‏:‏ أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء، وإلي يصير كل شيء، وإن رحمتي أدركتكم، فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام‏.‏
فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال‏:‏ من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه‏.‏
فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك ‏؟‏‏.‏
فقال يزدجرد‏:‏ أتستقبلني بمثل هذا‏؟‏
فقال‏:‏ ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به‏.‏
فقال‏:‏ لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 50‏)‏
وقال‏:‏ ائتوني بوقر من تراب، فاحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن‏.‏ ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية، وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور‏.‏
ثم قال‏:‏ من أشرفكم‏؟‏
فسكت القوم، فقال عاصم بن عمرو‏:‏ وأفتات ليأخذ التراب، أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملنيه‏.‏
فقال‏:‏ أكذلك‏؟‏
قالوا‏:‏ نعم، فحمله على عنقه، فخرج به من الإيوان، والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها، ثم انجذب في السير ليأتوا به سعداً، وسبقهم عاصم فمر باب قديس فطواه، وقال‏:‏ بشروا الأمير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله تعالى‏.‏
ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر، ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر‏.‏
فقال‏:‏ أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم، وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم، ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كل يوم علواً وشرفاً ورفعة، وينحط أمر الفرس سفلاً وذلاً ووهناً‏.‏
ولما رجع رستم إلى الملك يسأله عن حل من رأى من المسلمين‏؟‏ فذكر له عقلهم، وفصاحتهم وحدة جوابهم، وأنهم يرومون أمراً يوشك أن يدركوه‏.‏
وذكر ما أمر به أشرفهم من حمل التراب، وأنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه، ولو شاء اتقى بغيره، وأنا لا أشعر‏.‏
فقال له رستم‏:‏ إنه ليس أحمق، وليس هو بأشرفهم إنما أراد أن يفتدي قومه بنفسه، ولكن والله ذهبوا بمفاتيح أرضنا، وكان رستم منجماً، ثم أرسل رجلاً وراءهم، وقال‏:‏ إن أدرك التراب فرده تداركنا أمرنا، وإن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا‏.‏
قال‏:‏ فساق وراءهم فلم يدركهم بل سبقوه إلى سعد بالتراب، وساء ذلك فارس وغضبوا من ذلك أشد الغضب واستهجنوا رأي الملك‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:00 PM   #126 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل وقعة القادسية‏.‏
كانت وقعة القادسية وقعة عظيمة لم يكن بالعراق أعجب منها، وذلك‏:‏ أنه لما تواجه الصفان كان سعد رضي الله عنه قد أصابه عرق النسا، ودمامل في جسده فهو لا يستطيع الركوب، وإنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة وهو ينظر إلى الجيش ويدبر أمره، وقد جعل أمر الحرب إلى خالد بن عرفطة، وجعل على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي، وعلى الميسرة قيس بن مكشوح، وكان قيس والمغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مدداً من عند أبو عبيدة من الشام بعدما شهداً وقعة اليرموك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 51‏)‏
وزعم ابن إسحاق‏:‏ أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، وأن رستماً كان في ستين ألفاً، فصلى سعد بالناس الظهر، ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم، وتلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏ وقرأ القراء آيات الجهاد وسوره‏.‏
ثم كبر سعداً أربعاً، ثم حملوا بعد الرابعة فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا، وقد قتل من الفرقين بشرٌ كثير، ثم أصبحوا إلى مواقفهم، فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم، ثم أصبحوا كما أمسوا على مواقفهم، فاقتتلوا حتى أمسوا، ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك، وأمست هذه الليلة تسمى‏:‏ ليلة الهرير‏.‏
فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالاً شديداً، وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمراً بليغاً، وقد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها، وقلعوا عيونها، وأبلى جماعة من الشجعان في هذه الأيام مثل‏:‏ طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله البجلي، وضرار بن الخطاب، وخالد بن عرفطة، وأشكالهم وأضرابهم‏.‏
فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم، ويسمى‏:‏ يوم القادسية، وكان يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة كما قاله سيف بن عمر التميمي، هبت ريح شديدة فرفعت خيام الفرس عن أماكنها، وألقت سرير رستم الذي هو منصوب له، فبادر فركب بغلته وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه، وقتلوا جالينوس مقدمة الطلائع القادسية، وانهزمت الفرس ولله الحمد والمنة عن بكرة أبيهم‏.‏
ولحقهم المسلمون في أقفائهم، فقتل يومئذ المسلسلون بكمالهم وكانوا ثلاثين ألفاً، وقتل في المعركة عشرة آلاف، وقتلوا قبل ذلك قريباً من ذلك‏.‏
وقتل من المسلمين في هذا اليوم وما قبله من الأيام ألفان وخمسمائة رحمهم الله‏.‏
وساق المسلمون خلفهم المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة الملك، وهي المدائن التي فيها الإيوان الكسروي، وقد أذن لمن ذكرنا عليه فكان منهم إليه ما قدمنا، وقد غنم المسلمون من وقعة القادسية هذه من الأموال والسلاح ما لا يحد ولا يوصف كثره، فحصلت الغنائم بعد صرف الأسلاب وخمست، وبعث بالخمس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/52‏)‏
وقد كان عمر رضي الله عنه يستخبر عن أمر القادسية كل من لقيه من الركبان، ويخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق الخبر، فينما هو ذات يوم من الأيام إذا هو براكب يلوح من بعد فاستقبله عمر فاستخبره‏.‏
فقال له‏:‏ فتح الله على المسلمين بالقادسية، وغنموا غنائم كثيرة، وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمر، وعمر ماش تحت راحلته، فلما اقتربا من المدينة جعل الناس يحيون عمر بالإمارة، فعرف الرجل عمر، فقال‏:‏ يرحمك الله يا أمير المؤمنين هلا أعلمتني أنك الخليفة‏؟‏
فقال‏:‏ لا حرج عليك يا أخي‏.‏
وقد تقدم أن سعداً رضي الله عنه كان به قروح وعرق النسا فمنعه من شهود القتال لكنه جالس في رأس القصر ينظر في مصالح الجيش، وكان مع ذلك لا يغلق عليه باب القصر لشجاعته، ولو فر الناس لأخذته الفرس قبضاً باليد، لا يمتنع منهم، وعنده امرأته سلمى بنت حفص التي كانت قبله عند المثنى بن حارثة، فلما فر بعض الخيل يومئذ فزعت وقالت‏:‏ وامثنياه، ولا مثنى لي اليوم‏.‏ فغضب سعد من ذلك ولطم وجهها‏.‏
فقالت‏:‏ أغيرة وجبناً‏؟‏ يعني‏:‏ أنها تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب - وهذا عناد منها - فإنها أعلم الناس بعذره، وما هو فيه من المرض المانع من ذلك، وكان عنده في القصر رجل مسجون على الشراب كان قد حد فيه مرات متعددة، يقال‏:‏ سبع مرات، فأمر به سعد فقيد وأودع في القصر فلما رأى الخيول تجول حول حمى القصر، وكان من الشجعان الأبطال، قال‏:‏
كفى حزناً أن تدحم الخيل بالفتى * واترك مشدوداً علي وثاقيا
إذا قمت غناني الحديد وغلقت * مصاريع من دوني تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وأخوة * وقد تركوني مفرداً لا أخاليا
ثم سأل من زبراء أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد، وحلف لها أنه يرجع آخر النهار فيضع رجله في القيد فأطلقته، وركب فرس سعد، وخرج فقاتل قتالاً شديداً، وجعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها وينكرها ويشبهه بأبي محجن، ولكن يشك لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها، ونزل سعد فوجد فرسه يعرق، فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏
فذكروا له قصة أبو محجن فرضي عنه وأطلقه رضي الله عنهما‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 53‏)‏
وقد قال رجل من المسلمين في سعد رضي الله عنه‏:‏
نقاتل حتى أنزل الله نصره * وسعد بباب القادسية معصم
فأُبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهم أيم
فيقال‏:‏ أن سعداً نزل إلى الناس فاعتذر إليهم مما فيه من القروح في فخذيه وإليتيه، فعذره الناس‏.‏
ويذكر أنه دعا على قائل هذين البيتين وقال‏:‏ اللهم إن كان كاذباً، أو قال‏:‏ الذي قال رياءً وسمعةً وكذباً فاقطع لسانه ويده، فجاءه سهم وهو واقف بين الصفين، فوقع في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات‏.‏
رواه سيف‏:‏ عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر فذكره‏.‏
وقال سيف‏:‏ عن المقدام بن شريح الحارثي، عن أبيه قال‏:‏ قال جرير بن عبد الله البجلي‏:‏
أنا جرير وكنيتي أبو عمرو * قد فتح الله وسعد في القصر
فأشرف سعد من قصره وقال * وما أرجو بجيلة غير أني أومل أجرها يوم الحساب
وقد لقيت خيولهم خيولاً * وقد وقع الفوارس في الضراب
وقد دلفت بعرصتهم خيول * كان زهاءها إبل الجراب
فلولا جمع قعقاع بن عمرو * وحمال للجوا في الركاب
ولولا ذاك ألفيتم رعاعاً * تسيل جموعكم مثل الذباب
وقد روى محمد بن إسحاق‏:‏ عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم البجلي - وكان ممن شهد القادسية - قال‏:‏ كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتداً، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الذي فيه بجيلة‏.‏
قال‏:‏ وكنا ربع الناس، قال‏:‏ فوجهوا إلينا ستة عشر فيلاً، وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد، ويرشقوننا بالنشاب، فلكأنه المطر، وقربوا خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا‏.‏
قال‏:‏ وكان عمرو بن معد يكرب الزبيدي يمر بنا فيقول‏:‏ يا معشر المهاجرين، كونوا أسوداً فإنما الفارسي تيس‏.‏
قال‏:‏ وكان فيهم أسوار لا تكاد تسقط له النشاب‏.‏
فقلنا له‏:‏ يا أبا ثور، اتق ذاك الفارس فإنه لا يسقط له نشابة فوجه إليه الفارس، ورماه بنشابة فأصاب ترسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب ومنطقة من ذهب، ويلمقا من ديباج‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/54‏)‏
قال‏:‏ وكان المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف، فقتل الله رستماً، وكان الذي قتله رجل يقال له‏:‏ هلال بن علقمة التميمي، رماه رستم بنشابه فأصاب قدمه، وحمل عليه هلال فقتله واحتز رأسه‏.‏
وولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكان قد نزلوا فيه وأطمأنوا، فبينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا إذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل هنالك الجالينوس قتله زهرة بن حوية التميمي، ثم ساروا خلفهم، فكلما تواجه الفريقان نصر الله حزب الرحمن، وخذل حزب الشيطان وعبدة النيران، واحتاز المسلمون من الأموال ما يعجز عن حصره ميزان وقبان، حتى إن منهم من يقول‏:‏ من يقايض بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان، ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم وفتحوا المدائن، وجلولاء على ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة‏.‏
وقال سيف بن عمرو‏:‏ عن سليمان بن بشير، عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت‏:‏ شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوي ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه، ومعنا الصبيان فنوليهم ذلك - تعني استلابهم - لئلا يكشفن عن عورات الرجال‏.‏
وقال سيف بأسانيده‏:‏ عن شيوخه قالوا‏:‏ وكتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح وبعدة من قتلوا من المشركين‏.‏ وبعدة من قتل من المسلمين، بعث بالكتاب مع سعد بن عميلة الفزاري، وصورته‏:‏
أما بعد‏:‏ فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحناهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراؤن مثل زهائها، فلم ينفعهم الله بذلك بل سلبوه، ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الأنهار، وصفوف الآجام، وفي الفجاج‏.‏
وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله فإنه بهم عالم، كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 55‏)‏
فيقال‏:‏ أن عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر رضي الله عنهم‏.‏
ثم قال عمر للناس‏:‏ إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها، ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوى في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست معلمكم إلا بالعمل إني والله لست بملك فأستعبدكم، ولكني عبد الله عرض علي الأمانة فإن أبيتها ورددتها عليكم، واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت بكم‏.‏
وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم ففرحت قليلاً وحزنت طويلاً، فبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب‏.‏
وقال سيف عن شيوخه قالوا‏:‏ وكانت العرب من العذيب إلى عدن أبين، يتربصون وقعة القادسية هذه يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وقد بعث أهل كل بلدة قاصداً يكشف ما يكون من خبرهم، فلما كان ما كان من الفتح سبقت الجن بالبشارة إلى أقصى البلاد قبل رسل الإنس، فسمعت امرأة ليلاً بصنعاء على رأس جبل وهي تقول‏:‏
فحييت عنا عكرمَ ابنة خالد * وما خير زاد بالقليل المصردِ
وحييت عني الشمس عند طلوعها * وحييت عني كل تاج مفردِ
وحيتك عني عصبة نخعية * حسان الوجوه آمنوا بمحمد
أقاموا لكسرى يضربون جنوده * بكل رقيق الشفرتين مهند
إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكلٍ * من الموت مسود الغياطل أجرد
قالوا‏:‏ وسمع أهل اليمامة مجتازاً يغني بهذه الأبيات‏:‏
وجدنا الأكرمين بني تميم * غداة الروع أكثرهم رجالا
هموا ساروا بأرعن مكفهر * إلى لجب يرونهم رعالا
بحور للأكاسر من رجال * كأسد الغاب تحسبهم جبالا
تركن لهم بقادس عز فخر * وبالخيفين أياماً طوالا
مقطعة أكفهم وسوق * بمرد حيث قابلت الرجالا
قالوا‏:‏ وسمع ذلك في سائر بلاد العرب، وقد كانت بلاد العراق بكاملها التي فتحها خالد نقضت العهود والذمم والمواثيق التي كانوا أعطوها خالداً، سوى أهل بانقيا وبرسما، وأهل أُليس الآخرة، ثم عاد الجميع بعد هذه الواقعة التي أوردناها، وادعوا أن الفرس أجبروهم على نقض العهود، وأخذوا منهم الخراج، وغير ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 56‏)‏
فصدقوهم في ذلك تألفاً لقلوبهم، وسنذكر حكم أهل السواد في كتابنا‏:‏ ‏(‏الأحكام الكبير‏)‏ إن شاء الله تعالى‏.‏
وقد ذهب ابن إسحاق وغيره‏:‏ إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة‏.‏
وزعم الواقدي‏:‏ أنها كانت في سنة ستة عشرة‏.‏
وأما سيف بن عمرو وجماعة‏:‏ فذكروها في سنة أربع عشرة، وفيها ذكرها ابن جرير‏.‏ فالله أعلم‏.‏
قال ابن جرير والواقدي‏:‏ في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أُبي بن كعب في التراويح، وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ وفيها‏:‏ بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة، وأمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها، منهم في قول المدائني، وروايته‏.‏
قال‏:‏ وزعم سيف أن البصرة إنما مصرت في ربيع من سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت، وجهه إليها سعد بأمر من عمر رضي الله عنهم‏.‏
وقال أبو مخنف‏:‏ عن مجالد، عن الشعبي رضي الله عنهم‏:‏ أن عمر بعث عتبة بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وسار إليه من الأعراب ما كمل معه خمسمائة، فنزلها في ربيع الأول سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تدعى‏:‏ أرض الهند، فيها حجارة بيض خشنة، وجعل يرتاد لهم منزلاً حتى جاؤا حيال الجسر الصغير فإذا فيه حلفاً وقصب نابت، فنزلوا‏.‏
فركب إليهم صاحب الفرات في أربعة آلاف أسوار، فالتقاه عتبة بعدما زالت الشمس، وأمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفرس عن آخرهم، وأسروا صاحب الفرات، وقام عتبة خطيباً فقال في خطبته‏:‏
إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا عما بحضرتكم فقد ذكر لي لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفاً ولتملأنه، أو عجبتم ‏؟‏‏!‏
ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق السمر، حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مصر من الأمصار، وسيجربون الناس بعدنا‏.‏
وهذا الحديث في صحيح مسلم بنحو من هذا السياق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 57‏)‏
وروى علي بن محمد المدائني‏:‏ أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة‏:‏
يا عتبة، إني استعملتك على أرض الهند وهي حومة من حومة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، وأن يعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي يمدك بعرفجة بن هرثمة‏.‏
فإذا قدم عليك فاستشره وقربه، وادع إلى الله، فمن أجابك فأقبل منه، ومن أبى فالجزية عن صغار وذلة، وإلا فالسيف في غير هوادة‏.‏
واتق الله فيما وليت، وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر فتفسد عليك آخرتك، وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززت بعد الذلة، وقويت بعد الضعف، حتى صرت أميراً مسلطاً، وملكاً مطاعاً، تقول فيسمع منك، وتأمر فيطاع أمرك، فيالها نعمة إذا لم ترق فوق قدرك وتبطر على من دونك‏.‏
احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، وهي أخوفهما عندي عليك أن يستدرجك ويخدعك فتسقط سقط فتصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك أن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا واتق مصارع الظالمين‏.‏
وقد فتح عتبة الأبلة في رجب أو شعبان من هذه السنة‏.‏
ولما مات عتبة بن غزوان في هذه السنة استعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة سنتين، فلما رمي بما رمي به عزله وولى عليها أبا موسى الأشعري رضي الله عنهم‏.‏
وفي هذه السنة‏:‏ ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد الله في الشراب هو وجماعة معه‏.‏
وفيها‏:‏ ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب أيضاً سبع مرات، وضرب معه ربيعة بن أمية بن خلف‏.‏
وفيها‏:‏ نزل سعد بن أبي وقاص الكوفة‏.‏
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، قال‏:‏ وكان بمكة‏:‏ عتاب بن أسيد، وبالشام‏:‏ أبو عبيدة، وبالبحرين‏:‏ عثمان بن أبي العاص‏.‏ وقيل‏:‏ العلاء بن الحضرمي، وعلى العراق‏:‏ سعد، وعلى عمان‏:‏ حذيفة بن محصن‏.‏

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:01 PM   #127 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
ذكرى من توفى في هذا العام من المشاهير
ففيها‏:‏ توفي سعد بن عبادة في قول، والصحيح في التي قبلها والله أعلم‏.‏
عتبة بن غزوان بن جابر بن هيب المازني، حليف بني عبد شمس صحابي بدري، وأسلم قديما بعد سنة وهاجر إلى أرض الحبشة وهو أول من اختط البصرة عن أمر عمر في امرأته له على ذلك كما تقدم، وله فضائل ومآثر، وتوفي سنة أربع عشرة‏.‏
وقيل‏:‏ سنة خمس عشرة‏.‏
وقيل‏:‏ سنة سبع عشرة‏.‏
وقيل سنة عشرين فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 58‏)‏
وقد جاوز الخمسين، وقيل‏:‏ بلغ ستين سنة رضي الله عنه‏.‏
عمرو بن أم مكتوم الأعمى، ويقال‏:‏ اسمه عبد الله، صحابي مهاجر، هاجر بعد مصعب بن عمير قبل النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقرئ الناس القرآن، وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة غير مرة، فيقال‏:‏ ثلاث عشرة مرة‏.‏
وشهد القادسية مع سعد زمن عمر، فيقال‏:‏ إنه قتل بها شهيداً‏.‏ ويقال‏:‏ إنه رجع المدينة وتوفي بها والله أعلم‏.‏
المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل شيبان الشيباني، نائب خالد على العراق‏.‏
وهو‏:‏ الذي صارت إليه الإمرة بعد أبي عبيد يوم الجسر، فدارى بالمسلمين حتى خلصهم من الفرس يومئذ، وكان أحد الفرسان الأبطال وهو الذي ركب إلى الصديق فحرضه على غزو العراق، ولما توفي تزوج سعد بن أبي وقاص بامرأته سلمى بنت حفص رضي الله عنهما وأرضاهما‏.‏
وقد ذكره ابن الأثير في كتابه ‏(‏الغابة في أسماء الصحابة‏)‏‏:‏ أبو زيد الأنصاري النجاري أحد القراء الأربعة الذين حفظوا القرآن من الأنصار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في حديث أنس بن مالك
وهم‏:‏ معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد‏.‏
قال أنس‏:‏ أحد عمومتي‏.‏
قال الكلبي‏:‏ واسم أبي زيد هذا‏:‏ قيس بن السكن بن قيس بن زعوراء بن حزم بن جندب بن غنم بن عدي بن النجار شهد بدراً‏.‏
قال موسى بن عقبة‏:‏ واستشهد يوم جسر أبي عبيد، وهي عنده في سنة أربع عشرة‏.‏
وقال بعض الناس‏:‏ أبو زيد الذي يجمع القرآن سعد بن عبيد وردوا هذا برواية قتادة عن أنس بن مالك، قال‏:‏
افتخرت الأوس والخزرج فقالت الأوس‏:‏ منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومنا الذي اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنا الذي جعلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت‏.‏
فقالت الخزرج‏:‏ منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي، وزيد بن ثابت، ومعاذ، وأبو زيد رضي الله عنهم أجمعين‏.‏
أبو عبيد بن مسعود بن عمر الثقفي، والد المختار بن أبي عبيد أمير العراق، ووالد صفية امرأة عبد الله بن عمر‏.‏
أسلم أبو عبيد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر في الصحابة‏.‏
قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي‏:‏ ولا يبعد أن يكون له رواية والله أعلم‏.‏
أبو قحافة والد الصديق، واسم أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن صخر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، أسلم أبو قحافة عام الفتح، فجاء به الصديق يقوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/59‏)‏
‏:‏ ‏(‏‏(‏هلا أقررتم الشيخ في بيته حتى كنا نحن نأتيه، تكرمة لأبي بكر رضي الله عنه، فقال‏:‏ بل هو أحق بالسعي إليك يا رسول الله، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، ورأسه كالثغامة بياضاً ودعا له، وقال‏:‏ غيروا هذا الشيب بشيء وجنبوه السواد‏)‏‏)‏‏.‏
ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصارت الخلافة إلى الصديق أخبره المسلمون بذلك وهو بمكة، فقال‏:‏ أو أقرت بذلك بنو هاشم بنو مخزوم‏؟‏
قالوا‏:‏ نعم ‏!‏‏!‏‏.‏
قال‏:‏ ذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء‏.‏
ثم أصيب ابنه الصديق رضي الله عنه‏.‏
ثم توفي أبو قحافة في محرم، وقيل‏:‏ في رجب سنة أربع عشرة بمكة، عن أربع وسبعين سنة رحمه الله وأكرم مثواه‏.‏
وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي من المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف‏:‏
أوس بن أوس بن عتيك، قتل يوم الجسر‏.‏
بشير بن عنبس بن يزيد الظفري أحدي، وهو ابن عم قتادة بن النعمان، ويعرف‏:‏ بفارس الحواء، اسم فرسه‏.‏
ثابت بن عتيك من بني عمرو بن مبذول، صحابي قتل يوم الجسر‏.‏
ثعلبة بن عمرو بن محصن النجاري، بدري قتل يومئذ‏.‏
الحارث بن عتيك بن النعمان النجاري، شهد أحداً، قتل يومئذ‏.‏
الحارث بن مسعود بن عبدة صحابي أنصاري، قتل يومئذ‏.‏
الحارث بن عدي بن مالك، أنصاري أحدي، قتل يومئذ‏.‏
خالد بن سعيد بن العاص، قيل‏:‏ استشهد يوم مرج الصفر، وكان في سنة أربع عشرة في قول‏.‏
خزيمة بن أوس الأشهلي، قتل يوم الجسر‏.‏
ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، أرخ وفاته في هذه السنة ابن قانع‏.‏
زيد بن سراقة، يوم الجسر‏.‏
سعد بن سلامة بن وقش الأشهلي‏.‏
سعد بن عبادة في قول سلمة بن أسلم بن حريش، يوم الجسر‏.‏
ضمرة بن غزية، يوم الجسر‏.‏
عباد وعبد الله وعبد الرحمن، بنو مريع بن قيظي، قتلوا يومئذ‏.‏
عبد الله بن صعصعة بن وهب الأنصاري النجاري، شهدا أحداً وما بعدها‏.‏
قال ابن الأثير في ‏(‏الغابة‏)‏‏:‏ وقتل يوم الجسر‏.‏
عتبة بن غزوان تقدم‏.‏
عقبة وأخوه عبد الله حضرا الجسر مع أبيهما قيظي بن قيس وقتلا يومئذ‏.‏
العلاء الحضرمي، توفي في هذه السنة في قول، وقيل‏:‏ بعدها وسيأتي‏.‏
عمرو بن أبي اليسر، قتل يوم الجسر‏.‏
قيس بن السكن أبو زيد الأنصاري رضي الله عنه تقدم‏.‏
المثنى بن حارثة الشيباني، توفي في هذه السنة رحمه الله وقد تقدم‏.‏
نافع بن غيلان، قتل يومئذ‏.‏
نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان أسن من عمه العباس، قيل‏:‏ أنه توفي في هذه السنة، والمشهور قبلها كما تقدم‏.‏
واقد بن عبد الله، قتل يوم ‏.‏
يزيد بن قيس بن الخطيم الأنصاري الظفري، شهد أحداً وما بعدها، قتل يوم الجسر، وقد أصابه يوم أحد جراحات كثيرة، وكان أبوه شاعراً مشهوراً‏.‏
أبو عبيد بن مسعود الثقفي، أمير يوم الجسر وبه عرف لقتله عنده، تخبطه الفيل حتى قتله رضي الله عنه بعدما قطع خرطومه بسيفه خرطومه كما تقدم‏.‏
أبو قحافة التيمي، والد أبي بكر الصديق، توفي في هذه السنة رضي الله عنه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 60‏)‏
هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن أمية الأموية، والدة معاوية بن أبي سفيان، وكانت من سيدات نساء قريش، ذات رأي ودهاء ورياسة في قومها، وقد شهدت يوم أحد مع زوجها وكان لها تحريض على قتل المسلمين يومئذ، ولما قتل حمزة مثّلت به وأخذت من كبده فلاكتها فلم تستطيع إساغتها، لأنه كان قد قتل أباها وأخاها يوم بدر، ثم بعد ذلك كله أسلمت وحسن إسلامها عام الفتح، بعد زوجها بليلة‏.‏
ولما أرادت الذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبايعه، استأذنت أبا سفيان فقال لها‏:‏ قد كنت بالأمس مكذبة بهذا الأمر، فقالت‏:‏ والله ما رأيت الله عبد حق عبادته بهذا المسجد قبل هذه الليلة، والله لقد باتوا ليلهم كلهم يصلون فيه‏.‏
فقال لها‏:‏ إنك قد فعلت ما فعلت فلا تذهبي وحدك‏.‏
فذهبت إلى عثمان بن عفان، ويقال‏:‏ إلى أخيها أبي حذيفة بن عتبة فذهب معها، فدخلت وهي متنقبة، فلما بايعها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيرها من النساء‏.‏
قال‏:‏ ‏(‏‏(‏على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين‏)‏‏)‏
فقالت‏:‏ أو تزني الحرة‏؟‏
‏(‏‏(‏ولا تقتلن أولادكن‏)‏‏)‏
قالت‏:‏ قد ربيناهم صغاراً وتقتلهم كباراً ‏؟‏‏!‏
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك‏)‏‏)‏ فبادرت وقالت‏:‏ في معروف‏.‏
فقال‏:‏ في معروف، وهذا من فصاحتها وحزمها‏.‏
وقد قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك، فقد والله أصبح اليوم وما على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك‏.‏
فقال‏:‏ وكذلك والذي نفسي بيده‏.‏
وشكت من شح أبي سفيان، فأمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها بالمعروف، وقصتها مع الفاكه بن المغيرة مشهورة، وقد شهدت اليرموك مع زوجها، وماتت يوم مات أبو قحافة في سنة أربع عشرة، وهي‏:‏ أم معاوية بن أبي سفيان‏.‏
ثم دخلت سنة خمس عشرة
قال ابن جرير‏:‏ قال بعضهم فيها مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة‏.‏
قال لسعد‏:‏ أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة‏؟‏
فدلهم على موضع الكوفة اليوم‏.‏
قال‏:‏ وفيها كانت وقعة مرج الروم، وذلك لما انصرف أبو عبيدة وخالد من وقعة فحل قاصدين إلى حمص حسب ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 61‏)‏
فبعث هرقل بطريقاً يقال له‏:‏ توذرا في جيش معه، فنزل بمرج دمشق وغربها، وقد هجم الشتاء فبدأ أبو عبيد بمرج الروم‏.‏
وجاء أمير آخر من الروم يقال له‏:‏ شنس، وعسكر معه كثيف، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا، فسار توذرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد ابن أبي سفيان، فاتبعه خالد بن الوليد وبرز إليه يزيد بن أبي سفيان من دمشق، فاقتتلوا وجاء خالد وهم في المعركة، فجعل يقتلهم من ورائهم، ويزيد يفصل فيهم من أمامهم، حتى أناموهم، ولم يفلت منهم إلا الشارد‏.‏
وقتل خالد توذرا، وأخذوا من الروم أموالاً عظيمة فاقتسماها، ورجع يزيد إلى دمشق، وانصرف خالد إلى أبي عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج الروم، فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى أنتنت الأرض من زهمهم‏.‏
وقتل أبو عبيدة شنس وركبوا أكتافهم إلى حمص، فنزل عليها يحاصرها‏.‏
وقعة حمص الأولى
لما وصل أبو عبيدة في أتباعه الروم المنهزمين إلى حمص، نزل حولها يحاصرها، ولحقه خالد بن الوليد فحاصروها حصاراً شديداً، وذلك في زمن البرد الشديد، وصابر أهل البلد رجاء أن يصرفهم عنهم شدة البرد، وصبر الصحابة صبراً عظيماً بحيث إنه ذكر غير واحد أن من الروم من كان يرجع، وقد سقطت رجله وهي في الخف، والصحابة ليس في أرجلهم شيء سوى النعال، ومع هذا لم يصب منهم قدم ولا أصبع أيضاً، ولم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتد الحصار‏.‏
وأشار بعض كبار أهل حمص عليهم بالمصالحة، فأبوا عليه ذلك، وقالوا‏:‏ أنصالح والملك منا قريب‏؟‏
فيقال‏:‏ إن الصحابة كبروا في بعض الأيام تكبيرة ارتجت منها المدينة حتى تفطرت منها بعض الجدران، ثم تكبيرة أخرى فسقطت بعض الدور، فجاءت عامتهم إلى خاصتهم فقالوا‏:‏ ألا تنظرون إلى ما نزل بنا، وما نحن فيه‏؟‏ إلا تصالحون القوم عنا‏؟‏
قال‏:‏ فصالحوهم على ما صالحوا عليه أهل دمشق، على نصف المنازل، وضرب الخراج على الأراضي، وأخذ الجزية على الرقاب بحسب الغنى والفقر‏.‏
وبعث أبو عبيدة بالأخماس والبشارة إلى عمر مع عبد الله بن مسعود‏.‏
وأنزل أبو عبيدة بحمص جيشاً كثيفاً يكون بها مع جماعة من الأمراء، منهم بلال والمقداد، وكتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بأن هرقل قد قطع الماء إلى الجزيرة، وأنه يظهر تارة ويخفى أخرى، فبعث إليه عمر يأمره بالمقام ببلده‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 62‏)‏
وقعة قنسرين
لما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما جاءها ثار إليه أهلها ومن عندهم من نصارى العرب، فقاتلهم خالد فيها قتالاً شديداً، وقتل منهم خلقاً كثيراً‏.‏
فأما من هناك من الروم فأبادهم وقتل أميرهم ميتاس‏.‏
وأما الأعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا، فقبل منهم خالد وكف عنهم، ثم خلص إلى البلد فتحصنوا فيه، فقال لهم خالد‏:‏ إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا‏.‏
ولم يزل بهم حتى فتحها الله عليه‏.‏ ولله الحمد‏.‏
فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الوقعة قال‏:‏ يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني، والله إني لم أعزله عن ريبة، ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه‏.‏
وفي هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده، وارتحل عن بلاد الشام إلى بلاد الروم‏.‏
هكذا ذكره ابن جرير عن محمد بن إسحاق قال‏:‏ قال سيف‏:‏ كان ذلك في سنة ست عشرة‏.‏
قالوا‏:‏ وكان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس وخرج منها يقول‏:‏ عليك السلام يا سورية، تسليم مودع لم يقض منك وطراً وهو عائد‏.‏
فلما عزم على الرحيل من الشام وبلغ الرها، طلب من أهلها أن يصحبوه إلى الروم‏.‏
فقالوا‏:‏ إن بقاءنا هاهنا أنفع لك من رحيلنا معك فتركهم‏.‏
فلما وصل إلى شمشان وعلا على شرف هنالك التفت إلى نحو بيت المقدس وقال‏:‏ عليك السلام يا سورية سلاماً لا اجتماع بعده إلا أن أسلم عليكم تسليم المفارق، ولا يعود إليك رومي أبداً إلا خائفاً حتى يولد المولود المشؤوم، ويا ليته لم يولد‏.‏
ما أحلى فعله، وأمر عاقبته على الروم ‏!‏‏!‏
ثم سار هرقل حتى نزل القسطنطينية واستقر بها ملكه، وقد سأل رجلاً ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين، فقال‏:‏ أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال‏:‏ أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه‏.‏
فقال‏:‏ لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدمي هاتين‏.‏
قلت‏:‏ وقد حاصر المسلمون قسطنطينية في زمان بني أمية فلم يملكوها، ولكن سيملكها المسلمون في آخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم، وذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره من الأئمة ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 63‏)‏
وقد حرم الله على الروم أن يملكوا بلاد الشام برمتها إلى آخر الدهر، كما ثبت به الحديث في الصحيحين عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل‏)‏‏)‏‏.‏
وقد وقع ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه كما رأيت، وسيكون ما أخبر به جزماً لا يعود ملك القياصره إلى الشام أبداً، لأن قيصر علم جنس عند العرب يطلق على كل من ملك الشام مع بلاد الروم‏.‏
فهذا لا يعود لهم أبداً‏.‏
وقعة قيسارية
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة أمر عمر معاوية بن أبي سفيان على قيسارية وكتب إليه‏:‏
أما بعد‏:‏ فقد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير‏.‏
فسار إليها، فحاصرها وزاحفه أهلها مرات عديدة، وكان آخرها وقعة أن قاتلوا قتالاً عظيماً، وصمم عليهم معاوية، واجتهد في القتال حتى فتح الله عليه فما انفصل الحال حتى قتل منهم نحواً من ثمانين ألفاً، وكمل المائة الألف من الذين انهزموا عن المعركة، وبعث بالفتح والأخماس إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ وفيها كتب عمر بن الخطاب إلى عمر بن العاص بالمسير إلى إيليا، ومناجزة صاحبها فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم فكانت‏.‏
وقعة أجنادين
وذلك أنه سار بجيشه، وعلى ميمنته‏:‏ ابنه عبد الله بن عمرو، وعلى ميسرته‏:‏ جنادة بن تميم المالكي من بني مالك بن كنانة، ومعه شرحبيل بن حسنة، واستخلف على الأردن أبا الأعور السلمي، فلما وصل إلى الرملة وجد عندها جمعاً من الروم عليهم الأرطبون، وكان أدهى الروم وأبعدها غوراً، وأنكأها فعلاً، وقد كان وضع بالرملة جنداً عظيماً، وبإيلياء جنداً عظيماً، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر، فلما جاءه كتاب عمرو قال‏:‏ قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج‏.‏
وبعث عمرو بن العاص، علقمة بن حكيم الفراسي، ومسروق بن بلال العكي على قتال أهل إيليا‏.‏
وأبا أيوب المالكي إلى الرملة، وعليها التذارق، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص وجيشه، وجعل عمرو كلما قدم عليه أمداداً من جهة يبعث منهم طائفة إلى هؤلاء وطائفة إلى هؤلاء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 64‏)‏
وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطة، ولا تشفيه الرسل، فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حضرته حتى عرف ما أراد، وقال الأرطبون في نفسه‏:‏ والله إن هذا لعمرو أو أنه الذي يأخذ عمر برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر هو أعظم من قتله‏.‏
فدعا حرسياً فساره فأمره بفتكه، فقال‏:‏ اذهب فقم في مكان كذا وكذا، فإذا مر بك فاقتله، ففطن عمرو بن العاص فقال للأرطبون‏:‏ أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره، وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت‏.‏
فقال الأرطبون‏:‏ نعم، فاذهب فأتني بهم‏.‏
ودعا رجلاً فساره، فقال‏:‏ اذهب إلى فلان فرده‏.‏
وقام عمرو فذهب إلى جيشه ثم تحقق الأرطبون أنه عمرو بن العاص، فقال‏:‏ خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب‏.‏
وبلغت عمر بن الخطاب، فقال‏:‏ لله در عمرو‏.‏
ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالاً عظيماً، كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم، ثم اجتمعت بقية الجيوش إلى عمرو بن العاص، وذلك حين أعياهم صاحب إيليا وتحصن منهم بالبلد، وكثر جيشه، فكتب الأرطبون إلى عمرو‏:‏ بأنك صديقي ونظيري، أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتح من فلسطين شيئاً بعد أجنادين، فارجع ولا تغر فتلقى مثل ما لقي الذين قبلك من الهزيمة‏.‏
فدعا عمرو رجلاً يتكلم بالرومية فبعثه إلى أرطبون وقال‏:‏ اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني‏.‏
وكتب إليه معه جاءني كتابك وأنت نظيري، ومثلي في قومك لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي، وقد علمت أني صاحب فتح هذه البلاد، واقرأ كتابي هذا بمحضر من أصحابك ووزرائك‏.‏
فلما وصله الكتاب جمع وزراءه وقرأ عليهم الكتاب، فقالوا للأرطبون‏:‏ من أين علمت أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد‏؟‏
فقال‏:‏ صاحبها رجل اسمه على ثلاثة أحرف‏.‏
فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال‏.‏
فكتب عمرو إلى عمر يستمده ويقول له‏:‏ إني أعالج حرباً كؤداً صدوماً وبلاداً ادخرت لك فرأيك‏.‏
فلما وصل الكتاب إلى عمر علم أن عمراً لم يقل ذلك إلا لأمر علمه، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لفتح بيت المقدس كما سنذكر تفصيله‏.‏
قال سيف بن عمر عن شيوخه‏:‏ وقد دخل عمر الشام أربع مرات‏:‏
الأولى‏:‏ كان راكباً فرساً حين فتحت بيت المقدس‏.‏
والثانية‏:‏ على بعير‏.‏
والثالثة‏:‏ وصل إلى سرع، ثم رجع لأجل ما وقع بالشام من الوباء‏.‏
والرابعة‏:‏ دخلها على حمار، هكذا نقله ابن جرير عنه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 65‏)‏
فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب
ذكره أبو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر، وملخص ما ذكره هو وغيره‏:‏ أن أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب إلى أهل إيليا يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، أو يبذلون الجزية، أو يؤذنون بحرب، فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه، فركب إليهم في جنوده، واستخلف على دمشق سعيد بن زيد، ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم حتى أجابوا إلى الصلح، بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‏.‏
فكتب إليه أبو عبيدة بذلك فاستشار عمر الناس في ذلك فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم وأرغم لأنوفهم‏.‏
وأشار علي بن أبي طالب بالمسير إليهم ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوي ما قال علي ولم يهو ما قال عثمان‏.‏
وسار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته، فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة ورؤس الأمراء، كخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، فترجل أبو عبيدة، وترجل عمر، فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر، فهم عمر بتقبيل رجل أبي عبيدة، فكف أبو عبيدة فكف عمر‏.‏
ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس، واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث، ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء‏.‏
ويقال‏:‏ إنه لبى حين دخل بيت المقدس، فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد، فقرأ في الأولى بسورة ص، وسجد فيها والمسلمون معه، وفي الثانية بسورة بني إسرائيل، ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الأحبار، فأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه، فقال‏:‏ ضاهيت اليهودية، ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم، ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائة، ونقل المسلمون معه في ذلك وسخر أهل الأردن في نقل بقيتها، وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود، حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة، وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهي المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب، فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلأجل ذلك سمي ذلك الموضع القمامة، وانسحب هذا الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى هنالك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 66‏)‏
وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي وهو بإيلياء وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود، قال لهم‏:‏ إنكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا، ثم أمروا بإزالتها، فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون، فأزالها عمر بن الخطاب، وقد استقصى هذا كله بأسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه ‏(‏المستقصى في فضائل المسجد الأقصى‏)‏‏.‏
وذكر سيف في سياقه‏:‏ أن عمر رضي الله عنه ركب من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها علي بن أبي طالب، فسار حتى قدم الجابية فنزل بها وخطب بالجابية خطبة طويلة بليغة منها‏:‏
أيها الناس، أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، واعلموا أن رجلاً ليس بينه وبين آدم أب حي، ولا بينه وبين الله هوادة، فمن أراد لَحْبَ ‏(‏طريق‏)‏ وجه الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، وهو مع الاثنين أبعد، ولا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن‏.‏
وهي خطبة طويلة اختصرناها‏.‏
ثم صالح عمر أهل الجابية ورحل إلى بيت المقدس، وقد كتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية، فتوافوا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية، فكان أول من تلقاه يزيد بن أبي سفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين وعليهم يلامق الديباج، فسار إليهم عمر ليحصبهم فاعتذروا إليه بأن عليهم السلاح، وأنهم يحتاجون إليه في حروبهم‏.‏
فسكت عنهم، واجتمع الأمراء كلهم بعدما استخلفوا على أعمالهم سوى عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، فإنهما مواقفان الأرطبون بأجنادين، فبينما عمر في الجابية إذا بكردوس من الروم بأيديهم سيوف مسللة، فسار إليهم المسلمون بالسلاح، فقال عمر‏:‏ إن هؤلاء قوم يستأمنون‏.‏
فساروا نحوهم فإذا هم جند من بيت المقدس يطلبون الأمان والصلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه، فأجابهم عمر رضي الله عنه إلى ما سألوا، وكتب لهم كتاب أمان ومصالحة، وضرب عليهم الجزية، واشترط عليهم شروطاً ذكرها ابن جرير‏.‏
وشهد في الكتاب خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وهو كاتب الكتاب، وذلك سنة خمس عشرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 67‏)‏
ثم كتب لأهل لدٍّ ومن هنالك من الناس كتاباً آخر، وضرب عليهم الجزية، ودخلوا فيما صالح عليه أهل إيلياء، وفر الأرطبون إلى بلاد مصر، فكان بها حتى فتحها عمرو بن العاص، ثم فر إلى البحر فكان يلي بعض السرايا الذين يقاتلون المسلمين فظفر به رجل من قيس فقطع يد القيسي، وقتله القيسي، وقال في ذلك‏:‏
فإن يكن أرطبون الروم أفسدها * فإن فيها بحمد الله منتفعاً
وإن يكن أرطبون الروم قطعها * فقد تركت بها أوصالة قطعاً
ولما صالح أهل الرملة وتلك البلاد، أقبل عمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة حتى قدما الجابية، فوجدا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب راكباً، فلما اقتربا منه أكبا على ركبتيه فقبلاها، واعتنقهما عمر معاً رضي الله عنهم‏.‏
قال سيف‏:‏ ثم سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية، وقد توحى فرسه فأتوه ببرذون فركبه، فجعل يهملج به فنزل عنه وضرب وجهه وقال‏:‏ لا علم الله من علمك، هذا من الخيلاء، ثم لم يركب برذوناً قبله ولا بعده، ففتحت إيلياء وأرضها على يديه، ماخلا أجنادين فعلى يدي عمرو، وقيسارية فعلى يدي معاوية‏.‏
هذا سياق سيف بن عمر‏.‏
وقد خالفه غيره من أئمة السير‏:‏ فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة‏.‏
قال محمد بن عائذ، عن الوليد بن مسلم، عن عثمان بن حصن بن علان، قال يزيد بن عبيدة‏:‏ فتحت بيت المقدس سنة ست عشرة، وفيها قدم عمر بن الخطاب الجابية‏.‏
وقال أبو زرعة الدمشقي، عن دحيم، عن الوليد بن مسلم قال‏:‏ ثم عاد في سنة سبع عشرة فرجع من سرع، ثم قدم سنة ثماني عشرة فاجتمع إليه الأمراء وسلموا إليه ما اجتمع عندهم من الأموال فقسمها وجند الأجناد ومصر الأمصار، ثم عاد إلى المدينة‏.‏
وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ ثم كان فتح الجابية وبيت المقدس سنة ست عشرة‏.‏
وقال أبو معشر‏:‏ ثم كان عمواس والجابية في سنة ست عشرة‏.‏
ثم كانت سرع في سبع عشرة، ثم كان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة‏.‏
قال‏:‏ وكان فيها طاعون عمواس - يعني‏:‏ فتح البلدة المعروفة بعمواس - فأما الطاعون المنسوب إليها فكان في سنة ثماني عشرة كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 68‏)‏
قال أبو مخنف‏:‏ لما قدم عمر الشام فرأى غوطة دمشق ونظر إلى المدينة والقصور والبساتين تلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 25-28‏]‏‏.‏
ثم أنشد قول النابغة‏:‏
هما فتيا دهر يكر عليهما * نهار وليل يلحقان التواليا
إذا ما هما مرا بحي بغبطة * أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا
وهذا يقتضي بادي الرأي أنه دخل دمشق، وليس كذلك فإنه لم ينقل أحد أنه دخلها في شيء من قدماته الثلاث إلى الشام‏:‏
أما الأولى‏:‏ وهي هذه فإنه سار من الجابية إلى بيت المقدس، كما ذكر سيف وغيره والله أعلم‏.‏
وقال الواقدي‏:‏ أما رواية غير أهل الشام فهي أن عمر دخل الشام مرتين، ورجع الثالثة من سرع سنة سبع عشرة، وهم يقولون‏:‏ دخل في الثالثة دمشق وحمص، وأنكر الواقدي ذلك‏.‏
قلت‏:‏ ولا يعرف أنه دخل دمشق إلا في الجاهلية قبل إسلامه، كما بسطنا ذلك في سيرته‏.‏
وقد روينا أن عمر حين دخل بيت المقدس، سأل كعب الأحبار عن مكان الصخرة‏.‏
فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعاً فهي ثمَّ‏.‏
فذرعوا فوجدوها وقد اتخذها النصارى مزبلة كما فعلت اليهود بمكان القمامة، وهو المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي شبه بعيسى، فاعتقدت النصارى واليهود أنه المسيح‏.‏
وقد كذبوا في اعتقادهم هذا كما نص الله نص الله تعالى على خطئهم في ذلك‏.‏
والمقصود‏:‏ أن النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبل البعثة بنحو من ثلاثمائة سنة طهروا مكان القمامة، واتخذوه كنيسة هائلة بنتها أم الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة إليه، واسم أمه هيلانة الحرانية البندقانية‏.‏
وأمرت ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على موضع الميلاد وبنت هي على موضع القبر فيما يزعمون‏.‏
والغرض أنهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة أيضاً في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه‏.‏
فلما فتح عمر بيت المقدس، وتحقق موضع الصخرة أمر بإزالة ما عليها من الكناسة، حتى قيل‏:‏ أنه كنسها بردائه‏.‏
ثم استشار كعباً أين يضع المسجد، فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة، فضرب في صدره وقال‏:‏ يا ابن أم كعب ضارعت اليهود، وأمر ببنائه في مقدم بيت المقدس‏.‏
قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أسود بن عامر، ثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان، عن عبيد بن آدم، وأبي مريم، وأبي شعيب‏:‏ أن عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس، قال‏:‏ قال ابن سلمة‏:‏ فحدثني أبو سنان، عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب‏:‏ أين ترى أن أصلي‏؟‏
قال‏:‏ إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، وكانت القدس كلها بين يديك‏.‏
فقال عمر‏:‏ ضاهيت اليهودية، لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط ردائه وكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس‏.‏
وهذا إسناد جيد، اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه ‏(‏المستخرج‏)‏، وقد تكلمنا على رجاله في كتابنا الذي أفردناه في مسند عمر، ما رواه من الأحاديث المرفوعة، وما روى عنه من الآثار الموقوفة مبوباً على أبواب الفقه، ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 69‏)‏
وقد روى سيف بن عمر، عن شيوخه، عن سالم قال‏:‏ لما دخل عمر الشام، تلقاه رجل من يهود دمشق، فقال‏:‏ السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء‏؟‏
لا هالله لا ترجع حتى يفتح الله عليك إيلياء‏.‏
وقد روى أحمد بن مروان الدينوري، عن محمد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن أسامة بن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده أسلم مولى عمر بن الخطاب‏:‏ أنه قدم دمشق في تجار من قريش فلما خرجوا تخلف عمر لبعض حاجته، فبينما هو في البلد إذا ببطريق يأخذ بعنقه فذهب ينازعه فلم يقدر، فأدخله داراً فيها تراب وفأس ومجرفة وزنبيل، وقال له‏:‏ حول هذا من ههنا إلى ههنا، وغلق عليه الباب، وانصرف فلم يجئ إلى نصف النهار‏.‏
قال‏:‏ وجلست مفكراً ولم أفعل مما قال لي شيئاً‏.‏
فلما جاء قال‏:‏ مالك لم تفعل‏؟‏
ولكمني في رأسي بيده، قال‏:‏ فأخذت الفأس فضربته بها فقتلته، وخرجت على وجهي فجئت ديراً لراهب، فجلست عنده من العشي فأشرف علي فنزل وأدخلني الدير فأطعمي وسقاني، وأتحفني، وجعل يحقق النظر فيَّ، وسألني عن أمري‏.‏
فقلت‏:‏ إني ضللت أصحابي‏.‏
فقال‏:‏ إنك لتنظر بعين خائف، وجعل يتوسمني، ثم قال‏:‏ لقد علم أهل دين النصرانية أني أعلمهم بكتابهم، وإني لأراك الذي تخرجنا من بلادنا هذه، فهل لك أن تكتب لي كتاب أمان على ديري هذا‏؟‏
فقلت‏:‏ يا هذا لقد ذهبت غير مذهب، فلم يزل بي حتى كتبت له صحيفة بما طلب مني، فلما كان وقت الانصراف أعطاني أتاناً، فقال لي‏:‏ اركبها فإذا وصلت إلى أصحابك فابعث إلي بها وحدها فإنها لا تمر بدير إلا أكرموها‏.‏
ففعلت ما أمرني به، فلما قدم عمر لفتح بيت المقدس أتاه ذلك الراهب وهو بالجابية بتلك الصحيفة فأمضاها له عمر، واشترط عليه ضيافة من يمر به من المسلمين، وأن يرشدهم إلى الطريق‏.‏
رواه ابن عساكر وغيره‏.‏
وقد ساقه ابن عساكر من طريق أخرى في ترجمة يحيى بن عبيد الله بن أسامة القرشي البلقاوي عن زيد بن أسلم، عن أبيه فذكر حديثاً طويلاً عجيباً هذا بعضه‏.‏
وقد ذكرنا الشروط العمرية على نصارى الشام مطولاً في كتابنا الأحكام، وأفردنا له مصنفاً على حدة، ولله الحمد والمنة‏.‏
وقد ذكرنا خطبته في الجابية بألفاظها وأسانيدها في الكتاب الذي أفردناه لمسند عمر، وذكرنا تواضعه في دخوله الشام في السيرة التي أفردناها له‏.‏
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني الربيع بن ثعلب، نا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي، عن أبي الغالية الشامي قال‏:‏ قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب، وطاؤه كساء أنبجاني ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفاً، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل، وعليه قميص من كرابيس قد رسم وتخرق جنبه‏.‏
فقال‏:‏ ادعوا لي رأس القوم، فدعوا له الجلومس‏.‏
فقال‏:‏ اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني ثوباً أو قميصاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 70‏)‏
فأتي بقميص كتان، فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏
قالوا‏:‏ كتان‏.‏
قال‏:‏ وما الكتان‏؟‏
فأخبروه فنزع قميصه، فغسل ورقع، وأتى به فنزع قميصهم ولبس قميصه‏.‏
فقال له‏:‏ الجلومس أنت ملك العرب، وهذه البلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبست شيئاً غير هذا وركبت برذوناً لكان ذلك أعظم في أعين الروم‏.‏
فقال‏:‏ نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فلا نطلب بغير الله بديلاً، فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فركبه بها، فقال‏:‏ احبسوا احبسوا، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتي بجمله فركبه‏.‏
وقال إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا سفيان، عن أيوب الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال‏:‏ لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقيه فأمسكهما بيد وخاض الماء ومعه بعيره‏.‏
فقال له أبو عبيدة‏:‏ قد صنعت اليوم صنيعاً عظيماً عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا‏.‏
قال‏:‏ فصك في صدره، وقال‏:‏ أولو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغير يذلكم الله‏.‏
أيام بُرس وبابل وكوثى
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة - أعني‏:‏ سنة خمس عشرة - كانت بين المسلمين وفارس وقعات في قول سيف بن عمر‏.‏
وقال ابن إسحاق والواقدي‏:‏ إنما كان ذلك في سنة ست عشرة‏.‏
ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بينهم، وذلك حين بعث عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص يأمره بالمسير إلى المدائن، وأن يخلف النساء والعيال بالعقيق في خيل كثيرة كثيفة، فلما تفرغ سعد من القادسية بعث على المقدمة زهرة بن حوية، ثم أتبعه بالأمراء واحداً بعد واحد، ثم سار في الجيوش وقد جعل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص على خلافته مكان خالد بن عرفطة، وجعل خالداً هذا على الساقة، فساروا في خيول عظيمة، وسلاح كثير، وذلك لأيام بقين من شوال من هذه السنة، فنزلوا الكوفة وارتحل زهرة بين أيديهم نحو المدائن فلقيه بها بصبهرى في جيش من فارس فهزمهم زهرة، وذهبت الفرس في هزيمتهم إلى بابل وبها جمع كثير ممن انهزم يوم القادسية قد جعلوا عليهم الفيرزان، فبعث زهرة إلى سعد فأعلمه باجتماع المنهزمين ببابل، فسار سعد بالجيوش إلى بابل فتقابل هو والفيرزان عند بابل، فهزمهم كأسرع من لفة الرداء، وانهزموا بين يديه فرقتين، فرقة ذهبت إلى المدائن، وأخرى سارت إلى نهاوند‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 71‏)‏
وأقام سعد ببابل أياماً، ثم سار منها نحو المدائن فلقوا جمعاً آخر من الفرس فاقتتلوا قتالاً شديداً، وبارزوا أمير الفرس وهو شهريار، فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له‏:‏ نائل الأعرجي أبو نباتة من شجعان تميم، فتجاولا ساعة بالرماح، ثم ألقياها فانتضيا سيفيهما، وتصاولا بهما ثم تعانقا وسقطا عن فرسيهما إلى الأرض، فوقع شهريار على صدر أبي نباتة، وأخرج خنجراً ليذبحه بها، فوقعت أصبعه في فم أبي نباتة فقضمها حتى شغله عن نفسه، وأخذ الخنجر فذبح شهريار بها، وأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانكشف أصحابه فهزموا‏.‏
فأقسم سعد على نائل ليلبس سواري شهريار وسلاحه، وليركبن فرسه إذا كان حرب، فكان يفعل ذلك‏.‏
قالوا‏:‏ وكان أول من تسور بالعراق، وذلك بمكان يقال له‏:‏ كوثى‏.‏
وزار المكان الذي حبس فيه الخليل وصلى عليه، وعلى سائر الأنبياء، وقرأ‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ‏}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏ 140‏]‏‏.‏
وقعة نهرشير
قالوا‏:‏ ثم قدم سعد زهرة بين يديه من كوثى إلى نهرشير، فمضى إلى المقدمة، وقد تلقاه شيرزاذ إلى ساباط بالصلح والجزية، فبعثه إلى سعد فأمضاه، ووصل سعد بالجنود إلى مكان يقال له‏:‏ مظلم ساباط، فوجدوا هنالك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها‏:‏ بوران، وهم يقسمون كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا، ومعهم أسد كبير لكسرى يقال له‏:‏ المقرط قد أرصدوه في طريق المسلمين، فتقدم إليه ابن أخي سعد، وهو هاشم بن عتبة، فقتل الأسد والناس ينظرون، وسمي‏:‏ يومئذ سيفه المتين‏.‏
وقبل سعد يومئذ رأس هاشم، وقبل هاشم قدم سعد، وحمل هاشم على الفرس فأزالهم عن أماكنهم وهزمهم وهو يتلو قوله تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏أولم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال‏)‏‏)‏ فلما كان الليل ارتحل المسلمون ونزلوا نهرشير فجعلوا كلما وقفوا كبروا، وكذلك حتى كان آخرهم مع سعد فأقاموا بها شهرين ودخلوا في الثالث وفرغت السنة‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ وفيها حج بالناس عمر وكان عامله فيها على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى الكوفة والعراق سعد، وعلى الطائف يعلى بن أمية، وعلى البحرين واليمامة عثمان بن أبي العاص، وعلى عُمان حذيفة بن محصن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 72‏)‏
قلت‏:‏ وكانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة في رجب منها عند الليث بن سعد، وابن لهيعة، وأبي معشر، والوليد بن مسلم، ويزيد بن عبيدة، وخليفة بن خياط، وابن الكلبي، ومحمد بن عائذ، وابن عساكر، وشيخنا أبي عبد الله الذهبي الحافظ‏.‏
وأما سيف بن عمر، وأبو جعفر بن جرير فذكروا وقعة اليرموك في سنة ثلاث عشرة‏.‏
وقد قدمنا ذكرها هنالك تبعاً لابن جرير، وهكذا وقعة القادسية عند بعض الحفاظ‏:‏ أنها كانت في أواخر هذه السنة - سنة خمس عشرة - وتبعهم في ذلك شيخنا الحافظ الذهبي‏.‏
والمشهور‏:‏ أنها كانت في سنة أربع عشرة كما تقدم ثم ذكر شيخنا الذهبي‏.‏
ومن توفي هذه السنة مرتبين على الحروف
سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي، وهو أحد أقوال المؤرخين‏.‏
وقد تقدم‏.‏
سعد بن عبيد بن النعمان أبو زيد الأنصاري الأوسي، قتل بالقادسية، ويقال‏:‏ أنه أبو زيد القاري أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنكر آخرون ذلك، ويقال‏:‏ إنه والد عمير بن سعد الزاهد أمير حمص‏.‏
وذكر محمد بن سعد وفاته بالقادسية، وقال‏:‏ كانت سنة ست عشرة والله أعلم‏.‏
سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن حسل بن عامر بن لؤي أبو يزيد العامري أحد خطباء قريش وأشرافهم، أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وكان سمحاً جواداً فصيحاً، كثير الصلاة، والصوم، والصدقة، وقراءة القرآن، والبكاء‏.‏
ويقال‏:‏ إنه قام وصام حتى شحب لونه، وله سعي مشكور في صلح الحديبية‏.‏
ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس بمكة خطبة عظيمة تثبت الناس على الإسلام، وكانت خطبته بمكة قريباً من خطبة الصديق بالمدينة، ثم خرج في جماعة إلى الشام مجاهداً، فحضر اليرموك، وكان أميراً على بعض الكراديس، ويقال‏:‏ إنه استشهد يومئذ‏.‏
وقال الواقدي والشافعي‏:‏ توفي بطاعون عمواس‏.‏
عامر بن مالك بن أهيب الزهري أخي سعد بن أبي وقاص، هاجر إلى الحبشة، وهو الذي قدم بكتاب عمر إلى أبي عبيدة بولايته على الشام وعزل خالد عنها، واستشهد يوم اليرموك‏.‏
عبد الله بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، صحابي هاجر إلى الحبشة مع عمه أبي سلمة بن عبد الأسد‏.‏
روى عنه عمرو بن دينار منقطعاً لأنه قتل يوم اليرموك‏.‏
عبد الرحمن بن العوام، أخو الزبير بن العوام، حضر بدراً مشركاً، ثم أسلم واستشهد يوم اليرموك في قول‏.‏
عتبة بن غزوان، توفي فيها في قول‏.‏
عكرمة بن أبي جهل، استشهد باليرموك في قول‏.‏
عمرو بن أم مكتوم، استشهد يوم القادسية وقد تقدم، ويقال‏:‏ بل رجع إلى المدينة‏.‏
عمرو بن الطفيل بن عمرو تقدم‏.‏
عامر بن أبي ربيعة تقدم‏.‏
فراس بن النضر بن الحارث، يقال‏:‏ استشهد يوم اليرموك‏.‏
قيس بن عدي بن سعد بن سهم من مهاجرة الحبشة، قتل باليرموك‏.‏
قيس بن أبي صعصعة‏.‏
عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري المازني، شهد العقبة وبدراً، وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك، وقتل يومئذ، وله حديث قال‏:‏ قلت يا رسول الله في كم أقرأ القرآن‏؟‏
قال‏:‏ ‏(‏‏(‏في خمس عشرة‏)‏‏)‏ الحديث‏.‏
قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي‏:‏ ففيه دليل على أنه ممن جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 73‏)‏
نصير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، أسلم عام الفتح، وكان من علماء قريش، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين مائة من الإبل، فتوقف في أخذها وقال‏:‏ لا أرتشي على الإسلام‏.‏
ثم قال‏:‏ والله ما طلبتها ولا سألتها، وهي عطية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها وحسن إسلامه، واستشهد يوم اليرموك‏.‏
نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أسن من أسلم من بني عبد المطلب، وكان ممن أسر يوم بدر ففاداه العباس، ويقال‏:‏ أنه هاجر أيام الخندق، وشهد الحديبية والفتح، وأعان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، وثبت يومئذٍ، وتوفي سنة خمس عشرة، وقيل‏:‏ سنة عشرين والله أعلم‏.‏
توفي بالمدينة، وصلى عليه عمر، ومشى في جنازته، ودفن بالبقيع، وخلف عدة أولاد فضلاء وأكابر‏.‏
هشام بن العاص، أخو عمرو بن العاص تقدم‏.‏
وقال ابن سعد‏:‏ قتل يوم اليرموك‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:02 PM   #128 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
ثم دخلت سنة ست عشرة
استُهلت هذه السنة، وسعد بن أبي وقاص منازل مدينة نهرشير، وهي إحدى مدينتي كسرى مما يلي دجلة من الغرب، وكان قدوم سعد إليها في ذي الحجة من سنة خمس عشرة، واستهلت هذه السنة وهو نازل عندها‏.‏
وقد بعث السرايا والخيول في كل وجه فلم يجدوا واحداً من الجند بل جمعوا من الفلاحين مائة ألف، فحبسوا حتى كتب إلى عمر ما يفعل بهم‏.‏
فكتب إليه عمر‏:‏ إن من كان من الفلاحين لم يعن عليكم وهو مقيم ببلده فهو أمانه، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به‏.‏
فأطلقهم سعد بعد ما دعاهم إلى الإسلام، فأبوا إلا الجزية‏.‏
ولم يبقى من غربي دجلة إلا أرض العرب أحد من الفلاحين إلا تحت الجزية والخراج‏.‏
وامتنعت نهرشير من سعد أشد الامتناع، وقد بعث إليهم سعد سلمان الفارسي فدعاهم إلى الله عز وجل، أو الجزية، أو المقاتلة، فأبوا إلا المقاتلة والعصيان، ونصبوا المجانيق والدبابات‏.‏
وأمر سعد بعمل المجانيق فعملت عشرون منجنيقاً ونصبت على نهرشير، واشتد الحصار، وكان أهل نهرشير يخرجون فيقاتلون قتالاً شديداً ويحلفون أن لا يفروا أبداً، فأكذبهم الله وهزمهم زهرة بن حوية بعد ما أصابه سهم، وقتل بعد مصابه كثيراً من الفرس، وفروا بين يديه، ولجأوا إلى بلدهم، فكانوا يحاصرون فيه أشد الحصار، وقد انحصر أهل البلد حتى أكلوا الكلاب والسنانير، وقد أشرف رجل منهم على المسلمين فقال‏:‏
يقول لكم الملك‏:‏ هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة إلى جبلنا‏؟‏ ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم‏؟‏ أم شبعتم‏؟‏ لا أشبع الله بطونكم‏.‏
قال‏:‏ فبدر الناس رجل يقال له أبو مقرن الأسود بن قطبة فأنطقه الله بكلام لم يدر ما قال لهم، قال‏:‏ فرجع الرجل ورأيناهم يقطعون من نهرشير إلى المدائن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 74‏)‏
فقال الناس لأبي مقرن‏:‏ ما قلت لهم‏؟‏
فقال‏:‏ والذي بعث محمد بالحق ما أدري ما قلت لهم، إلا أن علي سكينة، وأنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير، وجعل الناس ينتابونه يسألونه عن ذلك، وكان فيمن سأله سعد بن أبي وقاص، وجاءه سعد إلى منزله فقال‏:‏ يا أبا مقرن ما قلت‏؟‏ فوالله إنهم هراب‏.‏
فحلف له أنه لا يدري ما قال‏.‏
فنادى سعد في الناس، ونهد بهم إلى البلد والمجانيق تضرب في البلد، فنادى رجل من البلد بالأمان فأمناه، فقال‏:‏ والله ما بالبلد أحد فتسور الناس السور فما وجدنا فيها أحد إلا قد هربوا إلى المدائن‏.‏
وذلك في شهر صفر من هذه السنة، فسألنا ذلك الرجل وأناساً من الأسارى فيها لأي شيء هربوا‏؟‏
قالوا‏:‏ بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجابه ذلك الرجل بأنه لا يكون بينكم وبينه صلح أبداً حتى نأكل عسل أفريذين بأترج كوثى‏.‏
فقال الملك‏:‏ يا ويلاه إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ترد علينا وتجيبنا عن العرب، ثم أمر الناس بالرحيل من هناك إلى المدائن، فجازوا في السفن منها إليها، وبينهما دجلة، وهي قريبة منها جداً‏.‏
ولما دخل المسلمون نهرشير لاح لهم القصر الأبيض من المدائن، وهو قصر الملك الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيفتحه الله على أمته، وذلك قريب الصباح، فكان أول من رآه من المسلمين ضرار بن الخطاب فقال‏:‏ الله أكبر، أبيض كسرى، هذا ما وعدنا الله ورسوله‏.‏
ونظر الناس إليه، فتتابعوا التكبير إلى الصبح‏.‏
ذكر فتح المدائن
لما فتح سعد نهرشير واستقر بها، وذلك في صفر، لم يجد فيها أحداً ولا شيئاً مما يغنم، بل قد تحولوا بكمالهم إلى المدائن، وركبوا السفن وضموا السفن إليهم، ولم يجد سعد رضي الله عنه شيئاً من السفن، وتعذر عليه تحصيل شيء منها بالكلية، وقد زادت دجلة زيادة عظيمة، وأسودَّ ماؤها، ورمت بالزبد من كثرة الماء بها، وأخبر سعد بأن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الأموال والأمتعة من المدائن إلى حلوان، وأنك إن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك وتفارط الأمر‏.‏
فخطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة فحمد الله وأثنى عليه وقال‏:‏
إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤا فينا وشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، وقد رأيت أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا أني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم‏.‏
فقالوا جميعاً عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 75‏)‏
فعند ذلك ندب سعد الناس إلى العبور، ويقول‏:‏ من يبدأ فيحمي لنا الفراض - يعني‏:‏ ثغرة المخاضة من الناحية الأخرى - ليجوز الناس إليهم آمنين‏.‏
فانتدب عاصم بن عمرو ذو البأس من الناس قريب من ستمائة، فأمر سعد عليهم عاصم بن عمرو فوقفوا على حافة دجلة، فقال عاصم‏:‏ من ينتدب معي لنكون قبل الناس دخولاً في هذا البحر فنحمي الفراض من الجانب الآخر ‏؟‏
فانتدب له ستون من الشجعان المذكورين - والأعاجم وقوف صفوفاً من الجانب الآخر - فتقدم رجل من المسلمين وقد أحجم الناس عن الخوض في دجلة، فقال‏:‏ أتخافون من هذه النطفة ‏؟‏
ثم تلا قوله تعالى‏:‏ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 145‏]‏‏.‏
ثم أقحم فرسه فيها واقتحم الناس، وقد افترق الستون فرقتين أصحاب الخيل الذكور، وأصحاب الخيل الإناث‏.‏
فلما رآهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا‏:‏ ديوانا ديوانا‏.‏ يقولون‏:‏ مجانين مجانين‏.‏
ثم قالوا‏:‏ والله ما تقاتلون إنساً بل تقاتلون جناً‏.‏
ثم أرسلوا فرساناً منهم في الماء يلتقون أول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء، فأمر عاصم بن عمرو وأصحابه أن يشرعوا لهم الرماح، ويتوخوا الأعين، ففعلوا ذلك بالفرس، فقلعوا عيون خيولهم‏.‏
فرجعوا أمام المسلمين لا يملكون كف خيولهم حتى خرجوا من الماء، واتبعهم عاصم وأصحابه فساقوا وراءهم حتى طردوهم عن الجانب الآخر، ووقفوا على حافة الدجلة من الجانب الآخر، ونزل بقية أصحاب عاصم من الستمائة في دجلة فخاضوها حتى وصلوا إلى أصحابهم من الجانب الآخر، فقاتلوا مع أصحابهم حتى نفوا الفرس عن ذلك الجانب، وكانوا يسمون الكتيبة الأولى‏:‏ كتيبة الأهوال، وأميرها عاصم بن عمرو‏.‏
والكتيبة الثانية‏:‏ الكتيبة الخرساء وأميرها القعقاع بن عمرو، وهذا كله وسعد والمسلمون ينظرون إلى ما يصنع هؤلاء الفرسان بالفرس، وسعد واقف على شاطئ دجلة‏.‏
ثم نزل سعد ببقية الجيش، وذلك حين نظروا إلى الجانب الآخر قد تحصن بمن حصل فيه من الفرسان المسلمين، وقد أمر سعد المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا‏:‏ نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏
ثم اقتحم بفرسه دجلة، واقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد‏.‏
فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملؤا ما بين الجانبين فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجالة، وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض، وذلك لما حصل لهم الطمأنينة والأمن، والوثوق بأمر الله ووعده ونصره، وتأييده، ولأن أميرهم سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ ودعا له فقال‏:‏
‏(‏‏(‏اللهم أجب دعوته، وسدد رميته‏)‏‏)‏‏.‏
والمقطوع به‏:‏ أن سعداً دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة والنصر، وقد رمى بهم في هذا اليم فسددهم الله وسلمهم فلم يفقد من المسلمين رجل واحد غير أن رجلاً واحداً يقال له‏:‏ غرقدة البارقي ذل عن فرس له شقراء، فأخذ القعقاع بن عمرو بلجامها، وأخذ بيد الرجل حتى عدله على فرسه، وكان من الشجعان، فقال‏:‏ عجز النساء أن يلدن مثل القعقاع بن عمرو‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 76‏)‏
ولم يعدم للمسلمين شيء من أمتعتهم غير قدح من خشب لرجل يقال له‏:‏ مالك بن عامر، كانت علاقته رثة فأخذه الموج، فدعا صاحبه الله عز وجل، وقال‏:‏ اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي‏.‏
فرده الموج إلى الجانب الذي يقصدونه فأخذه الناس، ثم ردوه على صاحبه بعينه‏.‏
وكان الفرس إذا أعيا وهو في الماء يقيض الله له مثل النشز المرتفع فيقف عليه فيستريح، وحتى أن بعض الخيل ليسير وما يصل الماء إلى حزامها، وكان يوماً عظيماً وأمراً هائلاً، وخطباً جليلاً، وخارقاً باهراً، ومعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خلقها الله لأصحابه لم ير مثلها في تلك البلاد، ولا في بقعة من البقاع، سوى قضية العلاء بن الحضرمي المتقدمة؛ بل هذا أجل وأعظم فإن هذا الجيش كان أضعاف ذلك‏.‏
قالوا‏:‏ وكان الذي يساير سعد بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي فجعل سعد يقول‏:‏ حسبنا الله ونعم الوكيل‏.‏ والله لينصرن الله وليه وليظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه، إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات‏.‏
فقال له سلمان‏:‏ إن الإسلام جديد، ذللت لهم والله البحور، كما ذلل لهم البر، أما والذي نفس سليمان بيده ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا أفواجاً‏.‏
فخرجوا منه كما قال سليمان لم يغرق منهم أحد ولم يفقدوا شيئاً‏.‏
ولما استقل المسلمون على وجه الأرض، خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلة، فساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائن، فلم يجدوا بها أحداً؛ بل قد أخذ كسرى أهله وما قدروا عليه من الأموال والأمتعة والحواصل وتركوا ما عجزوا عنه من الأنعام والثياب والمتاع، والآنية والألطاف والأدهان ما لا يدري قيمته‏.‏
وكان في خزنة كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار ثلاث مرات، فأخذوا من ذلك ما قدروا عليه وتركوا ما عجزوا عنه، وهو مقدار النصف من ذلك أو ما يقاربه‏.‏
فكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ثم الكتيبة الخرساء، فأخذوا في سككها لا يلقون أحداً ولا يخشونه غير القصر الأبيض، ففيه مقاتلة وهو محصن‏.‏
فلما جاء سعد بالجيش دعا أهل القصر الأبيض ثلاث أيام على لسان سلمان الفارسي، فلما كان اليوم الثالث نزلوا منه وسكنه سعد، واتخذ الإيوان مصلى، وحين دخله تلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 25-28‏]‏‏.‏ ثم تقدم إلى صدره فصلى ثمان ركعات صلاة الفتح‏.‏
وذكر سيف في روايته‏:‏ أنه صلاها بتسليمة واحدة، وأنه جمَّع بالإيوان في صفر من هذه السنة، فكانت أول جمعة جمِّعت بالعراق، وذلك لأن سعداً نوى الإقامة بها، وبعث إلى العيالات فأنزلهم دور المدائن واستوطنوها، حتى فتحوا جلولاء وتكريت والموصل، ثم تحولوا إلى الكوفة بعد ذلك كما سنذكره‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/77‏)‏
ثم أرسل السرايا في إثر كسرى يزدجرد فلحق بهم طائفة فقتلوهم، وشردوهم، واستلبوا منهم أموالاً عظيمة‏.‏
وأكثر ما استرجعوا من ملابس كسرى وتاجه وحليه‏.‏
وشرع سعد في تحصيل ما هنالك من الأموال والحواصل والتحف، مما لا يقوم ولا يحد ولا يوصف كثرة وعظمة‏.‏
وقد روينا‏:‏ أنه كان هناك تماثيل من جص، فنظر سعد إلى أحدها وإذا هو يشير بأصبعه إلى مكان‏.‏
فقال سعد‏:‏ إن هذا لم يوضع هكذا سدىً، فأخذوا ما يسامت أصبعه، فوجدوا قبالتها كنزاً عظيماً من كنوز الأكاسرة الأوائل، فأخرجوا منه أموالاً عظيمة جزيلة، وحواصل باهرة، وتحفاً فاخرة‏.‏
واستحوذ المسلمون على ما هنالك أجمع مما لم ير أحد في الدنيا أعجب منه، وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مكال بالجواهر النفيسة التي تحير الأبصار، ومنطقته كذلك وسيفه وسواره وقباؤه وبساط إيوانه، وكان مربعاً ستون ذراعاً في مثلها من كل جانب، والبساط مثله سواء، وهو منسوج بالذهب واللآلئ والجواهر الثمينة، وفيه مصور جميع ممالك كسرى، بلاده بأنهارها وقلاعها، وأقاليمها وكنوزها، وصفة الزروع والأشجار التي في بلاده‏.‏
فكان إذا جلس على كرسي مملكته ودخل تحت تاجه وتاجه معلق بسلاسل من ذهب، لأنه كان لا يستطيع أن يقله على رأسه لثقله؛ بل كان يجيء فيجلس تحته، ثم يدخل رأسه تحت التاج والسلاسل الذهب تحمله عنه، وهو يستره حال لبسه، فإذا رفع الحجاب عنه خرت له الأمراء سجوداً‏.‏
وعليه المنطقة والسواران والسيف والقباء المرصع بالجواهر فينظر في البلدان واحدة واحدة، فيسأل عنها ومن فيها من النواب، وهل حدث فيها شيء من الأحداث‏؟‏ فيخبره بذلك ولاة الأمور بين يديه‏.‏
ثم ينتقل إلى الأخرى، وهكذا حتى يسأل عن أحوال بلاده في كل وقت لا يهمل أمر المملكة، وقد وضعوا هذا البساط بين يديه تذكاراً له بشأن الممالك، وهو إصلاح جيد منهم في أمر السياسة، فلما جاء قدر الله زالت تلك الأيدي عن تلك الممالك والأراضي، وتسلمها المسلمون من أيديهم قسراً، وكسروا شوكتهم عنها، وأخذوها بأمر الله صافية ضافية، ولله الحمد والمنة‏.‏
وقد جعل سعد بن أبي وقاص على الأقباض عمرو بن عمرو بن مقرن، فكان أول ما حصل ما كان في القصر الأبيض ومنازل كسرى، وسائر دور المدائن، وما كان بالإيوان مما ذكرنا، وما يفد من السرايا الذين في صحبة زهرة بن حوية، وكان فيما رد زهرة بغل كان قد أدركه وغصبه من الفرس، وكانت تحوطه بالسيوف فاستنقذه منهم وقال‏:‏ إن لهذا لشأناً، فرده إلى الأقباض وإذا عليه سفطان فيهما ثياب كسرى وحليه، ولبسه الذي كان يلبسه على السرير كما ذكرنا‏.‏
وبغل آخر عليه تاجه الذي ذكرنا في سفطين أيضاً رداً من الطريق مما استلبه أصحاب السرايا، وكان فيما ردت السرايا أموال عظيمة، وفيها أكثر أثاث كسرى وأمتعته والأشياء النفيسة التي استصحبوها معهم فلحقهم المسلمون فاستلبوها منهم‏.‏
ولم تقدر الفرس على حمل البساط لثقله عليهم، ولا حمل الأموال لكثرتها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 78‏)‏
فإنه كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور فيجدون البيت ملآناً إلى أعلاه من أواني الذهب والفضة، ويجدون من الكافور شيئاً كثيراً فيحسبونه ملحاً، وربما استعمله بعضهم في العجين فوجدوه مراً حتى تبينوا أمره فتحصل الفيء على أمر عظيم من الأموال‏.‏
وشرع سعد فخمّسه، وأمر سلمان الفارسي فقسم الأربعة الأخماس بين الغانمين، فحصل لكل واحدٍ من الفرسان اثني عشرة ألفاً، وكانوا كلهم فرساناً، ومع بعضهم جنائب‏.‏
واستوهب سعد أربعة أخماس‏:‏ البساط، ولبس كسرى من المسلمين، ليبعثه إلى عمر والمسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجبوا منه، فطيبوا له ذلك وأذنوا فيه، فبعثه سعد إلى عمر مع الخمس مع بشير بن الخصاصية‏.‏
وكان الذي بشر بالفتح قبله حليس بن فلان الأسدي، فروينا‏:‏ أن عمر لما نظر إلى ذلك قال‏:‏ إن قوماً أدوا هذا لأمناء‏.‏
فقال له علي بن أبي طالب‏:‏ إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت‏.‏
ثم قسّم عمر ذلك في المسلمين، فأصاب علياً قطعة من البساط، فباعها بعشرين ألفاً‏.‏
وقد ذكر سيف بن عمر‏:‏ أن عمر بن الخطاب ألبس ثياب كسرى لخشبة ونصبها أمامه ليرى الناس ما في هذه الزينة من العجب، وما عليها من زهرة الحياة الدنيا الفانية‏.‏
وقد روينا‏:‏ أن عمر ألبس ثياب كسرى لسراقة بن مالك بن جعشم أمير بني مدلج رضي الله عنه‏.‏
قال الحافظ أبو بكر البيهقي في ‏(‏دلائل النبوة‏)‏‏:‏ أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، حدثنا أبو سعيد ابن الأعرابي قال‏:‏ وجدت في كتابي بخط يدي عن أبي داود، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد، ثنا يونس، عن الحسن‏:‏ أن عمر بن الخطاب أُتي بفروة كسرى، فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جعشم، قال‏:‏ فألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه، فلما رآهما في يدي سراقة قال‏:‏ الحمد لله سواري كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج‏.‏
وذكر الحديث هكذا ساقه البيهقي‏.‏
ثم حُكي عن الشافعي أنه قال‏:‏ وإنما ألبسهما سراقة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة‏:‏ ‏(‏‏(‏ونظر إلى ذراعيه كأني بك وقد ألبست سواري كسرى‏)‏‏)‏‏.‏
قال الشافعي‏:‏ وقد قال عمر لسراقة حين ألبسه سواري كسرى، قل‏:‏ الله أكبر‏.‏
فقال‏:‏ الله أكبر‏.‏
ثم قال‏:‏ قل‏:‏ الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك الأعرابي من بني مدلج‏.‏
وقال الهيثم بن عدي‏:‏ أخبرنا أسامة بن زيد الليثي، حدثنا القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال‏:‏ بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر بقباء كسرى وسيفه ومنطقته وسواريه وسراويله وقميصه وتاجه وخفيه‏.‏
قال‏:‏ فنظر عمر في وجوه القوم وكان أجسمهم وأبدنهم قامة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال‏:‏ يا سراق قم فالبس‏.‏
قال سراقة‏:‏ فطمعت فيه فقمت فلبست‏.‏
فقال‏:‏ أدبر، فأدبرت‏.‏
ثم قال‏:‏ أقبل، فأقبلت‏.‏
ثم قال‏:‏ بخ بخ أُعَيْرَابي من بني مدلج، عليه قباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطقته وتاجه وخفاه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 79‏)‏
رب يوم يا سراق بن مالك، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى، كان شرفاً لك ولقومك، انزع، فنزعت‏.‏
فقال‏:‏ اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك، وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك مني، ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني، وأكرم إليك مني، وأعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي‏.‏
ثم بكى حتى رحمه من كان عنده‏.‏
ثم قال لعبد الرحمن بن عوف‏:‏ أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي‏.‏
وذكر سيف بن عمر التميمي‏:‏ أن عمر حين ملك تلك الملابس والجواهر جيء بسيف كسرى ومعه عدة سيوف منها سيف النعمان بن المنذر نائب كسرى على الحيرة‏.‏
وأن عمر قال‏:‏ الحمد الله الذي جعل سيف كسرى فيما يضره ولا ينفعه‏.‏
ثم قال‏:‏ إن قوماً أدوا هذا لأمناء، أو لذوا أمانة‏.‏
ثم قال‏:‏ إن كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتي عن آخرته فجمع لزوج امرأته، أو زوج ابنته، ولم يقدم لنفسه، ولو قدم لنفسه ووضع الفضول في مواضعها لحصل له‏.‏
وقد قال بعض المسلمين وهو أبو نجيد نافع بن الأسود في ذلك‏:‏
وأملنا على المدائن خيلاً * بحرها مثل برِّهنّ أريضا
فانتشلنا خزائن المرء كسرى * يوم ولوا وحاص منا جريضا

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:03 PM   #129 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
وقعة جلولاء
لما سار كسرى، وهو‏:‏ يزدجرد بن شهريار من المدائن هارباً إلى حلوان، شرع في أثناء الطريق في جمع رجال وأعوان وجنود، من البلدان التي هناك، فاجتمع إليه خلق كثير، وجم غفير من الفرس، وأمر على الجميع مهران، وسار كسرى إلى حلوان فأقام الجمع الذي جمعه بينه وبين المسلمين في جلولاء، واحتفروا خندقاً عظيماً حولها، وأقاموا بها في العَدد والعُدد وآلات الحصار، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك‏.‏
فكتب إليه عمر أن يقيم هو بالمدائن، ويبعث ابن أخيه هاشم بن عتبة أميراً على الجيش الذي يبعثه إلى كسرى، ويكون على المقدمة القعقاع بن عمرو، وعلى الميمنة سعد بن مالك، وعلى الميسرة أخوه عمر بن مالك، وعلى الساقة عمرو بن مرة الجهني‏.‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 80‏)‏
ففعل سعد ذلك وبعث مع ابن أخيه جيشاً كثيفاً يقارب اثني عشر ألفاً من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والأنصار، ورءوس العرب‏.‏
وذلك في صفر من هذه السنة بعد فراغهم من أمر المدائن، فساروا حتى انتهوا إلى المجوس وهم بجلولاء قد خندقوا عليهم، فحاصرهم هاشم بن عتبة، وكانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت فيقاتلون قتالاً لم يسمع بمثله‏.‏
وجعل كسرى يبعث إليهم الأمداد، وكذلك سعد يبعث المدد إلى ابن أخيه مرة بعد أخرى، وحمي القتال واشتد النزال، واضطرمت نار الحرب، وقام في الناس هاشم فخطبهم غير مرة، فحرضهم على القتال والتوكل على الله‏.‏
وقد تعاقدت الفرس وتعاهدت وحلفوا بالنار أن لا يفروا أبداً حتى يفنوا العرب‏.‏
فلما كان الموقف الأخير وهو يوم الفيصل والفرقان، تواقفوا من أول النهار، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يعهد مثله حتى فني النشاب من الطرفين، وتقصفت الرماح من هؤلاء ومن هؤلاء، وصاروا إلى السيوف والطبرزنيات، وحانت صلاة الظهر فصلى المسلمون إيماءاً، وذهبت فرقة المجوس، وجاءت مكانها أخرى‏.‏
فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال‏:‏ أهالكم‏؟‏ ما رأيتم أيها المسلمون ‏؟‏
قالوا‏:‏ نعم، إنا كالون وهم مريحون‏.‏
فقال‏:‏ بل إنا حاملون عليهم ومجدون في طلبهم، حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم، فحمل وحمل الناس‏.‏
فأما القعقاع بن عمرو فإنه صمم الحملة في جماعة من الفرسان والأبطال والشجعان، حتى انتهى إلى باب الخندق، وأقبل الليل بظلامه وجالت بقية الأبطال بمن معهم في الناس، وجعلوا يأخذون في التحاجز من أجل إقبال الليل‏.‏
وفي الأبطال يومئذ‏:‏ طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، وقيس بن مكشوح، وحجر بن عدي‏.‏
ولم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل، ولم يشعروا بذلك، لولا مناديه ينادي‏:‏
أين أيها المسلمون، هذا أميركم على باب خندقهم‏.‏
فلما سمع ذلك المجوس فروا وحمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو، فإذا هو على باب الخندق قد ملكه عليهم، وهربت الفرس كل مهرب، وأخذهم المسلمون من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذلك الموقف مائة ألف حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء‏.‏
وغنموا من الأموال والسلاح والذهب والفضة قريباً مما غنموا من المدائن قبلها‏.‏
وبعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في إثر من انهزم منهم وراء كسرى، فساق خلفهم حتى أدرك مهران منهزماً، فقتله القعقاع بن عمرو، وأفلتهم الفيرزان فاستمر منهزماً، وأسر سبايا كثيرة بعث بها إلى هاشم بن عتبة، وغنموا دواب كثيرة جداً‏.‏
ثم بعث هاشم بالغنائم والأموال إلى عمه سعد بن أبي وقاص فنفل سعد ذوي النجدة، ثم أمر بقسم ذلك على الغانمين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 81‏)‏
قال الشعبي‏:‏ كان المال المتحصل من وقعه جلولاء ثلاثين ألف ألف، فكان خمسه ستة آلاف ألف‏.‏
وقال غيره‏:‏ كان الذي أصاب كل فارس يوم جلولاء نظير ما حصل له يوم المدائن - يعني‏:‏ اثني عشر ألفاً لكل فارس - وقيل‏:‏ أصاب كل فارس تسعة آلاف وتسع دواب‏.‏
وكان الذي ولي قسم ذلك بين المسلمين وتحصيله، سلمان الفارسي رضي الله عنه‏.‏
ثم بعث بالأخماس من المال والرقيق والدواب مع زياد بن أبي سفيان، وقضاعي بن عمرو، وأبي مقرن الأسود‏.‏
فلما قدموا على عمر سأل عمر زياد بن أبي سفيان عن كيفية الوقعة فذكرها له، وكان زياد فصيحاً، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأحب أن يسمع المسلمون منه ذلك، فقال‏:‏ أتستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتني به ‏؟‏
قال‏:‏ نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك‏؟‏
فقام في الناس فقص عليهم خبر الوقعة، وكم قتلوا، وكم غنموا، بعبارة عظيمة بليغة‏.‏
فقال عمر‏:‏ إن هذا لهو الخطيب المصقع - يعني‏:‏ الفصيح - فقال زياد‏:‏
إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا‏.‏
ثم حلف عمر بن الخطاب أن لا يجن هذا المال الذي جاؤا به سقف حتى يقسمه، فبات عبد الله بن أرقم، وعبد الرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء عمر في الناس بعد ما صلى الغداة وطلعت الشمس، فأمر فكشف عنه جلابيبه، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وذهبه الأصفر وفضته البيضاء، بكى عمر‏.‏
فقال له عبد الرحمن‏:‏ ما يبكيك يا أمير المؤمنين ‏؟‏‏!‏ فوالله إن هذا لموطن شكر‏.‏
فقال عمر‏:‏ والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطي الله هذا قوماً إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم‏.‏
ثم قسمه كما قسم أموال القادسية‏.‏
وروى سيف بن عمر، عن شيوخه أنهم قالوا‏:‏ وكان فتح جلولاء في ذي القعدة من سنة ستة عشر، وكان بينه وبين فتح المدائن تسعة أشهر‏.‏
وقد تكلم ابن جرير ههنا فيما رواه عن سيف على ما يتعلق بأرض السواد وخراجها، وموضع تحرير ذلك كتاب ‏(‏الأحكام‏)‏‏.‏
وقد قال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 82‏)‏
يوم جلولاء ويم رستم * ويوم زحف الكوفة المقدم
ويوم عرض الشهر المحرم * وأيام خلت من بينهن صرم
شيبن أصدغي فهي هرم * مثل ثغام البلد المحرم
وقال أبو نجيد في ذلك‏:‏
ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت * كتائبنا تردى بأسد عوابس
فضضت جموع الفرس ثم أئمتهم * فتباً لأجساد المجوس النجائس
وأفلتهن الفيرزان بجرعة * ومهران أردت يوم حز القوانس
أقاموا بدار للمنية موعد * وللترب تحثوها خجوج الروامس
ذكر فتح حلوان
ولما انقضت الوقعة أقام هشام بن عتبة بجلولاء عن أمر عمر بن الخطاب - في كتابه إلى سعد - وتقدم القعقاع بن عمرو إلى حلوان عن أمر عمر أيضاً ليكون ردءاً للمسلمين هنالك، ومرابطاً لكسرى حيث هرب، فسار كما قدمنا‏.‏
وأدرك أمير الوقعة وهو مهران الرازي فقتله وهرب الفيرزان، فلما وصل إلى كسرى وأخبره بما كان من أمر جلولاء، وما جرى على الفرس بعده، وكيف قتل منهم مائة ألف، وأدرك مهران فقتل، هرب عند ذلك كسرى من حلوان إلى الري، واستناب على حلوان أميراً يقال له‏:‏ خسروشنوم‏.‏
فتقدم إليه القعقاع بن عمرو، وبزر إليه خسروشنوم إلى مكان خارج حلوان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم فتح الله ونصر المسلمين، وانهزم خسروشنوم، وساق القعقاع إلى حلوان فتسلمها‏.‏
ودخلها المسلمون فغنموا وسبوا، وأقاموا في الإسلام فأبوا إلا الجزية، فلم يزل القعقاع بها حتى تحول سعد من المدائن بها، وضربوا الجزية على من حولها من الكور والأقاليم بعد ما دعوا إلى الدخول، فسار إليها كما سنذكره إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/83‏)‏
فتح تكريت والموصل
لما افتتح سعد المدائن، بلغه أن أهل الموصل قد اجتمعوا بتكريت على رجل من الكفرة يقال له‏:‏ الأنطاق‏.‏
فكتب إلى عمر بأمر جلولاء واجتماع الفرس بها، وبأمر أهل الموصل، فتقدم ما ذكرناه من كتاب عمر في أهل جلولاء وما كان من أمرها‏.‏
وكتب عمر في قضية أهل الموصل الذين قد اجتمعوا بتكريت على الأنطاق، أن يعين جيشاً لحربهم، ويؤمر عليه عبد الله بن المعتم، وأن يجعل على مقدمته ربعي بن الأفكل الغزي، وعلى الميمنة الحارث بن حسان الذهلي، وعلى الميسرة فرات بن حيان العجلي، وعلى الساقة هانئ بن قيس، وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة‏.‏
ففصل عبد الله بن المعتم في خمسة آلاف من المدائن، فسار في أربع حتى نزل بتكريت على الأنطاق، وقد اجتمع إليه جماعة من الروم، ومن الشهارجة، ومن نصارى العرب من إياد وتغلب والنمر، وقد أحدقوا بتكريت، فحاصرهم عبد الله بن المعتم أربعين يوماً، وزاحفوه في هذه المدة أربعة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وينتصر عليهم، ويفل جموعهم، فضعف جانبهم؛ وعزمت الروم على الذهاب في السفن بأموالهم، وراسل عبد الله بن المعتم إلى من هنالك من الأعراب، فدعاهم إلى الدخول معه في النصرة، على أهل البلد، فجاءت القصاد إليه عنهم بالإجابة إلى ذلك‏.‏
فأرسل إليهم‏:‏ إن كنتم صادقين فيما قلتم فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقروا بما جاء من عند الله‏.‏
فرجعت القصاد إليه‏:‏ بأنهم قد أسلموا‏.‏
فبعث إليهم‏:‏ إن كنتم صادقين، فإذا كبرنا وحملنا على البلد الليلة فأمسكوا علينا أبواب السفن، وأمنعوهم أن يركبوا فيها، واقتلوا منهم من قدرتم على قتله‏.‏
ثم شد عبد الله وأصحابه، وكبروا تكبيرة رجل واحد، وحملوا على البلد، فكبرت الأعراب من الناحية الأخرى، فحار أهل البلد، وأخذوا في الخروج من الأبواب التي تلي دجلة، فتلقتهم إياد والنمر وتغلب، فقتلوهم قتلاً ذريعاً، وجاء عبد الله بن المعتم بأصحابه من الأبواب الأُخر، فقتل جميع أهل البلد عن بكرة أبيهم‏.‏
ولم يسلم إلا من أسلم من الأعراب من إياد وتغلب والنمر، وقد كان عمر عهد في كتابه إذا نصروا على تكريت أن يبعثوا ربعي بن الأفكل إلى الحصنين، وهي الموصل سريعاً، فسار إليها كما أمر عمر، ومعه سرية كثيرة، وجماعة من الأبطال، فسار إليها حتى فجئها قبل وصول الأخبار إليها، فما كان إلا أن واقفها حتى أجابوا إلى الصلح فضربت عليهم الذمة عن يد وهم صاغرون، ثم قسمت الأموال التي تحصلت من تكريت، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف، وسهم الراجل ألف درهم‏.‏
وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان، وبالفتح مع الحارث بن حسان، وولي إمرة حرب الموصل ربعي بن الأفكل، وولي الخراج بها عرفجة بن هرثمة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 84‏)‏
فتح ماسبذان من أرض العراق
لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى عمر بالمدائن، بلغ سعداً أن آذين بن الهرمزان قد جمع طائفة من الفرس، فكتب إلى عمر في ذلك‏.‏
فكتب إليه‏:‏ أن ابعث جيشاً، وأمر عليهم ضرار بن الخطاب‏.‏
فخرج ضرار في جيش من المدائن، وعلى مقدمته ابن الهزيل الأسدي، فتقدم ابن الهزيل بين يدي الجيش، فالتقى مع آذين وأصحابه قبل وصول ضرار إليه، فكسر ابن الهزيل طائفة الفرس، وأسر آذين بن الهرمزان، وفر عنه أصحابه، وأمر ابن الهزيل فضرب عنق آذين بين يديه، وساق وراءه المنهزمين حتى انتهى إلى ماسبذان - وهي مدينة كبيرة - فأخذها عنوة، وهرب أهلها في رءوس الجبال والشعاب، فدعاهم فاستجابوا له، وضرب على من لم يسلم الجزية، وأقام نائباً عليها حتى تحول سعد من المدائن إلى الكوفة كما سيأتي‏.‏
فتح قرقيسيا وهيت في هذه السنة
قال ابن جرير وغيره‏:‏ لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن، وكان أهل الجزيرة قد أمدوا أهل حمص على قتال أبي عبيدة وخالد - لما كان هرقل بقنسرين - واجتمع أهل الجزيرة في مدينة هيت‏.‏
كتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب إليه‏:‏ أن يبعث إليهم جيشاً، وأن يؤمر عليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، فسار فيمن معه من المسلمين إلى هيت، فوجدهم قد خندقوا عليهم، فحاصرهم حيناً، فلم يظفر بهم‏.‏
فسار في طائفة من أصحابه، واستخلف على محاصرة هيت الحارث بن يزيد، فراح عمر بن مالك إلى قرقيسيا فأخذها عنوة، وأنابوا إلى بذل الجزية، وكتب إلى نائبه على هيت‏:‏ إن لم يصالحوا أن يحفر من وراء خندقهم خندقاً، ويجعل له أبواباً من ناحيته‏.‏
فلما بلغهم ذلك أنابوا إلى المصالحة‏.‏
قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ الذهبي‏:‏ وفي هذه السنة بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص بعد فراغه من اليرموك إلى قنسرين، فصالح أهل حلب، ومنبج، وأنطاكية، على الجزية، وفتح سائر بلاد قنسرين عنوة، قال‏:‏
وفيها افتتحت سروج والرها على يدي عياض بن غنم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 85‏)‏
قال‏:‏ وفيها فيما ذكر ابن الكلبي‏:‏ سار أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصر إيليا فسألوا الصلح على أن يقدم عمر فيصالحهم على ذلك، فكتب أبو عبيدة إلى عمر فقدم حتى صالحهم، وأقام أياماً ثم رجع إلى المدينة‏.‏
قلت‏:‏ قد تقدم هذا فيما قبل هذه السنة والله أعلم‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وفي هذه السنة حمى عمر الربذة بخيل المسلمين‏.‏
وفيها‏:‏ غرب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع‏.‏
وفيها‏:‏ تزوج عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد‏.‏
قلت‏:‏ الذي قتل يوم الجسر، وكان أمير السرية، وهي‏:‏ أخت المختار بن أبي عبيد، أمير العراق فيما بعد، وكانت امرأة صالحة، وكان أخوها فاجراً وكافراً أيضاً‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وفيها حج عمر بالناس، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت‏.‏
قال‏:‏ وكان نائبه على مكة عتاب، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى العراق سعد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن أمية، وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحضرمي، وعلى عُمان حذيفة بن محصن، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة، وعلى الموصل ربعي الأفكل، وعلى الجزيرة عياض بن غنم الأشعري‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وفي ربيع الأول من هذه السنة - أعني‏:‏ سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ، وهو أول من كتبه‏.‏
قلت‏:‏ قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك‏:‏ أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان، فقال‏:‏ أي شعبان‏؟‏ أَمِنْ هذه السنة أم التي قبلها أم التي بعدها ‏؟‏‏.‏
ثم جمع الناس فقال‏:‏ ضعوا للناس شيئاً يعرفون فيه حلول ديونهم‏.‏
فيقال‏:‏ أنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك‏.‏
ومنهم من قال‏:‏ أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر، فكرهوا ذلك، ولطوله أيضاً‏.‏
وقال قائلون‏:‏ أرخوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
وقال آخرون‏:‏ من مبعثه عليه السلام‏.‏
وأشار علي بن أبي طالب وآخرون‏:‏ أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد، فإنه أظهر من المولد والمبعث‏.‏
فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرخوا من أول تلك السنة من محرمها‏.‏
وعند مالك رحمه الله فيما حكاه عن السهيلي وغيره‏:‏ أن أول السنة من ربيع الأول لقدومه عليه السلام إلى المدينة‏.‏
والجمهور‏:‏ على أن أول السنة من المحرم، لأنه أضبط لئلا تختلف الشهور، فإن المحرم أول السنة الهلالية العربية‏.‏
وفي هذه السنة - أعني‏:‏ سنة ست عشرة - توفيت مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في المحرم منها، فيما ذكره الواقدي وابن جرير وغير واحد‏.‏
وصلى عليها عمر بن الخطاب، وكان يجمع الناس لشهود جنازتها، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها وأرضاها، وهي‏:‏ مارية القبطية أهداها صاحب الإسكندرية، -وهو جريج بن مينا - في جملة تحف وهدايا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل ذلك منه، وكان معها أختها شيرين التي وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 86‏)‏
ويقال‏:‏ أهدى المقوقس معهما جاريتين أخرتين، فيحتمل أنهما كانتا خادمتين لمارية وشيرين‏.‏
وأهدى معهن غلاماً خصياً اسمه‏:‏ مابور، وأهدى مع ذلك بغلة شهباء اسمها‏:‏ الدلدل، وأهدى حلة حرير من عمل الإسكندرية‏.‏
وكان قدوم هذه الهدية في سنة ثمان‏.‏
فحملت مارية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبراهيم عليه السلام، فعاش عشرين شهراً، ومات قبل أبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة سواء‏.‏
وقد حزن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكى عليه، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون‏)‏‏)‏‏.‏ وقد تقدم ذلك في سنة عشر‏.‏
وكانت مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان، وقد حظيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعجب بها، وكانت جميلة ملاحة أي‏:‏ حلوة، وهي تشابه هاجر سرية الخليل، فإن كلاً منهما من ديار مصر، وتسراها نبي كريم، وخليل جليل عليهما السلام‏.‏
ثم دخلت سنة سبع عشرة
في المحرم منها انتقل سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة، وذلك أن الصحابة استوخموا المدائن، وتغيرت ألوانهم وضعفت أبدانهم، لكثرة ذبابها وغبارها، فكتب سعد إلى عمر في ذلك‏.‏
فكتب عمر‏:‏ أن العرب لا تصلح إلا حيث يوافق إبلها،‏.‏ فبعث سعد حذيفة وسلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلاً مناسباً يصلح لإقامتهم‏.‏
فمرا على أرض الكوفة وهي حصباء في رملة حمراء فأعجبتهما، ووجد هنالك ديرات ثلاث‏:‏ دير حرقة بنت النعمان، ودير أم عمرو، ودير سلسلة‏.‏
وبين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة فنزلا فصليا هنالك، وقال كل واحد منهما‏:‏ اللهم رب السماء وما أظلت، ورب الأرض وما أقلت، ورب الريح وما ذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما جرت، والشياطين وما أضلت والخصاص وما أجنت، بارك لنا في هذه الكوفة، واجعلها منزل ثبات‏.‏
ثم كتبا إلى سعد بالخبر، فأمر سعد باختطاط الكوفة، وسار إليها في أول هذه السنة في محرمها، فكان أول بناء وضع فيها المسجد‏.‏
وأمر سعد رجلاً رامياً شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات، فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم، وعمر قصراً تلقاء محراب المسجد للإمارة، وبيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت في أثناء السنة، فبنوها باللبن عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحد‏.‏
وبعث سعد إلى الأمراء والقبائل، فقدموا عليه فأنزلهم الكوفة، وأمر سعد أبا هياج الموكل بإنزال الناس فيها أن يعمروا ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/87‏)‏
ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعاً، وللأزقة سبعة أذرع‏.‏
وبنى لسعد قصر قريب من السوق، فكانت غوغاء الناس تمنع سعداً من الحديث، فكان يغلق بابه، ويقول‏:‏ سكِّنْ الصويت‏.‏
فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث محمد بن مسلمة فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده، ويجمع حطباً، ويحرق باب القصر، ثم يرجع من فوره‏.‏
فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، وأمر سعداً أن لا يغلق بابه عن الناس، ولا يجعل على بابه أحداً يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد، وعرض على محمد بن مسلمة شيئاً من المال، فامتنع من قبوله ورجع إلى المدينة، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصف، حتى عزله عنها عمر من غير عجز ولا خيانة‏.‏
أبو عبيدة وحصر الروم له بحمص وقدوم عمر إلى الشام
وذلك أن جمعاً من الروم عزموا على حصار أبي عبيدة بحمص، واستجاشوا بأهل الجزيرة وخلق ممن هنالك، وقصدوا أبا عبيدة‏.‏
فبعث أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه من قنسرين، وكتب إلى عمر بذلك، واستشار أبو عبيدة المسلمين في أن يناجز الروم أو يتحصن بالبلد حتى يجيء أمر عمر‏؟‏ فكلهم أشار بالتحصن إلا خالداً فإنه أشار بمناجزتهم فعصاه وأطاعهم، وتحصن بحمص وأحاط به الروم، وكل بلد من بلدان الشام مشغول أهله عنه بأمرهم، ولو تركوا ما هم فيه، وأقبلوا إلى حمص لا نخرم النظام في الشام كله‏.‏
وكتب عمر إلى سعد‏:‏ أن يندب الناس مع القعقاع بن عمرو، ويسيرهم إلى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب، نجدة لأبي عبيدة فإنه محصور، وكتب إليه‏:‏ أن يجهز جيشاً إلى أهل الجزيرة الذين مالأوا الروم على حصار أبي عبيدة، ويكون أمير الجيش إلى الجزيرة عياض بن غنم‏.‏
فخرج الجيشان معاً من الكوفة، القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص لنجدة أبي عبيدة‏.‏
وخرج عمر بنفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة، فبلغ الجابية، وقيل‏:‏ إنما بلغ سرع‏.‏
قاله ابن إسحاق وهو أشبه والله أعلم‏.‏
فلما بلغ أهل الجزيرة الذين مع الروم على حمص أن الجيش قد طرق بلادهم انشمروا إلى بلادهم، وفارقوا الروم، وسمعت الروم بقدوم أمير المؤمنين عمر لينصر نائبه عليهم فضعف جانبهم جداً، وأشار خالد على أبي عبيدة بأن يبرز إليهم ليقاتلهم، ففعل ذلك أبو عبيدة، ففتح الله عليه ونصره، وهزمت الروم هزيمة فظيعة‏.‏
وذلك قبل ورود عمر عليهم، وقبل وصول الأمداد إليهم بثلاث ليال‏.‏
فكتب أبو عبيدة إلى عمر وهو بالجابية يخبره بالفتح، وأن المدد وصل إليهم بعد ثلاث ليال، وسأله هل يدخلهم في القسم معهم مما أفاء الله عليهم‏؟‏ فجاء الجواب بأن يدخلهم معهم في الغنيمة، فإن العدو إنما يضعف وإنما انشمر عنه المدد من خوفهم منهم، فأشركهم أبو عبيدة في الغنيمة‏.‏
وقال عمر‏:‏ جزى الله أهل الكوفة خيراً، يحمون حوزتهم، ويمدون أهل الأمصار‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 88‏)‏
فتح الجزيرة
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة‏:‏ فتحت الجزائر فيما قاله سيف بن عمر‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ في ذي الحجة من سنة سبع عشرة، فوافق سيف بن عمر في كونها في هذه السنة‏.‏
وقال ابن إسحاق‏:‏ كان ذلك في سنة تسع عشرة، سار إليها عياض بن غنم، وفي صحبته أبو موسى الأشعري، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو غلام صغير السن ليس إليه من الأمر شيء، وعثمان بن أبي العاص، فنزل الرها فصالحه أهلها على الجزية، وصالحت حران على ذلك‏.‏
ثم بعث أبا موسى الأشعري إلى نصيبين، وعمر بن سعد إلى رأس العين، وسار بنفسه إلى داراً، فافتتحت هذه البلدان، وبعث عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية، فكان عندها شيء من قتال، قتل فيه صفوان بن المعطل السلمي شهيداً‏.‏
ثم صالحهم عثمان بن أبي العاص على الجزية على كل أهل بيت دينار‏.‏
وقال سيف في روايته‏:‏ جاء عبد الله بن عبد الله بن غسان، فسلك على رجليه حتى انتهى إلى الموصل، فعبر إلى بلد حتى انتهى إلى نصيبين، فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع أهل الرقة‏.‏
وبعث إلى عمر برؤوس النصارى من عرب أهل الجزيرة‏.‏
فقال لهم عمر‏:‏ أدوا الجزية‏.‏
فقالوا‏:‏ أبلغنا مامننا، فوالله لئن وضعت علينا الجزية لندخلن أرض الروم، والله لتفضحنا من بين العرب‏.‏
فقال لهم‏:‏ أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمتكم، ووالله لتؤدن الجزية وأنتم صغرة قمئة، ولئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم، ثم لأسبينكم‏.‏
قالوا‏:‏ فخذ منا شيئاً ولا تسميه جزية‏.‏
فقال‏:‏ أما نحن فنسميه جزية، وأما أنتم فسموه ما شئتم‏.‏
فقال له علي بن أبي طالب‏:‏ ألم يضعف عليهم سعد الصدقة ‏؟‏‏.‏
قال‏:‏ بلى؛ وأصغى إليه ورضي به منهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 89‏)‏
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة‏:‏ قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، فوصل إلى سَرْع في قول محمد بن إسحاق‏.‏
وقال سيف‏:‏ وصل إلى الجابية‏.‏
قلت‏:‏ والأشهر أنه وصل سرع، وقد تلقاه أمراء الأجناد‏:‏ أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد إلى سرع، فأخبروه أن الوباء قد وقع في الشام، فاستشار عمر المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه، فمن قائل يقول‏:‏ أنت قد جئت لأمر فلا ترجع عنه، ومن قائل يقول‏:‏ لا نرى أن تقدم بوجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوباء‏.‏
فيقال‏:‏ أن عمر أمر الناس بالرجوع من الغد‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ أفراراً من قدر الله ‏؟‏‏.‏
قال‏:‏ نعم‏!‏ نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو هبطت وادياً ذا عدوتين، إحداهما‏:‏ مخصبة، والأخرى‏:‏ مجدبة، فإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن أنت رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ‏؟‏
ثم قال‏:‏ لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة‏.‏
قال ابن إسحاق في روايته وهو في صحيح البخاري‏:‏ وكان عبد الرحمن بن عوف متغيباً في بعض شأنه، فلما قدم قال‏:‏ إن عندي من ذلك عِلماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا سمعتم به بأرض قومٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه‏)‏‏)‏‏.‏
فحمد الله عمر - يعني لكونه وافق رأيه - ورجع بالناس‏.‏
وقال الإمام أحمد‏:‏ ثنا وكيع، ثنا سفيان بن حسين بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد، عن سعد بن مالك بن أبي وقاص وخزيمة بن ثابت وأسامة بن زيد قالوا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏(‏‏(‏إن هذا الطاعون رجزٌ وبقية عذاب عذب به قوم قبلكم، فإذا وقع بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه‏)‏‏)‏‏.‏
ورواه الإمام أحمد أيضاً من حديث سعيد بن المسيب، ويحيى بن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص به‏.‏
قال سيف بن عمر‏:‏ كان الوباء قد وقع بالشام في المحرم من هذه السنة ثم ارتفع، وكان سيفاً يعتقد أن هذا الوباء هو طاعون عمواس الذي هلك فيه خلق من الأمراء، ووجوه المسلمين، وليس الأمر كما زعم؛ بل طاعون عمواس من السنة المستقبلة بعد هذه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى‏.‏
وذكر سيف بن عمر‏:‏ أن أمير المؤمنين عمر كان قد عزم على أن يطوف البلدان، ويزور الأمراء، وينظر فيما اعتمدوه، وما آثروا من الخير، فاختلف عليه الصحابة، فمن قائل يقول‏:‏ ابدأ بالعراق، ومن قائل يقول‏:‏ بالشام‏.‏
فعزم عمر على قدوم الشام لأجل قسم مواريث من مات من المسلمين في طاعون عمواس، فإنه أشكل قسمها على المسلمين بالشام، فعزم على ذلك وهذا يقتضي أن عمر عزم على قدوم الشام بعد طاعون عمواس، وقد كان الطاعون في سنة ثماني عشرة كما سيأتي، فهو قدوم آخر غير قدوم سرع‏.‏ والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 90‏)‏
قال سيف‏:‏ عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بن النعمان قالوا‏:‏ قال عمر‏:‏ ضاعت مواريث الناس بالشام أبدأ بها فأقسم المواريث، وأقيم لهم ما في نفسي، ثم أرجع فأتقلب في البلاد، وأنبذ إليهم أمري‏.‏
قالوا‏:‏ فأتى عمر الشام أربع مرات، مرتين في سنة ست عشرة، ومرتين في سنة سبع عشرة، ولم يدخلها في الأولى من الأخريين‏.‏
وهذا يقتضي ما ذكرناه عن سيف أنه يقول‏:‏ بكون طاعون عمواس في سنة سبع عشرة‏.‏
وقد خالفه محمد بن إسحاق وأبو معشر وغير واحد، فذهبوا إلى‏:‏ أنه كان في سنة ثماني عشرة‏.‏
وفيه توفي أبو عبيدة، ومعاذ، ويزيد بن أبي سفيان، وغيرهم من الأعيان على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى‏.‏
شيء من أخبار طاعون عمواس
الذي توفي فيه أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة وغيرهم‏.‏
أورده ابن جرير في هذه السنة‏.‏
قال محمد بن إسحاق‏:‏ عن شعبة، عن المختار بن عبد الله البجلي، عن طارق بن شهاب البجلي قال‏:‏ أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده، فلما جلسنا قال‏:‏ لا تحفوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تتنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها، حتى يرتفع هذا البلاء، فإني سأخبركم بما يكره مما يتقى‏.‏
من ذلك أن يظن من خرج أنه لو قام مات، ويظن من أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظن ذلك هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج وأن يتنزه عنه، إني كنت مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه‏:‏
أن سلام عليك، أما بعد‏:‏ فإنه قد عرضت لي إليك حاجة، أريد أن أشافهك بها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتاب هذا أن لا تضعه من يدك حتى تقبل إلي‏.‏
قال‏:‏ فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء‏.‏
فقال‏:‏ يغفر الله لأمير المؤمنين، ثم كتب إليه يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم أمره وقضاءه، فخلني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي‏.‏
فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس‏:‏ يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة‏؟‏
قال‏:‏ لا، وكأن قد‏.‏
قال‏:‏ ثم كتب إليه‏:‏ سلام عليك، أما بعد فإنك أنزلت الناس أرضاً عميقة، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة‏.‏
قال أبو موسى‏:‏ فلما أتاه كتابه دعاني‏.‏
فقال‏:‏ يا أبا موسى، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتد للناس منزلاً حتى أتبعك بهم، فرجعت إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت فرجعت إليه وقلت‏:‏ والله لقد كان في أهلي حدث‏.‏ فقال‏:‏ لعل صاحبتك قد أصيبت ‏؟‏‏.‏
قلت‏:‏ نعم‏.‏
فأمر ببعير فرحل له، فلما وضع رجله في غرزه طعن‏.‏
فقال‏:‏ والله لقد أصبت، ثم سار بالناس حتى نزل الجابية ورُفع عن الناس الوباء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 91‏)‏
وقال محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن شهر بن حوشب، عن رابة - رجل من قومه -‏:‏ وكان قد خلف على أمه بعد أبيه، وكان قد شهد طاعون عمواس‏.‏
قال‏:‏ لما اشتعل الوجع، قام أبو عبيدة في الناس خطيباً فقال‏:‏ أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة منه حظه، فطعن، فمات‏.‏
واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيباً بعده، فقال‏:‏ أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن معاذ يسأل الله تعالى أن يقسم لآل معاذ منه حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقلب ظهر كفه، ثم يقول‏:‏ ما أحب أن لي بما فيك شيئاً من الدنيا‏.‏
فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص، فقام فيهم خطيباً، فقال‏:‏ أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال‏.‏
فقال أبو وائل الهذلي‏:‏ كذبت والله لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت شر من حماري هذا‏.‏
فقال‏:‏ والله ما أرد عليك ما تقول، وأيم الله لا نقيم عليه‏.‏
قال‏:‏ ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا، ودفعه الله عنهم‏.‏
قال‏:‏ فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص فوالله ما كرهه‏.‏
قال ابن إسحاق‏:‏ ولما انتهى إلى عمر مصاب أبي عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، أمر معاوية على جند دمشق وخراجها، وأمر شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها‏.‏
وقال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا‏:‏ لما كان طاعون عمواس وقع مرتين لم ير مثلهما، وطال مكثه، وفني خلق كثير من الناس، حتى طمع العدو، وتخوفت قلوب المسلمين لذلك‏.‏
قلت‏:‏ ولهذا قدم عمر بعد ذلك إلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا لما أشكل أمرها على الأمراء، وطابت قلوب الناس بقدومه، وانقمعت الأعداء من كل جانب لمجيئه إلى الشام ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/92‏)‏
وقال سيف بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة، قال‏:‏ فلما أراد القفول إلى المدينة في ذي الحجة منها، خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ ألا إني قد وليت عليكم وقضيت الذي علي في الذي ولاني الله من أمركم إن شاء الله، فبسطنا بينكم فيأكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغناكم ما لدينا، فجندنا لكم الجنود، وهيأنا لكم الفروج، وبوأنا لكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيؤكم، وما قاتلتم عليه من شامكم، وسمينا لكم أطعماتكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم وأرزاقكم ومغانمكم‏.‏
فمن علم منكم شيئاً ينبغي العمل به فليعلمنا نعمل به إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله‏.‏
قال‏:‏ وحضرت الصلاة، فقال الناس‏:‏ لو أمرت بلالاً فأذن‏؟‏ فأمره فأذن، فلم يبق أحد كان أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن إلا بكى حتى بل لحيته، وعمر أشدهم بكاء، وبكى من لم يدركه لبكائهم ولذكره صلى الله عليه وسلم‏.‏
وذكر ابن جرير في هذه السنة‏:‏ من طريق سيف بن عمر عن أبي المجالد أن عمر بن الخطاب بعث ينكر على خالد بن الوليد في دخوله إلى الحمام وتدلكه بعد النورة بعصفر معجون بخمر، فقال في كتابه‏:‏ إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر فلا تمسوها أجسامكم فإنها نجس، فإن فعلتم فلا تعودوا‏.‏
فكتب إليه خالد‏:‏ إنا قتلناها فعادت غسولاً غير خمر‏.‏
فكتب إليه عمر‏:‏ إني أظن أن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه، فانتهى لذلك‏.‏
قال سيف‏:‏ وأصاب أهل البصرة تلك السنة طاعون أيضاً، فمات بشر كثير وجم غفير، رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين‏.‏
قالوا‏:‏ وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى الشام، فلم يرجع منهم إلا أربعة‏.‏
فقال المهاجر بن خالد في ذلك‏:‏
من يسكن الشام يعرس به * والشام إن لم يفننا كارب
أفنى بني ريطة فرسانهم * عشرون لم يقصص لهم شارب
ومن بني أعمامهم مثلهم * لمثل هذا يعجب العاجب
طعناً وطاعوناً مناياهم * ذلك ما خط لنا الكاتب
كائنة غريبة فيها عزل خالد عن قنسرين أيضاً
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة‏:‏ أدرب خالد بن الوليد، وعياض بن غنم، أي‏:‏ سلكا درب الروم، وأغارا عليهم، فغنموا أموالاً عظيمةً، وسبيا كثيراً‏.‏
ثم روي من طريق سيف، عن أبي عثمان، وأبي حارثة، والربيع، وأبي المجالد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/93‏)‏
قالوا‏:‏ لما رجع خالد ومعه أموال جزيلة من الصائفة، انتجعه الناس يبتغون وفده ونائله، فكان ممن دخل عليه الأشعث بن قيس، فأجازه بعشرة آلاف‏.‏
فلما بلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة‏:‏ يأمره أن يقيم خالداً ويكشف عمامته، وينزع عنه قلنسوته، ويقيده بعمامته، ويسأله عن هذه العشرة آلاف، إن كان أجازها الأشعث من ماله فهو سرف، وإن كان من مال الصائفة فهي خيانة ثم أعزله عن عمله‏.‏
فطلب أبو عبيدة خالداً، وصعد أبو عبيدة المنبر، وأقيم خالد بين يدي المنبر، وقام إليه بلال، ففعل ما أمر به عمر بن الخطاب هو والبريد الذي قدم بالكتاب‏.‏
هذا وأبو عبيدة ساكت لا يتكلم، ثم نزل أبو عبيدة واعتذر إلى خالد مما كان بغير اختياره وإرادته، فعذره خالد وعرف أنه لا قصد له في ذلك‏.‏
ثم سار خالد إلى قنسرين، فخطب أهل البلد وودعهم، وسار بأهله إلى حمص، فخطبهم أيضاً وودعهم، وسار إلى المدينة، فلما دخل خالد على عمر أنشد عمر قول الشاعر‏:‏
صنعت فلم يصنع كصنعك صانع * وما يصنع الأقوام فالله صانع
ثم سأله من أين هذا اليسار الذي تجيز منه بعشرة آلاف‏؟‏
فقال‏:‏ من الأنفال والسهمان‏.‏
قال‏:‏ فما زاد على الستين ألفاً فلك، ثم قوم أمواله وعروضه، وأخذ منه عشرين ألفاً، ثم قال‏:‏ والله إنك علي لكريم، وإنك إليَّ لحبيب، ولن تعمل لي بعد اليوم على شيء‏.‏
وقال سيف، عن عبد الله، عن المستورد، عن أبيه، عن عدي بن سهل قال‏:‏ كتب عمر إلى الأمصار‏:‏ إني لم أعزل خالداً عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع‏.‏
ثم رواه سيف، عن مبشر، عن سالم قال‏:‏ لما قدم خالد على عمر فذكر مثله‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وفي هذه السنة اعتمر عمر في رجب منها، وعمَّر في المسجد الحرام، وأمر بتجديد أنصاب الحرم أمر بذلك لمخرمة بن نوفل، وأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وحدثني كثير بن عبد الله المري، عن أبيه، عن جده قال‏:‏ قدم عمر مكة في عمرة سنة سبع عشرة، فمر في الطريق فكلمه أهل المياه أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة - ولم يكن قبل ذلك بناء - فأذن لهم وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل والماء‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وفيها تزوج عمر بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بها في ذي القعدة‏.‏
وقد ذكرنا في سيرة عمر ومسنده صفة تزويجه بها أنه أمهرها أربعين ألفاً، وقال‏:‏ إنما تزوجتها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏كل سبب ونسب فإنه ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي‏)‏‏)‏‏.‏
قال‏:‏ وفي هذه السنة ولى عمر أبا موسى الأشعري البصرة، وأمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الأول، فشهد عليه فيما حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب‏:‏ أبو بكرة، وشبل بن معبد البجلي، ونافع بن عبيد، وزياد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/94‏)‏
ثم ذكر الواقدي وسيف هذه القصة وملخصها‏:‏ أن امرأة كان يقال لها أم جميل بنت الأفقم، من نساء بني عامر بن صعصعة، ويقال‏:‏ من نساء بني هلال‏.‏
وكان زوجها من ثقيف قد توفي عنها، وكانت تغشى نساء الأمراء والأشراف، وكانت تدخل على بيت المغيرة بن شعبة، وهو أمير البصرة، وكانت دار المغيرة تجاه دار أبي بكرة، وكان بينهما طريق، وفي دار أبي بكرة كوة تشرف على كوة في دار المغيرة، وكان لا يزال بين المغيرة وبين أبي بكرة شنآن‏.‏
فبينما أبو بكرة في داره وعنده جماعة يتحدثون في العلية إذ فتحت الريح باب الكوة، فقام أبو بكرة ليغلقها، فإذا كوة المغيرة مفتوحة، وإذا هو على صدر امرأة وبين رجليها، وهو يجامعها‏.‏
فقال أبو بكرة لأصحابه‏:‏ تعالوا فانظروا إلى أميركم يزني بأم جميل، فقاموا فنظروا إليه وهو يجامع تلك المرأة‏.‏
فقالوا لأبي بكرة‏:‏ ومن أين قلت أنها أم جميل‏؟‏ - وكان رأساهما من الجانب الآخر -‏.‏
فقال‏:‏ انتظروا، فلما فرغا قامت المرأة، فقال أبو بكرة‏:‏ هذه أم جميل‏.‏ فعرفوها فيما يظنون‏.‏
فلما خرج المغيرة وقد اغتسل ليصلي بالناس منعه أبو بكرة أن يتقدم‏.‏
وكتبوا إلى عمر في ذلك، فولى أبا موسى الأشعري أميراً على البصرة‏.‏
وعزل المغيرة، فسار إلى البصرة فنزل البرد‏.‏
فقال المغيرة‏:‏ والله ما جاء أبو موسى تاجراً ولا زائراً ولا جاء إلا أميراً‏.‏
ثم قدم أبو موسى على الناس وناول المغيرة كتاباً من عمر، هو أوجز كتاب فيه‏:‏
أما بعد، فإنه بلغني نبأ عظيم، فبعثت أبا موسى أميراً، فسلم ما في يديك والعجل‏.‏
وكتب إلى أهل البصرة‏:‏ إني قد وليت عليكم أبا موسى ليأخذ من قويكم لضعيفكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن دينكم، وليجبي لكم فيأكم، ثم ليقسمه بينكم‏.‏
وأهدى المغيرة لأبي موسى جارية من مولدات الطائف تسمى‏:‏ عقيلة، وقال‏:‏ إني رضيتها لك، وكانت فارهة‏.‏
وارتحل المغيرة والذين شهدوا عليه، وهم أبو بكرة، ونافع بن كلدة، وزياد بن أمية، وشبل بن معبد البجلي‏.‏
فلما قدموا على عمر جمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة‏:‏ سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني‏؟‏ مستقبلهم أو مستدبرهم‏؟‏ وكيف رأوا المرأة وعرفوها، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم يستتروا‏؟‏ أو مستدبري فكيف استحلوا النظر في منزلي على امرأتي‏؟‏ والله ما أتيت إلا امرأتي، وكانت تشبهها‏.‏
فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة‏.‏
قال‏:‏ كيف رأيتهما‏؟‏
قال‏:‏ مستدبرهما‏.‏
قال‏:‏ فكيف استبنت رأسها‏؟‏
قال‏:‏ تحاملت‏.‏
ثم دعا شبل بن معبد فشهد بمثل ذلك‏.‏
فقال‏:‏ استقبلتهما أم استدبرتهما‏؟‏
قال‏:‏ استقبلتهما‏.‏
وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم‏.‏
قال‏:‏ رأيته جالساً بين رجلي امرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان، وأستين مكشوفتين، وسمعت حفزاناً شديداً‏.‏
قال‏:‏ هل رأيت كالميل في المكحلة‏؟‏
قال‏:‏ لا‏.‏
قال‏:‏ فهل تعرف المرأة‏؟‏
قال‏:‏ لا، ولكن أشبهها‏.‏
قال‏:‏ فتنح‏.‏
وروي‏:‏ أن عمر رضي الله عنه كبر عند ذلك، ثم أمر بثلاث فجلدوا الحد، وهو يقرأ قوله تعالى‏:‏ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 13‏]‏‏.‏
فقال المغيرة‏:‏ إشفني من الأعبد‏.‏
قال‏:‏ اسكت، اسكت الله فاك، والله لو تمت الشهادة لرجمناك بأحجارك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/95‏)‏
فتح الأهواز ومناذر ونهر تيري
قال ابن جرير‏:‏ كان في هذه السنة‏.‏
وقيل‏:‏ في سنة ست عشرة‏.‏
ثم روي من طريق سيف، عن شيوخه‏:‏ أن الهرمزان كان قد تغلب على هذه الأقاليم، وكان ممن فر يوم القادسية من الفرس، فجهز أبو موسى من البصرة، وعتبة بن غزوان من الكوفة جيشين لقتاله، فنصرهم الله عليه، وأخذوا منه ما بين دجلة إلى دجيل، وغنموا من جيشه ما أرادوا، وقتلوا من أرادوا، ثم صانعهم وطلب مصالحتهم عن بقية بلاده، فشاورا في ذلك عتبة بن غزوان، فصالحه، وبعث بالأخماس والبشارة إلى عمر، وبعث وفداً فيهم الأحنف بن قيس‏.‏
فأعجب عمر به، وحظي عنده‏.‏
وكتب إلى عتبة يوصيه به، ويأمره بمشاورته والاستعانة برأيه‏.‏
ثم نقض الهرمزان العهد والصلح، واستعان بطائفة من الأكراد، وغرته نفسه، وحسن له الشيطان عمله في ذلك‏.‏
فبرز إليه المسلمون فنصروا عليه، وقتلوا من جيشه جماً غفيراً، وخلقاً كثيراً، وجمعاً عظيماً، واستلبوا منه ما بيده من الأقاليم والبلدان إلى تستر، فتحصن بها، وبعثوا إلى عمر بذلك‏.‏
وقد قال الأسود بن سريع في ذلك، وكان صحابياً رضي الله عنه‏:‏
لعمرك ما أضاع بنو أبينا * ولكن حافظوا فيمن يطيعوا
أطاعوا لربهم وعصاه قوم * أضاعوا أمره فيمن يضيع
مجوس لا ينهنهها كتاب * فلاقوا كبة فيها قبوع
وولى الهرمزان على جواد * سريع الشد يثفنه الجميع
وخلى سرة الأهواز كرهاً * غداة الجسر إذ نجم الربيع
وقال حرقوص بن زهير السعدي، وكان صحابيا أيضاً‏:‏
غلبنا الهرمزان على بلاد * لها في كل ناحية ذخائر
سواء برهم والبحر فيها * إذا صارت نواحيها بواكر
لها بجر يعج بجانبيه * جعافر لا يزال لها زواخر
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/96‏)‏
فتح تستُر المرة الأولى صلحاً
قال ابن جرير‏:‏ كان ذلك في هذه السنة في قول سيف وروايته‏.‏
وقال غيره‏:‏ في سنة ست عشرة‏.‏
وقال غيره‏:‏ كانت في سنة تسع عشرة‏.‏
ثم قال ابن جرير‏:‏ ذكر الخبر عن فتحها، ثم ساق من طريق سيف عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو قالوا‏:‏ ولما افتتح حرقوص بن زهير سوق الأهواز، وفر الهرمزان بين يديه، فبعث في إثره جزء بن معاوية - وذلك عن كتاب عمر بذلك - فما زال جزء يتبعه حتى انتهى إلى رامهرمز، فتحصن الهرمزان في بلادها، وأعجز جزءاً تطلبه، واستحوذ جزء على تلك البلاد والأقاليم والأراضي، فضرب الجزية على أهلها، وعمر عامرها وشق الأنهار إلى خرابها ومواتها، فصارت في غاية العمارة والجودة‏.‏
ولما رأى الهرمزان ضيق بلاده عليه لمجاورة المسلمين، طلب من جزء بن معاوية المصالحة، فكتب إلى حرقوص، فكتب حرقوص إلى عتبة بن غزوان، وكتب عتبة إلى عمر في ذلك، فجاء الكتاب العمري بالمصالحة على رامهرمز، وتستر، وجندسابور، ومدائن أخر من ذلك‏.‏
فوقع الصلح على ذلك، كما أمر به عمر رضي الله عنه‏.‏
ذكر غزو بلاد فارس من ناحية البحرين عن ابن جرير عن سيف
وذلك أن العلاء بن الحضرمي كان على البحرين في أيام الصديق، فلما كان عمر عزله عنها، وولاها لقدامة بن مظعون‏.‏
ثم أعاد العلاء بن الحضرمي إليها، وكان العلاء الحضرمي يباري سعد بن أبي وقاص‏.‏
فلما افتتح سعد القادسية، وأزاح كسرى عن داره، وأخذ حدود ما يلي السواد واستعلى وجاء بأعظم مما جاء به العلاء بن الحضرمي من ناحية البحرين‏.‏
فأحب العلاء أن يفعل فعلاً في فارس نظير ما فعله سعد فيهم، فندب الناس إلى حربهم، فاستجاب له أهل بلاده، فجزأهم أجزاء، فعلى فرقة الجارود بن المعلي، وعلى الأخرى السوار بن همام، وعلى الأخرى خليد بن المنذر بن ساوى، وخليد هو أمير الجماعة‏.‏
فحملهم في البحر إلى فارس، وذلك بغير إذن عمر له في ذلك - وكان عمر يكره ذلك، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ما أغزيا فيه المسلمين - فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا من عند أصطخر، فحالت فارس بينهم وبين سفنهم، فقام في الناس خليد بن المنذر، فقال‏:‏
أيها الناس، إنما أراد هؤلاء القوم بصنيعهم هذا محاربتكم، وأنتم جئتم لمحاربتهم، فاستعينوا بالله وقاتلوهم، فإنما الأرض والسفن لمن غلب، واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، فأجابوه إلى ذلك، فصلوا الظهر ثم ناهدوهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً في مكان من الأرض، يدعى‏:‏ طاوس‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 97‏)‏
ثم أمر خليد المسلمين فترجلوا وقاتلوا، فصبروا ثم ظفروا، فقتلوا فارس مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها‏.‏
ثم خرجوا يريدون البصرة، فغرقت بهم سفنهم، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلاً، ووجدوا شهرك في أهل أصطخر قد أخذوا على المسلمين بالطرق، فعسكروا وامتنعوا من العدو‏.‏
ولما بلغ عمر صنع العلاء بن الحضرمي اشتد غضبه عليه، وبعث إليه فعزله، وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه‏.‏
فقال‏:‏ الحق بسعد بن أبي وقاص
وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان‏:‏ أن العلاء بن الحضرمي خرج بجيش، فأقطعهم أهل فارس وعصاني، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم أن لا ينصروا، أن يغلبوا وينشبوا، فأندب إليهم الناس، واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا‏.‏
فندب عتبة المسلمين، وأخبرهم بكتاب عمر إليه في ذلك، فانتدب جماعة من الأمراء الأبطال، منهم‏:‏ هاشم بن أبي وقاص، وعاصم بن عمرو، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، والأحنف بن قيس، وغيرهم، في اثني عشر ألفاً‏.‏
وعلى الجميع أبو سبرة بن أبي رهم‏.‏
فخرجوا على البغال يجنبون الخيل سراعاً، فساروا على الساحل لا يلقون أحداً حتى انتهوا إلى موضع الوقعة التي كانت بين المسلمين من أصحاب العلاء، وبين أهل فارس بالمكان المسمى‏:‏ بطاوس، وإذا خليد بن المنذر ومن معه من المسلمين محصورون قد أحاط بهم العدو من كل جانب، وقد تداعت عليهم تلك الأمم من كل وجه، وقد تكاملت أمداد المشركين، ولم يبق إلا القتال‏.‏
فقدم المسلمون إليهم في أحوج ما هم فيه إليهم، فالتقوا مع المشركين رأساً، فكسر أبو سبرة المشركين كسرة عظيمة، وقتل منهم مقتلة عظيمة جداً، وأخذ منهم أموالاً جزيلةً باهرةً، واستنقذ خليداً ومن معه من المسلمين من أيديهم، وأعز به الإسلام وأهله، ودفع الشرك وذله، ولله الحمد والمنة‏.‏
ثم عادوا إلى عتبة بن غزوان إلى البصرة‏.‏
ولما استكمل عتبة فتح تلك الناحية، استأذن عمر في الحج فأذن له، فسار إلى الحج، واستخلف على البصرة أبا سبرة بن أبي رهم واجتمع بعمر في الموسم، وسأله أن يقيله فلم يفعل، وأقسم عليه عمر ليرجعن إلى عمله‏.‏
فدعا عتبة الله عز وجل فمات ببطن نخلة، وهو منصرف من الحج فتأثر عليه عمر، وأثنى عليه خيراً، وولى بعده بالبصرة المغيرة بن شعبة، فوليها بقية تلك السنة والتي تليها، لم يقع في زمانه حدث، وكان مرزوق السلامة في عمله‏.‏
ثم وقع الكلام في تلك المرأة من أبي بكرة، فكان أمره ما قدمنا‏.‏
ثم بعث إليها أبا موسى الأشعري والياً عليها رضي الله عنهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 98‏)‏
ذكر فتح تستر ثانية وأسر الهرمزان وبعثه إلى عمر بن الخطاب
قال ابن جرير‏:‏ كان ذلك في هذه السنة في رواية سيف بن عمر التميمي‏.‏
وكان سبب ذلك‏:‏ أن يزدجرد كان يحرض أهل فارس في كل وقت، ويؤنبهم بملك العرب بلادهم وقصدهم إياهم في حصونهم، فكتب إلى أهل الأهواز وأهل فارس، فتحركوا وتعاهدوا وتعاقدوا على حرب المسلمين، وأن يقصدوا البصرة‏.‏
وبلغ الخبر إلى عمر، فكتب إلى سعد - وهو بالكوفة -‏:‏ أن ابعث جيشاً كثيفاً إلى الأهواز مع النعمان بن مقرن وعجل وليكونوا بإزاء الهرمزان، وسمى رجالاً من الشجعان الأعيان الأمراء يكونون في هذا الجيش، منهم
‏:‏ جرير بن عبد الله البجلي، وجرير بن عبد الله الحِمْيَري، والنعمان بن مقرن، وسويد بن مقرن، وعبد الله بن ذي السهمين‏.‏
وكتب عمر إلى أبي موسى وهو بالبصرة‏:‏ أن ابعث إلى الأهواز جنداً كثيفاً، وأمر عليهم سهيل بن عدي، وليكن معه البراء بن مالك، وعاصم بن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن ثور، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، وعبد الرحمن بن سهل، والحصين بن معبد‏.‏
وليكن على أهل الكوفة، وأهل البصرة جميعاً أبو سبرة بن أبي رهم، وعلى كل من أتاه من المدد‏.‏
قالوا‏:‏ فسار النعمان بن مقرن بجيش الكوفة، فسبق البصريين فانتهى إلى رامهرمز، وبها الهرمزان، فخرج إليه الهرمزان في جنده ونقض العهد بينه وبين المسلمين، فبادره طمعاً أن يقتطعه قبل مجيء أصحابه من أهل البصرة رجاء أن ينصر أهل فارس‏.‏
فالتقى معه النعمان بن مقرن بأربل فاقتتلا قتالاً شديداً، فهزم الهرمزان وفر إلى تستر، وترك رامهرمز فتسلمها النعمان عنوةً وأخذ ما فيها من الحواصل، والذخائر، والسلاح، والعدد‏.‏
فلما وصل الخبر إلى أهل البصرة بما صنع الكوفيون بالهرمزان، وأنه فر فلجاً إلى تستر، ساروا إليها، ولحقهم أهل الكوفة حتى أحاطوا بها فحاصروها جميعاً، وعلى الجميع أبو سبرة، فوجدوا الهرمزان قد حشد بها خلقاً كثيراً وجماً غفيراً‏.‏
وكتبوا إلى عمر في ذلك، وسألوه أن يمدهم، فكتب إلى أبي موسى‏:‏ أن يسير إليهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 99‏)‏
فسار إليهم - وكان أمير أهل البصرة - واستمر أبو سبرة على الإمرة على جميع أهل الكوفة والبصرة، فحاصرهم أشهراً، وكثر القتل من الفريقين، وقتل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك يومئذ مائة مبارز، سوى من قتل غير ذلك، وكذلك فعل كعب بن ثور، ومجزأة بن ثور، وأبو يمامة، وغيرهم من أهل البصرة‏.‏
وكذلك أهل الكوفة قتل منهم جماعة مائة مبارزة كحبيب بن قرة، وربعي بن عامر، وعامر بن عبد الأسود، وقد تزاحفوا أياماً متعددة، حتى إذا كان في آخر زحف، قال المسلمون للبراء بن مالك - وكان مجاب الدعوة -‏:‏ يا براء، أقسم على ربك ليهزمنهم لنا‏.‏
فقال‏:‏ اللهم اهزمهم لنا، واستشهدني‏.‏
قال‏:‏ فهزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم واقتحموها عليهم، ولجأ المشركون إلى البلد فتحصنوا به وقد ضاقت بهم البلد، وطلب رجل من أهل البلد الأمان من أبي موسى فأمنه، فبعث يدل المسلمين على مكان يدخلون منه إلى البلد، وهو من مدخل الماء إليها، فندب الأمراء الناس إلى ذلك، فانتدب رجال من الشجعان والأبطال‏.‏
وجاؤوا فدخلوا مع الماء - كالبط - إلى البلد، وذلك في الليل، فيقال‏:‏ كان أول من دخلها عبد الله بن مغفل المزني، وجاؤا إلى البوابين فأناموهم وفتحوا الأبواب، وكبر المسلمون فدخلوا البلد، وذلك في وقت الفجر إلى أن تعالى النهار‏.‏
ولم يصلوا الصبح يومئذ إلا بعد طلوع الشمس - كما حكاه البخاري عن أنس بن مالك قال‏:‏ شهدت فتح تستر، وذلك عند صلاة الفجر، فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح إلا بعد طلوع الشمس، فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمر النعم‏.‏
احتج بذلك البخاري لمكحول والأوزاعي في ذهابهما إلى جواز تأخير الصلاة لعذر القتال‏.‏
وجنح إليه، البخاري واستدل بقصة الخندق في قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏‏(‏شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً‏)‏‏)‏
وبقوله يوم بني قريظة‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة‏)‏‏)‏‏.‏
فأخرها فريق من الناس إلى بعد غروب الشمس، ولم يعنفهم، وقد تكلمنا على ذلك في غزوة الفتح‏.‏
والمقصود‏:‏ أن الهرمزان لما فتحت البلد لجأ إلى القلعة فتبعه جماعة من الأبطال ممن ذكرنا وغيرهم، فلما حصروه في مكان من القلعة ولم يبق إلا تلافه أو تلافهم، قال لهم بعد ما قتل البراء بن مالك، ومجزأة بن ثور رحمهما الله‏:‏ إن معي جعبة فيها مائة سهم، وإنه لا يتقدم إلى أحد منكم إلا رميته بسهم فقتلته، ولا يسقط لي سهم إلا في رجل منكم، فماذا ينفعكم إن أسرتموني بعد ما قتلت منكم مائة رجل ‏؟‏‏.‏
قالوا‏:‏ فماذا تريد ‏؟‏‏.‏
قال‏:‏ تؤمنوني، حتى أسلمكم يدي، فتذهبوا بي إلى عمر بن الخطاب، فيحكم فيَّ كما يشاء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 100‏)‏
فأجابوه إلى ذلك، فألقى قوسه ونشابه، وأسروه فشدوه وثاقاً، وأرصدوه ليبعثوه إلى أمير المؤمنين عمر، ثم تسلموا ما في البلد من الأموال والحواصل، فاقتسموا أربعة أخماسه، فنال كل فارس ثلاثة آلاف، وكل راجل ألف درهم‏.‏
فتح السويس
ثم ركب أبو سبرة في طائفة من الجيش، ومعه أبو موسى الأشعري، والنعمان بن مقرن، واستصحبوا معهم الهرمزان، وساروا في طلب المنهزمين من الفرس حتى نزلوا على السوس، فأحاطوا بها‏.‏
وكتب أبو سبرة إلى عمر، فجاء الكتاب بأن يرجع أبو موسى إلى البصرة، وأمر عمر زر بن عبد الله بن كليب العقيمي - وهو صحابي - أن يسير إلى جندسابور‏.‏ فسار‏.‏
ثم بعث أبو سبرة بالخمس، وبالهرمزان مع وفد فيهم أنس بن مالك، والأحنف بن قيس، فلما اقتربوا من المدينة هيؤا الهرمزان بلبسه الذي كان يلبسه من الديباج والذهب المكلل بالياقوت واللآلئ‏.‏
ثم دخلوا المدينة وهو كذلك، فتيمموا به منزل أمير المؤمنين، فسألوا عنه فقالوا‏:‏ إنه ذهب إلى المسجد بسبب وفد من الكوفة، فجاؤا المسجد فلم يروا أحداً فرجعوا، فإذا غلمان يلعبون فسألوهم عنه، فقالوا‏:‏ إنه نائم في المسجد متوسداً برنساً له‏.‏
فرجعوا إلى المسجد، فإذا هو متوسد برنساً كان قد لبسه للوفد، فلما انصرفوا عنه توسد البرنس ونام وليس في المسجد غيره، والدرة معلقة في يده‏.‏
فقال الهرمزان‏:‏ أين عمر‏؟‏
فقالوا‏:‏ هو ذا‏.‏
وجعل الناس يخفضون أصواتهم لئلا ينبهوا‏.‏
وجعل الهرمزان يقول‏:‏ وأين حجابه‏؟‏ أين حرسه‏؟‏
فقالوا‏:‏ ليس له حجاب، ولا حرس، ولا كاتب، ولا ديوان‏.‏
فقال‏:‏ ينبغي أن يكون نبياً‏.‏
فقالوا‏:‏ بل يعمل عمل الأنبياء‏.‏
وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة، فاستوى جالساً، ثم نظر إلى الهرمزان فقال‏:‏ الهرمزان‏؟‏
قالوا‏:‏ نعم، فتأمله وتأمل ما عليه، ثم قال‏:‏ أعوذ بالله من النار، وأستعين بالله‏.‏
ثم قال‏:‏ الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غدارة‏.‏
فقال له الوفد‏:‏ هذا ملك الأهواز فكلمه‏.‏
فقال‏:‏ لا حتى لا يبقى عليه من حليته شيء‏.‏
ففعلوا ذلك، وألبسوه ثوباً صفيقاً، فقال عمر‏:‏ يا هرمزان، كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله‏؟‏
فقال‏:‏ يا عمر إنا وإياكم في الجاهلية، كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم، إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا‏.‏
فقال عمر‏:‏ إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا‏.‏
ثم قال‏:‏ ما عذرك، وما حجتك في إنقاضك مرة بعد مرة‏؟‏
فقال‏:‏ أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك‏.‏
قال‏:‏ لا تخف ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 101‏)‏
فاستسقى الهرمزان ماء فأتي به في قدح غليظ، فقال‏:‏ لو مت عطشاً لم أستطع أن أشرب في هذا، فأتي به قدح آخر يرضاه، فلما أخذه جعلت يده ترعد، وقال‏:‏ إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب ‏؟‏
فقال عمر‏:‏ لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأه‏.‏
فقال عمر‏:‏ أعيدوه عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش‏.‏
فقال‏:‏ لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأنس به‏.‏
فقال له عمر‏:‏ إني قاتلك‏؟‏
فقال‏:‏ إنك أمنتني ‏؟‏
قال‏:‏ كذبت‏.‏
فقال أنس‏:‏ صدق يا أمير المؤمنين‏.‏
فقال عمر‏:‏ ويحك يا أنس، أنا أؤمن من قبل مجزأة والبراء‏؟‏ لتأتيني بمخرج وإلا عاقبتك‏.‏
قال قلت‏:‏ لا بأس عليك، حتى تخبرني‏.‏
وقلت‏:‏ لأباس عليك حتى تشربه‏.‏
وقال له من حوله مثل ذلك‏.‏
فأقبل على الهرمزان فقال‏:‏ خدعتني، والله لا أنخدع إلا أن تسلم، فأسلم، ففرض له في ألفين، وأنزله المدينة‏.‏
وفي رواية‏:‏ إن الترجمان بين عمر وبين الهرمزان كان المغيرة بن شعبة، فقال له عمر‏:‏ قل له من أي أرض أنت‏؟‏
قال‏:‏ مهرجاني‏.‏
قال‏:‏ تكلم بحجتك‏.‏
فقال‏:‏ أكلام حي أم ميت‏؟‏
قال‏:‏ بل كلام حي‏.‏
فقال‏:‏ قد أمنتني‏.‏
فقال‏:‏ خدعتني ولا أقبل ذلك إلا أن تسلم، فأسلم، ففرض له في ألفين، وأنزله المدينة، ثم جاء زيد فترجم بينهما أيضاً‏.‏
قلت‏:‏ وقد حسن إسلام الهرمزان، وكان لا يفارق عمر حتى قتل عمر، فاتهمه بعض الناس بمملأة أبي لؤلؤة هو وجفينة، فقتل عبد الله بن عمر الهرمزان وجفينة على ما سيأتي تفصيله‏.‏
وقد روينا‏:‏ أن الهرمزان لما علاه عبيد الله بالسيف قال‏:‏ لا إله إلا الله، وأما جفينه‏:‏ فصلب على وجهه‏.‏
والمقصود‏:‏ أن عمر كان يحجر على المسلمين أن يتوسعوا في بلاد العجم خوفاً عليهم من العجم، حتى أشار عليه الأحنف بن قيس بأن المصلحة تقتضي توسعهم في الفتوحات، فإن الملك يزدجرد لا يزال يستحثهم على قتال المسلمين، وإن لم يستأصل شأو العجم، وإلا طمعوا في الإسلام وأهله، فاستحسن عمر ذلك منه وصوبه‏.‏
وأذن للمسلمين في التوسع في بلاد العجم، ففتحوا بسبب ذلك شيئاً كثيراً، ولله الحمد‏.‏
وأكثر ذلك وقع في سنة ثماني عشرة كما سيأتي بيانه فيها‏.‏
ثم نعود إلى فتح السوس، وجندسابور، وفتح نهاوند في قول سيف‏:‏ كان قد تقدم أن أبا سبرة سار بمن معه من علية الأمراء من تستر إلى السوس فنازلها حيناً، وقتل من الفريقين خلق كثير، فأشرف عليه علماء أهلها فقالوا‏:‏ يا معشر المسلمين، لا تتعبوا في حصار هذا البلد، فإنا نأثر فيما نرويه عن قدمائنا من أهل هذا البلد أنه لا يفتحه إلا الدجال، أو قوم معهم الدجال‏.‏
واتفق‏:‏ أنه كان في جيش أبي موسى الأشعري صاف بن صياد، فأرسله أبو موسى فيمن يحاصره، فجاء إلى الباب فدقه برجله فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق، ودخل المسلمون البلد فقتلوا من وجدوا حتى نادوا بالأمان، ودعوا إلى الصلح فأجابوهم إلى ذلك، وكان على السوس شهريار أخو الهرمزان، فاستحوذ المسلمون على السوس، وهو بلد قديم العمارة في الأرض يقال‏:‏ إنه أول بلد وضع على وجه الأرض‏.‏ والله أعلم‏.‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 102‏)‏
وذكر ابن جرير‏:‏ أنهم وجدوا قبر دانيال بالسوس، وأن أبا موسى لما قدم بها بعد مضي أبي سبرة إلى جندي سابور، كتب إلى عمر في أمره، فكتب إليه‏:‏ أن يدفنه وأن يغيب عن الناس موضع قبره ففعل‏.‏
وقد بسطنا ذلك في سيرة عمر ولله الحمد‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ وقال بعضهم‏:‏ أن فتح السوس، ورامهز، وتسيير الهرمزان من تستر إلى عمر في سنة عشرين والله أعلم‏.‏
وكان الكتاب العمري قد ورد‏:‏ بأن النعمان بن مقرن يذهب إلى أهل نهاوند، فسار إليها فمر بماه - بلدة كبيرة قبلها - فافتتحها، ثم ذهب إلى نهاوند ففتحها، ولله الحمد‏.‏
قلت‏:‏ المشهور أن فتح نهاوند إنما وقع في سنة إحدى وعشرين كما سيأتي فيها بيان ذلك، وهي وقعة عظيمة، وفتح كبير، وخبر غريب، ونبأ عجيب‏.‏
وفتح زر بن عبد الله الفقيمي مدينة جندي سابور، فاستوثقت تلك البلاد للمسلمين، هذا وقد تحول يزدجرد من بلد إلى بلد حتى انتهى أمره إلى الإقامة بأصبهان، وقد كان صرف طائفة من أشراف أصحابه قريباً من ثلاثمائة من العظماء عليهم رجل يقال له‏:‏ سياه، فكانوا يفرون من المسلمين من بلد إلى بلد حتى فتح المسلمون تستر واصطخر‏.‏
فقال سياه لأصحابه‏:‏ إن هؤلاء بعد الشقاء والذلة ملكوا أماكن الملوك الأقدمين، ولا يلقون جنداً إلا كسروه، والله ما هذا عن باطل‏.‏ - ودخل في قلبه الإسلام وعظمته - فقالوا له‏:‏ نحن تبع لك‏.‏
وبعث عمار بن ياسر في غضون ذلك يدعوهم إلى الله، فأرسلوا إلى أبي موسى الأشعري بإسلامهم‏.‏
وكتب فيهم إلى عمر في ذلك، فأمره أن يفرض لهم في ألفين ألفين، وفرض لستة منهم في ألفين وخمسمائة، وحسن إسلامهم، وكان لهم نكاية عظيمة في قتال قومهم حتى بلغ من أمرهم أنهم حاصروا حصناً فامتنع عليهم، فجاء أحدهم فرمى بنفسه في الليل على باب الحصن، وضمخ ثيابه بدم، فلما نظروا إليه حسبوا أنه منهم، ففتحوا إليه باب الحصن ليأووه، فثار إلى البواب فقتله، وجاء بقية أصحابه ففتحوا ذلك الحصن، وقتلوا من فيه من المجوس‏.‏
إلى غير ذلك من الأمور العجيبة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏.‏
وذكر ابن جرير‏:‏ أن عمر بن الخطاب عقد الألوية والرايات الكبيرة في بلاد خراسان والعراق لغزو فارس والتوسع في بلادهم، كما أشار عليه بذلك الأحنف بن قيس، فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدها كما سنبينه وننبه عليه، ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 103‏)‏
قال‏:‏ وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ثم ذكر نوابه على البلاد، وهم من ذكر في السنة قبلها غير المغيرة فإن على البصرة بدله أبو موسى الأشعري‏.‏
قلت‏:‏ وقد توفي في هذه السنة أقوام، قيل أنهم توفوا قبلها وقد ذكرناهم، وقيل فيما بعدها، وسيأتي ذكرهم في أماكنهم والله تعالى أعلم‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:05 PM   #130 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
ثم دخلت سنة ثماني عشرة
المشهور الذي عليه الجمهور‏:‏ أن طاعون عمواس كان بها، وقد تبعنا قول سيف بن عمر وابن جرير في إيراده ذلك في السنة التي قبلها، لكنا نذكر وفاة من مات في الطاعون في هذه السنة إن شاء الله تعالى‏.‏
قال ابن إسحاق، وأبو معشر‏:‏ كان في هذه السنة طاعون عمواس، وعام الرمادة، فتفانى فيهما الناس‏.‏
قلت‏:‏ كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، وجاع الناس جوعاً شديداً، وقد بسطنا القول في ذلك في سيرة عمر‏.‏
وسميت عام الرمادة‏:‏ لأن الأرض اسودت من قلة المطر، حتى عاد لونها شبيهاً بالرماد‏.‏
وقيل‏:‏ لأنها تسفى الريح تراباً كالرماد‏.‏
ويمكن أن تكون سميت لكل منها والله أعلم‏.‏
وقد أجدبت الناس في هذا السنة بأرض الحجاز، وجفلت الأحياء إلى المدينة، ولم يبق عند أحد منهم زاد، فلجأوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه مِن الأطعمة والأموال حتى أنفذه، وألزم نفسه أن لا يأكل سمناً ولا سميناً حتى يكشف ما بالناس، فكان في زمن الخصب يبث له الخبز باللبن والسمن، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت والخل، وكان يستمرئ الزيت‏.‏
وكان لا يشبع مع ذلك، فاسود لون عمر رضي الله عنه وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف‏.‏
واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر، ثم تحول الحال إلى الخصب والدعة، وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم‏.‏
قال الشافعي‏:‏ بلغني أن رجلاً من العرب قال لعمر حين ترحلت الأحياء عن المدينة‏:‏ لقد انجلت عنك، ولأنك لابن حرة‏.‏ أي‏:‏ واسيت الناس، وأنصفتهم، وأحسنت إليهم‏.‏
وقد روينا‏:‏ أن عمر عس المدينة ذات ليلة عام الرمادة فلم يجد أحداً يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم ير سائلاً يسأل، فسأل عن سبب ذلك فقيل له‏:‏ يا أمير المؤمنين إن السؤّال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال، والناس في همٍّ وضيق، فهم لا يتحدثون ولا يضحكون‏.‏
فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة‏:‏ أن يا غوثاه لأمة محمد‏.‏
وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر‏:‏ أن يا غوثاه لأمة محمد‏.‏
فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمات، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة، ومن جدة إلى مكة، وهذا الأثر جيد الإسناد، لكن ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة مشكل، فإن مصر لم تكن فتحت في سنة ثماني عشرة، فإما أن يكون عام الرمادة بعد سنة ثماني عشرة، أو يكون ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة وهم‏.‏ والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 104‏)‏
وذكر سيف عن شيوخه‏:‏ أن أبا عبيدة قدم المدينة ومعه أربعة آلاف راحله تحمل طعاماً، فأمره عمر بتفريقها في الأحياء حول المدينة، فلما فرغ من ذلك أمر له بأربعة آلاف درهم، فأبى أن يقبلها، فلح عليه عمر حتى قبلها‏.‏
وقال سيف بن عمرو، عن سهل بن يوسف السلمي، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال‏:‏ كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة، وأول سنة ثماني عشرة، أصاب أهل المدينة وما حولها جوع فهلك كثير من الناس، حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، فكان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الأمصار حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال‏:‏ أنا رسولُ رسول الله إليك، يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لقد عهدتك كيساً، وما زلت على ذلك فما شأنك ‏؟‏‏)‏‏)‏
قال‏:‏ متى رأيت هذا‏؟‏
قال‏:‏ البارحة، فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين، ثم قام فقال‏:‏
أيها الناس‏:‏ أنشدكم الله هل تعلمون مني أمراً غيره خير منه‏.‏
فقالوا‏:‏ اللهم لا‏.‏
فقال‏:‏ إن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية‏.‏
قالوا‏:‏ صدق بلال، فاستغث بالله، ثم بالمسلمين‏.‏
فبعث إليهم - وكان عمر عن ذلك محصوراً - فقال عمر‏:‏ الله أكبر، بلغ البلاء مدته فانكشف‏.‏ ما أذن لقوم في الطلب إلا وقد رفع عنهم الأذى والبلاء‏.‏
وكتب إلى أمراء الأمصار‏:‏ أن أغيثوا أهل المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جهدهم‏.‏
وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشياً، فخطب وأوجز وصلى ثم حثى لركبتيه وقال‏:‏ اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وأرض عنا‏.‏
ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران‏.‏
ثم روى سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن جبير بن صخر، عن عاصم بن عمر بن الخطاب‏:‏ أن رجلاً من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال‏:‏ ليس فيهن شيء‏.‏
فألحوا عليه فذبح شاة فإذا عظامها حمر فقال‏:‏ يا محمداه‏.‏
فلما أمسى أري في المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له‏:‏ أبشر بالحياة، إيت عمر فأقره مني السلام، وقل له إن عهدي بك وفيّ العهد شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر‏.‏
فجاء حتى أتى باب عمر، فقال لغلامه‏:‏ استأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
فأتى عمر فأخبره ففزع، ثم صعد عمر المنبر فقال للناس‏:‏ أنشدكم الله الذي هداكم للإسلام هل رأيتم مني شيئاً تكرهونه‏؟‏
فقالوا‏:‏ اللهم لا‏.‏ وعم ذلك‏؟‏
فأخبرهم بقول المزني - وهو بلال بن الحارث - ففطنوا ولم يفطن‏.‏
فقالوا‏:‏ إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا‏.‏
فنادى في الناس فخطب فأوجز، ثم صلى ركعتين فأوجز، ثم قال‏:‏ اللهم عجزت عنا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عن أنفسنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم اسقنا وأحي العباد والبلاد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 105‏)‏
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي‏:‏ أخبرنا أبو نصر بن قتادة، وأبو بكر الفارسي قالا‏:‏ حدثنا أبو عمر بن مطر، حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك قال‏:‏ أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
فقال‏:‏ يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا‏.‏
فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال‏:‏ إيت عمر، فأقرئه مني السلام، وأخبرهم أنه مسقون، وقل له عليك بالكيس الكيس‏.‏
فأتى الرجل فأخبر عمر، فقال‏:‏ يا رب ما آلوا إلا ما عجزت عنه‏.‏
وهذا إسناد صحيح‏.‏
وقال الطبراني‏:‏ حدثنا أبو مسلم الكشي، حدثنا أبو محمد الأنصاري، ثنا أبي، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس‏:‏ أن عمر خرج يستسقي، وخرج بالعباس معه يستسقي، يقول‏:‏ اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبينا توسلنا إليك بنبينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا صلى الله عليه وسلم‏.‏
وقد رواه البخاري، عن الحسن بن محمد، عن محمد بن عبد الله به، ولفظه عن أنس‏:‏ أن عمر كان إذا قحطوا يستسقي بالعباس بن عبد المطلب فيقول‏:‏ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا‏.‏
قال‏:‏ فيسقون‏.‏
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا - في ‏(‏كتاب المطر‏)‏، وفي كتاب ‏(‏مجابي الدعوة‏)‏ - حدثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا عطاء بن مسلم، عن العمري، عن خوات بن جبير قال‏:‏ خرج عمر يستسقي بهم فصلى ركعتين فقال‏:‏ اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك، فما برح من مكانه حتى مطروا، فقدم أعراب فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين بينا نحن في وادينا في ساعة كذا إذ أظلتنا غمامة فسمعنا منها صوتاً‏:‏ أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص‏.‏
وقال ابن أبي الدنيا‏:‏ ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان، عن مطرف بن طريف، عن الشعبي قال‏:‏ خرج عمر يستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين، ما نراك استسقيت‏.‏
فقال‏:‏ لقد طلبت المطر بمحاديج السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 10-11‏]‏، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏}‏ الآية ‏[‏هود‏:‏ 3‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/106‏)‏
وذكر ابن جرير في هذا السنة من طريق سيف بن عمر، عن أبي المجالد، والربيع، وأبي عثمان، وأبي حارثة، وعن عبد الله بن شبرمة، عن الشعبي قالوا‏:‏ كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب أن نفراً من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار، وأبو جندل بن سهل، فسألناهم فقالوا‏:‏ خيرنا فاخترنا‏.‏
قال‏:‏ فهل أنتم منتهون‏؟‏ ولم يعزم‏.‏
فجمع عمر الناس فأجمعوا على خلافهم، وأن المعنى‏:‏ فهل أنتم منتهون‏؟‏ أي‏:‏ انتهوا‏.‏
وأجمعوا على جلدهم ثمانين ثمانين‏.‏
وأن من تأول هذا التأويل وأصر عليه يقتل‏.‏
فكتب عمر إلى أبي عبيدة‏:‏ أن ادعهم فسلهم عن الخمر، فإن قالوا‏:‏ هي حلال، فاقتلهم، وإن قالوا‏:‏ هي حرام، فاجلدهم‏.‏
فاعترف القوم بتحريمها، فجلدوا الحد وندموا على ما كان منهم من اللجاجة فيما تأولوه، حتى وسوس أبو جندل في نفسه، فكتب أبو عبيدة إلى عمر في ذلك، وسأله أن يكتب إلى أبي جندل ويذكره‏.‏
فكتب إليه عمر بن الخطاب في ذلك‏:‏ من عمر إلى أبي جندل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فتب وارفع رأسك، وابرز ولا تقنط فإن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 53‏]‏‏.‏
وكتب عمر إلى الناس‏:‏ إن عليكم أنفسكم ومن غير فغيروا عليه، ولا تعيروا أحداً فيفشوا فيكم البلاء، وقد قال أبو الزهراء القشيري في ذلك‏:‏
ألم تر أن الدهر يعثر بالفتى * وليس على صرف المنون بقادر
صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي * ولست عن الصهباء يوماً بصابر
رماها أمير المؤمنين بحتفها * فخلانها يبكون حول المقاصر
قال الواقدي وغيره‏:‏ وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حول عمر المقام - وكان ملصقاً بجدار الكعبة - فأخره إلى حيث هو الآن لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين‏.‏
قلت‏:‏ قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد والمنة‏.‏
قال‏:‏ وفيها‏:‏ استقضى عمر شريحاً على الكوفة، وكعب بن سور على البصرة‏.‏
قال‏:‏ وفيها‏:‏ حج عمر بالناس، وكانت نوابه فيها الذين تقدم ذكرهم في السنة الماضية‏.‏
وفيها‏:‏ فتحت الرقة، والرها، وحران، على يدي عياض بن غنم‏.‏
قال‏:‏ وفتحت رأس عين الوردة على يدي عمر بن سعد بن أبي وقاص‏.‏
وقال غيره خلاف ذلك‏.‏
وقال شيخنا الحافظ الذهبي في ‏(‏تاريخه‏)‏‏:‏ وفيها - يعني‏:‏ هذه السنة - افتتح أبو موسى الأشعري الرها وشمشاط عنوة‏.‏
وفي أوائلها‏:‏ وجه أبو عبيدة عياض بن غنيم إلى الجزيرة، فوافق أبا موسى فافتتحا حران، ونصيبين، وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل‏:‏ صلحاً‏.‏
وفيها‏:‏ سار عياض إلى الموصل فافتتحها وما حولها عنوة‏.‏
وفيها‏:‏ بنى سعد جامع الكوفة‏.‏
وقال الواقدي‏:‏ وفيها‏:‏ كان طاعون عمواس، فمات فيه خمسة وعشرون ألفاً‏.‏
قلت‏:‏ هذا الطاعون منسوب إلى بلدة صغيرة يقال لها‏:‏ عمواس - وهي بين القدس والرمله - لأنها كانت أول ما نجم الداء بها، ثم انتشر في الشام منها فنسب إليها، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/107‏)‏
قال الواقدي‏:‏ توفي في عام طاعون عمواس من المسلمين بالشام خمسة وعشرون ألفاً‏.‏
وقال غيره‏:‏ ثلاثون ألفاً‏.‏
وهذا ذكر طائفة من أعيانهم رضي الله عنهم‏.‏
الحارث بن هشام
أخو أبي جهل، أسلم يوم الفتح، وكان سيداً شريفاً في الإسلام كما كان في الجاهلية، استشهد بالشام في هذه السنة في قول، وتزوج عمر بعده بامرأته فاطمة‏.‏
شرحبيل بن حسنة
أحد أمراء الأرباع، وهو أمير فلسطين، وهو شرحبيل بن عبد الله بن المطاع بن قطن الكندي حليف بني زهرة، وحسنة أمه، نسب إليها وغلب عليه ذلك، أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة، وجهزه الصديق إلى الشام، فكان أميراً على ربع الجيش، وكذلك في الدولة العمرية، وطعن هو وأبو عبيدة وأبو مالك الأشعري في يوم واحد سنة ثماني عشرة‏.‏
له حديثان، روى ابن ماجه أحدهما في الوضوء وغيره‏.‏
عامر بن عبد الله بن الجراح
ابن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي، أبو عبيدة بن الجراح الفهري، أمين هذه الأمة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخمسة الذين أسلموا في يوم واحد، وهم‏:‏ عثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح‏.‏
أسلموا على يدي الصديق‏.‏
ولما هاجروا آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن معاذ، وقيل‏:‏ بين محمد بن مسلمة‏.‏
وقد شهد بدراً وما بعدها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح‏)‏‏)‏، ثبت ذلك في الصحيحين‏.‏
وثبت في الصحيحين أيضاً‏:‏ أن الصديق قال يوم السقيفة‏:‏ وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوه - يعني عمر بن الخطاب، وأبا عبيدة -‏.‏
وبعثه الصديق أميراً على ربع الجيش إلى الشام، ثم لما انتدب خالداً من العراق، كان أميراً على أبي عبيدة وغيره لعلمه بالحروب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/108‏)‏
فلما انتهت الخلافة إلى عمر عزل خالداً وولى أبا عبيدة بن الجراح، وأمره أن يستشير خالداً، فجمع للأمة بين أمانة أبي عبيدة وشجاعة خالد‏.‏
قال ابن عساكر‏:‏ وهو أول من سمي أمير الأمراء بالشام‏.‏
قالوا‏:‏ وكان أبو عبيدة طوالاً نحيفاً أجنى معروق الوجه، خفيف اللحية، أهتم، وذلك لأنه لما انتزع الحلقتين من وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد خاف أن يؤلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحامل على ثنيتيه فسقطتا، فما رأى أحسن هتماً منه‏.‏
توفي بالطاعون عام عمواس كما تقدم سياقه في سنة ست عشرة عن سيف بن عمر‏.‏
والصحيح‏:‏ أن عمواس كانت في هذه السنة - سنة ثماني عشرة - بقرية فحل، وقيل‏:‏ بالجابية‏.‏
وقد اشتهر في هذه الأعصار قبر بالقرب من عقبة ينسب إليه والله أعلم‏.‏
وعمره يوم مات‏:‏ ثمان وخمسون سنة‏.‏
الفضل بن عباس بن عبد المطلب
كان حسناً وسيماً جميلاً، أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه يوم النحر من حجة الوداع، وهو شاب حسن، وقد شهد فتح الشام، واستشهد بطاعون عمواس في قول محمد بن سعد، والزبير بن بكار، وأبي حاتم، وابن الرقي وهو الصحيح‏.‏
وقيل‏:‏ يوم مرج الصفر، وقيل‏:‏ بأجنادين‏.‏
ويقال‏:‏ باليرموك سنة ثمان وعشرين‏.‏
ابن عمرو بن أوس بن عابد بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدى بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المدني، صحابي جليل كبير القدر‏.‏
معاذ بن جبل
قال الواقدي‏:‏ كان طوالاً حسن الشعر والثغر، براق الثنايا، لم يولد له‏.‏
وقال غيره‏:‏ بل ولد له ولد وهو عبد الرحمن‏.‏
شهد معه اليرموك‏.‏ وقد شهد معاذ العقبة‏.‏
ولما هاجر الناس آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين ابن مسعود‏.‏
وحكى الواقدي الإجماع على ذلك‏.‏
وقد قال محمد بن إسحاق‏:‏ آخى بينه وبين جعفر بن أبي طالب‏.‏
وشهد بدراً وما بعدها‏.‏ وكان أحد الأربعة من الخزرج الذين جمعوا القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهم‏:‏ أُبيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد عمر بن أنس بن مالك‏.‏
وصح في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من حديث حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن الجيلي، عن الصنابحي، عن معاذ‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ ‏(‏‏(‏يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة‏:‏ اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك‏)‏‏)‏‏.‏
وفي المسند، والنسائي، وابن ماجه من طريق أبي قلابة عن أنس مرفوعاً‏:‏ ‏(‏‏(‏وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل‏)‏‏)‏‏.‏
وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وقال له‏:‏ ‏(‏‏(‏بم تحكم ‏؟‏‏)‏‏)‏
فقال‏:‏ بكتاب الله، وبالحديث‏.‏
وكذلك أقره الصديق على ذلك يعلم الناس الخير باليمن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 109‏)‏
ثم هاجر إلى الشام فكان بها حتى مات بعد ما استخلفه أبو عبيدة حين طعن ثم طعن بعده في هذه السنة‏.‏
وقد قال عمر بن الخطاب‏:‏ إن معاذاً يبعث أمام العلماء بربوة‏.‏
ورواه محمد بن كعب مرسلاً‏.‏
وقال ابن مسعود‏:‏ كنا نشبهه بإبراهيم الخليل‏.‏
وقال ابن مسعود‏:‏ إن معاذاً كان قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين‏.‏
وكانت وفاته شرقي غور بيسان، سنة ثماني عشرة، وقيل‏:‏ سنة تسع عشرة‏.‏
وقيل‏:‏ سبع عشرة، عن ثمان وثلاثين سنة على المشهور‏.‏
وقيل غير ذلك والله أعلم‏.‏
يزيد بن أبي سفيان
أبو خالد صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أخو معاوية، وكان يزيد أكبر وأفضل‏.‏
وكان يقال له‏:‏ يزيد الخير، أسلم عام الفتح، وحضر حنيناً وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل وأربعين أوقية‏.‏
واستعمله الصديق على ربع الجيش إلى الشام، وهو أول أمير وصل إليها، ومشى الصديق في ركابه يوصيه، وبعث معه أبا عبيدة، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، فهؤلاء أمراء الأرباع‏.‏
ولما افتتحوا دمشق دخل هو من باب الجابية الصغير عنوة كخالد في دخوله من الباب الشرقي عنوة، وكان الصديق قد وعده بإمرتها، فوليها عن أمر عمر وأنفذ له ما وعده الصديق، وكان أول من وليها من المسلمين‏.‏
المشهور‏:‏ أنه مات في طاعون عمواس كما تقدم‏.‏
وزعم الوليد بن مسلم‏:‏ أنه توفي سنة تسع عشرة بعد ما فتح قيسارية‏.‏
ولما مات كان قد استخلف أخاه معاوية على دمشق، فأمضى عمر بن الخطاب له ذلك رضي الله عنهم، وليس في الكتب شيء‏.‏
وقد روى عنه أبو عبد الله الأشعري‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏مثل الذي يصلي ولا يتم ركوعه ولا سجوده مثل الجائع الذي لا يأكل إلا التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئاً‏)‏‏)‏‏.‏
أبو جندل بن سهيل
ابن عمرو، وقيل‏:‏ اسمه العاص‏.‏
أسلم قديماً، وقد جاء يوم صلح الحديبية مسلماً يوسف في قيوده لأنه كان قد استضعف فرده أبوه وأبى أن يصالح حتى يرد، ثم لحق أبو جندل بأبي بصير إلى سيف البحر، ثم هاجر إلى المدينة وشهد فتح الشام‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/110‏)‏
وقد تقدم أنه تأول آية الخمر ثم رجع، ومات بطاعون عمواس رحمه الله ورضي عنه‏.‏
أبو عبيدة بن الجراح هو عامر بن عبد الله تقدم‏.‏
أبو مالك الأشعري، قيل‏:‏ اسمه كعب بن عاصم، قدم مهاجراً سنة خيبر مع أصحاب السفينة، وشهد ما بعدها، واستشهد بالطاعون عام عمواس هو وأبو عبيدة ومعاذ في يوم واحد رضي الله عنهم أجمعين‏.‏
ثم دخلت سنة تسع عشرة
قال الواقدي وغيره‏:‏ كان فتح المدائن وجلولاء فيها‏.‏
والمشهور خلاف ما قال كما تقدم‏.‏
وقال محمد ابن إسحاق‏:‏ كان فتح الجزيرة والرها وحران ورأس العين ونصيبين في هذه السنة‏.‏
وقد خالفه غيره‏.‏
وقال أبو معشر وخليفة وابن الكلبي‏:‏ كان فتح قيسارية في هذه السنة وأميرها معاوية، وقال غيره‏:‏ يزيد بن أبي سفيان‏.‏
وقد تقدم أن معاوية افتتحها قبل هذا بسنتين‏.‏
وقال محمد بن إسحاق‏:‏ كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل وفتح مصر في سنة عشرين‏.‏
وقال سيف بن عمر‏:‏ كان فتح قيسارية وفتح مصر في سنة ست عشرة‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ فأما فتح قيسارية فقد تقدم، وأما فتح مصر فإني سأذكره في سنة عشرين إن شاء الله تعالى‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وفي هذه السنة ظهرت نار من حرة ليلاً فأراد عمر أن يخرج بالرجال إليها، ثم أمر المسلمين بالصدقة فطفئت ولله الحمد‏.‏
ويقال‏:‏ كان فيها وقعة أرمينية، وأميرها عثمان بن أبي العاص، وقد أصيب فيها صفوان بن المعطل بن رخصة السلمي ثم الذكواني، وكان أحد الأمراء يومئذ‏.‏
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ما علمت عليه إلا خيراً‏)‏‏)‏ وهو الذي ذكره المنافقون في قصة الإفك فبرأ الله ساحته، وجناب أم المؤمنين زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قالوا‏.‏
وقد كان إلى حين قالوا‏:‏ لم يتزوج ولهذا قال‏:‏ والله ما كشفت كنف أنثى قط‏.‏
ثم تزوج بعد ذلك، وكان كثير النوم ربما غلب عليه عن صلاة الصبح في وقتها، كما جاء في سنن أبي داود وغيره‏.‏
وكان شاعراً ثم حصلت له شهادة في سبيل الله‏.‏
قيل‏:‏ بهذا البلد، وقيل‏:‏ بالجزيرة، وقيل‏:‏ بشمشاط‏.‏ وقد تقدم بعض هذا فيما سلف‏.‏
وفيها‏:‏ فتحت تكريت في قول والصحيح قبل ذلك‏.‏
وفيها فيما ذكرنا‏:‏ أسرت الروم عبد الله بن حذافة‏.‏
وفيها‏:‏ في ذي الحجة منها كانت وقعة بأرض العراق قتل فيها أمير المجوس شهرك، وكان أمير المسلمين يومئذ الحكم بن أبي العاص رضي الله عنه‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ وفيها‏:‏ حج بالناس عمر ونوابه في البلاد وقضاته هم المذكورون قبلها‏.‏ والله أعلم‏.‏
ذكر من توفى فيها من الأعيان‏:‏
وممن توفي فيها من الأعيان أُبيُّ بن كعب سيد القراء، وهو‏:‏ أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو المنذر، وأبو الطفيل الأنصاري النجاري، سيد القراء، شهد العقبة وبدراً وما بعدهما، وكان سيداً جليل القدر‏.‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 111‏)‏
وهو أحد القراء الأربعة الخزرجيين الذين جمعوا القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال لعمر يوماً‏:‏ إني تلقيت القرآن ممن تلقاه منه جبريل وهو رطب‏.‏
وفي المسند، والنسائي، وابن ماجه من طريق أبي قلابة عن أنس مرفوعاً‏:‏ ‏(‏‏(‏أقرأ أمتي أبي بن كعب‏)‏‏)‏‏.‏
وفي الصحيح‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن‏)‏‏)‏‏.‏
قال‏:‏ وسماني لك‏؟‏
قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم‏)‏‏)‏‏.‏
فزرفت عيناه، وقد تكلما على ذلك في التفسير عند سورة‏:‏ ‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏ 1‏]‏‏.‏
قال الهيثم بن عدي‏:‏ توفي أُبيُّ سنة تسع عشرة‏.‏
وقال يحيى بن معين‏:‏ سنة سبع عشرة، أو عشرين‏.‏
وقال الواقدي عن غير واحد‏:‏ توفي سنة ثنتين وعشرين‏.‏
وبه قال أبو عبيد وابن نمير وجماعة‏.‏
وقال الفلاس وخليفة‏:‏ توفي في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏
وفيها‏:‏ مات خباب مولى عتبة بن غزوان من المهاجرين شهد بدراً وما بعدها، وهو صحابي من السابقين، وصلى عليه عمر‏.‏
ومات فيها صفوان بن المعطل في قول كما تقدم والله أعلم‏.‏
سنة عشرين من الهجرة
قال محمد بن إسحاق‏:‏ فيها كان فتح مصر‏.‏
وكذا قال الواقدي‏:‏ أنها فتحت هي والإسكندرية في هذه السنة‏.‏
وقال أبو معشر‏:‏ فتحت مصر سنة عشرين، وإسكندرية في سنة خمس وعشرين‏.‏
وقال سيف‏:‏ فتحت مصر وإسكندرية في سنة ست عشرة في ربيع الأول منها‏.‏
ورجح ذلك أبو الحسن بن الأثير في ‏(‏الكامل‏)‏ لقصة بعث عمرو الميرة من مصر عام الرمادة، وهو معذور فيما رجحه والله أعلم‏.‏
وفيها‏:‏ كان فتح تستر في قول طائفة من علماء السير بعد محاصرة سنتين وقيل‏:‏ سنة ونصف‏.‏ والله أعلم‏.‏
صفة فتح مصر عن ابن إسحاق وسيف
قالوا‏:‏ لما استكمل عمر والمسلمون فتح الشام بعث عمرو بن العاص إلى مصر‏.‏
وزعم سيف‏:‏ أنه بعثه بعد فتح بيت المقدس، وأردفه بالزبير بن العوام وفي صحبته بشر بن أرطاة وخارجة بن حذافة، وعمير بن وهب الجمحي‏.‏ فاجتمعا على باب مصر فلقيهم أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف أبو مريام في أهل الثبات، بعثه المقوقس صاحب إسكندرية لمنع بلادهم، فلما تصافوا قال عمرو بن العاص‏:‏ لا تعجلوا حتى نعذر، ليبرز إلى بومريم وأبو مريام راهباً هذه البلاد، فبرزا إليه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 112‏)‏
فقال لهما عمرو بن العاص‏:‏ أنتما راهبا هذه البلاد فاسمعا إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأمره به وأمرنا به محمد صلى الله عليه وسلم، وأدى إلينا كل الذي أمر به، ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الأعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية، وبذلنا له المنعة، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفاظاً لرحمنا منكم، وإن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة‏.‏
ومما عهد إلينا أميرنا استوصوا بالقبطيين خيراً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا بالقبطيين خيراً، لأن له رحماً وذمة‏.‏
فقالوا‏:‏ قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء معروفة شريفة، كانت ابنة ملكنا وكانت من أهل منف، والملك فيهم فأديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ملكهم واغتربوا فلذلك صارت إلى إبراهيم عليه السلام مرحباً به وأهلاً‏.‏
أمَّنَا حتى نرجع إليك، فقال عمرو‏:‏ إن مثلي لا يخدع، ولكني أؤجلكما ثلاثاً لتنظروا ولتناظرا قومكما، وإلا ناجزتكم‏.‏
قالا‏:‏ زدنا، فزادهم يوماً‏.‏
فقالا‏:‏ زدنا، فزادهم يوماً‏.‏ فرجعا إلى المقوقس فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم‏.‏
فقالا لأهل مصر‏:‏ إما نحن فسنجتهد أن ندفع عنكم، ولا نرجع إليهم، وقد بقيت أربعة أيام قاتلوا، وأشار عليهم بأن يبيتوا المسلمين‏.‏
فقال الملأ منهم‏:‏ ما تقاتلون من قوم قتلوا كسرى وقيصر، وغلبوهم على بلادهم‏.‏
فألح الأرطبون في أن يبيتوا للمسلمين، ففعلوا فلم يظفروا بشيء، بل قتل منهم طائفة منهم الأرطبون، وحاصر المسلمون عين شمس من مصر في اليوم الرابع‏.‏ وارتقى الزبير عليهم سور البلد، فلما أحسوا بذلك خرجوا إلى عمرو من الباب الآخر فصالحوه، واخترق الزبير البلد حتى خرج من الباب الذي عليه عمرو، فأمضوا الصلح، وكتب لهم عمرو كتاب أمان‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص ولا يساكنهم النوبة‏.‏
وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح، وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف وعليهم ما حق لصونهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبي بريئة‏.‏
وإن نقص نهرهم من غايته رفع عنهم بقدر ذلك‏.‏
ومن دخل في صلحهم من الروم والنوبة فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثاً ي كل ثلث جباية ثلث ما عليهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 113‏)‏
على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأساً، وكذا وكذا فرساً على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة‏.‏
شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح، واجتمعت الخيول بمصر وعمروا الفسطاط، وظهر أبو مريم، وأبو مريام، فكلما عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة فأبى عمرو أن يردها عليهما، وأمر بطردهما وإخراجهما من بين يديه، فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أمر أن كل سبي أخذ في الخمسة أيام التي أمنوها فيها أن يرد عليهم، وكل سبي أخذ ممن لم يقاتل، وكذلك من قاتل فلا يرد عليه سباياه‏.‏
وقيل‏:‏ إنه أمره أن يخيروا من في أيديهم من السبي بين الإسلام وبين أن يرجع إلى أهله، فمن اختار الإسلام فلا يردوه إليهم، ومن اختارهم ردوه عليهم، وأخذوا منه الجزية‏.‏
وأما ما تفرق من سبيهم في البلاد ووصل إلى الحرمين وغيرهما، فإنه لا يقدر على ردهم، ولا ينبغي أن يصالحهم على ما يتعذر الوفاء به‏.‏
ففعل عمرو ما أمر به أمير المؤمنين، وجمع السبايا وعرضوهم وخيروهم فمنهم من اختار الإسلام، ومنهم من عاد إلى دينه، وانعقد الصلح بينهم‏.‏
ثم أرسل عمرو جيشاً إلى إسكندرية - وكان المقوقس صاحب إسكندرية قبل ذلك يؤدي خراج بلده وبلد مصر إلى ملك الروم - فلما حاصره عمرو بن العاص جمع أساقفتة وأكابر دولته وقال لهم‏:‏ إن هؤلاء العرب غلبوا كسرى وقيصر وأزالوهم عن ملكهم ولا طاقة لنا بهم، والرأي عندي‏:‏ أن نؤدي الجزية إليهم‏.‏
ثم بعث إلى عمرو بن العاص يقول‏:‏ إني كنت أؤدي الخراج إلى من هو أبغض إلي منكم - فارس والروم - ثم صالحه على أداء الجزية، وبعث عمرو بالفتح والأخماس إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏
وذكر سيف‏:‏ أن عمرو بن العاص لما التقى مع المقوقس جعل كثير من المسلمين يفر من الزحف فجعل عمر يزمرهم ويحثهم على الثبات‏.‏
فقال له رجل من أهل اليمن‏:‏ إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد‏.‏
فقال عمرو‏:‏ اسكت، فإنما أنت كلب‏.‏
فقال له الرجل‏:‏ فأنت إذاً أمير الكلاب‏.‏ فأعرض عنه عمرو، ونادى يطلب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اجتمع إليه من هناك من الصحابة قال لهم عمرو‏:‏ تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين‏.‏
فنهدوا إلى القوم ففتح الله عليهم وظفروا أتم الظفر‏.‏
قال سيف‏:‏ ففتحت مصر في ربيع الأول من سنة ست عشرة، وقام فيها ملك الإسلام ولله الحمد والمنة‏.‏
وقال غيره‏:‏ فتحت مصر في سنة عشرين، وفتحت إسكندرية في سنة خمسٍ وعشرين، بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوة، وقيل‏:‏ صلحاً على ثنتي عشر ألف دينار‏.‏
وقد ذكر أن المقوقس سأل من عمرو أن يهادنه أولاً، فلم يقبل عمرو وقال له‏:‏ قد علمتم ما فعلنا بملككم الأكبر هرقل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 114‏)‏
فقال المقوقس لأصحابه‏:‏ صدق فنحن أحق بالإذعان‏.‏ ثم صالح على ما تقدم‏.‏
وذكر غيره‏:‏ أن عمراً والزبير سارا إلى عين شمس فحاصراها، وأن عمراً بعث إلى الفرما أبرهة بن الصباح، وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندرية‏.‏
فقال كل منهما لأهل بلده‏:‏ إن نزلتم فلكم الأمان، فتربصوا ماذا يكون من أهل عين شمس، فلما صالحوا صالح الباقون‏.‏
وقد قال عوف بن مالك لأهل إسكندرية‏:‏ ما أحسن بلدكم ‏؟‏‏.‏
فقالوا‏:‏ إن إسكندر لما بناها قال‏:‏ لأبنين مدينة فقيرة إلى الله غنية عن الناس فبقيت بهجتها‏.‏
وقال أبرهة لأهل الفرما‏:‏ ما أقبح مدينتكم ‏؟‏‏.‏
فقالوا‏:‏ إن الفرما - وهو أخو الإسكندر - لما بناها قال‏:‏ لأبنين مدينة غنية عن الله فقيرة إلى الناس، فهي لا يزال ساقطاً بناؤها فشوهت بذلك‏.‏
وذكر سيف‏:‏ أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما ولي مصر بعد ذلك زاد في الخراج عليهم رءوساً من الرقيق يهدونها إلى المسلمين في كل سنة، ويعوضهم المسلمون بطعام مسمىً وكسوة‏.‏
وأقر ذلك عثمان بن عفان وولاة الأمور بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز فأمضاه أيضاً نظراً لهم، وإبقاءً لعهدهم‏.‏
قلت‏:‏ وإنما سميت ديراً مصر بالفسطاط، نسبة إلى فسطاط عمرو بن العاص، وذلك أنه نصب خيمته وهي الفسطاط موضع مصر اليوم، وبنى الناس حوله وتركت مصر القديمة من زمان عمرو بن العاص وإلى اليوم، ثم رفع الفسطاط وبنى موضعه جامعاً وهو المنسوب إليه اليوم‏.‏
وقد غزا المسلمون بعد فتح مصر النوبة فنالهم جراحات كثيرة، وأصيبت أعين كثيرة لجودة رمي النوبة فسموهم جند الحدق، ثم فتحها الله بعد ذلك وله الحمد والمنة‏.‏
وقد اختلف في بلاد مصر، فقيل‏:‏ فتحت صلحاً إلا الإسكندرية، وهو قول يزيد بن أبي حبيب‏.‏
وقيل‏:‏ كلها عنوة، وهو قول ابن عمر وجماعة‏.‏
وعن عمرو بن العاص‏:‏ أنه خطب الناس فقال‏:‏ ما قعدت مقعدي هذا، ولأحد من القبط عندي عهد إن شئت‏.‏
قلت‏:‏ وإن شئت بعت، وإن شئت خمست إلا لأهل الطابلس فإن لهم عهداً نوفي به‏.‏
قصة نيل مصر
روينا من طريق ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال‏:‏ لما افتتحت مصر آتى أهلها عمرو بن العاص - حين دخل بؤنة من أشهر العجم - فقالوا‏:‏ أيها الأمير، لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها‏.‏
قال‏:‏ وما ذلك ‏؟‏‏.‏
قالوا‏:‏ إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 115‏)‏
فقال لهم عمرو‏:‏ إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله‏.‏
قال‏:‏ فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً حتى هموا بالجلاء‏.‏
فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل‏.‏
فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد‏:‏ فإن كنت إنما تجري من قبلك ومن أمرك فلا تجر فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت إنما تجري بأمر الله الواحد القهار، وهو الذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك‏.‏
قال‏:‏ فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السُّنَّة عن أهل مصر إلى اليوم‏.‏
قال سيف بن عمرو‏:‏ وفي ذي القعدة من هذه السنة - وهي عنده سنة ست عشرة - جعل عمرو المسالح على أرجاء مصر، وذلك لأن هرقل أغزا الشام ومصر في البحر‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة غزا أرض الروم أبو بحرية عبد الله بن قيس العبدي - وهو أول من دخلها فيما قيل - فسلم وغنم، وقيل‏:‏ أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وفيها عزل عمر قدامة بن مظعون عن البحرين، وحده في الشراب‏.‏ وولي على البحرين واليمامة أبا هريرة الدوسي رضي الله عنه‏.‏
قال‏:‏ وفيها‏:‏ شكا أهل الكوفة سعداً في كل شيء، حتى قالوا‏:‏ لا يحسن يصلي، فعزله عنها، وولي عليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان - وكان نائب سعد -‏.‏
وقيل‏:‏ بل ولاها عمرو بن ياسر‏.‏
وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا سفيان، عن عبد الملك سمعه من جابر بن سمرة قال‏:‏ شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر فقالوا‏:‏ إنه لا يحسن يصلي‏.‏
قال الأعاريب‏:‏ والله ما آلو بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر، أردد في الأوليين وأصرف في الأخيرين‏.‏
فسمعت عمر يقول‏:‏ كذا الظن بك يا أبا إسحاق‏.‏
وفي صحيح مسلم‏:‏ أن عمر بعث من يسأل عنه أهل الكوفة فأثنوا خيراً إلا رجلاً يقال له‏:‏ أبو سعدة قتادة بن أسامة قام فقال‏:‏ أما إذا أنشدتنا فإن سعداً لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية، ولا يخرج في السرية‏.‏
فقال سعد‏:‏ اللهم إن كان عبدك هذا قام مقام رياء سمعه فأطل عمره وأدم فقره وعرضه للفتن‏.‏ فأصابته دعوة سعد فكان شيخاً كبيراً يرفع حاجبيه عن عينيه، ويتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن‏.‏
فيقال له في ذلك فيقول‏:‏ شيخ كبير مفتون أصابته دعوة سعد‏.‏
وقد قال عمر في وصيته‏:‏ - وذكره في الستة - فإن أصابت الإمرة سعداً فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ولي، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة‏.‏
قال‏:‏ وفيها‏:‏ أجلى عمر يهود خيبر عنها إلى أذرعات وغيرها‏.‏
وفيها‏:‏ أجلى عمر يهود نجران منها أيضاً إلى الكوفة، وقسم خيبر، ووادي القرى، ونجران بين المسلمين‏.‏
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 116‏)‏
قال‏:‏ وفيها دون عمر الدواوين، وزعم غيره أنه دونها قبل ذلك فالله أعلم‏.‏
قال‏:‏ وفيها‏:‏ بعث عمر علقمة بن مجزر المدجلي إلى الحبشة في البحر فأصيبوا فآلى عمر على نفسه أن لا يبعث جيشاً في البحر بعدها‏.‏
وقد خالف الواقدي في هذا أبو معشر فزعم أن غزوة الحبشة إنما كانت في سنة إحدى وثلاثين - يعني‏:‏ في خلافة عثمان بن عفان - والله أعلم‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وفيها‏:‏ تزوج عمر فاطمة بنت الوليد بن عتبة‏.‏ التي مات عنها الحارث بن هشام في الطاعون‏.‏ وهي‏:‏ أخت خالد بن الوليد‏.‏
قال‏:‏ وفيها‏:‏ مات هلال بدمشق، وأسيد بن الحضير في شعبان، وزينب بنت جحش أم المؤمنين‏.‏ وهي أول من مات من أمهات المؤمنين رضي الله عنها‏.‏
قال‏:‏ وفيها‏:‏ مات هرقل وقام بعده ولده قسطنطين‏.‏
قال‏:‏ وحج بالناس في هذه السنة عمرو ونوابه وقضاته ومن تقدم في التي قبلها‏.‏ سوى من ذكرنا أنه عزل وولي غيره‏.‏
ذكر المتوفين من الأعيان
- أسيد بن الحضير
أسيد بن الحضير بن سماك النصاري الأشهلي من الأوس، أبو يحيى أحد النقباء ليلة العقبة، وكان أبوه رئيس الأوس يوم بعاث، وكان قبل الهجرة بست سنين وكان يقال‏:‏ حضير الكتائب‏.‏
يقال‏:‏ أنه أسلم على يدي مصعب بن عمير‏.‏ ولما هاجر الناس آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن حارثة، ولم يشهد بدرا‏.‏
وفي الحديث الذي صححه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ص قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نِعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أسيد بن الحضير‏)‏‏)‏ وذكر جماعة‏.‏
وقدم الشام مع عمر، وأثنت عليه عائشة، وعلى سعد بن معاذ، وعباد بن بشر رضي الله عنهم‏.‏
وذكر ابن بكير‏:‏ أنه توفي بالمدينة سنة عشرين، وأن عمر حمل بين عموديه وصلى عليه، ودفن بالبقيع، وكذا أرخ وفاته سنة عشرين الواقدي وأبو عبيد وجماعة‏.‏
أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوي
هو وأبوه وجده صحابة، وكان أنيس هذا عيناً لرسول الله يوم حنين، يقال‏:‏ إنه الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها‏)‏‏)‏‏.‏
والصحيح‏:‏ أنه غيره فإن في الحديث‏.‏
فقال لرجل من أسلم فقيل‏:‏ أنه أنيس بن الضحاك الأسلمي‏.‏
وقد مال ابن الأثير إلى ترجيحه والله أعلم‏.‏
له حديث في الفتنة‏.‏
قال إبراهيم بن المنذر‏:‏ توفي في ربيع الأول سنة عشرين‏.‏
بلال بن أبي رباح الحبشي المؤذن مولى أبي بكر
ويقال له‏:‏ بلال بن حمامة وهي‏:‏ أمه‏.‏
أسلم قديماً فعذب في الله فصبر، فاشتراه الصديق فأعتقه شهد بدراً وما بعدها‏.‏
وكان عمر يقول‏:‏ أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا‏.‏ رواه البخاري‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 117‏)‏
ولما شرع الأذان بالمدينة كان هو الذي يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مكتوم يتناوبان، تارة هذا وتارة هذا، وكان بلال ندي الصوت حسنه، فصيحاً‏.‏ وما يروى‏:‏ أن سين بلال عند الله شيناً فليس له أصل‏.‏ وقد أذن يوم الفتح على ظهر الكعبة‏.‏
ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الأذان، ويقال‏:‏ أذن للصديق أيام خلافته، ولا يصح‏.‏
ثم خرج إلى الشام مجاهداً، ولما قدم عمر إلى الجابية أذن بين يديه بعد الخطبة لصلاة الظهر، فانتحب الناس بالبكاء‏.‏
وقيل‏:‏ أنه زار المدينة في غضون ذلك فأذن فبكى الناس بكاء شديداً ويحق لهم ذلك، رضي الله عنهم‏.‏
وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال‏:‏ ‏(‏‏(‏إني دخلت الجنة فسمعت خشف نعليك أمامي فأخبرني بأرجى عمل عملته‏.‏
فقال‏:‏ ما توضأت إلا وصليت ركعتين‏.‏
فقال‏:‏ بذاك‏)‏‏)‏‏.‏
وفي رواية‏:‏ ما أحدثت إلا توضأت، وما توضأت إلا رأيت أن علي أني أصلي ركعتين‏.‏
قالوا‏:‏ وكان بلال آدم شديد الأدمة طويلاً نحيفاً كثير الشعر خفيف العارضين‏.‏
قال ابن بكير‏:‏ توفي بدمشق في طاعون عمواس، سنة ثماني عشرة‏.‏
وقال محمد بن إسحاق وغير واحد‏:‏ توفي سنة عشرين‏.‏
قال الواقدي‏:‏ ودفن بباب الصغير، وله بضع وستون سنة‏.‏
وقال غيره‏:‏ مات بداريا، ودفن بباب كيسان‏.‏
وقيل‏:‏ دفن بداريا‏.‏
وقيل‏:‏ إنه مات بحلب والأول أصح‏.‏ والله أعلم‏.‏
سعيد بن عامر بن خذيم
من أشراف بني جمح، شهد خيبر وكان من الزهاد والعباد، وكان أميراً لعمر على حمص بعد أبي عبيدة، بلغ عمر أنه قد أصابته جراحة شديدة فأرسل إليه بألف دينار، فتصدق بها جميعها، وقال لزوجته‏:‏ أعطيناها لمن يتجر لنا فيها رضي الله عنه‏.‏
قال خليفة‏:‏ فتح هو ومعاوية قيسارية، كل منهما أمير على من معه‏.‏
عياض بن غُنم
أبو سعد الفهري من المهاجرين الأولين، شهد بدراً وما بعدها، وكان سمحاً، جواداً، شجاعاً، وهو الذي افتتح الجزيرة، وهو أول من جاز درب الروم غازياً، واستنابه أبو عبيدة بعده على الشام فأقره عمر عليها إلى أن مات سنة عشرين عن ستين سنة‏.‏
أبو سفيان بن الحارث
أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل‏:‏ اسمه المغيرة‏.‏
أسلم عام الفتح فحسن إسلامه جداً، وكان قبل ذلك من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى دينه ومن تبعه، وكان شاعراً مطيقاً يهجو الإسلام وأهله، وهو الذي رد عليه حسان بن ثابت رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 118‏)‏
ألا أبلغ أبا سفيان عني * مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمداً وأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء
ولما جاء هو وعبد الله بن أبي أمية ليسلما لم يأذن لهما عليه السلام، حتى شفعت أم سلمة لأخيها فأذن له، بلغه أن أبا سفيان هذا قال‏:‏ والله لئن لم يأذن لي لآخذن بيد بني هذا - لولد معه صغير - فلأذهبن فلا يدري، وأذن له ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين أذهب فَرَقَّ حينئذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبه يوم حنين، وكان آخذاً بلجام بغلته يومئذٍ‏.‏
وقد روي‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبه، وشهد له بالجنة، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أرجو أن تكون خلفاً من حمزة‏)‏‏)‏‏.‏
وقد رثى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي بقصيدة ذكرناها فيما سلف وهي التي يقول فيها‏:‏
أرقت فبات ليلي لا يزول * وليل أخ المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك فيما * أصيب المسلمون به قليل
فقد عظمت مصيبتنا وجلت * عشية قيل قد قبض الرسول
فقدنا الوحي والتنزيل فينا * بروح به ويغدو جبرئيل
ذكروا أن أبا سفيان حج، فلما حلق رأسه قطع الحالق ثؤلولا له في رأسه فتمرض منه فلم يزل كذلك حتى مات بعد مرجعه إلى المدينة، وصلى عليه عمر بن الخطاب‏.‏
وقد قيل‏:‏ إن أخاه نوفلاً توفي قبله بأربعة أشهر والله أعلم‏.‏
أبو الهيثم بن التيهان
هو‏:‏ مالك بن مالك بن عسل بن عمرو وبن عبد الأعلم بن عامر بن دعوراً بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، شهد العقبة نقيباً، وشهد بدراً وما بعدها، ومات سنة عشرين‏.‏
وقيل‏:‏ إحدى وعشرين‏.‏
وقيل‏:‏ إنه شهد صفين مع علي‏.‏
قال ابن الأثير وهو الأكثر‏:‏ وقد ذكره شيخنا هنا‏.‏ فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 119‏)‏
زينب بنت جحش
زينب بنت جحش بن رباب الأسدية من أسد خزيمة أول أمهات المؤمنين، وفاة أمها أميمة بنت عبد المطلب، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله زينب، وتكنى‏:‏ أم الحكم، وهي التي زوجه الله بها وكانت تفتخر بذلك على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
فتقول‏:‏ زوجكن أهلوكن وزوجني الله من السماء‏.‏
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا‏}‏ الآية ‏[‏الأحزاب‏:‏ 37‏]‏‏.‏
وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، فلما طلقها تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
قيل‏:‏ كان ذلك في سنة ثلاث‏.‏
وقيل‏:‏ أربع وهو الأشهر‏.‏
وقيل‏:‏ سنة خمس، وفي دخوله عليه السلام بها نزل الحجاب، كما ثبت في الصحيحين عن أنس‏.‏
وهي التي كانت تسمى عائشة بنت الصديق في الجمال والحظوة، وكانت دينة ورعة عابدة كثيرة الصدقة‏.‏ وذاك الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
بقوله‏:‏ ‏(‏‏(‏أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً‏)‏‏)‏ أي‏:‏ بالصدقة، وكانت امرأة صناعاً تعمل بيديها، وتتصدق على الفقراء‏.‏
قالت عائشة‏:‏ ما رأيت امرأة قط خيراً في الدين وأتقى لله وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم أمانة، وصدقة من زينب بن جحش‏.‏
ولم تحج بعد حجة الوداع لا هي ولا سودة، لقوله عليه السلام لأزواجه‏:‏ ‏(‏‏(‏هذه ثم ظهور الحصر‏)‏‏)‏‏.‏
وأما بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكن يخرجن إلى الحج، وقالتا زينب وسودة، والله لا تحركنا بعده دابة‏.‏
قالوا‏:‏ وبعث عمر إليها فرضها اثني عشر ألفاً فتصدقت به في أقاربها، ثم قالت‏:‏ اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد هذا، فماتت في سنة عشرين وصلى عليها عمر‏.‏ وهي أول من صنع لها النعش ودفنت بالبقيع‏.‏
صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول
وهي‏:‏ أم الزبير بن العوام، وهي‏:‏ شقيقة حمزة والمقوم وحجل، أمهم هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة‏.‏
لا خلاف في إسلامها وقد حضرت يوم أحد ووجدت على أخيها حمزة وجداً كثيراً، وقتلت يوم الخندق رجلاً من اليهود جاء فجعل يطوف بالحصن التي هي فيه، وهو فارع حصن حسان، فقالت لحسان‏:‏ أنزل فاقتله فأبى، فنزلت إليه فقتلته، ثم قالت‏:‏ انزل فاسلبه، فلولا أنه رجل لاستلبته‏.‏
فقال‏:‏ لا حاجة لي فيه، وكانت أول امرأة قتلت رجلاً من المشركين، وقد اختلف في إسلام من عداها من عمات النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
فقيل‏:‏ أسلمت أروى وعاتكة‏.‏
قال ابن الأثير وشيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ‏:‏ والصحيح‏:‏ أنه لم يسلم منهن غيرها، وقد تزوجت أولاً بالحارث بن حرب بن أمية‏.‏ ثم خلف عليها العوام بن خويلد، فولدت له الزبير، وعبد الكعبة‏.‏
وقيل‏:‏ تزوج بها العوام بكراً، والصحيح الأول‏.‏
توفيت بالمدينة سنة عشرين عن ثلاث وسبعين سنة، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها، وقد ذكر ابن إسحاق، من توفي غيرها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 120‏)‏
عويم بن ساعدة الأنصاري
شهد العقبتين والمشاهد كلها وهو أول من استنجى بالماء، وفيه نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 108‏]‏ وله روايات‏.‏
توفي هذه السنة بالمدينة‏:‏ بشر بن عمرو بن حنش يلقب‏:‏ بالجاورد، أسلم في السنة العاشرة، وكان شريفاً مطاعاً في عبد القيس، وهو الذي شهد على قدامة بن مظعون‏:‏ أنه شرب الخمر، فعزله عمر عن اليمن وحده قتل الجاورد شهيداً‏.‏
أبو خراشة خويلد بن مرة الهذلي، كان شاعراً مجيداً مخضرماً، أدرك الجاهلية والإسلام وكان إذا جرى سبق الخيل‏.‏
لهشته حية فمات بالمدينة‏.‏

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شهد ومنى... البداية سرقة والنهاية حكم بالقصاص ●~{لّحًنِ أٌلًخَلَوُدُ اخبار 24 ساعة - سبق عاجل من أنحاء العالم 3 06-22-2011 04:50 AM
قصة حب .. البداية والنهاية أكرم الحزمي خواطر , عذب الكلام والخواطر 27 11-15-2007 06:49 AM

الساعة الآن 04:32 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103