تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

معارج القبول إلى علم الأصول.. قراءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-31-2014, 03:25 PM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

معارج القبول إلى علم الأصول.. قراءة







معارج القبول إلى علم الأصول.. قراءة

هذا الكتاب شرح مطول لأرجوزة كان المصنف قد أعدها في أصول الدين تحت عنوان: «سلم الوصول» تتناول توحيد الله، والإيمان به، وأسماء الله وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأركان الإسلام، والكلام على رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بها، ذلك كله في حسن عرض وتبويب، واستيفاء لكثير من نصوص الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح. وقد تعرض الكتاب –كذلك- لاختلاف الفرق الإسلامية، والأحاديث الواردة عن لواء محمد، وأمور يفعلها العامة منها ما هو شرك، وحقيقة السحر، وحكم الساحر، وغير ذلك.

حافظ الحكمي
حافظ بن أحمد بن علي الحكمي فقيه أديب، من علماء (جيزان) بين الحجاز واليمن. ولد في قرية (السلام) التابعة لمدينة المضايا، جنوبي جيزان. سنة (1342هـ) ونشأ بدويا يرعى الغنم ثم قرأ القرآن. ولما بلغ السادسة عشرة بدأ بطلب العلم وهو يواصل رعي غنمه. ثم تفرغ للدراسة فظهر فضله، وألف كتبا طبع أكثرها على نفقة الملك سعود بن عبد العزيز. وتولى النيابة في إدارة مدارس التعليم بسامطة، ثم عين مديرا للمعهد العلمي فيها (1374هـ). واستمر إلى أن توفي بمكة.
سيرة الشيخ حافظ الحكمي

=============



مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ
الشمائل المحمدية كتاب .. قراءة

زاد المعاد في هدي خير العباد.. قراءة
الأدب المفرد .. قراءة

السنن الكبرى.. النسائي.. قراءة
المنتقى من عمل اليوم والليلة.. قراءة
القول المفيد على كتاب التوحيد.. قراءة
محمد بن صالح العثيمين
صفي الرحمن المباركفوري

الرحيق المختوم .. قراءة
مسند الأمام أحمد .. قراءة
الطب النبوي ..قراءة
الإمام ابن قيم الجوزية
الإمام ابن كثير
الشيخ حافظ الحكمي

معارج القبول إلى علم الأصول.. قراءة

=================
=================









القرآن الكريمالروافضخطب ودروسصفة الصلاةما تودُ وتسألُ ؟
مكتبـــة القرآندليل الأعشابقواعد قرآنيةكنز الأعلام الأدوات في اللغة ؟
من التاريخرحلة أمـواج (4)مكتبة بحرجديدجواهر ودرر مجالس رمضان ؟
أروع امرأةفي مدح الرسولتأملات تربويةروابط ممتعــةالبخاري ومسلم ؟
كتاب الطهارة كتاب الصلاةكشكولخير جليسالسيـرة النبوية ؟
سوريا الأبية أضواء البيانإعصارُ حزنٍ الإتصال مجانيقد ينفذ صبـري ؟
الاداب الشرعية تجميع العطاء فضائل خُلقت فريداًأعمال القلوب ؟
سطور لابن القيممحاسن الأخلاقوطن الشموخ الأسماكشخصيتك هنا ؟
اختبار الذكاء أنهار العالمإيـــداع قلبأيُ قلبٍ تملكيهِالست من شوال ؟
ثقافات صادووه ح(1) قطوف بلاد الشامالنمل أسرار ؟
شمائل محمدية عاشوراء تحديد مستوى (Quote) الصحابة ؟
العيد ذكــــرى السرطان ملف الخيل العربية جسم الإنسان (2013 ) ؟
السنن الكبرى زاد المعاد الاستيعاب المنتقى القول المفيد ؟
الرحيق المختوم
مسند أحمد الطب النبوي معارج القبول 4 ؟
5
6 6 6 6 ؟




قال النبي صلى الله عليه وسلم : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا.. وقال صلى الله عليه وسلم: أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإنّ أحدَكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفَه.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام بعشرِ آياتٍ لم يُكتَب من الغافلين ، ومن قام بمائة آيةٍ كُتِبَ من القانتين ، ومن قام بألف آيةٍ كُتِبَ من المُقَنْطَرِينَ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رَحِمَ الله أمرأً صلى قبل العصر أربعاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى في اليوم والليلة أثني عشرة ركعةً تطوعاً ، بنى الله له بيتاً في الجنة.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُعجزُ أحدكم ، أن يكسِبَ كل يومٍ ألف حسنةٍ ؟ يسبح الله مائة تسبيحةٍ، فيكتُبُ اللهُ له بها ألف حسنةٍ ، أو يحُطُّ عنهُ بها ألف خطيئةٍ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكَّل به: آمين ولك بمثله.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذبَّ عن عِرْضِ أخيه بالغَيْبة ، كان حقاً على اللهِ أن يُعْتِقَهُ من النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان سهلاً هيناً ليناً ، حرَّمه الله على النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الجنَّة غُرفاً يُرى ظاهرُها منْ باطنِها ، وباطنُها من ظاهرِها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعمَ الطَّعامَ ، وألانَ الكلامَ ، وتابع الصِّيامَ ، وصلى بالليلِ ، والناسُ نيام.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عاد مريضاً ، أو زار أخاً له في الله ، ناداه منادٍ :أن طبتَ وطابَ ممشاكَ ، وتبوَّأتَ من الجنةِ منزلاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمنْ وجَدَ في صحيفتِهِ استِغفاراً كثيراً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استَغْفرَ للمؤمنينَ والمؤمناتِ ، كتبَ الله له بكلِّ مُؤمنٍ ومؤمنةٍ حسنة.
=============
اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب.









التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 01-31-2014 الساعة 03:32 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 03:28 PM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
سُلَّمُ الوُصُول إلى عِلْم الأصُول في توحيد الله واتِّباع الرَّسُول، صلى الله عليه وسلم‏.‏
المجلد الأول
بسم الله الرحمن الرحيم

‏[‏مقدمة النظم‏]‏
أَبْدَأُ باسْمِ الله مُسْتَعِينَا *** رَاضٍ بهِ مُدَبِّرًا مُعِينَا
والْحَمْدُ لله كَمَا هَدَانَا *** إلى سَبيلِ الحَقِّ واجْتَبَانا
أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشكُرُهْ *** وَمِن مَسَاوِي عَمَلِي أَسْتَغفِرُهْ
وأَسْتَعِينُهُ عَلى نيْلِ الرِّضَا *** وأَسْتَمِدُّ لُطفَهُ في مَا قَضَى
وبعدُ إِني بالْيقِينِ أشهد *** شَهَادَةَ الإِخلاصِ أَنْ لا يُعْبَدْ
بِالْحقِّ مأْلُوهٌ سِوَى الرَّحْمنِ *** مَنْ جَلَّ عَنْ عَيْبٍ وَعَنْ نُقْصَانِ
وأَنَّ خيْرَ خلْقِهِ محَمَّدا *** مَنْ جاءَنَا بالْبَيِّنَات والْهُدَى
رسوله إلى جَمِيعِ الْخَلْقِ *** بالنُّورِ والْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا وَمجَّدا *** واْلآلُ وَالْصَّحْبُ دَوَاماً سَرْمَدَا
وَبَعْدُ هَذَا النَّظمُ فِي الأُصولِ *** لِمَنْ أَرَادَ منْهَجَ الرَّسُول
سَأَلَنِي إيَّاهُ مَنْ لا بُدَّ لِي *** منِ امْتِثَالِ سُؤلْهِ الْمُمْتَثَل
فَقُلْتُ مَعْ عَجْزي وَمعْ إِشفَاقِي *** مُعْتَمِداً على الْقَدِيرِ الْبَاقِي

مقدمة تعرّف العبد بما خُلِق له، وبأول ما فرض الله تعالى عليه، وبما أخذ الله عليه الميثاق في ظهر أبيه آدم، وبما هو صائر إليه
اعْلَمْ بأَنَّ الله جَل وَعَلا *** لَمْ يَتْرُكِ الْخَلْقَ سُدًى وَهَمَلاَ
بَلْ خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ *** وَبالإِلهِيَّةِ يُفردُوهُ
أَخْرَجَ فيمَا قَدْ مَضَى مِن ظَهْرِ *** آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ كَالذَّرِّ
وَأخَذَ الْعَهْدَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ *** لا رَبَّ معْبُودٌ بحقٍّ غَيْرَهُ
وَبَعْدَ هذَا رُسْلَهُ قَدْ أَرْسَلا *** لَهُمْ وَبالْحَقِّ الْكِتَابَ أَنْزَلا
لِكَيْ بِذَا الْعَهدِ يُذَكِّرُوهُمْ *** وَيُنذِرُوهُمْ وَيُبَشِّرُوهُمْ
كَيْ لَا يَكُونَ حُجةٌ لِلنَّاسِ بَلْ *** لله أَعْلَى حُجَّةٍ عَزَّ وَجَلْ
فَمَنْ يُصَدِّقْهُمْ بِلا شِقَاقِ *** فَقَدْ وَفَى بِذَلِكَ الْمِيثَاقِ
وَذَاكَ ناجٍ مِن عَذَابِ النَّارِ *** وَذَلِكَ الْوَارِثُ عُقبَى الدَّارِ
وَمَنْ بِهِمْ وَبالْكِتَابِ كَذَّبَا *** وَلاَزَمَ الإِعْرَاضَ عَنْهُ والإِبَا
فَذَاكَ نَاقِضٌ كِلاَ الْعَهْدَيْنِ *** مُسْتَوْجِبٌ لِلخِزْيِ في الدَّارَيْنِ

فصل‏:‏ في كون التوحيد ينقسم إلى نوعين، وبيان النوع الأول، وهو توحيد المعرفة والإثبات
أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلى الْعَبِيدِ *** مَعْرِفَةُ الرَّحْمنِ بالتَّوْحِيدِ
إذْ هُوَ مِن كُلِّ الأَوَامِر اعْظَمُ *** وَهْوَ نَوْعَانِ أَيَا مَن يَفْهَمُ
إِثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلاَ *** أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى صِفَاتِهِ الْعُلَى
وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْجَلِيلُ الأَكْبَرُ *** الْخَالِقُ الْبَارئُ وَالْمُصَوِّرُ
بَارِي الْبَرَايَا مُنشِئُ الْخَلاَئِقِ *** مُبْدِعُهُمْ بلا مِثَالٍ سَابِقِ
الأَوَّلُ الْمُبْدِي بلاَ ابْتِدَاءِ *** والآخِرُ الْبَاقِي بِلاَ انْتِهَاءِ
الأَحَدُ الْفَرْدُ الْقَدِيرُ الأَزَلِيّ *** الصَّمَدُ الْبَرُّ الْمُهَيْمِنُ الْعَلِيّ
عُلُوَّ قَهْرٍ وَعُلُوَّ الشَّانِ *** جَلَّ عَنِ الأَضْدادِ وَالأَعْوَانِ
كَذَا لَهُ الْعُلوُّ وَالْفَوْقِيّةْ *** عَلَى عِبَادِهِ بِلاَ كَيْفِيَّةْ
وَمَعَ ذَا مُطَّلِعٌ إِلَيْهمُ *** بِعِلمِهِ مهَيْمِنٌ عَلَيْهِمُ
وَذِكرُهُ لِلقُرْبِ وَالْمَعِيَّةْ *** لَمْ يَنْفِ لِلْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيةْ
فَإِنَّهُ الْعلِيُّ فِي دُنُوِّهِ *** وَهْوَ الْقَرِيبُ جَلَّ فِي عُلُوِّهِ
حَيٌّ وَقَيُّومٌ فَلا يَنَامُ *** وَجَلَّ أَنْ يُشْبِههُ الأَنَامُ
لاَ تَبْلُغُ الأَوْهَامُ كُنْهَ ذَاتِهِ *** وَلاَ يُكَيِّفُ الْحِجَا صِفَاتِهِ
باقٍ فَلاَ يَفْنَى وَلاَ يَبِيدُ *** وَلاَ يَكُونُ غَيْرَ مَا يُرِيدُ
مُنفَرِدٌ بالْخَلْقِ وَالإِرَادَةْ *** وَحَاكِمٌ جَلَّ بِمَا أَرَادَهْ
فَمَنْ يَشَأْ وَفَّقَهُ بفَضْلِهِ *** وَمن يَشَأْ أَضَلَّهُ بِعَدْلِهِ
فَمِنْهُمُ الشَّقِيُّ وَالسَّعِيدُ *** وَذَا مُقَرَّبٌ وَذَا طَريدُ
لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ قَضَاهَا *** يَسْتَوْجبُ الْحَمْدَ عَلَى اقتِضَاهَا
وَهْوَ الَّذِي يَرَى دَبِيبَ الذَرِّ *** فِي الظُّلُمَاتِ فَوْقَ صُمِّ الصَّخْرِ
وَسَامِعٌ لِلْجَهْرِ وَالإِخفَاتِ *** بِسَمْعِهِ الْوَاسِعِ لِلأَصْوَاتِ
وَعِلْمُهُ بمَا بَدَا وَمَا خَفِي *** أَحَاطَ عِلما بالْجَلِيِّ وَالْخَفِي
وَهْوَ الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ سبْحَانَهُ *** جَلَّ ثَنَاؤُهُ تعالى شَانُهُ
وَكُلُّ شَيءٍ رِزْقُهُ عَلَيْهِ *** وَكُلُّنَا مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ
كَلَّمَ مُوسَى عَبْدَهُ تَكْلِيمَا *** وَلَمْ يَزَلْ بِخَلْقِهِ عَلِيمَا
كَلاَمُهُ جَلَّ عَنِ الإِحْصَاءِ *** وَالْحَصْرِ وَالنَّفَادِ وَالْفَنَاءِ
لَوْ صَارَ أَقلاَمًا جَمِيعُ الشَّجَر *** وَالْبَحْرُ تُلقَى فِيهِ سَبْعَةُ ابْحُرِ
وَالْخَلْقُ تَكتُبْهُ بكُلِّ آنِ *** فَنَتْ وَلَيْسَ الْقَوْلُ مِنْهُ فَانِ
وَالْقَوْلُ فِي كِتَابِهِ الْمُفَصَّل *** بأَنَّهُ كَلاَمُهُ الْمُنَزَّلْ
عَلَى الرَّسُولِ الْمُصْطَفَى خَيْرِ الوَرَى *** لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلاَ بِمُفْتَرَى
يُحْفَظُ بالْقَلْبِ وَباللِّسَانِ *** يُتْلَى كَمَا يُسْمَعُ بالآذَانِ
كَذَا بِالَابْصَارِ إِلَيْهِ يُنْظَرُ *** وَبالأَيَادِي خَطُّهُ يُسَطَّرُ
وَكُلُّ ذِي مَخلُوقَة حَقِيقَهْ *** دُونَ كَلاَمِ بارئ الْخَلِيقَهْ
جَلَّتْ صِفَاتُ رَبِّنَا الرَّحْمنِ *** عَن وَصْفِهَا بالْخَلْقِ وَالْحَدثَانِ
فَالصوْتُ والأَلْحَانُ صَوْتُ الْقَارِي *** لكنَّمَا الْمَتلُوُّ قَوْلُ الْبَارِي
مَا قَالَهُ لَا يَقبَلُ التَّبْدِيلاَ *** كَلا ولا أَصْدَقُ منهُ قِيلا
وَقَدْ رَوَى الثِّقَاتُ عَن خَيْرِ المَلاَ *** بِأَنَّهُ عز وجل وَعَلاَ
فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَخِيرِ يَنْزِلُ *** يَقُولُ هَلْ مِن تَائِب فَيُقبِلُ
هَلْ مِنْ مُسِيءٍ طالِبٍ لِلْمَغْفِرَةْ *** يَجِدْ كَرِيما قَابِلا لِلْمَعْذِرَةْ
يَمُنُّ بالْخَيْرَاتِ وَالْفَضَائِلْ *** وَيَسْتُرُ الْعَيْبَ وَيُعْطِي السَّائِلْ
وَأَنَّهُ يَجيءُ يَوْمَ الْفَصْلِ *** كَمَا يَشَاءُ لِلْقَضَاءِ الْعَدْلِ
وَأَنهُ يُرَى بِلا إِنْكَارِ *** فِي جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ بالأَبصَارِ
كلٌّ يَرَاهُ رُؤيَةَ العِيَانِ *** كَمَا أَتَى فِي مُحْكَمِ الْقُرآنِ
وَفِي حَدِيثِ سَيِّدِ الأَنَامِ *** مِنْ غَيْرِ مَا شَكٍّ وَلا إِبْهَامِ
رُؤْيَةَ حَقٍّ لَيْسَ يَمْتَرُونَهَا *** كَالشَّمْسِ صَحْوًا لَا سَحَابَ دُونَهَا
وَخُصَّ بالرُّؤيَةِ أَوْلِيَاؤُهُ *** فَضِيلَة وَحُجِبُوا أَعْدَاؤُهُ
وَكلُّ مَا لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ *** أَثْبَتَهَا فِي مُحْكَمِ الآيَاتِ
أَوْ صَحَّ فيمَا قَالَهُ الرَّسُولُ *** فَحَقّهُ التَّسلِيمُ وَالقَبُولُ
نمِرُّهَا صَرِيحَة كَمَا أَتَتْ *** مَعَ اعْتِقَادِنَا لمَا لَهُ اقْتَضَتْ
مِنْ غَيْرِ تَحْرِيف وَلاَ تَعْطِيلِ *** وَغَيْرِ تَكْيِيف وَلاَ تَمْثِيلِ
بَلْ قَوْلُنا قَوْلُ أَئمة الهدَى *** طُوبَى لِمَنْ بهَدْيِهِمْ قَد اهْتدَى
وَسَمِّ ذَا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ *** تَوْحِيدَ إِثْبَاتٍ بِلا تَرْدِيدِ
قَدْ أَفْصَحَ الوَحيُ المُبين عَنْه *** فَالْتَمِسِ الْهُدَى الْمُنِيرَ منهُ
لاَ تَتَّبِعْ أَقوَالَ كلِّ مَارِدِ *** غَاوٍ مُضِلٍّ مَارِق مُعانِدِ
فَلَيْسَ بَعْدَ رَدِّ ذَا التِّبْيَانِ *** مِثْقَالُ ذَرَّة مِنَ الإِيمَان‏.‏

فصل‏:‏ في بيان النوع الثاني من التوحيد، وهو توحيد الطلب والقصد، وأنه هو معنى لا إله إلا الله
هّذَا وَثَانِي نَوْعَي التوْحِيدِ *** إِفْرادُ رَبِّ الْعرْشِ عنْ نَديدِ
أَنْ تَعْبُدَ الله إِلهاً وَاحِدَا *** مُعْتَرِفاً بِحَقِّهِ لَا جَاحِدَا
وَهوَ الَّذي به الإِله أَرْسَلا *** رُسْلَهُ يَدْعُونَ إِلَيْهِ أَولا
وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ والتِّبْيَانَا *** مِن أَجْلِهِ وَفَرَقَ الْفرْقَانَا
وَكلفَ الله الرَّسُولَ الْمُجْتَبى *** قِتَالَ مَن عَنْهُ تَوَلَّى وَأَبَى
حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ خَالِصاً لَهُ *** سِرًّا وَجَهْرا دِقَّهُ وَجِلَّهُ
وَهَكَذَا أُمَّتُهُ قَدْ كُلِّفُوا *** بذَا وَفِي نَصِّ الْكِتَابِ وُصِفُوا
وَقَدْ حَوَتْهُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةْ *** فَهِيَ سَبِيلُ الْفَوزِ وَالسَّعَادَةْ
مَن قَالَهَا مُعْتَقِداً مَعْنَاهَا *** وَكَانَ عَامِلًا بمُقْتَضَاهَا
فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَمَاتَ مُؤمِنَا *** يُبْعَثُ يَوْمَ الْحَشرِ نَاجٍ آمِنَا
فَإِن مَعْنَاهَا الَّذِي عَلَيْهِ *** دَلتْ يَقِينا وَهَدَتْ إِلَيْهِ
أَن لَيْسَ بالْحَقِّ إِلهٌ يُعْبَدُ *** إِلاَّ الإِلهُ الوَاحِدُ الْمُنْفَرِدُ
بِالْخَلقِ وَالرِّزْقِ وَبالتَّدْبِيرِ *** جَلَّ عَنِ الشَّرِيكِ وَالنَّظِيرِ
وَبِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ قَدْ قُيِّدَتْ *** وَفِي نُصُوصِ الوَحْيِ حَقّاً وَرَدَتْ
فَإِنَّهُ لَمْ يَنتَفِعْ قَائِلُهَا *** بالنُّطْقِ إِلاَّ حَيْثُ يَسْتَكْمِلُهَا
الْعِلمُ وَالْيَقِينُ وَالقَبُولُ *** وَالاْنقِيَادُ فَادْرِ مَا أَقُولُ
وَالصِّدْقُ وَالإِخْلاَص وَالْمَحَبَّهْ *** وَفَّقَكَ الله لِمَا أَحَبَّهْ‏.‏

فصل‏:‏ في تعريف العبادة، وذكر بعض أنواعها، وأن من صرف منها شيئاً لغير الله، فقد أشرك
ثمَّ الْعِبَادَةُ هيَ اسْمٌ جَامِعُ *** لِكُلِّ مَا يَرْضَى الإِلهُ السَّامِع
وَفِي الْحَدِيثِ مخها الدُّعَاءُ *** خَوْفٌ تَوَكُّلٌ كَذَا الرجَاءُ
وَرَغْبَة وَرَهْبَةٌ خشوعُ *** وَخَشيَةٌ إِنَابَة خضُوع
وَالاسْتِعَاذَةُ وَالاسْتِعَانَةْ *** كَذَا اسْتغَاثَةٌ بهِ سُبْحَانَهْ
وَالذَّبْحُ وَالنَّذْرُ وَغَيْرُ ذَلِك *** فَافْهَمْ هُدِيتَ أَوْضَحَ الْمَسَالِك
وَصَرفُ بَعْضِهَا لغَيْرِ الله *** شِرْكٌ وَذَاكَ أَقبَحُ المَنَاهِي‏.‏

فصل‏:‏ في بيان ضد التوحيد، وهو الشرك، وأنه ينقسم إلى قسمين‏:‏ أصغر، وأكبر، وبيان كل منهما
وَالشِّرْكُ نَوْعَانِ فَشِرْكٌ أكبَرُ *** بهِ خُلودُ النَّارِ إِذْ لَا يُغْفَرُ
وَهُوَ اتِّخَاذُ الْعَبْدِ غَيْرَ اللهِ *** نِدًّا بهِ مُسَوِّياً مضَاهِي
يَقْصُدُهُ عِنْدَ نُزُولِ الضُّرِّ *** لِجَلْبِ خَيْرٍ أَوْ لدَفْعِ الشرِّ
أَوْ عِنْدَ أَيِّ غَرَضٍ لَا يَقدِرُ *** عَلَيْهِ إِلاَّ المَالِكُ الْمُقتَدِرُ
مَعْ جَعْلِهِ لِذَلِكَ الْمَدْعُوِّ *** أَوِ المُعَظَّمِ أَوِ المَرْجُوِّ
فِي الْغَيْبِ سُلطَاناً بِهِ يَطَّلِعُ *** عَلَى ضَمِيرِ مَنْ إِلَيْهِ يَفْزَعُ
وَالثَّانِ شِرْكٌ أَصْغَرٌ وَهوَ الرِّيَا *** فَسَّرَهُ بِهِ خِتَامُ الأَنْبِيَا
وَمِنهُ إِقسَامٌ بِغَيْرِ البَارِي *** كَمَا أَتَى في مُحكَمِ الأَخْبَار‏.‏

فصل‏:‏ في بيان أمور يفعلها العامة، منها ما هو شرك، ومنها ما هو قريب منه، وبيان حكم الرُّقى والتَّمائم
وَمنْ يَثِقْ بوَدْعَةٍ أَوْ نَابٍ *** أَوْ حَلْقَةٍ أَوْ أَعْيُنِ الذِّئَابِ
أَوْ خيْط أَوْ عُضْوٍ منَ النُّسُورِ *** أَوْ وَتَرٍ أَوْ ترْبَةِ القُبُورِ
لأَيِّ أَمْرٍ كَائِنٍ تَعَلّقهْ *** وَكَلَهُ الله إلى مَا عَلَّقَهْ
ثُم الرُّقَى منْ حُمَةٍ أَوْ عَيْنٍ *** فإِنْ تكُنْ مِنْ خَالِصِ الوَحْيَيْنِ
فَذَاكَ مِنْ هَدْيِ النَّبيِّ وشِرْعَتِهِ *** وَذَاكَ لَا اخْتِلاَفَ فِي سُنِّيَتِهِ
أَمَّا الرُّقَى الْمَجْهُولَةُ الْمَعانِي *** فَذَاكَ وِسْوَاسٌ مِنَ الشيطَانِ
وَفِيهِ قَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ أَنَّهْ *** شِرْكٌ بِلاَ مِرْيَةٍ فَاحْذَرَنَّهْ
إِذْ كُلُّ مَنْ يَقولُهُ لَا يَدْرِي *** لَعَلهُ يَكُونُ مَحْضَ الكُفْرِ
أَوْ هُوَ مِنْ سحْرِ الْيَهُودِ مُقْتَبَسْ *** عَلَى العَوامِ لَبَّسُوهُ فَالْتَبَسْ
فَحذراً ثمَّ حَذَارِ منْهُ *** لَا تَعْرِفِ الْحقَّ وَتَنْأى عَنْهُ
وَفِي التَّمَائِمِ الْمُعَلَّقَاتِ *** إِنْ تَكُ آياتٍ مُبَيِّناتِ
فَالاختلاف وَاقِعٌ بَيْنَ السَّلَفْ *** فَبَعْضُهُم أَجَازَها وَالْبَعْضُ كَفْ
وَإِنْ تَكُنْ مِمَّا سوَى الوحْيَيْنِ *** فَإِنَّهَا شِرْكٌ بِغَيْرِ مَيْنِ
بَلْ إِنَّهَا قَسيْمَةُ الأَزْلاَمِ *** فِي الْبُعدِ عَن سِيمَا أُولى الإِسْلَامِ‏.‏

فصل‏:‏ من الشرك فعل من يتبرك بشجرة أو حجر، أو بقعة أو قبر أو نحوها، يتخذ ذلك المكان عيداً، وبيان أن الزيارة تنقسم إلى سُنية، وبدعية، وشركية‏.‏
هَذَا وَمِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ *** مِنْ غَيْرِ مَا تَرَدُّدٍ أَوْ شَكِّ
مَا يَقْصُدُ الجُهَّالُ مِنْ تَعْظِيمِ مَا *** لَمْ يَأْذَنِ الله بأَنْ يُعَظَّمَا
كَمَنْ يَلُذْ بِبقعَةٍ أَوْ حَجَرِ *** أَوْ قَبْرِ مَيْت أَوْ بِبَعْضِ الشَّجَرِ
مُتَّخِذًا لِذَلِكَ المَكَانِ *** عِيداً كَفِعْلِ عَابِدِي الأَوْثَانِ
ثُمَّ الزِّيَارَةُ عَلَى أَقسَامٍ *** ثَلاثَةٍ يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ
فَإِنْ نَوَى الزَّائِرُ فِيمَا أَضمَرَهْ *** فِي نَفْسِهِ تَذْكِرَةً بِالآخرة
ثم الدُعَا لَهُ وَلِلأَمْواتِ *** بالْعَفْوِ وَالصفْحِ عَنِ الزَّلاَّتِ
وَلَمْ يَكُنْ شَدَّ الرِّحَالَ نَحْوَها *** وَلَمْ يقُل هَجْرًا كَقَوْلِ السُّفَهَا
فَتِلْكَ سُنَّةٌ أَتَتْ صَريحَةْ *** فِي السُّنَنِ الْمُثْبَتَة الصَّحِيحَةْ
أَوْ قَصَدَ الدُّعَاءَ وَالتَّوَسّلاَ *** بِهِمْ إلى الرَّحْمنِ جَلَّ وَعَلاَ
فَبِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ ضَلاَله *** بَعيْدَةٌ عَنْ هَدْيِ ذِي الرِّسَالَةْ
وَإِنْ دَعا الْمَقْبُورَ نَفْسَهُ فَقَدْ *** أَشْرَكَ بِالله الْعَظِيمِ وَجَحَدْ
لَنْ يَقْبَلَ الله تعالى مِنْهُ *** صَرْفاً وَلاَ عَدْلاً فَيَعْفُو عَنْهُ
إذْ كُلُّ ذَنبٍ مُوشكُ الغُفْرانِ *** إِلاَّ اتِّخَاذ النِّدِّ للرحْمنِ

فصل‏:‏ في بيان ما وقع فيه العامة اليوم، ما يفعلون عند القبور، ما يرتكبونه من الشِّرك الصريح والغلوّ المفْرِط في الأموات
وَمَنْ عَلَى الْقبْرِ سِرَاجًا أَوْقَدَا *** أَوِ ابْتَنى عَلَى الضَّرِيحِ مَسْجِدَا
فَإِنَّه مُجَدِّدٌ جِهَارَا *** لِسُنَنِ الْيَهُودِ والنصَارَى
كَمْ حَذَّرَ الْمُختَارُ عَنْ ذَا وَلَعَنْ *** فَاعِلهُ كَمَا رَوَى أَهْلُ السُّنَنْ
بلْ قَدْ نَهَى عَن ارْتِفَاعِ الْقَبْرِ *** وَأَنْ يُزَادَ فِيهِ فَوْقَ الشِّبْر
وَكلُّ قَبْرٍ مُشرِفٍ فَقَدْ أَمَرْ *** بِأَنْ يُسَوَّى هَكَذَا صَحَّ الْخَبَرْ
وحذَّرَ الأُمَّةَ عَنْ إطْرَائِه *** فَغَرَّهُمْ إِبْليسُ باسْتِجْرَائِهِ
فَخَالَفوهُ جَهرةً وَارْتَكَبُوا *** مَا قَدْ نَهَى عَنْهُ وَلَمْ يَجْتَنِبًوا
فَانْظُرْ إِلَيْهِمْ قَدْ غَلوْا وَزَادُوا *** وَرَفَعُوا بنَاءَهَا وَشَادُوا
بالشِّيدِ والآجُرِّ وَالأَحْجَارِ *** لَا سيَّمَا فِي هَذِهِ الأَعْصَارِ
وَلِلْقَنَادِيلِ عَلَيْهَا أَوْقَدُوا *** وَكَمْ لِوَاءٍ فَوْقَهَا قَدْ عَقَدُوا
وَنَصَبُوا الأَعْلاَمَ وَالرَّايَات *** وَافْتَتَنُوا بالأَعْظمِ الرُّفَات
بَلْ نَحَروا فِي سواحِهَا النَّحائِرِ *** فِعْلَ أُولِي التَّسْيِيبِ وَالْبَحَائِرِ
وَالْتَمَسُوا الْحَاجَات مِنْ مَوْتَاهمُ *** وَاتَّخَذُوا إِلهَهُمْ هَوَاهُمُ
قَدْ صَادَهُمْ إِبْلِيسُ فِي فِخَاخه *** بَلْ بَعْضُهُمْ قَدْ صَارَ منْ أَفْرَاخِه
يَدْعوا إلى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ *** بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ وَباللِّسَانِ
فَلَيْتَ شِعْري مَنْ أَبَاحَ ذَلِكْ *** وَأَوْرَطَ الأُمَّةَ فِي المَهَالِكْ
فَيَا شَدِيدَ الطَّوْلِ وَالإِنعَامِ *** إِلَيْكَ نَشْكُو مِحْنَةَ الإِسْلاَمِ‏.‏

فصل‏:‏ في بيان حقيقة السحر وحد الساحر، وأن منه علم التنجيم، وذكر عقوبة من صدّق كاهناً
وَالسحْرُ حَقٌّ وَلَهُ تَأْثِير *** لكِنْ بِما قَدَّرَهُ الْقَدِير
أَعْنِي بِذَا التَّقْدِيرِ مَا قَدْ قَدَّرَهُ *** فِي الْكَوْنِ لَا فِي الشِّرعَةِ الْمُطَهَّرَة
وَاحْكُمْ عَلَى السَّاحِرِ بالتكْفِيرِ *** وَحَدُّهُ الْقَتْلُ بِلاَ نَكِيرِ
كَمَا أَتَى فِي السُّنَّةِ الْمُصَرَّحَةْ *** مِمَّا رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَصَحَّحَهْ
عَنْ جُنْدُب وَهَكَذَا فِي أَثَر *** أَمْرٌ بقَتْلِهِمْ رُوِي عَنْ عُمَر
وَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ عِندَ مَالِكِ *** مَا فِيهِ أَقوَى مُرْشِدٍ للسالِكِ
هَذَا وَمِنْ أَنْوَاعِهِ وَشُعَبِهْ *** عِلْمُ النُّجُومِ فَادْرِ هّذَا وَانْتَبِهْ
وَحِلُّهُ بِالْوَحْيِ نَصّاً يُشْرَعُ *** أَمَّا بِسحْرٍ مِثْله فَيُمْنَعُ
وَمَن يُصَدِّقْ كَاهناً فَقَدْ كَفَرْ *** بِمَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ الْمُعْتَبَرْ‏.‏

فصل‏:‏ يجمع معنى حديث جبريل المشهور في تعليمنا الدين، وأنه ينقسم إلى ثلاث مراتب‏:‏ الإسلام، والإيمان، والإحسان، وبيان أركان كل منها
اعْلَمْ بأَنَّ الدينَ قَوْلٌ وَعَمَلْ *** فَاحْفَظْهُ وَافْهَمْ مَا عَلَيْهِ ذَا اشْتَمَلْ
كَفَاكَ مَا قَدْ قَالَهُ الرَّسُولُ *** إِذْ جَاءَهُ يَسْأَلُهُ جِبْرِيلُ
عَلَى مَرَاتِبٍ ثَلاَثٍ فَصَّلَهْ *** جَاءَتْ عَلَى جَمِيعِهِ مُشتَمِلَةْ
الِاسْلاَمِ وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ *** وَالْكُلُّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَرْكَانِ
فَقَدْ أَتَى الإِسْلاَمُ مَبْنِيٌّ عَلَى *** خَمْسٍ فَحَقِّقْ وَادْرِ مَا قَدْ نُقِلا
أَوَّلُهَا الرُّكْنُ الأَسَاسُ الأَعْظَمُ *** وَهْوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الأَقوَمُ
رُكن الشَّهَادَتَيْنِ فَاثْبُتْ وَاعْتَصِمْ *** بالْعُرْوة الْوُثْقَى الَّتي لَا تَنْفَصِمْ
وَثَانِياً إِقَامَةُ الصلاَةِ *** وَثَالِثاً تَأْدِيَةُ الزَّكَاةِ
وَالرَّابِعُ الصِّيَامُ فَاسْمَعْ وَاتَّبعْ *** وَالْخَامِسُ الحَجُّ عَلَى مَنْ يَسْتَطعْ
فَتِلْكَ خَمْسَةٌ وَلِلإِيمَانِ *** سِتَّةُ أَرْكَانٍ بلاَ نُكْرَانِ
إِيمَانُنَا بالله ذِي الْجَلاَلِ *** وَمَا لَهُ مِنْ صِفَةِ الْكَمَال
وَبالْمَلاَئِكَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَة *** وَكُتْبهِ الْمُنْزَلَةِ الْمُطَهَّرَةْ
وَرُسْلِهِ الهُدَاةِ لِلأَنَامِ *** مِن غَيْرِ تَفْرِيقٍ وَلاَ إِيهَامِ
أَوَّلُهُمْ نُوحٌ بِلاَ شَكٍّ كَمَا *** أَنَّ مُحَمَّداً لَهُمْ قَدْ خَتَمَا
وَخَمْسَةٌ مِنْهُمْ أُولُوا الْعَزْمِ الأُلَى *** فِي سُورَةِ الأَحْزَاب وَالشُّورَى تَلا
وَبالْمَعَادِ أَيْقِنْ بلاَ تَرَدُّدِ *** وَلاَ ادِّعَا عِلْمٍ بوَقْتِ الْمَوْعِدِ
لَكِنَّنَا نُؤْمِنْ مِنْ غَيْرِ امْتِرَا *** بِكُلِّ مَا قَدْ صَحَّ عَنْ خَيْرِ الْوَرَى
مِنْ ذِكْرِ آيَاتٍ تَكُونُ قَبْلَهَا *** وَهِي عَلاَمَاتٌ وَأَشْرَاطٌ لَها
وَيَدْخُلُ الإِيمَانُ بالْمَوْتِ وَمَا *** مِنْ بَعْدِهِ عَلَى الْعِبَادِ حُتِمَا
وَأَنَّ كُلاًّ مُقْعَدٌ مَسْؤُولُ *** مَا الرَّبُّ مَا الدِّينُ وَمَا الرَّسُولُ‏؟‏
وَعِنْدَ ذَا يُثَبِّتُ الْمُهَيْمِنُ *** بِثَابِتِ الْقَولِ الَّذِينَ آمَنُوا
وَيُوقِنُ الْمُرْتَابُ عِنْدَ ذَلِك *** بِأَنَّ مَا مَوْرِدُهُ الْمَهَالِك
وَبِاللِّقَا وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ *** وَبِقِيَامِنَا مِنَ الْقُبُورِ
غُرْلاً حُفَاةً كَجَرَادٍ مُنْتَشِرْ *** يَقُولُ ذُو الْكُفْرَانِ‏:‏ ذَا يَوْمٌ عَسِرْ
وَيُجْمَعُ الْخَلْقُ لِيوْمِ الْفَصْلِ *** جَمِيعُهُمْ عُلْوِيُّهُمْ وَالسُّفْلِي
فِي مَوْقِف يَجِلُّ فِيهِ الْخَطْبُ *** وَيَعْظُمُ الْهَوْلُ بِهِ وَالْكَرْبُ
وَأُحْضِرُوا لِلْعَرْضِ وَالْحِسَابِ *** وَانْقَطَعَتْ عَلاَئِقُ الأَنْسَابِ
وَارْتَكَمَتْ سَجَائِبُ الأَهْوَالِ *** وَانْعَجَمَ الْبَلِيغُ فِي الْمَقَالِ
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْقَيُّومِ *** واقْتُصَّ مِنْ ذِي الظُّلْمِ لِلْمَظْلُومِ
وَسَاوَتِ الْمُلُوكُ للأَجْنَادِ *** وَجِيءَ بِالْكِتَابِ وَالأَشْهَادِ
وَشَهِدَت الأَعْضَاءُ وَالْجَوَارِحُ *** وَبَدَتِ السَّوْءَآتُ وَالفَضَائِحُ
وَابْتُلِيَتْ هُنَالِكَ السَّرَائِرْ *** وَانكَشَفَ الْمَخْفِيُّ فِي الضَّمائِرْ
وَنُشِرَتْ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ *** تُؤْخَذُ باليَمِينِ وَالشِّمَالِ
طُوْبَى لِمَن يَأْخُذُ بالْيَمِينِ *** كِتَابَهُ بشرَى بِحُورٍ عِينِ
وَالْوَيْلُ لِلآخِذِ بالشِّمَالِ *** وَرَاءَ ظَهْرٍ لِلْجَحِيمِ صَالِي
وَالْوَزْنُ بالْقِسْطِ فَلاَ ظُلْمَ وَلاَ *** يُؤْخَذُ عَبْدٌ بِسِوَى مَا عَمِلاَ
فَبَيْنَ نَاجٍ رَاجِح مِيزَانُهُ *** وَمُقْرفٍ أوْبَقَهُ عُدْوَانُهُ
وَيُنْصَبُ الْجِسْرُ بِلاَ امْتِرَاءِ *** كَمَا أتَى فِي مُحْكَمِ الأنْبَاءِ
يَجُوزُهُ النَّاسُ عَلَى أحْوَالِ *** بِقَدْرِ كَسْبِهمْ مِنَ الأعْمَالِ
فَبَيْنَ مُجْتَازٍ إلى الجِنَانِ *** وَمُسْرِفٍ يُكَبُّ فِي النيرَانِ
وَالنَّارُ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَهُمَا *** مَوْجُودَتَانِ لَا فَنَاءَ لَهُمَا
وَحَوْضُ خَيْرِ الْخَلْقِ حَقٌّ وَبِهِ *** يشْرَبُ فِي الأُخْرَى جَمِيعُ حِزْبِه
كَذَا لَهُ الشَّفَاعَةُ العُظْمَى كَمَا *** قَدْ خَصَّهُ الله بِهَا تَكَرُّمَا
من بَعْد إذن الله لَا كَمَا يَرَى *** كُلُّ قُبُورِيٍّ عَلَى الله افْتَرَى
يَشْفَعُ أوَّلاً إلى الرَّحْمن فِي *** فَصْل القَضَاءِ بَيْنَ أهْل الْمَوْقِفِ
مِن بَعْدِ أنْ يَطْلُبهَا النَّاسُ إلى *** كُلِّ أُولِي الْعَزْمِ الهُدَاةِ الفُضَلا
وَثَانِيًا يَشْفَعُ فِي اسْتِفْتَاحِ *** دَارِ النَّعِيمِ لأُولِي الْفَلاَحِ
هذَا وَهَاتَانِ الشَّفَاعَتَان *** قَدْ خَصَّتَا بِهِ بِلاَ نُكرَان
وَثَالِثَاً يَشْفَعُ فِي أقْوَامٍ *** مَاتُوا عَلى دِينِ الهُدَى الإِسْلامِ
وَأَوْبَقَتْهُمْ كَثْرَةُ الآثَامِ *** فَأُدْخلُوا النَّارَ بِذَا الإجْرَامِ
أَنْ يَخْرُجُوا مِنها إلى الْجِنَانِ *** بِفَضلِ رَبِّ الْعَرْضِ ذِي الإحْسَانِ
وَبَعْدَهُ يَشفَعُ كُلُّ مُرْسَل *** وَكُلُّ عَبْد ذي صَلاحٍ وَوَلي
وَيُخْرِجُ الله مِنَ النِّيرَان *** جَمِيعَ مَنْ مَاتَ عَلَى الإِيمَان
فِي نَهْر الْحَيَاةِ يُطْرَحُونَا *** فَحْمًا فَيَحْيَوْنَ وَيَنْبِتُونَا
كَأَنَّمَا ينْبُتُ في هَيْئَاتِهِ *** حَبُّ حَمِيلِ الشَّيْلِ فِي حَافَاتِهِ
وَالسَّادِسُ الإيمان بالأَقْدَارِ *** فَأيْقِنَنْ بهَا وَلا تُمَارِ
فَكلُّ شَيْءٍ بقَضَاءٍ وَقَدَرْ *** وَالْكُلُّ في أُمِّ الْكِتَابِ مُسْتَطَرْ
لاَ نَوْءَ لَا عَدْوَى وَلاَ طِيَرَ وَلا *** عَمَّا قَضَى الله تعالى حِوَلاَ
لاَ غَوْلَ لَا هَامَةَ لَا وَلاَ صَفَرْ *** كَمَا بِذَا أَخْبَرَ سَيِّدُ الْبَشَرْ
وَثَالِثٌ مَرْتَبَةُ الإِحْسَانِ *** وَتِلكَ أَعْلاَهَا لَدَى الرَّحْمن
وَهْوَ رُسُوخُ الْقَلْب فِي الْعِرْفَانِ *** حَتَّى يَكُونَ الْغَيْبُ كَالْعِيَان‏.‏

فصل‏:‏ في كون الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن فاسق أهل الملة لا يكفر بذنب دون الشرك إلا إذا استحله، وأنه تحت المشيئة، وأن التوبة مقبولة ما لم يغرغر‏.‏
إِيمَاننَا يَزيدُ بِالطَّاعَاتِ *** وَنَقْصُهُ يكُونُ بالزلاَّتِ
وَأهْلُهُ فيهِ عَلَى تَفَاضُلِ *** هَلْ أَنْتَ كَالأَمْلاَكِ أَوْ كَالرُّسُل
وَالْفَاسِقُ الْمِلِّيُّ ذو الْعِصْيَانِ *** لَمْ يُنْفَ عَنهُ مطلَقُ الإِيمانِ
لَكنْ بقَدْر الْفِسْقِ والْمعاصي *** إِيمانهُ مَا زالَ فِي انْتِقَاصِ
وَلاَ نقُولُ إِنَّهُ في النَّارِ *** مُخَلَّدٌ بَلْ أَمرُهُ لِلبَارِي
تَحْتَ مَشِيئَةِ الإِلهِ النَّافِذَهْ *** إِنْ شَا عَفَا عَنهُ وَإِنْ شَا آخَذَهْ
بِقَدْرِ ذَنْبِهِ، وَإلى الجِنَانِ *** يُخْرَجُ إِنْ مَاتَ عَلى الإِيمَانِ
وَالْعَرْضُ تَيْسِيرُ الْحِسَابِ فِي النَّبَا *** وَمَنْ يُنَاقشِ الْحِسَابَ عُذِّبَا
وَلاَ نُكَفِّرْ بالْمَعَاصِي مُؤْمِنَاً *** إلاَّ مَعَ اسْتِحْلاَلِهِ لِمَا جَنَى
وَتُقبَلُ التَّوْبَةُ قَبْلَ الْغَرْغَرَةْ *** كَمَا أَتَى في الشِّرْعَةِ الْمُطَهَّرَةْ
أمَّا مَتَى تُغلَقُ عَنْ طَالِبِهَا‏؟‏ *** فَبطلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا‏.‏

فصل‏:‏ في معرفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتبليغه الرسالة، وإكمال الله لنا به الدين، وأنه خاتم النبيين، وسيد ولد آدم أجمعين، وأن من ادعى النبوة بعده فهو كاذب‏.‏
نَبيُّنَا مُحَمَّدٌ مِن هاشِمٍ *** إلى الذبِيحِ دُونَ شَكٍّ يَنْتَمي
أَرْسلَهُ الله إِلَيْنَا مُرْشِدَا *** وَرَحْمَةً لِلعَالَمِينَ وَهُدَى
مولِدُهُ بمَكَّةَ الْمُطَهَّرَةْ *** هجْرَتُهُ لطَيْبَةَ الْمُنَوَّرَةْ
بَعْدَ ارْبَعِينَ بَدَأ الْوَحْيُ بِهِ *** ثُمَّ دَعَا إلى سَبيل رَبِّهِ
عَشرَ سنِينَ أيُّهَا النَّاس اعْبُدُوا *** رَبّاً تعالى شَأْنُهُ وَوَحِّدُوا
وَكَانَ قَبْلَ ذَاك فِي غَارِ حِرَا *** يَخْلُو بِذِكْر رَبِّهِ عَنِ الْوَرَى
وَبَعْدَ خَمْسِينَ منَ الأَعْوامِ *** مضَتْ لِعُمْرِ سيِّدِ الأَنَامِ
أَسْرَى بهِ الله إلَيْهِ في الظُّلَمْ *** وَفَرَضَ الْخَمْسَ عَلَيْهِ وحَتَمْ
وَبَعْدَ أعْوَامٍ ثَلاَثَةٍ مَضَتْ *** مِنْ بَعْدِ مِعْراجِ النَّبيِّ وانقَضَتْ
أُوذِنَ بالْهِجْرَةِ نَحْوَ يَثْرِبَا *** مَع كُلِّ مُسْلِمٍ لَهُ قَدْ صَحِبا
وَبَعْدَهَا كُلِّفَ بِالْقِتَالِ *** لِشِيعَةِ الْكُفْرَانِ والضَّلاَلِ
حتى أتَوْا لِلدِّينِ مُنْقَادِينَا *** وَدَخَلُوا فِي السّلْمِ مُذْعِنِينَا
وَبَعدَ أنْ قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةْ *** واسْتَنقَذَ الْخَلْقَ مِنَ الْجَهَالَة
وأكمَلَ الله بِهِ الإسْلاَمَا *** وقَام دِينُ الْحَقِّ واسْتَقَامَا
قَبَضَهُ الله العَلِيُّ الأَعْلَى *** سبْحانَهُ إلى الرَّفِيقِ الأَعْلَى
نَشْهَدُ بِالْحَقِّ بِلاَ ارْتِيابِ *** بِأَنَّهُ الْمُرْسَلُ بِالْكِتَابِ
وَأنَّهُ بَلَّغَ مَا قَدْ أُرْسِلاَ *** بِهِ وَكُلُّ ما إِلَيْهِ أنْزِلاَ
وَكُلُّ مَنْ مِن بَعْدِهِ قَدِ ادَّعى *** نُبُوَّةً فَكَاذِبٌ فِيمَا ادَّعى
فَهْوَ خِتَامُ الرُّسْل بِاتِّفَاقِ *** وأفضَلُ الْخَلْقِ علَى الإطلاَق‏.‏

فصل‏:‏ فيمن هو أفضل الأمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذكر الصحابة بمحاسنهم، والكف عن مساوئهم وما شجر بينهم
وَبَعْدَهُ الْخَلِيفَةُ الشَّفِيقُ *** نِعْمَ نَقِيبُ الأُمَّةِ الصِّدِّيقُ
ذاكَ رَفِيقُ الْمُصْطَفَى فِي الْغَار ِ *** شَيْخُ الْمُهَاجرينَ والأنْصَارِ
وَهوَ الَّذِي بنَفْسهِ تَولَّى *** جِهَادَ مَن عَنِ الْهُدَى تَولَّى
ثَانيه فِي الْفضل بِلا ارْتياب *** الصَّادِعُ النَّاطِقُ بالصَّوَابِ
أعْني بِهِ الشَّهْمَ أبَا حَفْص عُمَر *** مَنْ ظَاهَرَ الدِّينَ الْقَويمَ ونصَرْ
الصَّارِم الْمنكِي عَلَى الْكُفَّار *** ومُوسِعُ الْفُتوحَ في الأمْصَارِ
ثَالِثُهمْ عُثمانُ ذُو النُّورَيْنِ *** ذو الْحِلمِ والْحَيَا بِغَيْرِ مَيْنِ
بَحْرُ الْعلُومِ جَامِعُ الْقُرْآنِ *** مِنْهُ اسْتَحَت مَلاَئِكُ الرَّحْمنِ
بَايَعَ عَنْهُ سَيِّدُ الأكوَانِ *** بِكَفِّهِ في بَيْعةِ الرِّضوانِ
والرَّابِعُ ابْنُ عَمِّ خَيْرِ الرُّسُلِ *** أعْنِي الإمامَ الْحَقَّ ذَا الْقَدْرِ الْعَلِي
مُبِيدُ كُلِّ خَارِجِيٍّ مَارِقِ *** وَكُلِّ خِبٍّ رَافضِي فَاسِقِ
مَن كَانَ لِلرَّسُولِ فِي مَكَانِ *** هَارُونَ مِنْ مُوسَى بلا نُكْرَان
لاَ فِي نبُوَّةٍ فَقَدْ قَدمْتُ مَا *** يَكفي لِمَن مِنْ سُوْءِ ظَنٍّ سَلِمَا
فَالسِّتَّةُ الْمُكَمِّلُونَ الْعَشرَةْ *** وَسَائِرُ الصَّحْب الْكِرَامِ الْبَرَرَة
وَأهلُ بَيْتِ المُصْطَفَى الأطهَار *** وَتَابعُوهُ السَّادَةُ الأخيَارُ
فَكُلُّهُمْ فِي محْكَمِ القُرْآنِ *** أثْنَى عَلَيْهمْ خَالِقُ الأكْوَانِ
في الفَتْحِ وَالْحدِيدِ والْقِتَالِ *** وَغَيْرِهَا بأكمَلِ الْخِصَالِ
كَذَاك في التَّوراةِ والإنْجيلِ *** صِفاتُهُمْ معلومةُ التفصيل
وذكرُهم في سنَّة المختارِ *** قد سار سَيْرَ الشَّمس في الأقْطارِ
ثم السُّكُوتُ وَاجِبٌ عَما جَرَى *** بَيْنَهُمُ مِنْ فِعْل مَا قَدْ قُدِّرَا
فَكُلُّهُمْ مُجْتَهِدٌ مُثَابُ *** وَخطَؤُهُمْ يَغْفِرُهُ الْوَهَّابُ‏.‏
خاتمة في وجوب التمسك بالكتاب والسنة، والرجوع عند الاختلاف إليهما، فما خالفهما فهو رد‏.‏
شَرْط قُبُولِ السَّعْيِ أن يَجْتَمِعَا *** فِيهِ إصَابَةٌ وَإخْلاَصٌ مَعَا
لله رَبِّ الْعَرْشِ لَا سِوَاهُ *** مُوَافِقَ الشَّرْعِ الذِي ارْتَضَاهُ
وكلُّ مَا خَالَفَ لِلوَحْيَيْنِ *** فَإنهُ ردٌّ بِغَيْرِ مَيْنِ
وكُلُ مَا فِيهِ الخِلاَفُ نصِبَا *** فَرَدُّهُ إلَيْهِمَا قَدْ وَجَبَا
فالدِّينُ إنَّمَا أتَى بِالنَّقْلِ *** لَيْسَ بِالأوْهَامِ وَحَدْسِ الْعَقْل
ثُمَّ إلى هُنَا قَدِ انْتَهَيْتُ *** وَتَمَّ مَا بِجَمْعِهِ عُنِيتُ
سَمَّيْتُه بِسُلمِ الوُصُولِ *** إلى سَمَا مَبَاحِثِ الأصُولِ
وَالحَمْدُ لله عَلَى انتِهَائي *** كَمَا حَمِدْتُ الله في ابْتِدَائِي
أسْألهُ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ *** جَمِيعِهَا والسِّتْرَ لِلعُيُوبِ
ثُم الصَّلاَةُ والسَّلامُ أبَدَا *** تَغشَى الرَّسُولَ الْمصْطَفَى مُحَمَّدَا
ثُمَّ جَمِيعُ صَحْبِهِ وَالآلِ *** السَّادَةِ الأئِمَّةِ الأبْدَالِ
تَدُومُ سَرمَدا بِلاَ نَفَاد *** مَا جَرَتِ الأقْلاَمُ بِالْمِدَادِ
ثُمَّ الدُّعَا وَصِيَّةُ القُرَّاءِ *** جَميعِهمْ منْ غَيْر مَا اسْتثنَاءِ
أبيَاتُهَا ‏(‏يُسْر‏)‏ بِعَدِّ الْجُمَل *** تَأْرِيخُهَا ‏(‏الْغفْرَانُ‏)‏ فافْهَمْ وَادْعُ لي‏.‏
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المصنف
الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو ولا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى أن لا نعبد إلا إياه، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلي الكبير، عالم الغيب والشهادة الذي استوى في علمه ما أسر العبد وما أظهر، الذي علم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وما يعزب عن ربك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، كيف لا وهو الذي خلق وقدر، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، الذي كتب على نفسه الرحمة وهو أرحم الراحمين، الذي غلبت رحمته غضبه، كما كتب ذلك عنده على عرشه في الكتاب المبين، الذي وسعت رحمته كل شيء، وبها يتراحم الخلائق بينهم، كما ثبت ذلك عن سيد المرسلين، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها، إن الله يحيي الموتى، وهو على كل شيء قدير، الملك الحق الذي بيده ملكوت كل شيء، ولا شريك له في ملكه ولا معين ‏,‏ المتصرف في خلقه بما يشاء من الأمر والنهي، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والهداية والإضلال ‏,‏ ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين، لا راد لقضائه ولا مضاد لأمره، ولا معقب لحكمه، ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين، له ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير، القدوس السلام الذي اتصف بصفات الكمال، وتقدس عن كل نقص ومحال، وتعالى عن الأشباه والأمثال، حرام على العقول أن تصفه، وعلى الأوهام أن تكيفه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، المؤمن الذي آمن أولياءه من خزي الدنيا ووقاهم في الآخرة عذاب الهاوية، وآتاهم في هذه الدنيا حسنة وسيحلهم دار المقامة في جنة عالية، المهيمن الذي شهد على الخلق بأعمالهم، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، لا تخفى عليه منهم خافية، إنه بعباده لخبير بصير، العزيز الذي لا مغالب له ولا مرام لجنابه، الجبار الذي له مطلق الجبروت والعظمة، وهو الذي يجبر كل كسير مما به، المتكبر الذي لا ينبغي الكبرياء إلا له ولا يليق إلا بجنابه، العظمة إزاره والكبرياء رداؤه، فمن نازعه صفة منها، أحل به الغضب والمقت والتدمير‏.‏
الخالق البارئ المصور لما شاء إذا شاء في أي صورة شاء من أنواع التصوير، هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن، والله بما تعملون بصير، خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير، ما خلقكم وما بعثكم إلا كنفس واحدة، إن الله سميع بصير، الغفار الذي لو أتاه العبد بقراب الأرض خطايا، ثم لقيه لا يشرك به شيئا، لأتاه بقرابها مغفرة، القهار الذي قصم بسلطان قهره كل مخلوق وقهره، الوهاب الذي كل موهوب وصل إلى خلقه، فمن فيض بحار جوده وفضله ونعمائه الزاخرة، الرزاق الذي لا تنفد خزائنه ولم يغض ما في يمينه، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، ماذا نقص من فضله الغزير‏؟‏ يرزق كل ذي قوت قوته، ثم يدبر ذلك القوت في الأعضاء بحكمته تدبيرا متقنا محكما، يرزق من هذه الدنيا من يشاء من كافر ومسلم أموالا وأولادا وأهلا وخدما، ولا يرزق الآخرة إلا أهل توحيده وطاعته، قضى ذلك قضاء حتما مبرما، وأشرف الأرزاق في هذه الدار ما رزقه عبده على أيدي رسله من أسباب النجاة من الإيمان والعلم والعمل والحكمة وتبيين الهدى المستنير، الفتاح الذي يفتح على من يشاء بما يشاء من فضله العميم، يفتح على هذا مالا، وعلى هذا ملكا، وعلى هذا علما وحكمة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم، العليم الذي أحاط علمه بجميع المعلومات من ماض وآت، ظاهر وكامن، ومتحرك وساكن، وجليل حقير‏.‏
علم بسابق علمه عدد أنفاس خلقه، وحركاتهم وسكناتهم، وأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار في العذاب المهين، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، يعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، ما من جبل إلا ويعلم ما في وعره، ولا بحر إلا ويدري ما في قعره، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه، وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب، إن ذلك على الله يسير، القابض الباسط فيقبض عمن يشاء رزقه فيقدره عليه، ويبسطه على من يشاء فيوسع عليه، وكذا له القبض والبسط في أعمال عباده وقلوبهم، كل ذلك إليه، إذ هو المتفرد بالإحياء والإماتة، والهداية والإضلال، والإيجاد والإعدام، وأنواع التصرف والتدبير، الخافض الرافع، الضار النافع، المعطي المانع، فلا رافع لمن خفض، ولا خافض لمن رفعه، ولا نافع لمن ضر، ولا ضار لمن نفعه، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لمن هو مانع، فلو اجتمع أهل السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهن وما بينهما على خفض من هو رافعه، أو ضر من هو نافعه، أو إعطاء من هو مانعه، لم يك ذلك في استطاعتهم بواقع، وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير، المعز المذل الذي أعز أولياءه المؤمنين في الدنيا والآخرة، وأيدهم بنصره المبين وبراهينه القويمة المتظاهرة، وأذل أعداءه في الدارين، وضرب عليهم الذلة والصغار، وجعل عليهم الدائرة، فما لمن والاه وأعزه من مذل، وما لمن عاداه وأذله من ولي ولا نصير، السميع البصير لا كسمع ولا بصر أحد من الورى، القائل لموسى وهارون إنني معكما أسمع وأرى، فمن نفى عن الله ما وصف به نفسه، أو شبه صفاته بصفات خلقه، فقد افترى على الله كذبا، وقد خاب من افترى، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، الحكم العدل في قضائه وقدره وشرعه وأحكامه قولا وفعلا، إن ربي على صراط مستقيم، فلا يحيف في حكمه ولا يجور، وما ربك بظلام للعبيد، الذي حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرما، ووعد الظالمين الوعيد الأكيد، وفي الحديث‏:‏ إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته‏.‏
وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد، وهو الذي يضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا، بل يحصي عليهم الخردلة والذرة والفتيل والقطمير، اللطيف بعباده معافاة وإعانة، وعفوا ورحمة، وفضلا وإحسانا، ومن معاني لطفه إدراك أسرار الأمور حيث أحاط بها خبرة، تفصيلا وإجمالا، وسرا وإعلانا، الخبير بأحوال مخلوقاته وأقوالهم وأفعالهم، ماذا عملوا وكيف عملوا، وأين عملوا ومتي عملوا، حقيقة وكيفية ومكانا وزمانا، إنها إن تك مثقال حبة من خردل، فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض، يأت بها الله، إن الله لطيف خبير، الحليم فلا يعاجل أهل معصيته بالعقاب، بل يعافيهم ويمهلهم ليتوبوا، فيتوب عليهم إنه هو التواب، العظيم الذي اتصف بكل معنى يوجب التعظيم، وهل تنبغي العظمة إلا لرب الأرباب، خضعت لعظمته وجبروته جميع العظماء، وذل لعزته وكبريائه كل كبير، الغفور الشكور الذي يغفر الكثير من الزلل، ويقبل اليسير من صالح العمل، فيضاعفه أضعافا كثيرة، ويثيب عليه الثواب الجلل، وكل هذا لأهل التوحيد، أما الشرك فلا يغفره، ولا يقبل معه من العمل من قليل ولا كثير، العلي الذي ثبت له كل معاني العلو، علو الشأن وعلو القهر وعلو الذات، الذي استوى على عرشه وعلا على خلقه بائنا من جميع المخلوقات، كما أخبر بذلك عن نفسه في كتابه، وأخبر عنه رسوله في أصح الروايات، وأجمع على ذلك أهل الحل والعقد بلا نزاع بينهم ولا نكير، الكبير الذي كل شيء دونه، والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، كما أخبر بذلك عن نفسه نصا بينا محكما، الحفيظ على كل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، الذي وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما، حفظ أولياءه في الدنيا والآخرة، ونجاهم من كل أمر خطير، المغيث لجميع مخلوقاته، فما استغاثه ملهوف إلا نجاه، الحسيب الوكيل الذي ما التجأ إليه مخلص إلا كفاه، ولا اعتصم به مؤمن إلا حفظه ووقاه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، فنعم المولى ونعم النصير، الجليل الذي جل عن كل نقص، واتصف بكل كمال وجلال، الجميل الذي له مطلق الجمال في الذات والصفات والأسماء والأفعال، الكريم الذي لو أن أول الخلق وآخرهم وإنسهم وجنهم قاموا في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كل واحد منهم مسألته، ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، كما روى عنه نبيه المصطفى المفضال، ومن كرمه أن يقابل الإساءة بالإحسان، والذنب بالغفران، ويقبل التوبة ويعفو عن التقصير، الرقيب على عباده بأعمالهم، العليم بأقوالهم وأفعالهم، الكفيل بأرزاقهم وآجالهم وإنشائهم ومآلهم، المجيب لدعائهم وسؤالهم وإليه المصير، الواسع الذي وسع كل شيء علما، ووسع خلقه برزقه ونعمته وعفوه ورحمته كرما وحلما، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون به علما، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، الحكيم في خلقه وتدبيره إحكاما وإتقانا، والحكيم في شرعه وقدره عدلا وإحسانا، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، ومن أكبر من الله شهادة وأوضح دليلا وأقوم برهانا، فهو العدل، وحكمه عدل، وشرعه عدل، وقضاؤه عدل، فله الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الودود الذي يحب أولياءه ويحبونه، كما أخبر عن نفسه في محكم الآيات، المجيب لدعوة الداعي إذا دعاه في أي مكان كان وفي أي وقت من الأوقات، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تختلف عليه المطالب، ولا تشتبه عليه الأصوات، فيكشف الغم ويذهب الهم ويفرج الكرب، ويستر العيب وهو الستير، المجيد الذي هو أهل الثناء كما مجد نفسه، وهو الممجد على اختلاف الألسن وتباين اللغات بأنواع التمجيد، الباعث الذي بدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه، إنه هو الفعال لما يريد، الشهيد الذي هو أكبر كل شيء شهادة، وكفى بالله شهيدا، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد، هو الحق وقوله الحق، وله الملك يوم ينفخ في الصور، عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم الخبير، القوي المتين، الذي لم يقم لقوته شيء، وهو الشديد المحال، الولي للمؤمنين، فلا غالب لمن تولاه، وإذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال، الحميد الذي ثبت له جميع أنواع المحامد، وهل يثبت الحمد إلا لذي العزة والجلال، فله الحمد كما يقول وخيرا مما نقول، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، وكيف يحصي العبد الضعيف ثناء على العلي الكبير، المحصي الذي أحصى كل شيء عددا، وهو القائل‏:‏ ‏(‏وكل شيء أحصيناه في إمام مبين‏)‏، ‏(‏يس 12‏)‏، المبدئ المعيد الذي قال وهو أصدق القائلين‏:‏ ‏(‏كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين‏)‏، ‏(‏الأنبياء‏:‏ 104‏)‏، ‏(‏وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه‏)‏، ‏(‏الروم‏:‏ 27‏)‏ وأنى يعجزه إعادته وقد خلقه من قبل ولم يك شيئا، كل يعلم ذلك ويقر به بلا نكير، المحيي المميت الذي انفرد بالإحياء والإماتة، فلو اجتمع الخلق على إماتة نفس هو محييها، أو إحياء نفس هو مميتها، لم يك ذلك ممكنا، وهل يقدر المخلوق الضعيف على دفع إرادة الخالق العلام، الحي الدائم الباقي الذي لا يموت، وكل ما سواه زائل، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام‏)‏ ‏(‏الرحمن‏:‏ 270‏)‏، القيوم الذي قام بنفسه، ولا قوام لخلقه إلا به، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، فلا يحتاج إلى شيء إليه فقير ‏,‏ الواحد الأحد الذي لا شريك له في إلهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، وملكوته وجبروته، وعظمته وكبريائه وجلاله، لا ضد له ولا ند، ولا شبيه ولا كفؤ، ولا عديل، الصمد الذي يصمد إليه جميع الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، فهو المقصود إليه في الرغائب، المستغاث به عند المصائب، فإليه منتهى الطلبات، ومنه يسأل قضاء الحاجات، وهو الذي لا تعتريه الآفات، وهو حسبنا ونعم الوكيل، فهو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في صفات الكمال، ولا تنبغي هذه الصفات لغير الملك الجليل، القادر المقتدر الذي إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض، إنه على كل شيء قدير، المقدم المؤخر بقدرته الشاملة ومشيئته النافذة على وفق ما قدره، وسبق به علمه، وتمت به كلمته بلا تبديل ولا تغيير، الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، والظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، هكذا فسره البشير النذير، الوالي فلا منازع له ولا مضاد، المتعالي عن الشركاء والوزراء والنظراء والأنداد، البر وصفا وفعلا، ومن بره المن على أوليائه بإنجائهم من عذابه، كما وعدهم على ألسنة رسله أنه لا يخلف الميعاد، التواب الذي يرزق من يشاء التوبة، فيتوب عليه وينجيه من عذاب السعير، المنتقم الذي لم يقم لغضبه شيء، وهو الشديد العقاب والبطش والانتقام، العفو بمنه وكرمه عن الذنوب والآثام، الرؤوف بالمؤمنين ومن رأفته بهم أن نزل على عبده آيات مبينات؛ ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، ومن رأفته بهم أن اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، مع كون الجميع ملكه، ولم ينزع عنهم التوبة قبل الحمام، فقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير‏)‏، ‏(‏التحريم 8‏)‏، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ذي الجلال والإكرام، والعزة والبقاء، والملكوت والجبروت، والعظمة والكبرياء، المقسط الذي أرسل رسله بالبينات، وأنزل معهم الكتاب والميزان؛ ليقوم الناس بالقسط، وما للظالمين من نصير، الجامع لشتات الأمور، وهو جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، الغني المغني فلا يحتاج إلى شيء، ولا تزيد في ملكه طاعة الطائعين، ولا تنقصه معصية العاصين من العباد، وكل خلقه مفتقرون إليه، لا غنى بهم عن بابه طرفة عين، وهو الكفيل بهم رعاية وكفاية، وهو الكريم الجواد، وبجوده عم جميع الأنام من طائع وعاص، وقوي وضعيف، وشكور وكفور، ومأمور وأمير نور السماوات والأرض ومن فيهن، كما وصف نفسه بذلك في كتابه، ووصفه به محمد عبده ورسوله وحبيبه ومصطفاه، وقال مستعيذا به‏:‏ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏
فبصفات ربنا تعالى نؤمن، ولكتابه وسنة رسوله نحكم، وبحكمهما نرضى ونسلم، وإن أبى الملحد إلا جحود ذلك وتأويله على ما يوافق هواه، ‏(‏إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير‏)‏، ‏(‏فصلت 40‏)‏، الهادي الذي بيده الهداية والإضلال، فلا هادي لمن أضل، ولا مضل لمن هدى، ‏(‏من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا‏)‏، ‏(‏الكهف 17‏)‏، ‏(‏من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم‏)‏، ‏(‏الأنعام 39‏)‏، ‏(‏قل إن هدى الله هو الهدى‏)‏، ‏(‏البقرة 120‏)‏، ‏(‏ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير‏)‏، ‏(‏لقمان 20‏)‏، البديع الذي أبدع السماوات والأرض وما بينهما بلطيف صنعه وبديع حكمته، بلا معين ولا مثال ‏,‏ الباقي الذي كل شيء هالك إلا وجهه، فلا ابتداء لأوليته، ولا لآخريته زوال ‏,‏ الوارث الذي يرث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، وإليه المرجع والمآل، فبإيجاده كل موجود وجد، وإليه كل الأمور تصير، الرشيد في كل أقواله وأفعاله، فبالرشاد يأمر عباده وإليه يهديهم ‏,‏ الصبور الذي لا أحد أصبر منه على أذى سمعه، ينسبون له الولد، ويجحدون أن يعيدهم ويحييهم، وكل ذلك بسمعه وبصره وعلمه لا يخفى عليه منهم شيء، ثم هو يرزقهم ويعافيهم، ذلك بأنهم لم يبلغوا نفعه فينفعوه، ولا ضره فيضروه ‏,‏ وإنما يعود نفع طاعتهم إليهم، ووبال عصيانهم عليهم، واستغنى الله والله غني حميد، ‏(‏زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير‏)‏‏.‏
أحمده تعالى على جزيل إنعامه وإفضاله ‏,‏ وأشكره على جليل إحسانه ونواله، وله الحمد على أسمائه الحسنى، وصفات كماله ونعوت جلاله، وله الحمد على عدله قدرا وشرعا، وله الحمد في الأولى والآخرة، وهو الحكيم الخبير‏.‏ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق العلي الكبير، تعالى في إلهيته وربوبيته عن الشريك والوزير، وتقدس في أحديته وصمديته عن الصاحبة والولد، والوالد والولي والنصير، وتنزه في صفات كماله ونعوت جلاله عن الكفؤ والنظير، وعز في سلطان قهره وكمال قدرته عن المنازع والمغالب والمعين والمشير، وجل في بقائه وديموميته وغناه وقيوميته عن المطعم والمجير‏.‏
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله البشير النذير، المرسل إلى الناس كافة بالملة الحنيفية والهدي المنير، بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، وأنزل عليه كتابه المهمين والنور المبين، والهدي المستبين، والمنهج المستنير، والشرك مضطرمة ناره ‏,‏ طائر شراره ‏,‏ مرتفع غباره، لا مغير له ولا نكير ‏,‏ فقام بتبليغ الرسالة حق القيام، وجاهد في الله حق جهاده إعلاء لكلمة الله، الملك العلام حتى جاء الحق، وزهق الباطل، وأدبر ليل الكفر والضلالة، وانفجر الإيمان والإسلام، ونشرت أعلام التوحيد، وعلا بنيانه وأشرقت أنواره، ونكست راية الشرك وانكسرت شوكته، وخمدت ناره ورمي بناؤه بالدمدمة والتكسير والتدمير، وعلى آله وصحبه شموس الهداية وأوعية العلم وأنصار الدين القويم وتابعيهم، ‏(‏والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم‏)‏، ‏(‏الحشر 10‏)‏ وعلى من اقتفى أثرهم، واتبع سيرهم وسلك صراطهم المستقيم، وجعلنا من المقتدين بهم، المهتدين بهديهم، المتمسكين بالكتاب والسنة، نقف معهما، وبسيرهما نسير‏.‏
أما بعد‏:‏ فاعلموا- رحمكم الله- أنه لا صلاح للعباد ولا فلاح، ولا نجاح ولا حياة طيبة، ولا سعادة في الدارين، ولا نجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة إلا بمعرفة أول مفروض عليهم، والعمل به، وهو الأمر الذي خلقهم الله عز وجل له، وأخذ عليهم الميثاق به، وأرسل به رسله إليهم، وأنزل به كتبه عليهم، ولأجله خلقت الدنيا والآخرة، والجنة
والنار، وبه حقت الحاقة، ووقعت الواقعة، وفي شأنه تنصب الموازين، وتتطاير الصحف، وفيه تكون الشقاوة والسعادة، وعلى حسب ذلك تقسم الأنوار، ومن لم يجعل الله له نورا، فما له من نور‏.‏
و ذلك الأمر هو معرفة الله عز وجل بإلهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، وتوحيده بذلك ‏,‏ ومعرفة ما يناقضه أو بعضه من الشرك والتعطيل، والتشبيه والتشبه، واجتناب ذلك، والإيمان بملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وتوحيد الطريق إلى الله عز وجل بمتابعة كتابه ورسوله، والعمل وفق ما شرعه الله عز وجل ورسوله، ومعرفة ما يناقضها من البدع المضلة، ويميل بالعبد عنها فيجانبها كل المجانبة، ويعوذ بالله منها، فإن الله تعالى أنزل كتابه تبيانا لكل شيء، وتفصيل كل شيء، وقال‏:‏ ‏(‏ما فرطنا في الكتاب من شيء‏)‏، ‏(‏الأنعام 35‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا‏)‏، ‏(‏الفرقان 33‏)‏، وأرسل رسوله بذلك الكتاب مبلغا ومبينا؛ ليقرأه على الناس علي مكث، ويبينه لهم أتم البيان، ويحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، ويديهم به إلي صراط مستقيم، فقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء‏)‏، ‏(‏النحل 64‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون‏)‏، ‏(‏النحل 64‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأنزلنا عليك الكتاب لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون‏)‏، ‏(‏النحل 44‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدي ورحمة لقوم يؤمنون‏)‏، ‏(‏النحل 64‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم‏)‏، ‏(‏المائدة 15-216‏)‏، ولا شفاء للقلوب والأرواح، ولا حياة لها إلا بطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والاستجابة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم‏)‏، ‏(‏الأنفال 20-24‏)‏ الآيات، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون‏)‏، ‏(‏الأنعام 36‏)‏ ولم ينج الله تعالى من عذابه، ولم يكتب رحمته إلا لمن اتبع كتابه ورسوله، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون‏)‏، ‏(‏الأعراف 156- 157‏)‏، وقد كان الرسول يبعث في قومه خاصة، وبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون‏)‏، ‏(‏الأعراف 158‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏)‏، ‏(‏سبأ 28‏)‏، ولم يتوفه الله تعالى حتى أكمل له الدين، وبلغ البلاغ المبين، وبين للناس ما نزل إليهم أوضح التبيين ‏,‏ وترك أمته على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، وما من طائر يطير بجناحيه إلا وقد ذكر لهم منه علما، وهدى الله به الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏)‏، ‏(‏البقرة 213‏)‏، قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وكذلك هي في قراءة عبد الله وأبي بن كعب، وهذا التفسير مروي عن قتادة ومجاهد أيضا‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم‏)‏، أي من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه‏)‏، قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، فنحن أول الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه‏.‏ فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه وهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدا لليهود وبعد غد للنصارى‏.‏ رواه عبد الرزاق، وهو في الصحيح من طرق بألفاظ، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه‏)‏ فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة، واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى الشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى الله تعالى أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله تعالى أمة محمد للحق من ذلك‏.‏ واختلفوا في إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقالت اليهود‏:‏ كان يهوديا، وقالت النصارى‏:‏ نصرانيا، وجعله الله حنيفا مسلما، فهدى الله أمة محمد إلى الحق من ذلك‏.‏ واختلفوا في عيسي عليه الصلاة والسلام، فكذبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتانا عظيما، وجعلته النصارى إلها وولدا، وجعله الله تعالى روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الحق من ذلك‏.‏
وقال الربيع بن أنس في قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه‏)‏، أي عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا علي الإخلاص لله عز وجل وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون، وأن رسلهم قد بلغوهم وأنهم كذبوا رسلهم، وفي قراءة أبي بن كعب وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، ‏(‏والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏)‏، وكان أبو العالية رحمه الله تعالى يقول في هذه الآية‏:‏ المخرج من الشبهات والضلالات والفتن‏.‏
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي من الليل قال‏:‏ اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم‏.‏ وفي الدعاء المأثور‏:‏ اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماما‏.‏

اختلاف الفرق الإسلامية
واعلم أنه كما أخبرنا الله تعالى عن الأمم السابقة أنهم اختلفوا اختلافا شديدا، وافترقوا افتراقا بعيدا، وفي ذلك أعظم واعظ، وأكبر زاجر عن الاختلاف والتفرق ‏,‏ ولم يقتصر- سبحانه- في تذكيرنا بذلك عليه، بل زجرنا عن الاختلاف زجرا شديدا، وتوعد على ذلك وعيدا أكيدا، فقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه‏)‏، ‏(‏آل عمران 105- 106‏)‏، قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف‏.‏
ثم فصل تعالى مآل الفريقين، وأين توصل أهلها كل من الطريقين، فقال تعالى‏:‏ ‏(‏فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون‏)‏، ‏(‏آل عمران 106- 107‏)‏، وحذرنا عن ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أولى بنا من أنفسنا، فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ألا وإن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهم الجماعة‏.‏ وفي بعض الروايات‏:‏ هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي‏.‏
وقد حصل مصداق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق من الافتراق، وتفاقم الأمر وعظم الشقاق، فاشتد الاختلاف ونجمت البدع والنفاق، فافترقوا في أسماء الله تعالى وصفاته إلى نفاة معطلة، وغلاة ممثلة‏.‏ وفي باب الإيمان والوعد والوعيد إلى مرجئة، ووعيدية من خوارج ومعتزلة‏.‏ وفي باب أفعال الله وأقداره إلى جبرية غلاة، وقدرية نفاة‏.‏
وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته رسول الله وأهل بيته إلى رافضة غلاة، وناصبة جفاة، إلى غير ذلك من فرق الضلال، وطوائف البدع والانتحال، وكل طائفة من هذه الطوائف قد تحزبت فرقا وتشعبت طرقا، وكل فرقة تكفر صاحبتها، وتزعم أنها هي الفرقة الناجية المنصورة‏.‏

الفرقة الناجية
وقد أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الفرقة الناجية هم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه، وليس أحد من هؤلاء كذلك، بل إنهم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل، وذلك لأنه لا يعرف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا من طريق سننه المروية، وآثاره المصطفوية التي هي الشريعة الغراء، والمحجة البيضاء، وهؤلاء من أبعد الناس عنها، وأنفرهم منها، وإنما تصلح هذه الصفة لحملتها وحفاظها، ونقادها المنقادين لها، المتمسكين بها، الذابين عنها، يقفون عندها ويسيرون بسيرها، لا ينحرفون عنها يمينا ولا شمالا، ولا يقدمون عليها لأحد مقالا، ولا يبالون من خالفهم ولا من خذلهم، ولا يضرهم ذلك حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى‏.‏
أعني بذلك أئمة الحديث وجهابذة السنة وجيش دولتها، المرابطين على ثغورها، الحافظين حدودها، الحامين حوزتها، وفقهم الله عز وجل للاستضاءة بنورها، والاهتداء بهديها القويم، وهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فآمنوا بما أخبر الله به من كتابه، وأخبر به عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سنته، وتلقوه بالقبول والتسليم، إثباتا بلا تكييف ولا تمثيل، وتنزيها بلا تحريف ولا تعطيل، فهم الوسط في فرق هذه الأمة، كما أن هذه الأمة هي الوسط في الأمم، فهم وسط في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين الجبرية والقدرية، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج، فهم والله ‏(‏أهل السنة والجماعة‏)‏، وهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، الذين لم تزل قلوبهم على الحق متفقة مؤتلفة، وأقوالهم وأعمالهم وعقائدهم على الوحي لا مفترقة ولا مختلفة، فانتدبوا لنصرة الدين دعوة وجهادا، وقاوموا أعداءه جماعات وفرادى، ولم يخشوا في الله لومة لائم، ولم يبالوا بعداوة من عادى، فقهروا البدع المضلة، وشردوا بأهلها، واجتثوا شجرة الإلحاد بمعاول السنة من أصلها، فبهتوهم بالبراهين القطعية في المحافل العديدة، وصنفوا في رد شبههم ودفع باطلهم وإدحاض حججهم الكتب المفيدة، فمنهم المتقصي للرد على الطوائف بأسرها، ومنهم المخلص لعقائد السلف الصالح من غيرها، ولم تنجم بدعة من المضلين الملحدين إلا ويقيض الله لها جيشا من عباده المخلصين، فحفظ الله بهم دينه على العباد، وأخرجهم بهم من ظلمات الزيغ والضلالة إلى نور الهدى والرشاد، وذلك مصداق وعد الله عز وجل بحفظه الذكر الذي أنزله كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون‏)‏ ‏(‏الحجر 9‏)‏، وإعلاء لكلمته، وتأييدا لحزبه، إذ يقول‏:‏ ‏(‏وإن جندنا لهم الغالبون‏)‏ ‏(‏الصافات 173‏)‏‏.‏

سبب نظم المتن وتأليف الشرح
وقد سألني من لا تسعني مخالفته من المحبين أن أنظم مختصرا، يسهل حفظه على الطالبين، ويقرب مناله للراغبين، يفصح عن عقيدة السلف الصالح ويبين، فأجبته إلى ذلك مستعينا بالله، راجيا الثواب من الله، قائلا لا حول ولا قوة إلا بالله، وضممت إلى ذلك مسائل نافعة تتعلق بهذه العصور من التنبيه علي ما افتتن به العامة من عبادة الأشجار، والأحجار والقبور، ومناقضتهم التوحيد بالشرك الذي هو أقبح المحظور، وصرف جل العبادة لغير الله من الدعاء، والرجاء والخوف والمحبة والذبح والنذور، فيسر الله تعالى ذلك بمنه وإفضاله، وأعانني وله الحمد والمنة على إكماله‏.‏
وسميته ‏(‏سلم الوصول إلى مباحث علم الأصول‏)‏، فلما انتشر بأيدي الطلاب وعظمت فيه رغبة الأحباب، سئل مني أن أعلق تعليقا لطيفا يحل مشكله، ويفصل مجمله، مقتصرا على ذكر الدليل ومدلوله من كلام الله تعالى وكلام رسوله، فاستخرت الله تعالى بعلمه، واستقدرته بقدرته، فعن لي أن أعزم على ذلك الأمر المسئول، مستمدا من الله تعالى الإعانة على نيل السول، ‏(‏وسميته معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول‏)‏‏.‏ والله أسأل أن يعين على إكماله بمنه وفضله، وأن ينفعني وطلاب العلم به وبأصله، وأن يهدينا الصراط المستقيم، ويجعلنا من أنصار التوحيد وأهله، إنه سميع قريب مجيب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 03:29 PM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
شرح مقدمة المنظومة
أبدأ باسم الله مستعينا *** راض به مدبرا معينا
‏(‏أبدأ‏)‏ في جميع حركاتي وسكناتي، وأقوالي وأعمالي، وفي شأني كله، ومنه هذا التصنيف ‏(‏باسم الله‏)‏ متبركا و‏(‏مستعينا‏)‏ به، أو إياه بالباء وبدونه، أي طالبا منه العون على فعل طاعته، وترك معصيته، كما قال تعالى معلما لنا في فاتحة الكتاب‏:‏ ‏(‏إياك نعبد وإياك نستعين‏)‏، ‏(‏الفاتحة 5‏)‏، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما‏:‏ إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله‏.‏ وهو خطاب شامل لجميع الأمة، وفي ضمن ذلك الأمر الواقع في جواب الشرط نهي لنا عن الاستعانة بغير الله عز وجل؛ لأنه لا خالق للعباد وأفعالهم غيره تعالى، فإذا كان المخلوق لا يقدر على فعل نفسه إلا بما أقدر الله تعالى عليه، فكيف يجوز أن تطلب الإعانة منه على فعل غيره، والعاقل يفهم ذلك بادئ بدء‏.‏

خلاصة القول في تفسير البسملة
والكلام على تفسير البسملة مستوفى في كتب المفسرين، ولنذكر خلاصة ذلك فنقول‏:‏ الباء أداة تخفض ما بعدها، ومعناها في البسملة الاستعانة، وتطويلها في القرآن تعظيما لكتاب الله عز وجل، وإسقاط الألف من الاسم؛ طلبا للخفة لكثرة استعمالها، وقيل لما أسقطوا الألف، ردوا طولها على الباء؛ ليدل على السقوط، ولذلك لما كتبت الألف في ‏(‏اقرأ باسم ربك الذي خلق‏)‏، ‏(‏العلق 1‏)‏، ردت الباء إلى هيئتها، والاسم هو المسمى وعينه وذاته، فإنك تقول‏:‏ يا الله يا رحمن يا رحيم، فتدعوه بأسمائه التي سمى بها نفسه، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها‏)‏، ‏(‏الأعراف 180‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى‏)‏، ‏(‏الإسراء 110‏)‏، ولو كانت أسماء الله غيره، لكان الداعي بها مشركا إذ دعا مع الله غيره ولكانت مخلوقة، إذ كل ما سوى الله مخلوق، وهذا هو الذي حاوله الملحدون في أسماء الله تعالى وصفاته، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وسيأتي بسط القول في ذلك إن شاء الله تعالى في الكلام على الأسماء‏.‏
‏(‏الله‏)‏ علم على ذاته تبارك وتعالى، وكل الأسماء الحسنى تضاف إليه، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏ولله الأسماء الحسنى‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى‏)‏، ‏(‏طه 8‏)‏، ألا ترى أنك تقول‏:‏ الرحمن من أسماء الله تعالى والرحيم من أسماء الله ونحو ذلك ‏,‏ ولا تقول‏:‏ الله من أسماء الرحمن، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة‏.‏ واختلفوا في كونه مشتقا أو لا‏.‏
ذهب الخليل وسيبويه وجماعة من أئمة اللغة والشافعي والخطابي وإمام الحرمين ومن وافقهم إلى عدم اشتقاقه؛ لأن الألف واللام فيه لازمة، فتقول‏:‏ يا الله، ولا تقول يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة، لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام‏.‏
وقال آخرون‏:‏ إنه مشتق، واختلفوا في اشتقاقه إلى أقوال، أقواها أنه مشتق من أله يأله إلاهة، فأصل الاسم الإله، فحذفت الهمزة وأدغمت اللام الأولى في الثانية وجوبا، فقيل الله، ومن أقوى الأدلة عليه قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وهو الله في السماوات وفي الأرض‏)‏، ‏(‏الأنعام 3‏)‏ مع قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله‏)‏، ‏(‏الزخرف 84‏)‏، ومعناه ذو الألوهية التي لا تنبغي إلا له، ومعنى أله يأله إلهة‏:‏ عبد يعبد عبادة، فالله المألوه، أي المعبود، ولهذا الاسم خصائص لا يحصيها إلا الله عز وجل‏.‏
وقيل إنه هو الاسم الأعظم‏.‏ ‏(‏الرحمن الرحيم‏)‏ اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم، فالرحمن يدل على الرحمة العامة، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، ‏(‏طه 5‏)‏، والرحيم يدل على الرحمة الخاصة بالمؤمنين، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وكان بالمؤمنين رحيما‏)‏، ‏(‏الأحزاب 47‏)‏، ذكره ابن جرير بسنده عن العزرمي بمعناه، وفي الدعاء المأثور‏:‏ رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما‏.‏
والظاهر المفهوم من نصوص الكتاب والسنة أن اسمه الرحمن يدل على الصفة الذاتية من حيث اتصافه تعالى بالرحمة، واسمه الرحيم يدل الصفة الفعلية من حيث إيصاله الرحمة إلى المرحوم، فلهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏وكان بالمؤمنين رحيما‏)‏، ‏(‏إنه بهم رءوف رحيم‏)‏، ‏(‏التوبة 117‏)‏، ولم يأت قط إنه بهم رحمن، ووصف نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه رءوف رحيم، فقال تعالى‏:‏ ‏(‏حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم‏)‏، ‏(‏التوبة 128‏)‏، ولم يصف قط أحدا من خلقه أنه رحمن، فتأمل ذلك والله أعلم‏.‏
‏(‏راض‏)‏ خبر لمبتدأ محذوف تقديره وأنا راض ‏(‏به‏)‏ أي بالله عز وجل- ‏(‏مدبرا‏)‏ حال من الضمير المجرور، أي بتدبيره لي في جميع شئوني، فإن أزمة الأمور بيده، وهو الذي يعلم ما لا نعلم، ويقدر ما لا نقدر، وهو الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ‏(‏الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما‏)‏، ‏(‏الطلاق 12‏)‏، و‏(‏معينا‏)‏ لي على جميع أموري الدينية والدنيوية، فإني لا أقدر إلا على ما أقدرني عليه، ولا علم لي إلا ما علمنيه، فلا أعبد إلا إياه، ولا أستعين إلا به، ولا أتوكل إلا عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه‏.‏

القول في حمد الله وشكره، والاستعانة به
والحمد لله كما هدانا *** إلي سبيل الحق واجتبانا
أي ‏(‏و‏)‏ أثنى بحمده فأقول ‏(‏الحمد لله‏)‏ كما أثنى به على نفسه في كتابه، فقال‏:‏ ‏(‏الحمد لله رب العالمين‏)‏، وأمر بذلك عباده فقال تعالى مخاطبا لنبيه خطابا يدخل فيه جميع أمته‏:‏ ‏(‏قل الحمد لله‏)‏، ‏(‏النمل‏:‏ 59‏)‏، فله الحمد كالذي يقول، وخيرا مما نقول، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وله الحمد على نعمه الظاهرة والباطنة، وله الحمد في الأولى والآخرة‏.‏
وعن الأسود بن سريع رضي الله عنه قال‏:‏ قلت يا رسول الله، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى‏؟‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ أما إن ربك يحب الحمد‏.‏ رواه أحمد والنسائي‏.‏ وعن الحكم بن عمير رضي الله عنه وكانت له صحبة قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ إذا قلت الحمد لله، فقد شكرت الله فزادك‏.‏ رواه ابن جرير‏.‏
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله‏.‏ رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي‏:‏ حسن غريب‏.‏ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما أنعم الله على عبد نعمة، فقال‏:‏ الحمد لله، إلا كان الذي أعطي- يعني‏:‏ من هدايته للحمد- أفضل مما أخذ‏.‏ رواه ابن ماجه‏.‏
وللقرطبي عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل، ثم قال الحمد لله، لكان الحمد لله أفضل من ذلك‏.‏ قال القرطبي وغيره‏:‏ أي لكان إلهامه الحمد لله أكثر نعمة عليه من نعم الدنيا؛ لأن ثواب الحمد لا يفنى، ونعيم الدنيا لا يبقى‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا‏)‏ ‏(‏الكهف 46‏)‏‏.‏
وقال علي رضي الله عنه‏:‏ الحمد لله كلمة أحبها الله تعالى لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد الحمد لله، قال شكرني عبدي‏.‏ وقال رضي الله عنه‏:‏ الحمد لله كلمة كل شاكر، وقال رضي الله عنه‏:‏ الحمد لله هو الشكر لله، هو استخذاء له، والإقرار له بنعمته وهدايته وابتدائه وغير ذلك‏.‏
وقال الضحاك‏:‏ الحمد لله رداء الرحمن، وقال كعب الأحبار‏:‏ الحمد لله ثناء الله‏.‏ وفي معنى الحمد لله وفضلها آثار غير ما ذكرنا لا تحصى، ولما كان من أكبر نعم الله علينا، وأجل مننه الواصلة إلينا هدايته إيانا إلى صراطه المستقيم، الذي هو دين الإسلام الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، ولا يقبل من أحد غيره، ناسب الثناء عليه بها، فقلت‏:‏ ‏(‏كما هدانا‏)‏ أي على ما هدانا إرشادا ودلالة بكتبه ورسله، وتوفيقا وتسديدا بمشيئته وقدره إلى سبيل الحق، وهو دين الإسلام والإيمان ‏(‏واجتبانا‏)‏ له، وبذلك قال تعالى ممتنا علينا وله الحمد والمنة‏:‏ ‏(‏واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين‏)‏، ‏(‏البقرة 198‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين‏)‏، ‏(‏آل عمران 164‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير‏)‏، ‏(‏الحج 77- 78‏)‏، ولما كان الحمد الخبري أبلغ من الإنشائي لدلالته على الثبوت والاستمرار، قدمته عليه أولا، ثم عطفت عليه الإنشائي جمعا بينهما، فقلت‏:‏
أحمده سبحانه وأشكره *** ومن مساوي عملي أستغفره‏.‏
‏(‏أحمده‏)‏ أي أنشئ له حمدا آخر متجددا على توالي نعمه وتواتر فضله، فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ‏(‏سبحانه‏)‏ أي تنزيها له عما يليق بنعوت جلاله وصفات كماله، وهذه العبارة تتضمن معنى قوله في الحديث المتفق عليه‏:‏ كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم‏.‏
‏(‏وأشكره‏)‏ على ما أنعم وألهم، امتثالا لقوله عز وجل‏:‏ ‏(‏فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون‏)‏، ‏(‏البقرة 152‏)‏‏.‏
واختلف العلماء في معنى الحمد والشكر، هل هما مترادفان أو لا‏؟‏ فذهب إلى ترادفهما ابن جرير الطبري صاحب التفسير وجعفر الصادق وغيرهما، وذهب جماعة من المتأخرين إلى التفرقة بينهما، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى‏:‏ الحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء كان الإحسان إلى الحامد أو لم يكن، والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر؛ لأنه يكون على المحاسن والإحسان، فإن الله تعالى يحمد على ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى، وما خلقه في الآخرة والأولى، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل‏)‏، ‏(‏الإسراء 111‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور‏)‏، ‏(‏الأنعام 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة‏)‏، ‏(‏سبأ 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء‏)‏، ‏(‏فاطر 1‏)‏، وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه، لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، كما قيل‏:‏
أفادتكم النعماء مني ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجبا‏.‏
ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور‏)‏، ‏(‏سبأ 13‏)‏، والحمد يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه، وفي الحديث‏:‏ الحمد لله رأس الشكر‏.‏ فمن لم يحمد الله لم يشكره، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها‏.‏ والله أعلم‏.‏ انتهى كلامه- رحمه الله تعالى‏.‏
‏(‏ومن مساوئ‏)‏ جمع مساءة ‏(‏عملي‏)‏ مضاف إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف‏.‏ ‏(‏أستغفره‏)‏ السين للطلب أي أطلب منه مغفرة تلك المساوئ، ما تقدم منها وما تأخر، إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة‏.‏
وأستعينه على نيل الرضا *** وأستمدُّ لطفه في ما قضى‏.‏
‏(‏وأستعينه‏)‏ أطلب منه العون ‏(‏على نيل الرضا‏)‏ أي على فعل الأعمال الصالحة، التي بسببها ينال رضاه أن يرزقنيها، وينيلني رضاه بفضله ورحمته‏.‏ ‏(‏وأستمد‏)‏ أي أطلب منه الإمداد بأن يرزقني ‏(‏لطفه‏)‏ بي ‏(‏فيما قضى‏)‏ وقدَّر من المصائب، وأن يجعلني راضياً بذلك مؤمناً به، مستيقناً أنه من عند الله، وأن وقوعه خير عندي من كونه لم يقع، وأن يهدي قلبىٍ كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏ما أصاب من مصيبةٍ إلا بإذن اللّه ومن يؤمن باللّه يهدِ قلبه واللّه بكل شيء عليم‏)‏، ‏(‏التغابن اا‏)‏، وكما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ وأسألك الرضا بعد القضاء‏.‏ الحديث، فإن ذلك أعلى درجات الإيمان بالقدر، وهو الرضا بالمصيبة‏.‏
القول في كلمة الشهادة‏.‏
وبعد إني باليقين أشهدْ *** شهادة الإخلاص أن لا يعبدْ
بالحق مألوهٌ سوى الرحمنِ *** مَن جلَّ عن عيب وعن نقصان
‏(‏وبعد‏)‏ هو ظرف زماني يؤتى به للتنبيه على ما بعده وفصله عما قبله، ويبنى على الضم لقطعه عن الإضافة، ويغني عن إعادة المضاف إليه ، ‏(‏إني باليقين‏)‏ القاطع الجازم بدون شك ولا تردد ، ‏(‏أشهد شهادة‏)‏ مصدر مؤكد ‏(‏الإخلاص‏)‏ مضاف إلى شهادة من إضافة الصفة إلى الموصوف ، ‏(‏أن‏)‏ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن مستكن والتقدير أنه، والخبر ‏(‏لا يعبد‏)‏ بضم الياء وفتح الباء بالبناء للمفعول ‏(‏بالحق‏)‏ يتعلق بيعبد ، ‏(‏مألوه‏)‏ نائب الفاعل ليعبد، ومعناه معبود ، ‏(‏سوى‏)‏ أداة استثناء بمعنى إلا ‏(‏الرحمن‏)‏ أي لا معبود بحق إلا الله عز وجل، والتقييد بحق يخرج به الآلهة المعبودة بباطل، فإنها قد عبدت، والمنفي هو استحقاق العبادة عن غير اللّه عز وجل لا وقوعها، وهذه هي شهادة أن لا إله إلا الله، ولما لم يمكن في النظم الإتيان بلفظها نظمتها بمعناها، وسيأتي- إن شاء الله تعالى- بسط القول في تفسيرها‏.‏
‏(‏مَن جلَّ‏)‏ في صفات كماله ونعوت جلاله ‏(‏عن عيب وعن نقصان‏)‏، وهما لفظان مترادفان، فكل عيب يسمى نقصاناً، وكل نقصان يسمى عيباً، واللّه- سبحانه وتعالى- منزه عن ذلك كله، بل له الجلال المطلق والكمال المطلق في ذاته وأسمائه، وصفاته وأفعاله‏.‏
وأن خير خلقه محمداً *** من جاءنا بالبينات والهدى
رسوله إلى جميع الخلق *** بالنور والهدى ودين الحق‏.‏
‏(‏و‏)‏ أشهد ‏(‏أن خير‏)‏ أفضل ‏(‏خلقه‏)‏ هاء الضمير يعود على الرحمن ، ‏(‏محمداً‏)‏ يدل من خير أو عطف بيان، ومعناه الكثير المحامد، فهو أبلغ من محمود‏.‏ ‏(‏من جاءنا بالبينات والهدى‏)‏ من عند الله عز وجل، هذه الجملة صلة من، وهو محله النصب نعت لمحمد صلى الله عليه وسلم والخبر ‏(‏رسوله‏)‏، الرسول بمعنى المرسل، وهو من أوحي إليه وأمر بالتبليغ، فإن أوحى إليه ولم يؤمر بالتبليغ، فهو نبي فقط، فكل رسول نبي ولا عكسِ ، ‏(‏إلى جميع الخلق‏)‏ كافة، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏وما أرسلناكَ إلا كافَّةً للناس بشيراَ ونذيراً ولكنَّ كثرَ الناس لا يعلمون‏)‏، ‏(‏سبأ 28‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل يا أيها الناسُ إنّي رسولُ اللّه إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا باللّه ورسولهِ النبيِّ الأميِّ الذي يؤمن باللّه وكلماتِهِ واتبعوه لعلكم تهتدون‏)‏، ‏(‏الأعراف‏:‏ 158‏)‏‏.‏
وفي الصحيح من حديث الخصائص‏:‏ وكان الرسول يبعث في قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة‏.‏ وفيه أيضاً‏:‏ والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النارية‏.‏ ‏(‏بالنور‏)‏ المبين، وهو القرآن الذي قال الله عز وجل فيه‏:‏ ‏(‏يا أيها الناسُ قدْ جاءكم برهانٌ من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً‏)‏، ‏(‏النساء 174‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ ولكن جعلناهُ نوراً نهدي به من نشاءُ من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم صراط اللّه‏)‏، ‏(‏الشورى 52‏)‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فآمنوا باللّه ورسوله والنور الذي أنزلناه‏)‏، ‏(‏التغابن 8‏)‏، وغير ذلك من الآيات ، ‏(‏والهدى‏)‏ الإرشاد والدلالة إلى الصراط المستقيم، ‏(‏ودين الحق‏)‏ الإسلام الذي لا يقبل الله تعالى من أحد غيره، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودينِ الحقِّ ليظهرهُ على الدينِ كلِّه ولو كره المشركون‏)‏، ‏(‏الصف 9‏)‏، وكل من القرآن والرسول والإسلام يسمى نوراً وهدى وصراطاً مستقيما‏.‏ وكل الثلاثة متلازمة، تقول أرسل الله عز وجل رسوله، وأنزل عليه كتابه بدين الإسلام، وتقول دين الإسلام هو الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه، وكل منها نور مبين، وهدى مستبين، وصراط مستقيم‏.‏
القول في الصلاة، والتعريف بالآَل والأصحاب‏.‏
صلى عليه ربنا ومجدا *** والآل والصحب دواما سرمدا‏.‏
‏(‏صلى عليه ربنا‏)‏، قال أبو العالية‏:‏ الصلاة من الله عز وجل ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، ذكره عنه البخاري‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏(‏هو الذي يصَلَي عليكمْ وملائكَتُه‏)‏، ‏(‏الأحزاب 43‏)‏‏.‏ وفي الصحيح من الحديث القدسي‏:‏ وإذا ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم‏.‏ ‏(‏ومجَّدا‏)‏
بألف الإطلاق أي شرفه وزاده تشريفاً وتمجيداً، ‏(‏والآل‏)‏ أي آله صلى الله عليه وسلم وهم أتباعه وأنصاره إلى يوم القيامة، كما قيل‏:‏
آل النبي همو أتباع ملته *** على الشريعة من عجم ومن عرب
لو لم يكن آله إلا قرابته *** صلى المصلي على الطاغي أبي لهب‏.‏
ويدخل الصحابة في ذلك من باب أولى، ويدخل فيه أهل بيته من قرابته
وأزواجه وذريته من باب أولى وأولى‏.‏ ‏(‏والصاحب‏)‏ جمع صحابي، وهو من رأى أو لقي النبي مؤمناً به ولو لحظة، ومات على ذلك، ولو تَخللت ردة في الأصح، وهم أفضل القرون في هذه الأمة، وسيأتي في آخر المتن الكلام على فضل بعضهم على بعض، إن شاء الله تعالى‏.‏
التعريف بموضوع الكتاب‏.‏
وبعد هذا النظم في الأصول *** لمن أراد منهج الرسول
سألني إياه من لا بد لي *** من امتثال سؤله الممتثل‏.‏
‏(‏وبعد‏)‏ تَقدم الكلام عليه قريباً، أي وبعد الشهادتين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، ‏(‏هذا النظم‏)‏ الألف واللام للعهد الحضوري، موضوعه ‏(‏في الأصول‏)‏، والمراد بها هنا أصول الدين من الإيمان بالله عز وجل وأسمائه وصفاته، وملائكته وكتبه، ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وأركان الإسلام‏:‏ الشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وما يتعلق بكل منها، والكلام على رسالة نبينا محمد وما يتعلق بها، والكلام في مسألة الخلافة، والاعتصام بالكتاب والسنة، وما تحتوي عليه كل مسألة من ذلك، وسترى- إن شاء الله تعالى- تبيانها مفصلاً ‏(‏لمن أراد‏)‏ من المؤمنين ‏(‏منهج الرسول‏)‏ سبيله ومسلكه، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة‏.‏ ‏(‏سألني‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏)‏ البيت بيِّن واضح‏.‏
فقلت مع عجزي ومع إشفاقي *** معتمداً على القدير الباقي‏.‏ ‏(‏قلت‏)‏ جواب سألني، ‏(‏مع عجزي‏)‏ عدم قدرتي على ذلك، ‏(‏ومع إشفاقي‏)‏ خوفي من الغلط في هذا الباب الذي المسألة منه أكبر من الدنيا وما فيها، وذلك لقصر باعي وقلة اطلاعي، والذي قوى عزمي على ذلك هو كوني ‏(‏معتمداً‏)‏ أي متوكلاً ‏(‏على القدير‏)‏ الذي لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، ‏(‏الباقي‏)‏ الذي كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏
مقدمة‏:‏ تعرُّف العبد بما خلق له، وبأول ما فرض اللّه تعالى عليه، وبما أخذ اللّه عليه به الميثاق في ظهر أبيه آدم، وبما هو صائر إليه‏.‏
اعلم بأن اللّه جل وعلا *** لم يترك الخلق سدى وهملا
بل خلق الخلق ليعبدوه *** وبالإلهية يفردوه
‏(‏اعلم‏)‏ كلمة يؤتى بها للاهتمام وللحث على تدبر ما بعدها، والخطاب بها في هذا الموضع لكل المكلفين‏.‏ ‏(‏بأن اللّه جل‏)‏ شأنه، وتنزه عن كل نقص ‏(‏وعلا‏)‏ بكل معاني العلوّ ‏(‏لم يترك الخلق سدى‏)‏ ولا ‏(‏هملا‏)‏، أي لا يأمرهم ولا ينهاهمِ في الدنيا ولا يبعثهم فيجازيهم في الآخرة، لأنه تعالى في خلقهم إلا بالحق لا عبثاَ ولا باطلًا، بل لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏(‏إنَّ في خلق السماواتِ والأرض واختلافِ اللَّيلِ والنهارِ لآياتٍ لأولي الألبابِ، الذينَ يذكرونَ اللّه قياماً وَقُعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلقِ السماواتِ والأرضِ رَبَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانك فقنا عذابَ النار‏)‏، ‏(‏آل عمران 190- 191‏)‏‏.‏ ‏(‏ربنا ما خلقت هذا‏)‏ أي الخلق ‏(‏باطلاً‏)‏ لا بل الحق، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى‏.‏ ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل، فقالوا ‏(‏سبحانك‏)‏ أي عن أن تخلق شيئاً باطلًا تباركت وتعاليت‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏خلقَ السَّماواتِ والأرضَ بالحقِّ تعالى عما يشركون خلَقَ الإنسانَ من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبين‏)‏، ‏(‏النحل 3- 4‏)‏، يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي، وهو السموات بما حوت، والعالم السفلي وهو الأرض بما حوت، وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث، ثم نزّه تعالى نفسه عن شرك من عبد معه غيره، وهو المستقل بالخلق وحده، لا شريك له، فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له‏.‏ ثم نبه تعالى على خلق جنس الإنسان من نطفة أي مهينة ضعيفة، فلما استقل ودرج، إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه، ويحارب رسله، وهو إنما خلق ليكون عبداً لا ضداً، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏أوَلم يرَ الإنسانُ أنا خلقناهً من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبين وضَرَبَ لنا مثلاً ونسيَ خلقه قال من يحيي العظامَ وهيَ رميم قل يحييها الذي أنشأها أولَّ مرةٍ وهو بكلِّ خلقٍ عليم‏)‏، ‏(‏يس 76- 77‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أفحسِبْتُم أنَّما خلقناكُم عبثاَ وأنكم إلينا لا ترجعون‏)‏، ‏(‏المؤمنون 115‏)‏، أي أفظننتم أنكم مخلوقون عبثاً بلا قصد ولا إرادة منا، ولا حكمة لنا‏؟‏ وقيل للعبث، أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب، ‏(‏وأنكم إلينا لا ترجعون‏)‏ أي لا تعودون في الدار الآخرة، لا، ليس الأمر كذلك، إنما خلقناكم للعبادة، وإقامة أوامر الله عز وجل ثم نبعثكم ليوم لا ريب فيه، فنجازي كل عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وهذا يقوله تعالى لأهلِ النار توبيخاً وتقريعاً، وتبكيتاً بعدما رأوا الحقائق عين اليقين‏.‏ ثم قال تعالى منزهاَ نفسه عما حسبوه ‏(‏فتعالى اللّه الملك الحق‏)‏ أي تقدس أن يخلق شيئاً عبثاً، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك ‏(‏لا إله إلا هو رب العرش الكريم‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما خلقنا السماءَ والأرضَ وما بينهما باطلاً ذلك ظنُّ الذين كفروا فويلٌ للذين كفروا من النار‏)‏ ، ‏(‏ص 27‏)‏، يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثاً، وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه، ثم يجمعهم ليوم الجمع، فيثيب المطيعِ، ويعذب الكافر، وليس الأمر كما يظنه الذين كفروا الذين لا يرون بعثاً ولا معاداَ، وإنما يعتقدون هذه الدار فقط، ‏(‏فويل للذين كفروا من النار‏)‏ أي ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم، ثم بيّن تعالى أنه عز وجل من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين، فقال تعالىِ‏:‏ ‏(‏أم نجعلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعلُ المتّقينَ كالفجار‏)‏، ‏(‏ص‏:‏ 28‏)‏، أي لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من دار أخرى، يثاب فيها هذا المتقي، ويعاقب فيها هذا الفاجر‏.‏
قال ابن كثير رحمه الله تعالى‏:‏ وهذا الإرشاد يدل العقول السليمة، والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء، فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه، ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده، فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل، الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا المظلوم من هذا الظالم، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار، فتعين أن هناك داراً أخرى لهذا الجزاء والمواساة‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أوَلَم يتفكروا في أنفسِهم ما خلقَ اللّه السمواتِ والأرضَ وما بينهما إلا بالحقِّ وَأجَلٍ مسمى‏)‏، ‏(‏الروم 8‏)‏، يقول تعالى منبهاً على التفكر في مخلوقاته الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، فقال تعالى‏:‏ ‏(‏أولم يتفكروا في أنفسهم‏)‏ يعني به النظر والتدبر، والتأمل لخلق الله عز وجل الأشياء من العالم العلوي والسفلي، وما بينهما من المخلوقات المتنوعة، والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سدىً ولا باطلاً بل بالحق، وأنها مؤجلةً إلى أجلٍ مسمى، وهو يوم القيامة، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏وإنَّ كثيرا من الناسِ بلقاء ربهم لكافرون‏)‏، ‏(‏الروم 8‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏خلق اللّه السَّماواتِ والأرضَ بالحق‏)‏، ‏(‏العنكبوت 44‏)‏، أي للحق وإظهار الحق، لا على وجه العبث واللعب، ‏(‏إن في ذلك‏)‏ أي في خلقها ‏(‏الآية‏)‏ أي لدلالة ‏(‏للمؤمنين‏)‏ على أنه تعالى المتفرد بالقدر والخلق، والتدبير والإلهية‏.‏ و قال تعالى‏:‏ ‏(‏خلق اللّه السماواتِ والأرضَ بالحق‏)‏ أي بالعدل ‏(‏ولتجزى كل نفسٍ بما كسبت وهم لا يظلمون‏)‏، ‏(‏الجاثية 22‏)‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما خلقنا السماواتِ والأرضَ وما بينهما إلا بالحق‏)‏ أي لا على وجه العبث واللعب، ‏(‏وأجل مسمى‏)‏ أي وإلى مدة معينة مضروبة، يعني يوم القيامة، وهو الأجل الذي تنتهي إليه السماوات، وهو الإشارة إلى فنائهما‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أيحسبُ الإنسانُ أن يتركَ سدى‏)‏، ‏(‏القيامة 36‏)‏‏.‏
قال السدى‏:‏ يعني لا يبعث‏.‏ وقال مجاهد، والشافعي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ يعني لا يؤمر ولا ينهى‏.‏ قال ابن كثير رحمه الله تعالى‏:‏ والظاهر أن الآية تعم الحالين، أي ليس يترك في هذه الدنيا مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث، بل هو مأمور منهي في الدنيا، محشور إلى الله في الدار الآخرة‏.‏
‏(‏بل خلق‏)‏ الله تعالى ‏(‏الخلق ليعبدوه‏)‏ عز وجل بما شرعه على ألسنة رسله، وأنزل به كتبه، ‏(‏و‏)‏ مع عبادتهم إياه لا يشركون بعبادته أحداً كائنا من كان، بل ‏(‏بالإلهية يفردوه‏)‏ دون ما سواه، فمن عبد الله تعالى ألف سنة ثِم أشرك به لحظة من اللحظات ومات على ذلك، حبط جميع عمله، وصار هباءً منثوراَ، حيث أشرك مع الله في عبادته من هو مثله مخلوق لعبادة الله عز وجل، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدون‏)‏، ‏(‏الذاريات 56‏)‏، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ أي إلا لآمرهم أن يعبدون وأدعوهم لعبادتي‏.‏ يؤيده قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏وما أمِروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون‏)‏، ‏(‏التوبة 31‏)‏‏.‏
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ إلا ليعبدون، إلا ليقروا بعبادتي طوعاً أو كرهاً‏.‏ وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن جريج ومجاهد‏:‏ إلا ليعرفون، وقال الربيع بن أنس‏:‏ أي إلا للعبادة طوعاً أو كرهاً، وقال السدي‏:‏ من العبادة ما ينفع، ومنها ما لا ينفع ، ‏(‏ولئن سَألتهم مَنْ خَلَقَ السماواتِ والأرضَ ليقولُنَّ اللّه‏)‏، ‏(‏لقمان 25‏)‏، فهذا منهم عبادة، ولا ينفعهم مع الشرك‏.‏
وقال الضحاك‏:‏ المراد بذلك المؤمنون‏.‏ اهـ‏.‏ من تفسير ابن كثير‏.‏ وقال الكلبي، والضحاك، وسفيان‏:‏ هذا خاص لأهل طاعته من الفريقين، يدل عليه قراءة ابن عباس‏:‏ ‏(‏وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ- من المؤمنين- إلا ليعبدون‏)‏، ثم قال في آية أخرى‏:‏ ‏(‏ولَقَدْ ذرأنا لِجهنَّم كثيراً من الجنِّ والإنس‏)‏، ‏(‏الأعراف 17‏)‏، وقال بعضهم‏:‏ وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم إلا لمعصيتي‏.‏ وهذا معنى قول زيد بن أسلم قال‏:‏ هم على ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة، وقيل‏:‏ معناه إلا ليخضعوا لي ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، ومتذلل لمشيئته، ولا يملك أحد لنفسه خروجاً عما خلق عليه قدر ذرة من نفع ولا ضر‏.‏ وقيل‏:‏ إلا ليعبدون، إلا ليوحدون‏.‏ فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏فإذا ركبوا في الفًلكِ دعوا اللّه مخلصينَ له الدّين ‏(‏العنكبوت 65‏)‏ الآية‏.‏ اهـ من تفسير البغوي رحمه الله تعالى‏.‏ قلت‏:‏ وهذه الأقوال في هذه الآية، وإن كانت متقاربة والآية تسع جميعها، أرجحها الأول، وهو قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ إلا لآمرهم وأدعوهم لعبادتيِ، يؤيده قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إلهَ إلا هو سبحانه عما يشركون‏)‏، ‏(‏التوبة 31‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وما أمِروا إلا ليعبدوا اللّه مخلصينَ له الدينَ حنفاء‏)‏، ‏(‏البينة 5‏)‏ الآية، وغيرها من الآيات‏.‏ ويؤيد ذلك أن الله تبارك وتعالى إنما شاء العبادة من جميع عباده، وأرادها منهم، وقضاها عليهم في الشرع لا في الكون، فمن أطاع أمره وأتى بما أراده وشاءه منه، فله رضاه والجنة، ومن خالف في ذلك، فله سخطه والنار‏.‏
ولو شاء الله تعالى من جميعهم العبادة، وأرادها في الكون، لم يكن لهم بد من ذلك، ولم يكن لأحد إلى معصية الله تعالى من سبيل، ولا يخرج عن قضائه تعالى وقدره شيء من المخلوقات مثقال ذرة، فإنه لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا مضاد لأمره، ولا ناقض لما أبرمه، ولا دفاع لما قدره، ولذلك قال المفسرون هذا المعنى في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وقضى رَبُّكَ ألا تعبدوا إلا إيّاه‏)‏، ‏(‏الإسراء 23‏)‏، فقال ابن عباس، وقتادة، والحسن‏:‏ وأمر ربك‏.‏ وقال الربيع بن أنس‏:‏ وأوجب ربك‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ وأوصى ربك‏.‏ وقرأ أبيّ بن كعب، وابن مسعود، والضحاك بن مزاحم ‏(‏ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه‏)‏، ولو أنه تبارك وتعالى قضى في الكون أن لا يعبد إلا إياه، لم يشرك به أحد من خلقه، وإنما قضى ذلك شرعاً؛ ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى‏.‏ وهذه المشيئة منه للعبادة من عباده شرعاً عامة لمؤمنهم وكافرهم، وأما مشيئته للعبادة الكونية القدرية فخاصة للمؤمنين، فلهذا
اتفقت فيهم المشيئتان، فوافقوا المشيئة الشرعية لما سبق لهم في المشيئة القدرية الكونية، وأما الكافر فلم يوافق المشيئة الشرعية، لما سبق عليه في المشيئة القدرية من الشقاوة‏.‏
فتبين بهذا أن المشيئة الكونية القدرية لا خروج لأحد منها، ولا محيد له عنها، سواء سبقت له بالشقاوة أو السعادة‏.‏ وأما المشيئة الشرعية، فمن كان سبق له في القدرية أنه يوافقها، كان كذلك، أو يخالفها كان كذلك‏.‏
وأما معنى العبادة، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى‏:‏ العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى وبرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة‏.‏ فالصلاة والزكاة، والصيام والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصله الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم، والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر، والقراءة وأمثال ذلك من العبادة- يعني الظاهرة- وكذلك حب الله ورسوله، وخشيته والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله- يعني‏:‏ الباطنة، وجماع العبادة كمال الحب مع كمال الذل، وسيأتي إن شاء اللة تعالى زيادة بحثها في بابها من المتن‏.‏
أخرج فيما قد مضى من ظهر *** آدم ذريته كالذرَ
وأخذا العهد عليهم أنه *** لا رب معبود بحق غيره‏.‏
‏(‏أخرج‏)‏ أي الله تبارك وتعالى ‏(‏فيما‏)‏ أي الزمن الذي ‏(‏قد مضى‏)‏ وذلك بعد خلقه آدم عليه الصلاة والسلام ‏(‏من ظهر آدم‏)‏ أبي البشر عليه السلام ‏(‏ذريته‏)‏ كل من يوجد منهم إلى يوم القيامة ‏(‏كالذر‏)‏ أي كهيئته، ‏(‏وأخذ‏)‏ عز وجل ‏(‏العهد عليهم‏)‏، وتفسير العهد ‏(‏أنه‏)‏ الضمير للشأن أو الحال هو ربهم ‏(‏لا رب معبود‏)‏ مستحق للعبادة، ولذا قيد ‏(‏بحق غيره‏)‏، وإلا فكم قد اتخذ أعداؤه من أرباب، وعبدوها بالباطل بدون حق، بل بالظلم العظيم ، قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏وَإذْ أخَذَ رَبكَ مِنْ بَني آدم مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيتهمْ وَأشَهَدَهُم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أوْ تَقُولُوا إِنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيةً مِنْ بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ وَكَذلِكَ نُفَصِّل الآياتِ وَلَعَلّهُمْ يَرْجِعُون‏)‏، ‏(‏الأعراف 172- 174‏)‏‏.‏
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يقال للرجلِ من أهل النار يوم القيامة‏:‏ أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت مفتدياَ به‏؟‏ قال فيقول‏:‏ نعم، فيقول‏:‏ قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي‏.‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ إن الله تعالى أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلاً، قال تعالى‏:‏ ‏(‏ألَسْتُ بربِّكُم قالوا بلى شَهِدنا أن تقولوا يومَ القيامةِ إِنا كنَّا عن هذا غافِلينَ أوْ تقولُوا إِنَّما أشركَ آباؤُنا من قبلً وكنا ذرية‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله ‏(‏المبطلون‏)‏‏.‏ رواه أحمد والنسائي والحاكم، وقال‏:‏ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه‏.‏
وقد روي من طرق كثيرة موقوفاً‏.‏ وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن هذه الآية‏:‏ ‏(‏وإِذْ أخَذَ ربكَ من بني آدَمَ من ظهورهم ذريِّتَهم وأشهَدَهُم على أنفسِهِم ألستُ بربكم قالوا بلى‏)‏ الآية، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ سمعت رسول اللّه سئل عنها، فقال‏:‏ إن اللّه خلق آدم عليه السلام ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، قال‏:‏ خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية ، قال‏:‏ خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون‏.‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله، ففيم العمل‏؟‏ قال رسول الله- صلى اللخ عليه وسلم‏:‏ إذا خلق الله العبد للجنة، استعمله بأعمال أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخل به الجنة، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بأعمال أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخل به النار‏.‏ رواه أحمد وأبو داود، والنسائي والترمذي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن‏.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم‏:‏ لما خلق الله آدم، مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثمِ عرضهم على آدم، فقال‏:‏ أي رب، من هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ هؤلاء ذريتك‏.‏ فرأى رجلاَ منهم، أعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال‏:‏ أي رب، من هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له داود‏.‏ قال‏:‏ رب، وكم جعلت عمره‏؟‏ قال‏:‏ ستين سنة‏.‏ قال‏:‏ أي رب، زده من عمري أربعين سنة‏.‏ فلما انقضى عمر آدم، جاءه ملك الموت، فقال‏:‏ أولم يبق من عمري أربعون سنة‏؟‏ قال‏:‏ أو لم تعطها لابنك داود‏؟‏ قال‏:‏ فجحد آدم، فجحدت ذريته‏.‏ ونسي آدم، فنسيت ذريته‏.‏ رواه الترمذي، وقال‏:‏
هذا حديث حسن صحيح‏.‏
وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي- صلى الله عليه وسلم، ورواه الحاكم، وقال‏:‏ صحيح على شرح مسلم، ولم يخرجاه، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره نحو ما تقدم إلى أن قال‏:‏ ثم عرضهم على آدم فقال‏:‏ يا آدم، هؤلاء ذريتك، وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى، وأنواع الأسقام، فقال آدم‏:‏ يا رب، لم فعلت هذا بذريتي‏؟‏ قال‏:‏ كي تشكر نعمتيَ‏.‏ وقال آدم‏:‏ يا رب، من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نوراً‏؟‏ قال‏:‏ هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك‏.‏ ثم ذكر قصة داود كنحو ما تقدم‏.‏
وعن هشام بن حكيم رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله، أتبدأ الأعمال أم قد قضي القضاء‏؟‏ قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، ثم قال‏:‏ هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار‏.‏ فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار‏.‏ رواه ابن جرير، وابن مردويه، من طرق عنه‏.‏
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لما خلق الله الخلق وقضى القضية، أخذ أهل اليمين بيمينه، وأهل الشمال بشماله، فقال‏:‏ يا أصحاب اليمين، فقالوا‏:‏ لبيك وسعديك‏.‏ قال ألست بربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى، قال‏:‏ يا أصحاب الشمال، قالوا‏:‏ لبيك وسعديك‏.‏ قال‏:‏ ألست بربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى، ثم خلط بينهم‏.‏ فقال له‏:‏ يا رب، لم خلطت بينهم، قال‏:‏ لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، ثم ردهم في صلب آدم‏.‏ رواه ابن مردويه، وفيه جعفر بن الزبير، وهو ضعيف‏.‏
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ أخرج اللّه ذرية آدم من ظهره كهيئة الذر، وهو في أذى من الماء‏.‏ رواه ابن جرير‏.‏ وله عنه رضي الله عنه قال‏:‏ إن الله تعالى مسح صلب آدم، فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وتكفل لهم بالرزق‏.‏ ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به، نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به، لم ينفعه الميثاق الأول‏.‏ ومن مات صغيراً قبل أن يدرك الميثاق الآخر، مات على الميثاق الأول على الفطرة‏.‏
وله عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال‏:‏ رسول الله- صلى الله عليه وسلم‏:‏ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، قال‏:‏ أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم، وأشهدهم على أنفسهم‏:‏ ألست بربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى، قالت الملائكة‏:‏ شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين‏.‏ وصحح ابن كثير وقفه‏.‏
وعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإذ أخَذَ ربُّكَ من بني آدمَ من ظهورهم ذريَّتهم وأشهدهم على أنفُسِهِم ألستُ بربِّكم قالوا بلى‏)‏ الآيات، قال‏:‏ فجمع له يومئذ جميعاً ما هو كائن منه إلى يوم القيامة، فجعلهم في صورهم، ثم استنطقهم، فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم‏؟‏ قالوا بلى‏.‏ الآية، قال‏:‏ فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم، أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري، ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئاً، وإني سأرسل إليكم رسلاً ليذكروكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي‏.‏ قالوا‏:‏ نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقروا له يومئذ بالطاعة، ورفع أباهم آدم، فنظر إليهم، فرأى فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال‏:‏ يا رب، لو سويت بين عبادك، قال‏:‏ إني أحببت أن أشكر‏.‏ ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج، عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، فهو الذي يقول تعالى -‏:‏ ‏(‏وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم‏)‏، ‏(‏الأحزاب 7‏)‏ الآية، وهو الذي يقول‏:‏ ‏(‏فاقم وجْهَكَ للدينِ حنيفاً فِطْرةَ اللّه‏)‏، ‏(‏الروم 30‏)‏ الآية، ومن ذلك قال‏:‏ ‏(‏هذا نذيرٌ مِنَ النُّذرِ الأولى‏)‏، ‏(‏النجم 56‏)‏، ومن ذلك قال‏:‏ ‏(‏وما وَجَدْنا لأكثَرِهم مِنْ عَهْد‏)‏، ‏(‏الأعراف 102‏)‏ الآية، رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه‏.‏ وفي البغوي قال مقاتل وغيره من أهل التفسير‏:‏ إن اللّه تعالى مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء، كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء، كهيئة الذر، فقال‏:‏ يا آدم، هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم‏:‏ ألست بربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى، فقال للبيض‏:‏ هؤلاء في الجنة برحمتي ولا أبالي، وهم أصحاب اليمين، وقال للسود‏:‏ هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال، ثم أعادهم جميعاً في صلبه، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء، قال الله تعالى فيمن نقض العهد الأول‏:‏ ‏(‏وما وَجَدْنا لأكثرهم من عهد‏)‏، وقال بعض أهل التفسير‏:‏ إن أهل السعادة أقروا طوعاً وقالوا بلى‏.‏ وأهل الشقاوة قالوا تقية وكرها‏.‏ وذلك معنى قوله تعالى -‏:‏ ‏(‏وله أسلم من في السماوات والأرضِ طوعاً وكرهاً‏)‏‏.‏
واختلفوا في موضع الميثاق، قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ببطن نعمان واد إلى جنب عرفة‏.‏ وروي عنه أيضاً أنه بدهناء من أرض الهند، وهو الموضع الذي هبط آدم عليه السلام عليه، وقال الكلبي‏:‏ بين مكة والطائف، وقال السدي‏:‏ أخرج آدم عليه السلام من الجنة، فلم يهبطه من السماء، ثم مسح ظهره فأخرج ذريته‏.‏
وروي أن اللّه تعالى أخرجهم جميعاً وصورهم، وجعل لهم عقولاً يعلمون بها، وألسناً ينطقون بها، ثم كلمهم قبلاً- يعني‏:‏ عياناً- وقال‏:‏ ألست بربكم‏؟‏ وقال الزجاج‏:‏ وجائز أن يكون اللّه تعالى جعل لأمثال الذر فهماً تعقل به، كما قال تعالى -‏:‏ ‏(‏قالتْ نملةٌ يا أيها النَّملُ ادخلوا مساكِنَكُم‏)‏، ‏(‏النمل 18‏)‏‏.‏
قال البغوي‏:‏ فإن قيل ما معنى قوله‏:‏ ‏(‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم‏)‏، وإنما أخرجهم من ظهر آدم‏؟‏ قيل‏:‏ إن اللّه تعالى أخرج ذرية آدم، بعضهم عن ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنوه، وأخرجوا من ظهره‏.‏ قوله تعالى -‏:‏ ‏(‏وأشْهَدَهًم على أنْفُسِهم ألست بربِّكم قالوا بلى‏)‏ أي أشهد بعضهم على بعض، قوله‏:‏ ‏(‏شهدنا أن تقولوا‏)‏ قرأ أبو عمرو أن يقولوا، أو يقولوا، بالياء فيهما، وقرأ الآَخرون بالتاء فيهما‏.‏ واختلفوا في قوله ‏(‏شهدنا‏)‏، قال السدي‏:‏ هو خبر من الله عز وجل عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إِقرار بني آدم‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هو خبر عن قول بني آدم، أشهد الله بعضهم على بعض، فقالوا‏:‏ بلى شهدنا‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ذلك من قول الملائكة، وفيه حذف تقديره‏:‏ لما قالت الذرية بلى، قال الله عز وجل للملائكة‏:‏ اشهدوا، قالوا‏:‏ شهدنا‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏أن يقولوا‏)‏ يعني‏:‏ وأشهدهم على أنفسهم أن يقولوا أي لئلا يقولوا، أو كراهية أنْ يقولوا‏.‏ ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام أخاطبكم، ألست بربكم لئلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أي عن هذا الميثاق والإقرار، فإن قيل كيف يلزم الحجة واحداً لا يذكر الميثاق‏؟‏ قيل‏:‏ قد أوضح الله تعالى الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره، كان معانداً ناقضاً للعهد، ولزمته الحجة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر صاحب المعجزة‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏أو تقولوا إِنَّما أشْرَكَ آباؤنا مِنْ قَبل وكنَّا ذريةً من بعدهم‏)‏، يقول‏:‏ إنما أخذ الميثاق عليكم؛ لئلا تقولوا أيها المشركون‏:‏ إنما أشرك آباؤنا من قبل، ونقضوا العهد، وكنا ذرية من بعدهم، أي كنا أتباعاً لهم، فاقتدينا بهم، فتجعلوا هذا عذراً لأنفسكم، وتقولوا‏:‏ ‏(‏أفتهلِكُنا بما فَعَلَ المبطلون‏)‏ أفتعذبنا بجنايةِ آبائنا المبطلين‏؟‏ فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد ‏(‏وكَذَلك نفصِّلُ الآيات‏)‏ أي نبين الآيات؛ ليتدبرها العباد ‏(‏ولعلهم يرجعون‏)‏ من الكفر إلى التوحيد‏.‏ ا هـ‏.‏ البغوي‏.‏
وقال ابن كثير- رحمه الله تعالى‏:‏ وذهب طائفة من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد، إنما هو فطرهم على التوحيد، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم‏:‏ كل مولود يولد على الفطرة‏.‏ وفي رواية‏:‏ على هذه الملة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء‏.‏ أخرجاه‏.‏ وفي صحيح مسلم، عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم‏:‏ يقول الله تعالى‏:‏ إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم‏.‏ وعن الأسود بن سريع من بني سعد قال‏:‏ غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات، قال‏:‏ فتناول القوم الذرية بعدما قتلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد عليه، ثم قال‏:‏ ما بال أقوام يتناولون الذرية‏؟‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله، أليسوا أبناء المشركين‏؟‏ فقال‏:‏ إن خياركم أبناء المشركين‏.‏ ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها، فأبواها يهودانها وينصرانها‏.‏ قال الحسن‏:‏ ولقد قال الله تعالى في كتابه‏:‏ ‏(‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم‏)‏، قالوا‏:‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذ أخذ ربك من بني آدم‏)‏، ولمِ يقل من آدم ‏(‏من ظهورهم‏)‏، ولم يقل من ظهره ‏(‏ذرياتهم‏)‏ أي جعل نسلهم جيلاَ بعد جيل، وقرناً بعد قرن، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وَهُوَ الّذي جَعَلَكُم خلائفَ الأرض‏)‏، ‏(‏الأنعام 165‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ويجعلكم خلفاء الأرض‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كما أنْشَأكُم من ذريةِ قَوْم آخرين‏)‏، ‏(‏الأنعام 133‏)‏، ثم قال تعالى‏:‏ ‏(‏وأشْهَدَهَم على أنْفُسِهم ألستُ بربِّكم قالًوا بلى‏)‏ أي أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالاً، قال‏:‏ والشهادة تكون بالقول، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏قالوا شهدنا على أنفسنا‏)‏ الآية، وتارة تكون حالاً، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏ما كَانَ للمشركينَ أنْ يَعمروا مساجِدَ اللّه شاهدينَ على أنْفُسِهِم بالكُفر‏)‏، ‏(‏التوبة 17‏)‏ أي حالهم شاهد عليهم بذلك، لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإنَّهُ على ذَلِكَ لشهيد‏)‏، ‏(‏العاديات 7‏)‏، كما أن السؤال تارة يكون بالمقال، وتارة يكون بالحال، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وآتاكُم مِنْ كُلِّ ما سألْتموه‏)‏ ، ‏(‏إبراهيم 34‏)‏، قالوا‏:‏ ومما يدل على أن المراد بهذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قال من قال، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه‏.‏ فإن قيل إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم به كاف في وجوده، فالجواب أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الِإقرار بالتوحيد، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏أن تقولوا‏)‏ أي لئلا تقولوا يوم القيامة ‏(‏إنا كنا عن هذا غافلين‏)‏ أي عن التوحيد، ‏(‏أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا‏)‏ الآية ا هـ‏.‏
قلت‏:‏ ليس بين التفسيرين منافاة ولا مضادة ولا معارضة، فإن هذه المواثيق كلها ثابتة بالكتاب والسنة، الأول‏:‏ الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم عليه السلام وأشهدهم على أنفسهم ‏(‏ألَسْتُ بربِّكُم قالوا بلى‏)‏ الآَيات ، وهو الذي قاله جمهور المفسرين- رحمهم اللّه- في هذه الآيات، وهو نص الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما‏.‏
الميثاق الثاني‏:‏ ميثاق الفطرة، وهو أنه تبارك وتعالى فطرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏فَأقم وَجْهَكَ للدينِ حَنيفاً فِطْرةَ اللّه التي فَطَر النَّاسَ عليها لَا تَبْديلَ لِخَلْقِ الله‏)‏، ‏(‏الروم 30‏)‏ الآية، وهو الثابت في حديث أبي هريرة، وعياض بن حمار، والأسود بن سريع رضي الله عنهم، وغيرها من الأحاديث في الصحيحين وغيرهما‏.‏
الميثاق الثالث‏:‏ هو ما جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب تجديداً للميثاق الأول، وتذكيراً به ‏(‏رُسًلاً مُبَشّرينَ وَمُنْذرين لِئلا يَكونَ للنّاسِ على اللّه حجةً بعْدَ الرُّسل وكانَ اللّه عزيزاً حكيماً‏)‏، ‏(‏النساء 165‏)‏، فمن أدرك هذا الميثاق، وهو باق على فطرته التي هي شاهدة بما ثبت في الميثاق الأول، فإنه يقبل ذلك من أول مرة ولا يتوقف؛ لأنه جاء موافقاً لما في فطرته، وما جبله الله عليه، فيزداد بذلك يقينه، ويقوى إيمانه فلا يتلعثم ولا يتردد‏.‏ ومن أدركه وقد تغيرت فطرته عما جبله الله عليه من الإقرار بما ثبت في الميثاق الأول بأن كان قد اجتالته الشياطين عن دينه، وهوّده أبواه أو نَصَّراه أو مَجَّساه، فهذا إن تداركه الله تعالى برحمته، فرجع إلى فطرته، وصدق بما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، نفعه الميثاق الأول والثاني، وإن كذب بهذا الميثاق، كان مكذباً بالأول، فلم ينفعه إقراره به يوم أخذه الله عليه، حيث قال‏:‏ ‏(‏بلى‏)‏ جواباً لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏ألست بربكم‏)‏، وقامت عليه حجة الله، وغلبت عليه الشقوة، وحق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء‏.‏
ومن لم يدرك هذا الميثاق، بأن مات صغيراً قبل التكليف، مات على الميثاق الأول على الفطرة، فإن كان من أولاد المسلمين، فهم مع آبائهم، وان كان من أولاد المشركين، فالله أعلم بما كان عاملاً لو أدركه، كما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال- صلى الله عليه وسلم‏:‏ الله تعالى إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين‏.‏ وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المشركين، فقال- صلى الله عليه وسلم‏:‏ الله أعلم بما كانوا عاملين‏.‏
وبعد هذا رسله قد أرسلا *** لهم وبالحق الكتاب أنزلا
لكي بذا العهد يذكروهم *** وينذروهم ويبشروهم
كي لايكون حجة للناس بل *** للّه أعلى حجة عز وجل
فمن يصدقهم بلا شقاق *** فقد وفى بذلك الميثاق
وذاك ناجٍ من عذاب النار *** وذلك الوارث عقبى الدار
ومن بهم وبالكتاب كذبا *** ولازم الإعراض عنه والإبا
فذاك ناقض كلا العهدين *** مستوجب للخزي في الدارين‏.‏
‏(‏وبعد هذا‏)‏ أي الميثاق الذي أخذه عليهم في ظهر أبيهم، ثم فطرهم وجبلهم على الإقرار به، وخلقهم شاهدين به ‏(‏رسله‏)‏ بإسكان السين للوزن مفعول أرسل مقدم ‏(‏قد أرسلا‏)‏ بألف الإطلاق ‏(‏لهم‏)‏ أي إليهم ‏(‏وبالحق‏)‏ متعلق بأنزل أي بدين الحق، ‏(‏الكتابَ‏)‏ جنس يشمل جميع الكتب المنزلة على جميع الرسل ‏(‏أنزلا‏)‏ بألف الإطلاق، والأمر الذي أرسل الله تعالى به الرسل إلى عباده، وأنزل عليهم به الكتب، هو ‏(‏لكي بذا العهد‏)‏ الميثاق الأول ‏(‏يذكروهم‏)‏ تجديداً له، وإقامة لحجة الله البالغة عليهم، ‏(‏وينذروهم‏)‏ عقاب الله إن هم عصوه ونقضوا عهده، ‏(‏ويبشروهم‏)‏ بمغفرته ورضوانه إن هم وفوا بعهده، ولم ينقضوا ميثاقه، وأطاعوه وصدقوا رسله، والحكمة في ذلك لـ ‏(‏كي لا يكون حجة‏)‏ على الله عز وجل ‏(‏للناس بل لله‏)‏ على جميع عباده ‏(‏أعلى حجة‏)‏ أبلغها وأدمغها ‏(‏عز‏)‏ سلطانه، ‏(‏وجل‏)‏ شأنه عن أن يكون لأحد عليه حجة، كما قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو خاتم الرسل، والمصدق لما جاءوا به، وكتابه مصدق لما بين يديه مما معهم من الكتب، ومهيمن عليه ‏(‏إنَّا أوْحينا إليكَ كما أوْحينا إلى نُوحٍ والنَّبيينَ مِنْ بَعْدِهِ وأوحينا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإِسحاقَ ويعقوبَ والأسباط وعيسى وأيّوبَ ويونسَ وهارونَ وسليمانَ وآتينا داودَ زبوراً‏.‏ وَرُسلاً قَدْ قصصناهُم عَلَيْكَ مِنْ قبل وَرُسُلاً لم نَقْصُصهم عليك وَكَلَّمَ اللِّه موسىِ تكليماً‏.‏ رسلاً مُبَشرينَ ومنذرينَ لئلا يكونَ للناس على اللّه حجة بَعْدَ الرُّسل وكان اللّه عزيزاً حكيماً‏)‏ ‏(‏النساء‏:‏163- 165‏)‏، وقال تعالى لنبيه- صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قُل يا أيُّها الناسً إِنّما أنا لَكُم نذيرٌ مبين‏.‏ فالذين آمنوا وَعَمِلوا الصالحاتِ لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريم‏.‏ والذين سَعَوا في آياتنا معاجزينَ أولئكَ أصحابُ الجحيم‏)‏ ‏(‏الحج‏:‏ 49-51‏)‏، وقال تعالى له- صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إِنا أرسلناكَ شاهداً ومُبَشِّراً وَنَذيراً‏.‏ وداعياً إلى اللّه بإِذنِهِ وسراجاً منيراً وَبَشِّر المؤمنينَ بأنَّ لَهُم مِنَ الله فضلاً كبيراً‏)‏، ‏(‏الأحزاب 45-47‏)‏ الآيات‏.‏ وقال تعالى له‏:‏ ‏(‏إِنْ أنْتَ إلا نذير‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل إِنما أعِظُكم بواحدةً أنْ تقوموا للّه مَثّنى وفُرادى ثم تتَّفكروا ما بِصاحِبِكم مِنْ جِنَّة إِن هُو إلا نذير لَكم بينَ يديّ عذاب شديدة‏)‏، ‏(‏سبأ 46‏)‏ الآيات‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فاتَّقوا النارَ التي وَقُودها النَّاسُ والحًجارةُ أعِدّتْ للكافرينَ وَبشِّر الذين آمنوا وَعَملوا الصالحاتِ أنَّ لَهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار‏)‏ ‏(‏البقرة 24- 25‏)‏ الآية‏.‏ وغير ذلك من الآيات التي يخبر الله تعالى فيها أنه ما أرسل من رسول إلا داعياً إلى عبادة الله عز وجل لا شريك له، والكفر بما سواه من الأنداد، ومبشراً لمن صدقه وأطاعه بالجنة، ونذيراً لمن كذبه وعصاه من النار‏.‏ ثم أخبر تعالى أن المراد بذلك ‏(‏لِئلا يكونَ للناسِ على اللّه حجةٌ بَعْدَ الرُّسل‏)‏ ‏(‏النساء 165‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قُلْ فللَهٍ الحجةُ البالغة‏)‏، ‏(‏الأنعام 149‏)‏‏.‏ وتقدير البحث في الرسالة، واتفاق الرسل في دعوتهم يأتي في بابه، إن شاء الله عز وجل‏.‏
‏(‏فمن يصدقهم‏)‏ يعني الرسل ‏(‏بلا شقاق‏)‏ تكذيب ولا مخالفة ‏(‏فقد وفى‏)‏ لربه عز وجل ‏(‏بذلك الميثاق‏)‏ العهد الأول، وهؤلاء هم القليل من الثقلين، ولكن هم جند اللّه الغالبون المنصورون في الدنيا، وحزبه المفلحون الفائزون في الآَخرة، وجواب الشرط ‏(‏فذاك ناج من عذاب النار‏)‏ إذ لم يرتكب أسباب دخولها من معصية الله، وتكذيب رسله، كما ارتكب ذلك من خلق لها، ‏(‏وذلك الوارث عقبى الدار‏)‏ وهي الجنة لفعله أسبابها التي أمره الله- عز وجل- بها من الوفاء بعهد الله وميثاقه، وتصديق رسله وكتبه، والعمل بجميع طاعته، تبارك وتعالى‏.‏ ‏(‏ومن بهم‏)‏ أي بالرسل ‏(‏وبالكتاب‏)‏ أي الكتب التي أنزل الله عليهم ليبلغوها إلى عباده، ويبينوها ليعملوا بما فيها ‏(‏كذبا‏)‏، ‏(‏ولازم الإعراض عنه‏)‏ عما أرسل الله به رسله ‏(‏والإبا‏)‏ أي الامتناع، وهم الذين قال الله تعالى فيهم‏:‏ ‏(‏الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون‏)‏، ‏(‏غافر 70‏)‏ الآيات، وقال تعالى فيهم‏:‏ ‏(‏ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا‏)‏، ‏(‏طه 124‏)‏ الآيات وغيرها، وهؤلاء أكثر الثقلين كما قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏فأبى أكثر الناس إلا كفورا‏)‏، ‏(‏الإسراء 89‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين‏)‏، ‏(‏الأعراف 102‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله‏)‏، ‏(‏الأنعام 116‏)‏ وغير ذلك من الآيات، وجواب الشرط ‏(‏فذاك‏)‏ أي المكذب بالكتاب وبما أرسل الله تعالى به رسله، الآبي منه، المعرض عنه، المصر على ذلك حتى مات عليه هو ‏(‏ناقض كلا العهدين‏)‏ الميثاق الذي أخذه الله عليه، وفطره على الإقرار به، وما جاءت به الرسل من تجديد الميثاق الأول، وإقامة الحجة ‏(‏مستوجب‏)‏ بفعله ذلك ‏(‏للخزي في الدارين‏)‏ أي في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين‏)‏، ‏(‏القصص 42‏)‏، وقد وفى بذكر الفريقين الموفين بالعهد والناقضين له، وما لكل منهم وما عليه في الدنيا والآخرة، قول الله عز وجل‏:‏ ‏(‏للذين استجابوا لربهم‏)‏ أي فيما دعاهم إليه على ألسنة رسله، وهم الفريق الأول ‏(‏الحسنى‏)‏ الجنة ‏(‏والذين لم يستجيبوا له‏)‏ وهم الفريق الثاني ‏(‏لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد‏)‏، ‏(‏الرعد 18‏)‏، وتأويل ذلك ما ورد في الصحيحين من طرق عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يقول الله- تعالى- لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة‏:‏ لو أن لك ما في الأرض من شيء، أكنت تفتدي به‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم‏.‏ فيقول‏:‏ أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم، أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي‏.‏ وقد تقدم ذكره قريباً‏.‏
‏(‏أفَمن يَعْلم أنَّما أنزل إليكَ مِنْ ربِّكَ الحق‏)‏ يعني الفريق الأول، ‏(‏كمن هو أعمى‏)‏ يعني الفريق الثاني، لا والله ليسوا سواء ‏(‏إِنّما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بِعَهْدِ اللّه ولا ينقضونَ الميثاق‏)‏ يتناول كل العهود والمواثيق التي أمر الله عز وجل بالوفاء بها مع الحق ومع الخلق، وتناولها للميثاق المذكور من باب أولى ‏(‏والذين يَصِلون ما أمَرَ اللّه به أنْ يُوصل‏)‏ من صلة الأرحام، ومن الإيمان بالله ورسله، وعدم التفريق بين أحد منهم، ‏(‏ويخشونَ رَبَّهم ويخافونَ سوءَ الحساب والذين صَبَروا‏)‏ على قدر الله، وعلى ملازمة طاعته، وعن معصيته ‏(‏ابتغاء وَجْهِ ربّهم وأقاموا الصلاةَ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنةِ السيئة أولئك لهم عقبى الدار‏)‏‏.‏ فكأنه قيل‏:‏ ما هي‏؟‏ فقال تعالى‏:‏ ‏(‏جنات عدن يدخلونها وَمَنْ صَلَحَ من آبائهم وأزواجهم وذريّاتِهم والملائكةُ يدخلونَ عليهم مِنْ كلِّ باب سلامٌ عليكم بما صبرتم فَنِعم عقبى الدار‏)‏‏.‏ ثم ذكر الفريق الثاني بصفاتهم السيئة وبين جزاءهم عليها والعياذ بالله تعالى، فقال تعالى‏:‏ ‏(‏والذين ينقضونَ عَهدَ اللّه مِنْ بَعْد ميثاقه ويقطعونَ ما أمَر اللّه بِه أن يُوصل وَيُفسِدونَ في الأرض أولئك لَهُم اللعنةُ ولهم سوء الدار‏)‏، ‏(‏الرعد 18- 25‏)‏، فسبحان الله وبحمده، ما أبلغ حكمته، وأعدل حكمه، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 03:31 PM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل‏:‏ في انقسام التوحيد إلى نوعين، وبيان النوع الأول، وهو توحيد المعرفة والإثبات
أول واجب على العبيد *** معرفة الرحمن بالتوحيد
إذ هو من كل الأوامر أعظم *** وهو نوعان أيا من يفهم
إثبات ذات الرب جل وعلا *** أسمائه الحسنى صفاته العلى
وأنه الرب الجليل الأكبر *** الخالق البارئ والمصور
باري البرايا منشىء الخلائق *** مبدعهم بلا مثال سابق‏.‏
‏(‏أول واجب‏)‏ فرضه الله عز وجل ‏(‏على العبيد‏)‏ هو ‏(‏معرفة الرحمن‏)‏ أي معرفتهم إياه ‏(‏بالتوحيد‏)‏ الذي خلقهم له، وأخذ عليهم الميثاق به، ثم فطرهم شاهدين مقرين به، ثم أرسل به رسله إليهم، وأنزل به كتبه عليهم‏.‏ ‏(‏إذ‏)‏ حرف تعليل لأولية وجوب معرفة العباد ربهم تبارك وتعالى بالتوحيد ‏(‏هو من كل الأوامر‏)‏ جمع أمر وهو خطاب الله عز وجل المتعلق بالمكلفين بصيغة تستدعي الفعل ‏(‏أعظم‏)‏ كما أن ضده من الشرك والتعطيل والتمثيل، هو أعظم المناهي، ولهذا لا يدخل العبد في الإسلام إلا به، ولا يخرج منه إلا بضده، ولم يزحزح عن النار، ويدخل الجنة إلا به‏.‏ ولا يخلد في النار ويحرم الجنة إلا بضده، ولم تدع الرسل إلى شيء قبله، ولم تنه عن شيء قبل ضده‏.‏ ‏(‏وهو‏)‏ أي التوحيد ‏(‏نوعان‏)‏‏:‏
الأول‏:‏ التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله عز وجل وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات‏.‏
والثاني‏:‏ التوحيد الطلبي القصدي الإرادي، وهو عبادة اللّه تعالى وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له، وخوفه ورجاؤه، والتوكل عليه، والرضا به ربا وإلهاً وولياً، وأن لا يجعل له عدلًا في شيء من الأشياء، وهو توحيد الإلهية‏.‏
والقرآن كله من أوله إلى آخره في تقرير هذين التوحيدين؛ لأنه إما خبر عن الله- عز وجل- وما يجب أن يوصف به، وما يجب أن ينزه عنه، وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الطلبي الإرادي‏.‏ وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد، وما فعل بهم في الدنيا من النصر والتأييد، وما يكرمهم به في الآخرة، وهو جزاء توحيده‏.‏ وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يفعل بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم توحيده‏.‏
فالقرآن كله في التوحيد، وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، اقرأ في الجمع بين التوحيدين ‏(‏طه ما أنزلنا عليكَ القرآن لتشقى إلا تذكرةً لمنْ يَخشى تنزيلاً مِمّنْ خَلَقَ الأرض والسماوات العُلى الرحمنُ على العرشِ استوى له ما في السماواتِ وما في الأرضِ وما بينهما وما تحت الثرى وإنْ تجهر بالقولِ فإنه يعلم السِرَّ وأخفى اللّه لا إله إلا هو له الأسماءُ الحسنى‏)‏، ‏(‏طه 1- 8‏)‏ وآية الكرسي، وقل هو الله أحد، وغيرها من القرآن‏.‏ واقرأ في الأمر والنهي ‏(‏وما آتاكم الرسولُ فخذوهُ وما نهاكم عَنْهُ فانتهوا‏)‏، ‏(‏الحشر 7‏)‏، واقرأ في إكرام أهل التوحيد في الدنيا والآخرة ‏(‏إِنَّا لَنَنْصُر رُسلَنا والذين آمنوا في الحياةِ الدنيا ويومَ يقومُ الأشهاد‏)‏ ‏(‏غافر 51‏)‏، واقرأ في إخزاء أهل الشرك في الدنيا والآخرة ‏(‏واستكبرَ هُو وجنوده في الأرضِ بغيرِ الحقِّ وَظَنّوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناهُ وجنوده فنبذناهم في اليَمِّ فانظر كيفَ كانَ عاقبةُ الظالمين وجعلناهم أئمةً يدعونَ إلى النّار وَيَوْمَ القيامةِ لا يُنصرون وأتبعناهُم في هذه الدنيا لعنةً ويومَ القيامةِ هم من المقبوحين‏)‏، ‏(‏القصص 39- 42‏)‏‏.‏
والكلام في هذا الفصل على النوع الأول، وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، وهو ‏(‏إثبات‏)‏ بالرفع بدل بعض من قولنا ‏"‏ نوعان ‏"‏ أي الأول منهما ‏(‏إثبات ذات الرب جل وعلا‏)‏، فإن هذه العوالم العلويات والسفليات لا بد لها من موجد أوجدها، ويتصرف فيها ويدبرها‏.‏ ومحال أن توجد بدون موجد، ومحال أن توجد أنفسها‏.‏ قال الله تبارك وتعالى في مقام إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية‏:‏ ‏(‏أمْ خُلِقوا مِنْ غيرِ شيءٍ أمْ هم الخالقون أمْ خَلَقوا السماواتِ والأرضَ بل لا يوقنون‏)‏، ‏(‏الطور 35- 36‏)‏‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏(‏أم خُلِقوا من غير شيء‏)‏ أي من غير رب‏.‏ ومعناه‏:‏ أخلقوا من غير شيء خلقهم، فوجدوا بلا خالق، وذلك مما لا يجوز أن يكون؛ لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم، فلا بد له من خالق فإن أنكروا الخالق، لم يجز أن يوجدوا بلا خالق‏.‏ ‏(‏أم هم الخالقون‏)‏ لأنفسهم وذلك في البطلان أشد؛ لأن ما لا وجود له كيف يخلق، فإذا بطل الوجهان، قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقاً، فليؤمنوا به ‏(‏أم خلقوا السماوات والأرض‏)‏ وهذا في البطلان أشد وأشد، فإن المسبوق بالعدم يستحيل أن يوجد بنفسه، فضلاً عن أن يكون موجداً لغيره، وهذا إنكار عليهم في شركهم باللّه عز وجل وهم يعلمون أنه الخالق لا شريك له ‏(‏بل لا يوقنون‏)‏، أي ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك‏.‏
وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية‏:‏ ‏(‏أمْ خًلِقوا مِنْ غَيرِ شيءٍ أمْ هُم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون‏)‏، ‏(‏الطور 35- 37‏)‏ كاد قلبي أن يطير‏.‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏
وكثيراً ما يرشد الله تبارك وتعالى عباده إلى الاستدلال على معرفته بآياته الظاهرة من المخلوقات العلوية والسفلية، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وفي الأرضِ آياتٌ للموقنين‏)‏، ‏(‏الذاريات 20‏)‏ أي فيها من الآَيات الدالة على عظمة خالقها، وقدرته الباهرة، مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات، والمهاد والجبال والقفار، والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم، والحركات والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ولهذا قال عز وجل‏:‏ ‏(‏وفي أنْفُسِكم أفلا تبصرون‏)‏، ‏(‏الذاريات‏:‏ 21‏)‏‏.‏
قال قتادة‏:‏ من تفكر في خلق نفسه، علم أنه إنما لينت مفاصله للعبادة، وكذا ما في ابتداء الإنسان من الآيات العظمية، إذ كانت نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً إلى أن نفخ فيه الروح‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏والسماءَ بنيناها بِأيْدٍ وإِنا لموسعون والأرضَ فرشناها فَنعم الماهدون ومن كلِّ شيءٍ خلقنا زوجينِ لعلكم تذكرون‏)‏ ‏(‏الذاريات 47- 49‏)‏‏.‏
يقول تعالى منبهاً على خلق العالم العلوي والسفلي‏:‏ ‏(‏والسماء بنيناها‏)‏ أي جعلناها سقفاً محفوظاً رفيعاً ‏(‏بأيد‏)‏ أي بقوة، قاله ابن عباس، ومجاهد وقتادة، والثوري وغير واحد، ‏(‏وإنا لموسعون‏)‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لقادرون‏.‏ وعنه أيضاً‏:‏ لموسعون الرزق على خلقنا‏.‏ وقيل‏:‏ ذو وسعة‏.‏ وقال ابن كثير‏:‏ أي قد وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي‏.‏ ‏(‏والأرض فرشناها‏)‏ أي جعلناها فراشاً للمخلوقات، ‏(‏فنعم الماهدون‏)‏ الباسطون نحن‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ نعم ما وطأت لعبادي‏.‏ ‏(‏ومن كل شيء خلقنا زوجين‏)‏ صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل والجبل، والشتاء والصيف، والجن والإنس، والذكر والأنثى، والنور والظلمة، والإيمان والكفر، والسعادة والشقاوة، والجنة والنار، والحق والباطل، والحلو والمر، والدنيا والآخرة، والموت والحياة، والجامد والنامي، والمتحرك والساكن، والحر والبرد وغير ذلك ‏(‏لعلكم تذكرون‏)‏ أي لتعلموا أن الخالق واحد فرد، لا شريك له‏.‏ ا هـ‏.‏ ابن كثير والبغوي‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن في خَلْقِ السماواتِ والأرض واختلافِ الليل والنهارِ والفُلكِ التي تجري في البَحر بما ينفع الناس وما أنزل اللّه من السماءِ من ماء فأحيا به الأرضَ بَعْدَ موتها وبث فيها مِنْ كُل دابةِ وتصريفِ الرياحِ والسَّحابِ المسخر بين السماءِ والأرض لآياتٍ لقوم يعقلون‏)‏، ‏(‏البقرة 164‏)‏‏.‏
قال أبو الضحى‏:‏ لما نزلت ‏(‏وإلهكم إلهٌ واحد لا إله إلا هو الرحمنُ الرحيم‏)‏، قال المشركون‏:‏ إن كان هكذا، فليأتنا بآية، فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏(‏إن في خلق السماوات والأرض‏)‏ تلك في ارتفاعها ولطافتها، واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت، ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها، وجبالها وبحارها، وقفارها ووهادها وعمرانها، وما فيها من المنافع ‏(‏واختلاف الليل والنهار‏)‏ هذا يجيء ثم يذهب، ويخلفه الآخر ويعقبه ولا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏لا الشَّمسُ ينبغي لها أن تُدْرِكَ القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهار وكلُّ في فلك يسبحون‏)‏، ‏(‏يس 40‏)‏، وتارة يطول هذا، ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا، ثم يتعاوضان، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل‏)‏، أي يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، ‏(‏والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس‏)‏ أي في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب لمعايش الناس، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء، ‏(‏وما أنزل اللّه من السَّماءِ من ماءٍ فأحيا بِه الأرضَ بَعْدَ موتها‏)‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وآية لهم الأرضُ الميتةُ أحييناها وأخرجْنا منها حباً فمنهُ يأكلون‏)‏، ‏(‏يس 33‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله‏:‏ ‏(‏ومما لا يعلمون‏)‏‏.‏
‏(‏وبث فيها من كل دابة‏)‏ على اختلاف أشكالها، وأنواعها وألوانها، ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفي عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وما منِ دابةٍ في الأرْضِ إلا على اللّه رزقها ويعلم مستقرها ومستودَعها كل في كتابٍ مبين‏)‏، ‏(‏وتصريف الرياح‏)‏ فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وهي الريح، وتارة تأتي مبشرات بين يدي السحاب، وتارة تسوقها، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الشمال وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن، وتارة صبا وهي الشرقية، وتارة دبور وهي غربية، وغير ذلك والله أعلم‏.‏
‏(‏والسحاب المسخر بين السماء والأرض‏)‏ أي سائر بين السماء والأرض، مسخر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى- ‏(‏لآيات لقوم يعقلون‏)‏ أي في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى‏.‏ ‏(‏لقوم يعقلون‏)‏ فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقاً وصانعاً، غنياً بذاته، وكل ما سواه فقير إليه، قائم بذاته، وكل ما سواه لا يقوم إلا به، قدير لذاته، وكل ما سواه عاجز لا قدرة له إلا بما أقدره، متصف بجميع صفات الكمال، وكل ما سواه فلازمه النقص، وليس الكمال المطلق إلا له، وهو الله تبارك وتعالى‏.‏ وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏ومن آياتِه أنْ خَلَقكم من تُرابٍ ثم إذا أنتم بشرٌ تنتشرون ومن آياته أنْ خَلَق لكُم من أنْفسِكم أزواجاً لِتَسكنوا إليها وجعلَ بينكم مودة ورحمة إن في ذلكَ لآياتٍ لقوم يتفكرون ومن آياته خَلْق السماوات والأرض واختلافُ ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامُكم بالليل والنهار وابتغاؤكُم مِنْ فَضْله إن في ذلك لآياتٍ لقوم يسمعون ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماءً فيحيي بهِ الأًرضَ بعد موتها إن في ذلك لآياتٍ لقوم يعقلون ومن آياته أنْ تقوم السماءُ والأرض بأمْره ثم إذا دعاكم دعوةً من الأرضِ إذا أنتم تخرجون‏)‏، ‏(‏الروم 20- 25‏)‏‏.‏
يقول تعالى‏:‏ ‏(‏ومن آياته‏)‏ الدالة على عظمته وكمال قدرته أنه خلق أباكم آدم من تراب، ‏(‏ثم إذا أنتم بشر تنتشرون‏)‏، فأصلكم من تراب ثم من ماء مهين، ثم تصور فكان علقة، ثم مضغة، ثم صار عظاماً، شكله شكل إنسان، ثم كسا الله تعالى تلك العظام لحماً، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير، ثم أخرج من بطن أمه صغيراً، ضعيف القوى والحركة، ثم كلما طال عمره، تكاملت قوا ه وحركاته، حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار الأقاليم ويركب متن البحور، ويدور أقطار الأرض، ويكتسب ويجمع الأموال، وله فكرة وغور، ودهاء ومكر، ورأي وعلم، واتساع في أمور الدنيا والآخرة، كل بحسبه، فسبحان من أقدرهم وسيرهم، وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكر، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة‏.‏
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله تعالى خلق آدم من قبضة، قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر، والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وغير ذلك ‏.‏ رواه أحمد وأبو داود والترمذي‏.‏ وقال‏:‏ حسن صحيح‏.‏
‏(‏ومن آياته أن خلق لكم من أنْفُسِكم أزواجاً‏)‏ أي خلق لكم من جنسكم إناثاً تكون لكم أزواجاً؛ ‏(‏لتسكنوا إليها‏)‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏هو الذي خلقكم من نفس واحدةٍ وجعل منها زوجَها ليسكنَ إليها‏)‏، ‏(‏الأعراف 189‏)‏، يعني بذلك حواء، خلقها الله تعالى من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر، ولو أنه تعالى جعل بني آدم كلهم ذكوراً، وجعل إناثهم من جنس آخر من غيرهم، إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس، ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل الأزواج من جنسهم، ‏(‏وجعل بينهم مودة‏)‏ وهي المحبة، ‏(‏ورحمة‏)‏ وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إِما لمحبة لها، أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك، ‏(‏إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون‏)‏ في عظمة الله وقدرته، ‏(‏ومن آياته‏)‏ الدالة على قدرتة العظيمة ‏(‏خلق السماوات والأرض‏)‏ أي خلق السماوات في ارتفاعها واتساعها، وشفوف أجرامها، وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، وخلق الأرض في انخفاضها وكثافتها، وما فيها من جبال وأودية، وبحار وقفار، وحيوان وأشجار، ‏(‏واختلاف ألسنتكم‏)‏ يعنىِ اللغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء + تتر لهم لغة أخرى، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء إفرنج، وهؤلاء بربر، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء فرس، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إِلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله عز وجل من اختلاف لغات بني آدم ‏(‏وألوانكم‏)‏ أي واختلاف ألوانكم أبيض وأسود وأحمر، وأنتم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، وغير ذلك من اختلاف الصفات والحلى، فجميع أهل الأرض بل أهل الدنيا منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة، كل له عينان وحاجبان، وأنف وجبين، وفم وخدّان، وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة، أو الكلام ظاهراً كان أو خفياً، يظهر عند التأمل كل وجه منهم أسلوب بذاته، وهيئة لا تشبه أخرى، ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح، لا بد من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر، ‏(‏إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله‏)‏ أي ومن الآيات ما جعل الله من صفة النوم في الليل، فإن فيه تحصل الراحة وسكون الحركة، وذهاب الكلال والتعب، وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار، وهذا ضد النوم، ‏(‏إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون‏)‏ سماِع تدبر واعتبار، ‏(‏ومن آياته‏)‏ الدالة على عظمته أنه ‏(‏يريكم البرق خوفاً وطمعاَ‏)‏ أي تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة وصواعق متلفة، وتارة ترجون وميضه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها‏)‏ أي بعدما كانت هامدة، لا نبات فيها ولا شيء، ‏(‏فإذا أنزلنا عليها الماء اهتَزَّتْ وَرَبت وأنبتتْ من كل زَوْج بهيج‏)‏، ‏(‏الحج 5‏)‏، وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لقوم يعقلون ومن آياتِه أن تقومَ السماءُ والأرضُ بأمْرِه‏)‏، ‏(‏الروم 25- 26‏)‏، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏ويُمسكُ السماءَ أنْ تقعَ على الأرض إلا بإذنه‏)‏، ‏(‏الحج 65‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إنَّ اللّه يمسكُ السماواتِ والأرضَ أن ثزولا ولئن زالتا إن أمسكَهما من أحدٍ من بعدِه‏)‏، ‏(‏فاطر 41‏)‏، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا اجتهد في اليمين قال‏:‏ والذي قامت السماوات والأرض بأمره، أي هي قائمة ثابتة بأمره لها، وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم، قال تعالى‏:‏ ‏(‏ثم إذا دعاكم دعوةً من الأرضِ إذا أنتم تَخْرجون‏)‏، أي من الأرض كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏يَوْمَ يدعوكم فتستجيبونَ بحمدهِ وتظنّونَ إن لبثتم إلا قليلاً‏)‏، ‏(‏الإسراء 52‏)‏، و قال تعالى‏:‏ ‏(‏فإنما هيَ زجرةٌ واحدة فإذا هُم بالساهرة‏)‏، ‏(‏النازعات 13- 14‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن كانت إلا صيحةً واحدة فإذا هم جميعٌ لدينا محضرون‏)‏، ‏(‏يس 53‏)‏‏.‏
والآيات في هذا الباب العظيم من الاستدلال بالمخلوقات على وجود خالقها وقدرته وعظمته أكثر من أن تحصى، وأجل من أن تستقصى، وفيما ذكرنا كفاية وغنى يغني عن خرط المناطقة، ومقدماتهم ونتائجهم، وتناقضهم فيها، والله تبارك وتعالى أعلى وأكبر، وأجل وأعظم من أن يحتاج في معرفة وجوده إلى شواهد واستدلالات، فذات المخلوق نفسه شاهدة بوجود خالقه حيث أوجده، ولم يكن من قبل شيئاً، فَلِمَ يذهب يستدل بغيره، وفي نفسه الآية الكبرى والبرهان الأعظم، وشأن الله تعالى أكبر من ذلك، ولم يجحد وجوده تعالى من جحده من أعدائه إلا على سبيل المكابرة، ولهذا قال تعالى في كفرهم بآياته‏:‏ ‏(‏وَجَحدوا بها واستَيْقنتها أنْفُسهم ظلماً وَعُلّوا‏)‏، ‏(‏النمل 14‏)‏، فكيف بوجود الخالق تبارك وتعالى‏.‏ ولهذا لما قال أعداء الله لرسله على سبيل المكابرة لما جاءوهم بالبينات، فردوا أيديهم في أفواههم، وقالوا‏:‏ ‏(‏إنا كفرنا بما أرْسِلتم به وإِنا لفي شَكٍّ مما تدعوننا إليه مريب قالت رُسُلهم أفي اللّه شَك فاطِرِ السماواتِ والأرض‏)‏، ‏(‏إبراهيم 9- 10‏)‏، وهذا يحتمل شيئين‏:‏
أحدهما‏:‏ أفي وجوده تعالى شك، فإن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لغيرها شك واضطراب، وأكثر ذلك على سبيل المكابرة والاستهزاء، فيجب إقامة الحجة عليهم للإعذار إليهم، ولهذا قالت لهم رسلهم ترشدهم إلى طريق معرفته، فقالوا‏:‏ ‏(‏فاطر السماوات والأرض‏)‏ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهرة عليهما، فلا بد لهما من خالق، وهو الله الذي لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه‏.‏ والمعنى الثاني في قولهم ‏(‏أفي اللّه شك‏)‏ أي أفي إلهيته وتفرده بوجود العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو، وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالخالق، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم، والجواب لهذا الاستفهام على كلا المعنيين‏:‏ لا، أي لا شك فيه‏.‏

ذكر مناظرة أخرى بين رسل اللّه وأعدائه
قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏ألَمْ تَرَ إلى الذِي حاج إبْرَاهِيمَ في رَبِّهِ أنْ أتاهُ اللّه الْمُلْكَ إذ قال إبراهيمُ ربي الذي يُحيي ويُميتُ قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيمُ فإنَّ اللّه يأتي بالشمسِ من المشرقِ فأتِ بها من المغرب فبُهِتَ الذي كفر واللّه لا يَهْدي القومَ الظالمين‏)‏، ‏(‏البقرة 258‏)‏‏.‏ قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار‏:‏ هذا المحاج هو ملك بابل، واسمه نمرود بن كنعان، ذكروا أنه استمر في ملكه أربعمائة سنة، وكان قد طغى وبغى، وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا، ولما دعاه الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى عبادة الله وحده لا شريك له، حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الخالق- جل وعلا- عناداً ومكابرة، فحاجَّ إبراهيم الخليل في ذلك، وادعى لنفسه الربوبية، فلما قال الخليل عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحى وأميت‏)‏‏.‏
قال قتادة والسدي، ومحمد بن إسحاق‏:‏ يعني أنه إذا أتى بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر، فكأنه قد أحيا هذا وأمات هذا الآخر‏.‏ وهذا ليس بمعارضة للخليل عليه الصلاة والسلام بل هو كلام خارجي عن مقام المناظرة، ليس بمنع ولا بمعارضة، بل هو تشغيب محض، وهو انقطاع في الحقيقة، فإن الخليل عليه الصلاة والسلام استدل على وجود الخالق- جل وعلا- بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيوانات وإماتتها على وجود فاعل ذلك الذي لا بد من استنادها إليه في وجودها ضرورة؛ لعدم قيامها بأنفسها، ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة من خلقها وتسخيرها، وتسيير هذه الكواكب والرياح، والسحاب والمطر، وخلق هذه الحيوانات التي توجد مشاهدة ثم إماتتها، ولهذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ربي الذي يحيي ويميت‏)‏، فقول هذا الجاهل أنا أحيي وأميت إن عني أنه الفاعل لهذه المشاهدات، فقد كابر وعاند، وإن عني ما ذكره قتادة والسدي، ومحمد بن إسحاق، فلم يقل شيئاً يتعلق بكلام الخليل، إذ لم يمنع مستلزماً، ولا عارض الدليل‏.‏
ولما كان انقطاع مناظرة هذا المحاجّ قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم، ذكر دليلاً آخر بين وجود الخالق، وبطلان ما ادعاه النمرود، وانقطاعه جهرة ‏(‏قال إبراهيم فإنَّ اللّه يأتي بالشمسِ من المشرقِ فأتِ بها من المغرب‏)‏ أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشوق، كما سخرها خالقها ومسيّرها وقاهرها، وهو الله الذي لا إله إلا هو، خالق كل شيء، فإن كنت كما زعمت أنك تحيي وتميت، فأت بهذه الشمس من المغرب، فإن الذي يحيي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء، ولا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء، ودان له كل شيء، فإن كنت كما تزعم، فافعل هذا، فإن لم تفعله فلست كما زعمت، وأنت تَعلم وكل أحد أنك لا تقدر على شيء من هذا، بل أنت أعجز وأقل وأذل من أن تخلق بعوضة أو تتصرف فيها‏.‏ فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام يِجيب الخليل عليه الصلاة والسلام به، بل انقطع وسكت، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏فبهت الذي كفر واللّه لا يهدي القوم الظالمين‏)‏‏.‏

ذكر مناظرة أخرى من ذلك أيضًا
قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏قَالَ فِرْعونُ وما ربُّ العالمين قال ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بينهما إِنْ كُنتم موقنين قال لِمن حولَه ألا تستمعون قال ربُّكم وربُّ آبائِكُم الأولين قال إِنَّ رسولَكم الذي أرسَل إِليكم لمجنون قال ربُ المشرقِ والمغرب وما بينهما إِنْ كنتم تعقلون‏)‏، ‏(‏الشعراء 23- 28‏)‏‏.‏ يذكر تعالى ما كان بين موسى وفرعون من المقاولة والمحاجَّة والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقلية المعنوية، ثم الحسية، وذلك أن فرعون- قبحه الله- أظهر جحد الخالق تبارك وتعالى وزعم أنه الإله، ‏(‏فَحَشر فنادى فقال أنا ربّكم الأعلى‏)‏، ‏(‏النازعات 23‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏يا أيها الملأ ما عَلِمتُ لَكُم مِنْ إلهٍ غيري‏)‏، ‏(‏القصص 38‏)‏‏.‏
وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب، وأن اللّه هو الخالق البارئ المصور، الإله الحق، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وجحدوا بها واستيْقنتها أنفسهم ظلماً وَعًلّواً فانظر كيف كان عاقبةُ المفسدين‏)‏، ‏(‏النمل 14‏)‏، ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإنكار لرسالته، وإظهار أنه ما ثمَّ رب أرسله، ‏(‏وما رب العالمين‏)‏ لأنهما قالا له‏:‏ ‏(‏إنا رسول رب العالمين‏)‏، فكأنه يقول لهما‏:‏ ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثكما‏؟‏ فأجابه موسى قائلًا‏:‏ ‏(‏رب السماوات والأرض وما بينهما‏)‏، أي خالق جميع ذلك ومالكه، والمتصرف فيه، وإلهه لا شريك له، هو الله الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب النيرات الثوابت والسيارات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وأنهار، وقفار وجبال، وأشجار وحيوانات، ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطير، والسحاب المسخر، والرياح والمطر وما يحتوي عليه الجو، وغير ذلك من المخلوقات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها، ولا بد لها من موجد ومحدث وخالق، وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، الجميع مذللون مسخرون، وعبيد له خاضعون ذليلون، ‏(‏إن كنتم موقنين‏)‏ أي إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة ‏(‏قال‏)‏ أي فرعون ‏(‏لمن حوله‏)‏ من أمرائه ومرازبته وكبرائه، ورؤساء دولته على سبيل التهكم والتنقص، والاستهزاء والتكذيب لموسى عليه الصلاة والسلام فيما قاله ‏(‏ألا تستمعون‏)‏ أي ألا تعجبون من هذا في زعمه أن لكم إلهاً غيري، فقال لهم موسى‏:‏ ‏(‏ربكم ورب آبائكم الأولين‏)‏ أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد والقرون السالفة في الآباد، فإن كل واحد يعلم أنه لم يخلق نفسه، ولا أبوه ولا أمه، ولم يحدث من غير محدث، وإنما أوجده وخلقه رب العالمين، وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏سنريهِم آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفسهم حتى يَتَبَيَّن لهم أنه الحق‏)‏، ‏(‏فصلت 53‏)‏‏.‏
ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته، ولا نزعِ عن ضلالته، بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه، ‏(‏قال إِن رسولَكم الذي أُرسل إليكم لمجنون‏)‏، ‏(‏الشعراء 27‏)‏ أي ليس له عقل في دعواه أن ثم ربا غيري‏.‏ ‏(‏قال‏)‏ أي موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبه، فأجاب موسى عليه السلام بقوله‏:‏ ‏(‏رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون‏)‏ أي هو الذي جعل المشرق مشرقاً تطلع منه الكواكب، والمغرب مغرباً تغرب فيه الكواكب ثوابتها وسياراتها مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها، وهو الله لا إله إلا هو، خالق الظلام والضياء، ورب الأرض والسماء، رب الأولين والآخرين، خالق الشمس والقمر، والكواكب السائرة والثوابت الحائرة، خالق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون، وكل في فلك يسبحون، يتعاقبون في سائر الأوقات ويدورون، فهو تعالى الخالق المالك، المتصرف في خلقه بما يشاء‏.‏ فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقاً، فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغرباً، والمغرب مشرقاً، والثابت سائراً، والسائر ثابتاً، كما قال تعالى عن الذي حاجَّ إبراهيم في ربه في الآية السابقة‏.‏
ولما قامت الحجج على فرعون، وذهبت شبهه، وغُلِبَ وانقطعت حجته، ولم يبق له قول سوى العناد، عدل إلى استعمال جاهه وقوته، وسلطانه وسطوته، واعتقد أن ذلك نافعاً له، ونافذاً في موسى عليه الصلاة والسلام فقال وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال‏:‏ ‏(‏قال لَئِن اتَّخذتَ إِلهاً غيري لأجْعلنَّكَ من المسجونين‏)‏، ‏(‏الشعراء 29‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخر ما قص الله عز وجل عنه، حتى قصمه الله تعالى قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر‏.‏
ومناظرة الرسل لأعداء الله في الباب يطول ذكرها، ومقامات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع هذه الأمة أشهر من أن تذكر، فمن شاءها فليقرأ المصحف من فاتحته إلى خاتمته، إلا أن أمته لم يكن فيهم من يجحد الخالق، بل هم مُقِرُّون به وبربوبيته، غير أنهم لم يُقَدرُوه حق قدره، بل عبدوا معه غيره، ولهذا قال تعالى في شأنهم‏:‏ ‏(‏وَلَئِن سألْتهم مَنْ خَلَقَ السماواتِ والأرضِ ليقولُن اللّه‏)‏، ‏(‏لقمان‏:‏ 25، والزمر‏:‏ 38‏)‏، ‏(‏ولئن سألتهم من نَزّل من السماء ماءً فأحيا به الأرضَ من بعد مَوْتها ليقولُن اللّه‏)‏، ‏(‏العنكبوت 63‏)‏، ‏(‏وَلَئِن سألْتهم من خَلَقهم ليقوْلن اللّه‏)‏، ‏(‏الزخرف 9‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات، كما سيأتي بسطه، إن شاء الله تعالى‏.‏

ذكر ما نقل عن الأئمة وعن غيرهم في هذا الباب
عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أن الرشيد سأله عن ذلك، فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات‏.‏ وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى فقال لهم‏:‏ دعوني، فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا إلي أن سفينة في البحر موقرة، فيها أنواع من المتاجر، وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام، حتى تخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد‏.‏ فقالوا‏:‏ هذا شيء لا يقوله عاقل‏.‏ فقال‏:‏ ويحكم، هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة، ليس لها صانع‏؟‏ فبهت القوم ورجعوا إلى الحق، وأسلموا على يديه‏.‏
وعن الشافعي رحمه الله تعالى أنه سئل عن وجود الخالق عز وجل فقال‏:‏ هذا ورق التوت، طعمه واحد، تأكله الدود، فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل، فيخرج منه العسل، وتأكله الشاء والبقر والأنعام، فتلقيه بعراً وروثاً، وتأكله الظباء، فيخرج منه المسك، وهو شيء واحد‏.‏
وعن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه سئل عن ذلك، فقال‏:‏ ها هنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره، فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح ا هـ‏.‏ يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الديك‏.‏ وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد‏:‏
تأمل في رياض الأرض وانظر *** إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لُجَين شاخصات *** بأحداث هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات *** بأن الله ليس له شريك‏.‏
وقال ابن المعتز، ويروي لأبي العتاهية- رحمهما الله تعالى‏:‏
فيا عجباً كيف يُعصى الإله *** أم كيف يجحده الجاحدُ
ولله في كل تحريكة *** وفي كل تسكينة شاهد
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد‏.‏
وسئل بعض الأعراب عن هذا، وما الدليل على وجود الرب تعالى فقال‏:‏ يا سبحان الله، إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام ليدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير‏؟‏
ومن خطب قس بن ساعدة الإيادي، وكان على ملة إبراهيم- رحمه الله تعالى‏:‏ أيها الناس، اجتمعوا فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، وقولوا وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وأحياء وأموات، ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وضوء وظلام، وليل وأيام، وبر وآثام، إن في السماء خبراً، وإن في الأرض عبراً، يحار فيهن البصر، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تغور، وبحار لا تفور، ومنايا دوان، ودهر خوان، كحد النسطاس ووزن القسطاس‏.‏ أقسم قس قسماً، لا كاذباً فيه ولا آثماً، لئن كان في هذا الأمر رضى، ليكونن سخط، ثم قال‏:‏ أيها الناس، إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه، وهذا زمانه وأوانه‏.‏ ثم قال‏:‏ مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تُركوا فناموا‏.‏ وفي بعض ألفاظها قال‏:‏ شرق وغرب، ويتم وحزب، وسلم وحرب، ويابس ورطب، وأجاج وعذب، وشموس وأقمار، ورياح وأمطار، وليل ونهار، وإناث وذكور، وبرار وبحور، وحب ونبات، وآباء وأمهات، وجمع وأشتات، وآيات في إثرها آيات، ونور وظلام، وشر وإعدام، ورب وأصنام ، لقد ضل الأنام، نشو مولود، ووأد مفقود، وتربية محصود، وفقير وغنيّ، ومحسن ومسيّ، تبّاً لأرباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله، وليفقدن الآمل أمله، كلا بل هو إله واحد ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وأمات وأحيا، وخلق الذكر والأنثى، رب الآَخرة والأولى‏.‏ أما بعد فيا معشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد، وأين العليل والعوِاد، كل له معاد‏.‏ يقسم قس برب العباد، وساطح المهاد لتحشرن على الانفراد، في يوم التناد، وإذا نفخ في الصور، ونقر في الناقور، ووعظ الواعظ، فانتبذ القانط وأبصر اللاحظ‏.‏ فويل لمن صدف عن الحق الأشهر، والنور الأزهر، والعرض الأكبر في يوم الفصل، وميزان العدل، إذا حكم القدير، وشهد النذير، وبعد النصير، وظهر التقصير، فريق في الجنة وفريق في السعير‏.‏

أسماء الله الحسنى
وأسماء الله الحسنى هي التي أثبتها تعالى لنفسه، وأثبتها له عبده ورسوله محمد- صلى الله عليه وسلم، وآمن بها جميع المؤمنين، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏وَللّه الأسماءُ الحسنى فادْعوهُ بها وَذَرُوا الذين يُلحدونَ في أسمائِه سيجزون بما كانوا يَعْملون‏)‏، ‏(‏الأعراف 180‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قُل ادعُوا اللّه أو ادعوا الرَّحمنَ أيّاً مّا تدعوا فله الأسماءُ الحسنى‏)‏، ‏(‏الإسراء 110‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏اللّه لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى‏)‏، ‏(‏طه 8‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏هو اللّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيبُ والشهادةِ هو الرحمنُ الرحيمُ هو الله الذي لا إلهَ إلا هُوَ المَلِكُ القدُّوسُ السَّلامُ المؤمن المهيمنُ العَزيزُ الجَبّارُ المتَكَبّرُ سُبْحانَ اللّه عَما يُشركون هو اللّه الخالقُ البَارئُ المُصَوّرُ له الأسماءُ الحسنى يسبح له ما في السَّماواتِ والأرضِ وَهُوَ العزيزُ الحكيم‏)‏، ‏(‏الحشر 22- 24‏)‏‏.‏
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر‏.‏ أخرجاه في الصحيحين، ورواه الترمذي وزاد‏:‏ هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ المصور، الغفار القهار الوهاب، الرزاق الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف الخبير، الحليم العظيم، الغفور الشكور، العلي الكبير، الحفيظ المقيت، الحسيب الجليل، الكريم الرقيب، المجيب الواسع، الحكيم الودود، المجيد الباعث الشهيد، الحق الوكيل، القوي المتين، الولي الحميد، المحصي المبدئ المعيد، المحيي المميت، الحي القيوم، الواجد الماجد، الواحد الأحد، الفرد الصمد، القادر المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعالي، البر التواب، المنتقم العفو الرءوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغني المغنى، المعطي المانع، الضار النافع، النور الهادي، البديع الباقي، الوارث الرشيد الصبور، ثم قال الترمذي‏:‏ هذا حديث غريب‏.‏ وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث ا هـ‏.‏ ورواه الدارمي وزاد‏:‏ كلها في القرآن‏.‏
وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني، كلاهما في الدعاء، وأبو الشيخ والحاكم، وابن مردويه وأبو نعيم، والبيهقي، عن أبي هريرة‏:‏ إِن للة تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة، أسأل الله، الرحمن الرحيم، الإله الرب، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ، المصور الحليم العليم، السميع البصير، الحي القيوم، الواسع اللطيف الخبير، الحنان المنان، البديع الغفور، الودود الشكور، المجيد المبدي المعيد، النور البارئ- وفي لفظ القائم- الأول الآخر، الظاهر الباطن، العفو الغفار، الوهاب الفرد- وفي لفظ القادر- الأحد الصمد، الوكيل الكافي، الباقي المغيث الدائم، المتعال ذا الجلال والإكرام، المولى النصير، الحق المتين، الوارث المنير، الباعث القدير- وفي لفظ المجيب- المحيي المميت الحميد- وفي لفظ الجميل- الصادق الحفيظ، المحيط الكبير، القريب الرقيب، الفتاح التواب القديم، الوتر الفاطر، الرزاق العلام العلي العظيم، الغني الملك المقتدر، الأكرم الرءوف المدبر، المالك القاهر الهادي، الشاكر الكريم، الرفيع الشهيد، الواحد ذا الطول، ذا المعارج، ذا الفضل، الخلاق الكفيل الجليل‏.‏
وأخرج أبو نعيم، عن محمد بن جعفر رحمه الله تعالى قال‏:‏ سألت أبي جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء التسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة، فقال‏:‏ هي في القرآن، ففي الفاتحة خمسة أسماء‏:‏ يا الله، يا رب، يا رحمن، يا رحيم، يا ملك، وفي البقرة ثلاثة وثلاثون اسماً‏:‏ يا محيط، يا قدير، يا عليم، يا حكيم، يا علي، يا عظيم، يا تواب، يا بصير، يا ولي، يا واسع، يا كافي، يا رءوف، يا بديع، يا شاكر، يا واحد، يا سميع، يا قابض، يا باسط، يا حي، يا قيوم، يا غني، يا حميد، يا غفور، يا حليم، يا إله، يا قريب، يا مجيب، يا عزيز، يا نصير، يا قوي، يا شديد، يا سريع، يا خبير‏.‏
وفي آل عمران‏:‏ يا وهاب، يا قائم، يا صادق، يا باعث، يا منعم، يا متفضل‏.‏ وفي النساء‏:‏ يا حسيب، يا رقيب، يا شهيد، يا مقيت، يا وكيل، يا علي، يا كبير‏.‏ وفي الأنعام‏:‏ يا فاطر، يا قاهر، يا لطيف، يا برهان‏.‏ وفي الأعراف‏:‏ يا محيي، يا مميت‏.‏ وفي الأنفال‏:‏ يا نعم المولى، ويا نعم النصير‏.‏ وفي هود‏:‏ يا حفيظ، يا مجيد، يا ودود، يا فعال لما تريد‏.‏ وفي الرعد‏:‏ يا كبير، يا متعالي‏.‏ وفي إبراهيم‏:‏ يا منان، يا وارث‏.‏ وفي الحجر‏:‏ يا خلاق‏.‏ وفي مريم‏:‏ يا فرد‏.‏ وفي طه‏:‏ يا غفار‏.‏ وفي قد أفلح‏:‏ يا كريم‏.‏ وفي النور‏:‏ يا حق، يا مبين‏.‏ وفي الفرقان‏:‏ يا هاد‏.‏ وفي سبأ‏:‏ يا فتاح‏.‏ وفي الزمر‏:‏ يا عالم‏.‏ وفي غافر‏:‏ يا قابل التوب، يا ذا الطول، يا رفيع‏.‏ وفي الذاريات‏:‏ يا رزاق، يا ذا القوة، يا متين‏.‏ وفي الطور‏:‏ يا بر‏.‏ وفي اقتربت‏:‏ يا مقتدر، يا مليك‏.‏ وفي الرحمن‏:‏ يا ذا الجلال والإكرام، يا رب المشرقين، يا رب المغربين، يا باقي، يا معين‏.‏ وفي الحديد‏:‏ يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن‏.‏ وفي الحشر‏:‏ يا ملك، يا قدوس، يا سلام، يا مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبار، يا متكبر، يا خالق، يا بارئ، يا مصور‏.‏ وفي البروج‏:‏ يا مبدي، يا معيد‏.‏ وفي الفجر‏:‏ يا وتر‏.‏ وفي الإخلاص‏:‏ يا أحد، يا صمد، انتهى‏.‏
وقد حررها الحافظ ابن حجر رحمه الله في ‏(‏تلخيص الحبير‏)‏ تسعة وتسعين اِسماً من الكتاب العزيز، منطبقة على لفظ الحديث ورتبها هكذا‏:‏ الله الرب، الإله الواحد، الرحمن الرحيم، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ المصور، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الحي القيوم، العلي العظيم، التواب الحليم، الواسع الحكيم، الشاكر العليم، الغني الكريم، العفو القدير، اللطيف الخبير، السميع البصير، المولى النصير، القريب المجيب، الرقيب الحسيب، القوي الشهيد، الحميد المجيد، المحيط الحفيظ، الحق المبين، الغفار القهار، الخلاق الفتاح، الودود الغفور، الرءوف الشكور، الكبير المتعال، المقيت المستعان، الوهاب الحفي، الوارث الولي، القائم القادر، الغالب القاهر، البر الحافظ، الأحد الصمد، المليك المقتدر، الوكيل الهادي، الكفيل الكافي، الأكرم الأعلى، الرزاق ذو القوة المتين، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذو الطول، رفيع الدرجات، سريع الحساب، فاطر السماوات والأرض، بديع السماوات والأرض، نور السماوات والأرض، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام ا هـ‏.‏
وقد عدها جماعة غير من ذكرنا، كسفيان بن عيينة، وابن حزم، والقرطبي وغيرهم، وعدها ابن العربي المالكي في ‏(‏أحكام القرآن‏)‏ مرتباً لها على السور، لكنه أخطأ في بعض ما عده، كما سنشير إليه قريباً، إن شاء اللّه تعالى‏.‏
واعلم أن أسماء اللّه عز وجل ليست بمنحصرة في التسعة والتسعين المذكورة في حديث أبي هريرة، ولا فيما استخرجه العلماء من القرآن، بل ولا فيما علمته الرسل والملائكة وجميع المخلوقين، لحديث ابن مسعود عند أحمد، وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن، فقال‏:‏ اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدله مكانه فرحاً‏.‏ فقيل‏:‏ يا رسول الله، أفلا نتعلمها‏؟‏ فقال‏:‏ بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها‏.‏
واعلم أن من أسماء الله عز وجل ما لا يطلق عليه إلا مقترناً بمقابله، فإذا أطلق وحده، أوهم نقصاً، تعالى الله عن ذلك، فمنها المعطي المانع، والضار النافع، والقابض الباسط، والمعز المذل، والخافض الرافع، فلا يطلق على الله عز وجل المانع، الضار، القابض، المذل، الخافض، كلا على انفراده، بل لا بد من ازدواجها بمقابلاتها، إذ لم تطلق في الوحي إلا كذلك، ومن ذلك المنتقم، لم يأت في القرآن إلا مضافاً إلى ذو، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏عَزيز ذو انْتقام‏)‏، ‏(‏آل عمران 4‏)‏، أو مقيداً بالمجرمين، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إِنا من المجرمين مُنْتقمونَ‏)‏، ‏(‏السجدة 22‏)‏‏.‏
واعلم أنه قد ورد في القرآن أفعال، أطلقها الله عز وجل على نفسه على سبيل الجزاء العدل والمقابلة، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال، لكن لا يجوز أن يشتق له تعالى منهما أسماء، ولا تطلق عليه في غير ما سيقت فيه من الآيات، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إِنَّ المنافقينَ يخادِعونَ اللّه وَهُوَ خادِعُهم‏)‏، ‏(‏النساء 142‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏وَمَكروا وَمَكَر الله‏)‏، ‏(‏النساء 54‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏نَسُوا اللّه فَنَسِيَهم‏)‏، ‏(‏التوبة 67‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا خَلَوا إلى شَياطِينِهِم قالوا إنَّا مَعَكم إِنَّما نَحْنُ مستهزئون اللّه يَستهزئ بِهم‏)‏، ‏(‏البقرة 14‏)‏ ونحو ذلك، فلا يجوز أن يطلق على الله تعالى- مخادع ماكر، ناس مستهزئ ونحو ذلك مما يتعالى الله عنه، ولا يقال الله يستهزئ ويخادع ويمكر وينسى على سبيل الإطلاق، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً‏.‏ وقال ابن القيم- رحمه الله تعالى‏:‏ إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقاً، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ومن ظن من الجهاد المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه تعالى الماكر المخادع المستهزئ الكائد، فقد فاه بأمر عظيم، تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه، وغر هذا الجاهل أنه- سبحانه وتعالى- أطلق على نفسه هذه الأفعال، فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه تعالى كلها حسنى، فأدخلها في الأسماء الحسنى، وقرنها بالرحيم الودود، الحكيم الكريم، وهذا جهل عظيم، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقاً، بل تمدح في موضع، وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله تعالى مطلقاً، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع، ويستهزئ ويكيد، فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء يسمى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد والمتكلم، ولا الفاعل ولا الصانع؛ لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها، كالحليم والحكيم، والعزيز والفعال لما يريد، فكيف يكون منها الماكر والمخادع والمستهزئ، ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى الداعي والآتي، والجائي والذاهي، والقادم والرائد، والناسي والقاسم، والساخط والغضبان واللاعن، إلى أضعاف أضعاف ذلك من التي أطلق تعالى على نفسه أفعالها في القرآن، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل‏.‏
والمقصود أن الله- سبحانه وتعالى- لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق، سبحانه وتعالى‏.‏
قلت‏:‏ ومن هنا يتبين لك ما ذكرنا من النظر في بعض ما عدّه ابن العربي، فإن الفاعل والزارع إذا أطلقا بدون متعلق ولا سياق، يدل على وصف الكمال فيهما، فلا يفيدان مدحاً، أما في سياقها من الآيات التي ذكرت فيها، فهي صفات كمال ومدح وتوحد، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏كما بَدأنا أوَلَّ خَلْقٍ نُعيدُه وعدا علينا إِنا كنا فاعلين‏)‏، ‏(‏الأنبياء 104‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أفرأيْتُم ما تحرثون أأنْتُم تَزرعونَهُ أمْ نَحْنُ الزارعون‏)‏، ‏(‏الواقعة 63- 64‏)‏ الآيات، بخلاف ما إذا عدت مجردة عن متعلقاتها، وما سيقت فيه وله، وأكبر مصيبة أن عد في الأسماء الحسنى رابع ثلاثة، وسادس خمسة، مصرحاً قبل ذلك بقوله‏:‏ وفي سورة المجادلة اسمان فذكرهما‏.‏ وهذا خطأ فاحش، فإن الآية لا تدل على ذلك ولا تقتضيه بوجه، لا منطوقاً ولا مفهوماً، فإن الله عز وجل قال‏:‏ ‏(‏ألَم تَرَ أنَّ اللّه يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ ما يكونُ من نجوى ثلاثةٍ إلا هُوَ رابِعُهم ولا خَمْسة إلا هو سادسُهم ولا أدنى من ذلكَ ولا أكْثَر إلا هُوَ مَعَهم أينما كانوا‏)‏، ‏(‏المجادلة 8‏)‏ الآية، وأين في هذا السياق رابع ثلاثة، سادس خمسة‏؟‏ وكان حقه اللائق بمراده أن يقول‏:‏ رابع كل ثلاثة في نجواهم، وسادس كل خمسة كذلك، فإنه تعالى يعلم أفعالهم، ويسمع أقوالهم كما هو مفهوم من صدر الآية، ولكن لا يليق بهذا المعنى إلا سياق الآية‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏
واعلم أن دلالة أسماء الله تعالى حق على حقيقتها مطابقةً وتضمناً والتزاما، فدلالة اسمه تعالى ‏"‏ الرحمن ‏"‏ على ذاته عز وجل مطابقة، وعلى صفة الرحمة تضمناً، وعلى الحياة وغيرها التزاماً، وهكذا سائر أسمائه تبارك وتعالى‏.‏
وليست أسماء الله تعالى غيره كما يقوله الملحدون في أسمائه، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فإن الله عز وجل هو الإله، وما سواه عبيد، وهو الرب، وما سواه مربوب، وهو الخالق وما سواه مخلوق، وهو الأول فليس قبله شيء، وما سواه محدث كائن بعد أن لم يكن، وهو الآخر الباقي، فليس بعده شيء، وما سواه فان، فلو كانت أسماء الله تعالى غيره كما زعموا، لكانت مخلوقة مربوبة محدثة فانية، إذ كل ما سواه كذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا‏.‏
أسماء الله غير مخلوقة‏.‏
وقال عثمان بن سعيد الدارمي- نقمة الله على بشر المريسي وذويه‏:‏ باب الإيمان بأسماء الله تعالى وأنها غير مخلوقة، قال‏:‏ ثم اعترض المعترض- يعني‏:‏ ابن الثلجي- أسماء الله تعالى المقدسة، فذهب في تأويلها مذهب إمامه المريسي، فادعى أن أسماء الله غير الله، وأنها مستعارة مخلوقة كما أنه قد يكون شخص بلا اسم، فتسميته لا تزيد في الشخص ولا تنقص، يعني الخبيث أن الله تعالى كان مجهولا كشخص مجهول، لا يهتدي لاسمه ولا يدري ما هو، حتى خلق الخلق فابتدعوا له أسماء من مخلوق كلامهم، فأعاروه إياها من غير أن يعرف له اسم قبل الخلق، قال‏:‏ ومن ادعى التأويل في أسماء الخلق، قال‏:‏ ومن ادعى التأويل في أسماء الله، فقد نسب الله تعالى إلى العجز والوهن، والضرورة والحاجة إلي الخلق؛ لأن المستعير محتاج مضطر، والمعير أبدا أعلى منه وأغنى، ففي هذه الدعوى استجهال الخالق، إذ كان بزعمه هملا لا يدري ما اسمه، والله المتعالي عن هذا الوصف المنزه عنه؛ لأن أسماء الله تعالى هي تحقيق صفاته، سواء عليك قلت عبدت الله أو عبدت الرحمن أو الرحيم أو الملك العزيز الحكيم، وسواء على الرجل قال كفرت بالله أو قال كفرت بالرحمن الرحيم أو بالخالق العزيز الحكيم، وسواء عليك قلت عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد العزيز أو عبد المجيد، وسواء عليك قلت يا الله أو يا رحمن أو يا رحيم أو يا مالك يا عزيز يا جبار، بأي اسم دعوته من هذه الأسماء أو أضفته إليه، فإنما تدعو الله نفسه، من شك فيه فقد كفر، وسواء عليك قلت ربي الله أو ربي الرحمن، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون‏)‏، ‏(‏الأنبياء 112‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏سبح لله ما في السماوات وما في الأرض‏)‏، ‏(‏الصف 1‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏وسبحوه بكرة وأصيلا‏)‏، ‏(‏الأحزاب 42‏)‏، كذلك قال في الاسم‏:‏ ‏(‏سبح اسم ربك الأعلى‏)‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏يسبح لله‏)‏، ولو كان الاسم مخلوقا مستعارا غير الله، لم يأمر الله تعالى أن يسبح مخلوق غيره، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم‏)‏، ‏(‏الحشر 24‏)‏، ثم ذكر الآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل بأسمائها المخلوقة المستعارة، فقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم‏)‏، ‏(‏النجم 23‏)‏، وكذلك قال هود لقومه حين قالوا‏:‏ ‏(‏أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا‏)‏، ‏(‏الأعراف 70‏)‏، فقال لهم نبيهم‏:‏ ‏(‏أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم‏)‏، ‏(‏الأعراف 71‏)‏، يعني أن أسماء الله تعالى لم تزل كما لم يزل عز وجل، وأنها بخلاف هذه الأسماء المخلوقة التي أعاروها الأصنام والآلهة التي عبدوها من دونه‏.‏
فإن لم تكن أسماء الله بخلافها، فأي توبيخ لأسماء هذه الآلهة المخلوقة‏؟‏ إذ كانت أسماؤها وأسماء الله تعالى مخلوقة مستعارة عندكم بمعنى واحد، وكلها من تسمية العباد وتسمية آبائهم بزعمهم، ففي دعوى هذا المعارض أن الخلق عرفوا الله إلى عباده بأسماء ابتدعوها، لا أن الله عرفهم بها نفسه، فأي تأويل أوحش في أسماء الله تعالى من أن يتأول رجل أنه كان كشخص مجهول، أو بيت، أو شجرة، أو بهيمة لم يسبق لشيء منها اسم، ولم يعرف ما هو حتى عرفه الخلق بعضهم بعضا، ولا تقاس أسماء الله تعالى بأسماء الخلق؛ لأن أسماء الخلق مخلوقة مستعارة، وليست أسماؤهم نفس صفاتهم بل مخالفة لصفاتهم، وأسماء الله تعالى صفاته ليس شيء منها مخالفا لصفاته، ولا شيء من صفاته مخالفا لأسمائه‏.‏
فمن ادعى أن صفة من صفات الله مخلوقة أو مستعارة، فقد كفر وفجر؛ لأنك إذا قلت الله، فهو الله، وإذا قلت الرحمن، فهو الرحمن وهو الله، فإذا قلت الرحيم، فهو كذلك، وإذا قلت حكيم عليم حميد مجيد جبار متكبر قاهر قادر، فهو كذلك، وهو الله سواء لا يخالف اسم له صفته ولا صفته اسما ‏,‏ وقد يسمى الرجل حكيما وهو جاهل ‏,‏ وحكما وهو ظالم ‏,‏ وعزيزا وهو حقير ‏,‏ وكريما وهو لئيم، وصالحا وهو طالح ‏,‏ وسعيدا وهو شقي ‏,‏ ومحمودا وهو مذموم ‏,‏ وحبيبا وهو بغيض ‏,‏ وأسدا وحمارا وكلبا وجديا وكليبا وهرا وحنظلة وعلقمة وليس كذلك‏.‏
والله تعالى وتقدس اسمه كل أسمائه سواء، لم يزل كذلك ولا يزال، لم تحدث له صفة ولا اسم لم يكن كذلك، كان خالقا قبل المخلوقين، ورازقا قبل المرزوقين، وعالما قبل المعلومين، وسميعا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، وبصيرا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، ‏(‏طه 5‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوي على العرش‏)‏، ‏(‏السجدة 4‏)‏، وقال في موضع‏:‏ ‏(‏ثم استوى على العرش الرحمن‏)‏، ‏(‏الفرقان 59‏)‏؛ لأنهما بمعني واحد، ولو كان كما ادعى المعارض- يعني‏:‏ ابن الثلجي وإمامه المريسي، لكان الخالق والمخلوق استويا جميعا على العرش، إذ كانت أسماؤه مخلوقة عندهم، إذ كان الله في دعواهم في حد المجهول أكثر منه في حد المعروف؛ لأن لحدوث الخلق حدا ووقتا، وليس لأزلية الله تعالى حد ولا وقت، لم يزل ولا يزال، وكذلك أسماؤه لم تزل ولا تزال‏.‏
ثم احتج المعارض لترويج مذهبه هذا بأقبح قياس، فقال‏:‏ أرأيت لو كتبت اسما في رقعة، ثم احترقت الرقعة، أليس إنما تحرق الرقعة ولا يضر الاسم شيئا‏؟‏ فيقال لهذا التائه الذي لا يدري ما يخرج من رأسه‏:‏ إن الرقعة وكتابة الاسم ليس كنفس الاسم، إذا احترقت الرقعة احترق الخط، وبقي اسم الله له وعلى لسان الكاتب لم يزل قبل أن يكتب، لم تنقص النار من الاسم ولا ممن له الاسم شيئا، وكذلك لو كانت أسماء المخلوقين، لم تنقص النار من أسمائهم ولا من أجسامهم شيئا، وكذلك لو كتبت الله بهجائه في رقعة، ثم أحرقت الرقعة لاحترقت الرقعة، وكان الله سبحانه بكماله على عرشه‏.‏
وكذلك لو صور رجل في رقعة، ثم ألقيت في النار، لاحترقت الرقعة ولم يضر المصور شيئا، وكذلك القرآن لو احترقت المصاحف كلها، لم ينقص من القرآن نفسه حرف واحد، وكذلك لو احترق القراء كلهم أو قتلوا أو ماتوا، لبقي القرآن بكماله كما كان لم ينقص منه حرف واحد؛ لأنه منه بدا وإليه يعود عند فناء الخلق بكماله غير منقوص، وقد كان للمريسي في أسماء الله مذهب كمذهبه في القرآن، كان القرآن عنده مخلوقا من قول البشر، لم يتكلم الله بحرف منه في دعواه، وكذلك أسماء الله تعالى عنده من ابتداع البشر، من غير أن يقول تعالى‏:‏ ‏(‏إني أنا الله رب العالمين‏)‏، ‏(‏القصص 30‏)‏ بزعمه قط، وزعم أني متى اعترفت بأن الله تعالى تكلم بـ‏:‏ ‏(‏إني أنا الله رب العالمين‏)‏، لزمني أن أقول تكلم بالقرآن، ولو اعترفنا بذلك لانكسر علينا مذهبنا في القرآن، وقد كسره عليهم علي رغم أنوفهم، فقال‏:‏ ‏(‏إني أنا الله رب العالمين‏)‏
ولا يستحق مخلوق أن يتكلم بهذا، فإن فعل ذلك كان كافرا، كفرعون الذي قال‏:‏ ‏(‏أنا ربكم الأعلى‏)‏، ‏(‏النازعات 24‏)‏، فهذا الذي ادعوا في أسماء الله عز وجل أصل كبير من أصول الجهمية التي بنوا عليها محنتهم، وأسسوا بها ضلالتهم، غالطوا بها الأغمار والسفهاء، وهم يرون أنهم يغالطون بها الفقهاء، ولئن كان السفهاء وقعوا في غلط مذهبهم، فإن الفقهاء منهم لعلى يقين‏.‏
أرأيتم قولكم‏:‏ إن أسماء الله مخلوقة، فمن خلقها‏؟‏ وكيف خلقها‏؟‏ أجعلها أجساما وصورا تشغل أعيانها أمكنة دونه من الأرض والسماء أم موضعا دونه في الهواء‏؟‏ فإن قلتم لها أجسام دونه، فهذا ما تنقمه عقول العقلاء، وإن قلتم خلقها في ألسنة العباد فدعوه بها وأعاروها إياه، فهو مما ادعينا عليكم أن الله تعالى كان بزعمكم مجهولا لا اسم له، حتى أحدث الخلق فأحدثوا له أسماء من مخلوق كلامهم، فهذا هو الإلحاد في أسماء الله والتكذيب بها، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين‏)‏، ‏(‏الفاتحة 2- 4‏)‏ كما يضيفه إلى رب العالمين، ولو كان كما ادعيتم لقيل الحمد لله رب العالمين، المسمى الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وكما قال‏:‏ ‏(‏الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق‏)‏، ‏(‏آل عمران 2- 3‏)‏ كما قال‏:‏ ‏(‏تنزيل الكتاب من الله‏)‏، ‏(‏النصر 1‏)‏ كذلك قال‏:‏ ‏(‏تنزيل من الرحمن الرحيم‏)‏، ‏(‏تنزيل من حكيم حميد‏)‏، ‏(‏وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم‏)‏، ‏(‏النمل 6‏)‏، كلها بمعنى واحد، وكلها هي الله، والله هو أحد أسمائه، إلى أن قال‏:‏ وكما قال تعالى في كتابه‏:‏ ‏(‏أنا الله رب العالمين‏)‏، كذلك قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنا الرحمن‏)‏، ثم روى بسنده حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ أنا الرحمن، وهي الرحم شققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته‏.‏ فيقول الله تعالي‏:‏ أنا شققت لها من اسمي، وادعت الجهمية مكذبين لله ولرسوله أنهم أعاروه الاسم الذي شقها منه، ومن أين علم الخلق أسماء الخالق قبل تعليمه إياهم، فإنه لم يعلم آدم ولا الملائكة أسماء المخلوقين حتى علمهم الله تعالى من عنده، وكان بدء علمها منه، فقال تعالى‏:‏ ‏(‏وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبئهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون‏)‏، ‏(‏البقرة 31- 33‏)‏‏.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن لله تسعة وتسعين اسما، ومن أحصاها وحفظها دخل الجنة‏.‏ وساق الأسماء الحسنى كما قدمنا، ثم قال‏:‏ فهذه كلها أسماء الله تعالى لم تزل له كما لم يزل بأيها دعوت، فإنما تدعو الله نفسه، قال‏:‏ ولن يدخل الإيمان قلب رجل حتى يعلم أن الله تعالى لم يزل إلها واحدا بجميع أسمائه وجميع صفاته، لم يحدث له منها شيء، كما لم تزل وحدانيته‏.‏ انتهى كلامه- رحمه الله تعالى -‏.‏
واختلف العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من أحصاها، فقال البخاري وغيره من المحققين‏:‏ معناه حفظها، وأن إحدى الروايتين مفسرة للأخرى‏.‏ وقال الخطابي‏:‏ يحتمل وجوها‏:‏
أحدها‏:‏ أن يعدها حتى يستوفيها، بمعنى أن لا يقتصر على بعضها فيدعو الله بها كلها، ويثني عليه بجميعها، فيستوجب الموعود عليها من الثواب‏.‏
وثانيها‏:‏ المراد بالإحصاء الإطاقة، والمعنى‏:‏ من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها، وهو أن يعتبر معانيها، فيلزم نفسه بمواجبها، فإذا قال الرزاق، وثق بالرزق، وكذا سائر الأسماء‏.‏
ثالثها‏:‏ المراد بها الإحاطة بجميع معانيها، وقيل أحصاها عمل بها، فإذا قال الحكيم، سلم لجميع أوامره وأقداره، وأنها جميعها على مقتضى الحكمة، وإذا قال القدوس، استحضر كونه مقدسا منزها عن جميع النقائض ‏,‏ واختاره أبو الوفاء بن عقيل، وقال ابن بطال‏:‏ طريق العمل بها أن ما كان يسوغ الاقتداء به كالرحيم والكريم فيمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها، يعني فيما يقوم به، وما كان يختص به نفسه كالجبار والعظيم، فعلى العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه معنى الوعد، يقف فيه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد، يقف منه عند الخشية والرهبة ا هـ‏.‏
والظاهر أن معنى حفظها وأحصاها هو معرفتها والقيام بعبوديتها، كما أن القرآن لا ينفع حفظ ألفاظه من لا يعمل به، بل جاء في المراق من الدين أنهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم‏.‏
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد كلام طويل على أولوية الله تعالى وما في ذلك الشهود من الغنى التام، قال‏:‏ وليس هذا مختصا بأوليته تعالى فقط، بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الرب- سبحانه- يستغني العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها، فمن شهد مشهد علو الله تعالى على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه، كما أخبر بها أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق، وتعبد بمقتضى هذه الصفة، بحيث يصير لقلبه صمد يعرج إليه مناجيا له مطرقا واقفا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز، فيشعر بأن كلمه وعلمه صاعد إليه معروض عليه مع أوفى خاصته وأوليائه، فيستحي أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك، ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء، والتولية والعزل، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، وكشف البلاء وإرساله، وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس، إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه، فمراسيمه نافذة فيها كما يشاء‏:‏ ‏(‏يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون‏)‏، ‏(‏السجدة 5‏)‏‏.‏
فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية، استغنى به، وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات، ولا في قرار البحار، ولا تحت أطباق الجبال، بل أحاط بذلك علمه علما تفصيليا، ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته، وجميع أحواله وعزماته وجوارحه، علم أن حركاته الظاهرة والباطنة، وخواطره وإرادته، وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه، علانية بادية لا يخفى عليه منها شيء، وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه- سبحانه- لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها، وسواء عنده من أسر القول ومن جهر به، لا يشغله جهر من جهر عن سمعه صوت من أسر، ولا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها، فهي عنده كلها كصوت واحد، كما أن خلق الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة، وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير- جل جلاله- الذي يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في حندس الظلماء، ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة، ومخها وعروقها ولحمها وحركتها، ويرى مد البعوضة جناحها في ظلمة الليل، وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية بحرس حركاته وسكناته، وتيقن أنها بمرأى منه سبحانه، ومشاهدة لا يغيب عنه منها شيء‏.‏
وكذلك إذا شهد مشهد القيومية، الجامع لصفات الأفعال، وأنه قائم على كل شيء، وقائم على كل نفس بما كسبت، وأنه تعالى هو القائم بنفسه، المقيم لغيره، القائم عليه بتدبيره وربوبيته وقهره وإيصال جزاء المحسن وجزاء المسيء إليه، وأنه بكامل قيوميته لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يضل ولا ينسى‏.‏
وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين، وهو مشهد الربوبية، وأعلى منه مشهد الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن إلهية ما سواه باطل ومحال، كما أن ربوبية ما سواه كذلك، فلا أحد سواه يستحق أن يؤله ويعبد، ويصلى له ويسجد، ويستحق نهاية الحب مع نهاية الذل؛ لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، فهو المطاع وحده على الحقيقة، والمألوه وحده، وله الحكم فكل عبودية لغيره باطلة وعناء وضلال، وكل محبة لغيره عذاب لصاحبها، وكل غنى بغيره فقر وفاقة، وكل عز بغيره ذل وصغار، وكل تكثر بغيره قلة وذلة‏.‏
فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره، فكذلك استحال أن يكون لهم إله غيره، فهو الذي انتهت إليه الرغبات، وتوجهت نحوه الطلبات، ويستحيل أن يكون معه إله آخر، فإن الإله على الحقيقة هو الغني الصمد الكامل في أسمائه وصفاته الذي حاجة كل أحد إليه، ولا حاجة به إلى أحد، وقيام كل شيء به، وليس قيامه بغيره، إلى أن قال‏:‏ فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاء، وهو مشهد جامع للأسماء والصفات، وحظ العباد منه بحسب حظهم من معرفة الأسماء والصفات، ولذلك كان الاسم الدال على هذا المعنى هو اسم الله- جل جلاله- فإن هذا الاسم هو الجامع، ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلها إليه، فيقال الرحمن الرحيم العزيز الغفار القهار من أسماء الله، ولا يقال الله من أسماء الرحمن، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏ولله الأسماء الحسنى‏)‏، فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها وكل مشهد سواه، فإنما هو مشهد لصفة من صفاته، فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهية وقام بحقه من التعبد الذي هو كمال الحب مع كمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية، فقد تم له غناه بالإله الحق، وصار من أغنى العباد، ولسان مثل هذا يقول‏:‏
غنيت بلا مال عن الناس كلهم *** وإن الغنى العالي عن الشيء لا به
ا هـ‏.‏
تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وذروا الذين يلحدون في أسمائه‏)‏‏.‏
وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وذروا الذين يلحدون في أسمائه‏)‏، ‏(‏الأعراف 180‏)‏، قال ابن عباس وابن جريح ومجاهد‏:‏ هم المشركون، عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، وقيل هي تسميتهم الأصنام آلهة‏.‏ وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ يلحدون في أسمائه، أي يكذبون‏.‏ وقال قتادة‏:‏ يلحدون يشركون في أسمائه‏.‏ وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ الإلحاد التكذيب، وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر؛ لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمة الحفر ا هـ‏.‏ وهذه الأقوال متقاربة، والإلحاد يعمها، وهو ثلاثة أقسام‏:‏
الأول‏:‏ إلحاد المشركين، وهو ما ذكره ابن عباس وابن جريج ومجاهد من عدولهم بأسماء الله تعالى عما هي عليه، وتسميتهم أوثانهم بها مضاهاة لله عز وجل ومشاقة له وللرسول صلى الله عليه وسلم ‏.‏
الثاني‏:‏ إلحاد المشبهة الذين يكيفون صفات الله عز وجل ويشبهونها بصفات خلقه مضادة له تعالى وردا لقوله عز وجل‏:‏ ‏(‏ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علما‏)‏، وهو مقابل لإلحاد المشركين، فأولئك جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق، وسووه به، وهؤلاء جعلوا الخالق بمنزلة الأجسام المخلوقة، وشبهوه بها تعالى وتقدس عن إفكهم‏.‏
الثالث‏:‏ إلحاد النفاة، وهم قسمان‏:‏ قسم أثبتوا ألفاظ أسمائه تعالى دون ما تضمنته من صفات الكمال، فقالوا‏:‏ رحمن رحيم بلا رحمة، عليم بلا علم، حكيم بلا حكمة، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، واطردوا بقية الأسماء الحسنى هكذا، وعطلوها عن معانيها وما تقتضيه وتتضمنه من صفات الكمال لله تعالى وهم في الحقيقة كمن بعدهم، وإنما أثبتوا الألفاظ دون المعاني تسترا، وهو لا ينفعهم‏.‏
وقسم لم يتستروا بما تستر به إخوانهم، بل صرحوا بنفي الأسماء وما تدل عليه من المعاني، واستراحوا من تكلف أولئك، وصفوا الله تعالى بالعدم المحض الذي لا اسم له ولا صفة، وهم في الحقيقة جاحدون لوجود ذاته تعالى مكذبون بالكتاب وبما أرسل الله به رسله‏.‏
وكل هذه الأربعة الأقسام كل فريق منهم يكفر مقابله، وهم كما قالوا كلهم كفار بشهادة الله وملائكته وكتبه ورسله والناس أجمعين من أهل الإيمان والإثبات، الواقفين مع كلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين‏.‏
‏(‏صفاته العلى‏)‏ أي وإثبات صفاته العلى التي وصف بها نفسه تعالى ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال ونعوت الجلال، من صفات الذات وصفات الأفعال، مما تضمنته أسماؤه بالاشتقاق كالعلم والقدرة، والسمع والبصر، والحكمة والرحمة، والعزة والعلو، وغيرها، ومما أخبر به عن نفسه، وأخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يشتق منه اسما، كحبه المؤمنين والمتقين والمحسنين، ورضائه عن عباده المؤمنين، ورضاه لهم الإسلام دينا، وكراهته انبعاث المنافقين، وسخطه على الكافرين وغضبه عليهم، وإثبات وجهه ذي الجلال والإكرام، ويديه المبسوطتين بالإنفاق، وغير ذلك مما هو ثابت في الكتاب والسنة والفطر السليمة، وسيأتي الكلام على ما ذكر من ذلك في المتن في محله، وما لم يذكر في المتن ففي خاتمة الكتاب، إن شاء الله تبارك وتعالى‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 03:33 PM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
إثبات ربوبية الله تعالى
وأنه الرب الجليل الأكبر *** الخالق الباري والمصور
باري البرايا منشىء الخلائق *** مبدعهم بلا مثال سابق
‏(‏وأنه الرب‏)‏ أي وإثبات ربوبيته بأنه رب كل شيء ومليكه، رب الأولين والآخرين، رب المشرقين ورب المغربين، رب السماوات والأرضين وما بينهما، رب العالمين، رب الآخرة والأولى، مالك الملك فلا شريك له في ملكه، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويخفض من يشاء، ويرفع من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويصل من يشاء، ويقطع من يشاء، ويبسط الرزق لمن يشاء، ويقدره على من يشاء، يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا، ويجعل من يشاء عقيما، إنه عليم قدير، يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويحيي الأرض بعد موتها، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وخلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأغنى وأقنى وأوجد وأفنى، يبدي ويعيد ويفعل ما يريد، رفع سمك السماء فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، وبسط الأرض ودحاها فراشا لعباده ومهادا، ونصب الجبال عليها أوتادا، سخر الفلك تجري في البحر بأمره، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، فالق الإصباح وجعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون‏.‏
خالق الكون وما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، مرج البحرين، هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا، وأسبغ على عباده نعمه الظاهرة والباطنة، وجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، علم وألهم، ودبر فأحكم، وقضى فأبرم، لا راد لقضائه، ولا مضاد لأمره، ولا معقب لحكمه، ولا شريك له في ملكه، ولا إله غيره، ولا رب سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏
‏(‏الجليل‏)‏ أي المتصف بجميع نعوت الجلال وصفات الكمال، المنزه عن النقائص والمحال، المتعالي على الأشباه والأمثال، له الأسماء الحسنى والصفات العلى والمثل الأعلى، وله الحمد في الآخرة والأولى‏.‏
‏(‏الأكبر‏)‏ الذي السماوات والأرض وما فيهن، وما بينهما في كفه كخردلة في كف آحاد عباده، له العظمة والكبرياء، وهو أكبر كل شيء شهادة، لا منازع له في عظمته وكبريائه، ولا ينبغي العظمة والكبرياء إلا له، ومن نازعه في صفة منهما، أذاقه عذابه وأحل عليه غضبه، ومن يحلل عليه غضبه فقد هوى‏.‏
‏(‏الخالق‏)‏ أي المقدر والمقلب للشيء بالتدبير إلى غيره، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث‏)‏، ‏(‏الزمر 6‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا‏)‏، ‏(‏الحج 5‏)‏ الآية، قال تعالى‏:‏ ‏(‏ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين‏)‏، ‏(‏المؤمنون 12- 14‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أولم ير الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا‏)‏، ‏(‏مريم 67‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور‏)‏، ‏(‏الأنعام 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الله خالق كل شيء‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏والله خلقكم وما تعملون‏)‏، فالله تبارك وتعالى الخالق، وكل ما سواه مخلوق له مربوب له، لا خالق غيره، فجميع السماوات والأرض ومن فيهن، وما بينهما وحركات أهلها وسكناتهم، وأرزاقهم وآجالهم، وأقوالهم وأعمالهم، كلها مخلوقات له، محدثة كائنة بعد أن لم تكن، وهو خالق ذلك كله وموجده، ومبدئه ومعيده، فمنه مبدؤها وإليه منتهاها، ‏(‏ألا إلى الله تصير الأمور‏)‏، ‏(‏الشورى 53‏)‏‏.‏
‏(‏البارئ‏)‏ أي المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود، والبرء هو الفري وهو التنفيذ، وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده، سوى الله عز وجل كما قيل‏:‏ ولأنت تفري ما خلقت، وبعض القوم يخلق ثم لا يفري، أي أنت تنفذ ما خلقت، أي قدرت، بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع كل ما يريد، فالخلق التقدير، والفري التنفيذ‏.‏
‏(‏المصور‏)‏ الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بعضها عن بعض، أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها، يقال هذه صورة الأمر أو مثاله، فأولا يكون خلقا ثم برءا ثم تصويرا، وهذه الثلاثة الأسماء التي في سورة الحشر في خاتمتها ‏(‏هو الله الخالق البارئ المصور‏)‏، قال ابن كثير- رحمه الله تعالى‏:‏ أي الذي إذا أراد شيئا، قال له كن فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏في أي صورة ما شاء ركبك‏)‏، ‏(‏الانفطار 8‏)‏‏.‏
‏(‏باري البرايا‏)‏ جميع الموجودات ‏(‏منشئ الخلائق‏)‏ أي جميع المخلوقات ‏(‏مبدعهم‏)‏ أي خالقهم ومنشئهم ومحدثهم، يفسر ذلك ‏(‏بلا مثال سابق‏)‏ أي بلا نظير سالف، ومنه سميت البدعة بدعة؛ لأنها على غير مثال سابق في الشرع، وقال الله تعالى‏:‏ ‏(‏بديع السماوات والأرض‏)‏، ‏(‏البقرة 117‏)‏ أي محدثها وموجدها على غير مثال سبق، وهذا مفسر للبيت الذي قبله، وقد تقدم الكلام عليه، ولله الحمد والمنة‏.‏
الأول المبدي بلا ابتداء *** والآخر الباقي بلا انتهاء‏.‏
‏(‏الأول‏)‏ فليس قبله شيء ‏(‏المبدئ‏)‏ الذي يبدئ الخلق ثم يعيده ‏(‏بلا ابتداء‏)‏ لأوليته تعالى- ‏(‏والآخر‏)‏ فليس بعده شيء ‏(‏الباقي‏)‏ وكل ما سواه فان ‏(‏بلا انتهاء‏)‏ لآخريته تعالى، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم‏)‏، ‏(‏الحديد 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون‏)‏، ‏(‏يونس 34‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير‏)‏، ‏(‏العنكبوت 19- 20‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون‏)‏، ‏(‏القصص 88‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام‏)‏، ‏(‏الرحمن 26- 27‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار‏)‏، ‏(‏غافر 16‏)‏، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل دابة، أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر‏.‏ رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الصحيحين عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال‏:‏ دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال‏:‏ اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا‏:‏ قد بشرتنا فأعطنا‏.‏ مرتين‏.‏ ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال‏:‏ اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا‏:‏ قبلنا يا رسول الله، قالوا‏:‏ جئناك نسألك عن أول هذا الأمر، قال‏:‏ كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض‏.‏ الحديث‏.‏
وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم مقاما، فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه‏.‏ رواه البخاري‏.‏ وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ أنه تعالى يطوي السماوات بيده، ثم يقول‏:‏ أنا الملك أنا الملك، أنا الجبار المتكبر، أين ملوك الأرض‏؟‏ أين الجبارون‏؟‏ أين المتكبرون‏؟‏ وفي حديث الصور‏:‏ أنه عز وجل إذا قبض أرواح جميع خلقه، فلم يبقى سواه وحده لا شريك له، حينئذ يقول‏:‏ لمن الملك اليوم‏؟‏ ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه قائلا‏:‏ لله الواحد القهار، أي الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه‏.‏ ولابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ينادي مناد بين يدي الساعة، يا أيها الناس أتتكم الساعة، فيسمعه الأحياء والأموات، قال‏:‏ وينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا، ويقول‏:‏ لمن الملك اليوم‏؟‏ لله الواحد القهار‏.‏
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في أثناء كلامه على هذه الأسماء الأربعة، وهي الأول والآخر والظاهر والباطن‏:‏ هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه، واعلم أن لك أنت أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، بل كل شيء فله أول وآخر، وظاهر وباطن، حتى الخطرة واللحظة والنفس، وأدنى من ذلك وأكثر، فأولية الله عز وجل سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوليته سبقه لكل شيء، وآخريته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته- سبحانه- فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه- سبحانه- إحاطته بكل شيء، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان‏:‏ زمانية، ومكانية، فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، فالأول قدمه، والآخر دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه، فسبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا، ولا يحجب عنه ظاهر باطنا، بل الباطن له ظاهر والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، ثم ساق الكلام على التعبد بهذه الأسماء، فشفى وكفى- رحمه الله تعالى، ولكن قد أحاط بذلك المعنى تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتقدم قريبا بأوجز عبارة وأخصرها، فسبحان من خصه بجوامع الكلم صلى الله عليه وسلم ‏.‏
الأحد الفرد القدير الأزلي *** الصمد البر المهيمن العلي
علو قهر وعلو الشان *** جل عن الأضداد والأعوان
كذا له العلو والفوقية *** على عباده بلا كيفية‏.‏
‏(‏الأحد الفرد‏)‏ الذي لا ضد له ولا ند له، ولا شريك له في إلهيته وربوبيته، ولا متصرف معه في ذرة من ملكوته، ولا شبيه له ولا نظير له في شيء من أسمائه وصفاته، فهو أحد في إلهيته، لا معبود بحق سواه، ولا يستحق العبادة إلا هو، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، وهو أحد في ربوبيته، فلا شريك له في ملكه، ولا مضاد ولا منازع ولا مغالب، أحد في ذاته وأسمائه وصفاته، فلا شبيه له ولا مثيل، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما، فكما أنه الأحد الفرد في ذاته وإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، فهو المتفرد في ملكوته بأنواع التصرفات من الإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، والخلق والرزق، والإعزاز والإذلال، والهداية والإضلال، والإسعاد والإشقاء، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، والوصل والقطع، والضر والنفع، فلو اجتمع أهل السماوات السبع، والأرضين السبع ومن فيهن وما بينهم على إماتة من هو محييه، أو إعزاز من هو مذله، أو هداية من هو مضله، أو إسعاد من هو مشقيه، أو خفض من هو رافعه، أو وصل من هو قاطعة، أو إعطاء من هو مانعه، أو ضر من هو نافعه، أو عكس ذلك، لم يكن ذلك بممكن في استطاعتهم، وأنى لهم ذلك والكل خلقه وملكه وعبيده، وفي قبضته وتحت تصرفه وقهره، ماض فيهم حكمه، عدل فيهم قضاؤه، نافذة فيهم مشيئته، لا امتناع لهم عما قضاه، ولا خروج لهم من قبضته، ولا تحرك ذرة في السماوات والأرض، ولا تسكن إلا بإذنه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فسحقا لأصحاب السعير، كيف جحدوا بآياته وأشركوا في إلهيته وربوبيته من هو مخلوق مربوب مثلهم، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، واتخذوهم من دونه أربابا وأندادا، سووهم به وعدلوهم به، واعتقدوا أنهم متصرفون معه في ملكوته، وعبدوهم من دونه، وهم يرون ويعلمون أنهم محدثون بعد أن لم يكونوا، مسبوقون بالعدم عاجزون عن القيام بأنفسهم، فقراء إلى من يقوم بهم، وألحدوا في أسماء الله وصفاته وآياته على اختلافهم في صناعة الإلحاد، فبين مشبه له تعالى بالعدم، وهم نفاة أسماء وصفاته، بل هم نفاة وجود ذاته، وبين مشبه له بالمخلوقات، ممثل صفاته تعالى بصفات الحادثات المحدثات حاكمين عليه بعقولهم، واصفين له بما لم يصف به نفسه‏.‏
وآخرون جحدوا إرادته ومشيئته النافذة، وقدرته الشاملة وأفعاله وحكمته وحمده، وجعلوا أنفسهم هم الفاعلين لما شاءوا، الخالقين لما أرادوا من دون مشيئة لله ولا إرادة، وجحدوا أن يكون الله خلقهم وما يعملون، وآخرون جعلوا قضاءه وقدره حجة لهم على ترك أوامره ونواهيه، وأنهم لا قدرة لهم ولا اختيار، وأنه كلفهم بفعل ما لا يطاق فعله، وترك ما لا يطاق تركه، وجعلوا معاصيه طاعات إذ وافقت مشيئته الكونية وقدره الكوني، فخاصموه بمشيئته وأقداره، وعطلوا أوامره ونواهيه، ونسبوه إلى الظلم تعالى وأن تعذيبه من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة، ولم يصم ولم يحج، ولم يعمل الطاعات، ولم يترك المعاصي، كتعذيب الذكر لم يصر أنثى، والأنثى لم تصر ذكرا، وأن أمرهم بالصلاة وغيرها كأمر الآدمي بالطيران، والأعمى بنقط المصاحف، أولئك خصماء الله يوم القيامة، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، ورضي الله عن المؤمنين إذ عرفوه حق معرفته، وقدروه حق قدره، ووحدوه بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأثبتوا له ما أثبته لنفسه، ونفوا عنه التمثيل، وآمنوا بقضائه وقدره، وتلقوه بالرضا والتسليم، وأن ذلك موجب ربوبيته ومقتضى إلهيته، واللائق بحكمته وحمده، وتلقوا أمره بالسمع والطاعة، والامتثال والانقياد، ووقفوا عند نواهيه وحدوده فلم يعتدوها، ونزلوا كلا من القدر والشرع منزلته، ولم ينصبوا الخصام بينهما، فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتج به، والأمر والنهي يطاع ويمتثل، فالإيمان بالقدر من كمال التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله والقيام بالأمر والنهي موجب شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن لا يؤمن بالقضاء والقدر وينقاد للأمر والنهي، فهو مكذب بالشهادتين، ولو نطق بهما بلسانه، وهذا البحث سيأتي تفصيله عن قريب إن شاء الله في موضعه‏.‏
وإنما ساقنا إليه ها هنا الكلام على كمال أحدية الله عز وجل في إلهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وقدره وشرعه، وأنه لا معارض لمشيئته، ولا معقب لحكمه، وأن المخلوق لا تصرف له في نفسه، فضلا عن غيره، ولا قدرة له على ما لم يقدره الله تعالى عليه، فكيف يسوي به ويعدل به ويشرك معه في إلهيته، أو ينسب إليه التصرف في شيء من ملكوته، وكم يقيم الحجة تبارك وتعالى على من أشرك معه إلها غيره بأحديته في الربوبية والأسماء والصفات وإقرار المشرك بها، وأن إلهته التي أشرك لا تتصف بشيء منها، ويلزمه إفراده بالألوهية الملازمة للربوبية، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا‏)‏، ‏(‏مريم 65‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون‏)‏، ‏(‏الروم 40‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأني تؤفكون قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون‏)‏، ‏(‏يونس 34- 35‏)‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏
‏(‏القدير‏)‏ الذي له مطلق القدرة وكمالها وتمامها، الذي ما كان ليعجزه من شيء في الأرض ولا في السماء، الذي ما خلق الخلق ولا بعثهم في كمال قدرته إلا كنفس واحدة، الذي إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، الذي وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يؤده حفظهما، أي لا يكرثه ولا يثقله، الفعال لما يشاء إذا شاء كيف شاء في أي وقت شاء‏.‏
قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا‏)‏، ‏(‏النساء 133‏)‏، وقال تعالى بعد الكلام على البدء والإعادة‏:‏ ‏(‏ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل‏)‏، ‏(‏الحج 6‏)‏ الآية، وقال تعالى بعد الكلام على هذا المعنى‏:‏ ‏(‏ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير‏)‏، ‏(‏الحج 6‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا‏)‏، ‏(‏غافر 82‏)‏‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة‏)‏، ‏(‏لقمان 28‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون‏)‏، ‏(‏يس 82‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بل إنه على كل شيء قدير‏)‏، ‏(‏الأحقاف 33‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد‏)‏، ‏(‏ق 15‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب‏)‏، ‏(‏ق 38‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما‏)‏، ‏(‏الطلاق 12‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون‏)‏، ‏(‏يس 81- 82‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير‏)‏، ‏(‏تبارك 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين‏)‏، ‏(‏المعارج 40‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون‏)‏، ‏(‏المؤمنون 18‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير‏)‏، ‏(‏فصلت 39‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير +++++‏)‏، ‏(‏العنكبوت 20- 22‏)‏‏.‏
والآيات في هذا الباب كثيرة يطول ذكرها، بل كل آيات الله الظاهرة والمعنوية وجميع مخلوقاته العلوية والسفلية تدل على كمال قدرته الشاملة التي لا يخرج عنها مثقال ذرة، كما أنه لا يعزب عن عمله مثقال ذرة، وعبارة العبد تقصر عن ذلك المعنى العظيم، وكفى العبد دليلا أن ينظر في خلق نفسه، كيف قدره أحكم الحاكمين، وخلقه في أحسن تقويم، وشق له السمع فسمع، والبصر فأبصر، واللسان فنطق، والفؤاد فعقل، إلى غير ذلك، فكيف إذا سرح قلبه في عجائب الملكوت، ونظر بعين بصيرته إلى مبدعات الحي الذي لا يموت، ورأى الآيات الباهرة، والبراهين الظاهرة على كمال قدرة ذي العزة والجبروت، ‏(‏أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون‏)‏، ‏(‏الأعراف 185‏)‏، وفي حديث الاستخارة المتفق عليه‏:‏ اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم‏.‏ الحديث‏.‏
‏(‏الأزلي‏)‏ بذاته وأسمائه وصفاته، الذي لا ابتداء لأوليته، ولا انتهاء لآخريته، وليس شيء من أسمائه وصفاته متجددا حادثا لم يكن قبل ذلك، كذلك له كمال الربويية ولا مربوب، واسم الخالق ولا مخلوق، وهو العليم قبل إيجاده المعلومات، والسميع قبل إيجاده المسموعات، والبصير قبل إيجاده المبصرات، وكذلك سائر أسمائه وصفاته أزلية بأزلية ذاته، باقية ببقاء ذاته، لم يزل متصفا بها في أوليته، وكذلك لم يزل متصفا بها في سرمديته، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم البارئ، بل هو- سبحانه- الخالق قبل خلق المخلوقين، والرازق قبل وجود المرزوقين، وهو المحيي المميت قبل خلقه الموت والحياة، وكذلك وصف نفسه تبارك وتعالى- فقال‏:‏ ‏(‏وكان الله عليما قديرا- وكان الله غفورا رحيما- وكان الله عزيزا حكيما- وكان الله سميعا بصيرا- وكان الله لطيفا خبيرا- إن الله كان عليا كبيرا‏)‏ إلى غير ذلك، قال ابن عباس‏:‏ أي لم يزل كذلك ا هـ‏.‏
ولا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى وصف بصفة لم يكن متصفا بها؛ لأن صفاته- سبحانه- كلها صفات كمال، وفقدانها صفة نقص، ولا يجوز كونه قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفا بضده، وتقدم في الأزلية حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما في بدء الخلق‏:‏ كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء‏.‏
‏(‏الصمد‏)‏، قال عكرمة، عن ابن عباس‏:‏ يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله- سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤ، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار‏.‏
وعن أبي وائل‏:‏ الصمد الذي قد انتهى سؤدده، ورواه عن ابن مسعود رضي الله عنه، وعن زيد بن أسلم‏:‏ الصمد السيد‏.‏ وقال الحسن وقتادة‏:‏ هو الباقي بعد خلقه‏.‏ وقال الحسن أيضا‏:‏ الصمد الحي القيوم، الذي لا زوال له‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ الصمد الذي لم يخرج منه شيء ولم يطعم، وقال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد وعبد الله بن بريدة، وعكرمة أيضا، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي‏:‏ الصمد الذي لا جوف له‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب‏.‏ وقال عبد الله بن بريدة أيضا‏:‏ الصمد نور يتلألأ‏.‏ قال ابن كثير- رحمه الله تعالى‏:‏ روى ذلك كله وحكاه ابن أبي حاتم، والبيهقي والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده، وقال الطبراني في كتاب السنة له بعد إيراده كثيرا من هذه الأقوال في تفسير الصمد‏:‏ وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا عز وجل ‏,‏ وهو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه‏.‏ وقال البيهقي نحو ذلك‏.‏
وقال الترمذي- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا أبو سعد هو الصنعاني، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب‏:‏ أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏(‏قل هو الله أحد الله الصمد‏)‏، والصمد الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا وسيموت، وليس شيء سيموت إلا سيورث، وأن الله تعالى لا يموت ولا يورث، ‏(‏ولم يكن له كفوا أحد‏)‏‏.‏
قال‏:‏ لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء، حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم، فقالوا‏:‏ انسب لنا ربك، قال‏:‏ فأتاه جبريل عليه السلام بهذه السورة ‏(‏قل هو الله أحد‏)‏، فذكر نحوه ولم يذكر فيه أبي بن كعب، وهذا أصح من حديث أبي سعد ا هـ‏.‏
قلت‏:‏ وهذه السورة العظيمة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنها تعدل ثلث القرآن‏.‏ مشتملة على توحيد الإلهية والربوبية والأسماء والصفات، جامعة بين الإثبات لصفات الكمال وبين التنزيه له تعالى عن الأشباه والأمثال، متضمنة الرد على جميع طوائف الكفر من الدهرية والوثنية، والملاحدة من المشبهة والمعطلة، وأهل الحلول والاتحاد، ومن نسب له الصاحبة والولد، وغيرهم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، والله أعلم‏.‏
‏(‏البر‏)‏ وصفا وفعلا، قال ابن عباس‏:‏ اللطيف‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ الصادق فيما وعد‏.‏
‏(‏المهيمن‏)‏ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي ومقاتل‏:‏ هو الشهيد على عباده بأعمالهم، يقال هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبا على الشيء، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏والله على كل شيء شهيد‏)‏، ‏(‏البروج 9‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏ثم الله شهيد على ما يفعلون‏)‏، ‏(‏يونس 46‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت‏)‏، ‏(‏الرعد 33‏)‏، وقال الحسن الأمين، وقال الخليل‏:‏ هو الرقيب الحافظ‏.‏ وقال زيد المصدق، وقال سعيد بن المسيب، والضحاك‏:‏ القاضي‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ هو اسم من أسماء الله تعالى في الكتب، والله أعلم بتأويله ا هـ‏.‏
‏(‏العلي‏)‏ فكل معاني العلو ثابتة له، ‏(‏علو قهر‏)‏ فلا مغالب له ولا منازع، بل كل شيء تحت سلطان قهره، ‏(‏قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار‏)‏، ‏(‏ص 65‏)‏‏.‏ ‏(‏لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار‏)‏، ‏(‏الزمر 4‏)‏، وقد جمع الله تعالى بين علو الذات والقهر في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وهو القاهر فوق عباده‏)‏، ‏(‏الأنعام 18‏)‏، أي وهو الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله كل شيء، وذل لعظمته وكبريائه كل شيء، وعلا بذاته على عرشه فوق كل شيء‏.‏
‏(‏وعلو الشأن‏)‏ فتعالى عن جميع النقائص والعيوب المنافية لإلهيته وربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، تعالى في أحديته عن الشريك والظهير والولي والنصير، وتعالى في عظمته وكبريائه وجبروته عن الشفيع عنده بدون إذنه والمجير، وتعالى في صمديته عن الصاحبة والولد والوالد والكفؤ والنظير، وتعالى في كمال حياته وقيوميته وقدرته عن الموت والسنة والنوم والتعب والإعياء، وتعالى في كمال علمه عن الغفلة والنسيان، وعن عزوب مثقال ذرة عن علمه في الأرض أو في السماء، وتعالى في كمال حكمته وحمده عن الخلق عبثا، وعن ترك الخلق سدى بلا أمر ولا نهى ولا بعث ولا جزاء ‏,‏ وتعالى في كمال عدله على أن يظلم أحدا مثقال ذرة، أو أن يهضمه شيئا من حسناته ‏,‏ وتعالى في كمال غناه عن أن يطعم أو يرزق، أو أن يفتقر إلى غيره في شيء ‏,‏ وتعالى في صفات كماله ونعوت جلاله عن التعطيل والتمثيل، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏وما من إله إلا الله‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فاعلم أنه لا إله إلا الله‏)‏، ‏(‏محمد 19‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات‏)‏، ‏(‏الأحقاف 4‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان رب العرش عما يصفون‏)‏، ‏(‏الأنبياء 22‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيها من شرك وما له منهم من ظهير‏)‏، ‏(‏سبأ 22‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل‏)‏، ‏(‏الإسراء 111‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏)‏ ‏(‏سورة الإخلاص‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا‏)‏، ‏(‏الجن 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا‏)‏، ‏(‏مريم 65‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى‏)‏، ‏(‏الأنبياء 28‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ما من شفيع إلا من بعد إذنه‏)‏، ‏(‏يونس 3‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه‏)‏، ‏(‏البقرة 254‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وهو الذي يجير ولا يجار عليه‏)‏، ‏(‏المؤمنون 88‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وتوكل على الحي الذي لا يموت‏)‏، ‏(‏الفرقان 58‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم‏)‏، ‏(‏البقرة 254‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب‏)‏، ‏(‏ق 38‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد‏)‏، ‏(‏ق 15‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير‏)‏، ‏(‏الأحقاف 33‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما الله بغافل عما تعملون‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما كنا عن الخلق غافلين‏)‏، ‏(‏المؤمنون 17‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما كان ربك نسيا‏)‏، وقال تعالى عن موسى لما قال له فرعون‏:‏ ‏(‏فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى‏)‏، ‏(‏طه 51- 52‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏عالم علم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر‏)‏، ‏(‏سبأ 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا‏)‏، ‏(‏ص 27‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون‏)‏، ‏(‏الدخان 38- 39‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون‏)‏، ‏(‏المؤمنون 115‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أيحسب الإنسان أن يترك سدى‏)‏، ‏(‏القيامة 36‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا‏)‏، ‏(‏الكهف 49‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها‏)‏، ‏(‏النساء 40‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما ربك بظلام للعبيد‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما‏)‏، ‏(‏طه 112‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم‏)‏، ‏(‏الأنعام 14‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين‏)‏، ‏(‏الذاريات 56- 58‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد‏)‏، ‏(‏فاطر 15‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما‏)‏، ‏(‏طه 11‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‏)‏، ‏(‏الشورى 110‏)‏‏.‏
والآيات في هذا الباب كثيرة جدا، وهذان المعنيان من العلو لم يخالف فيهما أحد ممن يدعي الإسلام وينتسب إليه، وإنما ضل من ضل منهم، وأخطأ في التنزيه الذي هو مقصوده، حيث لم يسلك الطريق الموصلة إليه، وأحسن الظن بنفسه وعقله ومتبوعه، وأساءه بالكتاب والسنة، وكثير منهم اغتر بقول كان مقصود قائله الزيغ والفساد والكفران، فحسب لإحسان الظن به أن مقصوده التحقيق والإيمان والعرفان، واتبعوا السبل المضلة، فتفرقت بهم عن صراط الرحمن، فمنهم من نزهه تعالى عن فوقيته على عرشه بائنا من خلقه، ووقع في أعظم من ذلك حيث اعتقد أنه في كل مكان، ولم ينزهه حتى عن الأماكن الخسيسة، ومنهم من نزهه عن العلو والفوقية، وجعله هو الوجود بأسره، ومنهم من نزهه عن وجود ذاته، ووصفه بالعدم المحض، ومنهم من نزهه عن أفعاله ومشيئته فرارا من وصفه بالظلم، ووقع في تعطيله عن قدرته ونسبته إلى العجز، وغلا بعضهم في ذلك حتى أنكر علمه السابق، ووصفه بضده، ومنهم من غلا في مسألة القدر وإثباته، وخاصم به الأمر والنهي فرارا مما وقع فيه الأولون، ووقع في أعظم ذلك تعطيل الشريعة، ونسبته تعالى إلى الظلم وإلى تكليف عباده ما لا يطاق، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ففروا من الهدى إلى الضلالة، ومن الرشد إلى الغي، ومن الإسلام إلى الكفر، ومن السنة إلى البدعة، ومن النور إلى الظلمات، وضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فجعلوا إمامهم وقدوتهم الكتاب والسنة، وساروا معهما حيث سارا، ووقفوا حيث وقفا، فأثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى والصفات العلا، وآمنوا بالقدر خيره وشره، وتلقوه بالرضا والتسليم، وانقادوا للشريعة فقابلوا أوامرها ونواهيها بالامتثال والتعظيم، فما أثبت الله لنفسه أثبتوه، وما نفاه عن نفسه نفوه، فإذا سمعوا آيات الصفات وأحاديثها، قالوا‏:‏ آمنا به كل من عند ربنا، وإن أحسنوا، قالوا‏:‏ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا هدانا الله، وإن أساءوا، قالوا‏:‏ ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا، لنكونن من الخاسرين، وإذا أصابتهم مصيبة، قالوا‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏
‏(‏كذا‏)‏ ثابت ‏(‏له العلو والفوقية‏)‏ بالكتاب والسنة وإجماع الملائكة والأنبياء والمرسلين وأتباعهم على الحقيقة من أهل السنة والجماعة ‏(‏على عباده‏)‏ فوقهم مستويا على عرشه، عاليا على خلقه، بائنا منهم يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم وسكناتهم، لا تخفى عليه منهم خافية، والأدلة في ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى، وأجل من أن تستقصى، والفطر السليمة والقلوب المستقيمة مجبولة على الإقرار بذلك لا تنكره، ولنشر إلى بعض ذلك إشارة تدل على ما وراءها، وبالله التوفيق‏.‏
فمن ذلك أسماؤه الحسنى الدالة على ثبوت جميع معاني العلو له تبارك وتعالى كاسمه الأعلى، واسمه العلي، واسمه المتعالي، واسمه الظاهر، واسمه القاهر، وغيرها‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏(‏سبح اسم ربك الأعلى‏)‏، ‏(‏الأعلى 1‏)‏، ولما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اجعلوها في سجودكم‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم‏)‏، ‏(‏البقرة 254‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله كان عليا كبيرا‏)‏، ‏(‏النساء 34‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير‏)‏ ‏(‏الحج 62‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير‏)‏، ‏(‏سبأ 23‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنه علي حكيم‏)‏، ‏(‏الشورى 51‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال‏)‏، ‏(‏الرعد 9‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏هو الأول والآخر والظاهر والباطن‏)‏، ‏(‏الحديد 3‏)‏، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه‏:‏ وأنت الظاهر فليس فوقك شيء‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وهو القاهر فوق عباده‏)‏، ‏(‏الأنعام 18‏)‏، وهذه الأسماء تدل على ثبوت جميع معاني العلو له تبارك وتعالى ذاتا وقهرا وشأنا‏.‏
ومن ذلك التصريح بالاستواء على عرشه، كما قال تعالى في سورة الأعراف‏:‏ ‏(‏إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش‏)‏، ‏(‏الأعراف 54‏)‏، وقال تعالى في سورة يونس‏:‏ ‏(‏إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر‏)‏، ‏(‏يونس 3‏)‏، وقال تعالى في سورة الرعد‏:‏ ‏(‏الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش‏)‏، ‏(‏الرعد 2‏)‏، وقال تعالى في سورة طه‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، ‏(‏طه 5‏)‏، وقال تعالى في سورة الفرقان‏:‏ ‏(‏الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن‏)‏، ‏(‏الفرقان 59‏)‏، وقال تعالى في سورة ألم تنزيل السجدة‏:‏ ‏(‏الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض‏)‏، ‏(‏السجدة 4- 5‏)‏ الآية، وقال تعالى في سورة الحديد‏:‏ ‏(‏هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير‏)‏، ‏(‏الحديد 4‏)‏‏.‏
وفي حديث أنس في فضل الجمعة وتسميته في الآخرة يوم المزيد الحديث بطوله، وفي آخره قال‏:‏ وهو اليوم الذي استوى فيه ربك على العرش‏.‏ وقد رواه الشافعي في مسنده، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة، وابن خزيمة وغيرهم، وقد جمع أبو بكر بن أبي داود طرقه في جزء، وسيأتي إن شاء الله تعالى بطوله وألفاظه في إثبات رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى‏.‏
وعن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا جمع الله تعالى الخلائق حاسبهم، فيميز بين أهل الجنة وأهل النار، وهو تعالى في جنته على عرشه‏.‏ قال محمد بن عثمان الحافظ‏:‏ هذا حديث صحيح، وعن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول‏:‏ لما فرغ الله من خلقه، استوى على عرشه‏.‏ رواه الخلال في كتاب السنة بإسناد صحيح على شرط البخاري‏.‏
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن خلق السماوات والأرض، فذكر حديثا طويلا، قالوا‏:‏ ثم ماذا يا محمد‏؟‏ قال‏:‏ ثم استوى على العرش، قالوا‏:‏ أصبت يا محمد، لو أتممت‏:‏ ثم استراح، فغضب غضبا شديدا، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏(‏ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب‏)‏، ‏(‏ق 38‏)‏‏.‏ رواه ابن منده والحاكم، وصححه وفي إسناده البقال، ضعفه ابن معين، وعن أبي رزين العقيلي قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض‏؟‏ قال‏:‏ كان في عماء، ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق العرش فاستوى عليه‏.‏ رواه أبو داود وابن ماجه، وقال الذهبي‏:‏ إسناده حسن‏.‏ ورواه الترمذي وحسنه، لكن لفظه‏:‏ وخلق عرشه على الماء‏.‏ قال يزيد بن هارون‏:‏ العماء، أي ليس معه شيء‏.‏
وعن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ثم استوى إلى السماء‏)‏ قال‏:‏ إن الله تعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئا قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق، أخرج من الماء دخانا، فارتفع فوق الماء، فسما عليه فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين‏.‏ الحديث، إلى أن قال‏:‏ فلما فرغ الله عز وجل من خلق ما أحب، استوى على العرش‏.‏ رواه السدي وابن جرير الطبري في تفسيره، والبيهقي في الأسماء والصفات‏.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده، فقال‏:‏ يا أبا هريرة، إن الله تعالى خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع‏.‏ الحديث بطوله رواه النسائي في تفسير سورة السجدة من سننه الكبرى، وفيه أخضر بن عجلان، قال الذهبي‏:‏ وثقه ابن معين، و قال أبو حاتم‏:‏ يكتب حديثه، ولينه الأزدي، وحديثه في السنن الأربعة، وهذا الحديث غريب من أفراده‏.‏
ومن ذلك التصريح بالفوقية لله تعالى قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏وهو القاهر فوق عباده‏)‏، ‏(‏الأنعام 18‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون‏)‏، ‏(‏النحل 50‏)‏، ولما حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم، وتغنم أموالهم، قال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة‏.‏ وفي لفظ‏:‏ من فوق سبع سماوات‏.‏ وأصله في الصحيحين، وهذا سياق ابن إسحاق‏.‏
وفي صحيح البخاري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ كانت زينب رضي الله عنها- تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول‏:‏ زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات‏.‏ وفي سنن أبي داود من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه قال‏:‏ جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله، جهدت الأنفس وضاعت العيال، ونهكت الأموال وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ويحك، أتدري ما تقول‏؟‏ وسبح رسول الله فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال‏:‏ ويحك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله‏؟‏ إن عرشه على سمواته لهكذا‏.‏ وقال بأصبعه مثل القبة عليه، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب‏.‏ قال ابن بشار في حديثه‏:‏ إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سمواته‏.‏ وساق الحديث‏.‏
وله عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال‏:‏ كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة، فنظر إليها فقال‏:‏ ما تسمون هذه‏؟‏ قالوا‏:‏ السحاب‏.‏ قال‏:‏ والمزن‏؟‏ قالوا‏:‏ والمزن‏.‏ قال‏:‏ والعنان‏؟‏ قالوا‏:‏ والعنان‏.‏ قال أبو داود‏:‏ ولم أتقن العنان جيدا، قال‏:‏ هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض‏؟‏ قالوا‏:‏ لا ندري‏.‏ قال‏:‏ إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاثة وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك‏.‏ زاد أحمد‏:‏ وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم‏.‏ وفي سنن ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بينما أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال‏:‏ السلام عليكم يا أهل الجنة‏.‏ قال‏:‏ وذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏سلام قولا من رب رحيم‏)‏، قال‏:‏ فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم‏.‏ وفي إسناده الرقاشي ضعيف، ومعناه ثابت في الكتاب والسنة‏.‏
وفي حديث الشفاعة الطويل، عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فأدخل على ربي تبارك وتعالى وهو على عرشه‏.‏‏.‏‏.‏ وذكر الحديث، وفي بعض ألفاظ البخاري في صحيحه‏:‏ فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه‏.‏
قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين‏:‏ هكذا قال في داره في المواضع الثلاثة، يريد مواضع الشفاعات الثلاث التي يسجد فيها، ثم يرفع رأسه‏.‏ وعن عمير بن عبد الملك قال‏:‏ خطبنا علي رضي الله عنه فقال‏:‏ إن رسول الله حدثني عن ربه عز وجل فقال‏:‏ وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي، ما من أهل قرية ولا بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما كرهت من معصيتي، فتحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي‏.‏ رواه ابن أبي شيبة في كتاب العرش، والعسال في المعرفة، وضعفه الذهبي‏.‏
وعن جابر بن سليم قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردين، فتبختر، فنظر الله إليه من فوق عرشه فمقته، فأمر الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها‏.‏ رواه الدارمي، وله شاهد في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‏.‏ وفي حديث عمران بن حصين في بدء الخلق‏:‏ كان الله عز وجل على العرش، وكان قبل كل شيء، وكتب في اللوح المحفوظ كل شيء يكون‏.‏ حديث صحيح، أصله في البخاري‏.‏
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ إن العبد ليهم بالأمر من التجارة أو الإمارة، حتى ييسر له نظر الله له من فوق سبع سماوات، فيقول للملائكة‏:‏ اصرفوه عنه، فإن يسرته له أدخلته النار‏.‏ رواه البغوي، وسكت الذهبي عنه‏.‏
وعنه رضي الله عنه قال‏:‏ العرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم‏.‏ قال الذهبي‏:‏ رواه عبد الله بن أحمد في السنة، وأبو بكر بن المنذر وأبو أحمد العسال وأبو القاسم الطبراني وأبو الشيخ وأبو القاسم اللالكائي وأبو عمرو الطلمنكي وأبو بكر البيهقي وأبو عمر بن عبد البر في تواليفهم، وإسناده صحيح‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة أن حسان بن ثابت رضي الله عنه أنشد النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏
شهدت بإذن الله أن محمدا *** رسول الذي فوق السماوات من عل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهمو *** يقول بذات الله فيهم ويعدل
وأن أبا يحيى ويحيي كلاهما *** له عمل من ربه متقبل‏.‏
ومن ذلك التصريح بأنه تعالى في السماء، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير‏)‏، ‏(‏الملك 6- 7‏)‏، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروض لم تحصل من ترابها، قال‏:‏ فقسمها بين أربعة نفر‏:‏ بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه‏:‏ كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء‏.‏ قال‏:‏ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء‏؟‏ يأتيني خبر السماء صباحا ومساء‏.‏ قال‏:‏ فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشر الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال‏:‏ يا رسول الله، اتق الله‏.‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله‏؟‏ قال‏:‏ فلما ولى الرجل، قال خالد بن الوليد‏:‏ يا رسول الله، ألا أضرب عنقه‏؟‏ قال‏:‏ لا، لعله أن يكون يصلي‏.‏ فقال خالد‏:‏ وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم، قال‏:‏ ثم نظر إليه وهو مقف، فقال‏:‏ إنه يخرج من ضئضيء هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وأظنه قال‏:‏ لئن أدركتهم، لأقتلنهم قتل ثمود‏.‏
وعن معاوية بن الحكم في حديث طويل قال‏:‏ وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكن صككتها صكة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي، قلت‏:‏ يا رسول الله، أفلا أعتقها‏؟‏ قال‏:‏ ائتني بها، فأتيته بها فقال لها‏:‏ أين الله‏؟‏ قالت‏:‏ في السماء‏.‏ قال‏:‏ من أنا‏؟‏ قالت‏:‏ أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏ قال‏:‏ أعتقها، فإنها مؤمنة‏.‏ أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم‏.‏
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من اشتكى منكم شيئا، أو اشتكاه أخ له، فليقل‏:‏ ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ‏.‏ رواه أبو داود، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله‏.‏ رواه الترمذي، وقال‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏
وله عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي‏:‏ يا حصين، كم تعبد اليوم إلها‏؟‏ قال أبي‏:‏ سبعة، ستة في الأرض، وواحدا في السماء‏.‏ قال‏:‏ فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك‏؟‏ قال‏:‏ الذي في السماء‏.‏ قال‏:‏ فلما أسلم حصين، قال‏:‏ يا رسول الله، علمني الكلمتين اللتين وعدتني‏.‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ قل‏:‏ اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي‏.‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه‏.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها، حتى يرضى عنها‏.‏ رواه مسلم في صحيحه‏.‏ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ كنا جلوسا ذات يوم بفناء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت امرأة من بناته، فقال أبو سفيان‏:‏ ما مثل محمد في بني هاشم إلا كمثل الريحانة في وسط الزبل‏.‏ فسمعت، فأبلغته رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فصعد على منبره، وقال‏:‏ ما بال أقوال تبلغني عن أقوام، إن الله خلق سماوات سبعا، فاختار العليا فسكنها، وأسكن سمواته من شاء من خلقه، ثم اختار خلقه، فاختار بني آدم، فاختار العرب، فاختار مضر، فاختار قريش، فاختار بني هاشم، فاختارني، فلم أزل خيارا من خيار، فمن أحب قريشا فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم‏.‏
قال الذهبي‏:‏ هو حديث منكر، رواه جماعة في كتب السنة، وأخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد‏.‏ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا‏:‏ اخرجي أيتها النفس المطمئنة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان‏.‏ فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل‏.‏ وذكر باقي الحديث‏.‏
رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وابن جرير واللفظ له، وفي الباب أحاديث تأتي إن شاء الله تعالى في ذكر الموت وفتنة القبر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لما أسري بي، مررت برائحة طيبة، فقلت‏:‏ يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة‏؟‏ قال‏:‏ هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، كانت تمشطها، فوقع المشط من يدها، فقالت‏:‏ باسم الله تعالى، فقالت ابنته‏:‏ أبي‏؟‏ قالت‏:‏ لا، ولكن ربي ورب أبيك الله، فقالت‏:‏ أخبر بذلك أبي‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، فأخبرته فدعا بها، فقال‏:‏ من ربك‏؟‏ هل لك رب غيري‏؟‏ قالت‏:‏ ربي وربك الله الذي في السماء، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم دعا بها وبولدها، فألقاهما فيها‏.‏ وساق الحديث بطوله، رواه الدارمي وأبو يعلى الموصلي، وقال الذهبي‏:‏ هذا حديث حسن الإسناد‏.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار، قال‏:‏ اللهم إنك واحد في السماء، وأنا واحد في الأرض أعبدك‏.‏ رواه الدارمي في النقض، وقال الذهبي‏:‏ حسن الإسناد‏.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا أحب الله العبد، نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبرائيل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض‏.‏ رواه البخاري‏.‏
وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ إذا أراد الله أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة، أو قال‏:‏ رعدة شديدة خوفا من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السماوات، صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام فيكلمه الله تعالى من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء، سأله ملائكتها، ماذا قال ربنا يا جبريل‏؟‏ فيقول‏:‏ قال الحق، وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثلما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل‏.‏ رواه ابن جرير وابن خزيمة والطبراني، وابن أبي حاتم واللفظ له‏.‏
ومن ذلك التصريح باختصاص بعض الأشياء بأنها عنده، قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون‏)‏، ‏(‏الأعراف 206‏)‏، وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون‏)‏، ‏(‏الأنبياء 19‏)‏، وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون‏)‏، ‏(‏فصلت 38‏)‏، وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون‏)‏، ‏(‏آل عمران 169‏)‏، وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله‏)‏، ‏(‏التحريم 11‏)‏ الآية، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن الله لما قضى الخلق، كتب عنده فوق عرشه‏:‏ إن رحمتي سبقت غضبي‏.‏
ولمسلم عنه في حديث طويل‏:‏ وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده‏.‏ وفيهما عنه رضي الله عنه قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يقول الله تعالى‏:‏ أنا عند ظن عبدي بي، فأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة‏.‏ وفي صحيح مسلم، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال‏:‏ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر الحديث إلى أن قال‏:‏ ثم خرج علينا، فقال‏:‏ ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها‏؟‏ فقلنا‏:‏ يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها‏؟‏ قال‏:‏ يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف‏.‏ ولهما عن أبى هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ احتج آدم وموسى عند ربهما عز وجل، فحج آدم موسى‏.‏ وذكر الحديث، وسيأتي إن شاء الله بتمامه‏.‏
ومن ذلك الرفع والصعود والعروج إليه، وهو أنواع‏:‏
منها رفعه عيسى عليه السلام، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما‏)‏، ‏(‏النساء 157- 158‏)‏، وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا‏)‏، ‏(‏آل عمران 55‏)‏، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الأحاديث الواردة في نزوله إلى الأرض حكما عدلا في آخر هذه الأمة بشريعة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم في أشراط الساعة‏.‏
و منها صعود الأعمال إليه، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه‏)‏، ‏(‏فاطر 10‏)‏، وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل‏.‏ ورواه مسلم أيضا، والنسائي والترمذي، وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه‏.‏
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الذين يذكرون من جلال الله عز وجل من تسبيحه وتكبيره، وتحميده وتهليله، يتعاطفن حول العرش لهن دوي، كدوي النحل يذكرن بصاحبهن، ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شيء يذكر به‏؟‏ رواه أحمد وابن ماجه، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى الله عز وجل كأنها شرارة‏.‏ قال الذهبي‏:‏ غريب، وإسناده جيد‏.‏
وفي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعا‏:‏ واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب‏.‏ وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه‏.‏ وفي ذلك أحاديث لا تحصى في الصحيحين وغيرهما‏.‏
ومنها صعود الأرواح إلى الله عز وجل أعني أرواح المؤمنين، قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط‏)‏، ‏(‏الأعراف 40‏)‏، وروى الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح، وفيه قال‏:‏ إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول‏:‏ أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال‏:‏ فتخرج فتسيل كما تسيل القطر من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك على وجه الأرض، قال‏:‏ فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا‏:‏ ما هذه الروح الطيبة‏؟‏ فيقولون‏:‏ فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه في الدنيا، حتى ينتهوا إلى سماء الدنيا، فيستفتحون له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة، فيقول الله تعالى‏:‏ اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى‏.‏ وذكر الحديث، وسيأتي إن شاء الله بطوله، وقد تقدم حديث أبي هريرة في ذلك، وفيه أحاديث جمة، سنذكر منها ما يسره الله تعالى في بابه إن شاء الله‏.‏
و منها عروج الملائكة والروح إليه، قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه‏)‏، ‏(‏المعارج 3- 4‏)‏، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم، فيقول‏:‏ كيف تركتم عبادي‏؟‏ فيقولون‏:‏ تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون‏.‏
وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن لله تبارك وتعالى ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال‏:‏ فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال‏:‏ فيسألهم ربهم عز وجل وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي‏؟‏ قال يقولون‏:‏ يسبحونك ويكبرونك، ويحمدونك ويمجدونك، قال‏:‏ فيقول تعالى، هل رأوني‏؟‏ قال فيقولون‏:‏ لا والله، ما رأوك‏.‏ قال فيقول‏:‏ وكيف لو رأوني‏؟‏ قال يقولون‏:‏ لو رأوك كانوا لك أشد عبادة، وأشد لك تمجيدا، وأكثر لك تسبيحا‏.‏ قال يقول‏:‏ فما يسألوني‏؟‏ قال‏:‏ يسألونك الجنة، قال يقول‏:‏ وهل رأوها‏؟‏ قال يقولون‏:‏ لا والله يا رب، ما رأوها‏.‏ قال يقول‏:‏ فكيف لو أنهم رأوها‏؟‏ قال يقولون‏:‏ لو أنهم رأوها، كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة‏.‏ قال‏:‏ فمم يتعوذون‏؟‏ قال يقولون‏:‏ من النار‏.‏ قال يقول‏:‏ وهل رأوها‏؟‏ قال يقولون‏:‏ لا والله، ما رأوها‏؟‏ قال يقول‏:‏ فكيف لو رأوها‏؟‏ قال يقولون‏:‏ لو رأوها، كانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة‏.‏ قال فيقول‏:‏ فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال‏:‏ يقول ملك من الملائكة‏:‏ فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة‏.‏ قال‏:‏ هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم‏.‏ متفق عليه، وهذا لفظ البخاري‏.‏
وعنه رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كان ملك الموت يأتي الناس عيانا، فأتى موسى عليه الصلاة والسلام فلطمه فذهب بعينه، فعرج إلى ربه عز وجل- فقال‏:‏ يا رب، بعثتني إلى موسى فلطمني فذهب بعيني، ولولا كرامته عليك، لشققت عليه‏.‏ قال‏:‏ ارجع إلى عبدي، فقل له‏:‏ فليضع يده على ثور، فله بكل شعرة وارت كفه سنة يعيشها، فأتاه فبلغه ما أمره، فقال‏:‏ ثم ماذا بعد ذلك‏؟‏ قال‏:‏ الموت‏.‏ قال‏:‏ الآن، فشمه شمة قبض فيها روحه، ورد الله على ملك الموت بصره‏.‏ وفي لفظ‏:‏ فلطم عينه ففقأها، فرجع فقال‏:‏ أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عليه عينه، وقال‏:‏ ارجع إلى عبدي، فقل له‏:‏ إن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور، وفيه قال‏:‏ يا رب، فالآن‏.‏ وقال‏:‏ رب، أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر‏.‏ متفق عليه‏.‏
+ ومن ذلك معراج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، وإلى حيث شاء الله عز وجل كما ثبتت به الأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيحين وغيرهما، قال البخاري- رحمه الله تعالى‏:‏ باب المعراج‏.‏ حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به، قال‏:‏ بينما أنا نائم في الحطيم، وربما قال‏:‏ في الحجر مضطجعا، إذ أتاني آت، فقد قال‏:‏ وسمعته يقول‏:‏ فشق ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود وهو إلى جنبي، قال‏:‏ من ثغرة نحره إلى شعرته، وسمعته يقول‏:‏ من قصه إلى شعرته، فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبي ثم حشي، ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، فقال له الجارود‏:‏ هو البراق يا أبا حمزة‏؟‏ فقال أنس‏:‏ نعم، يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل‏.‏ قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد‏.‏ قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قيل‏:‏ مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإذا فيها آدم، فقال‏:‏ هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال‏:‏ مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل‏.‏ قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم ‏.‏ قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قيل‏:‏ مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، إذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة، قال‏:‏ هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت فردا، ثم قالا‏:‏ مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ‏,‏ ثم صعدت إلى السماء الثالثة، فاستفتح، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل‏.‏ قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم ‏.‏ قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قيل مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، إذا يوسف، قال‏:‏ هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال‏:‏ مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل‏.‏ قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم ‏.‏ قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قيل‏:‏ مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، إذا إدريس، قال‏:‏ هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال‏:‏ مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل‏.‏ قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم ‏.‏ قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قيل‏:‏ مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا هارون، فقال‏:‏ هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال‏:‏ مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل‏.‏ قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم ‏.‏ قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قيل‏:‏ مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا موسى، قال‏:‏ هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال‏:‏ مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ قال‏:‏ أبكي لأن غلاما بعث بعدي، يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل‏.‏ قيل‏:‏ ومن معك‏؟‏ قال‏:‏ محمد‏.‏ قيل‏:‏ وقد أرسل إليه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا إبراهيم، قال‏:‏ هذا أبوك فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام‏.‏ قال‏:‏ مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال‏:‏ هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار‏:‏ نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت‏:‏ ما هذا يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع إلى البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال‏:‏ هي الفطرة، أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال‏:‏ بما أمرت‏؟‏ قال‏:‏ أمرت بخمسين صلاة كل يوم ‏,‏ قال‏:‏ إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال‏:‏ بما أمرت‏؟‏ قلت‏:‏ أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال‏:‏ إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ‏,‏ قال‏:‏ سألت ربي حتى استحييت، ولكنى أرضى وأسلم، قال‏:‏ فلما جاوزت، ناداني مناد‏:‏ أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي‏.‏
ومن ذلك التصريح بنزوله تبارك وتعالى كما في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، فيقول‏:‏ من يدعوني فأستجيب له‏؟‏ من يسألني فأعطيه‏؟‏ من يستغفرني فأغفر له‏؟‏ وقد ثبت في ذلك أحاديث كثيرة عن نحو ثلاثين صحابيا، وقد ثبت أيضا نزوله تعالى ليلة النصف من شعبان، وعشية عرفة، وعند فناء الخلق، حين ينزل إلى السماء الدنيا فينادي‏:‏ لمن الملك اليوم‏؟‏ لله الواحد القهار، وكذا نزوله تعالى لفصل القضاء بين عباده كما يشاء، وعلى ما يليق بجلاله وعظمته، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك كله في آخر هذا الفصل من المتن‏.‏
ومن ذلك تنزل الملائكة، ونزول الأمر من عنده، وتنزيل الكتاب منه تبارك وتعالى، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده‏)‏، ‏(‏النحل 2‏)‏، وقال حكاية عنهم‏:‏ ‏(‏وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك‏)‏، ‏(‏مريم 64‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه‏)‏، ‏(‏السجدة 5‏)‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن‏)‏، ‏(‏الطلاق 12‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا‏)‏، ‏(‏النساء 136‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏نزل عليك الكتاب بالحق‏)‏، ‏(‏آل عمران 3‏)‏، ‏(‏كتاب أنزلناه إليك‏)‏، ‏(‏إبراهيم 1‏)‏، ‏(‏وهذا ذكر مبارك أنزلناه‏)‏، ‏(‏الأنبياء 50‏)‏، ‏(‏تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين‏)‏، ‏(‏السجدة 2‏)‏، ‏(‏تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم‏)‏، ‏(‏الزمر 1‏)‏، ‏(‏إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين‏)‏، ‏(‏الزمر 2‏)‏، ‏(‏تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم‏)‏، ‏(‏غافر 2‏)‏، ‏(‏تنزيل من الرحمن الرحيم‏)‏، ‏(‏فصلت 2‏)‏، ‏(‏تنزيل من حكيم حميد‏)‏، ‏(‏فصلت 42‏)‏، ‏(‏وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا‏)‏، ‏(‏الإسراء 106‏)‏، ‏(‏وإنه لتنزيل رب العالمين‏)‏، ‏(‏الشعراء 192‏)‏، ‏(‏نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين‏)‏، ‏(‏الشعراء 193‏)‏، وغير ذلك من الآيات‏.‏
وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأخيه‏:‏ اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء‏.‏ وقد تقدم في حديث الذهيبة قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يأتيني خبر السماء صباحا ومساء‏.‏ وفي الصحيح قال المغيرة رضي الله عنه‏:‏ أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا تبارك وتعالى أنه من قتل منا، صار إلى الجنة‏.‏ وفيه قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ من حدثك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي، فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول‏:‏ ‏(‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس‏)‏، وفيه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال رجل‏:‏ يا رسول الله، أي الذنب أعظم‏؟‏ وذكر الحديث إلى أن قال‏:‏ فأنزل الله تصديقها‏:‏ ‏(‏والذين لا يدعون مع الله إلها آخر‏)‏ الآيات، وغير ذلك من نصوص الكتاب والسنة‏.‏
ومن ذلك رفع الأيدي إليه والأبصار، كما في أحاديث القنوت وأحاديث الاستسقاء، وحديث دعائه صلى الله عليه وسلم على النفر الذين طرحوا على ظهره الشريف سلا الجزور وهو ساجد، وحديث استغاثته ربه ببدر ومناشدته إياه حتى سقط رداؤه، وكذا في أحد والخندق وحنين، واستغفاره لرفيق أبي موسى يومئذ، وغير ذلك‏.‏
فكتب السنة مملوءة بهذا النوع، وقد ورد في رفع اليدين في الدعاء أكثر من مائة حديث في وقائع متفرقة، وذلك معلوم بالفطر، فكل من حزبه أمر من المؤمنين رفع يديه إلى العلو يدعو الله عز وجل، وكذلك رفع البصر ثبت في الدعاء بعد الوضوء في سنن أبي داود، وهو في الصحيح بدون رفع البصر، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما طرف صاحب الصور من وكل به مستعدا، ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان‏.‏ أخرجه الحاكم وصححه، وأخرج البغوي عن ثابت البناني، قال‏:‏ كان داود عليه السلام يطيل الصلاة، ثم يركع، ثم يرفع رأسه إلى السماء، ثم يقول‏:‏ إليك رفعت رأسي يا عامر السماء نظر العبيد إلى أربابها يا ساكن السماء‏.‏ قال الذهبي‏:‏ إسناده صالح‏.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ يحشر الناس حفاة عراة مشاة قياما أربعمائة سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، قد ألجمهم العرق من شدة الكرب، وينزل الله تعالى في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي‏.‏ أخرجه أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة‏.‏
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي‏.‏ الحديث بطوله، قاله الذهبي إسناده حسن، وفيه أحاديث غير ما ذكرنا‏.‏
ومن ذلك إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى العلو في خطبته في حجة الوداع بأصبعه وبرأسه، كما في حديث جابر الطويل عند مسلم، وفيه‏:‏ وقد تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون‏؟‏ قالوا‏:‏ نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس‏:‏ اللهم اشهد، اللهم اشهد‏.‏ ثلاث مرات‏.‏ وذكر الحديث‏.‏
وللبخاري من حديث ابن عباس في خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر، وفيه‏:‏ ثم رفع رأسه، فقال‏:‏ اللهم هل بلغت‏؟‏ اللهم هل بلغت‏؟‏ الحديث‏.‏
ومن ذلك النصوص الواردة في ذكر العرش وصفته، وإضافته غالبا إلى خالقه تبارك وتعالى وأنه تعالى فوقه، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم‏)‏ ‏(‏النمل 26‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم‏)‏، ‏(‏المؤمنون 116‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكان عرشه على الماء‏)‏، ‏(‏هود 7‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏رفيع الدرجات ذو العرش‏)‏، ‏(‏غافر 15‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد‏)‏، ‏(‏البروج 14- 15‏)‏، إلى غير ذلك‏.‏
وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب‏:‏ لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض، رب العرش الكريم‏.‏ وفيه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة‏.‏ وفيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش‏.‏ الحديث‏.‏
وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال‏:‏ أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمنه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الفيض، أو القبض، يرفع ويخفض‏.‏ وفي رواية‏:‏ وبيده الأخرى الميزان، يخفض ويرفع‏.‏ وفيه عنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ سبعة يظلهم الله تعالى- في ظله يوم لا ظل إلا ظله‏.‏ قال الذهبي‏:‏ إسناده صالح‏.‏
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام‏.‏ رواه أبو داود وابن أبي حاتم، ولفظه‏:‏ أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش، بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه مخفق الطير سبعمائة عام‏.‏ وإسناده جيد، رجاله كلهم ثقات، وفيه جملة أحاديث غير ما ذكرنا، وقد تقدم منها جملة وافية‏.‏
ومن ذلك ما قصه الله تعالى عن فرعون- لعنه الله- في تكذيبه موسى عليه السلام في أن إلهه الله عز وجل العلي الأعلى، خالق كل شيء وإلهه، قال الله تعالى في سورة القصص‏:‏ ‏(‏وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه من الكاذبين‏)‏، ‏(‏القصص 38‏)‏، وقال تعالى‏:‏ في سورة + المؤمن‏:‏ ‏(‏وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب‏)‏، ‏(‏غافر 36- 37‏)‏، ففرعون- لعنه الله تعالى- كذب موسى في أن رب السماوات والأرض، ورب المشرق والمغرب وما بينهما، هو الله الذي في السماء، فوق جميع خلقه مباين لهم، لا تخفى عليه منهم خافية، فكل جهمي ناف لعلو الله عز وجل فهو فرعوني، وعن فرعون أخذ دينه، وكل سني يصف الله تعالى بما وصف به نفسه أنه استوى على عرشه، بائن من خلقه، فهو موسوي محمدي، متبع لرسل الله وكتبه‏.‏
ومن ذلك ما قصه الله تعالى في قصة تكليمه موسى حين تجلى للجبل فاندك الجبل، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا‏)‏، ‏(‏الأعراف 143‏)‏ الآية، قال الترمذي في جامعه في تفسير سورة الأعراف‏:‏ حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ‏(‏فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا‏)‏، قال حماد‏:‏ هكذا، وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال‏:‏ فساخ الجبل، وخر موسى صعقا‏.‏ هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ورواه أيضا من طريق معاذ بن معاذ العنبري، عن حماد نحوه، ومن طريق معاذ أيضا رواه أحمد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فلما تجلى ربه للجبل‏)‏ قال‏:‏ قال هكذا- يعني‏:‏ أنه أخرج طرف الخنصر‏.‏ قال أحمد‏:‏ أرانا معاذ، فقال له حميد الطويل‏:‏ ما تريد إلى هذا يا أبا محمد‏؟‏ قال‏:‏ فضرب صدره ضربة شديدة، وقال‏:‏ من أنت يا حميد‏؟‏ وما أنت يا حميد‏؟‏ يحدثني به أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم- وتقول‏:‏ ما تريد إليه‏؟‏
ورواه أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية من طريق هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم- ‏(‏فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا‏)‏ قال‏:‏ ووضع الإبهام قريبا من طرف خنصره‏.‏ قال‏:‏ فساخ الجبل، قال حميد لثابت‏:‏ يقول هكذا‏؟‏ فرفع ثابت يده، فضرب صدر حميد، وقال‏:‏ يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أنس، وأنا أكتمه‏؟‏ ورواه الحاكم في مستدركه من طرق، عن حماد بن سلمة، وقال‏:‏ هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه‏.‏
ورواه الخلال من طريق هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، فذكره، وقال‏:‏ هذا إسناد صحيح، لا علة فيه‏.‏ ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد من طريق عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، ومن طريق عفان بن مسلم، قال‏:‏ حدثنا حماد بن سلمة، ومن طريق الهيثم بن جميل، قال‏:‏ حدثنا حماد بن سلمة‏.‏
ومن طريق مسلم بن إبراهيم، قال‏:‏ حدثنا حماد‏.‏ ومن طريق حجاج- يعني‏:‏ ابن منهال، عن حماد بن سلمة‏.‏ ومن طريق سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، قال أبو بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى على هذه الآية قبل سياق الحديث بهذه الطرق‏:‏
أفليس العلم محيطا يا ذوي الألباب أن الله عز وجل لو كان في كل موضع، ومع كل بشر وخلق كما زعمت المعطلة، لكان متجليا لكل شيء، وكذلك جميع ما في الأرض لو كان الله تعالى متجليا لجميع أرضه، سهلها ووعرها، وجبالها وبراريها ومفاوزها، ومدنها وقراها، وعماراتها وخرابها، وجميع ما فيها من نبات وبناء، لجعلها دكا كما جعل الله الجبل الذي تجلى له دكا، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا‏)‏ انتهى‏.‏
وبالجملة فجميع رسل الله- عليهم الصلاة والسلام- وجميع كتبه المنزلة، وجميع أهل السماوات، ومؤمني أهل الأرض من الجن والإنس أتباع رسل الله، وجميع الفطر السليمة، والقلوب المستقيمة التي لم تجتلها الشياطين عن دينها، جميعها شاهدة حالا ومقالا أن خالقها وفاطرها ومعبودها الذي تألهه، وتفزع إليه وتدعوه رغبا ورهبا، هو فوق كل شيء، عال على جميع خلقه، استوى على عرشه بائنا من مخلوقاته، وهو يعلم أعمالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم وسكناتهم، وجميع تقلباتهم وأحوالهم، لا يخفى عليه منهم خافية، ولهذا ترى جميع المؤمنين عالمهم وعاميهم، وحرهم ومملوكهم، وذكرهم وأنثاهم، وصغيرهم وكبيرهم، كل منهم إذا دعا الله تبارك وتعالى في جلب خير، أو كشف مكروه، إنما يرفع يديه ويشخص ببصره إلى السماء إلى جهة العلو، إلى من يعلم سره ونجواه، متوجها إليه بقلبه وقالبه، يعلم أن معبوده فوقه، وأنه إنما يدعي من أعلى لا من أسفل، كما يقول الجهمية- قبحهم الله تعالى، وتنزه عما يقولون علوا كبيرا‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 04:19 PM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
ذكر أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة العلو
روى ابن أبي شيبة، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ أيها الناس، إن كان محمد إلهكم الذي تعبدونه، فإن إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الله الذي في السماء، فإن إلهكم لم يمت، ثم تلا‏:‏ ‏(‏وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل‏)‏، حتى ختم الآية‏.‏
وللبخاري في تاريخه، عنه رضي الله، قال‏:‏ لما قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم، دخل أبو بكر رضي الله عنه عليه، فأكب عليه وقبل وجبهته، وقال‏:‏ بأبي أنت وأمي، طبت حيا وميتا، وقال‏:‏ من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله في السماء حي لا يموت‏.‏
ولابن أبي شيبة، عن قيس بن أبي حازم، قال‏:‏ لما قدم عمر رضي الله عنه الشام، استقبله الناس وهو على بعيره، فقالوا‏:‏ لو ركبت برذونا، يلقاك عظماء الناس ووجوههم‏.‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ ألا أراكم ههنا، إنما الأمر من ههنا، فأشار بيده إلى السماء‏.‏ قال الذهبي‏:‏ إسناده كالشمس‏.‏
وروى الزهري، عن سالم أن كعبا قال لعمر‏:‏ ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، فقال عمر‏:‏ إلا من حاسب نفسه‏؟‏ فقال كعب‏:‏ إلا من حاسب نفسه، فكبر عمر، ثم خر ساجدا‏.‏
وعن عبد الرحمن بن غنم، قال‏:‏ سمعت عمر بن الخطاب يقول‏:‏ ويل لديان الأرض من ديان السماء يوم يلقونه، إلا من أمر بالعدل، فقضى بالحق، ولم يقض على هوى ولا على قرابة، ولا على رغبة ولا رهب، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه‏.‏ قال ابن غنم‏:‏ فحدثت بهذا عثمان ومعاوية ويزيد وعبد الملك‏.‏
رواه أبو نعيم‏.‏ وعن أبي يزيد المدني، قال‏:‏ لقيت عمر امرأة، يقال لها خولة بنت ثعلبة، فقال عمر‏:‏ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات‏.‏ قال الذهبي‏:‏ هذا إسناد صالح فيه انقطاع، أبو يزيد لم يلحق عمر رضي الله عنه‏.‏ وفي لفظ‏:‏ عن عمر رضي الله عنه أنه مر بعجوز، فاستوقفته فوقف يحدثها، فقال رجل‏:‏ يا أمير المؤمنين، حبست الناس على هذه العجوز‏.‏ فقال،‏:‏ ويلك، أتدري من هي‏؟‏ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة التي أنزل الله فيها‏:‏ ‏(‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها‏)‏‏.‏ وهذا الحديث رواه عثمان بن سعيد الدارمي، وقال ابن عبد البر‏:‏ حدثنا من وجوه عن عمر رضي الله عنه فذكره‏.‏ ومن شعر عبد الله بن رواحة رضي الله عنه‏:‏
شهدت بأن وعد الله حق *** وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف *** وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة كرام *** ملائكة الإله مسومينا‏.‏
قال ابن عبد البر في الاستيعاب‏:‏ رويناه من وجوه صحاح‏.‏ وروى الدارمي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ ما بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله تعالى فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه‏.‏
وروى الأعمش، عن خيثمة، عنه‏:‏ إن العبد ليهم بالأمر من التجارة أو الإمارة، حتى إذا تيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سماوات، فيقول للملائكة‏:‏ اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له، أدخلته النار‏.‏ أخرجه اللالكائي بإسناد قوي، وعنه رضي الله عنه قال‏:‏ إن تعالى يبرز لأهل جنته في كل جمعة + وكثب من كافور أبيض، فيحدث لهم من الكرامة ما لم يروا مثله، ويكونون من الدنو منه كمسارعتهم إلى الجمع‏.‏ أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى بإسناد جيد‏.‏
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ البحر المسجور يجري تحت العرش‏.‏ وتقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه‏:‏ وينزل الله تعالى في ظل من الغمام من العرش إلى الكرسي‏.‏ وعن أم سلمة رضي الله عنها- في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏ قالت‏:‏ الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر‏.‏
قال الذهبي‏:‏ هذا القول محفوظ عن جماعة كربيعة الرأي، ومالك الإمام، وأبي جعفر الترمذي، فأما عن أم سلمة فلا يصح؛ لأن أبا كنانة ليس بثقة، وأبو عمير لا أعرفه‏.‏
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال‏:‏ قالت الملائكة‏:‏ يا ربنا، منا الملائكة المقربون، ومنا حملة العرش، ومنا الكرام الكاتبون‏.‏ وذكر الحديث، قال الذهبي‏:‏ إسناده صالح‏.‏
وعن عائشة رضي الله عنها- قالت‏:‏ وايم الله، إني لأخشى لو كنت أحب قتله لقتلته- يعني‏:‏ عثمان رضي الله عنه، ولكن علم الله من فوق عرشه أني لم أحب قتله‏.‏ رواه الدارمي‏.‏ وعن أسماء بنت عميس أن جعفرا رضي الله عنه جاءها إذ هم بالحبشة يبكي، فقالت‏:‏ ما شأنك‏؟‏ قال‏:‏ رأيت فتى مترفا من الحبشة شابا جسيما، مر على امرأة، فطرح دقيقا كان معها، فنسفته الريح، فقالت‏:‏ أكلك إلى يوم يجلس الملك على الكرسي، فيأخذ للمظلوم من الظالم‏.‏ رواه ابن ماجة وغيره‏.‏
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال‏:‏ لما لعن الله إبليس وأخرجه من سماواته وأخزاه، قال‏:‏ رب، أخزيتني ولعنتني وطردتني عن سماواتك وجوارك، فوعزتك لأغوين خلقك ما دامت الأرواح في أجسادهم، فأجابه الرب تبارك وتعالى فقال‏:‏ وعزتي وجلالي وارتفاعي على عرشي، لو أن عبدي أذنب حتى ملأ السماوات والأرض خطايا، ثم لم يبق من عمره إلا نفس واحد فندم على ذنوبه، لغفرتها، وبدلت سيئاته كلها حسنات‏.‏ وقد روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن الشيطان قال‏:‏ وعزتك، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب‏:‏ وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني، لا أزال أغفر ما استغفروني‏.‏
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ إن الكرسي الذي وسع السماوات والأرض لموضع قدميه، وما يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه، وإن السماوات في خلق الرحمن عز وجل مثل قبة في صحراء‏.‏ رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة‏.‏
وللدارمي عنه رضي الله عنه أنه استأذن على عائشة رضي الله عنها- وهي تموت، فقال‏:‏ كنت أحب نساء النبي صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا، وأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سماوات، جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس مسجدا من مساجد الله تعالى يذكر فيها إلا وهو يتلى فيها آناء الليل وآناء النهار‏.‏
وذكر الطبراني في شرح السنة، عن مجاهد قال‏:‏ قيل لابن عباس‏:‏ إن ناسا يكذبون بالقدر، قال‏:‏ يكذبون بالكتاب، لئن أخذت شعر أحد لا ينبتونه، إن الله تعالى كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، فخلق الخلق، وكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه‏.‏
ولإسحاق بن راهويه، عن عكرمة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم‏)‏، قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لم يستطع أن يقول من فوقهم، علم أن الله تعالى من فوقهم‏.‏ وليحيى بن سعيد الأموي، عن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال‏:‏ خرجت مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر قصة طويلة، وقال فيها‏:‏ فإذا هو ومن معه يسجدون على وجوههم، ويزعمون أن إلههم في السماء، فأسلمت وتبعته‏.‏ وأقوال الصحابة في هذا الباب وتفاسيرهم أكثر من أن تحضر، وفيما ذكرنا كفاية‏.‏

ذكر أقوال التابعين رحمهم الله تعالى ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة في صفة العلو
عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال‏:‏ قال الله عز وجل في التوراة‏:‏ أنا الله فوق عبادي، وفوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي، ولا يخفى علي شيء في السماء ولا في الأرض‏.‏ قال الذهبي‏:‏ رواته ثقات‏.‏ وعنه رحمه الله قال‏:‏ إن الله تعالى خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، ثم جعل بين كل سماءين كما بين السماء الدنيا والأرض، وجعل كثفها مثل ذلك، ثم رفع العرش فاستوى عليه‏.‏ وذكر الأثر‏.‏
رواه أبو الشيخ في كتاب العظمة، قال الذهبي‏:‏ إسناده نظيف، وأبو صالح لينوه، وما هو بمتهم بل سيئ الإتقان‏.‏
وعن مسروق رحمه الله تعالى أنه كان إذا حدث عن عائشة رضي الله عنهما قال‏:‏ حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة الله، المبرأة من فوق سبع سماوات‏.‏ قال الذهبي‏:‏ إسناده صحيح‏.‏ ويروى عن عطاء بن يسار رحمه الله أن موسى عليه السلام قال‏:‏ يا رب، من أهلك الذين هم أهلك، الذين تظلهم في ظل عرشك‏؟‏ قال‏:‏ هم الذين يأوون إلى مساجدي، كما تأوي النسور إلى أوكارها‏.‏ وعن عبيد بن عمير قال‏:‏ ينزل الرب عز وجل شطر الليل إلى سماء الدنيا، فيقول‏:‏ من يسألني فأعطيه‏؟‏ من يستغفرني فأغفر له‏؟‏ حتى إذا كان الفجر صعد الرب عز وجل‏.‏ أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في رده على الجهمية، وعن شريح بن عبيد الله أنه كان يقول‏:‏ ارتفع إليك ثغاء التسبيح، وصعد إليك وقار التقديس، سبحانك ذا الجبروت، بيدك الملك والملكوت، والمفاتيح والمقادير‏.‏ إسناده صحيح‏.‏
وعن أبي قلابة رحمه الله تعالى قال‏:‏ أهبط الله تعالى آدم‏.‏ قال‏:‏ يا آدم، إني مهبط معك بيتا يطاف حوله كما يطاق حول عرشي، ويصلي عنده كما يصلي عند عرشي‏.‏ وذكر الأثر‏.‏
قال الذهبي‏:‏ هو ثابت عن أبي قلابة‏.‏ وعن عمرو بن ميمون قال‏:‏ لما تعجل موسى إلى ربه، رأى في ظل العرش رجلا يغبطه، فسأل الله تعالى أن يخبره باسمه، فقال‏:‏ لا، ولكني أحدثك بشيء من فعله، كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة‏.‏ قال الذهبي‏:‏ إسناده قوي‏.‏ وعن مجاهد رحمه الله تعالى قال‏:‏ ما أخذت السماوات والأرض من العرش إلا كما تأخذ الحلقة من أرض الفلاة‏.‏ وعنه رحمه الله تعالى في قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا‏)‏ قال‏:‏ يجلسه أو يقعده على العرش‏.‏ قال الذهبي‏:‏ لهذا القول طرق خمسة‏.‏ وأخرجه ابن جرير في تفسيره، وعمل فيه المروزي مصنفا‏.‏
وعن نوف البكالي أن موسى عليه السلام لما سمع الكلام، قال‏:‏ من أنت الذي يكلمني‏؟‏ قال‏:‏ أنا ربك الأعلى‏.‏ قال الذهبي‏:‏ إسناده صحيح‏.‏ وعنه قال‏:‏ إني أجد في التوراة لو أن السماوات والأرض كن طبقا من حديد، فقال رجل لا إله إلا الله، لخرقتهن حتى تنتهى إلى الله عز وجل‏.‏ رواه حماد بن سلمة‏.‏
وعن أبي عيسى يحيى بن رافع رحمه الله تعالى أن ملكا لما استوى الرب على كرسيه، سجد، فلا يرفع رأسه حتى تقوم الساعة، فيقول‏:‏ لم أعبدك حق عبادتك‏.‏ وعن قتادة رحمه الله تعالى قال‏:‏ قالت بنو إسرائيل‏:‏ يا رب، أنت في السماء، ونحن في الأرض، فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك‏؟‏ قال‏:‏ إذا رضيت عنكم، استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت استعملت عليكم شراركم‏.‏ قال الذهبي‏:‏ هذا ثابت عن قتادة‏.‏
وعن عكرمة رحمه الله تعالى قال‏:‏ بينما رجل في الجنة اشتهى الزرع، فيقول للملائكة‏:‏ ابذروا، فيخرج أمثال الجبال، فيقول الرب عز وجل من فوق عرشه‏:‏ كل يا ابن آدم، فإن ابن آدم لا يشبع‏.‏ قال الذهبي‏:‏ إسناده ليس بذاك‏.‏
وصح في السنة للالكائي، عن ثابت البناني قال‏:‏ كان داود عليه السلام يطيل الصلاة، ثم يرفع رأسه إلى السماء، ثم يقول‏:‏ إليك رفعت رأسي نظر العبيد إلى أربابها، يا ساكن السماء‏.‏ وفي الحلية بإسناد صحيح، عن مالك بن دينار أنه كان يقول‏:‏ خذوا، فيقرأ ثم يقول‏:‏ اسمعوا إلى قول الصادق من فوق عرشه‏.‏ وعن مجاهد في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وقربناه نجيا‏)‏ قال‏:‏ بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب، فلما رأى مكانه وسمع صريف القلم، قال‏:‏ رب أرني أنظر إليك‏.‏ هذا ثابت عن مجاهد إمام التفسير، أخرجه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات‏.‏
وعن سفيان قال‏:‏ كنت عند ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فسأله رجل فقال‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، كيف استوى‏؟‏ فقال‏:‏ الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق‏.‏
وعن حسان بن عطية قال‏:‏ حملة العرش أقدامهم ثابتة في الأرض السابعة، ورءوسهم قد جاوزت السماء السابعة، وقرونهم مثل طولهم، عليها العرش‏.‏ وذكر أيوب السختياني المعتزلة، وقال‏:‏ إنما مدار القوم على أن يقولوا‏:‏ ليس في السماء شيء‏.‏ قال الذهبي‏:‏ هذا إسناد كالشمس وضوحا، وكالإسطوانة ثبوتا عن سيد أهل البصرة وعالمهم- رحمه الله تعالى‏.‏
وقرأ محيصين بن رفيق بن كثير بمكة ‏(‏وفي السماء رزقكم وما توعدون‏)‏، وعن الضحاك في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم‏)‏ قال‏:‏ هو على عرشه، وعلمه معهم أينما كانوا‏.‏ وفي لفظ‏:‏ هو فوق العرش، + وعلمهم + معهم أينما كانوا‏.‏ أخرجه العسال وابن بطة، وابن عبد البر بإسناد جيد‏.‏
وعن سليمان التيمي رحمه الله تعالى قال‏:‏ لو سألت أين الله‏؟‏ لقلت‏:‏ في السماء‏.‏ وعن حبيب بن أبي حبيب قال‏:‏ شهدت خالد بن عبد الله القسري، وخطبهم بواسط فقال‏:‏ أيها الناس، ضحوا تقبل الله + ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه‏.‏
قال الذهبي‏:‏ والمعتزلة تقول هذا، وتحرف نص التنزيل في ذلك، وزعموا أن الرب منزه عن ذلك‏.‏ وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في التمهيد‏:‏ وعلماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم‏)‏‏:‏ هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم أحد في ذلك يحتج به‏.‏

ذكر أقوال طبقة أخرى في صفة العلو
عن نوح الجامع قال‏:‏ كنت عند أبي حنيفة أول ما ظهر جهم، إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهما، فدخلت الكوفة فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف نفس، فقيل لها‏:‏ إن ههنا رجلا نظر في المعقول، يقال له أبو حنيفة، فأتيه، فأتته فقالت‏:‏ أنت الذي تعلم الناس المسائل، وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبده‏؟‏ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا وقد وضع كتابا‏:‏ إن الله عز وجل في السماء دون الأرض، فقال له رجل‏:‏ أرأيت قول الله عز وجل‏:‏ ‏(‏وهو معكم‏)‏‏؟‏ قال‏:‏ هو كما تكتب إلى الرجل أني معك، وأنت غائب عنه‏.‏ رواه البيهقي، ثم قال‏:‏ لقد أصاب أبو حنيفة رحمه الله فيما نفى عن الله عز وجل من الكون في الأرض، وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع بأن الله تعالى في السماء، قلت‏:‏ وإنما أراد بقوله هو كما تكتب إلى الرجل‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ نفى الحلول، إلا فربنا تبارك وتعالى سواء عنده الغيب والشهادة، والسر والعلانية‏.‏
وعن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال‏:‏ سألت أبا حنيفة عمن يقول‏:‏ لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض‏.‏ قال‏:‏ إذا أنكر أنه في السماء أو في الأرض، فقال‏:‏ قد كفر؛ لأن الله تعالى- يقول‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏ وعرشه فوق سمواته، فقلت‏:‏ إنه يقول‏:‏ أقول على العرش استوى، ولكن قال‏:‏ لا يدري العرش في السماء أو في الأرض‏.‏ قال‏:‏ إذا أنكر أنه في السماء، فقد كفر‏.‏ رواه شيخ الإسلام الأنصاري في الفاروق، وروى المقدسي عنه رحمه الله تعالى أنه قال‏:‏ من أنكر الله عز وجل في السماء، فقد كفر‏.‏
وعن أبي جريج رحمه الله تعالى قال‏:‏ كان عرشه على الماء قبل أن يخلق الخلق‏.‏ وروى الحاكم، عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال‏:‏ كنا والتابعون متوافرون، نقول‏:‏ إن الله عز وجل فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة من صفاته‏.‏ وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات‏.‏ وللثعلبي عنه في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ثم استوى على العرش‏)‏ قال‏:‏ هو على عرشه كما وصف نفسه‏.‏ وسئل رحمه الله تعالى عن أحاديث الصفات، فقال‏:‏ أمرها كما جاءت‏.‏
وعن مقاتل بن حيان في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم‏)‏ قال‏:‏ هو على عرشه، وعلمه معهم‏.‏ رواه عبد الله بن أحمد في السنة‏.‏
وللبيهقي عنه قال‏:‏ بلغنا والله أعلم في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏هو الأول والآخر والظاهر والباطن‏)‏‏:‏ هو الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، والظاهر فوق كل شيء، والباطن أقرب من كل شيء، وإنما قربه بعلمه، وهو فوق عرشه‏.‏ وعن سفيان الثوري في قوله‏:‏ ‏(‏وهو معكم أينما كنتم‏)‏ قال‏:‏ علمه‏.‏ وقال في جميع أحاديث الصفات‏:‏ أمروها كما جاءت‏.‏
وعن الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى قال‏:‏ الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء‏.‏ وسأله رجل فقال‏:‏ يا أبا عبد الله، ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏ كيف استوى‏؟‏ فأطرق مالك، وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال‏:‏ الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت صاحب بدعة، أخرجوه‏.‏ وفي رواية قال‏:‏ الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالا، وأمر به فأخرج‏.‏
وقال سلام بن أبي مطيع‏:‏ ويلكم، ما تنكرون هذا الأمر، والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن ما هو أثبت منه، قول الله تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله سميع بصير _ ويحذركم الله نفسه _ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك- ثم استوى على العرش- والسماوات مطويات بيمينه- ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي- وكلم الله موسى تكليما- يا موسى إنني أنا الله‏)‏، فما زال في ذلك من العصر إلى المغرب‏.‏
وصح عن ابن الماجشون أنه سئل عما جحدت به الجهمية، فقال‏:‏ أما بعد، فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعته الجهمية في صفة الرب العظيم الذي فاتت عظمته الوصف والتقدير، وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره، فلم تجد العقول مساغا، فرجعت خاسئة حسيرة، وإنما أمروا بالنظر والتفكير فيما خلق، وإنما يقال كيف لما لم يكن مرة ثم كان، أما من لا يحول ولا يزول، ولم يزل وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو‏.‏ وساق فصلا طويلا في هذا المعنى، وذكر جملة من نصوص الصفات- رحمه الله‏.‏
وقال حماد بن زيد‏:‏ إنما يدورون على أن يقولوا ليس في السماء إله- يعني‏:‏ الجهمية‏.‏ رواه ابن أبي حاتم الرازي، وقال محمد بن إسحاق إمام أهل المغازي‏:‏ كان الله تعالى كما وصف نفسه، إذ ليس إلا الماء عليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإكرام، الظاهر في علوه علي خلقه، فليس شيء فوقه، الباطن لإحاطته بخلقه، فليس شيء دونه، الدائم الذي لا يبيد، وكان أول ما خلق النور والظلمة، ثم السماوات السبع من دخان، ثم دحا الأرض، ثم استوى إلى السماء فحبكهن وأكمل خلقهن في يومين، ففرغ من خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش‏.‏

طبقة أخرى
روى ابن أبي حاتم، عن جرير بن عبد الحميد، قال‏:‏ كلام الجهمية أوله عسل، وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله‏.‏ وصح عن علي بن الحسن بن شقيق قال‏:‏ قلت لعبد الله بن المبارك، كيف نعرف ربنا عز وجل‏؟‏ قال‏:‏ في السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية إنه ها هنا في الأرض‏.‏ فقيل‏:‏ هذا لأحمد بن حنبل، فقال‏:‏ هكذا هو عندنا‏.‏ وعنه رضي الله عنه أن رجلا قال له‏:‏ يا أبا عبد الرحمن، قد خفت الله من كثرة ما أدعو على الجهمية‏.‏ قال‏:‏ لا تخف، فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء‏.‏ رواه عبد الله بن أحمد‏.‏
وقال نوح الجامع، وسأله رجل عن الله عز وجل في السماء هو‏؟‏ فحدث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين سأل الأمة أين الله‏؟‏ قالت‏:‏ في السماء‏.‏ قال‏:‏ أعتقها، فإنها مؤمنة، ثم قال‏:‏ سماها النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنة أن عرفت أن الله عز وجل في السماء‏.‏ رواه عبد الله بن أحمد أيضا‏.‏
وقال عباد بن العوام‏:‏ كلمت بشرا المريسي وأصحابه، فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا ليس في السماء شيء، أرى أن لا يناكحوا ولا يوارثوا‏.‏ وثبت عن أبي يوسف رحمه الله قال‏:‏ من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن تتبع غريب الحديث كذب، وقد ضرب عليا الأحول وطوف به في شأن الكلام، وضرب آخر كان معه‏.‏
وقال محمد بن الحسن‏:‏ اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير، ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر شيئا من ذلك، فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة؛ لأنه وصفه بصفة لا شيء‏.‏
وكتب بشر المريسي- قبحه الله تعالى- إلى منصور بن عمار رحمه الله تعالى يسأله عن قوله‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، كيف استوى‏؟‏ فكتب إليه استواؤه غير محدود، والجواب فيه تكلف، ومسألتك عن ذلك بدعة، والإيمان بجملة ذلك واجب، قال الله تعالى ‏(‏فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله‏)‏‏.‏
وقيل ليزيد بن هارون‏:‏ من الجهمي‏؟‏ قال‏:‏ من زعم أن قوله تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏ على خلاف ما يقر في قلوب العامة، فهو جهمي‏.‏ رواه عبد الله بن أحمد‏.‏
وقال سعيد بن عامر الضبعي، وذكر الجهمية، فقال‏:‏ هم شر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله عز وجل على العرش، وقالوا هم‏:‏ ليس على العرش‏.‏ وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه‏:‏ حدثنا وكيع، عن إسرائيل بحديث‏:‏ ‏"‏ إذا جلس الرب- جل جلاله- على الكرسي ‏"‏ فأقشعر رجل عند وكيع، فغضب وكيع، وقال‏:‏ أدركنا الأعمش والثوري يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها‏.‏
وقال مرة‏:‏ نسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول كيف كذا‏؟‏ ولا لم كذا‏؟‏ وقال عبد الرحمن بن مهدي‏:‏ إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله تعالى كلم موسى، وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم‏.‏ وقال وهب بن جرير‏:‏ إياكم ورأي جهم، فإنهم يحاولون أنه ليس شيء في السماء، وما هو إلا من وحي إبليس، ما هو إلا الكفر‏.‏ وقال الأصمعي لما قدمت امرأة جهم، فقال رجل عندها‏:‏ الله على عرشه، فقالت‏:‏ محدود على محدود‏.‏ قال الأصمعي‏:‏ هي كافرة بهذه المقالة‏.‏
وقال الخليل بن أحمد في قوله‏:‏ ‏(‏ثم استوى إلى السماء‏)‏، يقول‏:‏ ارتفع‏.‏ وقال الفراء صعد‏.‏ وعن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنه ضرب رأس قرابة له، كان يرى رأي جهم، وكان يضرب بالنعل على رأسه، ويقول‏:‏ لا، حتى تقول الرحمن على العرش استوى، بائن من خلقه‏.‏

طبقة الشافعي وأحمد، رضي الله عنهما
روى الحافظ المقدسي، عن محمد بن إدريس الشافعي- رحمه الله تعالى‏:‏ القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما إقرار بشاهدة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء، وذكر سائر الاعتقاد‏.‏
وقال عبد الله بن مسلمة القعنبي‏:‏ من لا يوقن أن الرحمن على العرش استوى كما يقر في قلوب العامة، فهو جهمي‏.‏
وقال عاصم بن علي شيخ البخاري- رحمهما الله تعالى‏:‏ ناظرت جهما، فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربا‏.‏ وقال عبد الله بن الزبير الحميدي‏:‏ نقف على ما وقف عليه القرآن والسنة، نقول‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، ومن زعم غير ذلك فهو مبطل جهمي‏.‏ وقال هشام بن عبيد الله الرازي، وحبس رجل في التجهم، فجيء به إليه ليمتحنه، فقال له‏:‏ أتشهد أن الله على عرشه، بائن من خلقه‏؟‏ فقال‏:‏ لا أدري ما بائن من خلقه‏.‏ فقال‏:‏ ردوه، فإنه لم يتب بعد‏.‏ وقال محمد بن مصعب العابد‏:‏ من زعم أنك لا تتكلم ولا ترى في الآخرة، فهو كافر بوجهك، أشهد أنك فوق العرش فوق سبع سماوات، ليس كما تقول أعداء الله الزنادقة‏.‏
وقال أبو عمران الطرسوسي، قلت لسنيد بن داود‏:‏ هو عز وجل على عرشه، بائن من خلقه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ وقال حماد بن نعيم في قوله‏:‏ ‏(‏وهو معكم‏)‏ قال‏:‏ معناه أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه، ألا ترى قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم‏)‏ الآية‏.‏ وقال- رحمه الله تعالى‏:‏ من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها‏.‏
وقال بشر الحافي‏:‏ والإيمان بأن الله تعالى على عرشه، استوى كما شاء، وأنه عالم بكل ما كان، وأنه يقول ويخلق، فقوله كن ليس بمخلوق، ومن دعائه‏:‏ اللهم إنك تعلم من فوق عرشك أن الذل أحب إلي من الشرف، اللهم إنك تعلم من فوق عرشك أن الفقر أحب إلي من الغنى، اللهم إنك تعلم من فوق عرشك أني لا أؤثر على حبك شيئا‏.‏
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في أحاديث الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا، وحديث أين كان ربنا، فقال‏:‏ هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل لنا‏:‏ كيف وضع قدمه‏؟‏ وكيف يضحك‏؟‏ قلنا‏:‏ لا نفسر هذا، ولا سمعنا أحدا يفسره‏.‏
وقال أحمد بن نصر، وسئل عن علم الله، فقال‏:‏ علم الله معنا، وهو على عرشه‏.‏ وقال مكي بن إبراهيم‏:‏ دخلت امرأة جهم على زوجتي، فقالت‏:‏ يا أم إبراهيم، هذا زوجك الذي يحدث عن العرش من نجره‏؟‏ قالت‏:‏ نجره الذي نجر أسنانك‏.‏ قال‏:‏ وكانت بادية الأسنان‏.‏
وقال قتيبة بن سعيد‏:‏ قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة‏:‏ نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏‏.‏ وقال أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم القطيعي‏:‏ آخر كلام الجهمية أنه ليس في السماء إله‏.‏
وقال يحيى بن معين‏:‏ إذا قال لك الجهمي‏:‏ وكيف ينزل‏؟‏ فقل‏:‏ كيف يصعد‏؟‏ قلت‏:‏ الكيف في الحالين منفي عن الله تعالى، لا مجال للعقل فيه‏.‏ وعن علي بن المديني أنه سئل ما قول أهل الجماعة‏؟‏ قال‏:‏ يؤمنون بالرؤية وبالكلام، وأن الله عز وجل فوق السماوات على عرشه استوى‏.‏ فسئل عن قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم‏)‏، فقال‏:‏ اقرأ ما قبله‏:‏ ‏(‏ألم تر أن الله يعلم‏)‏‏.‏ وسئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمام أهل السنة‏:‏ الله فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان‏؟‏ قال‏:‏ نعم، هو على عرشه، ولا يخلو شيء من علمه‏.‏ وقيل له‏:‏ ما معنى‏:‏ ‏(‏وهو معكم‏)‏‏؟‏ قال‏:‏ علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة‏.‏
وقال حرب بن إسماعيل الكرماني‏:‏ قلت لإسحاق بن راهويه قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم‏)‏، كيف تقول فيه‏؟‏ قال‏:‏ حيث ما كنت، فهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه، ثم ذكر عن ابن المبارك قوله‏:‏ هو على عرشه بائن من خلقه، ثم قال‏:‏ أعلى شيء في ذلك وأبينه قوله تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏‏.‏ رواه الخلال في السنة، وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ دخلت على ابن طاهر، فقال‏:‏ ما هذه الأحاديث، يروون أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، رواها الثقات الذين يروون الأحكام‏.‏ فقال‏:‏ ينزل ويدع عرشه‏؟‏ فقلت‏:‏ يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت‏:‏ فلم تتكلم في هذا‏؟‏ وروى الخلال عنه قال‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏ إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة‏.‏
وقال رجل لابن الأعرابي- رحمه الله تعالى‏:‏ يا أبا عبد الله، ما معنى قوله‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏‏؟‏ قال‏:‏ هو على عرشه كما أخبر‏.‏ فقال الرجل‏:‏ ليس كذاك، إنما معناه استولى‏.‏ فقال‏:‏ اسكت، ما يدريك ما هذا‏؟‏ العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل استولى، والله تعالى لا مضاد له، وهو على عرشه كما أخبر، ثم قال‏:‏ الاستيلاء بعد المغالبة، قال النابغة‏:‏
إلا لمثلك أو ما أنت سابقه *** سبق الجواد إذا استولى على الأمد‏.‏
وقال ذو النون المصري- رحمه الله‏:‏ أشرق لنور وجهه السماوات، وأنار لوجهه الظلمات، وحجب جلاله عن العيون، وناجاه على عرشه ألسنة الصدور‏.‏

طبقة أخرى
وقال المزني في عقيدته‏:‏ الحمد لله أحق ما بدى، وأولى من شكر، وعليه أثني الواحد الصمد، ليس له صاحبة ولا ولد، جل عن المثل، فلا شبيه له ولا عديل، السميع البصير العليم الخبير المنيع الرفيع، عال على عرشه، فهو دان بعلمه من خلقه، والقرآن كلام الله ومن الله، ليس بمخلوق فيبيد، وقدرة الله ونعته وصفاته كلمات غير مخلوقات، دائمات أزليات، ليس محدثات فتبيد، ولا كان ربنا ناقصا فيزيد، جلت صفاته عن شبه المخلوقين، عال على عرشه، بائن من خلقه، وذكر ذلك المعتقد وقال‏:‏ لا يصح لأحد توحيد حتى يعلم أن الله على عرشه بصفاته‏.‏ قلت‏:‏ مثل أي شيء‏؟‏ قال‏:‏ سميع بصير عليم قدير‏.‏ رواه ابن منده‏.‏
وسئل محمد بن يحيى الذهلي رحمه الله تعالى عن حديث عبد الله بن معاوية، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ليعلم العبد أن الله معه حيث كان، فقال‏:‏ يريد أن الله علمه محيط بكل ما كان، والله على العرش‏.‏
وقال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى في آخر الجامع الصحيح في كتاب الرد على الجهمية‏:‏ باب قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وكان عرشه على الماء‏)‏، قال أبو العالية‏:‏ استوى على عرشه‏:‏ ارتفع‏.‏ وقال مجاهد في استوى‏:‏ علا على العرش‏.‏ وقالت زينب أم المؤمنين رضي الله عنها‏:‏ زوجني الله من فوق سبع سماوات‏.‏
ثم إنه بوب رحمه الله تعالى على أكثر ما تنكره الجهمية من الصفات محتجا بالآيات والأحاديث‏.‏
وقال أبو زرعة الرازي، وسئل عن تفسير ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، فغضب وقال‏:‏ تفسيره كما تقرأ، هو على عرشه، وعلمه في كل مكان، من قال غير هذا، فعليه لعنة الله‏.‏ وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم‏:‏ سألت أبي وأبا زرعة- رحمهما الله تعالى- عن مذهب أهل السنة والجماعة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، حجازا وعراقا، ومصرا وشاما ويمنا، فكان من مذهبهم أن الله تبارك تعالى على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه بلا كيف، أحاط بكل شيء علما‏.‏ وقال محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي أبو حاتم الرازي‏:‏ ونعتقد أن الله عز وجل على عرشه، بائن من خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‏.‏ رواه أبو القاسم الطبري‏.‏
وقال يحيى بن معاذ الرازي‏:‏ إن الله على العرش، بائن من خلقه، أحاط بكل شيء علما، لا يشذ عن هذه المقالة إلا جهمي يمزج الله بخلقه‏.‏ رواه صاحب الفاروق‏.‏
وعن محمد بن أسلم الطوسي رحمه الله تعالى قال‏:‏ قال لي عبد الله بن طاهر‏:‏ بلغني أنك لا ترفع رأسك إلى السماء، فقلت‏:‏ وهل أرجو الخير إلا ممن هو في السماء‏؟‏ رواه الحاكم في ترجمته‏.‏ وقال عبد الوهاب الوراق‏:‏ من زعم أن الله ههنا، فهو جهمي خبيث، إن الله عز وجل فوق العرش، وعلمه محيط بالدنيا والآخرة‏.‏
وكتب حرب الكرماني إلى عبد الرحمن بن محمد الحنظلي‏:‏ إن الجهمية أعداء الله، وهم الذين يزعمون أن القرآن مخلوق، وأن الله لم يكلم موسى، ولا يرى في الآخرة، ولا يعرف لله مكان، وليس على العرش ولا كرسي، وهم كفار فاحذرهم‏.‏ وقال عثمان بن سعيد الدارمي الإمام في كتاب النقض‏:‏ قد اتفقت الكلمة بين المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سمواته، يعلم ويسمع من فوق العرش، لا تخفى عليه خافية من خلقه، ولا يحجبهم عنه شيء‏.‏ وقال أبو محمد بن قتيبة- رحمه الله تعالى‏:‏ كيف يسوغ لأحد أن يقول إن الله- سبحانه- بكل مكان على الحلول فيه، مع قوله‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش‏)‏، ومع قوله‏:‏ ‏(‏إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه‏)‏، كيف يصعد إليه شيء هو معه‏؟‏ وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهو معه‏؟‏ قال‏:‏ لو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرتهم، وما ركبت عليه ذواتهم من معرفة الخالق، لعلموا أن الله عز وجل هو العلي الأعلى، وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه، والأمم كلها عجميها وعربيها تقول‏:‏ إن الله في السماء ما تركت على فطرها‏.‏
وقال أبو بكر بن عاصم الشيباني‏:‏ جميع ما في كتابنا- كتاب السنة الكبير- من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم فنحن نؤمن بها؛ لصحتها وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كفيتها، فذكر من ذلك النزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش‏.‏ وقال أبو عيسى محمد بن سورة الترمذي رحمه الله في جامعه لما روى حديث أبي هريرة، وهو خبر منكر عند أهل الحديث ‏"‏ لو أنكم أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى، لهبط على الله ‏"‏ فقال‏:‏ قال أهل العلم‏:‏ أراد لهبط على علم الله، وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه‏.‏
وقال أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في كتاب السنة من سننه‏:‏ باب في الجهمية، وساق في ذلك حديث أبي هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال خلق الله الخلق، فمن خلق الله‏؟‏ فمن وجد من ذلك شيئا، فليقل‏:‏ آمنت بالله‏.‏ وفي رواية‏:‏ فإذا قالوا ذلك، فقولوا‏:‏ الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ثم ليتفل عن يساره ثلاثا، وليستعذ من الشيطان‏.‏
وذكر حديث الأوعال، وحديث جبير بن مطعم، وحديث أذن لي أن أحدث عن ملك، الحديث‏.‏
وقد ترجم قبل ذلك وبعده على معتقدات أهل السنة، وما ورد فيها من الأحاديث رحمه الله تعالى كالرؤية والنزول، وطي السماوات والأرض، وتكلم الله عز وجل والشفاعة والبعث، وخلق الجنة والنار، وفتنة القبر وعذابه، والحوض والميزان، وغير ذلك‏.‏ ورد على طوائف الجهمية والمرجئة، والخوارج والروافض، رحمه الله تعالى‏.‏
وقال ابن ماجه رحمه الله تعالى في سننه‏:‏ باب ما أنكرت الجهمية، فساق حديث الرؤية، وحديث أبي رزين، وحديث جابر‏:‏ بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، الحديث تقدم، وحديث الأوعال وغيرها‏.‏ وكذلك مسلم في صحيحه، والنسائي في سننه، وغيرهم من أهل السنن ساقوا أحاديث الصفات، وأمروها كما جاءت، لم يتعرضوا لها بكيف ولا تأويل‏.‏
وقال ابن أبي شيبة- رحمه الله تعالى‏:‏ ذكروا أن الجهمية يقولون‏:‏ ليس بين الله وبين خلقه حجاب، وأنكروا العرش وأن الله فوقه، وقالوا‏:‏ إنه في كل مكان، ففسرت العلماء ‏(‏وهو معكم‏)‏ يعني علمه، ثم تواترت الأخبار أن الله خلق العرش فاستوى عليه، فهو فوق العرش متخلصا من خلقه، بائنا منهم‏.‏
وقال سهل بن عبد الله التستري- رحمه الله تعالى‏:‏ لا يجوز لمؤمن أن يقول كيف الاستواء لمن خلق الاستواء‏؟‏ ولنا عليه الرضا والتسليم لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنه تعالى على العرش‏.‏
قال‏:‏ وإنما سمي الزنديق زنديقا؛ لأنه وزن دق الكلام بمخبول عقله، وترك الأثر وتأول القرآن بالهوى، فعند ذلك لم يؤمن بأن الله تعالى على عرشه‏.‏
طبقة أخرى‏.‏
قال زكريا بن يحيى الساجي- رحمه الله‏:‏ القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم إن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وساق سائر الاعتقاد‏.‏ وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري إمام المفسرين رحمه الله في عقيدته‏:‏ وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز ذلك، فقد خاب وخسر، ونقل في تفسير ‏(‏ثم استوى على العرش‏)‏ في المواضع كلها‏:‏ أي علا وارتفع، وتفسيره مشحون بأقوال السلف على الإثبات‏.‏
وقال حماد بن هناد البوشنجي‏:‏ هذا ما رأينا عليه أهل الأمصار، وما دلت عليه مذاهبهم فيه، وإيضاح منهاج العلماء وصفة السنة وأهلها، إن الله فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه وسلطانه وقدرته بكل مكان‏.‏ وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة‏:‏ من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سمواته، بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى برائحته أهل القبلة وأهل الذمة‏.‏
وقال أبو العباس بن سريج‏:‏ قد صح عن جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب على المسلمين الإيمان بكل واحد منها كما ورد، وأن السؤال عن معانيها بدعة، والجواب كفر وزندقة، مثل قوله‏:‏ ‏(‏هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، وذكر الاعتقاد‏.‏
وقال ثعلب إمام العربية ‏(‏على العرش استوى‏)‏‏:‏ علا‏.‏ وقال أبو جعفر الترمذي، وسأله سائل عن حديث نزول الرب، فالنزول كيف هو يبقى فوقه علو‏؟‏ فقال‏:‏ النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة‏.‏ وقال الطحاوي الإمام في عقيدته‏:‏ والعرش والكرسي حق، كما بين في كتابه، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه‏.‏
وقال أبو الحسن الأشعري في ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث‏:‏ وأن الله على عرشه كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، قال‏:‏ ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش، لم يرفعوا أيديهم نحو العرش‏.‏ وقال أبو محمد البربهاري- رحمه الله تعالى‏:‏ الكلام في الرب محدثة وبدعة وضلالة، فلا يتكلم في الله إلا بما وصف به نفسه، ولا نقول في صفاته لم ولا كيف، يعلم السر وأخفى، وعلى عرشه استوى، وعلمه بكل مكان‏.‏

طبقة أخرى من أئمة الإسلام وعلماء السنة
قال أبو أحمد العسال في باب تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، فساق ما ورد فيه من أقوال السلف وأئمتهم وحديث ابن مسعود، وقد مر‏.‏
وقال أبو بكر الصبغي في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏من في السماء‏)‏ أي من على العرش كما صحت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏ وقال أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة‏:‏ باب ما جاء في استواء الله على عرشه بائنا من خلقه، فساق في الباب حديث أبي رزين العقيلي، وحديث الأوعال وغيرهما من أحاديث العلو‏.‏ وقال أبو بكر الآجري‏:‏ الذي يذهب إليه أهل العلم أن الله تعالى على عرشه فوق سمواته، وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط بجميع ما خلق في السماوات العلى، وبجميع ما خلق في سبع أرضين، يرفع إليه أعمال العباد‏.‏
وقال أبو الشيخ في كتاب العظمة له‏:‏ ذكر عرش الرب تبارك وتعالى وكرسيه وعظم خلقهما، وعلو الرب فوق عرشه، وساق جملة أحاديث في ذلك‏.‏ وقال أبو بكر الإسماعيلي‏:‏ استوى على العرش بلا كيف، فإنه انتهى إلى أنه استوى على العرش ولم يذكر كيف كان استواؤه‏.‏ وقال الأستاذ أبو منصور الأزهري‏:‏ الله تعالى على العرش‏.‏
وقال أبو الحسن بن مهدي رحمه الله في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏‏:‏ اعلم أن الله تعالى في السماء فوق كل شيء، مستو على العرش بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء‏.‏ وإنما أمرنا الله تعالى برفع أيدينا قاصدين إليه برفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه‏.‏
وقال ابن بطة- رحمه الله‏:‏ باب الإيمان بأن الله تعالى على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه محيط بخلقه، أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين أن الله على عرشه فوق سماواته، بائن من خلقه‏.‏ وقال الدارقطني- رحمه الله تعالى‏:‏
حديث الشفاعة في أحمد *** إلى أحمد المصطفى نسنده
وأما حديث بإقعاده *** على العرش أيضا فلا نجحده
أمروا الحديث على وجهه *** ولا تدخلوا فيما يفسده‏.‏
وقال ابن منده- رحمه الله تعالى‏:‏ فهو تعالى موصوف غير مجهول، وموجود غير مدرك، ومرئي غير محاط به لقربه كأنك تراه، وهو يسمع ويرى، وهو بالمنظر الأعلى وعلى العرش استوى، فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيء محيط‏.‏ وقال محمد بن أبي زيد المغربي‏:‏ وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه‏.‏ قلت‏:‏ وقد أطلق هذه العبارة أعني قوله ‏"‏ بذاته ‏"‏ أبو جعفر بن أبي شيبة، والدارمي، ويحيى بن عمار، وأبو نصر السجزي، وابن عبد البر، وشيخ الإسلام الأنصاري، وأبو الحسن الكرجي، وأحمد بن ثابت الطرقي، وعبد العزيز القحيطي، وعبد القادر الجبلي، وطائفة‏.‏
وقال ابن فورك- رحمه الله‏:‏ استوى بمعنى علا، وقال في قوله ‏(‏أأمنتم من في السماء‏)‏‏:‏ أي من فوق السماء‏.‏ وقال ابن الباقلاني في إبانته‏:‏ فإن قيل‏:‏ فهل تقولون إنه في كل مكان‏؟‏ قيل‏:‏ معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه، فقال تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏أأمنتم من في السماء‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخر كلامه‏.‏
وقال أبو أحمد القصاب في عقيدته‏:‏ كان ربنا عز وجل وحده لا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجة إليه، فاستوى عليه استواء استقرار كيف شاء وأراد، لا استقرار راحة كما يستريح الخلق‏.‏ قلت‏:‏ تفسير الاستواء بالاستقرار لم يرد في الكتاب ولا السنة، ونحن لا نصف الله إلا بما ثبت في الكتاب والسنة، لا نزيد عليه ولا ننقص منه‏.‏
وقال الحافظ أبو نعيم- رحمه الله تعالى‏:‏ طريقنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته القديمة، لا يزول ولا يحول، لم يزل عالما بعلم، بصيرا ببصر، سميعا بسمع، متكلما بكلام‏.‏‏.‏‏.‏ إلى أن قال‏:‏ وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه‏.‏ وقال معمر بن زياد في أثناء وصيته‏:‏ وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه، ولا تمثيل ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، وذكر سائر الاعتقاد‏.‏
وقال أبو القاسم اللالكائي في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏‏:‏ وأن الله على عرشه، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏إليه يصعد الكلم الطيب‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏أأمنتم من في السماء‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏وهو القاهر فوق عباده‏)‏، فدلت هذه الآيات أنه في السماء، وعلمه في كل مكان‏.‏ روي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأم سلمة، ومن التابعين‏:‏ ربيعة، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وبه قال مالك، والثوري، وأحمد‏.‏
وقال يحيى بن عمار‏:‏ هو بذاته على العرش، وعلمه محيط بكل شيء، وعلمه وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء، وذلك معنى قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وهو معكم أينما كنتم‏)‏، فهذا الذي قلناه كما قال الله تعالى، وقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت‏:‏ لفظة ‏"‏ بذاته ‏"‏ مستغنى عنها بصريح النصوص الكافية الوافية‏.‏
وقال القادر بالله أمير المؤمنين في معتقده المشهور‏:‏ وأنه خلق العرش لا لحاجة، واستوى عليه كيف شاء لا استواء راحة، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم فهي صفة حقيقة لا صفة مجاز‏.‏ وقال أبو عمرو الطلمنكي- رحمه الله تعالى‏:‏ أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وهو معكم أينما كنتم‏)‏، ونحو ذلك من القرآن أنه علمه، وأن الله تعالى فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كما نطق به كتابه، وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله على عرشه فوق سماواته‏.‏
وقال أبو نصر السجزي‏:‏ أئمتنا كسفيان الثوري، ومالك وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة، والفضيل وابن المبارك، وأحمد وإسحاق، متفقون على أن الله- سبحانه- بذاته فوق العرش، وعلمه بكل مكان‏.‏ وقال أبو عمرو الداني في أرجوزته التي في عقود الديانة‏:‏
كلامه وقوله قديم *** وهو فوق عرشه العظيم‏.‏
وقال أبو عمر بن عبد البر في شرح حديث النزول‏:‏ هذا حديث صحيح لم يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل أن الله تعالى في السماء على العرش، فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة‏.‏ وقال أيضا‏:‏ أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم‏)‏‏:‏ هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله‏.‏
وقال أبو يعلى رحمه الله بعد أن ذكر حديث الجارية‏:‏ الكلام في هذا الخبر في فصلين‏:‏
أحدهما‏:‏ جواز السؤال عن الله- سبحانه- بأين هو‏؟‏
والثاني‏:‏ جواز الإخبار عنه بأنه في السماء‏.‏ وقد أخبرنا تعالى بأنه في السماء، فقال‏:‏ ‏(‏أأمنتم من في السماء‏)‏ وهو على العرش‏.‏ وقال أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى في كتاب المعتقد له‏:‏ باب القول في الاستواء، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ثم استوى على العرش‏)‏، ‏(‏وهو القاهر فوق عباده‏)‏، ‏(‏يخافون ربهم من فوقهم‏)‏، ‏(‏إليه يصعد الكلم الطيب‏)‏، ‏(‏أأمنتم من في السماء‏)‏، وأراد من فوق السماء كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏في جذوع النخل‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏فسيحوا في الأرض‏)‏ أي على الأرض، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات، فمعنى الآية‏:‏ أأمنتم من على العرش كما صرح به في سائر الآيات‏.‏

طبقة أخرى
قال أبو الفتح نصر المقدسي‏:‏ وأن الله مستو على عرشه، بائن من خلقه، كما قال في كتابه‏.‏ وقال شيخ الإسلام الأنصاري، صاحب منازل السائرين في التصوف، قال في كتاب له‏:‏ باب استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة بائنا من خلقه من الكتاب والسنة، فساق الحجة من الآيات والأحاديث إلى أن قال‏:‏ وفي أخبار شتى أن الله- سبحانه وتعالى- في السماء السابعة على العرش بنفسه، وهو ينظر كيف تعملون، وعلمه وقدرته واستماعه ونظره ورحمته في كل مكان‏.‏ وقال البغوي رحمه الله تعالى في قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏ثم استوى على العرش‏)‏‏:‏ قال الكلبي ومقاتل‏:‏ استقر، وقال أبو عبيدة‏:‏ صعد، وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، فأما أهل السنة فإنهم يقولون‏:‏ الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله عز وجل، ثم ذكر قول مالك المتقدم، وقال‏:‏ وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي، والليث بن سعد وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك وغيرهم، من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهات‏:‏ أمروها كما جاءت بلا كيف‏.‏ وقال أبو الحسن الكرجي في بائيته‏:‏
عقائدهم أن الإله بذاته *** على عرشه مع علمه بالغوائب
وأن استواء الرب يعقل كونه *** ويجهل فيه الكيف جهل الشهارب‏.‏
وقال الشيخ عبد القادر الجيلي رحمه الله تعالى في كتاب الغنية‏:‏ أما معرفة الصانع بالآيات والدلائل على وجه الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد‏.‏‏.‏‏.‏ إلى أن قال‏:‏ وهو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط بالأشياء، إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال‏:‏ إنه في السماء على العرش، كما قال‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، وينبغي إطلاق ذلك من غير تأويل، وكونه تعالى على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف‏.‏
وقال أبو عبد الله القرطبي‏:‏ وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم- لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أن استواءه على عرشه حقيقة، وخص عرشه بذلك؛ لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا يعلم حقيقة كيفيته‏.‏ قلت‏:‏ أراد بالجهة إثبات العلو لله تعالى، أما لفظ الجهة فلم يرد في الكتاب ولا السنة، ولا يلزم من إثبات العلو إثباتها؛ لأن العرش سقف جميع المخلوقات، فما فوقه لا يسمى جهة، ولو سلمنا أنه يلزم من إثبات العلو إثبات الجهة، فلازم الحق حق، فما استلزمه صريح الآيات والأحاديث، فهو حق بلا خلاف عند أهل السنة‏.‏
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في العقيدة الواسطية بعد سرد الآيات والأحاديث في الصفات‏:‏ فصل، وقد دخل فيما ذكرنا من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر به في كتابه، وتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجمع عليه سلف الأمة من أنه- سبحانه- فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه، وهو- سبحانه- معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير‏)‏، وليس معنى قوله‏:‏ ‏(‏وهو معكم‏)‏ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله، من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، والله- سبحانه- فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته، وكل هذا الكلام الذي ذكر الله تعالى من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن ظاهر قوله ‏(‏في السماء‏)‏ أن السماء تقله أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله تعالى قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ا هـ‏.‏
ومصنفات هذا الإمام وتلميذه ابن القيم- رحمهما الله تعالى- في الانتصار لمعتقد أهل السنة والجماعة قد طبقت المشارق والمغارب، ولو ذهبنا نذكر أقوال أهل العلم والدين من السلف والخلف، لاحتجنا إلى عدة أسفار بل إلى عدة أحمال، وفيما ذكرناه كفاية‏.‏
ونحن نشهد الله تعالى وحملة عرشه وجميع ملائكته وأنبياءه ورسله وجميع خلقه أنا نثبت لربنا عز وجل ما أثبته لنفسه في كتابه، وأثبته رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه أهل السنة والجماعة، سلفا وخلفا ممن ذكرنا وممن لم نذكر، من أن ربنا وإلهنا فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وهو يعلم ما هم عليه، لا يخفى عليه منهم خافية، واستواؤه على عرشه كما أخبر، وعلى الوجه الذي عناه وأراده كما يليق بجلال ربنا وعظمته، لا تتكلف لذلك تأويلا ولا تكييفا، بل نقول آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نطلب إماما غير الكتاب والسنة، ولا نتخطاهما إلى غيرهما، ولا نتجاوز ما جاء فيهما، فننطق بما نطقا به، ونسكت عما سكتا عنه، ونسير سيرهما حيث سارا، ونقف معهما حيث وقفا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏
ومع ذا مطلع إليهمو *** بعلمه مهيمن عليهم
وذكره للقرب والمعية *** لم ينف للعلو والفوقية
فإنه العلي في دنوه *** وهو القريب جل في علوه‏.‏
‏(‏ومع ذا‏)‏ الاتصاف بالعلو والاستواء على العرش والمباينة منه لخلقه تبارك وتعالى، فهو ‏(‏مطلع‏)‏- سبحانه وتعالى- ‏(‏إليهمو‏)‏ الواو للإشباع ‏(‏بعلمه‏)‏ المحيط بجميع المعلومات، لا تخفى عليه منهم خافية، كما جمع تبارك وتعالى بين ذلك في قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى‏)‏، ‏(‏طه 5- 7‏)‏، فجمع تعالى بين استوائه على عرشه، وبين علمه السر وأخفى، وكذلك جمع عز وجل بينهما في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم‏)‏، ‏(‏الحديد 3‏)‏، وهو الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، والظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، هكذا فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عند مسلم، وكذلك جمع تعالى بينهما في الآية التي تليها، فقال عز وجل‏:‏ ‏(‏هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير‏)‏ ‏(‏الحديد 4‏)‏، وكذلك جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين هذين المعنيين في حديث الأوعال، إذ يقول‏:‏ والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه‏.‏ وغير ذلك من الآيات والأحاديث، وهو إجماع المؤمنين‏.‏
‏(‏مهيمن‏)‏ رقيب ‏(‏عليهمو‏)‏ بواو الإشباع ‏(‏وذكره‏)‏ تبارك وتعالى ‏(‏للقرب‏)‏ في قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان‏)‏، ‏(‏البقرة 186‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إنه سميع قريب‏)‏، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيحين‏:‏ إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته‏.‏ وكذلك ذكره ‏(‏المعية‏)‏ العامة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا‏)‏، ‏(‏المجادلة 7‏)‏، وقوله عز وجل‏:‏ ‏(‏وهو معكم أينما كنتم‏)‏، ‏(‏الحديد 4‏)‏، وكذا المعية الخاصة في قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون‏)‏، ‏(‏النحل 128‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏واصبروا إن الله مع الصابرين‏)‏، ‏(‏الأنفال 46‏)‏، وقوله لموسى وهارون‏:‏ ‏(‏إنني معكما أسمع وأرى‏)‏، ‏(‏طه 46‏)‏، وقوله في قصة نبينا صلى الله عليه وسلم مع الصديق رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا‏)‏، ‏(‏التوبة 40‏)‏، كل ذلك لم ‏(‏ينف العلو‏)‏ المذكور في النصوص السابقة من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة من أنه تعالى مستو على عرشه، بائن من خلقه، ‏(‏إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه‏)‏، ‏(‏تعرج الملائكة والروح إليه‏)‏، ‏(‏يدبر الأمر من السماء إلى الأرض‏)‏، ‏(‏والفوقية‏)‏ عطف على العلو وهو رديفه في المعنى، أي ولم ينف قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏وهو القاهر فوق عباده‏)‏، ‏(‏الأنعام 18‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏يخافون ربهم من فوقهم‏)‏، ‏(‏النحل 50‏)‏، وقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه‏.‏ بل كل ذلك حق على حقيقته، ولا منافاة بين قربه عز وجل وبين علوه ‏(‏فإنه‏)‏ هو ‏(‏العلي‏)‏ المتصف بجمع معاني العلو ذاتا وقهرا وشأنا ‏(‏في دنوه‏)‏ فيدنو تعالى من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا في آخر كل ليلة، وعشية عرفة، وغير ذلك كيف شاء، ويأتي لفصل القضاء بين عباده كيف شاء، وليس ذلك منافيا لفوقيته فوق عباده، واستوائه على عرشه، فإنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، ومعيته العامة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وهو معكم أينما كنتم‏)‏ معناها إحاطته بهم علما وقدرة، كما يدل عليه أول السياق وآخره، وهو إجماع الصحابة والتابعين، كما تقدم نقل إجماعهم على ذلك‏.‏
وأما معيته الخاصة لأحبابه وأوليائه فتلك غير المعية العامة، فهو معهم بالإعانة والرعاية، والكفاية والنصر، والتأييد والهداية، والتوفيق والتسديد، وغير ذلك مما تجفو عبارة المخلوق عنه، ويقصر تعريفه دونه، وكفاك قول الله عز وجل فيما رواه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم إذ يقول‏:‏ ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها‏.‏ وفي بعض الروايات‏:‏ وقلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ينطق به‏.‏ وليس معنى ذلك أن يكون جوارح للعبد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما المراد أن من اجتهد بالتقرب إلى الله عز وجل بالفرائض ثم بالنوافل قربه إليه، ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته، وعظمته وخوفه، ومهابته وإجلاله، والأنس به والشوق إليه، حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدا له بعين البصيرة، وإلى هذا المعنى أشار صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ أحبوا الله من كل قلوبكم‏.‏
فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى، محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريد منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به، فهذا هو المراد بقوله- عز وجل‏:‏ كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها‏.‏
ومن أشار إلى غير هذا، فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول والاتحاد، والله ورسوله بريئان منه‏.‏
‏(‏وهو القريب جل في علوه‏)‏ فهو- سبحانه وتعالى- مستو على عرشه، عال على جميع خلقه، وهو قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه، ويعلم سره ونجواه، وهو أقرب إلى داعيه من عنق راحلته، ويعلم ما توسوس به نفس الإنسان، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، فإن الذي عند عنق راحلته، أو عند حبل وريده لا يعلم ما خفي عليه من كلامه، والله عز وجل على عرشه، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو مع خلقه بعلمه وقدرته، لا تخفى عليه منهم خافية، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فهو على كل شيء شهيد، وبكل شيء محيط، فهو- سبحانه- القريب في علوه، العلي في دنوه، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم‏.‏
حي وقيوم فلا ينام *** وجل أن يشبهه الأنام
لا تبلغ الأوهام كنه ذاته *** ولا يكيف الحجا صفاته‏.‏
‏(‏حي‏)‏ لا يموت، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وتوكل على الحي الذي لا يموت‏)‏، ‏(‏الفرقان 58‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين‏)‏، فهو الحي الذي لم تسبق حياته بالعدم، ولم تعقب بالفناء، هو الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت والجن والإنس يموتون‏.‏
‏(‏وقيوم‏)‏ فهو القيوم بنفسه، القيم لغيره، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها إلا به، ولا قوام لها بدون أمره، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره‏)‏، وهو القائم على كل شيء، والقائم بجميع أمور عباده، والقائم على كل نفس بما كسبت‏.‏
وفي الصحيحين من دعائه صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل‏:‏ اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض‏.‏ الحديث‏.‏
وقد جمع تعالى بين هذين الاسمين ‏"‏ الحي القيوم ‏"‏ في ثلاثة مواضع من كتابه‏:‏
الأول‏:‏ آية الكرسي من سورة البقرة ‏(‏الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم‏)‏، ‏(‏البقرة 255‏)‏‏.‏
الثاني‏:‏ أول سورة آل عمران ‏(‏ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم‏)‏، ‏(‏آل عمران 1- 2‏)‏‏.‏
الثالث‏:‏ في سورة طه ‏(‏وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما‏)‏، ‏(‏طه 111‏)‏، وروى ابن مردويه، عن أبي أمامة مرفوعا قال‏:‏ اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور‏:‏ سورة البقرة، وآل عمران، وطه‏.‏ ‏(‏فلا ينام‏)‏ أي لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، فإن ذلك نقص في حياته وقيوميته، ولهذا أردف هذين الاسمين بنفي السنة والنوم، فقال‏:‏ ‏(‏الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم‏)‏، ‏(‏البقرة 255‏)‏، أي لا تغلبه سنة وهو الوسن والنعاس ولا نوم، ونفيه من باب أولى؛ لأنه أقوى من السنة، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، ولا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عليه خافية‏.‏
وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه قال‏:‏ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات، فقال‏:‏ إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه‏.‏
‏(‏وجل‏)‏ عن ‏(‏أن يشبهه الأنام‏)‏ في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله؛ لأن الصفات تابعة لموصوفها، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقات، ولو اهتدى المتكلمون لهذا المعنى الذي هدى الله إليه أهل السنة والجماعة، لما نفوا عن الله ما وصف به نفسه، ووصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما عطلوه عن صفات كماله ونعوت جلاله فرارا بزعمهم من التشبيه، فوقعوا في أعظم من ذلك، ولزمهم أضداد ما نفوه من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وسبب ضلالهم أنهم تقدموا بين يدي الله ورسوله، واتهموا الوحيين فيما نطقا به، ووزنوهما بعقولهم السخيفة وأذهانهم البعيدة، وقوانينهم الفاسدة التي هي ليست من الله في شيء، ولا من علوم الإسلام في ظل ولا فيء، وإنما هي أوضاع مختلفة، أدخلها الأعادي على أهل الإسلام؛ لقصد إظهار الفساد، ولغرس شجرة الإلحاد، المثمرة تعطيل الباري عز وجل عن صفات كماله وعلوه واعتقاد الحلول والاتحاد‏.‏
جاءوا بها في قالب التنزيه *** لله كي يغوون كل سفيه
قالوا صفات كماله منفية *** عنه مخافة موجب التشبيه
تعطيلهم سموه تنزيها له *** ليروجوا فاعجب لذا التمويه
والوحي قالوا نصه لا يوجب *** العلم اليقين فأي دين فيه
ما الدين إلا ما عن اليونان قد *** جئنا به طوبى لمن يحويه
نبذوا كتاب الله خلف ظهورهم *** وبقوا حيارى في ضلال التيه‏.‏
فسموا النور الذي أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم تفصيل كل شيء، وتبيانا لكل شيء، ولم يفرط فيه من شيء، وبيان النبي صلى الله عليه وسلم من جوامع كلمه التي اختصه الله بها، فسموا ذلك كله ‏"‏ آحادا ظنية لا تفيد اليقين ‏"‏، وسموا زخارف أذهانهم ووساوس شيطانهم ‏"‏ قواطع عقلية ‏"‏، لا والله ما هي إلا خيالات وهمية ووساوس شيطانية، هي من الدين بريئة وعن الحق أجنبية، توجب الحيرة وتعقب الحسرة، كثيرة المباني قليلة المعاني، كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، ويا ليته إذا جاءه لم يجده شيئا، لكن وجده السم النقيع، والداء العضال، فخاخ هلكة نصبها الأعداء؛ لاصطياد الأغبياء، وخدعة ماكر في صورة ناصح، فعل عدو الله اللعين في قصته مع الأبوين- عليهما السلام- في دلالتهما على الشجرة التي نهاهما ربهما عنها ‏(‏وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور‏)‏، ‏(‏الأعراف 21- 22‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخر الآيات‏.‏
وكذلك كتب الكلام والمنطق اليوناني، أدخله الأعداء علينا وسموه علم التوحيد تلبيسا وتمويها، وما هو إلا سلم الإلحاد والزندقة، وجحدوا صفات الباري عز وجل، وسموا ذلك تنزيها؛ ليغروا الجهال بذلك، وإنما هو محض التعطيل، وسموا أولياء المؤمنين الذين عرفوه بأسمائه وصفاته مشبهة؛ لينفروا الناس عنهم مكرا وخديعة، فأصبح المغرور بقولهم المخدوع بمكرهم حائرا مخذولا؛ لأنهم لما عزلوا كتاب الله عن البيان، وحكموا عقولهم السخيفة في نصوص صفات الديان، لم يفهموا منها إلا ما يقوم بالمخلوق من الجوارح والأدوات التي منحه الله إياها، ومتى شاء سلبه، ولم ينظروا المتصف بها من هو، فلذلك نفوها عن الله عز وجل لئلا يلزم من إثباتها التشبيه، فشبهوا أولا وعطلوا ثانيا، فلما نفوا عن الله صفات كماله، لزمهم إثبات ضدها وهو النقائص، فمن نفى عن الله كونه سميعا بصيرا، فقد شبهه بما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني شيئا، وكذلك سائر الصفات، وماذا عليهم لو أثبتوا لله عز وجل ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم كما شاء الله- تعالى- وعلى الوجه الذي أراد، فجميع صفاته صفات كمال وجلال، تليق بعظمة ذاته، ونفيها ضد ذلك، ولا يلزم من اتفاق التسمية اتفاق المسميات، فإن الله تعالى قد سمى نفسه سميعا بصيرا، وأخبرنا أنه جعل الإنسان سميعا بصيرا، وسمى نفسه الرءوف الرحيم، وأخبر أن نبيه صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رءوف رحيم، وسمى نفسه الملك، فقال‏:‏ ‏(‏مالك يوم الدين- ملك الناس‏)‏، وسمى بعض خلقه ملكا، فقال‏:‏ ‏(‏وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي‏)‏، ‏(‏يوسف 54‏)‏ وهو العزيز، وسمى بعض عباده عزيزا وغير ذلك، فلا يلزم من اتفاق التسمية اتفاق الأسماء ومقتضياتها، فليس السمع كالسمع، ولا البصر كالبصر، ولا الرأفة كالرأفة، ولا الرحمة كالرحمة، ولا العزة كالعزة، كما أنه ليس المخلوق كالخالق، ولا المحدث الكائن بعد أن لم يكن كالأول الآخر الظاهر الباطن، وليس الفقير العاجز عن القيام بنفسه، كالحي القيوم الغني عما سواه وكل ما سواه فقير إليه، فصفات الخالق الحي القيوم قائمة به لائقة بجلاله، أزلية بأزليته دائمة بديموميته، لم يزل متصفا بها ولا يزال كذلك، لم تسبق بضد ولم تعقب به، بل له تعالى الكمال المطلق أولا وأبدا، ‏(‏ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‏)‏، ‏(‏الشورى 42‏)‏، فمن شبه الله تعالى بخلقه، فقد كفر، ومن نفى عنه ما وصف به نفسه، فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه‏.‏
‏(‏لا تبلغ الأوهام كنه ذاته‏)‏ أي نهاية حقيقتها، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما‏)‏، ‏(‏طه 20‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء‏)‏، ‏(‏البقرة 255‏)‏، وإنما نعرفه تعالى بما وصف به نفسه في كتبه المنزلة على رسله بأنه أحد صمد ‏(‏لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏)‏، ‏(‏الإخلاص 3- 4‏)‏، ‏(‏الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم‏)‏، ‏(‏البقرة 255‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخر الآية، ‏(‏هو الله الذي الله لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم‏)‏، ‏(‏الحشر 22‏)‏، ‏(‏هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون‏)‏، ‏(‏الحشر 23‏)‏، ‏(‏هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم‏)‏، ‏(‏الحشر 24‏)‏، ‏(‏هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم‏)‏ ‏(‏الحديد 3‏)‏، إلى غير ذلك من آيات الأسماء والصفات‏.‏
‏(‏ولا يكيف الحجا‏)‏ أي العقل ‏(‏صفاته‏)‏؛ لأنه لا يعلم كيف هو إلا هو، فالواجب علينا أيها العبيد الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، وإمرارها كما جاءت واعتقاد أنها حق، كما أخبر الله عز وجل وأخبر رسوله صلى الله عليه وسلم وعدم التكييف والتمثيل؛ لأن الله عز وجل أخبرنا بأسمائه وصفاته وأفعاله ولم يبين كيفيتها، فنصدق الخبر ونؤمن به، ونكل الكيفية إلى الله عز وجل -‏.‏
فصفات ذاته تعالى من الحياة والعلم، والسمع والبصر، والقدرة والإرادة وغيرها، وكذلك صفات أفعاله من الاستواء على العرش، والنزول إلى سماء الدنيا، والمجيء لفصل القضاء بين عباده، وغير ذلك كلها حق على حقيقتها، علمنا اتصافه تعالى بها بما علمنا في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وغاب عن جميع المخلوقين كيفيتها، ولم يحيطوا بها علما، كما قالت أم سلمة رضي الله عنها- وربيعة الرأي، ومالك بن أنس، وغيرهم- رحمهم الله تعالى‏:‏ الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق والتسليم‏.‏ وكذلك القول في جميع صفاته عز وجل، وإنا والله لكالون حائرون في كيفية سراية الدم في أعضائنا، وجريان الطعام والشراب فينا، وكيف يدبر الله تعالى قوت كل عضو فيه بحسب حاجته، وفي استقرار الروح التي هي بين جنبينا، وكيف يتوفاها الله في منامها، وتعرج إلى حيث شاء الله عز وجل ويردها إذا شاء، وكيفية إقعاد الميت في القبر، وعذابه ونعيمه، وكيفية قيام الأموات من القبور حفاة عراة غرلا، وكيفية الملائكة وعظم خلقهم، فكيف العرش الذي لا يقدر قدره إلا الله عز وجل، كل ذلك نجهل كيفيته ونحن مؤمنون به، كما أخبرنا الله عز وجل عنه على ألسنة رسله- عليهم الصلاة والسلام- إيمانا بالغيب، وإن لم نعلم الكيفية، فكيف بالخالق عز وجل وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون، آمنا به كل من عند ربنا، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 04:20 PM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
انفراده عز وجل بالإرادة والمشيئة
باق فلا يفنى ولا يبيد *** ولا يكون غير ما يريد
منفرد بالخلق والإرادة *** وحاكم جل بما أراده
‏(‏باق‏)‏ كما أنه الأول بلا ابتداء، فهو الباقي بلا انتهاء، كما لا ابتداء لأوليته، كذلك لا انتهاء لآخريته ‏(‏فلا يفنى ولا يبيد‏)‏ بل هو المفني المبيد، وهو المبدئ المعيد، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون‏)‏، ‏(‏القصص 88‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام‏)‏، ‏(‏الرحمن 26- 27‏)‏، ‏(‏ولا يكون‏)‏ في الكون ‏(‏غير ما يريد‏)‏، والمراد بالإرادة هنا الإرادة القدرية الكونية التي لا بد لكل شيء منها، ولا محيص ولا محيد لأحد عنها، وهي مشيئة الله الشاملة وقدرته النافذة، فما شاء الله تعالى كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو- سبحانه- الفعال لما يريد، ولا نفوذ لإرادة أحد إلا أن يريد، وما من حركة ولا سكون في السماوات ولا في الأرض إلا بإرادته ومشيئته، ولو شاء عدم وقوعها لم تقع‏.‏
وورود ذلك في نصوص الكتاب والسنة معلوم، كقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏فعال لما يريد‏)‏، ‏(‏البروج 16‏)‏، ‏(‏فأراد ربك أن يبلغا أشدهما‏)‏، ‏(‏الكهف 82‏)‏، ‏(‏وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا‏)‏، ‏(‏الإسراء 16‏)‏، وهذا الأمر القدري الكوني غير الأمر الشرعي، فإن الله لا يأمر بالفسق شرعا، ولا يحب الفاسقين، وإنما هو أمر تكوين، ألا ترى أن الفسق علة ‏(‏حق القول عليهم‏)‏، و‏(‏حق القول عليهم‏)‏ علة لتدميرهم، وهكذا الأمر سبب لفسقهم ومقتض له، وذلك هو أمر التكوين، وقال‏:‏ ‏(‏يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر‏)‏، ‏(‏البقرة 185‏)‏، ‏(‏إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون‏)‏، ‏(‏يس 82‏)‏، ‏(‏ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا‏)‏، ‏(‏المائدة 41‏)‏، ‏(‏أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم‏)‏، ‏(‏المائدة 41‏)‏، وقول نوح لقومه‏:‏ ‏(‏ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون‏)‏، ‏(‏هود 34‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء‏)‏ ‏(‏الأنعام 125‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له‏)‏، ‏(‏الرعد 11‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وأن الله يهدي من يريد‏)‏، ‏(‏قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا‏)‏، ‏(‏المائدة 17‏)‏، ‏(‏قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة‏)‏، ‏(‏الأحزاب 17‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا‏)‏، ‏(‏الفتح 11‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة‏)‏، ‏(‏آل عمران 176‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد‏)‏، ‏(‏الإسراء 18‏)‏، وقول صاحب يس‏:‏ ‏(‏أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون‏)‏، ‏(‏يس 23‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته‏)‏، ‏(‏الزمر 38‏)‏، وقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ‏"‏، ‏"‏ من يرد الله به خيرا يصب منه ‏"‏ ‏,‏ ‏"‏ إذا أراد الله رحمة أمة، قبض نبيها قبلها، وإذا أراد هلكة أمة، عذبها ونبيها حي، فأقر عينه بهلاكها ‏"‏ ‏,‏ ‏"‏ إذا أراد الله بعبد خيرا، عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد شرا، أمسك عنه بذنوبه حتى يوافى به يوم القيامة ‏"‏ ‏,‏ ‏"‏ إذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له إليها حاجة، إذا أراد الله بأهل بيت خيرا، أدخل عليهم باب الرفق ‏"‏، ‏"‏ إذا أراد الله بقوم عذابا، أصاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نياتهم‏.‏
والآثار النبوية في ذلك كثيرة، وكذلك لفظ ‏"‏ المشيئة ‏"‏ في الكتاب والسنة وروده معلوم، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد‏)‏، ‏(‏البقرة 253‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كذلك الله يفعل ما يشاء‏)‏، ‏(‏آل عمران 40‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ولو شاء ربك ما فعلوه‏)‏، ‏(‏الأنعام 137‏)‏، ‏(‏ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا‏)‏، ‏(‏يونس 99‏)‏، ‏(‏ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة‏)‏، ‏(‏هود 118‏)‏ ‏(‏ولو يشاء الله لهدى الناس جميعا‏)‏، ‏(‏ولو شاء الله لجمعهم على الهدى‏)‏، ‏(‏الأنعام 30‏)‏، ‏(‏ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها‏)‏، ‏(‏السجدة 13‏)‏، ‏(‏ولو شاء الله لانتصر منهم‏)‏، ‏(‏محمد 4‏)‏، ‏(‏ولو شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك‏)‏، ‏(‏الإسراء 86‏)‏، ‏(‏فإن يشأ الله يختم على قلبك‏)‏، ‏(‏الشورى 24‏)‏، ‏(‏إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا‏)‏، ‏(‏النساء 133‏)‏، ‏(‏لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين‏)‏، ‏(‏الفتح 27‏)‏، ‏(‏إنما يأتيكم به الله إن شاء‏)‏، ‏(‏هود 33‏)‏، وقوله عن إمام الحنفاء‏:‏ ‏(‏ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما‏)‏، ‏(‏الأنعام 80‏)‏، وقوله عن الذبيح‏:‏ ‏(‏ستجدني إن شاء الله من الصابرين‏)‏، ‏(‏الصافات 102‏)‏، وقوله عن شعيب عليه السلام‏:‏ ‏(‏وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما‏)‏، ‏(‏الأعراف 89‏)‏، وقوله عن يوسف‏:‏ ‏(‏ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين‏)‏، ‏(‏يوسف 99‏)‏، وقوله عن موسى‏:‏ ‏(‏ستجدني إن شاء الله صابرا‏)‏، ‏(‏الكهف 69‏)‏، وقوله عن قوم موسى‏:‏ ‏(‏وإنا إن شاء الله لمهتدون‏)‏ ‏(‏البقرة 70‏)‏ وقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله‏)‏، ‏(‏الكهف 24‏)‏، ‏(‏قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله‏)‏، ‏(‏يونس 49‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك‏)‏، ‏(‏هود 107‏)‏، وعن أهل النار مثل ذلك، وقال‏:‏ ‏(‏ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم‏)‏، ‏(‏الإسراء 54‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء‏)‏، ‏(‏المائدة 40‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ولكن ينزل بقدر ما يشاء‏)‏، ‏(‏الشورى 27‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏)‏، ‏(‏الإسراء 30‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏يمحو الله ما يشاء ويثبت‏)‏، ‏(‏الرعد 39‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به‏)‏، ‏(‏يونس 16‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا‏)‏، ‏(‏الإنسان 28‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏وما يذكرون إلا أن يشاء الله‏)‏، ‏(‏المدثر 56‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏وما تشاءون إلا أن يشاء الله‏)‏، ‏(‏الإنسان 30‏)‏، فأخبر أن مشيئتهم وفعلهم موقوفان على مشيئته لهم هذا وهذا، وقال‏:‏ ‏(‏قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير‏)‏، ‏(‏آل عمران 260‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم‏)‏، ‏(‏الأحزاب 24‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏يختص برحمته من يشاء‏)‏، ‏(‏آل عمران 74‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ولكن الله يزكي من يشاء‏)‏، ‏(‏النور 21‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏والله يضاعف لمن يشاء‏)‏، ‏(‏البقرة 261‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏نصيب برحمتنا من نشاء‏)‏، ‏(‏يوسف 76‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏نرفع درجات من نشاء‏)‏، ‏(‏يوسف 56‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء‏)‏، ‏(‏يوسف 56‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ولكن الله يمن على من يشاء من عباده‏)‏، ‏(‏إبراهيم 11‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين‏)‏، ‏(‏يوسف 110‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏الله يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء‏)‏، ‏(‏الروم 48‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن ربي لطيف لما يشاء‏)‏، ‏(‏يوسف 100‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏يؤتي الحكمة من يشاء‏)‏، ‏(‏البقرة 299‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ولو نشاء لطمسنا على أعينهم‏)‏، ‏(‏يس 66‏)‏، ‏(‏ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم‏)‏ ‏(‏البقرة 20‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره‏)‏، ‏(‏الشورى 33‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏ولو نشاء لجعلناه حطاما‏)‏، ‏(‏الواقعة 65‏)‏، ‏(‏لو نشاء جعلناه أجاجا‏)‏، ‏(‏الواقعة 70‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء‏)‏، ‏(‏التوبة 28‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد‏)‏، ‏(‏فاطر 16‏)‏، ‏(‏إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء‏)‏، ‏(‏الأنعام 133‏)‏، ‏(‏ولو شاء الله لأعنتكم‏)‏، ‏(‏البقرة 22‏)‏، ‏(‏الله يجتبي إليه من يشاء‏)‏، ‏(‏الشورى 13‏)‏، ‏(‏والله يضاعف لمن يشاء‏)‏، ‏(‏البقرة 261‏)‏، ‏(‏وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة‏)‏، ‏(‏القصص 68‏)‏، ‏(‏لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما‏)‏، ‏(‏الشورى 52‏)‏، ‏(‏ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله‏)‏، ‏(‏الشورى 52‏)‏، ‏(‏هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء‏)‏، ‏(‏آل عمران 6‏)‏، ‏(‏في أي صورة ما شاء ركبك‏)‏، ‏(‏الانفطار 8‏)‏، ‏(‏ولكن الله يمن على من يشاء من عباده‏)‏، ‏(‏إبراهيم 11‏)‏، ‏(‏الله لطيف بعباده يرزق من يشاء‏)‏، ‏(‏الشورى 19‏)‏، ‏(‏ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر‏)‏، ‏(‏القصص 82‏)‏ وغير ذلك من الآيات‏.‏
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ساق نحوا من هذه الآيات‏:‏ وهذه الآيات ونحوها تتضمن الرد على طائفتي الضلال‏:‏ نفاة المشيئة بالكلية، ونفاة مشيئة أفعال العباد وحركاتهم وهداهم وضلالهم، وهو- سبحانه- يخبر تارة أن كل ما في الكون بمشيئته، وتارة أن ما لم يشأ لم يكن، وتارة أنه لو شاء لكان خلاف الواقع، وأنه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه، وأنه لو شاء ما عصي، وأنه لو شاء لجمع خلقه على الهدى وجعلهم أمة واحدة، فتضمن ذلك أن الواقع بمشيئته، وأن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته، وهذا حقيقة الربوبية، وهو معنى كونه ‏(‏رب العالمين‏)‏، وكونه القيوم القائم بتدبير أمور عباده، فلا خلق ولا رزق، ولا عطاء ولا منع، ولا قبض ولا بسط، ولا موت ولا حياة، ولا ضلال ولا هدى، ولا سعادة ولا شقاوة، إلا بعد إذنه، وكل ذلك بمشيئته وتكوينه، إذ لا مالك غيره، ولا مدبر سواه، ولا رب غيره‏.‏ اهـ‏.‏
والأحاديث من السنة النبوية في إثبات المشيئة كثيرا جدا، منها قوله صلى الله عليه وسلم في شأن الجنين‏:‏ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك‏.‏ وقوله‏:‏ اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء ‏"‏، ‏"‏ إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها حين شاء ‏"‏، ‏"‏ إن الله لو شاء لم تناموا عنها، ولكنه أراد ليكون لمن بعدكم ‏"‏، ‏"‏ قولوا ما شاء الله وحده ‏"‏، ‏"‏ قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفها كيف يشاء ‏"‏، ‏"‏ ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه‏.‏
وكان صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك‏.‏ وقوله عن الله عز وجل‏:‏ فذلك فضلي أوتيه من أشاء‏.‏ وقوله‏:‏ مثل الكافر كمثل الأرزة، صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء‏.‏ وقوله‏:‏ تعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله عز وجل سحائب من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده‏.‏ وقوله في حديث البيعة‏:‏ ومن أصاب في ذلك شيئا فستره الله، فهو إلى الله عز وجل، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له‏.‏ وفي حديث احتجاج الجنة والنار قوله تعالى للجنة‏:‏ أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء‏.‏ وللنار‏:‏ أنت عذابي، أعذب بك من أشاء‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، وارزقني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله تعالى لا مكره له‏.‏ وقوله‏:‏ ولكن قل‏:‏ قدر الله وما شاء فعل‏.‏ وقوله عن الله عز وجل‏:‏ ذلك بأني جواد أفعل ما أشاء، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون‏.‏ وقوله‏:‏ ما أنعم الله على عبد من نعمة من أهل وولد، فيقول‏:‏ ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آية دون الموت‏.‏ وفي حديث الشفاعة‏:‏ فيدعني ما شاء الله أن يدعني‏.‏ وفي حديث آخر أهل الجنة دخولا الجنة‏:‏ فيسكت ما شاء الله أن يسكت‏.‏ وفيه قوله تعالى‏:‏ لا أهزأ بك، ولكني على ما أشاء قدير‏.‏ وقال‏:‏ فأريد- إن شاء الله- أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي‏.‏ وقال‏:‏ لا يدخل النار- إن شاء الله- من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد‏.‏ وقال‏:‏ إني لأطمع أن يكون حوضي- إن شاء الله- ما بين أيلة إلى كذا‏.‏ وقال في المدينة‏:‏ لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، إن شاء الله تعالى‏.‏ وفي زيارة القبور‏:‏ وإنا- إن شاء الله- بكم لاحقون‏.‏ وفي حصار الطائف‏:‏ إنا قافلون غدا، إن شاء الله‏.‏ وفي قدومه مكة‏:‏ منزلنا غدا- إن شاء الله- بخيف بني كنانة‏.‏ وفي قصة بدر‏:‏ هذا مصرع فلان غدا، إن شاء الله‏.‏ وهذا مصرع فلان، إن شاء الله‏.‏ وفي بعض أسفاره‏:‏ إنكم تأتون الماء غدا، إن شاء الله‏.‏ وقال‏:‏ من حلف فقال إن شاء الله، فإن شاء مضى، وإن شاء رجع غير حنث‏.‏
وقال‏:‏ لأغزون قريشا، ثم قال في الثانية‏:‏ إن شاء الله‏.‏ وقال‏:‏ ألا مشمر للجنة‏؟‏ فقال الصحابة‏:‏ نحن المشمرون لها يا رسول الله، فقال‏:‏ قولوا‏:‏ إن شاء الله، قالوا‏:‏ إن شاء الله‏.‏ وغير ذلك من الأحاديث الثابتة‏.‏
‏(‏منفرد‏)‏ ربنا عز وجل ‏(‏بالخلق‏)‏ فما من مخلوق في السماوات والأرض إلا الله خالقه- سبحانه- لا خالق غيره، ولا رب سواه، فهو خالق كل صانع وصنعته، وخالق الكافر وكفره، والمؤمن وإيمانه، والمتحرك وحركته، والساكن وسكونه، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل‏)‏، ‏(‏الزمر 62‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو العزيز الحكيم‏)‏، ‏(‏فاطر 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير‏)‏، ‏(‏التغابن 2‏)‏، ‏(‏خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير‏)‏، ‏(‏التغابن 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏والله خلقكم وما تعملون‏)‏، ‏(‏الصافات 96‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء‏)‏، ‏(‏الروم 40‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم‏)‏، ‏(‏النحل 80- 81‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين فسبح باسم ربك العظيم‏)‏، ‏(‏الواقعة 58- 74‏)‏، وفي الصحيح من أحاديث الأشعريين‏:‏ ما أنا أحملكم، ولكن الله حملكم‏.‏ وفيه من حديث المصورين‏:‏ ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرا‏.‏ وفيه‏:‏ من صور صورة، كلف الله أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ‏.‏ وغير ذلك من الأحاديث الثابتة الصحيحة، فلله الخلق والأمر، وله الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير‏.‏ ‏(‏والإرادة‏)‏ أي ومنفرد بالإرادة، فلا مراد لأحد معه، ولا إرادة لأحد إلا بعد إرادته عز وجل ومشيئته، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما تشاءون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة‏)‏، ‏(‏المدثر 54- 56‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين‏)‏، ‏(‏التكوير 27- 29‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما‏)‏، ‏(‏الإنسان 29- 31‏)‏، فللعباد قدرة على أعمالهم ولهم مشيئة، والله خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم، ولا قدرة لهم ولا مشيئة إلا بإقدار الله عز وجل لهم إذا شاء وأراد‏.‏
‏(‏وحاكم جل بما أراده‏)‏، فلا معقب لحكمه، ولا راد لإرادته، ولا مناقض لقضائه وقدره، ‏(‏وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض بل هو فعال لما يريد- وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة- بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون- إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون- إن الله يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء ويخلق ما يشاء‏)‏، لا ناقص لما أبرم، ولا معارض لما حكم، ولا يقال لم فعل كذا‏؟‏ وهلا كان كذا؛ لأنه ‏(‏لا يسأل عما يفعل وهم يسألون‏)‏، ‏(‏الأنبياء 23‏)‏‏.‏
وفي حديث أبي ذر، عن الترمذي وغيره، وفي آخره قال‏:‏ ذلك بأني جواد واجد ماجد، أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته، أن أقول له كن فيكون‏.‏
فمن يشأ وفقه بفضله *** ومن يشأ أضله بعدله
فمنهم الشقي والسعيد *** وذا مقرب وذا طريد‏.‏
قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم‏)‏، ‏(‏الأنعام 59‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون‏)‏، ‏(‏الأعراف 178‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون‏)‏ ‏(‏الأعراف 186‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه‏)‏، ‏(‏الإسراء 97‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا‏)‏ ‏(‏الكهف 17‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات‏)‏، ‏(‏فاطر 8‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء‏)‏، ‏(‏الأنعام 125‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب‏)‏، ‏(‏الرعد 27‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين‏)‏، ‏(‏القصص 56‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء‏)‏، ‏(‏البقرة 272‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون‏)‏، ‏(‏يونس 35‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل إن هدى الله هو الهدى‏)‏، ‏(‏البقرة 120‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل إن الهدى هدى الله‏)‏، ‏(‏آل عمران 73‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها‏)‏، ‏(‏الشمس 6‏)‏، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته‏:‏ من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم آت نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، إنك أنت وليها ومولاها‏.‏
‏(‏فمنهم‏)‏ أي من عباده ‏(‏الشقي‏)‏ وهو من أضله بعدله، ‏(‏و‏)‏ منهم ‏(‏السعيد‏)‏، وهو من وفقه وهداه بفضله، فالسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله، فلله الحمد على فضله وعدله، ‏(‏وذا مقرب‏)‏ بتقريب الله إياه، وهو السعيد ‏(‏وذا طريد‏)‏ بإبعاد الله إياه، وهو الشقي البعيد، فبيده تعالى الهداية والإضلال، والإشقاء والإسعاد، فهدايته العبد وإسعاده فضل ورحمة، وإضلاله وإبعاده عدل منه وحكمة، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله، وهو الحكيم العليم الذي يضع الأشياء مواضعها، وهو أعلم بمن هو محل الهداية فيهديه، ومن هو محل الإضلال فيضله، وهو أحكم الحاكمين ‏,‏ وهو عليم بالمتقين ‏,‏ وعليم بالظالمين ‏,‏ وعليم بالمهتدين، وهو أعلم بالشاكرين ‏,‏ وأعلم بما في صدور العالمين ‏,‏ وهو أعلم حيث يجعل رسالته ‏,‏ وهو أعلم بمن ضل عن سبيله ‏,‏ وهو أعلم بمن اهتدى، وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة، ولذا نقول‏:‏
لحكمة بالغة قضاها *** يستوجب الحمد على اقتضاها‏.‏
أي إن جميع أفعاله من هدايته من يشاء، وإضلاله من يشاء، وإسعاد من يشاء، وإشقاء من يشاء، وجعله أئمة الهدى يهدون إلى الحق بأمره، وأئمة الضلالة يهدون إلى النار، وإلهامه كل نفس فجورها وتقواها، وجعله المؤمن مؤمنا، والكافر كافرا عاصيا مع قدرته التامة الشاملة، وأنه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء لجمعهم على الهدى، ولو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا، ولكن هذا الذي فعله بهم من قسمتهم إلى ضال ومهتد، وشقي وسعيد، ومقرب وطريد، وطائع وعاص، ومؤمن وكافر، وغير ذلك هو مقتضى حكمته، وموجب ربوبيته، وحكمته حكمة حق، وهي صفته القائمة به كسائر الصفات، وهي متضمن اسمه ‏"‏ الحكيم ‏"‏ وهي الغاية المحبوبة له، ولأجلها خلق فسوى، وقدر فهدى، وأسعد وأشقى، ومنع وأعطى، وخلق السماوات والأرض، والآخرة والأولى، فهو- سبحانه- الحكيم في خلقه وتكوينه، الحكيم في قضائه وقدره، الحكيم في أمره ونهيه وجميع شرعه، فإن أسمائه وصفاته صفات كمال وجلال، وأفعاله كلها عدل وحكمة، والفعل لغير حكمة عبث، والعبث من صفات النقص، والله تعالى منزه بجميع أسمائه وصفاته وأفعاله عن جميع النقائص، فجميع ما خلقه وقضاه وقدره خير وحكمة، من جهة إضافته إليه- سبحانه وتعالى- وكذلك جميع ما شرعه وأمر به، كله حكمة وعدل، وما كان من شر في قضائه وقدره، فمن جهة إضافته إلى فعل العبد؛ لأنها معصية مذمومة، مكروهة للرب غير محبوبة، وأما من جهة إضافته إلى الرب عز وجل فخير محض، ولحكمة بالغة، وعدل تام، وغاية محمودة، لا شر فيها البتة، ولهذا قال تعالى فيما قصه عن الجن‏:‏ ‏(‏وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا‏)‏، ‏(‏الجن 10‏)‏، فبنى الفعل في إرادة الشر للمفعول؛ لأنه لا شر في حقه تعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الافتتاح في صلاة الليل‏:‏ لبيك اللهم وسعديك، والخير كله في يديك، الشر ليس إليك‏.‏ فنفى أن يضاف الشر إلى الله بوجه من الوجوه، وإن كان هو خالقه؛ لأنه ليس شرا من جهة إضافته إليه عز وجل، وإنما كان شرا من جهة إضافته إلى العبد، وذلك لأن الشر ليس إلا السيئات وعقوبتها، وموجب السيئات شر النفس وجهلها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم في سيد الاستغفار الذي علمه أمته‏:‏ اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت‏.‏ وقال تعالى في حكايته استغفار الملائكة للمؤمنين‏:‏ ‏(‏وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم‏)‏، ‏(‏غافر 9‏)‏، ومن وقاه الله السيئات وأعاذه منها، فقد وقاه عقوبتها من باب الاستلزام، فإذا علم أن موجب السيئات هو الظلم والجهل، وذلك من نفس العبد، وهي أمور ذاتية لها، وأن السيئات هي موجب العقوبة، والعقوبة من الله عدل محض، وإنما تكون شرا في حق العبد، لما يلحقه من ألمها، وذلك بما كسبت يداه جزاء وفاقا، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير‏)‏، ‏(‏الشورى 30‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين‏)‏، ‏(‏الزخرف 76‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون‏)‏، ‏(‏يونس 44‏)‏‏.‏
فأفعال الله عز وجل كلها خير بصدورها عن علمه وحكمته، وعدله وغناه التي هي من صفات ذاته، فإذا أراد بعبده الخير، أعطاه من فضله علما وعدلا وحكمة، فيصدر منه الإحسان والطاعة، والبر والخير، وإذا أراد به شرا، أمسكه عنه وخلاه ودواعي نفسه وطبعه وموجبها، فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح، وليس منعه لذلك ظلما منه- سبحانه- فإنه فضله يؤتيه من يشاء، وليس من منع فضله ظالما ولا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به، وأيضا فإن هذا الفضل هو توفيقه وإرادته تعالى أن يلطف بعبده، ويعينه ويوفقه، ولا يخلي بينه وبين نفسه، وهذا محض فعله وفضله، وهو أعلم بمن يصلح لذلك، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين‏)‏، ‏(‏الأنعام 153‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين‏)‏، ‏(‏العنكبوت 10- 11‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته‏)‏، ‏(‏الأنعام 124‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين‏)‏، ‏(‏الأنعام 116‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين‏)‏، ‏(‏النحل 37‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى‏)‏، ‏(‏النجم 30‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم‏)‏، ‏(‏البقرة 105‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين‏)‏، ‏(‏التين 7- 8‏)‏، بلى ونحن على ذلك من الشاهدين، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله‏:‏ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم‏)‏، ‏(‏آل عمران 73- 74‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى‏)‏، ‏(‏النجم 32‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم‏)‏، ‏(‏الحديد 28- 29‏)‏، اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم أن تهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، آمين‏.‏
يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا بديع السماوات والأرض، برحمتك نستغيث، اللهم رحمتك نرجو، فلا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، وأصلح لنا شأننا كله، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين‏.‏
‏(‏يستوجب‏)‏ يستحق ‏(‏الحمد على اقتضاها‏)‏ الضمير للحكمة، فله الحمد على مقتضى حكمته في جميع خلقه وأمره، فجميع ما يفعله ويأمر به هو موجب ربوبيته، ومقتضى أسمائه وصفاته، وله الحمد على جميع أفعاله، وله الحمد على خلقه وأمره، وهو المحمود على طاعة العباد ومعاصيهم، وأيمانهم وكفرهم، وهو المحمود على خلقه، الأبرار والفجار، وعلى خلقه الملائكة والشياطين، وعلى خلقه الرسل وأعداءهم، وهو المحمود على عدله وحكمته في أعدائه، كما هو المحمود على فضله ورحمته على أوليائه، وكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحكمته وحمده، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده‏)‏، ‏(‏الإسراء 44‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير‏)‏، ‏(‏التغابن 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحانه الله وتعالى عما يشركون‏)‏، ‏(‏القصص 98‏)‏، ‏(‏وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون‏)‏، ‏(‏القصص 69- 70‏)‏، وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر الاعتدال من الركوع‏:‏ ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد‏.‏ وفي الذكر عقب الصلوات‏:‏ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير‏.‏
وفي التلبية‏:‏ لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك‏.‏ وفي الدعاء المأثور‏:‏ اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله‏.‏ وفي دعاء الافتتاح من صلاة الليل‏:‏ اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والساعة حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق‏.‏ الحديث‏.‏
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، والمقصود أن الرب عز وجل لا يكون إلا محمودا، كما لا يكون إلا ربا وإلها، فله الحمد كله، وله الملك كله، لا شريك له في حمده، كما لا شريك له في ملكه، وإن كان بعض خلقه محمودا كالرسل والعلماء، فمرجع ذلك الحمد إليه، كما أن مصدره وموجبه منه تعالى، وهو الذي جعلهم كذلك، وهذا كما أنه الملك لا شريك له في ملكه، ويرزق بعض عباده إذا شاء ملكا، وهو مالكه وملكه، وكما أنه العليم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، فيعلم بعض عباده من علمه ما شاء‏.‏
وقال في ذكر عبده يعقوب عليه السلام‏:‏ ‏(‏وإنه لذو علم لما علمناه‏)‏، ‏(‏يوسف 68‏)‏، وكذلك ما من محمود في السماوات ولا في الأرض إلا وذلك الحمد راجع إلى الله عز وجل في الحقيقة، فحمد كل محمود داخل في حمده، كما أن كل ملك داخل في ملكه، وكل شيء فمنه وله وإليه، فله الحمد رب السماوات والأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم‏.‏
‏(‏مسألة‏)‏‏:‏ فإن قيل قد أخبرنا الله عز وجل في كتابه، وعلى لسان رسوله، وبما علمنا من صفاته أنه يحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب الصابرين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يحب الظالمين، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد مع كون ذلك بمشيئته وإرادته، وأنه لو شاء لم يكن ذلك، فإنه لا يكون في ملكه ما لا يريد، فما الجواب‏؟‏ قلنا‏:‏ إن الإرادة والقضاء والأمر كل منها ينقسم إلى كوني وشرعي، ولفظ المشيئة لم يرد إلا في الكوني، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وما تشاءون إلا أن يشاء الله‏)‏ ومثال الإرادة الكونية قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون‏)‏، ومثال القضاء الكوني قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون‏)‏، ومثال الأمر الكوني قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا‏)‏، فهذا القسم من الإرادة والقضاء والأمر هو مشيئته الشاملة، وقدرته النافذة، وليس لأحد خروج منها، ولا محيد عنها، ولا ملازمة بينها وبين المحبة والرضا، بل يدخل فيها الكفر والإيمان، والسيئات والطاعات، والمحبوب المرضي له والمكروه المبغض، كل ذلك بمشيئته وقدره، وخلقه وتكوينه، ولا سبيل إلى مخالفتها، ولا يخرج عنها مثقال ذرة‏.‏
ومثال الإرادة الشرعية قوله تعالى‏:‏ ‏(‏يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما‏)‏، ومثال القضاء الشرعي قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا‏)‏، ومثال الأمر الشرعي قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون‏)‏، وهذه الإرادة والقضاء والأمر الكوني القدري هو المستلزم لمحبة الله تعالى ورضاه، فلا يأمر إلا بما يحبه ويرضاه، ولا ينهى إلا عما يكرهه ويأباه، ولا ملازمة بين هذا القسم وما قبله إلا في حق المؤمن المطيع، وأما الكافر فينفرد في حقه الإرادة والقضاء والأمر الكوني القدري، فالله- سبحانه وتعالى- يدعو عباده إلى طاعته ومرضاته وجنته، ويهدي لذلك من يشاء في الكون والقدر هدايته، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏)‏، فعمم الدعوة إلى جنته وهي دار السلام، وأنه يدعو إلى ذلك جميع عباده، وهو أعلم بمن يستجيب ممن لا يستجب، وخص الهداية بمن يشاء هدايته، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏يهدي الله لنوره من يشاء‏)‏‏.‏
‏(‏مسألة‏)‏‏:‏ فإن قيل‏:‏ أليس بممكن في قدرته تعالى أن يجعلهم كلهم طائعين مؤمنين مهتدين‏؟‏ قلنا‏:‏ بلى، وقد قدمنا لك جملة وافية من الآيات والآحاديث في ذلك، ولكن قدمنا لك أيضا أن هذا الذي فعله بهم هو مقتضى حكمته وأسمائه وصفاته، وموجب ربوبيته وإلهيته، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله، فحينئذ قول القائل لم كان من عباده الطائع والعاصي‏؟‏كقول من قال‏:‏ لم كان من أسمائه الضار النافع، والمعطي المانع، والخافض الرافع، والمنعم المنتقم، ونحو ذلك‏؟‏ إذ أفعاله تعالى هي مقتضى أسمائه وآثار صفاته، فالاعتراض عليه في أفعاله اعتراض على أسمائه وصفاته، بل وعلى إلهيته وربوبيته، فسبحان رب العرش عما يصفون، لا يسئل عما يفعل، وهم يسألون‏.‏
‏(‏مسألة‏)‏‏:‏ واعلم أنه قد يوسوس الشيطان لبعض الناس، فيقول‏:‏ ما الحكمة في تقدير السيئات مع كراهة الله تعالى إياها‏؟‏ وهل يأتي المكروه بمحبوب‏؟‏ فنقول‏:‏ الحمد لله إيمانا بإلهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، واستسلاما لأقداره وإرادته، وتسليما لعدله وحكمته ‏,‏ اعلم يا أخي، وفقنا الله وإياك أن الواجب على العبد أمر أهم من ذلك البحث، وهو الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، والتسليم لأقداره، واليقين بعدله وحكمته، والفرح بفضله ورحمته، ونحن لا نعلم من حكمة الله وسائر أسمائه وصفاته إلا ما علمناه، ولا يحيط بكنه شيء منها ونهايته إلا الذي اتصف بها، وهو الله الذي لا إله إلا هو، ومما علمناه من ذلك بما علمنا الله- تبارك وتعالى- أن السيئة لذاتها ليست محبوبة لله ولا مرضية، كما قال تعالى بعد أن نهى عباده عن الكبائر المذكورة في سورة الإسراء‏:‏ ‏(‏كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها‏)‏، ولكن يترتب عليها من محابه ومرضاته ما هو أعلم به، إما في حق فاعلها من التوبة والإنابة، والإذعان والاعتراف بقدرة الله عليه، والخوف من عقابه ورجاء مغفرته، ونفي العجب المحبط للحسنات عنه، ودوام الذل والانكسار، وتمحض الافتقار وملازمة الاستغفار، وغير ذلك من الفرائض والطاعات المحبوبة للرب عز وجل التي أثنى في كتابه على المتصفين بها غاية الثناء‏.‏
وفي الصحيحين‏:‏ لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم، كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، فقال من شدة الفرح‏:‏ اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح‏.‏ أخرجاه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏.‏ فالواجب على العبد كراهة ما يكرهه ربه وإلهه وسيده ومولاه من السيئات، وعدم محبتها والنفرة منها، والاجتهاد في كف النفس عنها، وأطرها على محاب الله، وأن لا يصدر عنها شيء يكرهه الله عز وجل فإن غلبته نفسه بجهلها وشرارتها فصدر عنه شيء من ذلك المكروه، فليبادر إلى دواء ذلك وليتداركه بمحاب الله عز وجل ومرضاته من التوبة والإنابة، والاستغفار والأذكار، وعدم الإصرار، فإن الله تعالى قد أرشد إلى ذلك، وأثنى على من اتصف به، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين‏)‏ ‏(‏آل عمران 133- 136‏)‏، وغير ذلك من الآيات‏.‏
وفي الحديث‏:‏ لو لم تذنبوا، لأتى الله بقوم يذنبون، فيستغفرون فيغفر لهم، أو كما قال‏.‏ فإن ترتب على فعل السيئة من فاعلها هذه الأمور المحبوبة للرب عز وجل، فذلك غاية مصلحة العبد وسعادته وفلاحه، وإن لم يقع منه ذلك، فلخبث نفسه وعدم صلاحيتها للملأ الأعلى ومجاورة المولى، والله أعلم بالمهتدين، وحينئذ يترتب عليها فرائض الله عز وجل على أوليائه المؤمنين من الدعوة إلى الله عز وجل التي هي من وظائف الرسل- عليهم السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من أعظم فرائض الله تعالى، والجهاد في سبيله الذي هو ذروة سنام الإسلام، وعليه يترتب لأوليائه الفتح أو الشهادة، ويكفيك في فضل ذلك قول الله عز وجل‏:‏ ‏(‏إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين‏)‏، ‏(‏التوبة 111- 112‏)‏، ولو سردنا ما في هذا الباب من الآيات والأحاديث، لطال الفصل، ونحن نستغفر الله العظيم من الخوض في هذا الباب، ولسنا من الراسخين في العلم، وسيأتي إن شاء الله مزيد بحث في هذا في باب الإيمان بالقدر، وهناك نذكر مراتبه ومذاهب من خالف فيه أهل السنة والجماعة، إن شاء الله -تعالى- والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

إثبات البصر والسمع لله عز وجل
وهو الذي يرى دبيب الذر *** في الظلمات فوق صم الصخر
وسامع للجهر والإخفات *** بسمعه الواسع للأصوات‏.‏
في هذين البيتين إثبات البصر لله تعالى المحيط بجميع المبصرات، وإثبات السمع له المحيط بجميع المسموعات، وهاتان الصفتان من صفات ذاته تعالى وهما متضمن اسميه ‏"‏ السميع البصير ‏"‏، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا‏)‏، ‏(‏النساء 58‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‏)‏، ‏(‏الشورى 11‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير‏)‏، ‏(‏الحج 61‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع‏)‏، ‏(‏الكهف 26‏)‏‏.‏
قال ابن جرير‏:‏ وذلك بمعنى المبالغة في المدح، كأنه قيل ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام ما أبصر الله لكل موجود، وما أسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ثم روى عن قتادة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏أبصر به وأسمع‏)‏ فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع، وقال ابن زيد‏:‏ ‏(‏أبصر به وأسمع‏)‏ يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم، إنه كان سميعا بصيرا‏.‏
وقال البغوي- رحمه الله تعالى‏:‏ أي ما أبصر الله بكل موجود وأسمعه لكل مسموع، أي لا يغيب عن سمعه وبصره شيء‏.‏ وقال تعالى لموسى وهارون- عليهما السلام‏:‏ ‏(‏إنني معكما أسمع وأرى‏)‏، ‏(‏طه 46‏)‏، قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنعه، لست بغافل عنكما، فلا تهتما‏.‏
وقال تعالى لهما في موضع آخر‏:‏ ‏(‏كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون‏)‏، ‏(‏الشورى 15‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون‏)‏، ‏(‏الزخرف 80‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وقل اعملوا فسيرى الله عملكم‏)‏، ‏(‏التوبة 105‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ألم يعلم بأن الله يرى‏)‏، ‏(‏العلق 14‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم‏)‏، ‏(‏الشعراء 220‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا‏)‏، ‏(‏آل عمران 181‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير‏)‏، ‏(‏المجادلة 1‏)‏، وعن عائشة رضي الله عنها- قالت‏:‏ الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏(‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير‏)‏‏.‏ رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقا، وأخرجه النسائي، وابن ماجة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وفي رواية له عنها رضي الله عنها- أنها قالت‏:‏ تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول‏:‏ يا رسول الله، أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك‏.‏ قالت‏:‏ فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية‏:‏ ‏(‏قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما‏)‏، قالت‏:‏ وزوجها أوس بن الصامت‏.‏ وقال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد‏:‏ باب قول الله تعالى‏:‏ ‏(‏وكان الله سميعا بصيرا‏)‏، وذكر خبر عائشة هذا معلقا‏.‏
وروى عن أبي موسى رضي الله عنه قال‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال‏:‏ أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، تدعون سميعا بصيرا قريبا، ثم أتى علي وأنا أقول في نفسي‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال‏:‏ يا عبد الله بن قيس، قل لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة‏.‏
وعن عائشة رضي الله عنها- قالت‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن جبريل عليه السلام ناداني، قال‏:‏ إن الله سمع قول قومك وما ردوا عليك‏.‏ وروي في باب قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون‏)‏، ‏(‏فصلت‏:‏ 22‏)‏، عن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي، أو قرشيان وثقفي، كثيرة الشحم بطونهم، قليلة الفهم قلوبهم، فقال أحدهم‏:‏ أترون أن الله يسمع ما نقول‏؟‏ قال الآخر‏:‏ يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا‏.‏ وقال الآخر‏:‏ إن كان يسمع إذا جهرنا، فإنه يسمع إذا أخفينا‏.‏ فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏(‏وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم‏)‏ الآية‏.‏
وروى أبو داود، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ‏(‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏(‏سميعا بصيرا‏)‏، قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، قال أبو هريرة رضي الله عنه‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها ويضع إصبعيه‏.‏ قال ابن يونس‏:‏ قال المقرئ‏:‏ يعني ‏(‏إن الله سميع بصير‏)‏ يعني أن لله سمعا وبصرا‏.‏ قال أبو داود- رحمه الله تعالى‏:‏ وهذا رد على الجهمية اهـ‏.‏
قلت‏:‏ يعني أبو داود رحمه الله أن الجهمية لا يثبتون لله تعالى اسما ولا صفة مما سمى ووصف نفسه تعالى به، وأثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يثبتون أن الله هو السميع البصير، ولا أنه يسمع ويرى ويبصر، فرارا بزعمهم من التشبيه بالمخلوقين، فنزهوه عن صفات كماله التي وصف بها نفسه، وهو أعلم بنفسه وبغيره، وشبهوه بالأصنام التي لا تسمع ولا تبصر، قال الله عز وجل عن خليله إبراهيم عليه السلام في دعوته أباه إلى الله عز وجل‏:‏ ‏(‏يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا‏)‏، ‏(‏مريم 42‏)‏‏.‏ وقد أثبت الجهمية- قبحهم الله- حجة لعباد الأصنام، وجوابا لإنكار خليل الله وجميع رسله عليهم، فكان للكفار أن يقولوا‏:‏ ومعبودكم أيضا لا يسمع ولا يبصر، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا‏.‏
وقالت المعتزلة‏:‏ سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، واطردوا جميع أسمائه هكذا، فأثبتوا أسماء ونفوا ما تتضمنه من صفات الكمال، وهو عبارة عن إثبات الألفاظ دون المعاني، وقولهم في الحقيقة راجع إلى قول الجهمية، مخالف كل منهما للكتاب والسنة والعقول الصحيحة والفطر السليمة، وهدى الله تعالى بفضله أهل السنة لفهم كتابه، وآمنوا بما وصف به نفسه، وأقروا به كما أخبر ونفوا عنه التشبيه، كما جمع تعالى بينهما في قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‏)‏‏.‏

العلم الإلهي
علمه بما بدا وما خفى *** أحاط علما بالجلي والخفي
أي ومما أثبته الله عز وجل لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم أنه عليم بعلم، وإن علمه محيط بجميع الأشياء من الكليات والجزيئات، وهو من صفاته الذاتية، وعلمه أزلي بأزليته، وكذلك جميع صفاته، فقد علم تعالى في الأزل جميع ما هو خالق، وعلم جميع أحوال خلقه، وأرزاقهم وآجالهم، وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وعلم عدد أنفاسهم ولحظاتهم، وجميع حركاتهم وسكناتهم، أين تقع‏؟‏ ومتى تقع‏؟‏ وكيف تقع‏؟‏ كل ذلك بعلمه وبمرأى منه ومسمع، لا تخفى عليه منهم خافية، سواء في علمه الغيب والشهادة، والسر والجهر، والجليل والحقير، لا + يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا في الدنيا ولا في الآخرة، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم‏)‏، ‏(‏البقرة 235‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما تفعلوا من خير يعلمه الله‏)‏، ‏(‏البقرة 197‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم‏)‏، ‏(‏البقرة 215‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله‏)‏، ‏(‏البقرة 283‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء‏)‏، ‏(‏آل عمران 5‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين‏)‏، ‏(‏الأنعام 59‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم‏)‏، ‏(‏البقرة 187‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين‏)‏، ‏(‏يونس 61‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور‏)‏، ‏(‏هود 5‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏والله بكل شيء عليم‏)‏، ‏(‏النساء 176‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار‏)‏، ‏(‏الرعد 8- 10‏)‏، وقال عن نبيه شعيب‏:‏ ‏(‏وسع ربنا كل شيء علما‏)‏، ‏(‏الأعراف 89‏)‏، وقال تعالى عن خليله‏:‏ ‏(‏ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء‏)‏، ‏(‏إبراهيم 38‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون‏)‏، ‏(‏النحل 23‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وربك أعلم بمن في السماوات والأرض‏)‏ ‏(‏الإسراء 55‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى‏)‏، ‏(‏طه 7‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما‏)‏، ‏(‏طه 110‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم‏)‏، ‏(‏الأنبياء 4‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون‏)‏، ‏(‏الأنبياء 110‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير‏)‏، ‏(‏الحج 70‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم‏)‏، ‏(‏النور 64‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإن ربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين‏)‏، ‏(‏النمل 74- 75‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير‏)‏، ‏(‏لقمان 16‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم‏)‏، ‏(‏السجدة 6‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما‏)‏، ‏(‏الأحزاب 54‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين‏)‏، ‏(‏سبأ 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير‏)‏، ‏(‏فاطر 11‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور‏)‏، ‏(‏فاطر 38‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور‏)‏، ‏(‏غافر 19‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنه بكل شيء محيط‏)‏، ‏(‏فصلت 54‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم‏)‏، ‏(‏محمد‏:‏ 30‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم‏)‏، ‏(‏الحجرات 16‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون‏)‏ ‏(‏الحجرات 18‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد‏)‏، ‏(‏ق 16‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار‏)‏، ‏(‏ق 45‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى‏)‏، ‏(‏النجم 30‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى‏)‏، ‏(‏النجم 32‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير‏)‏، ‏(‏الحديد 4‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبؤهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم‏)‏، ‏(‏المجادلة 7‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل‏)‏، ‏(‏الممتحنة 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور‏)‏، ‏(‏التغابن 4‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة‏)‏، ‏(‏سبأ 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم‏)‏ ‏(‏التغابن 4‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما‏)‏، ‏(‏الطلاق 12‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير‏)‏، ‏(‏تبارك 13‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن ربك هو أعلم من بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين‏)‏، ‏(‏القلم 7‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد ابلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا‏)‏، ‏(‏الجن 26- 28‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك‏)‏ ‏(‏المزمل 20‏)‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنه يعلم الجهر وما يخفى‏)‏، ‏(‏الأعلى 7‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا‏)‏، ‏(‏النور 63‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير‏)‏، ‏(‏لقمان 34‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون‏)‏، ‏(‏النساء 166‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه‏)‏، ‏(‏فصلت 47‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أن ما أنزل بعلم الله‏)‏، ‏(‏هود 14‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله سميع عليم- إن الله عليم حكيم- إن الله عليم خبير- إن الله كان عليما حكيما- إن الله كان عليما خبيرا- إنه عليم بذات الصدور‏)‏، ولو ذهبنا نسوق جميع الآيات في إثبات علم الله عز وجل -، لطال الفصل، وفيما ذكرنا كفاية‏.‏
وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلم السورة من القرآن، يقول‏:‏ إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل‏:‏ اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر- ثم يسميه بعينه- خيرا لي في عاجل أمري وآجله، أو قال‏:‏ في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري، أو قال‏:‏ في عاجل أمري وآجله، فاصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به‏.‏ وفيهما من حديث تعاقب الملائكة بأطراف النهار‏:‏ فيسألهم وهو أعلم بهم‏.‏ وفيهما دعاء الكرب‏:‏ لا إله إلا الله العليم الحليم‏.‏
وفيهما من حديث الذي أوصى أن يحرق ويذري، ثم قال‏:‏ لم فعلت‏؟‏ قال‏:‏ من خشيتك، وأنت أعلم‏.‏ وفيهما من حديث قصة موسى والخضر‏:‏ إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم‏؟‏ فقال‏:‏ أنا، فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إلى الله‏.‏ وفي رواية ‏"‏ إليه ‏"‏، وفيه قول الخضر عليه السلام‏:‏ يا موسى، إنك على علم من علم الله، علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله، علمنيه الله لا تعلمه، إلى أن قال‏:‏ فركبا في السفينة، قال‏:‏ ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى‏:‏ ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره‏.‏ وفي رواية‏:‏ إلا ما نقص هذا العصفور من هذا البحر‏.‏
وفيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله‏:‏ لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله‏.‏ وفيهما من حديث أبي موسى الأشعري‏:‏ اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني‏.‏ إلى غير ذلك من الأحاديث‏.‏
وكما أخبر الله تعالى عن علمه بما كان وما سيكون، كذلك أخبر عما لم يكن من الممكنات والمستحيلات لو كان كيف يكون، فقال تعالى في الممكن على تقدير وقوعه‏:‏ ‏(‏وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون‏)‏، ‏(‏الأنعام 9‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي‏)‏، ‏(‏فصلت 44‏)‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون‏)‏، ‏(‏الأنعام 109- 110‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين‏)‏، ‏(‏الشعراء 198- 199‏)‏، إلى غير ذلك‏.‏
وقال تعالى في المستحيلات لو قدر إمكانها‏:‏ ‏(‏لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون‏)‏، ‏(‏الأنبياء 22‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون‏)‏، ‏(‏المؤمنون 91‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل لو كان فيهما آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا‏)‏، ‏(‏الإسراء 42- 43‏)‏، إلى غير ذلك‏.‏
وأنكرت الجهمية والمعتزلة أن يكون لله علم أضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى الموصوف، فأنكروا أن يكون أنزل القرآن بعلمه، وأن أنثى لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه، وجحدوا أن يكون قد أحاط بكل شيء علما، وحاربوا نصوص الكتاب والسنة وجميع سلف الأمة، فليس معبودهم هو العليم الخبير الذي هو بكل شيء عليم، وإنما يعبدون العدم المحض الذي لا حقيقة له ولا وجود، فليصفوه بما شاءوا، فبعدا للقوم الظالمين‏.‏
وهو الغني بذاته سبحانه *** جل ثناؤه تعالى شأنه
وكل شيء رزقه عليه *** وكلنا مفتقر إليه‏.‏
‏(‏وهو الغني بذاته‏)‏، فله الغنى المطلق، فلا يحتاج إلى شيء ‏(‏سبحانه‏)‏ وبحمده تنزيها له وتحميدا ‏(‏جل ثناؤه تعالى شأنه‏)‏ تعظيما له وتمجيدا، ‏(‏وكل شيء رزقه عليه‏)‏ لا رازق له سواه، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله، وكلنا معشر المخلوقات ‏(‏مفتقر إليه‏)‏، لا غنى لنا عنه طرفة عين، فكما أن جميع المخلوقات مفتقرة إليه تعالى في وجودها، فلا وجود لها إلا به، فهي مفتقرة إليه في قيامها، فلا قوام لها إلا به، فلا حركة ولا سكون إلا بإذنه، فهو الحي القيوم القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى شيء القيم لغيره، فلا قوام لشيء إلا به، فللخالق مطلق الغنى وكماله، وللمخلوق مطلق الفقر إلى الله وكماله، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز‏)‏، ‏(‏فاطر 15- 17‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد‏)‏، ‏(‏التغابن 5- 6‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد‏)‏، ‏(‏الحج 64‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم‏)‏، ‏(‏الأنعام 14‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين‏)‏، ‏(‏الذريات 56- 58‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله غنيا حميدا‏)‏، ‏(‏النساء 131‏)‏، وقال تعالى ردا على اليهود‏:‏ ‏(‏لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا‏)‏، ‏(‏آل عمران 180‏)‏، وقال ردا عليهم أيضا‏:‏ ‏(‏وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء‏)‏، ‏(‏المائدة 64‏)‏، وقال تعالى ردا على المنافقين‏:‏ ‏(‏هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون‏)‏، ‏(‏المنافقون 7‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا‏)‏، ‏(‏الإسراء 100‏)‏، والآيات في هذا الباب كثيرة جدا، يخبر تعالى بكمال غناه عن خلقه، وأنه لا يزيد في غناه طاعة من أطاع، ولا ينقصه معصية من عصى، وأنه لم يخلق الخلق لحاجة إليهم، وأنه لو شاء لم يخلقهم، ولو شاء لذهب بهم وجاء بغيرهم، ويخبر أنهم كلهم فقراء إليه، لا غنى لهم عنه في نفس من الأنفاس، وهم يعلمون ذلك من أنفسهم، وأنهم لم يكونوا موجودين حتى أوجدهم، ولا قدرة لهم على شيء من أنفسهم ولا غيرها إلا بما أقدرهم عليه الغني الحميد الفعال لما يريد، وقال تعالى فيما رواه عنه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا‏.‏ يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم‏.‏ يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم‏.‏ يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم‏.‏ يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم‏.‏ يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني‏.‏ يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا‏.‏ يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئا‏.‏ يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي، ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة‏.‏ يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه‏.‏ رواه مسلم، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه‏.‏
وفي رواية الترمذي‏:‏ يقول الله عز وجل‏:‏ يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديت، فسلوني الهدى أهدكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت، فسلوني أرزقكم، وكلكم مذنب إلا من عافيت، فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة فاستغفرني، غفرت له ولا أبالي، ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي، ما نقص ذلك من ملكي جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم، وجنكم وإنسكم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا في صعيد واحد فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته، فأعطيت كل سائل منكم ما سأل، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر، فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه، ذلك بأني جواد واجد ماجد، أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون‏.‏
وفي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يد الله ملأى لا تغضيها نفقة سحاء الليل والنهار، أفرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه‏.‏ وروى أبو داود بإسناد جيد من حديث عائشة رضي الله عنها- في الاستسقاء، وفيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغا إلى حين‏.‏ وفي بعض الإسرائيليات، يقول الله عز وجل‏:‏ أيؤمل غيري للشدائد، والشدائد بيدي، وأنا الحي القيوم، ويرجى غيري ويطرق بابه بالبكرات، وبيدي مفاتيح الخزائن، وبابي مفتوح لمن دعاني، من ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به، أو من ذا الذي رجاني لعظم فقطعت به، أو من ذا الذي طرق بابي فلم أفتحه له، أنا غاية الآمال، فكيف تنقطع الآمال دوني، أبخيل أنا فيبخلني عبدي، أليس الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي، فما يمنع المؤملين أن يؤملوني، لو جمعت أهل السماوات والأرض، ثم أعطيت كل واحد منهم ما أعطيت الجميع، وبلغت كل واحد منهم أمله، لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرة، كيف ينقص ملك أنا قيمه، فيا بؤسا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسا لمن عصاني وتوثب على محارمي‏.‏ انتهى‏.‏
وجاء في بعض ألفاظ حديث النزول‏:‏ من يقرض غير عديم ولا ظلوم‏.‏ والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا، لو أردنا استقصاءها لطال الفصل، وفيما ذكرنا كفاية، فسبحان من وسع خلقه بغناه، وافتقر كل شيء إليه، وهو الغني عما سواه، ‏(‏ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏)‏، ‏(‏لقمان 12‏)‏‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 04:21 PM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
كلام الله عز وجل
كلم موسى عبده تكليما *** ولم يزل بخلقه عليما
أي ومما أثبته ربنا عز وجل لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم تكليمه عبده ورسوله موسى بن عمران بدون واسطة رسول بينه وبينه، بل أسمعه كلامه الذي هو صفته اللائقة بذاته كما شاء وعلى ما أراد، قال الله عز وجل في سورة البقرة‏:‏ ‏(‏تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات‏)‏، ‏(‏البقرة 253‏)‏، وقال في سورة النساء‏:‏ ‏(‏وكلم الله موسى تكليما‏)‏، ‏(‏النساء 164‏)‏، فأكده بالمصدر مبالغة في البيان والتوضيح، وقال تعالى في سورة الأعراف‏:‏ ‏(‏ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين‏)‏، ‏(‏الأعراف 143- 145‏)‏، وقال تعالى في سورة مريم‏:‏ ‏(‏واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا‏)‏، ‏(‏مريم 51- 53‏)‏، وقال تعالى في سورة طه‏:‏ ‏(‏وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى وما تلك بيمينك يا موسى‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله‏:‏ ‏(‏ألقها يا موسى‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله‏:‏ ‏(‏قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى‏)‏، ‏(‏طه 9- 21‏)‏، إلى آخر الآيات، وقال في سورة الشعراء‏:‏ ‏(‏وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون‏)‏، ‏(‏الشعراء 10- 11‏)‏ الآيات، وقال تعالى في سورة النمل‏:‏ ‏(‏إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه‏)‏، ‏(‏النمل 7- 12‏)‏ الآيات، وقال تعالى في سورة القصص‏:‏ ‏(‏فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين‏)‏، ‏(‏القصص 29- 32‏)‏ الآيات، والقرآن ممتلئ بذلك‏.‏
وفي الصحيحين من حديث احتجاج آدم وموسى- عليهما السلام- عند ربهما، وفيه قول آدم لموسى‏:‏ أنت موسى الذي اصطفاك الله تعالى برسالاته وبكلامه‏؟‏ الحديث، وفيهما من حديث الشفاعة قول إبراهيم عليه السلام‏:‏ ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله‏.‏ وفي رواية‏:‏ ولكن ائتوا موسى، عبدا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما‏.‏ وفي رواية‏:‏ ولكن ائتوا موسى، عبدا آتاه الله التوراة، وكلمه وقربه نجيا‏.‏
فقد أخبرنا الله عز وجل أنه اصطفى عبده موسى بكلامه، واختصه بإسماعه إياه بدون واسطة، وأنه ناداه وناجاه وكلمه تكليما، وأخبرنا تعالى بما كلمه به، وبالموضع الذي كلمه فيه، وبالميقات الذي كلمه فيه، وأخبر عنه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بذلك في أصح الروايات، فأي كلام أفصح من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأي بيان أوضح من بيان الله ورسوله، وبأي برهان يقنع من لم يقنع بذلك، ‏(‏فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون‏)‏، ‏(‏الجاثية 6‏)‏، وفي هذا أعلى دلالة وأبينها، وأوضحها على ثبوت صفة الكلام لربنا عز وجل، وأنه يتكلم إذا شاء بما يشاء وكيف يشاء بكلام يسمعه من يشاء، أسمعه موسى عليه السلام كيف شاء وعلى ما أراد، وقد ثبت بالكتاب والسنة نداؤه الأبوين- عليهما السلام- إذ يقول‏:‏ ‏(‏وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين‏)‏، ‏(‏الأعراف 22‏)‏، وأن الملائكة تسمع كلام الله بالوحي، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير‏)‏، ‏(‏سبأ 23‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ إن نبي الله صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا‏:‏ ماذا قال ربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ الحق وهو العلي الكبير‏.‏ الحديث، وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدا، نادى جبريل‏:‏ إن الله قد أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء‏:‏ إن الله قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض‏.‏ وثبت بالكتاب والسنة كلامه مع الرسل والملائكة وغيرهم يوم القيامة، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب‏)‏، ‏(‏المائدة 109‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون‏)‏، ‏(‏النحل 83‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون‏)‏، ‏(‏النحل 85‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون‏)‏، ‏(‏القصص 62‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين‏)‏، ‏(‏القصص 65‏)‏، وأنه يقول لأهل الجنة‏:‏ سلام عليكم، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏سلام قولا من رب رحيم‏)‏، وأنه يقول لأهل النار‏:‏ ‏(‏اخسئوا فيها ولا تكلمون‏)‏، ‏(‏المؤمنون 108‏)‏، والقرآن ممتلئ بذلك‏.‏
وفي الصحيح عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان‏.‏ الحديث، وفيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يقول الله تعالى‏:‏ يا آدم، فيقول‏:‏ لبيك وسعديك، فينادي بصوت‏:‏ إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار‏.‏ وفيه تعليقا عن جابر، عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنهما قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول‏:‏ يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب‏:‏ أنا الملك، أنا الديان‏.‏
وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر‏.‏ وفيه عنه رضي الله عنه قال‏:‏ يقول الله تعالى‏:‏ ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا أنا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة‏.‏ وفيه من حديث الشفاعة‏:‏ يقول الله- عز وجل‏:‏ من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فأخرجوه‏.‏ الحديث، وفيه من حديث آخر أهل الجنة دخولا الجنة‏:‏ فيقول الله تعالى‏:‏ اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها‏.‏
وفيه من كلامه تعالى مع أهل الموقف قوله تعالى‏:‏ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، وقوله عز وجل للمؤمنين‏:‏ أنا ربكم‏.‏ وفيه في باب كلام الرب عز وجل مع أهل الجنة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله تعالى يقول لأهل الجنة‏:‏ يا أهل الجنة، فيقولون‏:‏ لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك‏.‏ فيقول‏:‏ هل رضيتم‏؟‏ فيقولون‏:‏ وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك‏.‏ فيقول‏:‏ ألا أعطيكم أفضل من ذلك‏؟‏ فيقولون‏:‏ يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك‏؟‏ فيقول‏:‏ أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا‏.‏
وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه‏.‏ وفيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ يقول الله عز وجل‏:‏ إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة، فلا تكتبوها عليه حتى يعملها‏.‏ الحديث‏.‏
وفيهما من حديثه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ خلق الله الخلق، فلما فرغ منه، قامت الرحم فقال‏:‏ مه‏؟‏ قالت‏:‏ هذا مقام العائذ بك من القطيعة‏.‏ فقال‏:‏ ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك‏؟‏ الحديث‏.‏ وفيه من حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ قال الله عز وجل‏:‏ إذا أحب عبدي لقائي، أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي، كرهت لقاءه‏.‏
وفيه من حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ أنا عند ظن عبدي بي‏.‏ وفيه من حديثه أيضا في قصة المذنب المستغفر الحديث، وفيه‏:‏ فقال ربه‏:‏ أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي‏.‏ وذكر الحديث، وفيه من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال‏:‏ مطر النبي صلى الله عليه وسلم- فقال‏:‏ قال الله عز وجل‏:‏ أصبح من عبادي كافر بي ومؤمن بي‏.‏ وفيه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في ذكر طي الله تعالى السماوات والأرض، وفيه‏:‏ ثم يهزهن، ثم يقول‏:‏ أنا الملك، أنا الملك‏.‏ الحديث‏.‏
وفيه من حديث عبد الله، عن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأله‏:‏ كيف سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى‏؟‏ قال‏:‏ يدنو أحدكم من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقول تعالى‏:‏ أعملت كذا وكذا‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم، ويقول‏:‏ أعملت كذا وكذا‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم‏.‏ فيقرره ثم يقول‏:‏ إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم‏.‏
وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يقول الله تبارك وتعالى لأهون أهل النار عذابا‏:‏ لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مفتديا بها‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم، فيقول‏:‏ قد أردت أهون من هذا، وأنت في صلب آدم ألا تشرك- أحسبه قال‏:‏ ولا أدخلك النار- فأبيت إلا الشرك‏.‏
وعن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول له‏:‏ ألم أجعل لك سمعا وبصرا، ومالا وولدا‏؟‏ وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا‏.‏ فيقول‏:‏ لا، فيقول له‏:‏ اليوم أنساك كما نسيتني‏.‏ رواه مسلم والترمذي، وقال‏:‏ هذا حديث صحيح غريب‏.‏ ومعنى قوله‏:‏ اليوم أنساك كما نسيتني، اليوم أتركك في العذاب ا هـ‏.‏
وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها- في قصة الإفك، قالت‏:‏ ولكن والله ما كنت أظن أن الله ينزل في براءتي وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا، يبرئني الله بها، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏(‏إن الذين جاءوا بالإفك‏)‏ العشر الآيات،
ولو ذهبنا ننقل الأحاديث في قال الله، ويقول ويتكلم، وينادي ونحو ذلك لطال الفصل، وفيما ذكرنا كفاية‏.‏
وهذه الآيات والأحاديث مما ذكرنا ومما لم نذكر كلها شاهدة بأن الله تعالى لم يزل متكلما بمشيئته وإرادته، يتكلم بما شاء، كيف شاء متى شاء بكلام حقيقة، يسمعه من يشاء من خلقه، وأن كلامه قول حقيقة كما أخبر، وعلى ما يليق بعظمته كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏والله يقول الحق‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏سلام قولا من رب رحيم‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إنه لقول فصل وما هو بالهزل‏)‏، والقرآن كلامه تعالى تكلم به حقيقة كما شاء، وهو من فاتحته إلى خاتمته شاهد بذلك، وسيأتي- إن شاء الله تعالى- بحثه قريبا، وكلامه تعالى صفة من صفاته من لوازم ذاته، والصفة تابعة لموصوفها، فصفات الباري تبارك وتعالى قائمة به أزلية باقية ببقائه، لم يزل متصفا بها ولا يزال كذلك، لم تجدد له صفة لم يكن متصفا بها، ولا تنفد صفة كان متصفا بها، بل هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم‏.‏
كلامه جل عن الإحصاء *** والحصر والنفاد والنفاء
لو صار أقلاما جميع الشجر *** والبحر تلقى فيه سبعة أبحر
والخلق تكتبه بكل آن *** فنت وليس القول منه فان
قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا‏)‏، ‏(‏الكهف 109‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم‏)‏، ‏(‏لقمان 27‏)‏‏.‏
قال ابن كثير- رحمه الله تعالى‏:‏ يقول الله تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه، وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد، ولا إطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما قال سيد البشر وخاتم الرسل‏:‏ لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك‏.‏ فقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله‏)‏، أي ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاما، وجعل البحر مدادا، وأمده سبعة أبحر معه، فكتبت بها كلمات الله تعالى الدالة على عظمته وصفاته وجلاله، لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء أمثالها مددا، وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر، ولا أن ثم سبعة أبحر موجودة محيطة بالعالم، كما يقوله من تلقاه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، بل كما قال تعالى في الآيات الأخرى‏:‏ ‏(‏قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدادا‏)‏، فليس المراد بقوله‏:‏ ‏(‏بمثله‏)‏ آخر فقط، بل بمثله، ثم بمثله، ثم بمثله، ثم هلم جرا؛ لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته‏.‏
قال الحسن البصري‏:‏ لو جعل شجر الأرض أقلاما، وجعل البحر مدادا، وقال الله تعالى‏:‏ إن من أمري كذا، ومن أمري كذا، لنفد ماء البحر، وتكسرت الأقلام‏.‏ وقال قتادة‏:‏ قال المشركون‏:‏ إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فقال الله تعالى‏:‏ ‏(‏ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام‏)‏، أي لو كان شجر الأرض أقلاما، ومع البحر سبعة أبحر، ما كانت لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه‏.‏ وقال الربيع بن أنس- رحمه الله‏:‏ إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك‏:‏ ‏(‏ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام‏)‏ الآية، يقول‏:‏ لو كان البحر مدادا لكلمات الله، والأشجار كلها أقلاما، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقدره قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول‏.‏
قال‏:‏ وقد روي أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود، قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة‏:‏ يا محمد، أرأيت قولك‏:‏ ‏(‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏)‏ إيانا تريد أم قومك‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كلاكما‏.‏ قالوا‏:‏ ألست تتلو فيما جاءنا، أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم‏.‏ وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك‏:‏ ‏(‏ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام‏)‏ الآية‏.‏
وهكذا روي عن عكرمة، وعطاء بن يسار، وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله أعلم‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏إن الله عزيز حكيم‏)‏، أي عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد، ولا مخالف لأمره، ولا معقب لحكمه، حكيم في خلقه وأمره، وأقواله وأفعاله، وشرعه وجميع شئونه‏.‏ انتهى‏.‏
وعن جويرية رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال‏:‏ ما زلت على الحال التي فارقتك عليها‏؟‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم، لوزنتهن‏:‏ سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته‏.‏ رواه مسلم والأربعة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم- فقال‏:‏ يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة‏؟‏ قال‏:‏ أما لو قلت حين أمسيت‏:‏ أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن جبار ولا متكبر‏.‏ والأحاديث في الباب كثيرة، والمقصود أن كلمات الله باقية لا تنفد أبدا، تامة لا تنقص أبدا، وذلك لأن كلامه صفته، وليس من صفاته شيء ينفد، ولذا أخبرنا تعالى أن جميع أشجار الأرض لو كانت أقلاما، والبحار وأضعافها مدادا، يكتب بها كلماته، لنفدت كلها وكلماته لا تنفد، وذلك لأن الأشجار والبحار مخلوقة، والمخلوقات من لازمها النفاد والفناء، وكلمات الله صفته، وليس من صفاته شيء يفنى، بل هو الباقي بأسمائه وصفاته أزلا وأبدا، ‏(‏كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون‏)‏، ‏(‏القصص 88‏)‏‏.‏

كلام الله الذي في كتابه عين كلامه ليس بمخلوق
والقول في كتابه المفصل *** بأنه كلامه المنزل
على الرسول المصطفى خير الورى *** ليس بمخلوق ولا بمفترى
‏(‏والقول‏)‏ الذي نعتقد وندين الله به ‏(‏في‏)‏ شأن ‏(‏كتابه المفصل‏)‏ بسكون اللام للروي، وهو القرآن، وصفة الله تعالى بذلك فقال‏:‏ ‏(‏كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير‏)‏، ‏(‏هود 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا‏)‏، ‏(‏فصلت 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي نزل إليكم الكتاب مفصلا‏)‏، ‏(‏الأنعام 114‏)‏، وغير ذلك من الآيات ‏(‏بأنه كلامه‏)‏ حقيقة، حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله‏)‏، ‏(‏التوبة 6‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل‏)‏، ‏(‏الفتح 15‏)‏‏.‏
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنكم لا ترجعون إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه‏.‏ يعني القرآن‏.‏ رواه أبو داود، والحاكم وصححه‏.‏ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يقول الرب تبارك وتعالى‏:‏ من شغله القرآن عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه‏.‏ رواه الترمذي، وقال‏:‏ حديث حسن غريب‏.‏ وروى ابن خزيمة، عن نيار بن مكرم الأسلمي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه قال‏:‏ لما نزلت ‏(‏آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخر الآيتين، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول‏:‏ ‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين‏)‏، ‏(‏الروم 1- 2‏)‏، فقال رؤساء مشركي مكة‏:‏ يا ابن أبي قحافة، هذا مما أتى به صاحبك‏؟‏ قال‏:‏ لا والله، لكنه كلام الله وقوله‏.‏ وذكر الحديث‏.‏
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقبل المصحف، ويقول‏:‏ كلام ربي، كلام ربي‏.‏ وعن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ إن هذا القرآن كلام الله، فضعوه على مواضعه‏.‏ وقال خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ تقرب إلى الله ما استطعت، فإنك لن تقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه‏.‏
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏:‏ القرآن كلام الله، فمن رد منه شيئا، فإنما يرد على الله‏.‏ وعنه رضي الله عنه قال‏:‏ إن أحسن الكلام كلام الله‏.‏
ويروى ذلك عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو صحيح في الصحيح‏.‏ وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه‏:‏ ما أحب أن يأتي علي يوم وليلة ولا أنظر في كلام الله‏.‏ يعني‏:‏ القراءة في المصحف‏.‏ وقال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله، فليعرض نفسه على القرآن، فإن أحب القرآن، فهو يحب الله، فإنما القرآن كلام الله‏.‏ + فهذه النصوص من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن القرآن كلام الله، تكلم به حقيقة، وأنه هو الذي قال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏آلم، آلمص، آلر، آلمر، كهيعص، طه، طس، طسم، حم عسق‏)‏، وليس كلام الله المعاني دون الحروف، ولا الحروف دون المعاني، بل حروفه ومعانيه عين كلام الله‏.‏
‏(‏المنزل‏)‏ من عند الله عز وجل ‏(‏على الرسول المصطفى خير الورى‏)‏ محمد صلى الله عليه وسلم ، قال الله- تبارك تعالى‏:‏ ‏(‏قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون‏)‏، ‏(‏البقرة 136‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا‏)‏، ‏(‏آل عمران 7‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله‏)‏، ‏(‏النساء 105‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به‏)‏، ‏(‏النساء 60‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا‏)‏ ‏(‏النساء 136‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله‏)‏، ‏(‏البقرة 285‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين‏)‏، ‏(‏البقرة 97‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما أنزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها‏)‏، ‏(‏النساء 47‏)‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله‏)‏، ‏(‏آل عمران 199‏)‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك‏)‏، ‏(‏النساء 166‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا‏)‏، ‏(‏النساء 166‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا‏)‏، ‏(‏النساء 174‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به‏)‏، ‏(‏البقرة 231‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأنزلنا عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه‏)‏، ‏(‏المائدة 48‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل‏)‏، ‏(‏المائدة 48‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس‏)‏، ‏(‏المائدة 59‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها‏)‏، ‏(‏الأنعام 92‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أفغير دين الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا فالذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين‏)‏، ‏(‏الأنعام 114‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه‏)‏، ‏(‏الأنعام 155‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏آلمص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون‏)‏، ‏(‏الأعراف 1- 2‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله‏)‏، ‏(‏البقرة 23‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم‏)‏، ‏(‏التوبة 86‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا‏)‏، ‏(‏التوبة 124‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا‏)‏، ‏(‏التوبة 127‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله‏)‏، ‏(‏هود 14‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد‏)‏، ‏(‏إبراهيم 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏آلر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون‏)‏، ‏(‏يوسف 2‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏آلمر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك هو الحق‏)‏، ‏(‏الرعد 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكذلك أنزلناه حكما عربيا‏)‏، ‏(‏الرعد 37‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون‏)‏، ‏(‏الحجر 9‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون‏)‏، ‏(‏النحل 2‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء‏)‏، ‏(‏النحل 89‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه‏)‏، ‏(‏النحل 64‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأنزلنا عليك الكتاب لتبين للناس ما نزل إليهم‏)‏، ‏(‏النحل 44‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمؤمنين‏)‏، ‏(‏النحل 10- 12‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا‏)‏، ‏(‏الإسراء 105‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما‏)‏، ‏(‏الكهف 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون‏)‏ ‏(‏الأنبياء 10‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون‏)‏، ‏(‏الأنبياء 50‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد‏)‏، ‏(‏الحج 16‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد‏)‏، ‏(‏طه 113‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وهدى وموعظة للمتقين‏)‏، ‏(‏النور 34‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏)‏، ‏(‏النور 46‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا‏)‏، ‏(‏الفرقان 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما‏)‏، ‏(‏الفرقان 6‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين‏)‏، ‏(‏الشعراء 192‏)‏ الآيات، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم‏)‏، ‏(‏النمل 6‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون‏)‏، ‏(‏القصص 1- 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا‏)‏، ‏(‏لقمان 21‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏آلم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك‏)‏، ‏(‏السجدة 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏واتبع ما يوحى إليك من ربك‏)‏، ‏(‏الأحزاب 2‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق‏)‏، ‏(‏سبأ 6‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏تنزيل العزيز الرحيم‏)‏، ‏(‏يس 5‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم‏)‏، ‏(‏الجاثية 2‏)‏، ‏(‏إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق‏)‏، ‏(‏النساء 105‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق‏)‏، ‏(‏الزمر 41‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم‏)‏، ‏(‏الزمر 55‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم‏)‏، ‏(‏غافر 1- 2‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يؤمنون‏)‏، ‏(‏فصلت 1- 2‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد‏)‏، ‏(‏فصلت 41- 42‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه‏)‏، ‏(‏الأنعام 155‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كتاب أنزلناه مبارك ليدبروا آياته وليذكر أولوا الألباب‏)‏، ‏(‏ص 29‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة‏)‏، ‏(‏الدخان 1- 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم‏)‏، ‏(‏الزمر 1- 2‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين‏)‏، ‏(‏الواقعة 75- 80‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط‏)‏، ‏(‏الحديد 25‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏هو الذي ينزل على عبده آيات بينات‏)‏، ‏(‏الحديد 9‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا‏)‏، ‏(‏التغابن 8‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين‏)‏، ‏(‏القلم 51- 52‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين‏)‏، ‏(‏الحاقة 38- 43‏)‏، وقوله تعالى في هذه الآية‏:‏ ‏(‏إنه لقول رسول كريم‏)‏، يعني به محمدا صلى الله عليه وسلم ، وفي سورة التكوير يعني به جبريل، ومعنى الإضافة في كلا الآيتين إنما هو التبليغ؛ لأن من حق الرسول أن يبلغ عن المرسل، لا أن القرآن كلام الرسول الملكي ولا البشري، كما بين تعالى ذلك بقوله‏:‏ ‏(‏تنزيل من رب العالمين‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنا أنزلناه في ليلة القدر‏)‏، ‏(‏القدر 1‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الرحمن علم القرآن‏)‏، ‏(‏الرحمن 1- 2‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن‏)‏، ‏(‏يوسف 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا‏)‏، ‏(‏الشورى 52‏)‏، والآيات في هذا الباب كثيرة جدا، بل القرآن كله فاتحته إلى خاتمته يشهد بأنه كلام الله وتنزيله، وقصصه وتعليمه، وألفاظه ومعانيه، وإيجازه وإعجازه، يرشد إلى أنه كلام الخالق عز وجل- وصفته، وأنه لا يستطيع البشر الإتيان بسورة من مثله، وقد أقر بذلك كل عاقل حتى المشركون، كما قال أكفر قريش الوليد بن المغيرة لما قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فرجع إلى قومه، فقال أبو جهل‏:‏ قل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له، قال‏:‏ وماذا أقول فيه‏؟‏ فوالله ما منكم رجل أعرفه بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإن ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته‏.‏ قال‏:‏ لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال‏:‏ قف حتى أفكر فيه، فلما فكر قال‏:‏ إن هذا إلا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت‏:‏ ‏(‏فذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا‏)‏، ‏(‏المدثر 11- 12‏)‏ الآيات، رواه البيهقي وغيره‏.‏
ويروى عن عتبة حين قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حم السجدة نحو ذلك، وكذا أبو جهل، قبحهم الله‏.‏
فتبين بهذا أن قولهم فيه‏:‏ سحر، شعر، كهانة، وغير ذلك من مفترياتهم، إنما قالوه عنادا ومكابرة، وإلا فقد استيقنوا أنه لا يدخل تحت طوق أحد من البشر، ونحن وجميع أهل السنة والجماعة نشهد الله الذي أنزله بعلمه وشهد به، ونشهد ملائكته الذين شهدوا بذلك، ونشهد رسوله الذي أنزل عليه وبلغه إلى الأمة، ونشهد جميع المؤمنين الذين صدقوه وآمنوا به، أنا مؤمنون مصدقون شاهدون بأنه كلام الله عز وجل وتنزيله، وأنه تكلم به قولا، وأنزله على رسوله وحيا، ولا نقول إنه حكاية عن كلام الله عز وجل أو عبارة، بل هو عين كلام الله، حروفه ومعانيه، نزل به من عنده الروح الأمين، على محمد خاتم المرسلين، وكل منهما مبلغ عن الله عز وجل، والكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مبلغا مؤديا، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس‏)‏، ‏(‏المائدة 67‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين‏)‏، ‏(‏التغابن 12‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين‏)‏، ‏(‏النور 54‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ‏)‏، ‏(‏الشورى 48‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته‏)‏، ‏(‏الجن 23‏)‏، والآيات في هذا كثيرة جدا، يخبر تعالى عن رسوله أنه مبلغ عنه، مؤد لما أرسله به، وهذا يعرفه كل أحد يعقل لفظة رسول، فإن الرسول لا بد له من مرسل برسالاته، فالمرسل الله عز وجل، والرسالة هي القرآن، والمرسل محمد صلى الله عليه وسلم المبلغ رسالة ربه، وقال أنس‏:‏ بعث النبي صلى الله عليه وسلم خاله حراما إلى قومه، وقال‏:‏ أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فجعل يحدثهم‏.‏ وقال المغيرة رضي الله عنه‏:‏ أخبرنا نبينا، عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة‏.‏ وعن عائشة رضي الله عنها- قالت‏:‏ من حدثك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي، فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول‏:‏ ‏(‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته‏)‏‏.‏ وفي خطبته في موقف الحج الأكبر، قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون‏؟‏ قالوا‏:‏ نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت‏.‏ وفيها إشارته بيده إلى السماء قائلا‏:‏ اللهم هل بلغت‏؟‏ اللهم اشهد‏.‏ قالها مرارا‏.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، ثم قال‏:‏ لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول‏:‏ يا رسول الله أغثني‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئا قد أبلغتك‏.‏ لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، فيقول‏:‏ يا رسول الله أغثني‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئا قد أبلغتك‏.‏ لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول‏:‏ يا رسول الله أغثني‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئا قد أبلغتك‏.‏ لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول‏:‏ يا رسول الله أغثني‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك شيئا قد أبلغتك‏.‏ لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول‏:‏ يا رسول الله أغثني‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك‏.‏ لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول‏:‏ يا رسول الله أغثني‏.‏ فأقول‏:‏ لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك‏.‏ متفق عليه‏.‏
وكان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل في المواسم، ويقول‏:‏ إني رسول الله، وآتيكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي‏.‏ وغير ذلك من الأحاديث يخبر صلى الله عليه وسلم أنه مخبر عن الله، ومبلغ رسالته، وأن ما أمر به ونهى عنه، وأخبر به، هو تبليغ لأمر الله ونهيه وخبره، وأنه لم يقل شيئا من عند نفسه، فيقول هو من عند الله، ومن اعتقد ذلك، فهو كافر من حزب أبي جهل والوليد بن المغيرة وملئهم، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين وإنه لتذكرة للمتقين وإنا لنعلم أن منكم مكذبين وإنه لحسرة على الكافرين وإنه لحق اليقين فسبح باسم ربك العظيم‏)‏، ‏(‏الحاقة 44- 52‏)‏‏.‏
‏(‏ليس بمخلوق‏)‏ كما يقول الزنادقة من الحلولية والاتحادية والجهمية والمعتزلة وغيرهم، تعالى الله عز وجل عن أن يكون شيئا من صفاته مخلوقا، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا‏)‏، ‏(‏الشورى 52‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ألا له الخلق والأمر‏)‏، ‏(‏الأعراف 54‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون‏)‏، ‏(‏يس 83‏)‏، فأخبر تعالى أن الخلق غير الأمر، وأن القرآن من أمره لا من خلقه، وقال‏:‏ ‏(‏إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون‏)‏، ‏(‏النحل 40‏)‏، فكن من كلامه الذي هو صفته ليس بمخلوق، والشيء المراد المقول له ‏"‏ كن ‏"‏ مخلوق، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون‏)‏، ‏(‏آل عمران 9‏)‏، فعيسى وآدم مخلوقان بكن، وكن قول الله صفة من صفاته، وليس الشيء المخلوق هو كن، ولكنه كان بقول الله له كن‏.‏
وقد انعقد إجماع سلف الأمة الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون على تكفير من قال بخلق القرآن، وذلك لأنه لا يخلو قوله من إحدى ثلاث‏:‏ إما أن يقول أنه خلقه في ذاته، أو في غيره، أو منفصلا مستقلا، وكل الثلاث كفر صريح؛ لأنه إن قال خلقه في ذاته، فقد جعل ذاته محلا للمخلوقات، وإن قال إنه خلقه في غيره، فهو كلام ذلك الغير، فيكون القرآن على هذا كلام كل تال له، وهذا قول الوليد بن المغيرة فيما حكى الله عنه، حيث قال تعالى‏:‏ ‏(‏إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقى ولا تذر لواحة للبشر‏)‏، ‏(‏المدثر 18- 29‏)‏ الآيات، وإن قال إنه خلقه منفصلا مستقلا، فهذا جحود لوجوده مطلقا، إذ لا يعقل ولا يتصور كلام يقوم بذاته بدون متكلم، كما لا يعقل سمع بدون سميع، ولا بصر بدون بصير، ولا علم بدون عالم، ولا إرادة بدون مريد، ولا حياة بدون حي، إلى غير ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فهذه الثلاث لا خروج لزنديق منها، ولا جواب له عنها، فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين‏.‏

أصل القول بخلق القرآن
وأول ما اشتهر القول بخلق القرآن في آخر عصر التابعين، لما ظهر جهم بن صفوان شقيق إبليس- لعنهما الله- وكان ملحدا عنيدا، وزنديقا زائغا، مبتغيا غير سبيل المؤمنين، لم يثبت أن في السماء ربا، ولا يصف الله تعالى بشيء مما وصف به نفسه، وينتهي قوله إلى جحود الخالق عز وجل‏.‏ ترك الصلاة أربعين يوما، يزعم يرتاد دينا، ولما ناظره بعض + السنية في معبوده، قال قبحه الله‏:‏ هو هذا الهواء في كل مكان، وافتتح مرة سورة طه، فلما أتى على هذه الآية ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏، ‏(‏طه 5‏)‏، قال‏:‏ لو وجدت السبيل إلى حكها لحككتها، ثم قرأ حتى أتى على آية أخرى، فقال‏:‏ ما كان أظرف محمدا حين قالها، ثم افتتح سورة القصص، فلما أتى على ذكر موسى، جمع يديه ورجليه، ثم رفع المصحف، ثم قال‏:‏ أي شيء هذا ذكره ها هنا فلم يتم ذكره، وذكره ها هنا فلم يتم ذكره‏.‏
وقد روي عنه غير هذا من الكفريات، وهو أذل وأحقر من أن نشتغل بترجمته، وقد يسر الله تعالى ذبحه على يد سالم بن أحوز بأصبهان، وقيل بمرو، وهو يومئذ نائبها، رحمه الله تعالى وجزاه عن المسلمين خيرا‏.‏
وقد تلقى هذا القول عن الجعد بن درهم، لكنه لم يشتهر في أيام الجعد، كما اشتهر عن الجهم، فإن الجعد لما أظهر القول بخلق القرآن، تطلبه بنو أمية، فهرب منهم فسكن الكوفة، فلقيه فيها الجهم بن صفوان، فتقلد هذا القول عنه، ولم يكن له كثير أتباع غيره، ثم يسر الله تعالى قتل الجعد على يد خالد بن عبد الله القسري الأمير، قتله يوم عيد الأضحى بالكوفة، وذلك لأن خالدا خطب الناس، فقال في خطبته تلك‏:‏ أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقوله الجعد علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر‏.‏
روى ذلك البخاري في كتابه خلق أفعال العباد، ورواه ابن أبي حاتم في كتاب السنة له وغيرهما، وهو مشهور في كتب التواريخ، وذلك سنة أربع وعشرين ومائة، وقد أخذ الجعد بدعته هذه عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالون ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنزل الله تعالى في ذلك سورة المعوذتين، ثم تقلد هذا المذهب المخذول، عن الجهم بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي المتكلم، شيخ المعتزلة وأحد من أضل المأمون، وجدد القول بخلق القرآن، ويقال إن أباه كان يهوديا صباغا بالكوفة، وروي عنه أقوال شنيعة في الدين من التجهم وغيره، مات سنة ثماني عشرة ومائتين‏.‏
ثم تقلد عن بشر ذلك المذهب الملعون قاضي المحنة أحمد بن أبي دواد، وأعلن بمذهب الجهمية، وحمل السلطان على امتحان الناس بالقول بخلق القرآن، وعلى أن الله لا يرى في الآخرة، وكان بسببه ما كان على أهل الحديث والسنة من الحبس والضرب والقتل، وغير ذلك، وقد ابتلاه الله تعالى بالفالج قبل موته بأربع سنين، حتى أهلكه الله تعالى سنة أربعين ومائتين، ومن أراد الاطلاع على ذلك وتفاصيله، فليقرأ كتب التواريخ ير العجب‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 04:22 PM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
ذكر ما قاله أئمة السنة في مسألة القرآن وحكم الجهمية
قال إمام السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى‏:‏ من قال القرآن مخلوق، فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم الله، وفيه أسماء الله، وقال‏:‏ إذا قال الرجل العلم مخلوق، فهو كافر؛ لأنه يزعم أنه لم يكن لله علم حتى خلقه‏.‏ وقال- رحمه الله تعالى‏:‏ من قال أن القرآن مخلوق، فهو عندنا كافر؛ لأن القرآن من علم الله، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم‏)‏، ‏(‏آل عمران 61‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير‏)‏، ‏(‏البقرة 120‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين‏)‏، ‏(‏البقرة 145‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ألا له الخلق والأمر‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ومن يكفر به من الأحزاب‏)‏، ‏(‏هود 17‏)‏، قال أحمد‏:‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ والأحزاب الملل كلها، ‏(‏فالنار موعده‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب‏)‏، ‏(‏الرعد 36‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق‏)‏، ‏(‏الرعد 37‏)‏، وقال- رحمه الله تعالى‏:‏ من قال ذاك القول، لا يصلى خلفه الجمعة ولا غيرها، فإن صلى خلفه، أعاد الصلاة‏.‏ يعني‏:‏ من قال القرآن مخلوق‏.‏
وقال رحمه الله تعالى‏:‏ إذا كان القاضي جهميا، فلا تشهد عنده‏.‏ وقال إبراهيم بن طهمان‏:‏ الجهمية كفار، والقدرية كفار‏.‏ وقال سلمان التيمي- رحمه الله تعالى‏:‏ ليس قوما أشد بغضا للإسلام من الجهمية والقدرية، فأما الجهمية فقد بارزوا الله، وأما القدرية فإنهم قالوا في الله‏.‏ وقال سلام بن أبي مطيع‏:‏ الجهمية كفار لا يصلى خلفهم‏.‏
وقال خارجة‏:‏ الجهمية كفار، بلغوا نساءهم أنهن طوالق، وأنهن لا يحللن لأزواجهن، لا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، ثم تلا‏:‏ ‏(‏طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله‏:‏ ‏(‏الرحمن على العرش استوى‏)‏‏.‏
وقال مالك رحمه الله‏:‏ من قال القرآن مخلوق، يوجع ضربا ويحبس حتى يتوب، وقال سفيان الثوري- رحمه الله‏:‏ من زعم أن قول الله ‏(‏يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم‏)‏ مخلوق، فهو كافر زنديق حلال الدم‏.‏ وقال أيضا‏:‏ من قال إن ‏(‏قل هو الله أحد الله الصمد‏)‏ مخلوق، فهو كافر‏.‏
وقال أبو يوسف القاضي‏:‏ صنفان ما على وجه الأرض شر منهما‏:‏ الجهمية، والمقاتلية‏.‏
قلت‏:‏ وأظنه يعني بالمقاتلية أتباع مقاتل بن سليمان البلخي، فإنه رماه الإمام أبو حنيفة بالتشبيه، فإنه قال‏:‏ أفرط جهم في نفي التشبيه، حتى قال‏:‏ إنه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في معنى الإثبات، حتى جعله مثل خلقه، وتابع أبا حنيفة على ذلك جماعة من أئمة الجرح والتعديل من أقرانه، كأبي يوسف وغيره، فمن بعدهم، حتى قال ابن حبان‏:‏ كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان يشبه الرب بالمخلوق، وكذبه وكيع وغيره، والله أعلم بحاله‏.‏ قال وكيع‏:‏ مات مقاتل بن سليمان سنة خمسين ومائة ا هـ‏.‏
وقال عبد الله بن المبارك‏:‏ الجهمية كفار، وقال‏:‏ ليس تعبد الجهمية شيئا‏.‏ وقال‏:‏ من قال القرآن مخلوق، فهو زنديق، وقال‏:‏ إنا نستجيز أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستجيز أن نحكي كلام الجهمية‏.‏ وقال سفيان بن عيينة‏:‏ القرآن كلام الله، من قال مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، وقال‏:‏ من قال القرآن مخلوق، يحتاج أن يصلب على ذياب، يعني‏:‏ جبل‏.‏ وقال عبد الله بن إدريس رحمه الله وقد سئل‏:‏ ما تقول في الجهمية، يصلى خلفهم‏؟‏ فقال‏:‏ أمسلمون هؤلاء، أمسلمون هؤلاء‏؟‏ لا ولا كرامة، لا يصلى خلفهم‏.‏
وقال له رجل‏:‏ يا أبا محمد، إن قبلنا ناسا يقولون القرآن مخلوق‏.‏ فقال‏:‏ من اليهود‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فمن النصارى‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال فمن المجوس‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال فمن‏؟‏ قال‏:‏ من الموحدين‏.‏ قال‏:‏ كذبوا، ليس هؤلاء بموحدين، هؤلاء زنادقة، هؤلاء زنادقة‏.‏ وقرأ ابن إدريس ‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏)‏ فقال‏:‏ الله مخلوق‏؟‏ والرحمن مخلوق‏؟‏ والرحيم مخلوق‏؟‏ هؤلاء زنادقة‏.‏
وسئل عن قوم يقولون القرآن مخلوق، فاستشنع ذلك، وقال‏:‏ سبحان الله، شيء منه مخلوق‏؟‏ وقال وكيع‏:‏ فإني أستتيبه، فإن تاب، وإلا قتلته‏.‏ وقال‏:‏ من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أنه محدث، ومن زعم أنه محدث، فقد كفر‏.‏
وقيل له‏:‏ إن فلانا يقول إن القرآن محدث، فقال‏:‏ سبحان الله، هذا الكفر‏.‏ قال السويدي‏:‏ وسألت وكيعا عن الصلاة خلف الجهمية، فقال‏:‏ لا تصل خلفهم‏.‏ وقال‏:‏ من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أنه محدث، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه‏.‏ وقال زهير بن حرب‏:‏ اختصمت أنا ومثنى، فقال مثنى‏:‏ القرآن مخلوق، وقلت أنا‏:‏ كلام الله‏.‏ فقال وكيع وأنا أسمع‏:‏ هذا كفر، وقال‏:‏ من قال القرآن مخلوق، هذا كفر، فقال مثنى‏:‏ يا أبا سفيان، قال الله‏:‏ ‏(‏ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث‏)‏، ‏(‏الشعراء 5‏)‏، فأيش هذا‏؟‏ فقال وكيع‏:‏ من قال القرآن مخلوق هذا كفر، وقال‏:‏ من قال القرآن مخلوق، فهو كافر‏.‏
وقال- رحمه الله‏:‏ القرآن كلام الله، أنزله جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم ، كل صاحب هوى يعرف الله، ويعرف من يعبد، إلا الجهمية لا يدرون من يعبدون، بشر المريسي وأصحابه‏.‏ وقيل لوكيع في ذبائح الجهمية، قال‏:‏ لا توكل، هم مرتدون، وقال‏:‏ من قال إن كلامه ليس منه، فقد كفر، وقال‏:‏ من قال إن منه شيئا مخلوقا، فقد كفر‏.‏
وقال فطر بن حماد‏:‏ سألت معتمر بن سليمان، فقلت‏:‏ يا أبا محمد، إمام لقوم يقول القرآن مخلوق، أصلي خلفه‏؟‏ فقال‏:‏ ينبغي أن تضرب عنقه‏.‏ قال فطر‏:‏ وسألت حماد بن زيد، فقلت‏:‏ يا أبا إسماعيل، إمام لنا يقول القرآن مخلوق، أصلي خلفه‏؟‏ فقال‏:‏ صل خلف مسلم أحب إلي‏.‏ وسألت يزيد بن زريع، فقلت‏:‏ يا أبا معاوية، إمام لقوم يقول القرآن مخلوق، أصلي خلفه‏؟‏ قال‏:‏ لا ولا كرامة‏.‏
وقال عبد الرحمن بن مهدي‏:‏ من زعم أن الله لم يكلم موسى، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه‏.‏ وقال مرة‏:‏ لا أرى أن أستتيب الجهمية‏.‏ وقال- رحمه الله‏:‏ لو كان لي من الأمر شيء، لقمت على الجسر، فلا يمر بي أحد من الجهمية إلا سألته عن القرآن، فإن قال مخلوق، ضربت رأسه ورميت به في الماء‏.‏
وقال أبو بكر بن الأسود‏:‏ لو أن رجلا جهميا مات وأنا وارثه، ما استحللت أن آخذ من ميراثه‏.‏ وقال أبو يوسف القاضي‏:‏ جيئوني بشاهدين يشهدان على المريسي، والله لأملأن ظهره وبطنه بالسياط، يقول في القرآن، يعني مخلوق‏.‏
وقال يزيد بن هارون، وذكر الجهمية، فقال‏:‏ هم والله زنادقة، عليهم لعنة الله‏.‏ وقال- رحمه الله‏:‏ والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، من قال القرآن مخلوق، فهو زنديق، وسئل عن الصلاة خلفهم، قال‏:‏ لا‏.‏
وقال معاذ بن معاذ‏:‏ من قال القرآن مخلوق، فهو كافر‏.‏ وقال شبابة بن سوار‏:‏ اجتمع رأيي ورأي أبي النضر هاشم بن القاسم، وجماعة من الفقهاء على أن المريسي كافر جاحد، نرى أن يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه‏.‏
وكان أبو توبة الحلبي، ونعيم بن حماد، وإبراهيم بن مهدي يكفرون الجهمية، وقال بشر بن الحارث‏:‏ لا تجالسوهم ولا تكلموهم، وإن مرضوا فلا تعودهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، كيف يرجعون وأنتم تفعلون بهم هذا‏؟‏ قال‏:‏ يعني الجهمية‏.‏
وقال ابن أبي مريم‏:‏ من زعم أن القرآن مخلوق، فهو كافر‏.‏ وقال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار‏:‏ القرآن كلام الله، من زعم أنه مخلوق، فهو كافر، هذا كلام الزنادقة‏.‏
وقال عباد بن العوام‏:‏ كلمت بشر المريسي وأصحابه، فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا‏:‏ ليس في السماء شيء‏.‏ وقال عمرو بن الربيع بن طارق‏:‏ القرآن كلام الله، من زعم أنه مخلوق، فهو كافر‏.‏ وقال هارون أمير المؤمنين‏:‏ بلغني أن بشرا المريسي يزعم أن القرآن مخلوق، لله علي إن أظفرني الله به إلا قتلته قتلة ما قتلتها أحدا قط‏.‏
وقال هارون بن معروف‏:‏ من قال القرآن مخلوق، فهو يعبد صنما‏.‏ وقال يحيى بن معين- رحمه الله‏:‏ من قال القرآن مخلوق، فهو كافر‏.‏ وقال رجل لهشيم‏:‏ إن فلانا يقول القرآن مخلوق، فقال‏:‏ اذهب إليه، فاقرأ عليه أول الحديد وآخر الحشر، فإن زعم أنهما مخلوقان، فاضرب عنقه‏.‏
وقال أبو هاشم الغساني مثله، وقال أبو عبيد‏:‏ من قال القرآن مخلوق، فقد افترى على الله، وقال عليه ما لم تقله اليهود والنصارى‏.‏ وقال إسحاق بن البهلول لأنس بن عياض أبي ضمرة‏:‏ أصلي خلف الجهمية‏؟‏ قال‏:‏ لا، ‏(‏ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين‏)‏، ‏(‏آل عمران 85‏)‏‏.‏
وسئل عيسى بن يونس رحمه الله عمن يقول القرآن مخلوق، فقال‏:‏ كافر أو كفر‏.‏ فقيل له‏:‏ تكفرهم بهذه الكلمة‏؟‏ قال‏:‏ إن هذا من أيسر، أو أحسن ما يظهرون‏.‏ وكان يحيى بن معين رحمه الله يعيد صلاة الجمعة مذ أظهر عبد الله بن هارون المأمون ما أظهر، يعني القول بخلق القرآن‏.‏
وقال الحسين بن إبراهيم بن أشكاب، وعاصم بن علي بن عاصم، وهارون الفروي، وعبد الوهاب الوراق، وسفيان بن وكيع‏:‏ القرآن كلام الله، وليس بمخلوق‏.‏
وسئل جعفر بن محمد رحمه الله عن القرآن، فقال‏:‏ ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله‏.‏ وروي عن أبيه علي بن الحسين أنه قال في القرآن‏:‏ ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله‏.‏ وقال الزهري‏:‏ سألت علي بن الحسين عن القرآن، فقال‏:‏ كتاب الله وكلامه‏.‏ وعن إبراهيم بن سعد، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، ووهب بن جرير، وأبي النضر هاشم بن القاسم، وسليمان بن حرب قالوا‏:‏ القرآن كلام الله ليس بمخلوق‏.‏
وقال سفيان بن عيينة‏:‏ لا نحسن غير هذا، القرآن كلام الله ‏(‏فأجره حتى يسمع كلام الله‏)‏، ‏(‏يريدون أن يبدلوا كلام الله‏)‏، وقال الإمام مالك بن أنس، وجماعة من العلماء بالمدينة، وذكروا القرآن فقالوا‏:‏ كلام الله، وهو منه، وليس من الله شيء مخلوق‏.‏ وقال حماد بن زيد- رحمه الله‏:‏ القرآن كلام الله، أنزله جبريل من عند رب العالمين‏.‏
وقال أبو بكر بن عياش‏:‏ من زعم أن القرآن مخلوق، فقد افترى على الله‏.‏ وقال وكيع‏:‏ القرآن من الله، منه خرج وإليه يعود‏.‏ وقال يحيى بن سعيد‏:‏ كيف يصنعون بقل هو الله أحد، كيف يصنعون بهذه الآية ‏(‏إني أنا الله‏)‏ يكون مخلوقا‏؟‏ وقال وهب بن جرير، ومحمد بن يزيد الواسطي، وابن أبي إدريس، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان بن أبي شيبة، وأبو عمر الشيباني، ويحيى بن أيوب، وأبو الوليد، وحجاج الأنماطي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وأبو معمر‏:‏ القرآن كلام الله، ليس بمخلوق‏.‏
وقال أبو عمرو الشيباني لإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة- وقال القرآن مخلوق- فقال الشيباني‏:‏ خلقه قبل أن يتكلم به أو بعد ما تكلم به‏؟‏ قال‏:‏ فسكت‏.‏ وقال حسن بن موسى الأشيب‏:‏ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ‏(‏إياك نعبد وإياك نستعين‏)‏، فقال حسن‏:‏ مخلوق هذا‏؟‏ وقال محمد بن سليمان لوين‏:‏ القرآن كلام الله غير مخلوق، ما رأيت أحدا يقول القرآن مخلوق، أعوذ بالله‏.‏ ا هـ من كتاب السنة‏.‏
وقال الشافعي رحمه الله تعالى في وصيته‏:‏ القرآن كلام الله غير مخلوق‏.‏ وقال عفان بن مسلم‏:‏ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ‏(‏يريدون أن يبدلوا كلام الله‏)‏، ‏(‏الله لا إله إلا هو الحي القيوم‏)‏، ‏(‏قل هو الله أحد‏)‏ أمخلوق هذا‏؟‏ أدركت شعبة، وحماد بن سلمة، وأصحاب الحسن يقولون‏:‏ القرآن كلام الله ليس مخلوقا‏.‏
وقال يحيى بن يحيى‏:‏ من زعم أن من القرآن من أوله إلى آخره آية مخلوقة، فهو كافر‏.‏ وقال هشام بن عبيد الله‏:‏ القرآن كلام الله غير مخلوق‏.‏ فقال له رجل‏:‏ أليس الله تعالى يقول‏:‏ ‏(‏ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث‏)‏‏؟‏ فقال‏:‏ محدث إلينا، وليس عند الله بمحدث‏.‏
وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي- رحمه الله‏:‏ ليس بين أهل العلم اختلاف أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، فكيف يكون شيء خرج من الرب عز وجل مخلوقا‏.‏ وقال أبو جعفر النفيلي‏:‏ من قال إن القرآن مخلوق، فهو كافر‏.‏ فقيل له‏:‏ يا أبا جعفر، الكفر كفران‏:‏ كفر نعمة، وكفر بالرب، عز وجل‏؟‏ قال‏:‏ لا، بل كفر بالرب عز وجل، ما تقول فيمن يقول‏:‏ ‏(‏الله أحد الله الصمد‏)‏ مخلوق، أليس كافرا هو‏؟‏ وقال عبد الله بن محمد العيشي‏:‏ يستحيل في صفة الحكيم أن يخلق كلاما يدعي الربوبية، يعني قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إنني أنا الله‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏أنا ربك‏)‏‏.‏
قلت‏:‏ والمعتزلة يقولون إن كلام الله لموسى خلقه في الشجرة، فعلى هذا تكون الشجرة هي القائلة‏:‏ ‏(‏إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني‏)‏، قبحهم الله في الدنيا والآخرة‏.‏
وقال محمد بن يحيى الذهلي‏:‏ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع صفاته، وحيث تصرف‏.‏ وأما كلام البخاري رحمه الله تعالى ومتانته في هذه المسألة، فأشهر من أن يحتاج إلى تعريف، وله في ذلك ‏(‏كتاب خلق أفعال العباد‏)‏، وقد بوب في صحيحه على جملة وافية، تدل على غزارة علمه، وجلالة شأنه‏.‏
وقال أبو حاتم، وأبو زرعة‏:‏ أدركنا العلماء في جميع الأمصار، فكان من مذاهبهم أن الايمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، والقدر خيره، وشره من الله تعالى، وأن الله تعالى على عرشه، بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف، أحاط بكل شيء علما، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‏.‏
وقال محمد بن أسلم الطوسي‏:‏ القرآن كلام الله غير مخلوق، أينما تلي وحيثما كتب، لا يتغير ولا يتحول ولا يتبدل‏.‏ ا هـ من العلو للذهبي‏.‏
وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد بعد تبويبه على تكليم الله موسى عليه السلام‏:‏ وتكلم الله بالوحي، وصفة نزول الوحي، وتكليم الله عباده يوم القيامة، وتقرير البحث في ذلك، ثم قال‏:‏ باب ذكر البيان في كتاب ربنا المنزل على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على الفرق بين كلام الله عز وجل الذي به يكون خلقه، وبين خلقه الذي يكون بكلامه وقوله، والدليل على نبذ قوله الجهمية الذين يزعمون أن كلام الله تعالى مخلوق، جل ربنا وعز عن ذلك، قال الله- سبحانه وتعالى‏:‏ ‏(‏ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين‏)‏، ‏(‏الأعراف‏:‏ 54‏)‏، ففرق الله تعالى بين الخلق والأمر الذي به يخلق الخلق بواو الاستئناف، وأعلمنا الله- جل وعلا- في محكم تنزيله أنه يخلق الخلق بكلامه، وقوله‏:‏ ‏(‏إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون‏)‏، ‏(‏النحل‏:‏ 40‏)‏ فأعلمنا- جل وعلا- أنه يكون كل مكون من خلقه بقوله كن فيكون، وقوله‏:‏ كن هو كلامه الذي به يكون الخلق، وكلامه عز وجل الذي به يكون الخلق غير الخلق الذي يكون مكونا بكلامه، فافهم ولا تغلط ولا تغالط، ومن عقل عن الله خطابه، علم أن الله- سبحانه- لما أعلم عباده المؤمنين أن يكون الشيء بقوله كن، أن القول الذي هو كن غير المكون بكن المقول له كن، وعقل عن الله أن قوله كن لو كان خلقا، ما زعمت الجهمية المفترية على الله أنه إنما يخلق الخلق، ويكونه بخلق لو كان قوله كن خلقا، فيقال لهم‏:‏ يا جهلة، فالقول الذي يكون به الخلق على زعمكم لو كان خلقا، بم يكونه‏؟‏ أليس قود مقالتكم التي تزعمون أن قوله كن، إنما يخلقه بقول قبله وهو عندكم خلقه، وذلك القول يخلقه بقول قبله، وهو خلق حتى يصير إلى ما لا غاية له، ولا عدد ولا أول، وفي هذا إبطال تكوين الخلق، وإنشاء البرية، وإحداث ما لم يكن قبل، بحدث الله الشيء ونشئه، وهذا قول لا يتوهمه ذو لب لو تفكر فيه، ووفق لإدراك الصواب والرشاد، قال الله- سبحانه وتعالى‏:‏ ‏(‏والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره‏)‏، ‏(‏الأعراف‏:‏ 54‏)‏، فهل يتوهم مسلم أن الله تعالى سخر الشمس والقمر والنجوم مسخرات بخلقه، أليس مفهوما عند من يعقل عن الله خطابه أن الأمر الذي سخر به غير المسخر بالأمر، وأن القول غير المقول له‏؟‏ فتفهموا يا ذوي الحجا عن الله خطابه، وعن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بيانه، لا تصدوا عن سواء السبيل فتضلوا كما ضلت الجهمية، عليهم لعائن الله، فاسمعوا الآن الدليل الواضح البين غير المشكل من سنة النبي صلى الله عليه وسلم بنقل العدل عن العدل موصولا إليه، على الفرق بين خلق الله وبين كلام الله تعالى، ثم ساق الأحاديث في ذكر كلمات الله تعالى إلى حديث‏:‏ أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ثم قال‏:‏ أفليس العلم محيطا يا ذوي الحجا أنه غير جائز أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعوذ بخلق الله من شر خلقه، هل سمعت عالما يجيز أن يقول أعوذ بالكعبة من شر خلق الله، أو يجيز أن يقول أعوذ بالصفا والمروة، أو أعوذ بعرفات و منى من شر ما خلق الله، هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه، ثم ساق بحثا طويلا فليراجع منه‏.‏
وقال أبو معاوية بن خازم الضرير رحمه الله‏:‏ الكلام فيه بدعة وضلالة، ما تكلم فيه النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة رضي الله عنهم ولا التابعون، ولا الصالحون رحمهم الله تعالى، يعني قول القرآن مخلوق‏.‏
وذكر عند أبي نعيم هو الفضل بن دكين من يقول القرآن مخلوق، فقال، والله والله، ما سمعت بشيء من هذا حتى خرج ذاك الخبيث جهم‏.‏ وكلام أئمة السنة في هذا الباب يطول ذكره، ولو أردنا استيعابه لطال الفصل‏.‏
وقد تكرر نقل الإجماع منهم على إثبات ما أثبت الله عز وجل لنفسه، وأثبته رسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة فمن بعدهم، ونفى التكييف عنها لا سيما في مسألة العلو، وفي هذه المسألة مسألة القرآن، وتكليم الله تعالى موسى؛ لأنها أول ما جحده الزنادقة، قبحهم الله تعالى‏.‏
وفي ذكر من سمينا كفاية، ومن لم نسم منهم أضعاف ذلك، ولم يختلف منهم اثنان في أن القرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق، من الله بدأ وإليه يعود، وتقلدوا كفر من قال بخلق القرآن، ومنعوا الصلاة خلفه، وأفتوا بضرب عنقه، وبتحريم ميراثه على المسلمين، وحرموا ذبيحته، وجزموا بأنها ذبيحة مرتد لا تحل للمسلمين، فانظر أيها المنصف أقوالهم، ثم اعرضها على نصوص الكتاب والسنة، هل تجدهم حادوا عنها قيد شبر، أو قدموا عليها قول أحد من الناس كائنا من كان‏؟‏ حاشا وكلا ومعاذ الله، بل بها اقتدوا، ومنها تضلعوا، وبنورها استضاءوا، وإياها اتبعوا، فهداهم الله بذلك لما اختلفت فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏.‏
هذا مقال المؤمنين جميعهم *** وعصابة التوحيد أعلام الهدى
الكاشفين عوار كل مشبه *** والقامعين لك من قد ألحدا
زن قولهم بالوحي وانظر هل ترى *** ميلا لهم عما إليه أرشدا
حاشاهم عن أن يميلوا خطوة *** عما اليه الله إياهم هدى
بل أثبتوا لله ما قد أثبتت *** آي الكتاب وكل نص أسندا
ومن النفاة تبرأوا وكذاك من *** قول الممثل إذ تغالى واعتدى
جعلوا إمامهم الكتاب وسنة المختار *** يا طوبى لمن بهما اهتدى
ولذاك أعلى الله جل منارهم *** والملحدون بناءهم قد هددا
وأتم نورهم الإله وغيرهم *** في ظلمة إذ لم يكن بهم اقتدى
يا رب ألحقنا بهم واجعل لنا *** نورا نميز به الضلال من الهدى
وقضى السلف الصالح رحمهم الله تعالى على الطائفة الواقفة، وهم القائلون‏:‏ لا نقول القرآن مخلوق ولا غير مخلوق، بأن من كان منهم يحسن الكلام، فهو جهمي، ومن لم يحسن الكلام منهم، بل علم أنه كان جاهلا جهلا بسيطا، فهو تقام عليه الحجة بالبيان والبرهان، فإن تاب وآمن أنه كلام الله تعالى وإلا فهو شر من الجهمية، وسيأتي إن شاء الله الكلام على اللفظية قريبا، وسنذكر إن شاء الله تعالى في آخر الفصل سائر الفرق المخالفين للسنة في القرآن وغيره من الصفات؛ لأنا أحببنا تجريد مذهب أهل السنة على حدته لقصد التيسير، وبالله التوفيق‏.‏
‏(‏ولا بمفترى‏)‏ أي وليس القرآن بمفترى، كما قاله كفار قريش وغيرهم من أعداء الله تعالى حيث قالوا فيه‏:‏ ‏(‏إن هذا إلا سحر يؤثر‏)‏، ‏(‏المدثر‏:‏ 24‏)‏، وقالوا‏:‏ ‏(‏إن هذا إلا إفك افتراه‏)‏، ‏(‏الفرقان‏:‏ 4‏)‏، ‏(‏وقالوا أساطير الأولين اكتتبها‏)‏، ‏(‏الفرقان‏:‏ 5‏)‏، ‏(‏ويقولون إنما يعلمه بشر‏)‏ ‏(‏النحل‏:‏ 103‏)‏، وقالوا شعر، وقالوا كهانة، وقالوا‏:‏ ‏(‏إن هذا إلا اختلاق‏)‏، ‏(‏ص‏:‏ 7‏)‏، وقالوا‏:‏ ‏(‏لو نشاء لقلنا مثل هذا‏)‏، ‏(‏الأنفال 31‏)‏، وغير ذلك من مفترياتهم وإفكهم، وكل ذلك إنما قالوه عنادا ومكابرة، ‏(‏وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا‏)‏ ‏(‏النمل 14‏)‏، وقد كشف الله تعالى شبههم، وأدحض حججهم، وبهتهم وقطعهم، وفضحهم على رءوس الأشهاد، وبين عجزهم، وكشف عوارهم في جميع ما انتحلوا، فقال تعالى لمن قال‏:‏ ‏(‏إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر‏)‏، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخر الآيات‏.‏
وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون‏)‏، فرد الله ذلك عليهم بقوله‏:‏ ‏(‏فقد جاءوا ظلما وزورا‏)‏، ‏(‏وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا‏)‏، فرد الله ذلك عليهم بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏قل أنزله الله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر‏)‏، فرد الله ذلك عليهم بقوله عز وجل‏:‏ ‏(‏بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمؤمنين ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر‏)‏‏.‏
قال المفسرون‏:‏ إن المشركين يشيرون بهذا إلى رجل أعجمي، كان بين ظهرهم + غلاما لبعض بطون قريش، قيل اسمه بلعام، وقيل يعيش، وقيل عائش، وقيل جبر، وقيل يسار، وقيل غير ذلك، وربما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، فرد الله عز وجل عليهم ذلك الافتراء بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين‏)‏، ‏(‏النحل 103‏)‏ أي فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على بني إسرائيل، كيف يتعلم من رجل أعجمي‏؟‏ لا يقول هذا من له أدنى مسكة من عقل، وقال في رد قولهم شعر وكهانة‏:‏ ‏(‏وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين‏)‏، ‏(‏يس 69- 70‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون‏)‏، ‏(‏الطور 29- 33‏)‏ الآيات، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين وإنه لتذكرة للمتقين‏)‏ ‏(‏الحاقة 41- 48‏)‏ إلى آخر الآيات، وقال تعالى لمن قال‏:‏ ‏(‏إن هذا إلا اختلاق أؤنزل عليه الذكر من بيننا‏)‏ ‏(‏ص 7- 8‏)‏، فرد الله تعالى ذلك عليهم بقوله عز وجل‏:‏ ‏(‏بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب‏)‏ ‏(‏ص 8-9‏)‏ إلى آخر الآيات، ورد عليهم تعالى في قولهم‏:‏ ‏(‏لو نشاء لقلنا مثل هذا‏)‏ بقوله‏:‏ عز وجل‏:‏ ‏(‏قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا‏)‏ ‏(‏الإسراء 88‏)‏، وقد تحداهم تعالى على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله، فعجزوا عن ذلك كله، وبان كذبهم، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين‏)‏، ‏(‏الطور 33‏)‏، وقال تعالى وتقدس‏:‏ ‏(‏أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون‏)‏، ‏(‏هود 13- 14‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإن كنتم في شك مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين‏)‏، ‏(‏البقرة 23- 24‏)‏، فعجزوا عن ذلك كله، ولم يطمعوا في شيء منه مع أنهم فحول اللغة، وفرسان الفصاحة، وأهل البلاغة، وأعلم الناس بنثر الكلام ونظمه، وهجزه ورجزه، مع شدة معاندتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وحرصهم على معارضته بكل ممكن، ولكن جاءهم ما لا قبل لهم به، وأتاهم مالا يطيقون، كلام ذي الملكوت والجبروت والعظمة والكبرياء والعزة والجلال والكمال رب الأرض والسماء ورب الآخرة والأولى، من له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والمثل الأعلى الذي لا سمي له، ولا كفو له، وليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، فلما رأوا وجوه إيجازه وإعجازه، ومبانيه الكاملة، ومعانيه الشاملة، وإخباره عن الأمم الماضية، والغيوب المستقبلة، والأحكام الواقعة، ونبأ الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب والتهديد، وغير ذلك على أكمل وجه، وأوضح بيان، وأعلى قصص، وأعظم برهان، علموا أنه ليس كلام المخلوقين، ولا يشبه كلام المخلوقين، وعلموا أنه الحق، وإنما رموه بالإفك والبهتان بقولهم كاهن شاعر مجنون وغير ذلك، إنما هو مكابرة وعناد مع الاعتراف بذلك فيما بينهم كما تقدم عن الوليد وعتبة وأبي جهل، قبحهم الله وغيرهم‏.‏
ولو كان تقوله كما زعموا هم، لاستطاعوا معارضته ولم ينقطعوا عن مقاومته؛ لأنهم عرب فصحاء مثله، عارفون بوجوه البلاغة كلها، لا يجهلون منها شيئا، ولما عدلوا إلى المكابرة والتبجح بالقول دون الفعل الذي هو أمقت شيء عند العقلاء، ولكنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد خاتم المرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، هدى وبشرى للمسلمين، وتبيانا لكل شيء، وتفصيل كل شيء، وذكرى للمؤمنين ‏(‏لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد‏)‏، ‏(‏فصلت 42‏)‏، فلا يأتي مبطل بشبهة إلا وفيه إزهاق باطله، وكشف شبهته، وإدحاض حجته، كما هو معلوم عند من عرف مواقع النزول، ويكفيك في ذلك قول الله عز وجل‏:‏ ‏(‏ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا‏)‏، ‏(‏الفرقان 33‏)‏‏.‏
يحفظ بالقلب وباللسان *** يتلى كما يسمع بالآذان
كذا بالأبصار إليه ينظر *** وبالأيادي خطه يسطر
وكل ذي مخلوقة حقيقة *** دون كلام بارئ الخليقة
جلت صفات ربنا الرحمن *** عن وصفها بالخلق والحدثان
فالصوت والألحان صوت القاري *** لكنما المتلو قول الباري
ما قاله لا يقبل التبديلا *** كلا ولا أصدق منه قيلا‏.‏
‏(‏يحفظ‏)‏ بالبناء للمفعول أي القرآن ‏(‏بالقلب‏)‏ كما قال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين‏)‏، ‏(‏الشعراء 193‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون‏)‏، ‏(‏العنكبوت 49‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏سنقرئك فلا تنسى‏)‏ ‏(‏الأعلى 6‏)‏‏.‏
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخراب‏.‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث صحيح‏.‏ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا، وهم ذوو عدد، فاستقرأ فاستقرأ كل رجل منهم- يعني ما معه من القرآن- فأتى على رجل من أحدثهم سنا، فقال‏:‏ ما معك يا فلان‏؟‏ فقال‏:‏ معي كذا وكذا، وسورة البقرة‏.‏ فقال‏:‏ أمعك سورة البقرة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ اذهب، فأنت أميرهم‏.‏ فقال رجل من أشرافهم‏:‏ والله ما منعني أن أتعلم البقرة إلا خشية أن لا أقوم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ تعلموا القرآن واقرءوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا، يفوح ريحه في كل مكان‏.‏ ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه، كمثل جراب أوكي على مسك‏.‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن‏.‏
وفي حديث سهل بن سعد رضي الله عنه المتفق عليه في قصة الواهبة نفسها، وفيه قال‏:‏ ما معك من القرآن‏؟‏ قال‏:‏ معي سورة كذا وسورة كذا عددها، فقال‏:‏ تقرأهن عن ظهر قلبك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن‏.‏
ولأبي داود قال‏:‏ سورة البقرة والتي تليها، قال‏:‏ قم، فعلمها عشرين آية‏.‏ وفي الصحيحين، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار، كمثل رجل له إبل، فإن عقلها حفظها، وإن أطلق عقالها ذهبت، فكذلك صاحب القرآن‏.‏
ولهما، عن عائشة رضي الله عنها- قالت‏:‏ سمع رسول الله رجلا يقرأ في سورة بالليل، فقال‏:‏ يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا‏.‏ والأحاديث في هذا كثيرة جدا‏.‏
‏(‏وباللسان يتلى‏)‏، قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏اتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته‏)‏، ‏(‏الكهف 37‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث‏)‏، ‏(‏الاسراء 106‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا‏)‏، ‏(‏الإسراء 45‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم‏)‏، ‏(‏فاطر 29‏)‏ إلى آخر الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه‏)‏، ‏(‏القيامة 16- 19‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ورتل القرآن ترتيلا‏)‏، ‏(‏المزمل‏:‏ 4‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا‏)‏، ‏(‏الإسراء‏:‏ 110‏)‏، وغير ذلك من الآيات‏.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا حسد إلا في اثنتين‏:‏ رجل علمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل والنهار، فسمعه جار له‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخر الحديث‏.‏ رواه البخاري، وأخرج أبو عبيد القاسم بن سلام، عن فضالة بن عبيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته‏.‏ ورواه ابن ماجه، وله عن المهاجر بن حبيب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا أهل القرآن، لا توسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار، وتغنوه، وتقنوه، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون‏.‏ والأحاديث في هذا كثيرة جدا، سيأتي ما تيسر منها في ذكر الصوت‏.‏
‏(‏كما يسمع بالآذان‏)‏ قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله‏)‏، ‏(‏التوبة 6‏)‏، وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق‏)‏، ‏(‏المائدة 83‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون‏)‏، ‏(‏الأعراف 204‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم‏)‏، ‏(‏الأحقاف 29- 30‏)‏ الآيات، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإنا لما سمعنا الهدى آمنا به‏)‏، ‏(‏الجن 1- 12‏)‏ الآيات، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه‏)‏، ‏(‏الزمر 18‏)‏، وغير ذلك من الآيات‏.‏
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ قال لي النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اقرأ علي القرآن‏.‏ قلت‏:‏ أقرأ عليك، وعليك أنزل‏؟‏ قال‏:‏ إني أحب أن أسمعه من غيري‏.‏ الحديث متفق عليه‏.‏
وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يا أبا موسى، لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة‏.‏ فقال‏:‏ أما والله، لو أعلم أنك تسمع قراءتي، لحبرتها لك تحبيرا‏.‏ رواه مسلم‏.‏
ولأبي عبيد، عن عائشة رضي الله عنها- قالت‏:‏ أبطأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بعد العشاء، ثم جئت، فقال‏:‏ أين كنت‏؟‏ قلت‏:‏ كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك، لم أسمع مثل قراءته، وصوته من أحد، قالت‏:‏ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إلي، فقال‏:‏ هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا‏.‏ إسناده جيد، والآحاديث في هذا كثيرة‏.‏
‏(‏كذا بالإبصار إليه متعلقان بـ ‏(‏ينظر‏)‏ أي إلى القرآن في المصحف، وهو من أفضل العبادات وأجلها‏.‏ وروى أبو عبيد بإسناد فيه ضعف، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرأه ظهرا، كفضل الفريضة على النافلة‏.‏ وقال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ أديموا النظر في المصحف‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا دخل، نشر المصحف فقرأ فيه‏.‏ وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا اجتمع إليه إخوانه، نشروا المصحف فقرأوا، وفسر لهم‏.‏ وقال ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ إذا رجع أحدكم من سوقه، فلينشر المصحف وليقرأ‏.‏ وذهب كثير من السلف أن قراءة القرآن في المصحف أفضل من على ظهر قلب؛ لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف، وكرهوا أن يمضي على الرجل يومان لا ينظر في مصحفه، ‏(‏وبالأيادي خطه يسطر‏)‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون‏)‏، ‏(‏الواقعة 77- 79‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة‏)‏، ‏(‏البينة 2‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة‏)‏، ‏(‏عبس 11- 14‏)‏، وقد كتبه الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بأمره، وفي خلافة أبي بكر وعثمان، وإلى الآن يكتبه المسلمون، وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين‏.‏
وقال علي بن أبي طالب نحو ذلك، وقال أبو بكر رضي الله عنه معنى ذلك في محضر الصحابة لم يقل أحد خلافه، ولو لم يكن الذي في المصحف كلام الله، لم يحرم مسه على أحد، ولم يكن من شأنه أن ‏(‏لا يمسه إلا المطهرون‏)‏ بل ولا كان يحرم توسده، ولذا أجاز الزنادقة ذلك حيث لم يؤمنوا أن فيه كتاب الله، وهذا من أسفل دركات الكفر، قبحهم الله‏.‏
‏(‏وكل ذي‏)‏ المذكورات من القلب، وحافظته، وذاكرته، واللسان وحركته، والآذان وأسماعها، والأبصار ونظرها، والأيادي وكتابتها، وأدوات الكتابة من أوراق وأقلام ومداد، كلها ‏(‏مخلوقة حقيقة‏)‏ ليس في ذلك توقف، ‏(‏دون‏)‏ القرآن الذي هو ‏(‏كلام‏)‏ الله تعالى ‏(‏بارئ الخليقة‏)‏‏.‏
قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى‏:‏ يتوجه العبد لله تعالى بالقرآن خمسة أوجه، وهو فيها غير مخلوق‏:‏ حفظ بقلب، وتلاوة بلسان، وسمع بأذن، ونظرة ببصر، وخط بيد‏.‏ فالقلب مخلوق، والمحفوظ غير مخلوق، والتلاوة مخلوقة، والمتلو غير مخلوق، والسمع مخلوق، والمسموع غير مخلوق، والنظر مخلوق، والمنظور إليه غير مخلوق، والكتابة مخلوقة، والمكتوب غير مخلوق‏.‏ انتهى‏.‏
فأعمال العباد مخلوقة، والقرآن حيثما تصرف، وأين كتب، وحيث تلي، كلام الله تعالى غير مخلوق‏.‏
جلت صفات ربنا الرحمن *** عن وصفها بالخلق والحدثان‏.‏
فليس من صفات الله تعالى شيء مخلوق، تعالى الله عن ذلك، وتعالى عن أن تكون ذاته محلا للمخلوقات، بل هو الأول بأسمائه وصفاته قبل كل شيء، والآخر بأسمائه وصفاته بعد كل شيء، لم يسبق شيء من صفاته بالعدم، ولم يعقب بالفناء، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا‏.‏
‏(‏فالصوت‏)‏ من جهوري وخفي، ‏(‏والألحان‏)‏ من حسن وغيره ‏(‏صوت القاري، لكنما المتلو‏)‏ المؤدى بذلك الصوت هو ‏(‏قول الباري‏)‏ جل وعلا‏.‏
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي صلى الله عليه وسلم يتغنى بالقرآن‏.‏ ولابن ماجه بإسناد جيد، عن فضالة بن عبيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن، من صاحب القينة إلى قينته‏.‏
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ غنوا بالقرآن، ليس منا من لم يغن بالقرآن، وابكوا فإن لم تقدروا على البكاء، فتباكوا‏.‏
رواه البغوي، ولأبي داود نحوه، وله عن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ليس منا من لم يتغن بالقرآن‏.‏ وله وللنسائي، وابن ماجه بإسناد جيد، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ زينوا القرآن بأصواتكم‏.‏
وفي الصحيحين، عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا، أو قراءة منه‏.‏ الحديث‏.‏
ولابن ماجه، عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ، حسبتموه يخشى الله‏.‏ ولأبي عبيد، عن حذيفة بن اليمان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم‏.‏
وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود‏.‏ ففي جميع هذه الأحاديث التصريح بإضافة الصوت والألحان والتغني إلى العبد؛ لأنه عمله، والقرآن المؤدى بذلك الصوت هو كلام الله حقيقة، وكذلك المهارة بالقرآن، والتتعتع فيه هو فعل العبد وسعيه لما في الصحيح، عن عائشة رضي الله عنها- قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق له أجران‏.‏ وهذا الفرق واضح، ولله الحمد‏.‏
وعليه أهل السنة والحديث كأحمد بن حنبل، وأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وغيرهما- رحمهم الله تعالى، ولو كان الصوت هو نفس المتلو المؤدى به كما يقوله أهل الاتحاد، لكان كل من سمع القرآن من أي تال وبأي صوت كليم الرحمن، فلا مزية لموسى عليه السلام على غيره، اللهم لك الحمد، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب‏.‏
‏(‏مسألة‏)‏‏:‏ اشتهر عن السلف الصالح كأحمد بن حنبل، وهارون الفروي، وجماعة أئمة الحديث أن اللفظية جهمية، واللفظية هم من قال‏:‏ لفظي بالقرآن مخلوق‏.‏ قال أئمة السنة- رحمهم الله تعالى‏:‏ ومن قال‏:‏ لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع، يعنون غير بدعية الجهمية، وذلك لأن اللفظ يطلق على معنيين‏:‏ أحدهما الملفوظ به، وهو القرآن، وهو كلام الله، ليس فعلا للعبد ولا مقدورا له، والثاني التلفظ، وهو فعل العبد وكسبه وسعيه، فإذا أطلق لفظ الخلق على المعنى الثاني، شمل الأول، وهو قول الجهمية، وإذا عكس الأمر بأن قال‏:‏ لفظي بالقرآن غير مخلوق، شمل المعنى الثاني، وهي بدعة أخرى من بدع الاتحادية‏.‏ وهذا ظاهر عند كل عاقل، فإنك إذا سمعت رجلا يقرأ ‏(‏قل هو الله أحد‏)‏ تقول‏:‏ هذا لفظ سورة الإخلاص، وتقول‏:‏ هذا لفظ فلان بسورة الإخلاص، إذ اللفظ معنى مشترك بين التلفظ الذي هو فعل العبد، وبين الملفوظ به الذي هو كلام الله، عزوجل‏.‏
وهذا بخلاف ما ذكر السلف بقولهم‏:‏ الصوت صوت القاري، والكلام كلام الباري، فإن الصوت معنى خاص بفعل العبد، لا يتناول المتلو المؤدى بالصوت البتة، ولا يصلح أن تقول هذا صوت قل هو الله أحد، ولا يقول ذلك عاقل، وإنما تقول هذا صوت فلان، يقرأ قل هو الله أحد، ونحو ذلك‏.‏ نعم، إذا سمع كلام الله عز وجل منه تعالى بدون واسطة، كسماع موسى عليه الصلاة والسلام، وسماع جبريل عليه السلام، وسماع أهل الجنة كلامه منه عز وجل فحينئذ التلاوة والمتلو صفة الباري عز وجل ليس منها شيء مخلوق‏.‏
تعالى الله علوا كبيرا‏.‏ ‏(‏ما قاله لا يقبل التبديلا‏)‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏ما يبدل القول لدي‏)‏، ‏(‏ق 29‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته‏)‏، ‏(‏الكهف 27‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم‏)‏، ‏(‏الأنعام 115‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لا تبديل لكلمات الله‏)‏، ‏(‏يونس 64‏)‏‏.‏
‏(‏كلا‏)‏ أي لا يكون ذلك، ‏(‏ولا أصدق منه‏)‏ أي من الله تعالى ‏(‏قيلا‏)‏ أي قولا، وهو تمييز محول عن اسم لا، والتقدير لا قيل أصدق من قيله، قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا‏)‏، ‏(‏النساء 87‏)‏، وقال تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏(‏ومن أصدق من الله قيلا‏)‏، ‏(‏النساء 112‏)‏ أي من أصدق من الله تعالى في حديثه وخبره، ووعده ووعيده‏؟‏ والجواب‏:‏ لا أحد‏.‏
وفي خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ‏.‏ الحديث‏.‏
وقد روى الثقات عن خير الملا *** بأنه عز وجل وعلا
في ثلث الليل الأخير ينزل *** يقول هل من تائب فيقبل
هل من مسيء طالب للمغفرة *** يجد كريما قابلا للمعذرة
يمن بالخيرات والفضائل *** ويستر العيب ويعطي السائل‏.‏
أي، ومما يجب الإيمان به وإثباته، وإمراره كما جاء صفة النزول للرب عز وجل كما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة عن فضلاء الصحابة كأبي بكر الصديق، وعلى بن أبي طالب، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وعمرو بن عبسة، ورفاعة الجهني، وعثمان بن أبي العاص الثقفي، وأبي الدرداء، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وأبي الخطاب، وعمر بن عامر السلمي، وغيرهم رضي الله عنهم‏.‏
فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ينزل الله ليلة النصف من شعبان، فيغفر لكل نفس إلا إنسان في قلبه شحناء أو شرك‏.‏ رواه جماعة، عن ابن وهب‏.‏ وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لولا أن أشق على أمتى، لأخرت العشاء الأخيرة إلى ثلث الليل، فإنه إذا مضى ثلث الليل، هبط الله عز وجل إلى سماء الدنيا لم يزل بها حتى يطلع الفجر، فيقول‏:‏ ألا سائل يعطى، ألا داع فيجاب، ألا مذنب يستغفر فيغفر له، ألا سقيم يستشفي فيشفى‏.‏ رواه الطبراني في السنة‏.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، فيقول‏:‏ من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له‏.‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏
وفي رواية عن أبي هريرة، وأبي سعيد رضي الله عنهما‏:‏ أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ إن الله يمهل، حتى إذا كان ثلث الليل، هبط إلى السماء الدنيا، فنادى‏:‏ هل من مذنب يتوب‏؟‏ هل من مستغفر‏؟‏ هل من سائل‏؟‏
وفي مسند أحمد رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ينزل الله كل ليلة إذا مضى ثلث الليل الأول، فيقول‏:‏ أنا الملك، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له‏.‏
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في النزول قد تعددت طرقه في الصحيحين وسائر الأمهات، وقد ساقه إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد من أكثر من ثلاثين طريقا، عن أبي هريرة رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، وله في كل سماء كرسي، فإذا نزل إلى سماء الدنيا، جلس على كرسيه، ثم مد ساعديه فيقول‏:‏ من ذا الذي يقرض غير عديم ولا ظلوم، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، من ذا الذي يتوب فأتوب عليه، فإذا كان عند الصبح، ارتفع فجلس على كرسيه‏.‏ رواه ابن منده، قال‏:‏ وله أصل مرسل‏.‏
وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة، فيقول جل جلاله‏:‏ هل من سائل فأعطيه‏؟‏ هل من مستغفر فأغفر له‏؟‏ حديث صحيح، رواه النسائي، وأبو الوليد الطيالسي‏.‏
وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا لثلث الليل، فيقول‏:‏ ألا عبد من عبيدي يدعوني فأستجيب له‏؟‏ أو ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له‏؟‏ ألا مقتر عليه رزقه‏؟‏ ألا مظلوم يستنصرني فأنصره‏؟‏ ألا عان يدعوني فأفك عنه‏؟‏ فيكون ذلك مكانه حتى يفيء الفجر، ثم يعلو ربنا عز وجل إلى السماء العليا على كرسيه‏.‏ رواه الدار قطني‏.‏
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن الله تعالى إذا كان ثلث الليل الآخر، نزل إلى سماء الدنيا، ثم بسط يده فقال‏:‏ من يسألني فأعطيه‏؟‏ حتى يطلع الفجر‏.‏ حديث حسن، رواه أحمد في مسنده، ورجاله أئمة‏.‏
ورواه أبو معاوية بلفظ‏:‏ إن الله تعالى يفتح أبواب السماء، ثم يهبط إلى السماء الدنيا، ثم يبسط يده فيقول‏:‏ ألا عبد يسألني فأعطيه‏؟‏ حتى يطلع الفجر‏.‏ وعن رفاعة الجهني قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل، نزل الله إلى سماء الدنيا، فقال‏:‏ لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له‏؟‏ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له‏؟‏ من ذا الذي يسألني فأعطيه‏؟‏ حتى ينفجر الفجر‏.‏ حديث صحيح، رواه أحمد في مسنده‏.‏
وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة فيقول‏:‏ هل من داع فأستجيب له‏؟‏ هل من سائل فأعطيه‏؟‏ هل من مستغفر فأغفر له‏؟‏ وأن داود خرج ذات ليلة، فقال‏:‏ لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه، إلا أن يكون ساحرا أو عشارا‏.‏ رواه الإمام أحمد بنحوه، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ينزل الله تبارك وتعالى في آخر ثلاث ساعات بقين من الليل، ينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت، ثم ينظر في الساعة الثانية في جنة عدن، وهي مسكنه الذي يسكن، لا يكون معه فيها إلا الأنبياء والشهداء والصديقون، وفيها ما لم ير أحد، ولم يخطر على قلب بشر، ثم يهبط في آخر ساعة من الليل يقول‏:‏ ألا مستغفر فأغفر له‏؟‏ ألا سائل فأعطيه‏؟‏ ألا داع فأستجيب له‏؟‏ رواه عثمان بن سعيد الدارمي‏.‏
وروى موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول‏:‏ ألا عبد يدعوني فأستجيب له‏؟‏ ألا ظالم لنفسه يدعوني فأقبله‏؟‏ فيكون كذلك إلى مطلع الصبح، ويعلو على كرسيه‏.‏
وعن أبي الخطاب رضي الله عنه أنه قال، وقد سئل عن الوتر‏:‏ أحب أوتر نصف الليل، فإن الله يهبط من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، فيقول‏:‏ هل من مذنب‏؟‏ هل من مستغفر‏؟‏ هل من داع‏؟‏ حتى إذا طلع الفجر ارتفع‏.‏ رواه محمد بن سعد في طبقاته‏.‏ وعن عمرو بن عامر السلمي رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا ذهب ثلث الليل، أو قال نصف الليل، ينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول‏:‏ هل من عان فأفكه‏؟‏ هل من سائل فأعطيه‏؟‏ هل من داع فأستجيب له‏؟‏ هل من مستغفر فأغفر له‏؟‏ رواه ابن منده‏.‏
وعن عبيد بن السباق أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ينزل ربنا من آخر الليل، فينادي مناد في السماء العليا‏:‏ ألا نزل الخالق العليم، فيخرج أهل السماء وينادي فيهم مناد بذلك، فلا يمر بأهل السماء إلا وهم سجود‏.‏ رواه أبو داود‏.‏
وروى أبو اليمان، ويحيى بن كثير، وعبد الصمد بن النعمان، ويزيد بن هارون، وهذا سياق حديثه، أخبرنا حريز بن عثمان، حدثنا سليم بن عامر، عن عمرو بن عبسة قال‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ يا رسول الله جعلني الله فداك، شيء تعلمه وأجهله، ينفعني ولا يضرك، ما ساعة أقرب من ساعة، وما ساعة تبقى فيها‏؟‏ يعني الصلاة، فقال‏:‏ يا عمرو بن عبسة، لقد سألتني عن شيء، ما سألني عنه أحد قبلك‏.‏ إن الرب تعالى يتدلى من جوف الليل فيغفر، إلا ما كان من الشرك والبغي، والصلاة مشهودة حتى تطلع الشمس، فإنها تطلع على قرن الشيطان، وهي صلاة الكفار، فأقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس، فإذا استعلت الشمس، فالصلاة مشهودة حتى يعتدل النهار، فإذا اعتدل النهار، فأخر الصلاة، فإنها حينئذ تسجر جهنم، فإذا فاء الفيء، فالصلاة مشهودة حتى تدلى للغروب، فإنها تغيب بين قرني الشيطان، فأقصر عن الصلاة حتى تجب الشمس‏.‏ وهو في مسلم مطولا‏.‏
قلت‏:‏ وهذا في معنى قوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا‏)‏، ‏(‏الإسراء 77- 78‏)‏، وفي كتاب السنة للخلال، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا ثلث الليل الأوسط، فيقول‏:‏ من يدعوني فأستجيب له‏؟‏ ومن يسألني فأعطيه‏؟‏ ويترك أهل الحقد لحقدهم‏.‏ وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ إن الله عز وجل ينزل في ثلاث ساعات بقين من الليل، يفتح الذكر من الساعة الأولى، لم يره أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت ما شاء، ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، ولا يسكنها من بني آدم غير ثلاثة‏:‏ النبيين، والصديقين، والشهداء، ثم يقول‏:‏ طوبى لمن دخلك، ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته، فينتفض فيقول‏:‏ قيومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول‏:‏ هل من مستغفر أغفر له‏؟‏ هل من داع أجيبه‏؟‏ حتى تكون صلاة الفجر‏.‏
وكذلكم يقول‏:‏ ‏(‏وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا‏)‏، فيشهده الله وملائكة الليل والنهار‏.‏ رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد، وقد تقدم قريبا بغير هذا اللفظ‏.‏ وله عن القاسم بن محمد، عن أبيه أو عمه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ينزل الله تعالى ليلة النصف، فيغفر للمؤمنين‏.‏ الحديث‏.‏
رواه ابن زنجويه‏.‏ وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا كان ليلة النصف من شعبان، هبط الله تعالى إلى سماء الدنيا، فيغفر لأهل الأرض إلا كافر أو مشاحن‏.‏ رواه محمد بن الفضل البخاري‏.‏ وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في النصف من شعبان، فيغفر لأهل الأرض إلا لكافر أو مشاحن‏.‏ قلت‏:‏ ولا منافاة بين أحاديث تخصيص النزول بليلة النصف من شعبان، وبين الأحاديث القاضية أنه كل ليلة، فإن النزول في ليلة النصف من شعبان مطلق، والنزول في كل ليلة مقيد بالنصف في لفظ، وبالثلث في آخر، على أنه ليس في تخصيص النزول بنصف شعبان نفي له فيما عداها، والأحاديث التي فيها النزول كل ليلة أكثر وأشهر، وأصح بلا شك ولا مرية‏.‏
وقد ثبت النزول أيضا في عشية عرفة كما روى ابن أبي حاتم من حديث أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا كان عرفة، فإن الله ينزل إلى سماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة فيقول‏:‏ انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا، أشهدكم أني قد غفرت لهم‏.‏
ورواه الخلال في السنة من حديث أبي النضر، عن أيوب، عن أبي الزبير، عنه يرفعه‏:‏ أفضل أيام الدنيا أيام العشر‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، ولا مثلهن في سبيل الله‏؟‏ قال‏:‏ إلا من عفر وجهه في التراب، إن عشية عرفة ينزل الله إلى سماء الدنيا، فيقول للملائكة‏:‏ انظروا إلى عبادي هؤلاء شعثا غبرا، جاءوا من كل فج عميق ضاحين، يسألوني رحمتي، فلا يرى يوما أكثر عتيقا ولا عتيقة‏.‏
وروى خلاد بن يحيى، حدثنا عبد الوهاب، عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجلان‏:‏ أحدهما أنصاري، والآخر ثقفي، فذكر الحديث‏.‏ وفيه‏:‏ إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول للملائكة‏:‏ هؤلاء عبادي جاءوني شعثا غبرا من كل فج عميق، اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم‏.‏ رواه طلحة بن مصرف، عن مجاهد به‏.‏ وقد روي النزول في رمضان، وليس هو نافيا له في غيره، فروى علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن طارق، عن سعيد بن جبير سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول‏:‏ إن الله تبارك وتعالى ينزل في شهر رمضان، إذا ذهب الثلث الأول من الليل، هبط إلى السماء الدنيا، ثم قال‏:‏ هل من سائل يعطى‏؟‏ هل من مستغفر يغفر له‏؟‏ هل من تائب يتاب عليه‏؟‏
وروى عبيد الله بن موسى‏:‏ قال ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏)‏، ‏(‏إبراهيم 27‏)‏ قال‏:‏ ينزل الله إلى السماء الدنيا في شهر رمضان، يدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء غير الشقاوة والسعادة والموت والحياة‏.‏
وإسناده حسن، وهذا الموقوف له حكم المرفوع عند المحدثين؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، وقد ثبت النزول لفصل القضاء وللتجلي لأهل الجنة، كما ستأتي الأحاديث إن شاء الله تعالى في ذلك‏.‏
ونحن نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب- جل وعلا- من غير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يصف كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله- جل وعلا- لم يترك ولا نبيه صلى الله عليه وسلم بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، كما يشاء ربنا، وعلى ما يليق بجلاله وعظمته عز وجل غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية النزول، فنسير بسير النصوص حيث سارت، ونقف معها حيث وقفت، لا نعدوها إن شاء الله تعالى ولا نقصر عنها، وقد تكلفت جماعة من مثبتي المتكلمين، فخاضوا في معنى ذلك، وفي ذلك الانتقال وعدمه، وفي خلو العرش منه وعدمه نفيا وإثباتا، وذلك تكلف منهم، ودخول فيما لا يعنيهم، وهو ضرب من التكييف، لم يأت في لفظ النصوص، ولم يسأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذلك حين حدثهم بالنزول، فنحن نؤمن بذلك نصدق به كما آمنوا وصدقوا، فإن قال لنا متعنت أو متنطع‏:‏ يلزم من إثبات كذا كيت وكيت في أي شيء من صفات الله، قلنا له‏:‏ أنت لا تلزمنا نحن فيما تدعيه، وإنما تلزم قائل ذلك، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏ فإن كان ذلك لازما لما قاله حقيقة، وجب الإيمان به، إذ لازم الحق حق، وإن لم يك ذلك لازما له، فأنت معترض على النبي صلى الله عليه وسلم ، كاذب عليه متقدم بين يديه‏.‏
وروى البيهقي، عن الحاكم، عن محمد بن صالح بن هانئ، سمع أحمد بن سلمة، سمعت إسحاق بن راهويه يقول‏:‏ جمعني وهذا المبتدع- يعني‏:‏ إبراهيم بن أبي صالح- مجلس الأمير عبد الله بن طاهر، فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها، فقال ابن أبي صالح‏:‏ كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء‏.‏ فقلت‏:‏ آمنت برب يفعل ما يشاء‏.‏
وقال إسحاق- رحمه الله تعالى‏:‏ دخلت على ابن طاهر، فقال‏:‏ ما هذه الأحاديث، يروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، رواها الثقات الذين يروون الأحكام‏.‏ فقال‏:‏ ينزل، ويدع عرشه‏؟‏ فقلت‏:‏ يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فقلت‏:‏ فلم تتكلم في هذا‏؟‏ وقال إسحاق أيضا‏:‏ قال لي ابن طاهر‏:‏ يا أبا يعقوب، هذا الذي تروونه، ينزل ربنا كل ليلة كيف ينزل‏؟‏ قلت‏:‏ أعز الله الأمير، لا كيف، إنما ينزل بلا كيف‏.‏ وقال أحمد بن سعيد الرباطي‏:‏ حضرت مجلس ابن طاهر، وحضر إسحاق فسئل عن حديث النزول أصحيح هو‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فقال له بعض القواد‏:‏ كيف ينزل‏؟‏ فقال‏:‏ أثبته فوق حتى أصف لك النزول‏؟‏ فقال الرجل‏:‏ أثبته فوق‏؟‏ فقال إسحاق‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏وجاء ربك والملك صفا صفا‏)‏، ‏(‏الفجر 22‏)‏ فقال ابن طاهر‏:‏ هذا يا أبا يعقوب يوم القيامة‏.‏ فقال‏:‏ ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم‏؟‏ ا هـ من كتاب العلو‏.‏
وهذا الذي قاله إسحاق رحمه الله تعالى هو الذي عليه عامة أهل السنة والجماعة، كما قدمنا عنهم في جميع نصوص الصفات، وأن مذهبهم إمرارها كما جاءت، والإيمان بها بلا كيف‏.‏
وأنه يجيء يوم الفصل *** كما يشاء للقضاء العدل‏.‏
قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور‏)‏، ‏(‏البقرة 90‏)‏، وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏هل ينظرون إلا أن يأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك‏)‏، ‏(‏الأنعام 158‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا‏)‏، ‏(‏الفرقان 25‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا‏)‏، ‏(‏الفجر 21- 22‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأشرقت الأرض بنور ربها‏)‏ ‏(‏الزمر 69‏)‏‏.‏
وفي حديث الصور المشهور الذي ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد، وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه‏:‏ إن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات، تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدا واحدا، من آدم فمن بعده، فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإذا جاءوا إليه، قال‏:‏ أنا لها أنا لها، فيذهب فيسجد لله تعالى تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد، فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعدما تنشق السماء الدنيا، وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية ثم الثالثة إلى السابعة، وينزل حملة العرش والكروبيون، قال‏:‏ وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام ولهم زجل من تسبيحهم، يقولون‏:‏ سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبوح قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطة والعظمة، سبحانه سبحانه أبدا أبدا‏.‏ وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي‏.‏ رواه ابن منده، وقال الذهبي‏:‏ إسناده حسن‏.‏
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إذا كان يوم القيامة، نزل الرب إلى العباد‏.‏ رواه مسلم‏.‏ وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها- قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ يهبط الرب تعالى من السماء السابعة إلى المقام الذي هو قائمه، ثم يخرج عنق من النار فيظل الخلائق كلهم، فيقول‏:‏ أمرت بكل جبار عنيد، ومن زعم أنه عزيز كريم، ومن دعا مع الله إلها آخر‏.‏ رواه أبو أحمد العسال في كتاب السنة‏.‏ وفي الصحيحين من حديث الشفاعة عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه‏:‏ يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول‏:‏ من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها، أو منافقوها، شك إبراهيم- يعني‏:‏ ابن سعد الراوي، عن ابن شهاب- فيأتيهم الله تعالى فيقول‏:‏ أنا ربكم‏.‏ فيقولون‏:‏ هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول‏:‏ أنا ربكم، فيقولون‏:‏ أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهري جهنم‏.‏ وذكر الحديث بطوله‏.‏ ولهما نحوه من حديث أبي سعيد، وفيه‏:‏ حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، فيقال لهم‏:‏ ما يحبسكم وقد ذهب الناس‏؟‏ فيقولون‏:‏ فارقناهم، ونحن أحوج منا إليهم اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال‏:‏ فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول‏:‏ أنا ربكم، فيقولون‏:‏ أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء‏.‏ فيقول‏:‏ هل بينكم وبينه آية تعرفونه‏؟‏ فيقولون‏:‏ الساق، فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا‏.‏ وذكر الحديث، والأحاديث في هذا كثيرة‏.‏ قال الذهبي- رحمه الله تعالى‏:‏ أحاديث نزول الباري متواترة، قد سقت طرقها، وتكلمت عليها بما أسأل عنه يوم القيامة‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 04:23 PM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة
وإنه يرى بلا إنكار *** في جنة الفردوس بالأبصار
كل يراه رؤية العيان *** كما أتى في محكم القرآن
وفي حديث سيد الأنام *** من غير ما شك ولا إيهام
رؤية حق ليس يمترونها *** كالشمس صحوا لا سحاب دونها وخص بالرؤية أولياؤه *** فضيلة وحجبوا أعداؤه‏.‏
قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة‏)‏، ‏(‏القيامة 23- 24‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏)‏، ‏(‏يونس 26‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد‏)‏، ‏(‏ق 35‏)‏، وقال تعالى في شأن الكفار‏:‏ ‏(‏كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون‏)‏، ‏(‏المطففين 15‏)‏ فإذا حجب أولياؤه، فأي فضيلة لهم على أعدائه‏؟‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم‏)‏، ‏(‏يس 55- 58‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون‏)‏، ‏(‏المطففين 23‏)‏، وهذه الآيات صريحة الدلالة على رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى لا تقبل تحريفا ولا تأويلا، ولا يردها إلا مكابر قد ختم الله على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله‏.‏
وقد تواترت الأحاديث بمعنى ما تضمنته هذه الآيات، رواها أئمة السنة والحديث في دواوين الإسلام، عن فضلاء الصحابة وأجلائهم، كأبي بكر الصديق، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وجرير بن عبد الله، وصهيب، وابن مسعود، وعلى بن أبي طالب، وأبي موسى، وأنس، وبريدة بن الحصيب، وأبي رزين، وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة، وعبد الله بن عمر، وعمار بن رويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وأبي الدرداء، وفضالة بن عبيد، وعدي بن أرطأة، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم رضي الله عنهم‏.‏ وهذا أوان سردها، فألق سمعك، وأحضر قلبك، وتأملها تأمل طالب للحق لا نافر عنه، وكن من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وإياك وسوء الظن بكلام الله وكلام رسوله، فذلك الهلكة، وما ضل من ضل، وهلك من هلك إلا لسوء ظنه بالكتاب والسنة، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به‏.‏
فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال‏:‏ أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فصلى الغداة، فجلس حتى إذا كان الضحى ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جلس مكانه حتى صلى الأولى، والعصر والمغرب، كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الأخيرة، ثم قام إلى أهله، فقال الناس لأبي بكر رضي الله عنه‏:‏ ألا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنه‏؟‏ صنع اليوم شيئا لم يصنعه قط‏.‏ قال‏:‏ فسأله فقال‏:‏ نعم، عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا والآخرة، فجمع الأولون والآخرون في صعيد واحد، فقطع الناس بذلك حتى انطلقوا إلى آدم صلى الله عليه وسلم والعرق يكاد يلجمهم، فقالوا‏:‏ يا آدم، أنت أبو البشر، وأنت اصطفاك الله عز وجل، اشفع لنا إلى ربك عز وجل‏.‏ قال‏:‏ لقد لقيت مثل الذي لقيتم، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم، إلى نوح ‏(‏إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين‏)‏، ‏(‏آل عمران 33‏)‏ قال‏:‏ فينطلقون إلى نوح صلى الله عليه وسلم فيقولون‏:‏ اشفع لنا إلى ربك، فأنت اصطفاك الله، واستجاب لك في دعائك، ولم يدع على الأرض من الكافرين ديارا، فيقول‏:‏ ليس ذلكم عندي، انطلقوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فإن الله اتخذه خليلا، فينطلقون إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فيقول‏:‏ ليس ذلكم عندي، انطلقوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل كلمه تكليما، فيقول موسى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ليس ذلكم عندي، انطلقوا إلى عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فيقول عيسى‏:‏ ليس ذلكم عندي، انطلقوا إلى سيد ولد آدم، انطلقوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فليشفع لكم إلى ربكم عز وجل‏.‏ قال‏:‏ فينطلق فيأتي جبريل ربه تبارك وتعالى فيقول الله عز وجل‏:‏ ائذن له وبشره بالجنة‏.‏ فينطلق به جبريل صلى الله عليه وسلم فيخر ساجدا قدر جمعة، ويقول الله عز وجل‏:‏ ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع‏.‏ قال‏:‏ فيرفع رأسه، فإذا نظر إلى وجه ربه عز وجل خر ساجدا قدر جمعة أخرى، فيقول الله عز وجل‏:‏ ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع‏.‏ قال‏:‏ فيذهب ليضع ساجدا، فيأخذ جبريل بضبعيه، فيفتح الله عليه من الدعاء شيئا لم يفتحه على بشر قط، فيقول‏:‏ أي رب، خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، حتى إنه يرد على الحوض أكثر مما بين صنعاء وأيلة، ثم يقال‏:‏ ادعوا الصديقين فيشفعون، ثم يقال ادعوا الأنبياء‏.‏ قال‏:‏ فيجيء النبي ومعه العصابة، والنبي ومعه الخمسة والستة، والنبي وليس معه أحد، ثم يقال ادعوا الشهداء، فيشفعون لمن أرادوا‏.‏ قال‏:‏ فإذا فعلت الشهداء ذلك، قال‏:‏ فيقول الله عز وجل‏:‏ أنا أرحم الراحمين، أدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئا‏.‏ قال‏:‏ فيدخلون الجنة‏.‏ قال‏:‏ ثم يقول الله عز وجل‏:‏ انظروا في أهل النار هل تلقون من عمل خيرا قط‏؟‏ قال‏:‏ فيجدون في النار رجلا‏.‏ فيقولون له‏:‏ هل عملت خيرا قط‏؟‏ فيقول‏:‏ لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع‏.‏ فيقول الله عز وجل‏:‏ اسمحوا لعبدي بسماحته إلى عبيدي، ثم يخرجون من النار رجلا، فيقولون له‏:‏ هل عملت خيرا قط‏؟‏ فيقول‏:‏ لا، غير أني أمرت ولدي، إذا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني حتى إذا كنت مثل الكحل، فاذهبوا بي إلى البحر فاذروني في الريح، فوالله لا يقدر علي رب العالمين أبدا‏.‏ فقال الله عز وجل له‏:‏ لم فعل ذلك‏؟‏ قال‏:‏ من مخافتك‏.‏ قال‏:‏ فيقول الله عز وجل‏:‏ انظر إلى ملك أعظم ملك، فإن لك مثله وعشرة أمثاله‏.‏ قال‏:‏ فيقول أتسخر بي، وأنت الملك‏؟‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ وذلك الذي ضحكت منه الضحى‏.‏ رواه الإمام أحمد- رحمه الله تعالى‏.‏
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن ناسا قالوا‏:‏ يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر‏؟‏ قالوا‏:‏ لا يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول‏:‏ من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول‏:‏ أنا ربكم‏.‏ فيقولون‏:‏ نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا عز وجل، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله عز وجل في صورته التي يعرفون، فيقول‏:‏ أنا ربكم‏.‏ فيقولون‏:‏ أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يخير، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ‏:‏ اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله عز وجل تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المجازى، فإذا فرغ الله تعالى من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا، ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله، فيعرفونهم بأثر السجود، وتأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار ان تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، وهو آخر أهل الجنة دخولا الجنة، فيقول‏:‏ أي رب، اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها، وأحدقني ذكاؤها، فيدعو الله ما شاء أن يدعوه، ثم يقول الله تبارك وتعالى‏:‏ هل عسيت إن فعلت ذلك أن تسأل غيره‏؟‏ فيقول‏:‏ لا أسألك غيره، فيعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله، فيصرف وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول‏:‏ أي رب، قدمني إلى باب الجنة‏.‏ فيقول الله تعالى‏:‏ أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك‏؟‏ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك‏.‏ فيقول‏:‏ أي رب، فيدعو الله حتى يقول له‏:‏ فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره‏؟‏ فيقول لا وعزتك، فيعطي ربه ما شاء من عهود ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام على باب الجنة، انفهقت له الجنة، فيرى ما فيها من الخير والسرور، فسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول‏:‏ أي رب، أدخلني الجنة‏.‏ فيقول الله تبارك وتعالى‏:‏ أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير ما أعطيت، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك‏.‏ فيقول‏:‏ أي رب، لا أكون أشقى خلقك‏.‏ فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك الله منه قال‏:‏ ادخل الجنة، فإذا دخلها قال الله له‏:‏ تمن‏.‏ فيسأل ربه ويتمنى، حتى إن الله ليذكره، فيقول له‏:‏ تمن كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله عز وجل‏:‏ ذلك لك ومثله معه‏.‏ قال أبو سعيد‏:‏ وعشرة أمثاله معه‏.‏ قال عطاء بن يزيد‏:‏ وأبو سعيد مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئا، حتى إذا حدث أبو هريرة قال‏:‏ إن الله عز وجل قال لذلك الرجل‏:‏ ومثله‏.‏
قال أبو سعيد‏:‏ وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه‏.‏ قال أبو سعيد‏:‏ أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله‏:‏ ذلك لك وعشرة أمثاله‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ وذلك آخر أهل الجنة دخولا الجنة‏.‏
ولهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ نعم، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس فيها سحاب‏؟‏ قالوا‏:‏ لا يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ ما تضارون في رؤيته تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن‏:‏ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبرات أهل الكتاب، فتدعى اليهود فيقال لهم‏:‏ ما كنتم تعبدون‏؟‏ قالوا‏:‏ كنا نعبد عزير ابن الله‏.‏ فيقال‏:‏ كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد‏.‏ فماذا تبغون‏؟‏ قالوا‏:‏ عطشنا يا ربنا، فاسقنا‏.‏ فيشار إليهم ألا تردون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، ثم يقال للنصارى ما كنتم تعبدون‏؟‏ فيقولون‏:‏ كنا نعبد المسيح ابن الله‏.‏ فيقال‏:‏ كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد‏.‏ فيقال لهم‏:‏ ماذا تبغون‏؟‏ فيقولون‏:‏ عطشنا يا ربنا فاسقنا‏.‏ فيشار إليهم ألا تردون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين- سبحانه وتعالى- في أدنى صورة من التي رأوه فيها‏.‏ قال‏:‏ فما تنتظرون‏؟‏ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد‏.‏ قالوا‏:‏ يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم‏.‏ فيقول‏:‏ أنا ربكم‏.‏ فيقولون‏:‏ نعوذ بالله منك، ولا نشك بالله شيئا ‏(‏مرتين أو ثلاثا‏)‏ حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب‏.‏ فيقول‏:‏ هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول‏:‏ أنا ربكم‏.‏ فيقولون‏:‏ أنت ربنا، ثم يضرب لهم الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول الله، وما الجسر‏؟‏ قال‏:‏ دحض مزلة، وخطاطيف، وكلاليب، وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل، والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة في استيفاء الحق من المؤمنين لله تعالى يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون‏:‏ ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون معنا ويحجون، فيقال لهم‏:‏ أخرجوا من عرفتم، فيحرم صورهم على النار‏.‏ فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه‏.‏ فيقولون‏:‏ ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا‏.‏ فيقول‏:‏ ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون‏:‏ ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا، ثم يقال‏:‏ ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون‏:‏ ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا، ثم يقال‏:‏ ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون‏:‏ ربنا لم نذر فيها خيرا قط‏.‏
وكان أبو سعيد رضي الله عنه يقول‏:‏ إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرءوا إن شئتم ‏(‏إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما‏)‏، ‏(‏النساء 40‏)‏، فيقول الله عز وجل‏:‏ شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو الشجر، ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل أبيض‏؟‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية‏.‏ قال‏:‏ فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة، فيقول أهل الجنة‏:‏ هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول‏:‏ ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم‏.‏ فيقولون‏:‏ ربنا، أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين‏.‏ فيقول‏:‏ لكم عندي أفضل من هذا‏.‏ فيقولون‏:‏ يا ربنا، وأي شيء أفضل من هذا‏؟‏ فيقول تعالى‏:‏ رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا‏.‏
وفيهما عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال‏:‏ إنكم سترون ربكم عيانا، كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا‏.‏
وفي صحيح مسلم، عن صهيب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله عز وجل‏:‏ تريدون شيئا أزيدكم‏؟‏ يقولون‏:‏ ألم تبيض وجوهنا‏؟‏ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار‏؟‏ قال‏:‏ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا هذه الآية ‏(‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏)‏‏.‏
وللطبراني، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله عز وجل في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي مناد‏:‏ أيها الناس، ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم، وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا أن يولى كل أناس منكم ما كانوا يتولون، ويعبدون في الدنيا، أليس ذلك عدلا من ربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا، قال‏:‏ فينطلقون، ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون، قال‏:‏ ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير، ويبقى محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فيأتيهم الرب عز وجل فيقول‏:‏ ما بالكم لا تنطلقون كما انطلق الناس‏؟‏ قال‏:‏ فيقولون‏:‏ إن لنا إلها ما رأيناه بعد‏.‏ فيقول‏:‏ هل تعرفونه إن رأيتموه‏؟‏ فيقولون‏:‏ إن بيننا وبينه علامة، إذا رأيناها عرفناه‏.‏ قال‏:‏ فيقول‏:‏ ما هي‏؟‏ فيقولون‏:‏ يكشف عن ساق، فعند ذلك يكشف عن ساق، فيخرون له سجدا، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون، ثم يقول‏:‏ ارفعوا رءوسكم، فيرفعون رءوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطي نوره على قدر الجبل العظيم يسعى بين أيديهم، ومنهم من يعطى نورا أصغر من ذلك، ومنهم من يعطى نورا مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نورا أصغر من ذلك، حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ مرة، فإذا أضاء قدم قدمه ومشى، وإذا طفيء قام، والرب تبارك وتعالى أمامهم، حتى يمر في النار، فيبقى أثره كحد السيف، قال ويقول‏:‏ مروا، فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الفرس، ومنهم من يمر كشد الرجل، حتى يمر الذي أعطي نورا على قدر إبهام قدمه، يحبو على وجهه ويديه ورجليه، تجر يد وتعلق يد، تجر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، فإذا خلص وقف عليها، ثم قال‏:‏ الحمد لله، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحدا، إذ نجاني منها بعد أن رأيتها‏.‏ قال‏:‏ فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة، فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم، فيرى ما في الجنة من خلال الباب، فيقول‏:‏ رب أدخلني الجنة‏.‏ فيقول الله تبارك وتعالى له‏:‏ أتسأل الجنة، وقد نجيتك من النار‏؟‏ فيقول‏:‏ يا رب، اجعل بيني وبينها حجابا لا أسمع حسيسها‏.‏ قال‏:‏ فيدخل الجنة‏.‏ قال‏:‏ فيرى أو يرفع له منزل أمام ذلك، كأنما الذي هو فيه إليه حلم ليدخله، فيقول‏:‏ رب أعطني ذلك المنزل، فيقول‏:‏ فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره‏.‏ فيقول‏:‏ لا وعزتك لا أسأل غيره، وأي منزل يكون أحسن منه‏.‏ قال‏:‏ فيعطاه فينزله‏.‏ قال‏:‏ ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر ليدخله، فيقول‏:‏ أي رب، أعطني ذلك المنزل‏.‏ فيقول الله عز وجل‏:‏ فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره‏.‏ قال‏:‏ لا وعزتك لا أسأل غيره، وأي منزل يكون أحسن منه‏؟‏ قال‏:‏ فيعطاه فينزله‏.‏ قال‏:‏ ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر، كأنما الذي هو فيه إليه حلم، فيقول‏:‏ + يا رب، أعطني ذلك المنزل‏.‏ فيقول الله- جل جلاله‏:‏ فلعلك إن أعطتيكه تسأل غيره‏.‏ قال‏:‏ لا وعزتك لا أسأل غيره، وأي منزل يكون أحسن منه‏؟‏ قال‏:‏ فيعطاه فينزله ثم يسكت‏.‏ فيقول الله عز وجل‏:‏ مالك لا تسأل‏؟‏ فيقول‏:‏ رب قد سألتك حتى استحييتك، وأقسمت لك حتى استحييتك، فيقول الله عز وجل‏:‏ ألا ترضى أن أعطيك مثل الدنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها، وعشرة أضعافه‏؟‏ فيقول‏:‏ أتستهزئ بي وأنت رب العزة‏؟‏ فيضحك الرب عز وجل من قوله‏.‏ قال‏:‏ فرأيت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك‏.‏ فقال له رجل‏:‏ يا أبا عبد الرحمن، قد سمعتك تحدث بهذا الحديث مرارا، كلما بلغت هذا المكان من هذا الحديث ضحكت‏!‏‏.‏ فقال‏:‏ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث بهذا الحديث مرارا، كلما بلغ هذا المكان من الحديث، ضحك حتى تبدو أضراسه‏.‏
قال‏:‏ فيقول الرب عز وجل‏:‏ لا، ولكني على ذلك قادر، سل‏.‏ فيقول‏:‏ ألحقني بالناس‏.‏ فيقول‏:‏ الحق بالناس‏.‏ قال‏:‏ فينطلق يرمل في الجنة، حتى إذا دنا من الناس، رفع له قصر من درة فيخر ساجدا، فيقال له‏:‏ ارفع رأسك، ما لك‏؟‏ فيقول‏:‏ رأيت ربي أو تراءى لي ربي‏؟‏ فيقال‏:‏ إنما هو منزل من منازلك‏.‏ قال‏:‏ ثم يلقى فيها رجلا فيتهيأ للسجود، فيقال له‏:‏ مه‏.‏ فيقول‏:‏ رأيت أنك ملك من الملائكة، فيقول له‏:‏ إنما أنا خازن من خزانك، عبد من عبيدك، تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه‏.‏ قال‏:‏ فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر‏.‏ قال‏:‏ وهو في درة مجوفة، سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها، تستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء، كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى، في كل جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء، عليها سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته، وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة، ازدادت في عينه سبعين ضعفا عما كانت قبل ذلك، فيقول لها‏:‏ والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا، فتقول له‏:‏ والله والله، وأنت لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا‏.‏ فيقال له‏:‏ أشرف‏.‏ قال‏:‏ فيشرف، فيقال له‏:‏ ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصره‏.‏ قال‏:‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ ألا تسمع إلى ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلا، فكيف أعلاهم‏؟‏ قال كعب‏:‏ يا أمير المؤمنين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، إن الله عز وجل جعل دارا فيها ما شاء من الأزواج والثمرات والأشربة، ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه، لا جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قرأ كعب ‏(‏فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون‏)‏ قال‏:‏ وخلق دون ذلك جنتين، وزينهما بما شاء، وأراهما من شاء من خلقه، ثم قال‏:‏ من كان كتابه في عليين، نزل تلك الدار التي لم يرها أحد، حتى إن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فلا تبقى خيمة من خيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه، فيستبشرون بريحه فيقولون‏:‏ واها لهذه الريح، هذا رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكه‏.‏ فقال‏:‏ ويحك يا كعب، هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها‏.‏ فقال كعب‏:‏ والذي نفسي بيده، إن لجهنم يوم القيامة لزفرة، ما يبقى من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر لركبتيه، حتى إن إبراهيم خليل الله يقول‏:‏ رب نفسي نفسي، حتى لو كان لك عمل سبعين نبيا إلى عملك، لظننت أنك لا تنجو‏.‏ قال ابن القيم- رحمه الله تعالى‏:‏ هذا حديث كبير حسن، رواه المصنفون في السنة كعبد الله بن أحمد، والطبراني، والدارقطني، رحمهم الله تعالى‏.‏
وروى يعقوب بن سفيان، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يزور أهل الجنة الرب تبارك وتعالى في كل جمعة‏.‏
وذكر ما يعطون قال‏:‏ ثم يقول الله تبارك وتعالى‏:‏ اكشفوا حجابا، فيكشف حجاب ثم حجاب، ثم يتجلى لهم تبارك وتعالى عن وجهه، فكأنهم لم يروا نعمة قبل ذلك، وهو قوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏ولدينا مزيد‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وما بين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن‏.‏ ولأحمد عنه رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يجمع الله عز وجل الأمم في صعيد واحد يوم القيامة، فإذا بدا لله عز وجل أن يصدع بين خلقه، مثل + لكل قوم ما كانوا يعبدون، فيتبعونهم حتى يقحموهم النار، ثم يأتينا ربنا عز وجل ونحن على مكان رفيع، فيقول‏:‏ من أنتم‏؟‏ فنقول‏:‏ نحن المسلمون‏.‏ فيقول‏:‏ ما تنتظرون‏؟‏ فنقول‏:‏ ننتظر ربنا عز وجل‏.‏ فيقول‏:‏ وهل تعرفونه إن رأيتموه‏؟‏ فنقول‏:‏ نعم، إنه لا عدل له، فيتجلى لنا ضاحكا فيقول‏:‏ أبشروا يا معشر المسلمين، فإنه ليس منكم أحد إلا جعلت في النار يهوديا أو نصرانيا مكانه‏.‏
وفي رواية‏:‏ يتجلى لنا ربنا عز وجل ضاحكا يوم القيامة‏.‏ وللدارقطني عنه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يبعث الله يوم القيامة مناديا بصوت يسمعه أولهم وآخرهم‏:‏ إن الله عز وجل وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه عز وجل‏.‏
رواه الإمام أحمد، وابن وهب‏.‏ وفي صحيح البخاري، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال‏:‏ بينما أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتى إليه رجل، فشكى إليه الفاقة‏.‏ ثم أتى آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال‏:‏ يا عدي، هل رأيت الحيرة‏؟‏ قلت‏:‏ لم أرها وقد أنبئت عنها‏.‏ قال‏:‏ فإن طالت بك حياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله عز وجل‏.‏ قلت فيما بيني وبين نفسي‏:‏ فأين دعار طي الذين سعروا البلاد- ولئن طالت بك حياة، لتفتحن كنوز كسرى‏.‏ قلت‏:‏ كسرى بن هرمز‏؟‏ قال‏:‏ كسرى بن هرمز‏.‏ ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فيقولن‏:‏ ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك‏؟‏ فيقول‏:‏ بلى يا رب‏.‏ فيقول‏:‏ ألم أعطك مالا وأفضل عليك‏؟‏ فيقول‏:‏ بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم‏.‏
قال عدي بن حاتم‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة‏.‏ قال عدي‏:‏ فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ‏.‏
وفي الصحيحين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك، وفي لفظ فيلهمون لذلك، فيقولون‏:‏ لو استشفعنا إلى ربنا عز وجل حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون‏:‏ أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا‏.‏ فيقول‏:‏ لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله عز وجل‏.‏ قال‏:‏ فيأتون نوحا فيقول‏:‏ لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا‏.‏ فيأتون إبراهيم، فيقول‏:‏ لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله تكليما، وأعطاه التوراة‏.‏ فيأتون موسى فيقول‏:‏ لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيقول‏:‏ لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فيأتوني، فأستأذن على ربي فيأذن لي، فإذا أنا رأيته فأقع له ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقال‏:‏ يا محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع‏.‏ فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدا، فيدعني الله ما شاء أن يدعني، ثم يقال‏:‏ ارفع رأسك يا محمد، قل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع‏.‏ فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة‏.‏
قال‏:‏ فلا أدري في الثالثة أو الرابعة قال فأقول‏:‏ يا رب، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود‏.‏ وفي رواية لابن خزيمة‏:‏ يلقى الناس يوم القيامة ما شاء الله أن يلقوه من الحبس، فيقولون‏:‏ انطلقوا بنا إلى آدم، فيشفع لنا إلى ربنا، فذكر الحديث إلى أن قال‏:‏ فينطلقون إلى محمد صلى الله عليه وسلم فأقول‏:‏ أنا لها، فأنطلق حتى أستفتح باب الجنة، فيفتح لي فأدخل، وربي على عرشه فأخر ساجدا‏.‏ وذكر الحديث‏.‏
وفي رواية‏:‏ فأستأذن على ربي، فإذا رأيته وقعت له ساجدا‏.‏ وفي رواية‏:‏ فآتي ربي وهو على سريره، أو كرسيه فأخر له ساجدا‏.‏ وساقه ابن خزيمة بسياق طويل، وقال فيه‏:‏ فأستفتح، فإذا نظرت إلى الرحمن، وقعت له ساجدا‏.‏ وفي حديث أبي هريرة‏:‏ آخذ بحلقة باب الجنة، فيؤذن لي فيستقبلني وجه الجبار- جل جلاله- فأخر له ساجدا‏.‏
وللدارقطني عنه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل‏:‏ ‏(‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏)‏ قال‏:‏ النظر إلى وجه الله عز وجل‏.‏
وله عنه رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه كالمرآة البيضاء يحملها فيها كالنكتة السوداء، فقلت ما هذه التي في يدك يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هذه الجمعة‏.‏ قلت‏:‏ وما الجمعة‏؟‏ قال‏:‏ لكم فيها خير كثير‏.‏ قلت‏:‏ وما يكون لنا فيها‏؟‏ قال‏:‏ يكون عيدا لكم ولقومك من بعدك، ويكون اليهود والنصارى تبعا لكم‏.‏ قلت‏:‏ وما لنا فيها‏؟‏ قال‏:‏ لكم فيها ساعة لا يسأل الله عبد فيها شيئا هو له قسم إلا أعطاه إياه، أو ليس له قسم إلا ذخر له في آخرته ما هو أعظم منه‏.‏ قلت‏:‏ ما هذه النكتة التي فيها‏؟‏ قال‏:‏ هي الساعة، ونحن ندعوه يوم المزيد‏.‏ قلت‏:‏ وما ذاك يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ إن ربك اتخذ في الجنة واديا، فيه كثبان من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة، هبط من عليين على كرسيه، فيحف الكرسي بكراسي من نور، فيجيء النبيون حتى يجلسوا على تلك الكراسي، ويحف الكراسي بمنابر من نور ومن ذهب مكللة بالجواهر، ثم يجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر، ثم ينزل أهل الغرف من غرفهم حتى يجلسوا على تلك الكثبان، ثم يتجلى لهم عز وجل فيقول‏:‏ أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محل كرامتي، فسلوني‏.‏ فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيفتح لهم في ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وذلك بمقدار منصرفكم من الجمعة، ثم يرتفع على كرسيه عز وجل ويرتفع معه النبيون والصديقون، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي لؤلؤة بيضاء، وزبرجدة خضراء، وياقوتة حمراء، غرفها وأبوابها وأنهارها مطردة فيها، وأزواجها وخدامها وثمارها متدليات فيها، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة؛ ليزدادوا نظرا إلى ربهم ويزدادوا منه كرامة‏.‏ هذا حديث كبير عظيم الشأن، رواه أئمة السنة، وتلقوه بالقبول، وجمل به الشافعي مسنده‏.‏ ورواه محمد بن إسحاق، وعمرو بن أبي قيس، وفيه‏:‏ فإذا كان يوم الجمعة نزل على كرسيه، ثم حف الكراسي بمنابر من نور، فيجيء النبيون حتى يجلسوا عليها، ويجيء أهل الغرف حتى يجلسوا على الكثب‏.‏
قال‏:‏ ثم يتجلى لهم ربهم تبارك وتعالى فينظرون إليه فيقول‏:‏ أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محل كرامتي، سلوني‏.‏ فيسألونه الرضا‏.‏ قال‏:‏ رضاي أنزلكم داري، وأنالكم كرامتي، سلوني، فيسألونه الرضا‏.‏
قال‏:‏ فيشهدهم بالرضا، ثم يسألونه حتى تنتهي رغبتهم‏.‏ وذكر الحديث‏.‏
ورواه علي بن حرب، والحسن بن عرفة، وفي روايته‏:‏ ثم يرتفع على كرسيه، ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم‏.‏ ورواه الدارقطني أيضا من طريق آخر، عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ بينا نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال‏:‏ أتاني جبريل في يده كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء، قلت‏:‏ يا جبريل ما هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا يوم الجمعة يعرضه عليك ربك؛ ليكون لك عيدا ولأمتك من بعدك‏.‏ قال‏:‏ قلت يا جبريل، ما هذه النكتة السوداء‏؟‏ قال‏:‏ هي الساعة، وهي تقوم يوم الجمعة، وهو سيد أيام الدنيا، ونحن ندعوه في الجنة يوم المزيد‏.‏ قال‏:‏ قلت يا جبريل، ولم تدعونه يوم المزيد‏؟‏ قال‏:‏ إن الله اتخذ في الجنة واديا، أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة، نزل ربنا عز وجل على كرسيه أعلى ذلك الوادي، وقد حف الكرسي بمنابر من ذهب مكللة بالجوهر، وقد حفت تلك المنابر بكراسي من نور، ثم يؤذن لأهل الغرف فيقبلون، يخوضون كثبان المسك إلى الركب، عليهم أسورة الذهب والفضة وثياب السندس والحرير حتى ينتهوا إلى ذلك الوادي، فإذا اطمأنوا فيه جلوسا، بعث الله عز وجل عليهم ريحا يقال لها المثيرة، فأثارت ينابيع المسك الأبيض في وجوههم وثيابهم، وهم يومئذ جرد مرد مكحلون أبناء ثلاث وثلاثين سنة، على صورة آدم يوم خلقه الله عز وجل‏.‏ فينادي رب العزة تبارك وتعالى رضوانا، وهو خازن الجنة، فيقول‏:‏ يا رضوان، ارفع الحجب بيني وبين عبادي وزواري‏.‏ فإذا رفع الحجب بينه وبينهم فرأوا بهاءه ونوره، هموا له بالسجود‏.‏ فيناديهم تبارك وتعالى بصوته‏:‏ ارفعوا رءوسكم، فإنما كانت العبادة في الدنيا، وأنتم اليوم في دار الجزاء، سلوني ما شئتم، فأنا ربكم الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، فهذا محل كرامتي، فسلوني ما شئتم، فيقولون‏:‏ ربنا، وأي خير لم تفعله بنا، ألست أعنتنا على سكرات الموت، وآنست منا الوحشة في ظلمات القبور، وآمنت وحشتنا عند النفخة في الصور‏؟‏ ألست أقلت عثراتنا، وسترت علينا القبيح من فعلنا، وثبت على جسر جهنم أقدامنا‏؟‏ ألست الذي أدنيتنا من جوارك، وأسمعتنا لذاذة منطقك، وتجليت لنا بنورك‏؟‏ فأي خير لم تفعله بنا‏؟‏ فنعوذ بالله عز وجل فيناديهم بصوته‏:‏ أنا ربكم الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، فسلوني‏.‏ فيقولون‏:‏ نسألك رضاك‏.‏ فيقول تعالى‏:‏ برضائي عنكم أقلتكم عثراتكم، وسترت عليكم القبيح من أموركم، وأدنيت مني جواركم، وأسمعتكم لذاذة منطقي، وتجليت لكم بنوري، فهذا محل كرامتي، فسلوني‏.‏ فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم‏.‏ ثم يقول عز وجل‏:‏ سلوني، فيقولون رضينا ربنا وسلمنا، فيزيدهم من مزيد فضله وكرامته ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويكون ذلك مقدار تفرقهم من الجمعة‏.‏
قال أنس رضي الله عنه‏:‏ فقلت بأبي وأمي يا رسول الله، وما مقدار تفرقهم‏؟‏ قال‏:‏ كقدر الجمعة إلى الجمعة‏.‏ قال‏:‏ ثم يحمل عرش ربنا تبارك وتعالى معهم الملائكة والنبيون، ثم يؤذن لأهل الغرف فيعودون إلى غرفهم، وهما غرفتان من زمردتين خضراوين، وليسوا إلى شيء أشوق منهم إلى الجمعة؛ لينظروا إلى ربهم تبارك وتعالى وليزيدهم من مزيد فضله وكرامته‏.‏
قال أنس رضي الله عنه‏:‏ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيني وبينه أحد‏.‏ ورواه أيضا من طريق آخر‏.‏
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر بن خزيمة، وابن بطة في الإبانة، وغيرهم، وقد جمع ابن أبي داود طرقه‏.‏ ولإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، عن بريدة بن الخصيب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان‏.‏ وللإمام أحمد، وأبي داود عن أبي رزين رضي الله عنه قال‏:‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله، أكلنا يرى ربه عز وجل يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت‏:‏ وما آية ذلك في خلقه‏؟‏ قال‏:‏ أليس كلكم ينظر إلى القمر ليلة البدر‏؟‏ قلنا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ الله أكبر وأعظم‏.‏ وللإمام أحمد، عن جابر رضي الله عنه وقد سئل عن الورود، فقال‏:‏ نحن يوم القيامة على كذا وكذا، أي فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول‏:‏ ومن تنتظرون‏؟‏ فيقولون‏:‏ ننتظر ربنا عز وجل‏.‏ فيقول‏:‏ أنا ربكم‏.‏ فيقولون‏:‏ حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم تبارك وتعالى يضحك‏.‏ قال‏:‏ فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه على جسر جهنم، وعليه كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافق، ثم ينجو المؤمنون، فينجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر، وسبعون ألفا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة حتى يخرج من النار من قال‏:‏ لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتون نبات الشيء في السيل ويذهب حراقه، ثم يسأل حتى يجعل الله له الدنيا وعشرة أمثالها معها‏.‏ ورواه مسلم في صحيحه‏.‏ وفي رواية‏:‏ نحن يوم القيامة على تل مشرفين على الخلائق‏.‏ ذكرها عبد الحق في الجمع بين الصحيحين‏.‏ ولعبد الرزاق عنه رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يتجلى لهم الرب تبارك وتعالى ينظرون إلى وجهه، فيخرون له سجدا، فيقول‏:‏ ارفعوا رءوسكم، فليس هذا بيوم عبادة‏.‏ وللدارقطني عنه رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يتجلى لنا ربنا عز وجل يوم القيامة ضاحكا‏.‏ ولأبي قرة عنه رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إذا كان يوم القيامة، جمعت الأمم‏.‏ فذكر الحديث، وفيه‏:‏ فيقول‏:‏ أتعرفون الله عز وجل إن رأيتموه‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم‏.‏ فيقول‏:‏ وكيف تعرفونه، ولم تروه‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعلم أنه لا عدل له‏.‏ قال‏:‏ فيتجلى تبارك وتعالى، فيخرون له سجدا‏.‏
وفي سنن ابن ماجه عنه رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم فإذا الرب- جل جلاله- قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال تعالى‏:‏ السلام عليكم يا أهل الجنة، وهو قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏سلام قولا من رب رحيم‏)‏ فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، وتبقى فيهم بركته ونوره‏.‏
وللبيهقي عنه رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بينا أهل الجنة في مجلس فهم، إذ سطع لهم نور على باب الجنة، فرفعوا رءوسهم، فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف، فقال تعالى‏:‏ يا أهل الجنة سلوني‏.‏ قالوا‏:‏ نسألك الرضا عنا‏.‏ قال تعالى‏:‏ رضائي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، هذا أوانها فسلوني‏.‏ قالوا‏:‏ نسألك الزيادة‏.‏ قال‏:‏ فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر، أزمتها زمرد أخضر وياقوت أحمر، فجاءوا عليها تضع حوافرها عند منتهى طرفها، فيأمر الله بأشجار عليها الثمار، فتجيء جواري الحور العين، وهن يقلن‏:‏ نحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الخالدات فلا نموت، أزواج قوم مؤمنين كرام، ويأمر الله عز وجل بكثبان من مسك أبيض أذفر، فتثير عليهم ريحا يقال لها المثيرة، حتى تنتهي بهم إلى جنة عدن، وهي قصبة الجنة، فتقول الملائكة‏:‏ يا ربنا قد جاء القوم‏.‏ فيقول‏:‏ مرحبا بالصادقين، ومرحبا بالطائعين‏.‏
قال‏:‏ فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إلى الله تبارك وتعالى ويتمتعون بنور الرحمن حتى لا يبصر بعضهم بعضا، ثم يقول‏:‏ أرجعوهم إلى القصور بالتحف، فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏(‏نزلا من غفور رحيم‏)‏، ‏(‏فصلت‏:‏ 31‏)‏ رواه في كتاب البعث والنشور، وفي كتاب الرؤية‏.‏
وللدارقطني عنه رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله عز وجل يتجلى للناس عامة، ويتجلى لأبي بكر خاصة‏.‏
ولابن وهب والدارقطني، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فكان أكثر خطبته ذكر الدجال يحذرنا منه ويحدثنا عنه، حتى فرغ من خطبته، فكان فيما قال لنا يومئذ‏:‏ إن الله عز وجل لم يبعث نبيا إلا حذره أمته، وإني آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين أظهركم، فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج فيكم بعدي، فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه يخرج من خلة بين العراق والشام، عاث يمينا وعاث شمالا، يا عباد الله اثبتوا، وإنه يبدأ فيقول‏:‏ أنا نبي، ولا نبي بعدي، ثم ينثني فيقول‏:‏ أنا ربكم، ولن تروا ربكم حتى تموتوا، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه كل مؤمن، فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه، وليقرأ فواتح سورة الكهف، وإنه يسلط على نفس من بني آدم فيقتلها ثم يحييها، وإنه لا يعدو ذلك، ولا يسلط على نفس غيرها، وإن من فتنته أن معه جنة ونارا، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليغمض عينيه وليستغث بالله، تكن بردا وسلاما كما كانت بردا وسلاما على إبراهيم، وإن أيامه أربعون يوما‏:‏ يوما كسنة، ويوما كشهر، ويوما كجمعة، ويوما كالأيام، وآخر أيامه كالسراب، يصبح الرجل عند باب المدينة فيمسي قبل أن يبلغ بابها الآخر‏.‏ فقالوا‏:‏ كيف نصلي يا رسول الله في تلك الأيام‏؟‏ قال‏:‏ تقدرون كما تقدرون في الأيام الطوال‏.‏
وللإمام أحمد، وأبي داود، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه دعاء، وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم، قال‏:‏ قل حين تصبح‏:‏ لبيك اللهم لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وإليك، اللهم وما قلت من قول أو نذرت من نذر أو حلفت من حلف + فمشيئتك بين يديه، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير‏.‏ اللهم وما صليت من صلاة فعلى من صليت، وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت، وأنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين، أسألك اللهم الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، أعوذ بك اللهم أن أظلم أو أظلم أو أعتدي أو يعتدى علي أو أكسب خطيئة محبطة أو ذنبا لا تغفره، اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة ذا الجلال والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا وأشهدك، وكفى بك شهيدا، أني أشهد أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، لك الملك ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق، وأن لقاءك حق، والجنة حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور، وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاغفر لي ذنبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم‏.‏
وللإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم في صحيحيهما عن أبي مجلز قال‏:‏ صلى بنا عمار رضي الله عنه صلاة، فأوجز فيها، فأنكروا ذلك فقال‏:‏ ألم أتم الركوع والسجود‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ أما إني دعوت فيها بدعاء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به‏:‏ اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين‏.‏
وأخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد، وفي صحيح الحاكم، عن عائشة رضي الله عنها- قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر‏:‏ يا جابر، ألا أبشرك‏؟‏ قال‏:‏ بلى، بشرك الله بخير‏.‏ قال‏:‏ شعرت أن الله أحيا أباك، قال‏:‏ فأقعده بين يديه، فقال‏:‏ تمن علي عبدي ما شئت أعطكه‏.‏ قال‏:‏ يا رب، ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا، فأقاتل مع نبيك فأقتل فيك مرة أخرى‏.‏ قال تعالى‏:‏ إنه قد سلف مني أنك إليها لا ترجع‏.‏ وهو في المسند من حديث جابر‏.‏ وللترمذي عنه رضي الله عنه قال‏:‏ لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد، قال رسول الله‏:‏ يا جابر، ألا أخبرك ما قال الله عز وجل لأبيك‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ ما كلم الله عز وجل أحدا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا، فقال‏:‏ يا عبدي، تمن علي أعطك‏.‏ قال‏:‏ يا رب، تحييني فأقتل فيك ثانية‏.‏ قال‏:‏ إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون‏.‏ قال‏:‏ يا رب، فأبلغ من ورائي‏.‏ فأنزل الله تعالى هذه الآية‏:‏ ‏(‏ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا‏)‏ الآية‏.‏
قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن غريب‏.‏ قلت‏:‏ وإسناده صحيح‏.‏ وللترمذي، والطبراني، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وسرره وخدمه، وإن أفضلهم منزلة من ينظر إلى وجه الله تبارك وتعالى كل يوم مرتين‏.‏
وفي رواية ابن عرفة‏:‏ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة‏)‏، وفي رواية سعيد بن هشيم، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يوم القيامة أول يوم نظرت فيه عين إلى الله تبارك وتعالى‏.‏ ورواه الدارقطني، وله عنه رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ألا أخبركم بأسفل أهل الجنة‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى يا رسول الله، فذكر الحديث إلى أن قال‏:‏ حتى إذا بلغ النعيم منهم كل مبلغ، وظنوا أن لا نعيم أفضل منه، أشرف الرب تبارك وتعالى عليهم، فينظرون إلى وجه الرحمن عز وجل فيقول‏:‏ يا أهل الجنة، هللوني وكبروني وسبحوني بما كنتم تهللوني وتكبروني وتسبحوني في دار الدنيا، فيتجاوبون بتهليل الرحمن، فيقول تبارك وتعالى لداود‏:‏ يا داود قم فمجدني، فيقوم داود فيمجد ربه عز وجل‏.‏
وروى عثمان بن سعيد الدارمي في رده على المريسي، عن ابن عمر رضي الله عنهما يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن أهل الجنة إذا بلغ النعيم منهم كل مبلغ، وظنوا أن لا نعيم أفضل منه، تجلى لهم الرب تبارك وتعالى، فنظروا إلى وجه الرحمن عز وجل فنسوا كل نعيم عاينوه حين نظروا إلى وجه الرحمن عز وجل‏.‏
وقال الترمذي- رحمه الله‏:‏ حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا هشام بن عمار، أخبرنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، أخبرنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة‏:‏ أتسأل الله تعالى أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة‏؟‏ فقال سعيد‏:‏ أفيها سوق‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن أهل الجنة إذا دخلوها، نزلوا فيها بفضل أعمالهم، ثم يؤذن في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون ربهم، ويبرز لهم عرشه، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم، وما فيهم من دنيء على كثبان المسك والكافور، وما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ قلت يا رسول الله، وهل نرى ربنا‏؟‏ قال‏:‏ نعم، هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر‏؟‏ قلنا‏:‏ لا‏.‏ وقال‏:‏ كذلك لا تتمارون في رؤية ربكم، ولا يبقى في ذلك المجلس رجل إلا حاضره الله تعالى محاضرة حتى يقول للرجل منهم‏:‏ يا فلان ابن فلان، أتذكر يوم قلت كذا وكذا‏؟‏ فيذكره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول‏:‏ يا رب، أفلم تغفر لي‏؟‏ فيقول‏:‏ بلى، فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه‏.‏ فبينما هم على ذلك، غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط، ويقول ربنا عز وجل‏:‏ قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، فخذوا ما اشتهيتم‏.‏ فنأتى سوقا قد حفت به الملائكة، فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على القلوب، فيحمل إلينا ما اشتهينا ليس يباع فيها ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا‏.‏ قال‏:‏ فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة، فيلقى من هو دونه، وما فيهم دنيء، فيروعه ما يرى عليه من اللباس، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتخيل إليه ما هو أحسن منه، وذلك لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، ثم ننصرف إلى منازلنا فتتلقانا أزواجنا، فيقلن‏:‏ مرحبا وأهلا، لقد جئت وإن لك من الجمال أفضل مما فارقتنا عليه، فنقول‏:‏ إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار، ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا‏.‏ هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه‏.‏
قلت‏:‏ ابن أبي العشرين كاتب الأوزاعي‏.‏ قال أحمد، وأبو حاتم‏:‏ ثقة‏.‏ وقال النسائي‏:‏ ليس بذاك القوى‏.‏ وقال البخاري‏:‏ ربما يخالف في حديثه، وفي التقريب صدوق ربما أخطأ، وأما بقية رجاله فلا يسأل عنهم‏.‏ ورواه ابن ماجه، وابن أبي الدنيا، وابن أبي عاصم، ولابن بطة، عن عمار بن رويبة رضي الله عنه قال‏:‏ نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر، فقال‏:‏ إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضارون في رؤيته، فإن استطعتم على أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها فافعلوا‏.‏
وفي رواية عنه قال‏:‏ نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال‏:‏ إنكم سترون ربكم تبارك وتعالى كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على ركعتين قبل طلوع الشمس، وركعتين بعد غروبها فافعلوا‏.‏ ولأبي معاوية، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال‏:‏ يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون‏:‏ يا نبي الله، إن الله فتح بك وختم بك وغفر لك، قم فاشفع لنا إلى ربك، فيقول‏:‏ نعم، أنا صاحبكم، فيخرج يحوش الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة، فيأخذ بحلقة الباب فيقرع، فيقال‏:‏ من هذا‏؟‏ فيقول‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم ، قال‏:‏ فيفتح له فيجيء حتى يقوم بين يدي الله عز وجل فيستأذن في السجود، فيؤذن له‏.‏ الحديث‏.‏
ولابن بطة، والبزار، عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتاني جبريل، فإذا في كفه مرآة كأصفى المرايا وأحسنها، وإذا في وسطها نكتة سوداء‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ يا جبريل ما هذه‏؟‏ قال‏:‏ هذه الدنيا صفاؤها وحسنها‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ وما هذه اللمعة في وسطها‏؟‏ قال‏:‏ هذه الجمعة‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ وما الجمعة‏؟‏ قال‏:‏ يوم من أيام ربك عظيم، وسأخبرك بشرفه وفضله، واسمه في الآخرة‏.‏ أما شرفه وفضله في الدنيا، فإن الله تعالى جمع فيه أمر الخلق، وأما ما يرجى فيه، فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة، يسألان الله فيها خيرا إلا أعطاهما إياه، وأما شرفه وفضله واسمه في الآخرة، فإن الله تبارك وتعالى إذا صير أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وجرت عليهم أيامها وساعاتها، ليس بها ليل ولا نهار، إلا قد علم الله مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان يوم الجمعة في الحين الذي يبرز- أو يخرج- فيه أهل الجنة إلى جمعتهم، نادى مناد‏:‏ يا أهل الجنة، اخرجوا إلى دار المزيد، لا يعلم سعته وعرضه وطوله إلا الله تعالى في كثبان من المسك‏.‏ قال‏:‏ فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت‏.‏ قال‏:‏ فإذا وضعت لهم، وأخذ القوم مجالسهم، بعث الله تبارك وتعالى ريحا تدعى المثيرة، تثير عليهم آثار المسك الأبيض، تدخله من تحت ثيابهم، وتخرجه في وجوههم وأشعارهم، فتلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دفع إليها ذلك الطيب بإذن الله تعالى‏.‏
قال‏:‏ ثم يوحي الله- سبحانه وتعالى- إلى حملة العرش، فيوضع بين ظهراني الجنة، وبينه وبينهم الحجب، فيكون أول ما يسمعون منه أن يقول‏:‏ أين عبادي الذين أطاعوني في الغيب، ولم يروني وصدقوا رسلي، واتبعوا أمري‏؟‏ فسلوني فهذا يوم المزيد‏.‏ قال‏:‏ فيجتمعون على كلمة واحدة‏:‏ ربنا رضينا عنك فارض عنا‏.‏ قال‏:‏ فيرجع الله تعالى في قولهم أن يا أهل الجنة لو لم أرض عنكم، لما أسكنتكم جنتي، فهذا يوم المزيد فسلوني‏.‏ قال‏:‏ فيجتمعون على كلمة واحدة‏:‏ رب وجهك، رب وجهك، أرنا ننظر إليه‏.‏ قال‏:‏ فيكشف الله تبارك وتعالى الحجب، ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره شيء، لولا أنه قضى عليهم أن لا يحترقوا، لاحترقوا مما غشيهم من نوره‏.‏ قال‏:‏ ثم يقال‏:‏ ارجعوا إلى منازلكم‏.‏ قال‏:‏ فيرجعون إلى منازلهم، وقد خفوا على أزواجهم، وخفين عليهم مما غشيهم من نوره، فإذا صاروا إلى منازلهم يزاد النور وأمكن، ويزاد وأمكن، حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، قال‏:‏ فيقول لهم أزواجهم‏:‏ لقد خرجتم من عندنا على صورة، ورجعتم على غيرها‏.‏ قال‏:‏ فيقولون‏:‏ ذلك بأن الله تجلى لنا، فنظرنا له إلى ما خفينا به عليكن‏.‏ قال‏:‏ فلهم في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه، قال‏:‏ وذلك قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون‏)‏‏.‏ ولابن مهدي عنه رضي الله عنه في قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏)‏ قال‏:‏ النظر إلى وجه الله عز وجل‏.‏ قال الحاكم- رحمه الله تعالى‏:‏ وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع‏.‏ ولابن خزيمة عن أبي نضرة قال‏:‏ خطبنا ابن عباس رضي الله عنه فقال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما من نبي إلا وله دعوة تعجلها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فآتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فأقرع الباب، فيقال‏:‏ من أنت‏؟‏ فأقول‏:‏ أنا محمد‏.‏ فآتي ربي، وهو على كرسيه- أو على سريره- فيتجلى لي ربي، فأخر له ساجدا‏.‏
ولأبي بكر بن أبي داود، عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى في كل جمعة في رمال الكافور، وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة، وأبكرهم غدوا‏.‏ وللصنعاني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال‏:‏ خلق الله الملائكة لعبادته أصنافا، فإن منهم لملائكة قياما صافين من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة ركوعا خشوعا من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة سجودا منذ خلقهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة، وتجلى لهم تعالى ونظروا إلى وجهه الكريم، قالوا‏:‏ سبحانك ما عبدناك حق عبادتك‏.‏
وللدارمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن فضالة- يعني‏:‏ ابن عبيد رضي الله عنه كان يقول‏:‏ اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة‏.‏ وللإمام أحمد، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعلقوا، إن المسيح الدجال رجل قصير أفحج جعد أعور مطموس العين، ليست بناتئة ولا حجراء، فإن التبس عليكم، فاعلموا أن ربكم ليس بأعور، وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا‏.‏
وقال الصاغاني، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عباد بن منصور قال‏:‏ سمعت عدي بن أرطأة يخطب على المنبر بالمدائن، فجعل يعظ حتى بكى وأبكى، ثم قال‏:‏ كونوا كرجل قال لابنه وهو يعظه‏:‏ يا بني أوصيك أن لا تصلي صلاة إلا ظننت أنك لا تصلي بعدها غيرها حتى تموت، وتعال يا بني نعمل عمل رجلين، كأنهما قد وقفا على النار ثم سألا الكرة، ولقد سمعت فلانا- نسي عباد اسمه- ما بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره، فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته، ما منهم ملك تقطر دمعته من عينه إلا وقعت ملكا يسبح الله تعالى‏.‏ قال‏:‏ وملائكة سجود منذ خلق السماوات والأرض، لم يرفعوا رءوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وصفوف لم ينصرفوا عن مصافهم، ولا ينصرفون إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة وتجلى لهم ربهم، فنظروا إليه قالوا‏:‏ سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لنا أن نعبدك‏.‏ فثبت بهذه الأحاديث المتواترة الصحيحة الصريحة أن الله عز وجل يرى في الآخرة كما يشاء، وأن الشهداء بعد موتهم يرونه، وأن الملائكة يرونه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ى- يراه عند استئذانه في الشفاعة، وأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم برهم وفاجرهم يرونه في عرصات القيامة، وهي للفاجر والمنافق ابتلاء وامتحان، ونوع من العقوبة، وأما رؤية الفرح والسرور والتلذذ بالنظر إلى وجه الله عز وجل فهي خاصة لأوليائه المؤمنين الذين يؤذن لهم في السجود، ويعطون النور التام على الصراط فيتبعونه، ثم يتجلى لهم في الجنة فيرونه كما يشاء، وهي الزيادة في يوم المزيد كما في الآيات السابقة، وما في معناها من الأحاديث التي سردناها، وقد جاءت أحاديث صحيحة في تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل، منها حديث أبي موسى، وحديث أنس، وحديث حذيفة، وحديث صهيب، وقد تقدم ذكرها قريبا‏.‏
وللدارقطني، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏)‏ قال‏:‏ النظر إلى وجه الله عز وجل‏.‏
ولابن جرير عنه رضي الله عنه قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الزيادة في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏)‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل‏.‏
ولابن جرير، عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏)‏ قال‏:‏ الزيادة النظر إلى وجه الرحمن عز وجل جلاله‏.‏ ورواه ابن حميد عنه بلفظ‏:‏ الزيادة النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى‏.‏ وللحسن بن عرفة، عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ‏(‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏)‏ قال‏:‏ للذين أحسنوا العمل في الدنيا، والحسنى هي الجنة، والزيادة وهي النظر إلى وجه الله عز وجل‏.‏
وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل عن أبي بكر رضي الله عنه وعلى بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وأبي موسى، وعن عبادة بن الصامت، وغيرهم من الصحابة _ رضي الله عنهم، وعن التابعين، عن سعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن السباط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، ومقاتل، وغيرهم- رحمهم الله من السلف والخلف‏.‏ ولولا خشية الإطالة، لنقلنا أقوالهم بأسانيدها، وفيما ذكرنا من المرفوع كفاية، وبالله التوفيق‏.‏

ذكر المنقول عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب
قال أبو بكر رضي الله عنه وقرأ ‏(‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏)‏ فقالوا‏:‏ ما الزيادة يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى‏.‏ وقال علي رضي الله عنه‏:‏ من تمام النعمة دخول الجنة، والنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى في جنته‏.‏ وقال حذيفة رضي الله عنه‏:‏ الزيادة النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى‏.‏ وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏:‏ والله، ما منكم من إنسان إلا أن ربه سيخلو به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، قال‏:‏ فيقول ما غرك بي يا ابن آدم ‏(‏ثلاث مرات‏)‏‏؟‏ ماذا أجبت المرسلين ‏(‏ثلاث مرات‏)‏‏؟‏ ماذا عملت فيما علمت‏؟‏ وقال رضي الله عنه‏:‏ الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل‏.‏
وقيل لابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كل من دخل الجنة يرى ربه عز وجل‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه‏:‏ يحشر الناس يوم القيامة في صعيد واحد، فينادي‏:‏ أين المتقون‏؟‏ فيقومون في كنف واحد من الرحمن تعالى، لا يحتجب الله منهم ولا يستتر‏.‏ قال أبو عفيف، وهو الراوي عنه‏:‏ من المتقون‏؟‏ قال‏:‏ قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله في العبادة، فيمرون إلى الجنة‏.‏
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول‏:‏ لن تروا ربكم حتى تذوقوا الموت، وقال ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى ملكه ألفي عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر إلى وجه الله- جل جلاله- في كل يوم مرتين‏.‏ وكان فضالة بن عبيد رضي الله عنه يقول‏:‏ اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وقد تقدم هذا الدعاء عنه، وتقدم مرفوعا من حديث زيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم‏.‏ وقال أبو موسى رضي الله عنه‏:‏ للذين أحسنوا الحسنى، قال‏:‏ الجنة‏.‏ والزيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل‏.‏
وكان رضي الله عنه يحدث الناس، فشخصوا بأبصارهم، فقال‏:‏ ما صرف أبصاركم عني‏؟‏ قالوا‏:‏ الهلال‏.‏ قال‏:‏ فكيف بكم إذا رأيتم وجه الله تعالى جهرة‏؟‏ وقال أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏ولدينا مزيد‏)‏، ‏(‏ق 35‏)‏‏:‏ يظهر لهم الرب تبارك وتعالى يوم القيامة‏.‏ وعن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأديم عليهم بالكرامة، جادتهم خيول من ياقوت أحمر لا تبول ولا تروث، لها أجنحة فيقعدون عليها، ثم يأتون الجبار- جل وعلا- فإذا تجلى لهم خروا له سجدا، فيقول‏:‏ يا أهل الجنة، ارفعوا رءوسكم، فقد رضيت عنكم رضاء لا سخط بعده‏.‏

ذكر أقوال التابعين رحمهم الله تعالى في ذلك
قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وكعب رحمهم الله تعالى‏:‏ الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل‏.‏ وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى بعض عماله‏:‏ أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل ولزوم طاعته، والتمسك بأمره، والمعاهدة على ما حملك الله من دينه، واستحفظك من كتابه، فإن بتقوى الله عز وجل ولزوم طاعته، نجا أولياؤه من سخطه، وبها وافقوا أنبياءه، وبها نضرت وجوههم، ونظروا إلى خالقهم، وهي عصمة في الدنيا من الفتن، ومن كرب يوم القيامة‏.‏
وقال الحسن- رحمه الله تعالى‏:‏ لو علم العابدون في الدين أنهم لا يرون ربهم في الآخرة، لذابت أنفسهم في الدنيا‏.‏ وقال الأعمش، وسعيد بن جبير- رحمهما الله‏:‏ إن أشرف أهل الجنة لمن ينظر إلى الله تبارك وتعالى غدوة وعشية‏.‏ وقال كعب- رحمه الله تعالى‏:‏ ما نظر الله عز وجل إلى الجنة قط إلا قال‏:‏ طيبي لأهلك، فزادت ضعفا على ما كانت حتى يأتيها أهلها، وما من يوم كان لهم عيد في الدنيا إلا ويخرجون في مقداره في رياض الجنة، فيبرز لهم الرب تبارك وتعالى فينظرون إليه، وتسفى عليهم الريح المسك، ولا يسألون الرب تبارك وتعالى شيئا إلا أعطاهم حتى يرجعوا، وقد ازدادوا على ما كانوا من الحسن والجمال سبعين ضعفا، ثم يرجعون إلى أزواجهم وقد ازددن مثل ذلك‏.‏
وقال هشام بن حسان‏:‏ إن الله- سبحانه وتعالى- يتجلى لأهل الجنة، فإذا رآه أهل الجنة، نسوا نعيم الجنة‏.‏ وقال طاوس‏:‏ أصحاب المراء والمقاييس لا يزال بهم المراء والمقاييس حتى يجحدوا الرؤية، ويخالفوا أهل السنة‏.‏ وقال شريك عن أبي إسحاق السبيعي‏:‏ الزيادة النظر إلى وجه الرحمن تبارك وتعالى‏.‏
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه تلا هذه الآية ‏(‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏)‏ قال‏:‏ إذا دخل أهل الجنة الجنة، أعطوا فيها ما سألوا وما شاءوا، فيقول الله عز وجل لهم‏:‏ إنه قد بقي من حقكم شيء لم تعطوه، فيتجلى لهم تبارك وتعالى فلا يكون ما أعطوه عند ذلك بشيء، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه ربهم تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة‏)‏، ‏(‏يونس 26‏)‏ بعد نظرهم إلى ربهم تبارك وتعالى‏.‏
وقال علي بن المديني‏:‏ سألت عبد الله بن المبارك عن قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا‏)‏، ‏(‏الكهف 110‏)‏ قال عبد الله‏:‏ من أراد النظر إلى وجه الله خالقه، فليعمل عملا صالحا ولا يخبر به أحدا‏.‏ وقال نعيم بن حماد‏:‏ سمعت ابن المبارك يقول‏:‏ ما حجب الله عز وجل أحدا عنه إلا عذبه، ثم قرأ‏:‏ ‏(‏كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنه لصالوا الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون‏)‏، ‏(‏المطففين 15‏)‏ قال‏:‏ بالرؤية‏.‏
وقال عباد بن العوام‏:‏ قدم علينا شريك بن عبد الله منذ خمسين سنة، فقلت‏:‏ يا أبا عبد الله، إن عندنا قوما من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث‏:‏ ‏"‏ إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ‏"‏، ‏"‏ وإن أهل الجنة يرون ربهم ‏"‏، فحدثني بنحو عشرة أحاديث في هذا، وقال‏:‏ أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم عمن أخذوا‏؟‏ وقال عقبة بن قبيصة‏:‏ أتينا أبا نعيم يوما، فنزل إلينا من الدرجة التي في داره، فجلس وسطها كأنه مغضب، فقال‏:‏ حدثنا سفيان بن سعيد، ومنذر الثوري، وزهير بن معاوية، وحدثنا حسن بن صالح بن حي، وحدثنا شريك بن عبد الله النخعي، هؤلاء أبناء المهاجرين يحدثوننا، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى يرى في الآخرة، حتى جاء ابن يهودي صباغ يزعم أن الله تعالى لا يرى ‏(‏يعني بشر المريسي، قبحه الله‏)‏‏.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
انا بنت الأصول المصمم يزن تصاميم فوتوشوب , تصاميم فلاش , صور للتصاميم 3 09-25-2011 11:54 PM
قراءة الأفكار - هل يتمكن الدماغ البشري من قراءة الافكار ! دموع الملائكة المنتدى العلمي - أبحاث علمية - بحوث علمية 2 03-06-2010 03:41 AM
من المسؤل وسام القلوب خواطر , عذب الكلام والخواطر 6 01-29-2005 02:46 PM

الساعة الآن 10:10 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103