تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

الطب النبوي.. قراءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-31-2014, 10:36 AM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

الطب النبوي.. قراءة





الطب النبوي .. قراءة

هذا الكتاب جزء من كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للمصنف، وهو من الكتب الطبية، التي عالجت مُشكلات الجسد وأدوائه البدنية والنفسانية، وهو مُسْتَلْهَم من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وهَديه في التداوي من مختلف العلل، وقد زوده المصنف بفوائدَ طبيةٍ، مُسْتَخْلَصَة من فوائد الثمار، والخضروات، واللحوم... وغيرها، مرتبةً على حروف المعجم.


ابن قيم الجوزية
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، شمس الدين، أبو عبد الله، المعروف بابن قيم الجوزية، من أركان الإصلاح الإسلامي، وأحد كبار العلماء، ولد في دمشق سنة (691هـ)، وتتلمذ لشيخ الاسلام ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ما يصدر عنه، وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه، وسجن معه في قلعة دمشق، وأهين وعذب بسببه، وطيف به على جمل مضروبًا بالعصي، وأطلق بعد موت ابن تيمية، وكان حسن الخلق محبوبًا عند الناس، أغري بحب الكتب، فجمع منها عددًا عظيمًا، وكتب بخطه الحسن شيئًا كثيرًا، وألف تصانيف كثيرة، وتوفي سنة (751هـ).



=============
مقاومة المشركين للدعوة الجديدة

هجرة المسلمين الثانية إلى الحبشة
الهجرة الأولى الى الحبشة
دار الأرقم
اضطهاد كفار قريش للمؤمنين
الإمام النسائي
الامام الترمذي

الإمام أحمد بن حنبل
خروج النبي للطائف طلباً للنصرة
عام الحزن
المقاطعة الاقتصادية
إسلام عمر وحمزة رضي الله عنهما


مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ
مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
مُسْنَدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

مُسْنَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

مُسْنَدُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مُسْنَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مُسْنَدُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه

مُسْنَدُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مُسْنَدُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مُسْنَدُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

مُسْنَدُ أَهْلِ الْبَيْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ
حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ

حَدِيثُ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مُسْنَدُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ تَمَّامِ بْنِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه
حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه

مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه

مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
مُسْنَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مُسْنَدُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
مُسْنَدُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
مُسْنَدُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
مُسْنَدُ الْمَكِّيِّينَ رضي الله عنهم

مُسْنَدِ الْمَدَنِيِّينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ
مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ
مُسْنَدِ الْبَصْرِيِّينَ

مُسْنَدُ الْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ فَاطِمَةَ رضي الله عنها
حَدِيثُ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا
حَدِيثُ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ رضي الله عنهن
حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها
حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها
حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها
حَدِيثُ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ
حَدِيثُ أُخْتِ مَسْعُودِ ابْنِ الْعَجْمَاءِ
حَدِيثُ رُمَيْثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها
حَدِيثُ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ أُمِّ الْفَضْلِ رضي الله عنها
حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا
حَدِيثُ أُمِّ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا
مِنْ مُسْنَدِ الْقَبَائِلِ
سيرة الإمام أحمد بن حنبل

الشمائل المحمدية كتاب .. قراءة

زاد المعاد في هدي خير العباد.. قراءة
الأدب المفرد .. قراءة

السنن الكبرى.. النسائي.. قراءة
المنتقى من عمل اليوم والليلة.. قراءة
القول المفيد على كتاب التوحيد.. قراءة
محمد بن صالح العثيمين
صفي الرحمن المباركفوري

الرحيق المختوم .. قراءة
مسند الأمام أحمد .. قراءة
الطب النبوي.. قراءة

=================
=================








القرآن الكريمالروافضخطب ودروسصفة الصلاةما تودُ وتسألُ ؟
مكتبـــة القرآندليل الأعشابقواعد قرآنيةكنز الأعلام الأدوات في اللغة ؟
من التاريخرحلة أمـواج (4)مكتبة بحرجديدجواهر ودرر مجالس رمضان ؟
أروع امرأةفي مدح الرسولتأملات تربويةروابط ممتعــةالبخاري ومسلم ؟
كتاب الطهارة كتاب الصلاةكشكولخير جليسالسيـرة النبوية ؟
سوريا الأبية أضواء البيانإعصارُ حزنٍ الإتصال مجانيقد ينفذ صبـري ؟
الاداب الشرعية تجميع العطاء فضائل خُلقت فريداًأعمال القلوب ؟
سطور لابن القيممحاسن الأخلاقوطن الشموخ الأسماكشخصيتك هنا ؟
اختبار الذكاء أنهار العالمإيـــداع قلبأيُ قلبٍ تملكيهِالست من شوال ؟
ثقافات صادووه ح(1) قطوف بلاد الشامالنمل أسرار ؟
شمائل محمدية عاشوراء تحديد مستوى (Quote) الصحابة ؟
العيد ذكــــرى السرطان ملف الخيل العربية جسم الإنسان (2013 ) ؟
السنن الكبرى زاد المعاد الاستيعاب المنتقى القول المفيد ؟
الرحيق المختوم
مسند أحمد الطب النبوي 4 4 ؟




قال النبي صلى الله عليه وسلم : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا.. وقال صلى الله عليه وسلم: أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإنّ أحدَكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفَه.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام بعشرِ آياتٍ لم يُكتَب من الغافلين ، ومن قام بمائة آيةٍ كُتِبَ من القانتين ، ومن قام بألف آيةٍ كُتِبَ من المُقَنْطَرِينَ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رَحِمَ الله أمرأً صلى قبل العصر أربعاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى في اليوم والليلة أثني عشرة ركعةً تطوعاً ، بنى الله له بيتاً في الجنة.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُعجزُ أحدكم ، أن يكسِبَ كل يومٍ ألف حسنةٍ ؟ يسبح الله مائة تسبيحةٍ، فيكتُبُ اللهُ له بها ألف حسنةٍ ، أو يحُطُّ عنهُ بها ألف خطيئةٍ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكَّل به: آمين ولك بمثله.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذبَّ عن عِرْضِ أخيه بالغَيْبة ، كان حقاً على اللهِ أن يُعْتِقَهُ من النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان سهلاً هيناً ليناً ، حرَّمه الله على النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الجنَّة غُرفاً يُرى ظاهرُها منْ باطنِها ، وباطنُها من ظاهرِها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعمَ الطَّعامَ ، وألانَ الكلامَ ، وتابع الصِّيامَ ، وصلى بالليلِ ، والناسُ نيام.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عاد مريضاً ، أو زار أخاً له في الله ، ناداه منادٍ :أن طبتَ وطابَ ممشاكَ ، وتبوَّأتَ من الجنةِ منزلاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمنْ وجَدَ في صحيفتِهِ استِغفاراً كثيراً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استَغْفرَ للمؤمنينَ والمؤمناتِ ، كتبَ الله له بكلِّ مُؤمنٍ ومؤمنةٍ حسنة.
=============
اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب.




التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 01-31-2014 الساعة 11:22 AM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:39 AM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الطــــب النبــوي
من كتـاب زاد المعـاد

المرض‏:‏ نوعان‏:‏ مرض القلوب، ومرض الأبدان
وهما مذكوران في القرآن‏.‏
ومرض القلوب‏:‏ نوعان‏:‏ مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي
وكلاهما في القرآن‏.‏ قال تعالى في مرض الشبهة‏:‏ ‏{‏في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 110‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 31‏]‏‏.‏ وقال تعالى في حق من دعي إلى تحكيم القرآن والسنة، فأبى وأعرض‏:‏ ‏{‏وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 48 ‏:‏49‏]‏ فهذا مرض الشبهات والشكوك‏.‏
وأما مرض الشهوات، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 32‏]‏‏.‏ فهذا مرض شهوة الزنى، والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ وأما مرض الأبدان
فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 61‏]‏، وذكر مرض البدن في الحج والصوم والوضوء لسر بديع يبين لك عظمة القرآن، والإستغناء به لمن فهمه وعقله عن سواه، وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة‏:‏ حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة، فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في هذه المواضع الثلاثة‏.‏
فقال في آية الصوم‏:‏ ‏{‏فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 184‏]‏، فأباح الفطر للمريض لعذر المرض، وللمسافر طلبًا لحفظ صحته وقوته لئلا يذهبها الصوم في السفر لاجتماع شدة الحركة، وما يوجبه من التحليل، وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل، فتخور القوة، وتضعف، فأباح للمسافر الفطر حفظًا لصحته وقوته عما يضعفها‏.‏
وقال في آية الحج‏:‏ ‏{‏فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 196‏]‏، فأباح للمريض، ومن به أذى من رأسه، من قمل، أو حكة، أو غيرهما، أن يحلق رأسه في الإحرام استفراغًا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشعر، فإذا حلق رأسه، تفتحت المسام، فخرجت تلك الأبخرة منها، فهذا الإستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذي انحباسه‏.‏
والأشياء التي يؤذي انحباسها ومدافعتها عشرة‏:‏ الدم إذا هاج، والمني إذا تبيغ، والبول، والغائط، والريح، والقيء، والعطاس، والنوم، والجوع، والعطش‏.‏ وكل واحد من هذه العشرة يوجب حبسه داء من الأدواء بحسبه‏.‏
وقد نبه سبحانه باستفراغ أدناها، وهو البخار المحتقن في الرأس على استفراغ ما هو أصعب منه، كما هي طريقة القرآن التنبيه بالأدنى على الأعلى‏.‏
وأما الحمية‏:‏ فقال تعالى في آية الوضوء‏:‏ ‏{‏وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 43‏]‏، فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه، وهذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج، فقد أرشد ـ سبحانه ـ عباده إلى أصول الطب ومجامع قواعده، ونحن نذكر هدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ذلك، ونبين أن هديه فيه أكمل هدي‏.‏
فأما طب القلوب، فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها، وفاطرها، وبأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ومحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل، وما يظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم، فغلط ممن يظن ذلك، وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية، وصحتها وقوتها، وحياة قلبه وصحته، وقوته عن ذلك بمعزل، ومن لم يميز بين هذا وهذا، فليبك على حياة قلبه، فإنه من الأموات، وعلى نوره، فإنه منغمس في بحار الظلمات‏.‏

فصل‏:‏ وأما طب الأبدان‏:‏ فإنه نوعان
نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقه وبهيمه، فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب، كطب الجوع، والعطش، والبرد، والتعب بأضدادها وما يزيلها‏.‏
والثاني‏:‏ ما يحتاج إلى فكر وتأمل، كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج، بحيث يخرج بها عن الاعتدال، إما إلى حرارة، أو برودة، أو يبوسة، أو رطوبة، أو ما يتركب من اثنين منها، وهي نوعان‏:‏ إما مادية، وإما كيفية، أعني إما أن يكون بانصباب مادة، أو بحدوث كيفية، والفرق بينهما أن أمراض الكيفية تكون بعد زوال المواد التي أوجبتها، فتزول موادها، ويبقى أثرها كيفية في المزاج‏.‏
وأمراض المادة أسبابها معها تمدها، وإذا كان سبب المرض معه، فالنظر في السبب ينبغي أن يقع أولًا، ثم في المرض ثانيًا، ثم في الدواء ثالثًا‏.‏ أو الأمراض الآلية وهي التي تخرج العضو عن هيئته، إما في شكل، أو تجويف، أو مجرى، أو خشونة، أو ملاسة، أو عدد، أو عظم، أو وضع، فإن هذه الأعضاء إذا تألفت وكان منها البدن سمي تألفها اتصالًا، والخروج عن الاعتدال فيه يسمى تفرق الإتصال، أو الأمراض العامة التي تعم المتشابهة والآلية‏.‏
والأمراض المتشابهة‏:‏ هي التي يخرج بها المزاج عن الاعتدال، وهذا الخروج يسمى مرضًا بعد أن يضر بالفعل إضرارًا محسوسًا‏.‏
وهي على ثمانية أضرب‏:‏ أربعة بسيطة، وأربعة مركبة، فالبسيطة‏:‏ البارد، والحار، والرطب، واليابس، والمركبة‏:‏ الحار الرطب، والحار اليابس، والبارد الرطب، والبارد اليابس، وهي إما أن تكون بانصباب مادة، أو بغير انصباب مادة، وإن لم يضر المرض بالفعل يسمى خروجًا عن الاعتدال صحة‏.‏
وللبدن ثلاثة أحوال‏:‏ حال طبيعية، وحال خارجة عن الطبيعية، وحال متوسطة بين الأمرين‏.‏ فالأولى‏:‏ بها يكون البدن صحيحًا، والثانية‏:‏ بها يكون مريضًا‏.‏ والحال الثالثة‏:‏ هي متوسطة بين الحالتين، فإن الضد لا ينتقل إلى ضده إلا بمتوسط، وسبب خروج البدن عن طبيعته، إما من داخله، لأنه مركب من الحار والبارد، والرطب واليابس، وإما من خارج، فلأن ما يلقاه قد يكون موافقًا، وقد يكون غير موافق، والضرر الذي يلحق الإنسان قد يكون من سوء المزاج بخروجه عن الاعتدال، وقد يكون من فساد في العضو، وقد يكون من ضعف في القوى، أو الأرواح الحاملة لها، ويرجع ذلك إلى زيادة ما الاعتدال في عدم زيادته، أو نقصان ما الاعتدال في عدم نقصانه، أو تفرق ما الاعتدال في اتصاله، أو اتصال ما الاعتدال في تفرقه، أو امتداد ما الاعتدال في انقباضه، أو خروج ذي وضع وشكل عن وضعه وشكله بحيث يخرجه عن اعتداله‏.‏
فالطبيب‏:‏ هو الذي يفرق ما يضر بالإنسان جمعه، أو يجمع فيه ما يضره تفرقه، أو ينقص منه ما يضره زيادته، أو يزيد فيه ما يضره نقصه، فيجلب الصحة المفقودة، أو يحفظها بالشكل والشبه، ويدفع العلة الموجودة بالضد والنقيض، ويخرجها، أو يدفعها بما يمنع من حصولها بالحمية، وسترى هذا كله في هدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شافيًا كافيًا بحول الله وقوته، وفضله ومعونته‏.‏
فصل‏:‏ فكان من هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعل التداوي في نفسه
والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه، ولكن لم يكن من هديه ولا هدي أصحابه استعمال هذه الأدوية المركبة التي تسمى أقرباذين، بل كان غالب أدويتهم بالمفردات، وربما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه، أو يكسر سورته، وهذا غالب طب الأمم على اختلاف أجناسها من العرب والترك، وأهل البوادي قاطبة، وإنما عني بالمركبات الروم واليونانيون، وأكثر طب الهند بالمفردات‏.‏
وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء لا يعدل عنه إلى الدواء، ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل عنه إلى المركب‏.‏‏.‏
قالوا‏:‏ وكل داء قدر على دفعه بالأغذية والحمية، لم يحاول دفعه بالأدوية‏.‏
قالوا‏:‏ ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقي الأدوية، فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داء يحلله، أو وجد داء لا يوافقه، أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه، أو كيفيته، تشبث بالصحة، وعبث بها‏.‏ وأرباب التجارب من الأطباء طبهم بالمفردات غالبًا، وهم أحد فرق الطب الثلاث‏.‏
والتحقيق في ذلك أن الأدوية من جنس الأغذية، فالأمة والطائفة التي غالب أغذيتها المفردات، أمراضها قليلة جدًا، وطبها بالمفردات، وأهل المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركبة يحتاجون إلى الأدوية المركبة، وسبب ذلك أن أمراضهم في الغالب مركبة، فالأدوية المركبة أنفع لها، وأمراض أهل البوادي والصحاري مفردة، فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة، فهذا برهان بحسب الصناعة الطبية‏.‏
ونحن نقول‏:‏ إن ها هنا أمرًا آخر، نسبة طب الأطباء إليه كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم، وقد اعترف به حذاقهم وأئمتهم، فإن ما عندهم من العلم بالطب منهم من يقول‏:‏ هو قياس‏.‏ ومنهم من يقول‏:‏ هو تجربة‏.‏ ومنهم من يقول‏:‏ هو إلهامات، ومنامات، وحدس صائب‏.‏ ومنهم من يقول‏:‏ أخذ كثير منه من الحيوانات البهيمية، كما نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم تعمد إلى السراج، فتلغ في الزيت تتداوى به، وكما رؤيت الحيات إذا خرجت من بطون الأرض، وقد عشيت أبصارها تأتي إلى ورق الرازيانج، فتمر عيونها عليها‏.‏ وكما عهد من الطير الذي يحتقن بماء البحر عند انحباس طبعه، وأمثال ذلك مما ذكر في مبادئ الطب‏.‏
وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء، بل ها هنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم، وأقيستهم من الأدوية القلبية، والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على الله، والتوكل عليه، والإلتجاء إليه، والإنطراح والإنكسار بين يديه، والتذلل له، والصدقة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا تجربته، ولا قياسه‏.‏
وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورًا كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية، بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة أدوية الطرقية عند الأطباء، وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية ليس خارجًا عنها، ولكن الأسباب متنوعة فإن القلب متى اتصل برب العالمين، وخالق الداء والدواء، ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه، وقد علم أن الأرواح متى قويت، وقويت النفس والطبيعة تعاونا على دفع الداء وقهره، فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه، وفرحت بقربها من بارئها، وأنسها به، وحبها له، وتنعمها بذكره، وانصراف قواها كلها إليه، وجمعها عليه، واستعانتها به، وتوكلها عليه، أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية، وأن توجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية، ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس، وأغلظهم حجابًا، وأكثفهم نفسًا، وأبعدهم عن الله وعن حقيقة الإنسانية، وسنذكر إن شاء الله السبب الذي به أزالت قراءة الفاتحة داء اللدغة عن اللديغ التي رقي بها، فقام حتى كأن ما به قلبة‏.‏
فهذان نوعان من الطب النبوي، نحن بحول الله نتكلم عليهما بحسب الجهد والطاقة، ومبلغ علومنا القاصرة، ومعارفنا المتلاشية جدًا، وبضاعتنا المزجاة، ولكنا نستوهب من بيده الخير كله، ونستمد من فضله، فإنه العزيز الوهاب‏.‏
فصل‏:‏ روى مسلم في صحيحه
من حديث أبى الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله عز وجل‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين ‏:‏ عن عطاء، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء‏)‏‏.‏
وفي مسند الإمام أحمد ‏:‏ من حديث زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال‏:‏ كنت عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجاءت الأعراب، فقالوا‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ أنتداوى‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد، قالوا‏:‏ ما هو‏؟‏ قال‏:‏ الهرم‏)‏‏.‏
وفي لفظ‏:‏ ‏(‏إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله‏)‏‏.‏
وفي المسند ‏:‏ من حديث ابن مسعود يرفعه‏:‏ ‏(‏إن الله ـ عز وجل ـ لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله‏)‏ وفي المسند و السنن ‏:‏ عن أبي خزامة، قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏هي من قدر الله‏)‏‏.‏
فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله‏:‏ ‏(‏لكل داء دواء‏)‏، على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله، ولهذا علق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد، وكل داء له ضد من الدواء يعالج بضده، فعلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ البرء بموافقة الداء للدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية،أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نقله إلى داء آخر، ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته، وكان العلاج قاصرًا، ومتى لم يقع المداوي على الدواء، أو لم يقع الدواء على الداء، لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالحًا لذلك الدواء، لم ينفع، ومتى كان البدن غير قابل له، أو القوة عاجزة عن حمله، أو ثم مانع يمنع من تأثيره، لم يحصل البرء لعدم المصادفة، ومتى تمت المصادفة حصل البرء بإذن الله ولا بد، وهذا أحسن المحملين في الحديث‏.‏
والثاني‏:‏ أن يكون من العام المراد به الخاص، لا سيما والداخل في اللفظ أضعاف أضعاف الخارج منه، وهذا يستعمل في كل لسان، ويكون المراد أن الله لم يضع داء يقبل الدواء إلا وضع له دواء، فلا يدخل في هذا الأدواء التي لا تقبل الدواء، وهذا كقوله تعالى في الريح التي سلطها على قوم عاد‏:‏ ‏{‏تدمر كل شيء بأمر ربها‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 25‏]‏ أي كل شيء يقبل التدمير، ومن شأن الريح أن تدمره، ونظائره كثيرة‏.‏
ومن تأمل خلق الأضداد في هذا العالم، ومقاومة بعضها لبعض، ودفع بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبين له كمال قدرة الرب تعالى، وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرده بالربوبية، والوحدانية، والقهر، وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه، كما أنه الغني بذاته، وكل ما سواه محتاج بذاته‏.‏
وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحر، والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الإعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا، ولا توكله عجزًا‏.‏
وفيها رد على من أنكر التداوي، وقال‏:‏ إن كان الشفاء قد قدر، فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قد قدر، فكذلك‏.‏ وأيضًا، فإن المرض حصل بقدر الله، وقدر الله لا يدفع ولا يرد، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏ وأما أفاضل الصحابة، فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا، وقد أجابهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما شفى وكفى، فقال‏:‏ هذه الأدوية والرقى والتقى هي من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كرد قدر الجوع، والعطش والحر، والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد وكل من قدر الله‏:‏ الدافع، والمدفوع والدفع‏.‏
ويقال لمورد هذا السؤال‏:‏ هذا يوجب عليك أن لا تباشر سببًا من الأسباب التي تجلب بها منفعة، أو تدفع بها مضرة، لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا، لم يكن بد من وقوعهما، وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما، وفي ذلك خراب الدين والدنيا، وفساد العالم، وهذا لا يقوله إلا دافع للحق، معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه، كالمشركين الذين قالوا‏:‏ ‏{‏لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 148‏]‏، و ‏{‏لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 35‏]‏، فهذا قالوه دفعًا لحجة الله عليهم بالرسل‏.‏
وجواب هذا السائل أن يقال‏:‏ بقي قسم ثالث لم تذكره، هو أن الله قدر كذا وكذا بهذا السبب، فإن أتيت بالسبب حصل المسبب، وإلا فلا، فإن قال‏:‏ إن كان قدر لي السبب، فعلته، وإن لم يقدره لي لم أتمكن من فعله‏.‏
قيل‏:‏ فهل تقبل هذا الإحتجاج من عبدك، وولدك، وأجيرك إذا احتج به عليك فيما أمرته به، ونهيته عنه فخالفك‏؟‏ فإن قبلته، فلا تلم من عصاك، وأخذ مالك، وقذف عرضك، وضيع حقوقك، وإن لم تقبله، فكيف يكون مقبولًا منك في دفع حقوق الله عليك‏.‏ وقد روي في أثر إسرائيلي‏:‏ أن إبراهيم الخليل قال‏:‏ يا رب ممن الداء‏؟‏ قال‏:‏ مني ‏.‏ قال‏:‏ فممن الدواء‏؟‏ قال‏:‏ مني‏.‏ قال‏:‏ فما بال الطبيب‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ رجل أرسل الدواء على يديه‏.‏
وفي قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏لكل داء دواء‏)‏، تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله، تعلق قلبه بروح الرجاء، وبردت عنده حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببها لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح، قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته‏.‏
وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه والتفتيش عليه‏.‏ وأمراض الأبدان على وزان أمراض القلوب، وما جعل الله للقلب مرضًا إلا جعل له شفاء بضده، فإن علمه صاحب الداء واستعمله، وصادف داء قلبه، أبرأه بإذن الله تعالى‏.‏

فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الاحتماء من التخم
والزيادة في الأكل على قدر الحاجة، والقانون الذي ينبغي مراعاته في الأكل والشرب في المسند وغيره‏:‏ عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلًا، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه‏)‏‏.‏

الأمراض نوعان
أمراض مادية تكون عن زيادة مادة أفرطت في البدن حتى أضرت بأفعاله الطبيعية، وهي الأمراض الأكثرية، وسببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية القليلة النفع، البطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة، فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية، واعتاد ذلك، أورثته أمراضًا متنوعة، منها بطيء الزوال وسريعه، فإذا توسط في الغذاء، وتناول منه قدر الحاجة، وكان معتدلًا في كميته وكيفيته، كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير‏.‏
ومراتب الغذاء ثلاثة‏:‏ أحدها‏:‏ مرتبة الحاجة‏.‏ والثانية‏:‏ مرتبة الكفاية‏.‏ والثالثة‏:‏ مرتبة الفضلة‏.‏ فأخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه، فلا تسقط قوته، ولا تضف معها، فإن تجاوزها، فليأكل في ثلث بطنه، ويدع الثلث الآخر للماء، والثالث للنفس، وهذا من أنفع ما للبدن والقلب، فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب، فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس، وعرض له الكرب والتعب بحمله بمنزلة حامل الحمل الثقيل، هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب، وكسل الجوارح عن الطاعات، وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع‏.‏ فامتلاء البطن من الطعام مضر للقلب والبدن‏.‏
هذا إذا كان دائمًا أو أكثريًا‏.‏ وأما إذا كان في الأحيان، فلا بأس به، فقد شرب أبو هريرة بحضرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من اللبن، حتى قال‏:‏ والذي بعثك بالحق، لا أجد له مسلكًا‏.‏ وأكل الصحابة بحضرته مرارًا حتى شبعوا‏.‏
والشبع المفرط يضعف القوى والبدن، وإن أخصبه، وإنما يقوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء، لا بحسب كثرته‏.‏
ولما كان في الإنسان جزء أرضي، وجزء هوائي، وجزء مائي، قسم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ طعامه وشرابه ونفسه على الأجزاء الثلاثة‏.‏
فإن قيل‏:‏ فأين حظ الجزء الناري‏؟‏
قيل‏:‏ هذه مسألة تكلم فيها الأطباء، وقالوا‏:‏ إن في البدن جزءًا ناريًا بالفعل، وهو أحد أركانه واسطقساته‏.‏
ونازعهم في ذلك آخرون من العقلاء من الأطباء وغيرهم، وقالوا‏:‏ ليس في البدن جزء ناري بالفعل، واستدلوا بوجوه‏:‏
أحدها‏:‏ أن ذلك الجزء الناري إما أن يدعى أنه نزل عن الأثير، واختلط بهذه الأجزاء المائية والأرضية، أو يقال‏:‏ إنه تولد فيها وتكون، والأول مستبعد لوجهين، أحدهما‏:‏ أن النار بالطبع صاعدة، فلو نزلت، لكانت بقاسر من مركزها إلى هذا العالم‏.‏ الثاني‏:‏ أن تلك الأجزاء النارية لا بد في نزولها أن تعبر على كرة الزمهرير التي هي في غاية البرد، ونحن نشاهد في هذا العالم أن النار العظيمة تنطفئ بالماء القليل، فتلك الأجزاء الصغيرة عند مرورها بكرة الزمهرير التي هي في غاية البرد، ونهاية العظم أولى بالانطفاء‏.‏
وأما الثاني‏:‏ ـ وهو أن يقال‏:‏ إنها تكونت ها هنا ـ فهو أبعد وأبعد، لأن الجسم الذي صار نارًا بعد أن لم يكن كذلك، قد كان قبل صيرورته إما أرضًا، وإما ماء، وإما هواء لانحصار الأركان في هذه الأربعة، وهذا الذي قد صار نارًا أولًا، كان مختلطًا بأحد هذه الأجسام، ومتصلًا بها، والجسم الذي لا يكون نارًا إذا اختلط بأجسام عظيمة ليست بنار ولا واحد منها، لا يكون مستعدًا لأن ينقلب نارًا لأنه في نفسه ليس بنار، والأجسام المختلطة باردة، فكيف يكون مستعدًا لانقلابه نارًا‏؟‏
فإن قلتم‏:‏ لم لا تكون هناك أجزاء نارية تقلب هذه الأجسام، وتجعلها نارًا بسبب مخالطتها إياها‏؟‏
قلنا‏:‏ الكلام في حصول تلك الأجزاء النارية كالكلام في الأول، فإن قلتم‏:‏ إنا نرى من رش الماء على النورة المطفأة تنفصل منها نار، وإذا وقع شعاع الشمس على البلورة، ظهرت النار منها، وإذا ضربنا الحجر على الحديد، ظهرت النار، وكل هذه النارية حدثت عند الإختلاط، وذلك يبطل ما قررتموه في القسم الأول أيضًا‏.‏
قال المنكرون‏:‏ نحن لا ننكر أن تكون المصاكة الشديدة محدثة للنار، كما في ضرب الحجارة على الحديد، أو تكون قوة تسخين الشمس محدثة للنار، كما في البلورة، لكنا نستبعد ذلك جدًا في أجرام النبات والحيوان، إذ ليس في أجرامها من الإصطكاك ما يوجب حدوث النار، ولا فيها من الصفاء والصقال ما يبلغ إلى حد البلورة، كيف وشعاع الشمس يقع على ظاهرها، فلا تتولد النار البتة، فالشعاع الذي يصل إلى باطنها كيف يولد النار‏؟‏
الوجه الثاني‏:‏ في أصل المسألة‏:‏ أن الأطباء مجمعون على أن الشراب العتيق في غاية السخونة بالطبع، فلو كانت تلك السخونة بسبب الأجزاء النارية، لكانت محالًا إذ تلك الأجزاء النارية مع حقارتها كيف يعقل بقاؤها في الأجزاء المائية الغالبة دهرًا طويلًا، بحيث لا تنطفئ مع أنا نرى النار العظيمة تطفأ بالماء القليل‏.‏
الوجه الثالث‏:‏ أنه لو كان في الحيوان والنبات جزء ناري بالفعل، لكان مغلوبًا بالجزء المائي الذي فيه، وكان الجزء الناري مقهورًا به، وغلبة بعض الطبائع والعناصر على بعض يقتضي انقلاب طبيعة المغلوب إلى طبيعة الغالب، فكان يلزم بالضرورة انقلاب تلك الأجزاء النارية القليلة جدًا إلى طبيعة الماء الذي هو ضد النار الوجه الرابع‏:‏ أن الله سبحانه وتعالى ذكر خلق الإنسان في كتابه في مواضع متعددة، يخبر في بعضها أنه خلقه من ماء، وفي بعضها أنه خلقه من تراب، وفي بعضها أنه خلقه من المركب منهما وهو الطين، وفي بعضها أنه خلقه من صلصال كالفخار، وهو الطين الذي ضربته الشمس والريح حتى صار صلصالًا كالفخار، ولم يخبر في موضع واحد أنه خلقه من نار، بل جعل ذلك خاصية إبليس‏.‏ وثبت في صحيح مسلم ‏:‏ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم‏)‏، وهذا صريح في أنه خلق مما وصفه الله في كتابه فقط، ولم يصف لنا سبحانه أنه خلقه من نار، ولا أن في مادته شيئًا من النار‏.‏
الوجه الخامس‏:‏ أن غاية ما يستدلون به ما يشاهدون من الحرارة في أبدان الحيوان، وهي دليل على الأجزاء النارية، وهذا لا يدل، فإن أسباب الحرارة أعم من النار، فإنها تكون عن النار تارة، وعن الحركة أخرى، وعن انعكاس الأشعة، وعن سخونة الهواء، وعن مجاورة النار، وذلك بواسطة سخونة الهواء أيضًا، وتكون عن أسباب أخر، فلا يلزم من الحرارة النار‏.‏
قال أصحاب النار‏:‏ من المعلوم أن التراب والماء إذا اختلطا فلا بد لهما من حرارة تقتضي طبخهما وامتزاجهما، وإلا كان كل منهما غير ممازج للآخر، ولا متحدًا به، وكذلك إذا ألقينا البذر في الطين بحيث لا يصل إليه الهواء ولا الشمس فسد، فلا يخلو، إما أن يحصل في المركب جسم منضج طابخ بالطبع أو لا، فإن حصل، فهو الجزء الناري، وإن لم يحصل، لم يكن المركب مسخنًا بطبعه، بل إن سخن كان التسخين عرضيًا، فإذا زال التسخين العرضي، لم يكن الشيء حارًا في طبعه، ولا في كيفيته، وكان باردًا مطلقًا، لكن من الأغذية والأدوية ما يكون حارًا بالطبع، فعلمنا أن حرارتها إنما كانت، لأن فيها جوهرًا ناريًا‏.‏
وأيضًا فلو لم يكن في البدن جزء مسخن لوجب أن يكون في نهاية البرد، لأن الطبيعة إذا كانت مقتضية للبرد، وكانت خالية عن المعاون والمعارض، وجب انتهاء البرد إلى أقصى الغاية، ولو كان كذلك لما حصل لها الإحساس بالبرد، لأن البرد الواصل إليه إذا كان في الغاية كان مثله، والشيء لا ينفعل عن مثله، وإذا لم ينفعل عنه لم يحس به، وإذا لم يحس به لم يتألم عنه، وإن كان دونه فعدم الإنفعال يكون أولى، فلو لم يكن في البدن جزء مسخن بالطبع لما انفعل عن البرد، ولا تألم به‏.‏ قالوا‏:‏ وأدلتكم إنما تبطل قول من يقول‏:‏ الأجزاء النارية باقية في هذه المركبات على حالها، وطبيعتها النارية، ونحن لا نقول بذلك، بل نقول‏:‏ إن صورتها النوعية تفسد عند الامتزاج‏.‏
قال الآخرون‏:‏ لم لا يجوز أن يقال‏:‏ إن الأرض والماء والهواء إذا اختلطت، فالحرارة المنضجة الطابخة لها هي حرارة الشمس وسائر الكواكب، ثم ذلك المركب عند كمال نضجه مستعد لقبول الهيئة التركيبية بواسطة السخونة نباتًا كان أو حيوانًا أو معدنًا، وما المانع أن تلك السخونة والحرارة التي في المركبات هي بسبب خواص وقوى يحدثها الله تعالى عند ذلك الامتزاج لا من أجزاء نارية بالفعل‏؟‏ ولا سبيل لكم إلى إبطال هذا الإمكان البتة، وقد اعترف جماعة من فضلاء الأطباء بذلك‏.‏
وأما حديث إحساس البدن بالبرد، فنقول‏:‏ هذا يدل على أن في البدن حرارة وتسخينًا، ومن ينكر ذلك‏؟‏ لكن ما الدليل على انحصار المسخن في النار، فإنه وإن كان كل نار مسخنًا، فإن هذه القضية لا تنعكس كلية، بل عكسها الصادق بعض المسخن نار‏.‏
وأما قولكم بفساد صورة النار النوعية، فأكثر الأطباء على بقاء صورتها النوعية، والقول بفسادها قول فاسد قد اعترف بفساده أفضل متأخريكم في كتابه المسمى بالشفا، وبرهن على بقاء الأركان أجمع على طبائعها في المركبات‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:41 AM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل‏:‏ وكان علاجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمرض ثلاثة أنواع‏‏
أحدها‏:‏ بالأدوية الطبيعية‏.‏
والثاني‏:‏ بالأدوية الإلهية‏.‏
والثالث‏:‏ بالمركب من الأمرين‏.‏
ونحن نذكر الأنواع الثلاثة من هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنبدأ بذكر الأدوية الطبيعية التي وصفها واستعملها، ثم نذكر الأدوية الإلهية، ثم المركبة‏.‏
وهذا إنما نشير إليه إشارة، فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما بعث هاديًا، وداعيًا إلى الله، وإلى جنته، ومعرفًا بالله، ومبينًا للأمة مواقع رضاه وآمرًا لهم بها، ومواقع سخطه وناهيًا لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبار تخليق العالم، وأمر المبدأ والمعاد، وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها، وأسباب ذلك‏.‏
وأما
طب الأبدان
فجاء من تكميل شريعته، ومقصودًا لغيره، بحيث إنما يستعمل عند الحاجة إليه، فإذا قدر على الإستغناء عنه،كان صرف الهمم والقوى إلى علاج القلوب والأرواح، وحفظ صحتها، ودفع أسقامها، وحميتها مما يفسدها هو المقصود بالقصد الأول، وإصلاح البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدًا، وهي مضرة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة التامة، وبالله التوفيق‏.‏
ذكر القسم الأول وهو العلاج بالأدوية الطبيعية
فصل‏:‏ في هديه في علاج الحمى
ثبت في الصحيحين‏:‏ عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏إنما الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء‏)‏‏.‏
وقد أشكل هذا الحديث على كثير من جهلة الأطباء، ورأوه منافيًا لدواء الحمى وعلاجها، ونحن نبين بحول الله وقوته وجهه وفقهه، فنقول‏:‏ خطاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نوعان‏:‏ عام لأهل الأرض، وخاص ببعضهم، فالأول‏:‏ كعامة خطابه، والثاني‏:‏ كقوله‏:‏ ‏(‏لا تستقبلوا القبلة بغائط، ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا، أو غربوا‏)‏ فهذا ليس بخطاب لأهل المشرق والمغرب ولا العراق، ولكن لأهل المدينة وما على سمتها، كالشام وغيرها‏.‏ وكذلك قوله‏:‏ ‏(‏ما بين المشرق والمغرب قبلة‏)‏‏.‏
وإذا عرف هذا، فخطابه في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز، وما والاهم، إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس، وهذه ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا، فإن الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنبث منه بتوسط الروح والدم في الشرايين والعروق إلى جميع البدن، فتشتعل فيه اشتعالًا يضر بالأفعال الطبيعية، وهي تنقسم إلى قسمين‏:‏ عرضية‏:‏ وهي الحادثة إما عن الورم، أو الحركة، أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك‏.‏
ومرضية‏:‏ وهي ثلاثة أنواع، وهي لا تكون إلا في مادة أولى، ثم منها يسخن جميع البدن‏.‏ فإن كان مبدأ تعلقها بالروح سميت حمى يوم، لأنها في الغالب تزول في يوم، ونهايتها ثلاثة أيام، وإن كان مبدأ تعلقها بالأخلاط سميت عفنية، وهي أربعة أصناف‏:‏ صفراوية، وسوداوية، وبلغمية، ودموية‏.‏ وإن كان مبدأ تعلقها بالأعضاء الصلبة الأصلية، سميت حمى دق، وتحت هذه الأنواع أصناف كثيرة‏.‏
وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعًا عظيمًا لا يبلغه الدواء، وكثيرًا ما يكون حمى يوم، وحمى العفن سببًا لإنضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها، وسببًا لتفتح سدد لم يكن تصل إليها الأدوية المفتحة‏.‏
وأما الرمد الحديث والمتقادم، فإنها تبرئ أكثر أنواعه برءًا عجيبًا سريعًا، وتنفع من الفالج، واللقوة، والتشنج الامتلائي، وكثيرًا من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة‏.‏
وقال لي بعض فضلاء الأطباء‏:‏ إن كثيرًا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى، كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء بكثير، فإنها تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضر بالبدن، فإذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئة للخروج بنضاجها، فأخرجها، فكانت سببًا للشفاء‏.‏
وإذا عرف هذا، فيجوز أن يكون مراد الحديث من أقسام الحميات العرضية، فإنها تسكن على المكان بالإنغماس في الماء البارد،وسقي الماء البارد المثلوج، ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر، فإنها مجرد كيفية حارة متعلقة بالروح، فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة تسكنها، وتخمد لهبها من غير حاجة إلى استفراغ مادة، أو انتظار نضج‏.‏
ويجوز أن يراد به جميع أنواع الحميات، وقد اعترف فاضل الأطباء جالينوس‏:‏ بأن الماء البارد ينفع فيها، قال في المقالة العاشرة من كتاب حيلة البرء ‏:‏ ولو أن رجلًا شابًا حسن اللحم، خصب البدن في وقت القيظ، وفي وقت منتهى الحمى، وليس في أحشائه ورم، استحم بماء بارد أو سبح فيه، لانتفع بذلك‏.‏ قال‏:‏ ونحن نأمر بذلك لا توقف‏.‏
وقال الرازي في كتابه الكبير‏:‏ إذا كانت القوة قوية، والحمى، حادة جدًا، والنضج بين ولا ورم في الجوف، ولا فتق، ينفع الماء البارد شربًا، وإن كان العليل خصب البدن والزمان حار، وكان معتادًا لاستعمال الماء البارد من خارج، فليؤذن فيه‏.‏
وقوله‏:‏ ‏(‏الحمى من فيح جهنم‏)‏، هو شدة لهبها، وانتشارها، ونظيره‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏شدة الحر من فيح جهنم‏)‏ وفيه وجهان‏.‏
أحدهما‏:‏ أن ذلك أنموذج ورقيقة اشتقت من جهنم ليستدل بها العباد عليها، ويعتبروا بها، ثم إن الله سبحانه قدر ظهورها بأسباب تقتضيها، كما أن الروح والفرح و السرور واللذة من نعيم الجنة أظهرها الله في هذه الدار عبرة ودلالة، وقدر ظهورها بأسباب توجبها‏.‏
والثاني‏:‏ أن يكون المراد التشبيه، فشبه شدة الحمى ولهبها بفيح جهنم، وشبه شدة الحر به أيضًا تنبيهًا للنفوس على شدة عذاب النار، وأن هذه الحرارة العظيمة مشبهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها‏.‏
وقوله‏:‏ فأبردوها، روي بوجهين‏:‏ بقطع الهمزة وفتحها، رباعي‏:‏ من أبرد الشيء‏:‏ إذا صيره باردًا، مثل أسخنه‏:‏ إذا صيره سخنًا‏.‏
والثاني‏:‏ بهمزة الوصل مضمومة من برد الشيء يبرده، وهو أفصح لغة واستعمالًا، والرباعي لغة رديئة عندهم قال‏:‏
إذا وجدت لهيب الحب في كبدي ** أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظـاهره ** فمن لنار علي الأحشاء تتقد
وقوله‏:‏ بالماء، فيه قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنه كل ماء وهو الصحيح‏.‏ والثاني‏:‏ أنه ماء زمزم، واحتج أصحاب هذا القول بما رواه البخاري في صحيحه عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال‏:‏ كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فقال‏:‏ أبردها عنك بماء زمزم، فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، أو قال‏:‏ بماء زمزم‏)‏‏.‏ وراوي هذا قد شك فيه، ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكة بماء زمزم، إذ هو متيسر عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماء‏.‏
ثم اختلف من قال‏:‏ إنه على عمومه، هل المراد به الصدقة بالماء، أو استعماله‏؟‏ على قولين‏.‏ والصحيح أنه استعمال، وأظن أن الذي حمل من قال‏:‏ المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى، ولم يفهم وجهه مع أن لقوله وجهًا حسنًا، وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد، أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقًا، ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به فاستعماله‏.‏
وقد ذكر أبو نعيم وغيره من حديث أنس يرفعه‏:‏ ‏(‏إذا حم أحدكم، فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر‏)‏‏.‏
وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة يرفعه‏:‏ ‏(‏الحمى كير من كير جهنم، فنحوها عنكم بالماء البارد‏)‏‏.‏
وفي المسند وغيره، من حديث الحسن، عن سمرة يرفعه‏:‏ ‏(‏الحمى قطعة من النار، فأبردوها عنكم بالماء البارد‏)‏، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا حم دعا بقربة من ماء، فأفرغها على رأسه فاغتسل‏.‏
وفي السنن‏:‏ من حديث أبي هريرة قال‏:‏ ذكرت الحمى عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسبها رجل، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏لا تسبها فإنها تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الحديد‏)‏‏.‏
لما كانت الحمى يتبعها حمية عن الأغذية الرديئة، وتناول الأغذية والأدوية النافعة، وفي ذلك إعانة على تنقية البدن، ونفي أخباثه وفضوله، وتصفيته من مواده الرديئة، وتفعل فيه كما تفعل النار في الحديد في نفي خبثه، وتصفية جوهره، كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي تصفي جوهر الحديد، وهذا القدر هو المعلوم عند أطباء الأبدان‏.‏
وأما تصفيتها القلب من وسخه ودرنه، وإخراجها خبائثه، فأمر يعلمه أطباء القلوب، ويجدونه كما أخبرهم به نبيهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن مرض القلب إذا صار مأيوسًا من برئه، لم ينفع فيه هذا العلاج‏.‏
فالحمى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه المثابة فسبه ظلم وعدوان، وذكرت مرة وأنا محموم قول بعض الشعراء يسبها‏:‏
زارت مكفرة الذنــوب وودعــت ** تبــًا لهــا مــن زائــر ومودع
قالت وقد عزمت على ترحالهـــا ** ماذا تريد فقلت أن لا تـــــرجعي
فقلت‏:‏ تبًا له إذ سب ما نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سبه، ولو قال‏:‏
زارت مكفــــرة الذنوب لصبهــا ** أهلًا بهـــا مــــن زائر ومودع
قالت وقد عزمت على ترحالها ** ماذا تريد فقلت‏:‏ أن لا تقــــــــلعي
لكان أولى به، ولأقلعت عنه، فأقلعت عني سريعًا‏.‏ وقد روي في أثر لا أعرف حاله حمى يوم كفارة سنة، وفيه قولان أحدهما‏:‏ أن الحمى تدخل في كل الأعضاء والمفاصل، وعدتها ثلاثمائة وستون مفصلًا، فتكفر عنه ـ بعدد كل مفصل ـ ذنوب يوم‏.‏ والثاني‏:‏ أنها تؤثر في البدن تأثيرًا لا يزول بالكلية إلى سنة، كما قيل في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا‏)‏‏:‏ إن أثر الخمر يبقى في جوف العبد، وعروقه، وأعضائه أربعين يومًا والله أعلم‏.‏
قال أبو هريرة‏:‏ ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى، لأنها تدخل في كل عضو مني، وإن الله سبحانه يعطي كل عضو حظه من الأجر‏.‏
وقد روى الترمذي في جامعه من حديث رافع بن خديج يرفعه‏:‏ ‏(‏إذا أصابت أحدكم الحمى ـ وإن الحمى قطعة من النار ـ فليطفئها بالماء البارد ويستقبل نهرًا جاريًا، فليستقبل جرية الماء بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، وليقل‏:‏ بسم الله اللهم اشف عبدك، وصدق رسولك، وينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فان برئ، والإ ففى خمس، فإن لم يبرأ في خمس، فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله‏)‏‏.‏
قلت‏:‏ وهو ينفع فعله في فصل الصيف في البلاد الحارة على الشرائط التي تقدمت، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس، ووفور القوى في ذلك الوقت لما أفادها النوم، والسكون، وبرد الهواء، فتجتمع فيه قوة القوى، وقوة الدواء، وهو الماء البارد على حرارة الحمى العرضية، أو الغب الخالصة، أعني التي لا ورم معها، ولا شيء من الأعراض الرديئة والمواد الفاسدة، فيطفئها بإذن الله، لا سيما في أحد الأيام المذكورة في الحديث، وهي الأيام التي يقع فيها بحران الأمراض الحادة كثيرًا، سيما في البلاد المذكورة لرقة أخلاط سكانها، وسرعة انفعالهم عن الدواء النافع‏.‏
فصل‏:‏ في هديه في علاج استطلاق البطن
في الصحيحين‏:‏ من حديث أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري ‏(‏أن رجلًا أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ إن أخي يشتكي بطنه‏:‏ وفي رواية‏:‏ استطلق بطنه، فقال‏:‏ اسقه عسلًا، فذهب ثم رجع، فقال‏:‏ قد سقيته، فلم يغن عنه شيئًا‏.‏ وفي لفظ‏:‏ فلم يزده إلا استطلاقًا مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول له‏:‏ اسقه عسلًا، فقال له في الثالثة أو الرابعة‏:‏ صدق الله، وكذب بطن أخيك‏)‏‏.‏
وفي صحيح مسلم في لفظ له‏:‏ ‏(‏إن أخي عرب بطنه‏)‏، أي فسد هضمه، واعتلت معدته، والاسم العرب بفتح الراء، والذرب أيضًا‏.‏
والعسل فيه منافع عظيمة، فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها، محلل للرطوبات أكلًا وطلاءً، نافع للمشايخ وأصحاب البلغم، ومن كان مزاجه باردًا رطبًا، وهو مغذ ملين للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه، مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة، منق للكبد والصدر، مدر للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شرب حارًا بدهن الورد، نفع من نهش الهوام وشرب الأفيون، وإن شرب وحده ممزوجًا بماء نفع من عضة الكلب الكلب، وأكل الفطر القتال، وإذا جعل فيه اللحم الطري، حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك إن جعل فيه القثاء، والخيار، والقرع، والباذنجان، ويحفظ كثيرًا من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويسمى الحافظ الأمين‏.‏ وإذا لطخ به البدن المقمل والشعر، قتل قمله وصئبانه، وطول الشعر، وحسنه، ونعمه، وإن اكتحل به، جلا ظلمة البصر، وإن استن به، بيض الأسنان وصقلها، وحفظ صحتها، وصحة اللثة، ويفتح أفواه العروق، ويدر الطمث، ولعقه على الريق يذهب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويدفع الفضلات عنها، ويسخنها تسخينًا معتدلًا، ويفتح سددها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أقل ضررًا لسدد الكبد والطحال من كل حلو‏.‏
وهو مع هذا كله مأمون الغائلة، قليل المضار، مضر بالعرض للصفراويين، ودفعها بالخل ونحوه، فيعود حينئذ نافعًا له جدًا‏.‏
وهو غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطلاء مع الأطلية، ومفرح مع المفرحات، فما خلق لنا شيء فى في معناه أفضل منه، ولا مثله، ولا قريبًا منه، ولم يكن معول القدماء إلا عليه، وأكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسكر البتة، ولا يعرفونه، فإنه حديث العهد حدث قريبًا، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشربه بالماء على الريق، وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة لا يدركه إلا الفطن الفاضل، وسنذكر ذلك إن شاء الله عند ذكر هديه في حفظ الصحة‏.‏
وفي سنن ابن ماجه مرفوعًا من حديث أبي هريرة ‏(‏من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر، لم يصبه عظيم من البلاء‏)‏، وفي أثر آخر‏:‏ ‏(‏عليكم بالشفائين‏:‏ العسل والقرآن‏)‏‏.‏ فجمع بين الطب البشري والإلهي، وبين طب الأبدان، وطب الأرواح، وبين الدواء الأرضي والدواء السمائي‏.‏
إذا عرف هذا، فهذا الذي وصف له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ العسل، كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته عن امتلاء، فأمره بشرب العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء، فإن العسل فيه جلاء، ودفع للفضول، وكان قد أصاب المعدة أخلاط لزجة، تمنع استقرار الغذاء فيها للزوجتها، فإن المعدة لها خمل كخمل القطيفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة، أفسدتها وأفسدت الغذاء، فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، والعسل جلاء، والعسل من أحسن ما عولج به هذا الداء، لا سيما إن مزج بالماء الحار‏.‏
وفي تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع، وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار، وكمية بحسب حال الداء، إن قصر عنه، لم يزله بالكلية، وإن جاوزه‏.‏ أوهى القوى، فأحدث ضررًا آخر، فلما أمره أن يسقيه العسل، سقاه مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، ولا يبلغ الغرض، فلما أخبره، علم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة، فلما تكرر ترداده إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكد عليه المعاودة ليصل إلى المقدار المقاوم للداء، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء، برأ، بإذن الله، واعتبار مقادير الأدوية، وكيفياتها، ومقدار قوة المرض مرض من أكبر قواعد الطب‏.‏
وفي قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏صدق الله وكذب بطن أخيك‏)‏، إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، ولكن لكذب البطن، و كثرة المادة الفاسدة فيه، فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة‏.‏
وليس طبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كطب الأطباء، فإن طب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ متيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي، ومشكاة النبوة، وكمال العقل‏.‏ وطب غيره، أكثره حدس وظنون، وتجارب، ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول، واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور ـ إن لم يتلق هذا التلقي ـ لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا رجسًا إلى رجسهم، ومرضًا إلى مرضهم، وأين يقع طب الأبدان منه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطبية، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطبية والقلوب الحية، فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن طب الإستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع، وليس ذلك لقصور فى الدواء، ولكن لخبث الطبيعة، وفساد المحل، وعدم قبوله، والله الموفق‏.‏
فصل‏:‏ في هديه في داء الاستسقاء وعلاجه
في الصحيحين ‏:‏ من حديث أنس بن مالك، قال‏:‏ قدم رهط من عرينة وعكل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاجتووا المدينة، فشكوا ذلك إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ ‏(‏لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فلما صحوا، عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربو الله ورسوله، فبعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، وألقاهم في الشمس حتى ماتوا‏)‏‏.‏
والدليل على أن هذا المرض كان الإستسقاء، ما رواه مسلم في صحيحه في هذا الحديث أنهم قالوا‏:‏ إنا اجتوينا المدينة، فعظمت بطوننا، وارتهشت أعضاؤنا، وذكر تمام الحديث‏.‏‏.‏‏.‏
والجوى‏:‏ داء من أدواء الجوف ـ والاستسقاء‏:‏ مرض مادي سببه مادة غريبة باردة تتخلل الأعضاء فتربو لها إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط، وأقسامه ثلاثة‏:‏ لحمي، وهو أصعبها‏.‏ وزقي، وطبلي‏.‏
ولما كانت الأدوية المحتاج إليها فى علاجه هي الأدوية الجالبة التي فيها إطلاق معتدل، وإدرار بحسب الحاجة، وهذه الأمور موجودة في أبوال الإبل وألبانها، أمرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشربها، فإن في لبن اللقاح جلاءً وتليينًا، وإدرارًا وتلطيفًا، وتفتيحًا للسدد، إذ كان أكثر رعيها الشيح، والقيصوم، والبابونج، والأقحوان، والإذخر، وغير ذلك من الأدوية النافعة للإستسقاء‏.‏
وهذا المرض لا يكون إلا مع آفة في الكبد خاصة، أو مع مشاركة، وأكثرها عن السدد فيها، ولبن اللقاح العربية نافع من السدد، لما فيه من التفتيح، والمنافع المذكورة‏.‏
قال الرازي‏:‏ لبن اللقاح يشفي أوجاع الكبد، وفساد المزاج، وقال الإسرائيلي‏:‏ لبن اللقاح أرق الألبان، وأكثرها مائية وحدة، وأقلها غذاء، فلذلك صار أقواها على تلطيف الفضول، وإطلاق البطن، وتفتيح السدد، ويدل على ذلك ملوحته اليسيرة التي فيه لإفراط حرارة حيوانية بالطبع، ولذلك صار أخص الألبان بتطرية الكبد، وتفتيح سددها، وتحليل صلابة الطحال إذا كان حديثًا، والنفع من الاستسقاء خاصة إذا استعمل لحرارته التي يخرج بها من الضرع مع بول الفصيل، وهو حار كما يخرج من الحيوان، فإن ذلك مما يزيد في ملوحته، وتقطيعه الفضول، وإطلاقه البطن، فإن تعذر انحداره وإطلاقه البطن، وجب أن يطلق بدواء مسهل‏.‏
قال صاحب القانون‏:‏ ولا يلتفت إلى ما يقال‏:‏ من أن طبيعة اللبن مضادة لعلاج الإستسقاء‏.‏ قال‏:‏ واعلم أن لبن النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق، وما فيه من خاصية، وأن هذا اللبن شديد المنفعة، فلو أن إنسانًا أقام عليه بدل الماء والطعام شفي به، وقد جرب ذلك في قوم دفعوا إلى بلاد العرب، فقادتهم الضرورة إلى ذلك، فعوفوا‏.‏ وأنفع الأبوال‏:‏ بول الجمل الأعرابي، وهو النجيب، انتهى‏.‏
وفي القصة‏:‏ دليل على التداوي والتطبب، وعلى طهارة بول مأكول اللحم، فإن التداوي بالمحرمات غير جائز، ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم، وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصلاة، وتأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة‏.‏
وعلى مقاتلة الجاني بمثل ما فعل، فإن هؤلاء قتلوا الراعي، وسملوا عينيه، ثبت ذلك في صحيح مسلم ‏.‏
وعلى قتل الجماعة، وأخذ أطرافهم بالواحد‏.‏
وعلى أنه إذا اجتمع في حق الجاني حد وقصاص استوفيا معًا، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قطع أيديهم وأرجلهم حدًا لله على حرابهم، وقتلهم لقتلهم الراعي‏.‏
وعلى أن المحارب إذا أخذ المال، وقتل، قطعت يده ورجله في مقام واحد وقتل‏.‏
وعلى أن الجنايات إذا تعددت، تغلظت عقوباتها، فإن هؤلاء ارتدوا بعد إسلامهم، وقتلوا النفس، ومثلوا بالمقتول، وأخذوا المال، وجاهروا بالمحاربة‏.‏
وعلى أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرهم، فإنه من المعلوم أن كل واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه، ولا سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك‏.‏
وعلى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدًا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، وهذا مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين فى مذهب أحمد، اختاره شيخنا، وأفتى به‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:42 AM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل‏:‏ في هديه في العلاج بشرب العسل، والحجامة، والكي
في صحيح البخاري‏:‏ عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏الشفاء في ثلاث‏:‏ شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي‏)‏‏.‏
قال أبو عبد الله المازري‏:‏ الأمراض الامتلائية‏:‏ إما أن تكون دموية، أو صفراوية، أو بلغمية، أو سوداوية‏.‏ فإن كانت دموية، فشفاؤها إخراج الدم، وإن كانت من الأقسام الثلاثة الباقية، فشفاؤها بالإسهال الذي يليق بكل خلط منها، وكأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعسل على المسهلات، وبالحجامة على الفصد، وقد قال بعض الناس‏:‏ إن الفصد يدخل في قوله‏:‏ شرطة محجم‏.‏ فإذا أعيا الدواء، فآخر الطب الكي، فذكره ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأدوية، لأنه يستعمل عند غلبة الطباع لقوى الأدوية، وحيث لا ينفع الدواء المشروب‏.‏ وقوله‏:‏ وأنا أنهى أمتي عن الكي، وفي الحديث الآخر‏:‏ وما أحب أن أكتوي، إشارة إلى أن يؤخر العلاج به حتى تدفع الضرورة إليه، ولا يعجل التداوي به لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي، انتهى كلامه‏.‏
وقال بعض الأطباء‏:‏ الأمراض المزاجية‏:‏ إما أن تكون بمادة، أو بغير مادة، والمادية منها‏:‏ إما حارة، أو باردة، أو رطبة، أو يابسة، أو ما تركب منها، وهذه الكيفيات الأربع، منها كيفيتان فاعلتان‏:‏ وهما الحرارة والبرودة، وكيفيتان منفعلتان، وهما الرطوبة واليبوسة، ويلزم من غلبة إحدى الكيفيتين الفاعلتين استصحاب كيفية منفعلة معها، وكذلك كان لكل واحد من الأخلاط الموجودة في البدن، وسائر المركبات كيفيتان‏:‏ فاعلة ومنفعلة‏.‏
فحصل من ذلك أن أصل الأمراض المزاجية هي التابعة لأقوى كيفيات الأخلاط التي هي الحرارة والبرودة، فجاء كلام النبوة في أصل معالجة الأمراض التي هي الحارة والباردة على طريق التمثيل، فإن كان المرض حارًا، عالجناه بإخراج الدم، بالفصد كان أو بالحجامة، لأن في ذلك استفراغًا للمادة، وتبريدًا للمزاج‏.‏ وإن كان باردًا عالجناه بالتسخين، وذلك موجود في العسل، فإن كان يحتاج مع ذلك إلى استفراغ المادة الباردة، فالعسل أيضًا يفعل في ذلك لما فيه من الإنضاج، والتقطيع، والتلطيف، والجلاء، والتليين، فيحصل بذلك استفراغ تلك المادة برفق وأمن من نكاية المسهلات القوية‏.‏
وأما الكي‏:‏ فلأن كل واحد من الأمراض المادية، إما أن يكون حادًا فيكون سريع الإفضاء لأحد الطرفين، فلا يحتاج إليه فيه، وإما أن يكون مزمنًا، وأفضل علاجه بعد الإستفراغ الكي في الأعضاء التي يجوز فيها الكي، لأنه لا يكون مزمنًا إلا عن مادة باردة غليظة قد رسخت في العضو، وأفسدت مزاجه، وأحالت جميع ما يصل إليه إلى مشابهة جوهرها، فيشتعل في ذلك العضو، فيستخرج بالكي تلك المادة من ذلك المكان الذي هو فيه بإفناء الجزء الناري الموجود بالكي لتلك المادة‏.‏
فتعلمنا بهذا الحديث الشريف أخذ معالجة الأمراض المادية جميعها، كما استنبطنا معالجة الأمراض الساذجة من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إن شدة الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء‏)‏‏.‏
فصل‏:‏ وأما الحجامة
ففي سنن ابن ماجه من حديث جبارة بن المغلس، ـ وهو ضعيف ـ عن كثير بن سليم، قال‏:‏ سمعت أنس بن مالك يقول‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏ما مررت ليلة أسري بي بملإ إلا قالوا‏:‏ يا محمد مر أمتك بالحجامة‏)‏‏.‏
وروى الترمذي في جامعه من حديث ابن عباس هذا الحديث‏:‏ وقال فيه‏:‏ ‏(‏عليك بالحجامة يا محمد‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين‏:‏ من حديث طاووس، عن ابن عباس، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏احتجم وأعطى الحجام أجره‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين أيضًا، عن حميد الطويل، عن أنس، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكلم مواليه، فخففوا عنه من ضريبته، وقال‏:‏ ‏(‏خير ما تداويتم به الحجامة‏)‏‏.‏
وفي جامع الترمذي عن عباد بن منصور، قال‏:‏ سمعت عكرمة يقول‏:‏ كان لابن عباس غلمة ثلاثة حجامون، فكان اثنان يغلان عليه، وعلى أهله، وواحد لحجمه، وحجم أهله‏.‏ قال‏:‏ وقال ابن عباس‏:‏ قال نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏نعم العبد الحجام يذهب بالدم، ويخف الصلب، ويجلو البصر‏)‏، وقال‏:‏ إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث عرج به، ما مر على ملإ من الملائكه إلا قالوا‏:‏ ‏(‏عليك بالحجامة‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة، ويوم تسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشي‏)‏، وإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لد فقال‏:‏ ‏(‏من لدني‏؟‏ فكلهم أمسكوا، فقال‏:‏ لا يبقى أحد في البيت إلا لد إلا العباس‏)‏‏.‏ قال‏:‏ هذا حديث غريب، ورواه ابن ماجه‏.‏
فصل‏:‏ وأما منافع الحجامة
فإنها تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد‏.‏
قلت‏:‏ والتحقيق في أمرها وأمر الفصد، أنهما يختلفان باختلاف الزمان، والمكان، والأسنان، والأمزجة، فالبلاد الحارة، والأزمنة الحارة، والأمزجة الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير، فإن الدم ينضج ويرق ويخرج إلى سطح الجسد الداخل، فتخرج الحجامة ما لا يخرجه الفصد، ولذلك كانت أنفع للصبيان من الفصد، ولمن لا يقوى على الفصد، وقد نص الأطباء على أن البلاد الحارة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد، وتستحب في وسط الشهر، وبعد وسطه‏.‏ وبالجملة، في الربع الثالث من أرباع الشهر، لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعد قد هاج وتبيغ، وفي آخره يكون قد سكن‏.‏ وأما في وسطه وبعيده، فيكون في نهاية التزيد‏.‏
قال صاحب القانون‏:‏ ويؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر، لأن الأخلاط لا تكون قد تحركت وهاجت، ولا في آخره لأنها تكون قد نقصت، بل في وسط الشهر حين تكون الأخلاط هائجة بالغة في تزايدها لتزيد النور في جرم القمر‏.‏ وقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏خير ما تداويتم به الحجامة والفصد‏)‏‏.‏ وفي حديث‏:‏ ‏(‏خير الدواء الحجامة والفصد‏)‏‏.‏ انتهى‏.‏
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏خير ما تداويتم به الحجامة‏)‏ إشارة إلى أهل الحجاز، والبلاد الحارة، لأن دماءهم رقيقة، وهي أميل الى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد، واجتماعها في نواحي الجلد، ولأن مسام أبدانهم واسعة، وقواهم متخلخلة، ففي الفصد لهم خطر، والحجامة تفرق اتصالي إرادي يتبعه استفراغ كلي من العروق، وخاصة العروق التي لا تفصد كثيرًا، ولفصد كل واحد منها نفع خاص، ففصد الباسليق‏:‏ ينفع من حرارة الكبد والطحال والأورام الكائنة فيهما من الدم، وينفع من أورام الرئة، وينفع من الشوصة وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك‏.‏
وفصد الأكحل‏:‏ ينفع من الإمتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويًا، وكذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن‏.‏
وفصد القيفال‏:‏ ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم أو فساده‏.‏
وفصد الودجين‏:‏ ينفع من وجع الطحال، والربو، والبهر، ووجع الجبين‏.‏
والحجامة على الكاهل‏:‏ تنفع من وجع المنكب والحلق‏.‏
والحجامة على الأخدعين، تنفع من أمراض الرأس، وأجزائه، كالوجه، والأسنان، والأذنين، والعينين، والأنف، والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده، أو عنهما جميعًا‏.‏ قال أنس رضي الله تعالى عنه‏:‏ كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحتجم في الأخدعين والكاهل‏.‏
وفي الصحيحين عنه‏:‏ كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحتجم ثلاثًا‏:‏ واحدة على كاهله، واثنتين على الأخدعين‏.‏
وفي الصحيح‏:‏ عنه، أنه احتجم وهو محرم في رأسه لصداع كان به‏.‏
وفي سنن ابن ماجه عن علي، نزل جبريل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحجامة الأخدعين والكاهل‏.‏
وفي سنن أبي داود من حديث جابر، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏احتجم في وركه من وثء كان به‏)‏‏.‏
فصل‏:‏ واختلف الأطباء فى الحجامة
على نقرة القفا، وهى القمحدوة‏.‏
وذكر أبو نعيم في كتاب الطب النبوي حديثًا مرفوعًا ‏(‏عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة، فإنها تشفي من خمسة أدواء‏)‏، ذكر منها الجذام‏.‏
وفي حديث آخر‏:‏ ‏(‏عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة، فإنها شفاء من اثنين وسبعين داء‏)‏‏.‏
فطائفة منهم استحسنته وقالت‏:‏ إنها تنفع من جحظ العين، والنتوء العارض فيها، وكثير من أمراضها، ومن ثقل الحاجبين والجفن، وتنفع من جربه‏.‏ وروي أن أحمد بن حنبل احتاج إليها، فاحتجم في جانبي قفاه، ولم يحتجم في النقرة، وممن كرهها صاحب القانون وقال‏:‏ إنها تورث النسيان حقًا، كما قال سيدنا ومولانا وصاحب شريعتنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن مؤخر الدماغ موضع الحفط، والحجامة تذهبه، انتهى كلامه‏.‏
ورد عليه آخرون، وقالوا‏:‏ الحديث لا يثبت، وإن ثبث فالحجامة، إنما تضعف مؤخر الدماغ إذا استعملت لغير ضرورة، فأما إذا استعملت لغلبة الدم عليه، فإنها نافعة له طبًا وشرعًا، فقد ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه احتجم في عدة أماكن من قفاه بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك، واحتجم في غير القفا بحسب ما دعت إليه حاجته‏.‏
فصل‏:‏ والحجامة تحت الذقن
تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم، إذا استعملت في وقتها، وتنقي الرأس والفكين، والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن، وهو عرق عظيم عند الكعب، وتنفع من قروح الفخذين والساقين، وانقطاع الطمث، والحكة العارضة في الإنثيين، والحجامة في أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ، وجربه وبثوره، ومن النقرس والبواسير، والفيل وحكة الظهر‏.‏
فصل‏:‏ في هديه في أوقات الحجامة
روى الترمذي في جامعه‏:‏ من حديث ابن عباس يرفعه‏:‏ ‏(‏إن خير ما تحتجمون في يوم سابع عشرة، أو تاسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين‏)‏‏.‏
وفيه ‏(‏عن أنس كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحتجم في الأخدعين والكاهل، وكان يحتجم لسبعة عشر، وتسعة عشر، وفي إحدى وعشرين‏)‏‏.‏
وفي سنن ابن ماجه عن أنس مرفوعًا‏:‏ ‏(‏من أراد الحجامة فليتحر سبعة عشر، أو تسعة عشر، أو إحدى وعشرين، لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله‏)‏‏.‏
وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا‏:‏ ‏(‏من احتجم لسبع عشرة، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين، كانت شفاء من كل داء‏)‏، وهذا معناه من كل داء سببه غلبة الدم‏.‏
وهذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء، أن الحجامة في النصف الثاني، وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله وآخره، وإذا استعملت عند الحاجة إليها نفعت أي وقت كان من أول الشهر وآخره‏.‏
قال الخلال‏:‏ أخبرني عصمة بن عصام، قال‏:‏ حدثنا حنبل، قال‏:‏ كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يحتجم أي وقت هاج به الدم، وأي ساعة كانت‏.‏
وقال صاحب القانون‏:‏ أوقاتها في النهار‏:‏ الساعة الثانية أو الثالثة، ويجب توقيها بعد الحمام إلا فيمن دمه غليط، فيجب أن يستحم، ثم يستجم ساعة، ثم يحتجم، انتهى‏.‏
وتكره عندهم الحجامة على الشبع، فإنها ربما أورثت سددًا وأمراضًا رديئة، لا سيما إذا كان الغذاء رديئًا غليظًا‏.‏ وفي أثر‏:‏ ‏(‏الحجامة على الريق دواء، وعلى الشبع داء، وفي سبعة عشر من الشهر شفاء‏)‏‏.‏
واختيار هذه الأوقات للحجامة، فيما إذا كانت على سبيل الإحتياط والتحرز من الأذى، وحفظًا للصحة‏.‏ وأما في مداواة الأمراض، فحيثما وجد الاحتياح إليها وجب استعمالها‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏(‏لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله‏)‏‏.‏ دلالة على ذلك، يعني لئلا يتبيغ، فحذف حرف الجر مع ‏(‏أن‏)‏، ثم حذفت ‏(‏أن‏)‏‏.‏ والتبيغ‏:‏ الهيج، وهو مقلوب البغي، وهو بمعناه، فإنه بغي الدم وهيجانه‏.‏ وقد تقدم أن الإمام أحمد كان يحتجم أي وقت احتاج من الشهر‏.‏
فصل‏:‏ وأما اختيار أيام الأسبوع للحجامة
فقال الخلال في جامعه‏:‏ أخبرنا حرب بن إسماعيل، قال‏:‏ قلت لأحمد‏:‏ تكره الحجامة في شء من الأيام‏؟‏ قال‏:‏ قد جاء في الأربعاء والسبت‏.‏
وفيه‏:‏ عن الحسين بن حسان، أنه سأل أبا عبد الله عن الحجامة‏:‏ أي يوم تكره‏؟‏ فقال‏:‏ في يوم السبت، ويوم الأربعاء، ويقولون‏:‏ يوم الجمعة‏.‏
وروى الخلال، عن أبي سلمة وأبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا‏:‏ ‏(‏من احتجم يوم الأربعاء أو يوم السبت، فأصابه بياض أو برص، فلا يلومن إلا نفسه‏)‏‏.‏
وقال الخلال‏:‏ أخبرنا محمد بن علي بن جعفر، أن يعقوب بن بختان حدثهم، قال‏:‏ سئل أحمد عن النورة والحجامة يوم السبت ويوم الأربعاء‏؟‏ فكرهها‏.‏ وقال‏:‏ بلغني عن رجل أنه تنور، واحتجم يعني يوم الأربعاء، فأصابه البرص‏.‏ قلت له‏:‏ كأنه تهاون بالحديث‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏
وفي كتاب الأفراد للدارقطني، من حديث نافع قال‏:‏ قال لي عبد الله بن عمر‏:‏ تبيغ بي الدم، فابغ لي حجامًا، ولا يكن صبيًا ولا شيخًا كببرًا، فإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏الحجامة تزيد الحافظ حفظًا، والعاقل عقلًا، فاحتجموا على اسم الله تعالى، ولا تحتجموا الخميس، والجمعة، والسبت، والأحد، واحتجموا الإثنين، وما كان من جذام ولا برص، إلا نزل يوم الأربعاء‏)‏‏.‏ قال الدارقطني‏:‏ تفرد به زياد بن يحيى، وقد رواه أيوب عن نافع، وقال فيه‏:‏ ‏(‏واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء، ولا تحتجموا يوم الأربعاء‏)‏‏.‏
وقد روى أبو داود في سننه من حديث أبي بكرة، أنه كان يكره الحجامة يوم الثلاثاء، وقال‏:‏ إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا يرقأ فيها الدم‏)‏‏.‏
فصل‏:‏ وفي ضمن هذه الأحاديث المتقدمة استحباب التداوي
واستحباب الحجامة، وأنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال، وجواز احتجام المحرم، وإن آل إلى قطع شيء من الشعر، فإن ذلك جائز‏.‏ وفي وجوب الفدية عليه نظر، ولا يقوى الوجوب، وجواز احتجام الصائم، فإن في صحيح البخاري أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏احتجم وهو صائم‏)‏‏.‏ ولكن هل يفطر بذلك، أم لا‏؟‏ مسألة أخرى، الصواب‏:‏ الفطر بالحجامة، لصحته عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير معارض، وأصح ما يعارض به حديث حجامته وهو صائم، ولكن لا يدل على عدم الفطر إلا بعد أربعة أمور‏.‏ أحدها‏:‏ أن الصوم كان فرضًا‏.‏ الثاني‏:‏ أنه كان مقيمًا‏.‏ الثالث‏:‏ أنه لم يكن به مرض احتاج معه إلى الحجامة‏.‏ الرابع‏:‏ أن هذا الحديث متأخر عن قوله‏:‏ ‏(‏أفطر الحاجم والمحجوم‏)‏‏.‏
فإذا ثبتت هذه المقدمات الأربع، أمكن الإستدلال بفعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على بقاء الصوم مع الحجامة، وإلا فما المانع أن يكون الصوم نفلًا يجوز الخروج منه بالحجامة وغيرها، أو من رمضان لكنه في السفر، أو من رمضان في الحضر، لكن دعت الحاجة إليها كما تدعو حاجة من به مرض إلى الفطر، أو يكون فرضًا من رمضان في الحضر من غير حاجة إليها، لكنه مبقى على الأصل‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏أفطر الحاجم والمحجوم‏)‏، ناقل ومتأخر، فيتعين المصير إليه، ولا سبيل إلى إثبات واحدة من هذه المقدمات الأربع، فكيف بإثباتها كلها‏.‏
وفيها دليل على استئجار الطبيب وغيره من غير عقد إجازة، بل يعطيه أجرة المثل، أو ما يرضيه‏.‏
وفيها دليل على جواز التكسب بصناعة الحجامة، وإن كان لا يطيب للحر أكل أجرته من غير تحريم عليه، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعطاه أجره، ولم يمنعه من أكله، وتسميته إياه خبيثًا كتسميته للثوم والبصل خبيثين، ولم يلزم من ذلك تحريمهما‏.‏
وفيها دليل على جواز ضرب الرجل الخراج على عبده كل يوم شيئًا معلومًا بقدر طاقته، وأن العبد أن يتصرف فيما زاد على خراجه، ولو منع من التصرف، لكان كسبه كله خراجًا ولم يكن لتقديره فائدة، بل ما زاد على خراجه، فهو تمليك من سيده له يتصرف فيه كما أراد، والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قطع العروق والكي
ثبت في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا، فقطع له عرقًا وكواه عليه‏.‏
ولما رمي سعد بن معاذ في أكحله حسمه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم ورمت، فحسمه الثانية‏.‏ والحسم‏:‏ هو الكي‏.‏
وفي طريق آخر‏:‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كوى سعد بن معاذ في أكحله بمشقص، ثم حسمه سعد بن معاذ أو غيره من أصحابه‏.‏
وفي لفظ آخر‏:‏ أن رجلًا من الأنصار رمي في أكحله بمشقص، فأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به فكوي‏.‏
وقال أبو عبيد‏:‏ وقد أتي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ برجل نعت له الكي، فقال‏:‏ ‏(‏اكووه وارضفوه‏)‏‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ الرضف‏:‏ الحجارة تسخن، ثم يكمد بها‏.‏
وقال الفضل بن دكين‏:‏ حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كواه في أكحله‏.‏
وفي صحيح البخاري من حديث أنس، أنه كوي من ذات الجنب والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حي‏.‏
وفي الترمذي، عن أنس، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏كوى أسعد بن زرارة من الشوكة‏)‏، وقد تقدم الحديث المتفق عليه وفيه ‏(‏وما أحب أن أكتوي‏)‏ وفي لفظ آخر‏:‏ ‏(‏وأنا أنهى أمتي عن الكي‏)‏‏.‏
وفي جامع الترمذي وغيره عن عمران بن حصين، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن الكي قال‏:‏ فابتلينا فاكتوينا فما أفلحنا، ولا أنجحنا‏.‏ وفي لفظ‏:‏ نهينا عن الكي وقال‏:‏ فما أفلحن ولا أنجحن‏.‏
قال الخطابي‏:‏ إنما كوى سعدًا ليرقأ الدم من جرحه، وخاف عليه أن ينزف فيهلك‏.‏ والكي مستعمل في هذا الباب، كما يكوى من تقطع يده أو رجله‏.‏
وأما النهي عن الكي، فهو أن يكتوي طلبًا للشفاء، وكانوا يعتقدون أنه متى لم يكتو، هلك، فنهاهم عنه لأجل هذه النية‏.‏
وقيل‏:‏ إنما نهى عنه عمران بن حصين خاصة، لأنه كان به ناصور، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيه، فيشبه أن يكون النهي منصرفًا إلى الموضع المخوف منه، والله أعلم‏.‏
وقال ابن قتيبة‏:‏ الكي جنسان‏:‏ كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه‏:‏ لم يتوكل من اكتوى، لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه‏.‏
والثاني‏:‏ كي الجرح إذا نغل، والعضو إذا قطع، ففي هذا الشفاء‏.‏
وأما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجع، ويجوز أن لا ينجع، فإنه إلى الكراهة أقرب‏.‏ انتهى‏.‏
وثبت في الصحيح في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ‏(‏أنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون‏)‏‏.‏
فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع، أحدها‏:‏ فعله، والثاني‏:‏ عدم محبته له، والثالث‏:‏ الثناء على من تركه، والرابع‏:‏ النهي عنه، ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه‏.‏ وأما الثناء على تاركه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل‏.‏ وأما النهي عنه، فعلى سبيل الإختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفًا من حدوث الداء، والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج الصرع
أخرجا في الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح، قال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ ألا أريك امرأة من أهل الجنة‏؟‏ قلت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ هذه المرأة السوداء، أتت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت‏:‏ إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، فقال‏:‏ ‏(‏إن شيءت صبرت ولك الجنة، وإن شيءت دعوت الله لك أن يعافيك، فقالت‏:‏ أصبر‏.‏ قالت‏:‏ فإني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها‏)‏‏.‏
قلت‏:‏ الصرع صرعان‏:‏ صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة‏.‏
والثاني‏:‏ هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه‏.‏
وأما صرع الأرواح، فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به، ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها، وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه، فذكر بعض علاج الصرع، وقال‏:‏ هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة‏.‏ وأما الصرع الذي يكون من الأرواح، فلا ينفع فيه هذا العلاج‏.‏
وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم، ومن يعتقد بالزندقة فضيلة، فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط، هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها‏.‏
وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع‏:‏ المرض الإلهي، وقالوا‏:‏ إنه من الأرواح، وأما جالينوس وغيره، فتأولوا عليهم هذه التسمية، وقالوا‏:‏ إنما سموه بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس، فنضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ‏.‏
وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها، وتأثيراتها، وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده‏.‏
ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم‏.‏
وعلاج هذا النوع يكون بأمرين‏:‏ أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين‏:‏ أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًا، فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل، فكيف إذا عدم الأمران جميعًا‏:‏ يكون القلب خرابًا من التوحيد، والتوكل، والتقوى، والتوجه، ولا سلاح له‏.‏
والثاني‏:‏ من جهة المعالج، بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا، حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله‏:‏ اخرج منه‏.‏ أو بقول‏:‏ بسم الله أو بقول لا حول ولا قوة إلا بالله، والنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول‏:‏ ‏(‏اخرج عدو الله أنا رسول الله‏)‏‏.‏
وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه، ويقول‏:‏ قال لك الشيخ‏:‏ اخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسه، وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب، فيفيق المصروع ولا يحس بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا‏.‏
وكان كثيرًا ما يقرأ في أذن المصروع‏:‏ ‏{‏أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 115‏]‏‏.‏
وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح‏:‏ نعم، ومد بها صوته‏.‏ قال‏:‏ فأخذت له عصا، وضربته بها في عروق عنقه حتى كلت يداي من الضرب،، ولم يشك الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب‏.‏ ففي أثناء الضرب قالت‏:‏ أنا أحبه، فقلت لها‏:‏ هو لا يحبك، قالت‏:‏ أنا أريد أن أحج به، فقلت لها‏:‏ هو لا يريد أن يحج معك، فقالت‏:‏ أنا أدعه كرامة لك، قال‏:‏ قلت‏:‏ لا ولكن طاعة لله ولرسوله، قالت‏:‏ فأنا أخرج منه، قال‏:‏ فقعد المصروع يلتفت يمينًا وشمالًا، وقال‏:‏ ما جاء بي إلى حضرة الشيخ، قالوا له‏:‏ وهذا الضرب كله‏؟‏ فقال‏:‏ وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب، ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة‏.‏
وكان يعالج بآية الكرسي، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها، وبقراءة المعوذتين‏.‏
وبالجملة فهذا النوع من الصرع، وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر، والتعاويذ، والتحصنات النبوية والايمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما كان عريانًا فيؤثر فيه هذا‏.‏
ولو كشف الغطاء، لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة، وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الإمتناع عنها ولا مخالفتها، وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة، فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة، وبالله المستعان‏.‏
وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل، وأن تكون الجنة والنار نصب عينيه وقبلة قلبه، ويستحضر أهل الدنيا، وحلول المثلات والآفات بهم، ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر، وهم صرعى لا يفيقون، وما أشد داء هذا الصرع، ولكن لما عمت البلية به بحيث لا يرى إلا مصروعًا، لم يصر مستغربًا ولا مستنكرًا، بل صار لكثرة المصروعين عين المستنكر المستغرب خلافه‏.‏
فإذا أراد الله بعبد خيرًا أفاق من هذه الصرعة، ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينًا وشمالًا على اختلاف طبقاتهم، فمنهم من أطبق به الجنون، ومنهم من يفيق أحيانًا قليلة، ويعود إلى جنونه، ومنهم من يفيق مرة، ويجن أخرى، فإذا أفاق عمل عمل أهل الإفاقة والعقل، ثم يعاوده الصرع فيقع في التخبط‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج عرق النسا
روى ابن ماجه في سننه من حديث محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، قال‏:‏ سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏دواء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب، ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء‏)‏‏.‏
عرق النساء‏:‏ وجع يبتدئ من مفصل الورك، وينزل من خلف على الفخذ، وربما على الكعب، وكلما طالت مدته، زاد نزوله، وتهزل معه الرجل والفخذ، وهذا الحديث فيه معنى لغوي، ومعنى طبي‏.‏ فأما المعنى اللغوي، فدليل على جواز تسمية هذا المرض بعرق النسا خلافًا لمن منع هذه التسمية، وقال‏:‏ النسا هو العرق نفسه، فيكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه، وهو ممتنع وجواب هذا القائل من وجهين‏.‏ أحدهما‏:‏ أن العرق أعم من النسا، فهو من باب إضافة العام إلى الخاص نحو‏:‏ كل الدراهم أو بعضها‏.‏
الثاني‏:‏ أن النسا‏:‏ هو المرض الحال بالعرق، والإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى محله وموضعه‏.‏ قيل‏:‏ وسمي بذلك لأن ألمه ينسي ما سواه، وهذا العرق ممتد من مفصل الورك، وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب من الجانب الوحشي فيما بين عظم الساق والوتر‏.‏
وأما المعنى الطبي‏:‏ فقد تقدم أن كلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نوعان‏:‏ أحدهما‏:‏ عام بحسب الأزمان، والأماكن، والأشخاص، والأحوال‏.‏
والثاني‏:‏ خاص بحسب هذه الأمور أو بضعها، وهذا من هذا القسم، فإن هذا خطاب للعرب، وأهل الحجاز، ومن جاورهم، ولا سيما أعراب البوادي، فإن هذا العلاج من أنفع العلاج لهم، فإن هذا المرض يحدث من يبس، وقد يحدث من مادة غليظة لزجة، فعلاجها بالإسهال والألية فيها الخاصيتان‏:‏ الإنضاج، والتليين، ففيها الإنضاج، والإخراج‏.‏ وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين، وفي تعيين الشاة الأعرابية لقلة فضولها، وصغر مقدارها، ولطف جوهرها، وخاصية مرعاها لأنها ترعى أعشاب البر الحارة، كالشيح، والقيصوم، ونحوهما، وهذه النباتات إذا تغذى بها الحيوان، صار في لحمه من طبعها بعد أن يلطفها تغذيه بها، ويكسبها مزاجًا ألطف منها، ولا سيما الألية، وظهور فعل هذه النباتات في اللبن أقوى منه في اللحم، ولكن الخاصية التي في الألية من الإنضاج والتليين لا توجد في اللبن، وهذا كما تقدم أن أدوية غالب الأمم والبوادي هي الأدوية المفردة، وعليه أطباء الهند‏.‏
وأما الروم واليونان، فيعتنون بالمركبة، وهم متفقون كلهم على أن من مهارة الطبيب أن يداوي بالغذاء، فإن عجز فبالمفرد، فإن عجز، فبما كان أقل تركيبًا‏.‏
وقد تقدم أن غالب عادات العرب وأهل البوادي الأمراض البسيطة، فالأدوية البسيطة تناسبها، وهذا لبساطة أغذيتهم في الغالب‏.‏ وأما الأمراض المركبة، فغالبًا ما تحدث عن تركيب الأغذية وتنوعها واختلافها، فاختيرت لها الأدوية المركبة، والله تعالى أعلم‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج يبس الطبع
واحتياجه إلى ما يمشيه ويلينه
روى الترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه من حديث أسماء بنت عميس، قالت‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏بماذا كنت تستمشين‏؟‏ قالت‏:‏ بالشبرم، قال‏:‏ حار جار، قالت‏:‏ ثم استمشيت بالسنا، فقال‏:‏ لو كان شيء يشفي من الموت لكان السنا‏)‏‏.‏
وفي سنن ابن ماجه عن إبراهيم بن أبي عبلة، قال‏:‏ سمعت عبد الله بن أم حرام، وكان قد صلى مع رسول الله ـ صلى الله وسلم ـ القبلتين يقول‏:‏ سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏عليكم بالسنا والسنوت، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام، قيل‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ وما السام‏؟‏ قال‏:‏ الموت‏)‏‏.‏
قوله‏:‏ بماذا كنت تستمشين‏؟‏ أي‏:‏ تلينين الطبع حتى يمشي ولا يصير بمنزلة الواقف، فيؤذي باحتباس النجو، ولهذا سمي الدواء المسهل مشيًا على وزن فعيل‏.‏ وقيل‏:‏ لأن المسهول يكثر المشي والإختلاف للحاجة وقد روي‏:‏ بماذا تستشفين‏؟‏ فقالت‏:‏ بالشبرم، وهو من جملة الأدوية اليتوعية، وهو قشر عرق شجرة، وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، وأجوده المائل إلى الحمرة، الخفيف الرقيق الذي يشبه الجلد الملفوف، وبالجملة فهو من الأدوية التي أوصى الأطباء بترك استعمالها لخطرها، وفرط إسهالها‏.‏
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ حار جار ويروى‏:‏ حار يار، قال أبو عبيد‏:‏ وأكثر كلامهم بالياء‏.‏ قلت‏:‏ وفيه قولان، أحدهما‏:‏ أن الحار الجار بالجيم‏:‏ الشديد الإسهال، فوصفه بالحرارة، وشدة الإسهال وكذلك هو، قاله أبو حنيفة الدينوري‏.‏
والثاني ـ وهو الصواب ـ أن هذا من الإتباع الذي يقصد به تأكيد الأول، ويكون بين التأكيد اللفظي والمعنوي، ولهذا يراعون فيه إتباعه في أكثر حروفه، كقولهم‏:‏ حسن بسن، أي‏:‏ كامل الحسن، وقولهم‏:‏ حسن قسن بالقاف، ومنه شيطان ليطان، وحار جار، مع أن في الجار معنى آخر، وهو الذي يجر الشيء الذي يصيبه من شدة حرارته وجذبه له، كأنه ينزعه ويسلخه‏.‏ ويار‏:‏ إما لغة في جار، كقولهم‏:‏ صهري وصهريج، والصهاري والصهاريج، وإما إتباع مستقل‏.‏
وأما السنا، ففيه لغتان‏:‏ المد والقصر، وهو نبت حجازي أفضله المكي، وهو دواء شريف مأمون الغائلة، قريب من الإعتدال، حار يابس فى الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء، ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة فيه، وخاصيته النفع من الوسواس السوداوي، ومن الشقاق العارض في البدن، ويفتح العضل وينفع من انتشار الشعر، ومن القمل والصداع العتيق، والجرب، والبثور، والحكة، والصرع، وشرب مائه مطبوخًا أصلح من شربه مدقوقًا، ومقدار الشربة منه ثلاثة دراهم، ومن مائه خمسة دراهم، وإن طبخ معه شيء من زهر البنفسج والزبيب الأحمر المنزوع العجم، كان أصلح‏.‏
قال الرازي‏:‏ السناء والشاهترج يسهلان الأخلاط المحترقة، وينفعان من الجرب والحكة، والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم‏.‏
وأما السنوت ففيه ثمانية أقوال، أحدها‏:‏ أنه العسل‏.‏ والثاني‏:‏ أنه رب عكة السمن يخرج خططًا سوداء على السمن، حكاهما عمرو بن بكر السكسكي‏.‏ الثالث‏:‏ أنه حب يشبه الكمون وليس به، قاله ابن الأعرابي‏.‏
الرابع‏:‏ أنه الكمون الكرماني‏.‏ الخامس‏:‏ أنه الرازيانج‏.‏ حكاهما أبو حنيفة الدينوري عن بعض الأعراب‏.‏ السادس‏:‏ أنه الشبت‏.‏ السابع‏:‏ أنه التمر حكاهما أبو بكر بن السنى الحافظ‏.‏ الثامن‏:‏ أنه العسل الذي يكون في زقاق السمن، حكاه عبد اللطيف البغدادي‏.‏ قال بعض الأطباء‏:‏ وهذا أجدر بالمعنى، وأقرب إلى الصواب، أي‏:‏ يخلط السناء مدقوقًا بالعسل المخالط للسمن، ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردًا لما في العسل والسمن من إصلاح السنا، وإعانته له على الإسهال‏.‏ والله أعلم‏.‏
وقد روى الترمذي وغيره من حديث ابن عباس يرفعه‏:‏ ‏(‏إن خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشي‏)‏ والمشي‏:‏ هو الذي يمشي الطبع ويلينه ويسهل خروج الخارج‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج حكة الجسم وما يولد القمل
في الصحيحين من حديث قتادة، ‏(‏عن أنس بن مالك قال‏:‏ رخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما في لبس الحرير لحكة كانت بهما‏)‏‏.‏
وفي رواية‏:‏ ‏(‏ن عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما، شكوا القمل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غزاة لهما، فرخص لهما في قمص الحرير، ورأيته عليهما‏)‏‏.‏
هذا الحديث يتعلق به أمران‏:‏ أحدهما‏:‏ فقهي، والآخر طبي‏.‏
فأما الفقهي‏:‏ فالذي استقرت عليه سنته ـ صلى الله عليه وسلم ـ إباحة الحرير للنساء مطلقًا، وتحريمه على الرجال إلا لحاجة ومصلحة راجحة، فالحاجة إما من شدة البرد، ولا يجد غيره، أو لا يجد سترة سواه‏.‏ ومنها‏:‏ لباسه للجرب، والمرض، والحكة، وكثرة القمل كما دل عليه حديث أنس هذا الصحيح‏.‏
والجواز‏:‏ أصح الروايتين عن الإمام أحمد، وأصح قولي الشافعي، إذ الأصل عدم التخصيص، والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى تعدت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعم بعموم سببه‏.‏
ومن منع منه، قال‏:‏ أحاديث التحريم عامة، وأحاديث الرخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرحمن بن عوف والزبير، ويحتمل تعديها إلى غيرهما‏.‏ وإذا احتمل الأمران، كان الأخذ بالعموم أولى، ولهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث‏:‏ فلا أدري أبلغت الرخصة من بعدهما، أم لا‏؟‏
والصحيح‏:‏ عموم الرخصة، فإنه عرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يصرح بالتخصيص، وعدم إلحاق غير من رخص له أولًا به، كقوله لأبي بردة في تضحيته بالجذعة من المعز‏:‏ ‏(‏تجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك‏)‏ وكقوله تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نكاح من وهبت نفسها له‏:‏ ‏(‏خالصة لك من دون المؤمنين‏)‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 50‏]‏‏.‏
وتحريم الحرير‏:‏ إنما كان سدًا للذريعة، ولهذا أبيح للنساء، وللحاجة، والمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع، فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة، كما حرم النظر سدًا لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة، وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهي سدًا لذريعة المشابهة الصورية بعباد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة، وكما حرم ربا الفضل سدًا لذريقة ربا النسيئة، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا، وقد أشبعنا الكلام فيما يحل ويحرم من لباس الحرير في كتاب التحبير لما يحل ويحرم من لباس الحرير‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:43 AM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل‏:‏ وأما الأمر الطبي
‏:‏ فهو أن الحرير من الأدوية المتخذة من الحيوان، ولذلك يعد في الأدوية الحيوانية، لأن مخرجه من الحيوان، وهو كثير المنافع، جليل الموقع، ومن خاصيته تقوية القلب، وتفريحه، والنفع من كثير من أمراضه، ومن غلبة المرة السوداء، والأدواء الحادثة عنها، وهو مقو للبصر إذا اكتحل به، والخام منه ـ وهو المستعمل في صناعة الطب ـ حار يابس في الدرجة الأولى‏.‏ وقيل‏:‏ حار رطب فيها‏:‏ وقيل‏:‏ معتدل‏.‏ وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخنًا للبدن، وربما برد البدن بتسمينه إياه‏.‏
قال الرازي‏:‏ الإبريسم أسخن من الكتان، وأبرد من القطن، يربى اللحم، وكل لباس خشن، فإنه يهزل، ويصلب البشرة وبالعكس‏.‏
قلت‏:‏ والملابس ثلاثة أقسام‏:‏ قسم يسخن البدن ويدفئه، وقسم يدفئه ولا يسخنه، وقسم لا يسخنه ولا يدفئه، وليس هناك ما يسخنه ولا يدفئه، إذ ما يسخنه فهو أولى بتدفئته، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ، و ملابس الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن، فثياب الكتان باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من القطن وأقل حرارة منه‏.‏
قال صاحب المنهاج‏:‏ ولبسه لا يسخن كالقطن، بل هو معتدل، كل لباس أملس صقيل، فإنه أقل إسخانًا للبدن، وأقل عونًا في تحلل ما يتحلل منه، وأحرى أن يلبس في الصيف، وفي البلاد الحارة‏.‏
ولما كانت ثياب الحرير كذلك، وليس فيها شيء من اليبس والخشونة الكائين في غيرها، صارت نافعة من الحكة، إذ الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة، فلذلك رخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير لمداواة الحكة، وثياب الحرير أبعد عن تولد القمل فيها، إذ كان مزاجها مخالفًا لمزاج ما يتولد منه القمل‏.‏
وأما القسم الذي لا يدفئ ولا يسخن، فالمتخذ من الحديد والرصاص، والخشب والتراب، ونحوها، فإن قيل‏:‏ فإذا كان لباس الحرير أعدل اللباس وأوفقه للبدن، فلماذا حرمته الشريعة الكاملة الفاضلة التي أباحت الطيبات، وحرمت الخبائث‏؟‏
قيل‏:‏ هذا السؤال يجيب عنه كل طائفة من طوائف المسلمين بجواب، فمنكرو الحكم والتعليل لما رفعت قاعدة التعليل من أصلها لم يحتاجوا إلى جواب عن هذا السؤال‏.‏
ومثبتو التعليل والحكم ـ وهم الأكثرون ـ منهم من يجيب عن هذا بأن الشريعة حرمته لتصبر النفوس عنه، وتتركه لله، فتثاب على ذلك لا سيما ولها عوض عنه بغيره‏.‏
ومنهم من يجيب عنه بأنه خلق في الأصل للنساء، كالحلية بالذهب، فحرم على الرجال لما فيه من مفسدة تشبه الرجال بالنساء، ومنهم من قال‏:‏ حرم لما يورثه من الفخر والخيلاء والعجب‏.‏ ومنهم من قال‏:‏ حرم لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث، وضد الشهامة والرجولة، فإن لبسه يكسب القلب صفة من صفات الإناث، ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلا وعلى شمائله من التخنث والتأنث، والرخاوة ما لا يخفى، حتى لو كان من أشهم الناس وأكثرهم فحولية ورجولية، فلا بد أن ينقصه لبس الحرير منها، وإن لم يذهبها، ومن غلظت طباعه وكثفت عن فهم هذا، فليسلم للشارع الحكيم، ولهذا كان أصح القولين‏:‏ أنه يحرم على الولي أن يلبسه الصبي لما ينشأ عليه من صفات أهل التأنيث‏.‏
وقد روى النسائي من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الله أحل لإناث أمتي الحرير والذهب، وحرمه على ذكورها‏)‏‏.‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم‏)‏‏.‏
وفي صحيح البخاري عن حذيفة قال‏:‏ نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن لبس الحرير والديباج، وأن يجلس عليه، وقال‏:‏ ‏(‏و لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة‏)‏‏.‏
في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج ذات الجنب
روى الترمذي في جامعه من حديث زيد بن أرقم، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏
‏(‏تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت‏)‏‏.‏
وذات الجنب عند الأطباء نوعان‏:‏ حقيقي وغير حقيقي‏.‏ فالحقيقي‏:‏ ورم حار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع‏.‏ وغير الحقيقى‏:‏ ألم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقن بين الصفاقات، فتحدث وجعًا قريبًا من وجع ذات الجنب الحقيقي، إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود، وفي الحقيقي ناخس‏.‏
قال صاحب القانون‏:‏ قد يعرض في الجنب، والصفاقات، والعضل التي في الصدر، والأضلاع، ونواحيها أورام مؤذية جدًا موجعة، تسمى شوصة وبرسامًا، وذات الجنب‏.‏ وقد تكون أيضًا أوجاعًا في هذه الأعضاء ليست من ورم، ولكن من رياح غليظة، فيظن أنها من هذه العلة، ولا تكون منها‏.‏ قال‏:‏ واعلم أن كل وجع في الجنب قد يسمى ذات الجنب اشتقاقًا من مكان الألم، لأن معنى ذات الجنب صاحبة الجنب، والغرض به ها هنا وجع الجنب، فإذا عرض في الجنب ألم عن أي سبب كان نسب إليه، وعليه حمل كلام بقراط في قوله‏:‏ إن أصحاب ذات الجنب ينتفعون بالحمام‏.‏ قيل‏:‏ المراد به كل من به وجع جنب، أو وجع رئة من سوء مزاج، أو من أخلاط غليظة، أو لذاعة من غير ورم ولا حمى‏.‏
قال بعض الأطباء‏:‏ وأما معنى ذات الجنب في لغة اليونان، فهو ورم الجنب الحار، وكذلك ورم كل واحد من الأعضاء الباطنة، وإنما سمي ذات الجنب ورم ذلك العضو إذا كان ورمًا حارًا فقط‏.‏
ويلزم ذات الجنب الحقيقي خمسة أعراض‏:‏ وهي الحمى والسعال، والوجع الناخس، وضيق النفس، والنبض المنشاري‏.‏
والعلاج الموجود في الحديث، ليس هو لهذا القسم، لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة، فإن القسط البحري ـ وهو العود الهندي على ما جاء مفسرًا في أحاديث أخر ـ صنف من القسط إذا دق دقًا ناعمًا، وخلط بالزيت المسخن، ودلك به مكان الريح المذكور، أو لعق، كان دواء موافقًا لذلك، نافعًا له، محللًا لمادته، مذهبًا لها، مقويًا للأعضاء الباطنة، مفتحًا للسدد، والعود المذكور في منافعه كذلك‏.‏
قال المسبحي‏:‏ العود‏:‏ حار يابس، قابض يحبس البطن، ويقوي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح، ويفتح السدد، نافع من ذات الجنب، ويذهب فضل الرطوبة، والعود المذكور جيد للدماغ‏.‏ قال‏:‏ ويجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقية أيضًا إذا كان حدوثها عن مادة بلغمية لا سيما في وقت انحطاط العلة، والله أعلم‏.‏
وذات الجنب‏:‏ من الأمراض الخطرة، وفي الحديث الصحيح‏:‏ عن أم سلمة، أنها قالت‏:‏ بدأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمرضه في بيت ميمونة، وكان كلما خف عليه، خرج وصلى بالناس، وكان كلما وجد ثقلًا قال‏:‏ ‏(‏مروا أبا بكر فليصل بالناس‏)‏، واشتد شكواه حتى غمر عليه من شدة الوجع، فاجتمع عنده نساؤه، وعمه العباس، وأم الفضل بنت الحارث وأسماء بنت عميس، فتشاوروا في لده، فلدوه وهو مغمور، فلما أفاق قال‏:‏ ‏(‏من فعل بي هذا، هذا من عمل نساء جئن من ها هنا، وأشار بيده إلى أرض الحبشة، وكانت أم سلمة وأسماء لدتاه، فقالوا‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ خشينا أن يكون بك ذات الجنب‏.‏ قال‏:‏ فبم لددتموني‏؟‏ قالوا‏:‏ بالعود الهندي، وشيء من ورس، وقطرات من زيت‏.‏ فقال‏:‏ ما كان الله ليقذفني بذلك الداء، ثم قال‏:‏ عزمت عليكم أن لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي العباس‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ قالت‏:‏ لددنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأشار أن لا تلدوني، فقلنا‏:‏ كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال‏:‏ ‏(‏ألم أنهكم أن تلدوني، لا يبقى منكم أحد إلا لد غير عمي العباس، فإنه لم يشهدكم‏)‏‏.‏
قال أبو عبيد عن الأصمعي‏:‏ اللدود‏:‏ ما يسقى الإنسان في أحد شقي الفم، أخذ من لديدي الوادي، وهما جانباه‏.‏ وأما الوجور‏:‏ فهو في وسط الفم‏.‏
قلت‏:‏ واللدود ـ بالفتح‏:‏ ـ هو الدواء الذي يلد به‏.‏ والسعوط‏:‏ ما أدخل من أنفه‏.‏
وفي هذا الحديث من الفقه معاقبة الجاني بمثل ما فعل سواء، إذا لم يكن فعله محرمًا لحق الله، وهذا هو الصواب المقطوع به لبضعة عشر دليلًا قد ذكرناها في موضع آخر، وهو منصوص أحمد وهو ثابت عن الخلفاء الراشدين، وترجمة المسألة بالقصاص في اللطمة والضربة، وفيها عدة أحاديث لا معارض لها البتة، فيتعين القول بها‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج الصداع والشقيقة
روى ابن ماجه في سننه حديثًا في صحته نظر‏:‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا صدع، غلف رأسه بالحناء، ويقول‏:‏ ‏(‏إنه نافع بإذن الله من الصداع‏)‏‏.‏
والصداع
ألم في بعض أجزاء الرأس أو كله، فما كان منه في أحد شقي الرأس لازمًا يسمى شقيقة، وإن كان شاملًا لجميعه لازمًا، يسمى بيضة وخودة تشبيهًا ببيضة السلاح التي تشتمل على الرأس كله، وربما كان في مؤخر الرأس أو في مقدمه‏.‏
وأنواعه كثيرة، وأسبابه مختلفة‏.‏ وحقيقة الصداع سخونة الرأس، واحتماؤه لما دار فيه من البخار يطلب النفوذ من الرأس، فلا يجد منفذًا فيصدعه كما يصدع الوعي إذا حمي ما فيه وطلب النفوذ، فكل شيء رطب إذا حمي، طلب مكانًا أوسع من مكانه الذي كان فيه، فإذا عرض هذا البخار في الرأس كله بحيث لا يمكنه التفشي والتحلل، وجال في الرأس، سمي السدر‏.‏
والصداع يكون عن أسباب عديدة‏:‏
أحدها‏:‏ من غلبة واحد من الطبائع الأربعة‏.‏
والخامس‏:‏ يكون من قروح تكون في المعدة، فيألم الرأس لذلك الورم لاتصال العصب المنحدر من الرأس بالمعدة‏.‏
والسادس‏:‏ من ريح غليظة تكون في المعدة، فتصعد إلى الرأس فتصدعه‏.‏
والسابع‏:‏ يكون من ورم في عروق المعدة، فيألم الرأس بألم المعدة للاتصال الذي بينهما‏.‏
والثامن‏:‏ صداع يحصل عن امتلاء المعدة من الطعام، ثم ينحدر ويبقى بعضه نيئًا، فيصدع الرأس ويثقله‏.‏
والتاسع‏:‏ يعرض بعد الجماع لتخلخل الجسم، فيصل إليه من حر الهواء أكثر من قدره‏.‏
والعاشر‏:‏ صداع يحصل بعد القئ والاستفراغ، إما لغلبة اليبس، وإما لتصاعد الأبخرة من المعدة إليه‏.‏
والحادي عشر‏:‏ صداع يعرض عن شدة الحر وسخونة الهواء‏.‏
والثاني عشر‏:‏ ما يعرض عن شدة البرد، وتكاثف الأبخرة في الرأس وعدم تحللها‏.‏
والثالث عشر‏:‏ ما يحدث من السهر وعدم النوم‏.‏
والرابع عشر‏:‏ ما يحدث من ضغط الرأس وحمل الشيء الثقيل عليه‏.‏
والخامس عشر‏:‏ ما يحدث من كثرة الكلام، فتضعف قوة الدماغ لأجله‏.‏
والسادس عشر‏:‏ ما يحدث من كثرة الحركة والرياضة المفرطة‏.‏
والسابع عشر‏:‏ ما يحدث من الأعراض النفسانية، كالهموم، والغموم، والأحزان، والوساوس، والأفكار الرديئة‏.‏
والثامن عشر‏:‏ ما يحدث من شدة الجوع، فإن الأبخرة لا تجد ما تعمل فيه، فتكثر وتتصاعد إلى الدماغ فتؤلمه‏.‏
والتاسع عشر‏:‏ ما يحدث عن ورم في صفاق الدماغ، ويجد صاحبه كأنه يضرب بالمطارق على رأسه‏.‏
والعشرون‏:‏ ما يحدث بسبب الحمى لاشتعال حرارتها فيه فيتألم، والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ وسبب صداع الشقيقة
مادة في شرايين الرأس وحدها حاصلة فيها، أو مرتقية إليها، فيقبلها الجانب الأضعف من جانبيه، وتلك المادة إما بخارية، وإما أخلاط حارة أو باردة، وعلامتها الخاصة بها ضربان الشرايين، وخاصة في الدموي‏.‏ وإذا ضبطت بالعصائب، ومنعت من الضربان، سكن الوجع‏.‏
وقد ذكر أبو نعيم في كتاب الطب النبوي له‏:‏ أن هذا النواع كان يصيب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيمكث اليوم واليومين، ولا يخرج‏.‏
وفيه‏:‏ عن ابن عباس قال‏:‏ خطبنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد عصب رأسه بعصابة‏.‏
وفي الصحيح، أنه قال في مرض موته‏:‏ ‏(‏وارأساه‏)‏ وكان يعصب رأسه في مرضه، وعصب الرأس ينفع في وجع الشقيقة وغيرها من أوجاع الرأس‏.‏
فصل‏:‏ وعلاجه يختلف باختلاف أنواعه وأسبابه
فمنه ما علاجه بالإستفراغ، ومنه ما علاجه بتناول الغذاء، ومنه ما علاجه بالسكون والدعة، ومنه ما علاجه بالضمادات، ومنه ما علاجه بالتبريد، ومنه ما علاجه بالتسخين، ومنه ما علاجه بأن يجتنب سماع الأصوات والحركات‏.‏
إذا عرف هذا، فعلاج الصداع في هذا الحديث بالحناء، هو جزئي لا كلي، وهو علاج نوع من أنواعه، فإن الصداع إذا كان من حرارة ملهبة، ولم يكن من مادة يجب استفراغها، نفع فيه الحناء نفعًا ظاهرًا، وإذا دق وضمدت به الجبهة مع الخل، سكن الصداع، وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد به، سكنت أوجاعه، وهذا لا يختص بوجع الرأس، بل يعم الأعضاء، وفيه قبض تشد به الأعضاء، وإذا ضمد به موضع الورم الحار والملتهب، سكنه‏.‏
وقد روى البخاري في تاريخه وأبو داود في السنن أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما شكى إليه أحد وجعًا في رأسه إلا قال له‏:‏ ‏(‏احتجم‏)‏، ولا شكى إليه وجعًا في رجليه إلا قال له‏:‏ ‏(‏اختضب بالحناء‏)‏‏.‏
وفي الترمذي‏:‏ عن سلمى أم رافع خادمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت‏:‏ كان لا يصيب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء‏.‏
فصل‏:‏ والحناء بارد في الأولى
يابس في الثانية، وقوة شجر الحناء وأغصانها مركبة من قوة محللة اكتسبتها من جوهر فيها مائي، حار باعتدال، ومن قوة قابضة اكتسبتها من جوهر فيها أرضي بارد‏.‏
ومن منافعه أنه محلل نافع من حرق النار، وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد به، وينفع إذا مضغ، من قروح الفم والسلاق العارض فيه، ويبرئ القلاع الحادث في أفواه الصبيان، والضماد به ينفع من الأورام الحارة الملهبة، ويفعل في الجراحات فهل دم الأخوين‏.‏ وإذا خلط نوره مع الشمع المصفى، ودهن الورد، ينفع من أوجاع الجنب‏.‏
ومن خواصه أنه إذا بدأ الخدري يخرج بصبي، فخضبت أسافل رجليه بحناء، فإنه يؤمن على عينيه أن يخرج فيها شيء منه، وهذا صحيح مجرب لا شك فيه‏.‏ وإذا جعل نوره بين طي ثياب الصوف طيبها، ومنع السوس عنها، وإذا نقع ورقه في ماء يغمره، ثم عصر وشرب من صفوه أربعين يومًا كل يوم عشرون درهمًا مع عشرة دراهم سكر، ويغذى عليه بلحم الضأن الصغير، فإنه ينفع من ابتداء الجذام بخاصية فيه عجيبة‏.‏
وحكي أن رجلًا تشققت أظافير أصابع يده، وأنه بذل لمن يبرئه مالًا، فلم يجد، فوصفت له امرأة، أن يشرب عشرة أيام حناء، فلم يقدم عليه، ثم نقعه بماء وشربه، فبرأ ورجعت أظافيره إلى حسنها‏.‏
والحناء إذا ألزمت به الأظفار معجونًا حسنها ونفعها، وإذا عجن بالسمن وضمد به بقايا الأورام الحارة التي ترشح ماء أصفر، نفعها ونفع من الجرب المتقرح المزمن منفعة بليغة، وهو ينبت الشعر ويقويه، ويحسنه، ويقوي الرأس، وينفع من النفاطات، والبثور العارضة في الساقين والرجلين، وسائر البدن‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في معالجة المرضى بترك إعطائهم ما يكرهونه
من الطعام والشراب، وأنهم لا يكرهون على تناولهما روى الترمذي في جامعه، وابن ماجه، عن عقبة بن عامر الجهني، قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله ـ عز وجل ـ يطعمهم ويسقيهم‏)‏‏.‏
قال بعض فضلاء الأطباء‏:‏ ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية المشتملة على حكم إلهية، لا سيما للأطباء، ولمن يعالج المرضى، وذلك أن المريض إذا عاف الطعام أو الشراب، فذلك لاشتغال الطبيعة بمجاهدة المرض، أو لسقوط شهوته، أو نقصانها لضعف الحرارة الغريزية أو خمودها، وكيفما كان، فلا يجوز حينئذ إعطاء الغذاء في هذه الحالة‏.‏
واعلم أن الجوع إنا هو طلب الأعضاء للغذاء لتخلف الطبيعة به عليها عوض ما يتحلل منها، فتجذب الأعضاء القصوى من الأعضاء الدنيا حتى ينتهي الجذب الى المعدة، فيحس الإنسان بالجوع، فيطلب الغذاء، وإذا وجد المرض، اشتغلت الطبيعة بمادته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء، أو الشراب، فإذا أكره المريض على استعمال شيء من ذلك، تعطلت به الطبيعة عن فعلها، واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادة المرض ودفعه، فيكون ذلك سببًا لضرر المريض، ولا سيما في أوقات البحران، أو ضعف الحار الغريزي أو خموده، فيكون ذلك زيادة في البلية، وتعجيل النازلة المتوقعة، ولا ينبغي أن يستعمل في هذا الوقت والحال إلا ما يحفظ عليه قوته ويقويها من غير استعمال مزعج للطبيعة البتة، وذلك يكون بما لطف قوامه من الأشربة والأغذية، واعتدل مزاجه كشراب اللينوفر، والتفاح، والورد الطري، وما أشبه ذلك، ومن الأغذية مرق الفراريج المعتدلة الطيبة فقط، وإنعاش قواه بالأراييح العطرة الموافقة، والأخبار السارة، فإن الطبيب خادم الطبيعة، ومعينها لا معيقها‏.‏
واعلم أن الدم الجيد هو المغذي للبدن، وأن البلغم دم فج قد نضج بعض النضج، فإذا كان بعض المرضى في بدنه بلغم كثير، وعدم الغذاء، عطفت الطبيعة عليه، وطبخته، وأنضجته، وصيرته دمًا، وغذت به الأعضاء، واكتفت به عما سواه، والطبيعة هي القوة التي وكلها الله سبحانه بتدبير البدن وحفظه وصحته، وحراسته مدة حياته‏.‏
واعلم أنه قد يحتاج في الندرة إلى إجبار المريض على الطعام والشراب، وذلك في الأمراض التي يكون معها اختلاط العقل، وعلى هذا فيكون الحديث من العام المخصوص، أو من المطلق الذي قد دل على تقييده دليل، ومعنى الحديث‏:‏ أن المريض قد يعيش بلا غذاء أيامًا لا يعيش الصحيح في مثلها‏.‏
وفي قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏فإن الله يطعمهم ويسقيهم‏)‏ معنى لطيف زائد على ما ذكره الأطباء لا يعرفه إلا من له عناية بأحكام القلوب والأرواح، وتأثيرها في طبيعة البدن، وانفعال الطبيعة عنها، كما تنفعل هي كثيرًا عن الطبيعة، ونحن نشير إليه إشارة، فنقول‏:‏ النفس إذا حصل لها ما يشغلها من محبوب أو مكروه أو مخوف، اشتغلت به عن طلب الغذاء والشراب، فلا تحس بجوع ولا عطش، بل ولا حر ولا برد، بل تشتغل به عن الإحساس المؤلم الشديد الألم، فلا تحس به، وما من أحد إلا وقد وجد في نفسه ذلك أو شيئًا منه، وإذا اشتغلت النفس بما دهمها، وورد عليها، لم تحس بألم الجوع، فإن كان الوارد مفرحًا قوي التفريح، قام لها مقام الغذاء، فشبعت به، وانتعشت قواها، وتضاعفت، وجرت الدموية في الجسد حتى تظهر في سطحه، فيشرق وجهه، وتظهر دمويته، فإن الفرح يوجب انبساط دم القلب، فينبعث في العروق، فتمتلئ به، فلا تطلب الأعضاء حظها من الغذاء المعتاد لاشتغالها بما هو أحب إليها، وإلى الطبيعة منه، والطبيعة إذا ظفرت بما تحب، آثرته على ما هو دونه‏.‏
وإن كان الوارد مؤلمًا أو محزنًا أو مخوفًا، اشتغلت بمحاربته وققاومته ومدافعته عن طلب الغذاء، فهي في حال حربها في شغل عن طلب الطعام والشراب‏.‏ فإن ظفرت في هذا الحرب، انتعشت قواها، وأخلفت عليها نظير ما فاتها من قوة الطعام والشراب وإن كانت مغلوبة مقهورة، انحطت قواها بحسب ما حصل لها من ذلك، وإن كانت الحرب بينها وبين هذا العدو سجالًا، فالقوة تظهر تارة وتختفي أخرى، وبالجملة فالحرب بينهما على مثال الحرب الخارج بين العدوين المتقاتلين، والنصر للغالب، والمغلوب إما قتيل، وإما جريح، وإما أسير‏.‏
فالمريض‏:‏ له مدد من الله تعالى يغذيه به زائدًا على ما ذكره الأطباء من تغذيته بالدم، وهذا المدد بحسب ضعفه وانكساره وانطراحه بين يدي ربه ـ عز وجل ـ فيحصل له من ذلك ما يوجب له قربًا من ربه، فإن العبد أقرب ما يكون من ربه إذا انكسر قلبه، ورحمة ربه عندئذ قريبة منه، فإن كان وليًا له، حصل له من الأغذية القلبية ما تقوى به قوى طبيعته، وتنتعش به قواه أعظم من قوتها، وانتعاشها بالأغذية البدنية، وكلما قوي إيمانه وحبه لربه، وأنسه به، وفرحه به، وقوي يقينه بربه، واشتد شوقه إليه ورضاه به وعنه، وجد في نفسه من هذه القوة ما لا يعبر عنه، ولا يدركه وصف طبيب، ولا يناله علمه‏.‏
ومن غلظ طبعه، وكثفت نفسه عن فهم هذا والتصديق به، فلينظر حال كثير من عشاق الصور الذين قد امتلأت قلوبهم بحب ما يعشقونه من صورة، أو جاه، أو مال، أو علم، وقد شاهد الناس من هذا عجائب في أنفسهم وفي غيرهم‏.‏
وقد ثبت في الصحيح‏:‏ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يواصل في الصيام الأيام ذوات العدد، وينهى أصحابه عن الوصال ويقول‏:‏ ‏(‏لست كهيئتكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني‏)‏‏.‏
ومعلوم أن هذا الطعام والشراب ليس هو الطعام الذي يأكله الإنسان بفمه، وإلا لم يكن مواصلًا، ولم يتحقق الفرق، بل لم يكن صائمًا، فإنه قال‏:‏ ‏(‏أظل يطعمني ربي ويسقيني‏)‏‏.‏
وأيضًا فإنه فرق بينه وبينهم في نفس الوصال، وأنه يقدر منه على ما لا يقدرون عليه، فلو كان يأكل ويشرب بفمه، لم يقل لست كهيئتكم، وإنما فهم هذا من الحديث من قل نصيبه من غذاء الأرواح والقلوب، وتأثيره في القوة وإنعاشها، واغتذائها به فوق تأثير الغذاء الجسماني، والله الموفق‏.‏
فصل‏:‏ ويجوز نفع التمر المذكور في بعض السموم
فيكون الحديث من العام المخصوص، ويجوز نفعه لخاصية تلك البلد، وتلك التربة الخاصة من كل سم، ولكن ها هنا أمر لا بد من بيانه، وهو أن من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله، واعتقاد النفع به، فتقبله الطبيعة، فتستعين به على دفع العلة، حتى إن كثيرًا من المعالجات ينفع بالإعتقاد، وحسن القبول، وكمال التلقي، وقد شاهد الناس من ذلك عجائب، وهذا لأن الطبيعة يشتد قبولها له، وتفرح النفس به، فتنتعش القوة، ويقوى سلطان الطبيعة، وينبعث الحار الغريزي، فيساعد على دفع المؤذي، وبالعكس يكون كثير من الأدوية نافعًا لتلك العلة، فيقطع عمله سوء اعتقاد العليل فيه، وعدم أخذ الطبيعة له بالقبول، فلا يجدي عليها شيئًا‏.‏ واعتبر هذا بأعظم الأدوية والأشفية، وأنفعها للقلوب والأبدان، والمعاش والمعاد، والدنيا والآخرة، وهو القرآن الذي هو شفاء من كل داء، كيف لا ينفع القلوب التي لا تعتقد فيه الشفاء والنفع، بل لا يزيدها إلا مرضًا إلى مرضها، وليس لشفاء القلوب دواء قط أنفع من القرآن، فإنه شفاؤها التام الكامل الذي لا يغادر فيها سقمًا إلا أبرأه، ويحفظ عليها صحتها المطلقة، ويحميها الحمية التامة من كل مؤذ ومضر، ومع هذا فإعراض أكثر القلوب عنه، وعدم اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه أنه كذلك، وعدم استعماله، والعدول عنه إلى الأدوية التي ركبها بنو جنسها حال بينها وبين الشفاء به، وغلبت العوائد، واشتد الإعراض، وتمكنت العلل والأدواء المزمنة من القلوب، وتربى المرضى والاطباء على علاج بني جنسهم وما وضعه لهم شيوخهم، ومن يعظمونه ويحسنون به ظنونهم، فعظم المصاب، واستحكم الداء، وتركبت أمراض وعلل أعيا عليهم علاجها، وكلما عالجوها بتلك العلاجات الحادثة تفاقم أمرها، وقويت، ولسان الحال ينادي عليهم‏:‏
ومـــن العجــائب والعجــائب جمة ** قـرب الشفاء وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ** والماء فوق ظهورها محمول
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في دفع ضرر الأغذية والفاكهة
وإصلاحها بما يدفع ضررها، ويقوي نفعها
ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن جعفر، قال‏:‏ رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأكل الرطب بالقثاء‏.‏
والرطب‏:‏ حار رطب في الثانية، يقوي المعدة الباردة، ويوافقها، ويزيد في الباه، ولكنه سريع التعفن، معطش معكر للدم، مصدع مولد للسدد، ووجع المثانة، ومضر بالأسنان، والقثاء بارد رطب في الثانية، مسكن للعطش، منعش للقوى بشمه لما فيه من العطرية، مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة، وإذا جفف بزره، ودق واستحلب بالماء، وشرب، سكن العطش، وأدر البول، ونفع من وجع المثانة‏.‏ وإذا دق ونخل، ودلك به الأسنان، جلاها، وإذا دق ورقه وعمل منه ضماد مع الميبختج، نفع من عضة الكلب الكلب‏.‏
وبالجملة‏:‏ فهذا حار، وهذا بارد، وفي كل منهما صلاح للآخر، وإزالة لأكثر ضرره، ومقاومة كل كيفية بضدها، ودفع سورتها بالأخرى، وهذا أصل العلاج كله، وهو أصل في حفظ الصحة، بل علم الطب كله يستفاد من هذا‏.‏ وفي استعمال ذلك وأمثاله في الأغذية والأدوية إصلاح لها وتعديل، ودفع لما فيها من الكيفيات المضرة لما يقابلها، وفي ذلك عون على صحة البدن، وقوته وخصبه، قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ سمنوني بكل شيء، فلم أسمن، فسمنوني بالقثاء والرطب، فسمنت‏.‏
وبالجملة‏:‏ فدفع ضرر البارد بالحار، والحار بالبارد، والرطب باليابس، واليابس بالرطب، وتعديل أحدهما بالآخر من أبلغ أنواع العلاجات، وحفظ الصحة، ونظير هذا ما تقدم من أمره بالسنا والسنوت، وهو العسل الذي فيه شيء من السمن يصلح به السنا، ويعدله، فصلوات الله وسلامه على من بعث بعمارة القلوب والأبدان، وبمصالح الدنيا والآخرة‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحمية
الدواء كله شيئان‏:‏ حمية وحفظ صحة‏.‏ فإذا وقع التخليط، احتيج إلى الاستفراغ الموافق، وكذلك مدار الطب كله على هذه القواعد الثلاثة‏.‏ والحمية‏:‏ حميتان‏:‏ حمية عما يجلب المرض، وحمية عما يزيده، فيقف على حاله، فالأول‏:‏ حمية الأصحاء‏.‏ والثانية‏:‏ حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى، وقف مرضه عن التزايد، وأخذت القوى في دفعه‏.‏ والأصل في الحمية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 43، المائدة‏:‏6‏]‏، فحمى المريض من استعمال الماء، لأنه يضره‏.‏
وفي سنن ابن ماجه وغيره عن أم المنذر بنت قيس الأنصارية، قالت‏:‏ ‏(‏دخل علي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه علي، وعلي ناقه من مرض، ولنا دوالي معلقة، فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأكل منها، وقام علي يأكل منها، فطفق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لعلي‏:‏ إنك ناقة حتى كف‏.‏ قالت‏:‏ وصنعت شعيرًا وسلقًا، فجئت به، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعلي‏:‏ من هذا أصب، فإنه أنفع لك‏)‏ وفي لفظ فقال‏:‏ ‏(‏من هذا فأصب، فإنه أوفق لك‏)‏‏.‏
وفي سنن ابن ماجه أيضًا عن صهيب قال‏:‏ ‏(‏قدمت على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين يديه خبز وتمر، فقال‏:‏ ادن فكل، فأخذت تمرًا فأكلت، فقال‏:‏ أتأكل تمرًا وبك رمد‏؟‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ أمضع من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏)‏‏.‏
وفي حديث محفوظ عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إن الله إذا أحب عبدًا، حماه من الدنيا، كما يحمي أحدكم مريضه عن الطعام والشراب‏)‏‏.‏ وفي لفظ‏:‏ ‏(‏إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا‏)‏‏.‏
وأما الحديث الدائر على ألسنة كثير من الناس‏:‏ الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعودوا كل جسم ما اعتاد فهذا الحديث إنما هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، ولا يصح رفعه إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاله غير واحد من أئمة الحديث‏.‏ ويذكر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏أن المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، وإذا سقمت المعدة، صدرت العروق بالسقم‏)‏‏.‏
وقال الحارث‏:‏ رأس الطب الحمية، والحمية عندهم للصحيح في المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه، وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض، فإن طبيعته لم ترجع بعد إلى قوتها، والقوة الهاضمة ضعيفة، والطبيعة قابلة، والأعضاء مستعدة، فتخليطه يوجب انتكاسها، وهو أصعب من ابتداء مرضه‏.‏
واعلم أن في رفع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعلي من الأكل من الدوالي، وهو ناقه أحسن التدبير، فان الدوالي أقناء من الرطب تعلق في البيت للأكل بمنزلة عناقيد العنب، والفاكهة تضر بالناقه من المرض لسرعة استحالتها، وضعف الطبيعة عن دفعها، فإنها لم تتمكن بعد من قوتها، وهي مشغولة بدفع آثار العلة، وإزالتها من البدن‏.‏
وفي الرطب خاصة نوع ثقل على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عما هي بصدده من إزالة المرض وآثاره، فإما أن تقف تلك البقية، وإما أن تتزايد، فلما وضح بين يديه السلق والشعير، أمره أن يصيب منه، فإنه من أنفع الأغذية للناقه، فإن في ماء الشعير من التبريد والتغذية، والتلطيف والتليين، وتقوية الطبيعة ما هو أصلح للناقه، ولا سيما إذا طبخ بأصول السلق، فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعف، ولا يتولد عنه من الأخلاط ما يخاف منه‏.‏
وقال زيد بن أسلم‏:‏ حمى عمر ـ رضي الله عنه ـ مريضًا له، حتى إنه من شدة ما حماه كان يمص النوى‏.‏
وبالجملة‏:‏ فالحمية من أنفع الأدوية قبل الداء، فتمنع حصوله، وإذا حصل، فتمنع تزايده وانتشاره‏.‏
فصل‏:‏ ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرًا مما يحمى عنه العليل والناقه والصحيح
إذا اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه، لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة تتلقيانه بالقبول والمحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطبيعة، وتدفعه من الدواء، ولهذا أقر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صهيبًا وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة، وعلم أنها لا تضره، ومن هذا ما يروى عن علي أنه دخل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أرمد، وبين يدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تمر يأكله، فقال‏:‏ ‏(‏يا علي ‏!‏ تشتهيه‏؟‏ ورمى إليه بتمرة، ثم بأخرى حتى رمى إليه سبعًا، ثم قال‏:‏ حسبك يا علي‏)‏‏.‏
ومن هذا ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاد رجلًا فقال له‏:‏ ‏(‏ما تشتهي‏؟‏ فقال‏:‏ أشتهي خبز بر‏.‏ وفي لفظ‏:‏ أشتهي كعكًا، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ من كان عنده خبز بر فيبعث إلى أخيه ثم قال‏:‏ إذا اشتهى مريض أحدكم شيئًا، فليطعمه‏)‏‏.‏
ففي هذا الحديث سر طبي لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق طبيعي، وكان فيه ضرر ما، كان أنفع وأقل ضررًا مما لا يشتهيه، وإن كان نافعًا في نفسه، فإن صدق شهوته، ومحبة الطبيعة يدفع ضرره، وبغض الطبيعة وكراهتها للنافع، قد يجلب لها منه ضررًا‏.‏ وبالجملة‏:‏ فاللذيذ المشتهى تقبل الطبيعة عليه بعناية، فتهضمه على أحمد الوجوه، سيما عند انبعاث النفس إليه بصدق الشهوة، وصحة القوة، والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج الرمد بالسكون
والدعة، وترك الحركة، والحمية مما يهيج الرمد
وقد تقدم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حمى صهيبًا من التمر، وأنكر عليه أكله، وهو أرمد، وحمى عليًا من الرطب لما أصابه الرمد‏.‏
وذكر أبو نعيم في كتاب الطب النبوي‏:‏ أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا رمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها‏.‏
الرمد
ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها الظاهر، وسببه انصباب أحد الأخلاط الأربعة، أو ريح حارة تكثر كميتها في الرأس والبدن، فينبعث منها قسط إلى جوهر العين، أو ضربة تصيب العين، فترسل الطبيعة إليها من الدم والروح مقدارًا كثيرًا تروم بذلك شفاءها مما عرض لها، ولأجل ذلك يرم العضو المضروب، والقياس يوجب ضده‏.‏
واعلم أنه كما يرتفع من الأرض إلى الجو بخاران، أحدهما‏:‏ حار يابس، والآخر‏:‏ حار رطب، فينعقدان سحابًا متراكمًا، ويمنعان أبصارنا من إدراك السماء، فكذلك يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثل ذلك، فيمنعان النظر، ويتولد عنهما علل شتى، فإن قويت الطبيعة على ذلك ودفعته إلى الخياشيم، أحدث الزكام، وإن دفعته إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخناق، وإن دفعته إلى الجنب، أحدث الشوصة، وإن دفعته إلى الصدر، أحدث النزلة، وإن انحدر إلى القلب، أحدث الخبطة، وإن دفعته إلى العين أحدث رمدًا، وإن انحدر إلى الجوف، أحدث السيلان، وإن دفعته إلى منازل الدماغ أحدث النسيان، وإن ترطبت أوعية الدماغ منه، وامتلأت به عروقه أحدث النوم الشديد، ولذلك كان النوم رطبًا، والسهر يابسًا‏.‏ وإن طلب البخار النفوذ من الرأس، فلم يقدر عليه، أعقبه الصداع والسهر، وإن مال البخار إلى أحد شقي الرأس، أعقبه الشقيقة، وإن ملك قمة الرأس ووسط الهامة‏.‏ أعقبه داء البيضة، وإن برد منه حجاب الدماغ، أو سخن، أو ترطب وهاجت منه أرياح، أحدث العطاس، وإن أهاج الرطوبة البلغمية فيه حتى غلب الحار الغريزي، أحدث الإغماء والسكات، وإن أهاج المرة السوداء حتى أظلم هواء الدماغ، أحدث الوسواس، وإن فاض ذلك إلى مجاري العصب، أحدث الصرع الطبيعي، وإن ترطبت مجامع عصب الرأس وفاض ذلك في مجاريه، أعقبه الفالج، وإن كان البخار من مرة صفراء ملتهبة محمية للدماغ، أحدث البرسام، فإن شركه الصدر في ذلك، كان سرسامًا، فافهم هذا الفصل‏.‏
والمقصود‏:‏ أن أخلاط البدن والرأس تكون متحركة هائجة في حال الرمد، والجماع مما يزيد حركتها وثورانها، فإنه حركة كلية للبدن والروح والطبيعة‏.‏ فأما البدن، فيسخن بالحركة لا محالة، والنفس تشتد حركتها طلبًا للذة واستكمالها، والروح تتحرك تبعًا لحركة النفس والبدن، فإن أول تعلق الروح من البدن بالقلب، ومنه ينشأ الروح، وتنبث في الأعضاء‏.‏ وأما حركة الطبيعة، فلأجل أن ترسل ما يجب إرساله من المني على المقدار الذي يجب إرساله‏.‏
وبالجملة‏:‏ فالجماع حركة كلية عامة يتحرك فيها البدن وقواه، وطبيعته وأخلاطه، والروح والنفس، فكل حركة فهى مثيرة للأخلاط مرققة لها توجب دفعها وسيلانها إلى الأعضاء الضعيفة، والعين في حال رمدها أضعف ما تكون، فأضر ما عليها حركة الجماع‏.‏
قال بقراط في كتاب الفصول‏:‏ وقد يدل ركوب السفن أن الحركة تثور الأبدان‏.‏ هذا مع أن في الرمد منافع كثيرة، منها ما يستدعيه من الحمية والإستفراغ، وتنقية الرأس والبدن من فضلاتهما وعفوناتهما، والكف عما يؤذي النفس والبدن من الغضب، والهم والحزن، والحركات العنيفة، والأعمال الشاقة‏.‏ وفي أثر سلفي‏:‏ لا تكرهوا الرمد، فإنه يقطع عروق العمى‏.‏
ومن أسباب علاجه ملازمة السكون والراحة، وترك مس العين والاشتغال بها، فإن أضداد ذلك يوجب انصباب المواد إليها‏.‏ وقد قال بعض السلف‏:‏ مثل أصحاب محمد مثل العين، ودواء العين ترك مسها‏.‏ وقد روي في حديث مرفوع، الله أعلم به‏:‏ ‏(‏علاج الرمد تقطير الماء البارد في العين‏)‏ وهو من أنفع الأدوية للرمد الحار، فإن الماء دواء بارد يستعان به على إطفاء حرارة الرمد إذا كان حارًا، ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لامرأته زينب وقد اشتكت عينها‏:‏ لو فعلت كما فعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان خيرًا لك وأجدر أن تشفي، تنضحين في عينك الماء، ثم تقولين‏:‏ ‏(‏أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا‏)‏‏.‏ وهذا مما تقدم مرارًا أنه خاص ببعض البلاد، وبعض أوجاع العين، فلا يجعل كلام النبوة الجزئي الخاص كليًا عامًا، ولا الكلي العام جزئيًا خاصًا، فيقع من الخطأ، وخلاف الصواب ما يقع، والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج الخدران الكلي
الذي يجمد معه البدن ذكر أبو عبيد في غريب الحديث من حديث أبي عثمان النهدي‏:‏ أن قومًا مروا بشجرة فأكلوا منها، فكأنما مرت بهم ريح، فأجمدتهم، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏قرسوا الماء في الشنان، وصبوا عليهم فيما بين الأذانين‏)‏، ثم قال أبوعبيد‏:‏ قرسوا‏:‏ يعني بردوا‏.‏ وقول الناس‏:‏ قد قرس البرد، إنما هو من هذا بالسين ليس بالصاد‏.‏ والشنان‏:‏ الأسقية والقرب الخلقان، يقال للسقاء‏:‏ شن، وللقربة‏:‏ شنة‏.‏ وإنما ذكر الشنان دون الجدد لأنها أشد تبريدًا للماء‏.‏ وقوله‏:‏ بين الأذانين، يعني أذان الفجر والإقامة، فسمى الإقامة أذانًا، انتهى كلامه‏.‏
قال بعض الأطباء‏:‏ وهذا العلاج من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أفضل علاج هذا الداء إذا كان وقوعه بالحجاز، وهي بلاد حارة يابسة، والحار الغريزي ضعيف في بواطن سكانها، وصب الماء البارد عليهم في الوقت المذكور، وهو أبرد أوقات اليوم ـ يوجب جمع الحار الغريزي المنتشر في البدن الحامل لجميع قواه، فيقوي القوة الدافعة، ويجتمع من أقطار البدن إلى باطنه الذي هو محل ذاك الداء، ويستظهر بباقي القوى على دفع المرض المذكور، فيدفعه بإذن الله ـ عز وجل ـ ولو أن بقراط، أو جالينوس، أو غيرهما، وصف هذا الدواء لهذا الداء، لخضعت له الأطباء، وعجبوا من كمال معرفته‏.‏

فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إصلاح الطعام الذي يقع فيه الذباب
وإرشاده إلى دفع مضرات السموم بأضدادها
في الصحيحين من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء‏)‏‏.‏
وفي سنن ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏أحد جناحي الذباب سم، والآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام، فامقلوه، فإنه يقدم السم، ويؤخر الشفاء‏)‏‏.‏
هذا الحديث فيه أمران‏:‏ أمر فقهي، وأمر طبي، فأما الفقهي، فهو دليل ظاهر الدلالة جدًا على أن الذباب إذا مات في ماء أو مائع، فإنه لا ينجسه، وهذا قول جمهور العلماء، ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك‏.‏ ووجه الإستدلال به أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بمقله، وهو غمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولا سيما إذا كان الطعام حارًا‏.‏ فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة، كالنحلة والزنبور، والعنكبوت وأشباه ذلك، إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي لانتفاء سببه، فلما كان سجب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته‏.‏
ثم قال من لم يحكم بنجاسة عظم الميتة‏:‏ إذا كان هذا ثابتًا في الحيوان الكامل مع ما فيه من الرطوبات، والفضلات، وعدم الصلابة، فثبوته في العظم الذي هو أبعد عن الرطوبات والفضلات، واحتقان الدم أولى، وهذا في غاية القوة، فالمصير إليه أولى‏.‏
وأول من حفظ عنه في الإسلام أنه تكلم بهذه اللفظة، فقال‏:‏ ما لا نفس له سائلة، إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء ـ والنفس في اللغة‏:‏ يعبر بها عن الدم، ومنه نفست المرأة ـ بفتح النون ـ إذا حاضت، ونفست ـ بضمها ـ إذا ولدت‏.‏
وأما المعنى الطبي، فقال أبو عبيد‏:‏ معنى امقلوه‏:‏ اغمسوه ليخرج الشفاء منه، كما خرج الداء، يقال للرجلين‏:‏ هما يتماقلان، إذا تغاطا في الماء‏.‏
واعلم أن في الذباب عندهم قوة سمية يدل عليها الورم، والحكة العارضة عن لسعه، وهي بمنزلة السلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه، اتقاه بسلاحه، فأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر من الشفاء، فيغمس كله في الماء والطعام، فيقابل المادة السمية المادة النافعة، فيزول ضررها، وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم، بل هو خارج من مشكاة النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية‏.‏
وقد ذكر غير واحد من الأطباء أن لسع الزنبور والعقرب إذا دلك موضعه بالذباب نفع منه نفعًا بينًا، وسكنه، وما ذاك إلا للمادة التي فيه من الشفاء، وإذا دلك به الورم الذي يخرج في شعر العين المسمى شعرة بعد قطع رؤوس الذباب، أبرأه‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج البثرة
ذكر ابن السني في كتابه عن بعض أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت‏:‏ ‏(‏دخل علي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد خرج في أصبعي بثرة، فقال‏:‏ عندك ذريرة‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ضعيها عليها وقولي‏:‏ اللهم مصغر الكبير، ومكبر الصغير، صغر ما بي‏)‏‏.‏
الذريرة‏:‏ دواء هندي يتخذ من قصب الذريرة، وهي حارة يابسة تنفع من أورام المعدة والكبد والاستسقاء، وتقوي القلب لطيبها، وفي الصحيحين عن عائشة أنها قالت‏:‏ طيبت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام‏.‏
والبثرة‏:‏ خراج صغير يكون عن مادة حارة تدفعها الطبيعة، فتسترق مكانًا من الجسد تخرج منه، فهي محتاجة إلى ما ينضجها ويخرجها، والذريرة أحد ما يفعل بها ذلك، فإن فيها إنضاجًا وإخراجًا مع طيب رائحتها، مع أن فيها تبريدًا للنارية التي في تلك المادة، وكذلك قال صاحب القانون‏:‏ إنه لا أفضل لحرق النار من الذريرة بدهن الورد والخل‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج الأورام
والخرجات التي تبرأ بالبط والبزل يذكر عن علي أنه قال‏:‏ دخلت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على رجل يعوذه بظهره ورم، فقالوا‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ بهذه مدة‏.‏ قال‏:‏ بطوا عنه، قال علي‏:‏ فما برحت حتى بطت، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شاهد‏.‏
ويذكر عن أبي هريرة، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر طبيبًا أن يبط بطن رجل أجوى البطن، فقيل‏:‏ يا رسول الله‏:‏ هل ينفع الطب‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الذي أنزل الداء، أنزل الشفاء، فيما شاء‏)‏‏.‏
الورم‏:‏ مادة في حجم العضو لفضل مادة غير طبيعية تنصب إليه، ويوجد في أجناس الأمراض كلها، والمواد التي تكون عنها من الأخلاط الأربعة، والمائية، والريح، وإذا اجتمع الورم سمي خراجًا، وكل ورم حار يؤول أمره إلى أحد ثلاثة أشياء‏:‏ إما تحلل، وإما جمع مدة، وإما استحالة إلى الصلابة‏.‏ فإن كانت القوة قوية، استولت على مادة الورم وحللته، وهي أصلح الحالات التي يؤول حال الورم إليها، وإن كانت دون ذلك، أنضجت المادة، وأحالتها مدة بيضاء، وفتحت لها مكانًا أسالتها منه‏.‏ وإن نقصت عن ذلك أحالت المادة مدة غير مستحكمة النضج، وعجزت عن فتح مكان في العضو تدفعها منه، فيخاف على العضو الفساد بطول لبثها فيه، فيحتاج حينئذ إلى إعانة الطبيب بالبط، أو غيره لإخراج تلك المادة الرديئة المفسدة للعضو‏.‏
وفي البط فائدتان‏:‏ إحداهما‏:‏ إخراج المادة الرديئة المفسدة‏.‏
والثانية‏:‏ منع اجتماع مادة أخرى إليها تقويها‏.‏
وأما قوله في الحديث الثاني‏:‏ ‏(‏إنه أمر طبيبًا أن يبط بطن رجل أجوى البطن‏)‏، فالجوى يقال على معان منها‏:‏ الماء المنتن الذي يكون في البطن يحدث عنه الاستسقاء‏.‏
وقد اختلف الأطباء في بزله لخروج هذه المادة، فمنعته طائفة منهم لخطره، وبعد السلامة معه، وجوزته طائفة أخرى، وقالت‏:‏ لا علاج له سواه، وهذا عندهم إنما هو في الإستسقاء الزقي، فإنه كما تقدم ثلاثة أنواع‏:‏ طبلي، وهو الذي ينتفخ معه البطن بمادة ريحية إذا ضربت عليه سمع له صوت كصوت الطبل، ولحمي‏:‏ وهو الذي يربو معه لحم جميع البدن بمادة بلغمية تفشو مع الدم في الأعضاء، وهو أصعب من الأول، وزقي‏:‏ وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادة رديئة يسمع لها عند الحركة خضخضة كخضخضة الماء في الزق، وهو أردأ أنواعه عند الأكثرين من الأطباء‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ أردأ أنواعه اللحمي لعموم الآفة به‏.‏
ومن جملة علاج الزقي إخراج ذلك بالبزل، ويكون ذلك بمنزلة فصد العروق لإخراج الدم الفاسد، لكنه خطر كما تقدم، وإن ثبت هذا الحديث، فهو دليل على جواز بزله، والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم
روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد الخدري، قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إذا دخلتم على المريض، فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يرد شيئًا، وهو يطيب نفس المريض‏)‏‏.‏
وفي هذا الحديث نوع شريف جدًا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة، وتنتعش به القوة، وينبعث به الحار الغريزي، فيتساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطبيب‏.‏
وتفريح نفس المريض، وتطييب قلبه، وإدخال ما يسره عليه، له تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي، وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يحبونه، ويعظمونه، ورؤيتهم لهم، ولطفهم بهم، ومكالمتهم إياهم، وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم، فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد‏:‏ نوع يرجع إلى المريض، ونوع يعود على العائد، ونوع يعود على أهل المريض، ونوع يعود على العامة‏.‏
وقد تقدم في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يسأل المريض عن شكواه، وكيف يجده ويسأله عما يشتهيه، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعو له، ويصف له ما ينفعه في علته، وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه، وربما كان يقول للمريض‏:‏ ‏(‏لا بأس طهور إن شاء الله‏)‏، وهذا من كمال اللطف، وحسن العلاج والتدبير‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج الأبدان
بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده هذا أصل عظيم من أصول العلاج، وأنفع شيء فيه، وإذا أخطأه الطبيب، أضر المريض من حيث يظن أنه ينفعه، ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الطب إلا طبيب جاهل، فإن ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها، وهؤلاء أهل البوادي والأكارون وغيرهم لا ينجع فيهم شراب اللينوفر والورد الطري ولا المغلي، ولا يؤثر في طباعهم شيئًا، بل عامة أدوية أهل الحضر وأهل الرفاهية لا تجدي علهم، والتجربة شاهدة بذلك، ومن تأمل ما ذكرناه من العلاج انبوي، رآه كله موافقًا لعادة العليل وأرضه، وما نشأ عليه‏.‏ فهذا أصل عظيم من أصول العلاج يجب الإعتناء به، وقد صرح به أفاضل أهل الطب حتى قال طبيب العرب بل أطبهم الحارث بن كلدة، وكان فيهم كابقراط في قومه‏:‏ الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعودوا كل بدن ما اعتاد‏.‏ وفي لفظ عنه‏:‏ الأزم دواء، والأزم‏:‏ الإمساك عن الأكل يعني به الجوع، وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الإمتلائية كلها بحيث إنه أفضل في علاجها من المستفرغات إذا لم يخف من كثرة الإمتلاء، وهيجان الأخلاط، وحدتها أو غليانها‏.‏
وقوله‏:‏ المعدة بيت الداء‏.‏ المعدة‏:‏ عضو عصبي مجوف كالقرعة في شكلها، مركب من ثلاث طبقات، مؤلفة من شظايا دقيقة عصبية تسمى الليف، ويحيط بها لحم، وليف إحدى الطبقات بالطول، والأخرى بالعرض، والثالثة بالورب، وفم المعدة أكثر عصبًا، وقعرها أكثر لحمًا، وفي باطنها خمل، وهي محصورة في وسط البطن، وأميل إلى الجانب الأيمن قليلًا، خلقت على هذه الصفة لحكمة لطيفة من الخالق الحكيم سبحانه، وهي بيت الداء، وكانت محلًا للهضم الأول، وفيها ينضج الغذاء وينحدر منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء، ويتخلف منه فيها فضلات قد عجزت القوة الهاضمة عن تمام هضمها، إما لكثرة الغذاء، أو لردائته، أو لسوء ترتيب في استعماله، أو لمجموع ذلك، وهذه الأشياء بعضها مما لا يتخلص الإنسان منه غالبًا، فتكون المعدة بيت الداء لذلك، وكأنه يشير بذلك إلى الحث على تقليل الغذاء، ومنع النفس من اتباع الشهوات، والتحرز عن الفضلات‏.‏
وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان، ولذلك يقال‏:‏ العادة طبع ثان، وهي قوة عظيمة في البدن، حتى إن أمرًا واحدًا إذا قيس إلى أبدان مختلفة العادات، كان مختلف النسبة إليها‏.‏ وإن كانت تلك الأبدان متفقة في الوجوه الأخرى مثال ذلك أبدان ثلاثة حارة المزاج في سن الشباب، أحدها‏:‏ عود تناول الأشياء الحارة، والثاني‏:‏ عود تناول الأشياء الباردة، والثالث‏:‏ عود تناول الأشياء المتوسطة، فإن الأول متى تناول عسلًا لم يضر به، والثاني‏:‏ متى تناوله، أضر به، والثالث‏:‏ يضر به قليلًا، فالعادة ركن عظيم في حفظ الصحة، ومعالجة الأمراض، ولذلك جاء العلاج النبوي بإجراء كل بدن على عادته في استعمال الأغذية والأدوية وغير ذلك‏.‏

فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تغذية المريض
بألطف ما اعتاده من الأغذية في الصحيحين من حديث عروة عن عائشة، أنها كانت إذا مات الميت من أهلها، واجتمع لذلك النساء، ثم تفرقن إلى أهلهن، أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت، وصنعت ثريدًا ثم صبت التلبينة عليه، ثم قالت‏:‏ كلوا منها، فإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن‏)‏‏.‏
وفي السنن من حديث عائشة أيضًا قالت‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏عليكم بالبغيض النافع التلبين‏)‏، قالت‏:‏ وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى ينتهي أحد طرفيه‏.‏ يعني يبرأ أو يموت‏.‏
وعنها‏:‏ كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا قيل له‏:‏ إن فلانًا وجع لا يطعم الطعام، قال‏:‏ ‏(‏عليكم بالتلبينة فحسوه إياها‏)‏، ويقول‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده إنها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ‏)‏‏.‏
التلبين‏:‏ هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن، ومنه اشتق إسمه، قال الهروي‏:‏ سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها، وهذا الغذاء هو النافع للعليل، وهو الرقيق النضيج لا الغليظ النيء، وإذا شيءت أن تعرف فضل التلبينة، فاعرف فضل ماء الشعير، بل هي ماء الشعير لهم، فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته، والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحًا، والتلبينة تطبخ منه مطحونًا، وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن، وقد تقدم أن للعادات تأثيرًا في الإنتفاع بالأدوية والأغذية، وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونًا لا صحاحًا، وهو أكثر تغذية، وأقوى فعلًا، وأعظم جلاء، وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحًا ليكون أرق وألطف، فلا يثقل على طبيعة المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها، وثقل ماء الشعير المطحون عليها‏.‏ والمقصود ‏:‏ أن ماء الشعير مطبوخًا صحاحًا ينفذ سريعًا، ويجلو جلاء ظاهرًا، ويغذي غذاء لطيفًا‏.‏ وإذا شرب حارًا كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر، وتلميسه لسطوح المعدة أوفق‏.‏
وقوله صلى الله عليه وسلم فيها ‏:‏ ‏(‏مجمة لفؤاد المريض‏)‏ يروى بوجهين‏.‏ بفتح الميم والجيم، وبضم الميم، وكسر الجيم، والأول‏:‏ أشهر، ومعناه ‏:‏ أنها مريحة له، أي ‏:‏ تريحه وتسكنه من الإجمام وهو الراحة‏.‏ وقوله ‏:‏ ‏(‏تذهب ببعض الحزن‏)‏ هذا - والله أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج، ويضعفان الحرارة الغريزية لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها، وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها، فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن‏.‏
وقد يقال ـ وهو أقرب ـ ‏:‏ إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة، فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية، والله أعلم‏.‏
وقد يقال‏:‏ إن قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء، وهذا الحساء يرطبها، ويقويها، ويغذيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خلط مراري، أو بلغمي، أو صديدي، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه، ويحدره، ويميعه، ويعدل كيفيته، ويكسر سورته، فيريحها ولا سيما لمن عادته الإغتذاء بخبز الشعير، وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك، وكان هو غالب قوتهم، وكانت الحنطة عزيزة عندهم‏.‏ والله أعلم‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:44 AM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج السم الذي أصابه بخيبر من اليهود
ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك‏:‏ ‏(‏أن امرأة يهودية أهدت إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شاة مصلية بخيبر، فقال‏:‏ ما هذه ‏؟‏ قالت‏:‏ هدية، وحذرت أن تقول‏:‏ من الصدقة، فلا يأكل منها، فأكل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأكل الصحابة، ثم قال‏:‏ أمسكوا، ثم قال للمرأة‏:‏ هل سممت هذه الشاة ‏؟‏ قالت‏:‏ من أخبرك بهذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا العظم لساقها، وهو في يده‏؟‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ لم‏؟‏ قالت‏:‏ أردت إن كنت كاذبًا أن يستريح منك الناس، وإن كنت نبيًا، لم يضرك، قال‏:‏ فاحتجم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاثة على الكاهل، وأمر أصحابه أن يحتجموا، فاحتجموا، فمات بعضهم‏)‏‏.‏
وفي طريق أخرى‏:‏ واحتجم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وهو مولى لبي بياضة من الأنصار، وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه، فقال‏:‏ ‏(‏ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر حتى كان هذا أوان انقطاع الأبهر مني‏)‏ فتوفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شهيدًا، قاله موسى بن عقبة‏.‏
معالجة السم تكون بالإستفراغات، وبالأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله، إما بكيفياتها، وإما بخواصها، فمن عدم الدواء، فليبادر إلى الإستفراغ الكلي وأنفعه الحجامة، ولا سيما إذا كان البلد حارًا، والزمان حارًا، فإن القوة السمية تسري إلى الدم، فتنبعث في العروق والمجاري حتى تصل إلى القلب، فيكون الهلاك، فالدم هو المنفذ الموصل للسم إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم، وأخرج الدم، خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته، فإن كان استفراغًا تامًا لم يضره السم، بل إما أن يذهب، وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة، فتبطل فعله أو تضعفه‏.‏
ولما احتجم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ احتجم في الكاهل، وهو أقرب المواضع التي يمكن فيها الحجامة إلى القلب، فخرجت الماده السمية مع الدم لا خروجًا كليًا، بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كلها له، فلما أراد الله إكرامه بالشهادة، ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السم ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وظهر سر قوله تعالى لأعدائه من اليهود‏:‏ ‏{‏أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 87‏]‏، فجاء بلفظ كذبتم بالماضي الذي قد وقع منه، وتحقق، وجاء بلفظ‏:‏ تقتلون بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه، والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج السحر الذي سحرته اليهود به
قد أنكر هذا طائفة من الناس، وقالوا‏:‏ لا يجوز هذا عليه، وظنوه نقصًا وعيبًا، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله عنه ـا ـ أنها قالت‏:‏ سحر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه، ولم يأتهن، وذلك أشد ما يكون من السحر‏.‏
قال القاضي عياض‏:‏ والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل يجوز عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأنواع الأمراض مما لا ينكر، ولا يقدح في نبوته، وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقة، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها، ولا فضل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان‏.‏
والمقصود‏:‏ ذكر هديه في علاج هذا المرض، وقد روي عنه فيه نوعان‏:‏
أحدهما ـ وهو أبلغهما ـ‏:‏ استخراجه وإبطاله، كما صح عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه سأل ربه سبحانه في ذلك، فدل عليه، فاستخرجه من بئر، فكان في مشط ومشاطة، وجف طلعة ذكر، فلما استخرجه، ذهب ما به، حتى كأنما أنشط من عقال، فهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب، وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ‏.‏
والنوع الثاني‏:‏ الإستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر، فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة، وهيجان أخلاطها، وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في عضو، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو، نفع جدًا‏.‏
وقد ذكر أبو عبيد في كتاب غريب الحديث له بإسناده، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ احتجم على رأسه بقرن حين طب‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ معنى طب‏:‏ أي سحر‏.‏
وقد أشكل هذا على من قل علمه، وقال‏:‏ ما للحجامة والسحر، وما الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء، ولو وجد هذا القائل أبقراط، أو ابن سينا، أو غيرهما قد نص على هذا العلاج، لتلقاه بالقبول والتسليم، وقال‏:‏ قد نص عليه من لا يشك في معرفته وفضله‏.‏
فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به ـ صلى الله عليه وسلم ـ انتهت إلى رأسه إلى إحدى قواه التي فيه بحيث كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه، فغيرت مزاجه عن طبيعته الأصلية‏.‏
والسحر‏:‏ هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة، وانفعال القوى الطبيعية عنها، وهو أشد ما يكون من السحر، ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه، واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة إذا استعملت على القانون الذي ينبغي‏.‏
قال أبقراط‏:‏ الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها‏.‏
وقالت طائفة من الناس‏:‏ إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أصيب بهذا الداء، وكان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، ظن أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها مالت إلى جهة الدماغ، وغلبت على البطن المقدم منه، فأزالت مزاجه عن الحالة الطبيعية له، وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية، وأنفع المعالجة، فاحتجم، وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر، فلما جاءه الوحي من الله تعالى، وأخبره أنه قد سحر، عدل إلى العلاج الحقيقي وهو استخراج السحر وإبطاله، فسأل الله سبحانه، فدله على مكانه، فاستخرجه، فقام كأنما أنشط من عقال، وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده، وظاهر جوارحه، لا على عقله وقلبه، ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه من إتيان النساء، بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له، ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض، والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية
بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار، والآيات، والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت أقوى وأشد، كانت أبلغ في القشرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه، فأيهما غلب الآخر، قهره، وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله مغمورًا بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه‏.‏
وعند السحرة‏:‏ أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات، ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء، والصبيان، والجهال، وأهل البوادي، ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية‏.‏
وبالجملة‏:‏ فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات، قالوا‏:‏ والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقًا بشيء كثير الإلتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والإلتفات، والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها، فتجدها فارغة لا عدة معها، وفيها ميل إلى ما يناسبها، فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره، والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الاستفراغ بالقيء
روى الترمذي في جامعه عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاء، فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت له ذلك، فقال‏:‏ صدق، أنا صببت له وضوءه‏.‏ قال الترمذي‏:‏ وهذا أصح شيء في الباب‏.‏
القيء‏:‏ أحد الإستفراغات الخمسة التي هي أصول الاستفراغ، وهي الإسهال، والقيء، وإخراج الدم، وخروج الأبخرة والعرق، وقد جاءت بها السنة‏.‏
فأما الإسهال‏:‏ فقد مر في حديث ‏(‏خير ما تداويتم به المشي‏)‏ وفي حديث ‏(‏السنا‏)‏‏.‏
وأما إخراج الدم، فقد تقدم في أحاديث الحجامة‏.‏
وأما استفراغ الأبخرة، فذكره عقب هذا الفصل إن شاء الله‏.‏
وأما الإستفراغ بالعرق، فلا يكون غالبًا بالقصد، بل بدفع الطبيعة له إلى ظاهر الجسد، فيصادف المسام مفتحة، فيخرج منها‏.‏
والقيء استفراغ من أعلا المعدة، والحقنة من أسفلها، والدواء من أعلاها وأسفلها، والقيء‏:‏ نوعان‏:‏ نوع بالغلبة والهيجان، ونوع بالاستدعاء والطلب‏.‏ فأما الأول‏:‏ فلا يسوغ حبسه ودفعه إلا إذا أفرط وخيف منه التلف‏.‏ فيقطع بالأشياء التي تمسكه‏.‏ وأما الثاني‏:‏ فأنفعه عند الحاجة إذا روعي زمانه وشروطه التي تذكر‏.‏
وأسباب القيء عشرة‏.‏
أحدها‏:‏ غلبة المرة الصفراء، وطفوها على رأس المعدة، فتطلب الصعود‏.‏
الثاني‏:‏ من غلبة بلغم لزج قد تحرك في المعدة، واحتاج إلى الخروج‏.‏
الثالث‏:‏ أن يكون من ضعف المعدة في ذاتها، فلا تهضم الطعام، فتقذفه إلى جهة فوق‏.‏
الرابع‏:‏ أن يخالطها خلط رديء ينصب إليها، فيسيء هضمها، ويضعف فعلها‏.‏
الخامس‏:‏ أن يكون من زيادة المأكول أو المشروب على القدر الذي تحتمله المعدة، فتعجز عن إمساكه، فتطلب دفعه وقذفه‏.‏
السادس‏:‏ أن يكون من عدم موافقة المأكول والمشروب لها، وكراهتها له، فتطلب دفعه وقذفه‏.‏
السابع‏:‏ أن يحصل فيها ما يثور الطعام بكيفيته وطبيعته، فتقذف به‏.‏
الثامن‏:‏ القرف، وهو موجب غثيان النفس وتهوعها‏.‏
التاسع‏:‏ من الأعراض النفسانية، كالهم الشديد، والغم، والحزن، وغلبة اشتغال الطبيعة والقوى الطبيعية به، واهتمامها بوروده عن تدبير البدن، وإصلاح الغذاء، وإنضاجه، وهضمه، فتقذفه المعدة، وقد يكون لأجل تحرك الأخلاط عند تخبط النفس، فإن كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه، ويؤثر في كيفيته‏.‏
العاشر‏:‏ نقل الطبيعة بأن يرى من يتقيأ، فيغلبه هو القيء من غير استدعاء، فإن الطبيعة نقالة‏.‏
وأخبرني بعض حذاق الأطباء، قال‏:‏ كان لي ابن أخت حذق في الكحل، فجلس كحالًا، فكان إذا فتح عين الرجل، ورأى الرمد وكحله، رمد هو، وتكرر ذلك منه، فترك الجلوس‏.‏ قلت له‏:‏ فما سبب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نقل الطبيعة، فإنها نقالة، قال‏:‏ وأعرف آخر، كان رأى خراجًا في موضع من جسم رجل يحكه، فحك هو ذلك الموضع، فخرجت فيه خراجة‏.‏ قلت‏:‏ وكل هذا لا بد فيه مناستعداد الطبيعة، وتكون المادة ساكنة فيها غير متحركة، فتتحرك لسبب من هذه الأسباب، فهذه أسباب لتحرك المادة لا أنها هي الموجبة لهذا العارض‏.‏
فصل‏:‏ ولما كانت الأخلاط فى البلاد الحارة
والأزمنة الحارة ترق وتنجذب إلى فوق، كان القيء فيها أنفع‏.‏ ولما كانت في الأزمنة الباردة والبلاد الباردة تغلظ، ويصعب جذبها إلى فوق، كان استفراغها، بالإسهال أنفع‏.‏
وإزالة الأخلاط ودفعها تكون بالجذب والإستفراغ، والجذب يكون من أبعد الطرق، والإستفراغ من أقربها، والفرق بينهما أن المادة إذا كانت عاملة في الإنصباب أو الترقي لم تستقر بعد، فهي محتاجة إلى الجذب، فإن كانت متصاعدة جذبت من أسفل، وإن كانت منصبة جذبت من فوق، وأما إذا اسقرت في موضعها، استفرغت من أقرب الطرق إليها، فمتى أضرت المادة بالأعضاء العليا، اجتذبت من أسفل، ومتى أضرت بالأعضاء السفلى، اجتذبت من فوق، ومتى استقرت، استفرغت من أقرب مكان إليها، ولهذا احتج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على كاهله تارة، وفي رأسه أخرى، وعلى ظهر قدمه تارة، فكان يستفرغ مادة الدم المؤذي من أقرب مكان إليه‏.‏ والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ والقيء ينقي المعدة ويقويها
ويحد البصر، ويزيل ثقل الرأس، وينفع قروح الكلى، والمثانة، والامراض المزمنة كالجذام والاستسقاء، والفالج والرعشة، وينفع اليرقان‏.‏
ويبنغي أن يستعمله الصحيح في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور، ليتدارك الثاني ما قصر عنه الأول، وينقي الفضلات التي انصبت بسببه، والإكثار منه يضر المعدة، ويجعلها قابلة للفضول، ويضر بالأسنان والبصر والسمع، وربما صدع عرقًا، ويجب أن يجتنبه من به ورم في الحلق، أو ضعف في الصدر، أو دقيق الرقبة، أو مستعد لنفث الدم، أو عسر الإجابة له‏.‏
وأما ما يفعله كثير ممن يسيء التدبير، وهو أن يمتلئ من الطعام، ثم يقذفه، ففيه آفات عديدة، منها‏:‏ أنه يعجل الهرم، ويوقع في أمراض رديئة، ويجعل القيء له عادة‏.‏ والقيء مع اليبوسة، وضف الأحشاء، وهزال المراق‏.‏ أو ضعف المستقيء خطر‏.‏‏.‏‏.‏
وأحمد أوقاته الصيف والربيع دون الشتاء والخريف، وينبغي عند القيء أن يعصب العينين، ويقمط البطن، ويغسل الوجه بماء بارد عند الفراغ، وان يشرب عقيبه شراب التفاح مع يسير من مصطكى، وماء الورد ينفعه نفعًا بينًا‏.‏
والقيء يستفرغ من أعلى المعدة، ويجذب من أسفل، والإسهال بالعكس، قال أبقراط‏:‏ وينبغي أن يكون الإستفراغ في الصيف من فوق أكثر من الإستفراغ بالدواء، وفي الشتاء من أسفل‏.‏
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين
ذكر مالك في موطئه‏:‏ عن زيد بن أسلم، أن رجلًا في زمان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصابه جرح، فاحتقن الجرح الدم، وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار، فنظرا إليه فزعما أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لهما‏:‏ ‏(‏أيكما أطب‏؟‏ فقال‏:‏ أوفي الطب خير يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ أنزل الدواء الذي أنزل الداء‏)‏‏.‏
ففي هذا الحديث أنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالأحذق، فإنه إلى الإصابة أقرب‏.‏
وهكذا يجب على المستفتي أن يستعين على ما نزل به بالأعلم فالأعلم، لأنه أقرب إصابة ممن هو دونه‏.‏
وكذلك من خفيت عليه القبلة، فإنه يقلد أعلم من يجده، وعلى هذا فطر الله عباده، كما أن المسافر في البر والبحر إنما سكون نفسه، وطمأنينته إلى أحذق الدليلين وأخبرهما، وله يقصد، وعليه يعتمد، فقد اتفقت على هذا الشريعة والفطرة والفعل‏.‏
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏أنزل الدواء الذي أنزل الداء‏)‏، قد جاء مثله عنه في أحاديث كثيرة، فمنها ما رواه عمرو بن دينار، عن هلال بن يساف، قال‏:‏ ‏(‏دخل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مريض يعوده، فقال‏:‏ أرسلوا إلى طبيب، فقال قائل‏:‏ وأنت تقول ذلك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ نعم إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له دواء‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة يرفعه‏:‏ ‏(‏ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء‏)‏، وقد تقدم هذا الحديث وغيره‏.‏
واختلف في معنى أنزل الداء والدواء، فقالت طائفة‏:‏ إنزاله إعلام العباد به، وليس بشيء، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه، وأكثر الخلق لا يعملون ذلك، ولهذا قال‏:‏ ‏(‏علمه من علمه، وجهله من جهله ‏)‏‏.‏
وقالت طائفة‏:‏ إنزالهما‏:‏ خلقهما ووضعهما في الأرض، كما في الحديث الآخر‏:‏ ‏(‏إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء‏)‏، وهذا وإن كان أقرب في الذي قبله، فلفظة الإنزال أخص من لفظة الخلق والوضع، فلا ينبغي إسقاط خصوصية اللفظة بلا موجب‏.‏
وقالت طائفة‏:‏ إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بمباشرة الخلق من داء ودواء وغير ذلك، فإن الملائكة موكلة بأمر هذا العالم، وأمر النوع الإنساني من حين سقوطه في رحم أمه إلى حين موته، فإنزال الداء والدواء مع الملائكة، وهذا أقرب من الوجهين قبله‏.‏
وقالت طائفة‏:‏ إن عامة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث من السماء الذي تتولد به الأغذية، والأقوات، والأدوية، والأدواء، وآلات ذلك كله، وأسبابه ومكملاته، وما كان منها من المعادن العلوية، فهي تنزل من الجبال، وما كان منها من الأودية والأنهار والثمار، فداخل في اللفظ على طريق التغليب والاكتفاء عن الفعلين بفعل واحد يتضمنهما، وهو معروف من لغة العرب، بل وغيرها من الأمم، كقول الشاعر‏:‏
علفتها تبنا وماء باردًا ** حتى غدت همالة عيناها
وقول الآخر‏:‏
ورأيت زوجك قــد غدا **متقلـــدًا سيفـــًا ورمحـــًا
وقول الآخر‏:‏
إذا ما الغانيات برزن يومًا ** وزججن الحواجب والعيونا
وهذا أحسن مما قبله من الوجوه والله أعلم‏.‏
وهذا من تمام حكمة الرب عز وجل، وتمام ربوبيته، فإنه كما ابتلى عباده بالأدواء، أعانهم عليها بما يسره لهم من الأدوية، وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة، والحسنات الماحية والمصائب المكفرة، وكما ابتلاهم بالأرواح الخبيثة من الشياطين، أعانهم عليها بجند من الأرواح الطيبة، وهم الملائكة‏.‏ وكما ابتلاهم بالشهوات أعانهم على قضائها بما يسره لهم شرعًا وقدرًا من المشتهيات اللذيذة النافعة، فما ابتلاكم سبحانه بشيء إلا أعطاهم ما يستعينون به على ذلك البلاء، ويدفعونه به، ويبقى التفاوت بينهم في العلم بذلك، والعلم بطريق حصوله والتوصل إليه، وبالله المستعان‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:49 AM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تضمين من طب الناس
وهو جاهل بالطب
روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك، فهو ضامن‏)‏‏.‏
هذا الحديث يتعلق به ثلاثة أمور‏:‏ أمر لغوي، وأمر فقهي، وأمر طبي‏.‏
فأما اللغوي‏:‏ فالطب بكسر الطاء في لغة العرب، يقال‏:‏ على معان‏.‏ منها الإصلاح، يقال‏:‏ طببته‏:‏ إذا أصلحته‏.‏ ويقال‏:‏ له طب بالأمور‏.‏ أي‏:‏ لطف وسياسة‏.‏ قال الشاعر‏:‏
وإذا تغير من تميم أمرها ** كنت الطبيب لها برأي ثاقب
ومنها‏:‏ الحذق‏.‏ قال الجوهري‏:‏ كل حاذق طبيب عند العرب، قال أبو عبيد‏:‏ أصل الطب‏:‏ الحذق بالأشياء والمهارة بها‏.‏ يقال للرجل‏:‏ طب وطبيب‏:‏ إذا كان كذلك، وإن كان في غير علاج المريض‏.‏ وقال غيره‏:‏ رجل طبيب‏:‏ أي حاذق، سمي طبيبًا لحذقه وفطنته‏.‏ قال علقمة‏:‏
فإن تسألوني بالنساء فإنني ** خبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ** فليس له من ودهن نصيب
وقا ل عنترة‏:‏
إن تغد في دوني القناع فإنني ** رطب بأخذ الفارس المستلئم
أي‏:‏ إن ترخي عني قناعك، وتستري وجهك رغبة عني، فإني خبير حاذق بأخذ الفارس الذي قد لبس لأمة حربه‏.‏
ومنها‏:‏ العادة، يقال‏:‏ ليس ذاك بطبي، أي‏:‏ عادتي، قال فروة بن مسيك‏:‏
فما إن طبنا جبن ولكن ** منايانا ودولة آخرينا
وقال أحمد بن الحسين المتنبي‏:‏
وما التيه طبي فيهم غير أنني ** بغيض إلي الجاهل المتعاقل
ومنها‏:‏ السحر، يقال‏:‏ رجل مطبوب، أي‏:‏ مسحور، وفي الصحيح في حديث عائشة لما سحرت يهود رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجلس الملكان عند رأسه وعند رجليه، فقال أحدهما‏:‏ ما بال الرجل‏؟‏ قال الآخر‏:‏ مطبوب‏.‏ قال‏:‏ من طبه‏؟‏ قال‏:‏ فلان اليهودي‏.‏
قال أبو عبيد‏:‏ إنما قالوا للمسحور‏:‏ مطبوب، لأنهم كنوا بالطب عن السحر، كما كنوا عن اللديغ، فقالوا‏:‏ سليم تفاولًا بالسلامة، وكما كنوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها، فقالوا‏:‏ مفازة تفاؤلًا بالفوز من الهلاك‏.‏ ويقال‏:‏ الطب لنفس الداء‏.‏ قال ابن أبي الأسلت‏:‏
ألا من مبلغ حسان عني ** أسحر كان طبك أم جنون
وأما قول الحماسي‏:‏
فإن كنت مطبوبًا فلا زلت هكذا ** وإن كنت مسحورًا فلا برئ السحر
فإنه أراد بالمطبوب الذي قد سحر، وأراد بالمسحور‏:‏ العليل بالمرض‏.‏
قال الجوهري‏:‏ ويقال للعليل‏:‏ مسحور‏.‏ وأنشد البيت‏.‏ ومعناه‏:‏ إن كان هذا الذي قد عراني منك ومن حبك أسأل الله دوامه، ولا أريد زواله، سواء كان سحرًا أو مرضًا‏.‏
والطب‏:‏ مثلث الطاء، فالمفتوح الطاء‏:‏ هو العالم بالأمور، وكذلك الطبيب يقال له‏:‏ طب أيضًا‏.‏ والطب‏:‏ بكسر الطاء‏:‏ فعل الطبيب، والطب بضم الطاء‏:‏ اسم موضع، قاله ابن السيد، وأنشد‏:‏
فقلت هل انهلتم بطب ركابكم ** بجائزة الماء التي طاب طينها
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ من تطبب، ولم يقل‏:‏ من طب، لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفه، وأنه ليس من أهله، كتحلم وتشجع وتصبر ونظائرها، وكذلك بنوا تكلف على هذا الوزن، قال الشاعر‏:‏
وقيس عيلان ومن تقيسا وأما الأمر الشرعي، فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل، فإذا تعاطى علم الطب وعمله، ولم يتقدم له به معرفة، فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس، وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه، فيكون قد غرر بالعليل، فيلزمه الضمان لذلك، وهذا إجماع من أهل العلم‏.‏
قال الخطابي‏:‏ لا أعلم خلافًا في أن المعالج إذا تعدى، فتلف المريض كان ضامنًا، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية، وسقط عنه القود، لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض وجناية المتطبب في قول عامة الفقهاء على عاقلته‏.‏
قلت‏:‏ الأقسام خمسة‏:‏ أحدها‏:‏ طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده، فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع، ومن جهة من يطبه تلف العضو أو النفس، أو ذهاب صفة، فهذا لا ضمان عليه اتفاقًا، فإنها سراية مأذون فيه، وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت، وسنه قابل للختان، وأعطى الصنعة حقها، فتلف العضو أو الصبي، لم يضمن، وكذلك إذا بط من عاقل أو غيره ما ينبغي بطه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به، لم يضمن، وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها، كسراية الحد بالإتفاق‏.‏ وسراية القصاص عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها، وسراية التعزير، وضرب الرجل امرأته، والمعلم الصبي، والمستأجر الدابة، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في إيجابهما الضمان في ذلك، واستثنى الشافعي ضرب الدابة‏.‏
وقاعدة الباب إجماعًا ونزاعًا‏:‏ أن سراية الجناية مضمونة بالإتفاق، وسراية الواجب مهدرة بالإتفاق، وما بينهما ففيه النزاع‏.‏ فأبو حنيفة أوجب ضمانه مطلقًا، وأحمد ومالك أهدرا ضمانه، وفرق الشافعي بين المقدر، فأهدر ضمانه، وبين غير المقدر فأوجب ضمانه‏.‏ فأبو حنيفة نظر إلى أن الإذن في الفعل إنما وقع مشروطًا بالسلامة، وأحمد ومالك نظرا إلى أن الإذن أسقط الضمان، والشافعي نظر إلى أن المقدر لا يمكن النقصان منه، فهو بمنزلة النص، وأما غير المقدر كالتعزيرات، والتأديبات، فاجتهادية، فإذا تلف بها، ضمن، لأنه في مظنة العدوان‏.‏
فصل‏:‏ القسم الثاني‏:‏ متطبب جاهل باشرت يده من يطبه
فتلف به، فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له، وأذن له في طبه لم يضمن، ولا تخالف هذه الصورة ظاهر الحديث، فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غر العليل، وأوهمه أنه طبيب، وليس كذلك، وإن ظن المريض أنه طبيب، وأذن له في طبه لأجل معرفته، ضمن الطبيب ما جنت يده، وكذلك إن وصف له دواء يستعمله، والعليل يظن أنه وصفه لمعرفته وحذقه فتلف به، ضمنه، والحديث ظاهر فيه أو صريح‏.‏
فصل‏:‏ القسم الثالث‏:‏ طبيب حاذق
أذن له، وأعطى الصنعة حقها، لكنه أخطأت يده، وتعدت إلى عذضو صحيح فأتلفه، مثل‏:‏ أن سبقت يد الخاتن إلى الكمرة، فهذا يضمن؛ لأنها جناية خطأ، ثم إن كانت الثلث فما زاد، فهو على عاقلته، فإن لم تكن عاقلة، فهل تكون الدية في ماله، أو في بيت المال‏؟‏ على قولين‏:‏ هما روايتان عن أحمد‏.‏ وقيل‏:‏ إن كان الطبيب ذميًا، ففي ماله، وإن كان مسلمًا، ففيه الروايتان، فإن لم يكن بيت مال، أو تعذر تحميله، فهل تسقط الدية، أو تجب في مال الجاني‏؟‏ فيه وجهان أشهرهما‏:‏ سقوطها‏.‏
فصل‏:‏القسم الرابع‏:‏ الطبيب الحاذق الماهر بصناعته
اجتهد فوصف للمريض دواء، فأخطأ في اجتهاده، فقتله، فهذا يخرج على روايتين‏:‏ إحداهما‏:‏ أن دية المريض في بيت المال‏.‏
والثانية‏:‏ أنها على عاقلة الطبيب، وقد نص عليهما الإمام أحمد في خطإ الإمام والحاكم‏.‏
فصل‏:‏القسم الخامس‏:‏ طبيب حاذق
أعطى الصنعة حقها، فقطع سلعة من رجل أو صبي، أو مجنون بغير إذنه، أو إذن وليه، أو ختن صبيًا بغير إذن وليه فتلف، فقال أصحابنا‏:‏ يضمن، لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه، وإن أذن له البالغ، أو ولي الصبي والمجنون، لم يضمن، ويحتمل أن لا يضمن مطلقًا لأنه محسن، وما على المحسنين من سبيل‏.‏ وأيضًا فإنه إن كان متعديًا، فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان، وإن لم يكن متعديًا، فلا وجه لضمانه‏.‏ فإن قلت‏:‏ هو متعد عند عدم الإذن، غير متعد عند الإذن، قلت‏:‏ العدوان وعدمه إنما يرجع إلى فعله هو، فلا أثر للإذن وعدمه فيه، وهذا موضع نظر‏.‏
فصل‏:‏ والطبيب في هذا الحديث يتناول من يطب بوصفه وقوله
وهو الذي يخص باسم الطبائعي، وبمروده، وهو الكحال، وبمبضعه ومراهمه وهو الجرائحي، وبموساه وهو الخاتن، وبريشته وهو الفاصد، وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجام، وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجبر، وبمكواته وناره وهو الكواء، وبقربته وهو الحاقن، وسواء كان طبه لحيوان بهيم، أو إنسان، فاسم الطبيب يطلق لغة على هؤلاء كلهم، كما تقدم، وتخصيص الناس له ببعض أنواع الأطباء عرف حادث، كتخصيص لفظ الدابة بما يخصها به كل قوم‏.‏
فصل‏:‏ والطبيب الحاذق‏:‏ هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرًا
أحدها‏:‏ النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو‏؟‏
الثاني‏:‏ النظر في سببه من أي شيء حدث، والعلة الفاعلة التي كانت سبب حدوثه ما هي‏؟‏ ‏.‏
الثالث‏:‏ قوة المريض، وهل هي مقاومة للمرض، أو أضعف منه‏؟‏ فإن كانت مقاومة للمرض، مستظهرة عليه، تركها والمرض، ولم يحرك بالدواء ساكنًا‏.‏
الرابع‏:‏ مزاج البدن الطبيعي ما هو‏؟‏
الخامس‏:‏ المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي‏.‏
السادس‏:‏ سن المريض‏.‏
السابع‏:‏ عادته‏.‏
الثامن‏:‏ الوقت الحاضر من فصول السنة وما يليق به‏.‏
التاسع‏:‏ بلد المريض وتربته‏.‏
العاشر‏:‏ حال الهواء في وقت المرض‏.‏
الحادي عشر‏:‏ النظر في الدواء المضاد لتلك العلة‏.‏
الثاني عشر‏:‏ النظر في قوة الدواء ودرجته، والموازنة بينها وبين قوة المريض‏.‏
الثالث عشر‏:‏ ألا يكون كل قصده إزالة تلك العلة فقط، بل إزالتها على وجه يأمن معه حدوث أصعب منها، فمتى كان إزالتها لا يأمن معها حدوث علة أخرى أصعب منها، أبقاها على حالها، وتلطيفها هو الواجب، وهذا كمرض أفواه العروق، فإنه متى عولج بقطعه وحبسه خيف حدوث ما هو أصعب منه‏.‏
الرابع عشر‏:‏ أن يعالج بالأسهل فالأسهل، فلا ينتقل من العلاج بالغذاء إلى الدواء إلا عند تعذره، ولا ينتقل إلى الدواء المركب إلا عند تعذر الدواء البسيط، فمن حذق الطبيب علاجه بالأغذية بدل الأدوية، وبالأدوية البسيطة بدل المركبة‏.‏
الخامس عشر‏:‏ أن ينظر في العلة، هل هي مما يمكن علاجها أو لا‏؟‏ فإن لم يمكن علاجها، حفظ صناعته وحرمته، ولا يحمله الطمع على علاج لا يفيد شيئًا‏.‏ وإن أمكن علاجها، نظر هل يمكن زوالها أو لا‏؟‏ فإن علم أنه لا يمكن زوالها، نظر هل يمكن تخفيفها وتقليلها أم لا‏؟‏ فإن لم يكن تقليلها، ورأى أن غاية الإمكان إيقافها وقطع زيادتها، قصد بالعلاج ذلك، وأعان القوة، وأضعف المادة‏.‏
السادس عشر‏:‏ ألا يتعرض للخلط قبل نضجه باستفراغ، بل يقصد إنضاجه، فإذا تم نضجه، بادر إلى استفراغه‏.‏
السابع عشر‏:‏ أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان، فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر مشهود، والطبيب إذا كان عارفًا بأمراض القلب والروح وعلاجهما، كان هو الطبيب الكامل، والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقًا في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب‏.‏ وكل طبيب لا يداوي العليل، بتفقد قلبه وصلاحه، وتقوية روحه وقواه بالصدقة، وفعل الخير، والإحسان، والإقبال على الله والدار الآخرة، فليس بطبيب، بل متطبب قاصر‏.‏ ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء، والتضرع والابتهال إلى الله، والتوبة، ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل، وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية، ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها وعقيدتها في ذلك ونفعه‏.‏
الثامن عشر‏:‏ التلطف بالمريض، والرفق به، كالتلطف بالصبي‏.‏
التاسع عشر‏:‏ أن يستعمل أنواع العلاجات الطبيعية والإلهية، والعلاج بالتخييل، فإن لحذاق الأطباء في التخييل أمورًا عجيبة لا يصل إليها الدواء، فالطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل معين‏.‏
العشرون‏:‏ ـ وهو ملاك أمر الطبيب ـ أن يجعل علاجه وتدبيره دائرًا على ستة أركان‏:‏ حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان، وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين؛ لإزالة أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج، وكل طبيب لا تكون هذه أخيته التي يرجع إليها، فليس بطبيب، والله أعلم‏.‏
فصل‏:‏ ولما كان للمرض أربعة أحوال‏
ابتداء، وصعود، وانتهاء، وانحطاط، تعين على الطبيب مراعاة كل حال من أحوال المرض بما يناسبها ويليق بها، ويستعمل في كل حال ما يجب استعماله فيها‏.‏ فإذا رأى في ابتداء المرض أن الطبيعة محتاجة إلى ما يحرك الفضلات ويستفرغها لنضجها، بادر إليه، فإن فاته تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك، أو لضعف القوة وعدم احتمالها للاستفراغ، أو لبرودة الفصل، أو لتفريط وقع، فينبغي أن يحذر كل الحذر أن يفعل ذلك في صعود المرض، لأنه إن فعله، تحيرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء، وتخلت عن تدبير المرض ومقاومته بالكلية، ومثاله‏:‏ أن يجيء إلى فارس مشغول بمواقعة عدوه، فيشغله عنه بأمر آخر، ولكن الواجب في هذه الحال أن يعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه‏.‏
فإذا انتهى المرض ووقف وسكن، أخذ في استفراغه، واستئصال أسبابه، فإذا أخذ في الانحطاط، كان أولى بذلك‏.‏ ومثال هذا مثال العدو إذا انتهت قوته، وفرغ سلاحه، كان أخذه سهلًا، فإذا ولى وأخذ في الهرب، كان أسهل أخذًا، وحدته وشوكته إنما هي في ابتدائه، وحال استفراغه، وسمعة قوته، فهكذا الداء، والدواء سواء‏.‏
فصل‏:‏ ومن حذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل، فلا يعدل إلى الأصعب
ويتدرج من الأضعف إلى الأقوى إلا أن يخاف فوت القوة حينئذ، فيجب أن يبتدئ بالأقوى، ولا يقيم في المعالجة على حال واحدة فتألفها الطبيعة، ويقل انفعالها عنه، ولا تجسر على الأدوية القوية في الفصول القوية، وقد تقدم أنه إذا أمكنه العلاج بالغذاء، فلا يعالج بالدواء، وإذا أشكل عليه المرض أحار هو أم بارد‏؟‏ فلا يقدم حتى يتبين له، ولا يجربه بما يخاف عاقبته، ولا بأس بتجربته بما لا يضر أثره‏.‏
وإذا اجتمعت أمراض، بدأ بما تخصه واحدة من ثلاث خصال‏:‏ إحداها‏:‏ أن يكون برء الآخر موقوفًا على برئه كالورم والقرحة، فإنه يبدأ بالورم‏.‏
الثانية‏:‏ أن يكون أحدها سببًا للآخر، كالسدة والحمى العفنة، فإنه يبدأ بإزالة السبب‏.‏
الثالثة‏:‏ أن يكون أحدهما أهم من الآخر، كالحاد والمزمن، فيبدأ بالحاد، ومع هذا فلا يغفل عن الآخر‏.‏ وإذا اجتمع المرض والعرض، بدأ بالمرض، إلا أن يكون العرض أقوى كالقولنج، فيسكن الوجع أولًا، ثم يعالج السدة، وإذا أمكنه أن يعتاض عن المعالجة بالإستفراغ بالجوع أو الصوم أو النوم، لم يستفرغه، وكل صحة أراد حفظها، حفظها بالمثل أو الشبه، وإن أراد نقلها إلى ما هو أفضل منها، نقلها بالضد‏.‏



فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التحرز من الأدواء المعدية
بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها
ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله، أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏ارجع فقد بايعناك‏)‏‏.‏
وروى البخاري في صحيحه تعليقًا من حديث أبي هريرة، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏فر من المجذوم كما تفر من الأسد‏)‏‏.‏
وفي سنن ابن ماجه من حديث ابن عباس، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏لا تديموا النظر إلى المجذومين‏)‏‏.‏
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏لا يوردن ممرض على مصح‏)‏‏.‏
ويذكر عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏كلم المجذوم، وبيك وبينه قيد رمح أو رمحين‏)‏‏.‏
الجذام‏:‏ علة رديئة تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها وشكلها، وربما فسد في آخره اتصالها حتى تتأكل الأعضاء وتسقط، ويسمى داء الأسد‏.‏
وفي هذه التسمية ثلاثة أقوال للأطباء‏:‏ أحدها‏:‏ أنها لكثرة ما تعتري الأسد‏.‏
والثاني‏:‏ لأن هذه العلة تجهم وجه صاحبها وتجعله في سحنة الأسد‏.‏
والثالث‏:‏ أنه يفترس من يقربه، أو يدنو منه بدائه افتراس الأسد‏.‏
وهذه العلة عند الأطباء من العلل المعدية المتوارثة، ومقارب المجذوم، وصاحب السل يسقم برائحته، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكمال شفقته على الأمة، ونصحه لهم نهاهم عن الأسباب التي تعرضهم لوصول العيب والفساد إلى أجسامهم وقلوبهم، ولا ريب أنه قد يكون في البدن تهيؤ واستعداد كامن لقبول هذا الداء، وقد تكون الطبيعة سريعة الانفعال قابلة للاكتساب من أبدان من تجاوره وتخالطه، فإنها نقالة، وقد يكون خوفها من ذلك ووهمها من أكبر أسباب إصابة تلك العلة لها، فإن الوهم فعال مستول على القوى والطبائع، وقد تصل رائحة العليل إلى الصحيح فتسقمه، وهذا معاين في بعض الأمراض، والرائحة أحد أسباب العدوى، ومع هذا كله فلا بد من وجود استعداد البدن وقبوله لذلك الداء، وقد تزوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ امرأة، فلما أراد الدخول بها، وجد بكشحها بياضًا، فقال‏:‏ ‏(‏الحقي بأهلك‏)‏‏.‏
وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الأحاديث معارضة بأحاديث أخر تبطلها وتناقضها، فمنها‏:‏ ما رواه الترمذي، من حديث جابر، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذ بيد رجل مجذوم، فأدخلها معه في القصعة، وقال‏:‏ ‏(‏كل بسم الله ثقة بالله، وتوكلًا عليه‏)‏، ورواه ابن ماجه‏.‏
وبما ثبت في الصحيح، عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏لا عدوى ولا طيرة‏)‏‏.‏
ونحن نقول‏:‏ لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة‏.‏ فإذا وقع التعارض، فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتًا، فالثقة يغلظ، أو يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر إذا كان مما يقبل النسخ، أو يكون التعارض في فهم السامع، لا في نفس كلامه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة‏.‏
وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه، ليس أحدهما ناسخًا للآخر، فهذا لا يوجد أصلًا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق، والآفة من التقصير في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا، ومن ها هنا وقع من الإختلاف والفساد ما وقع، وبالله التوفيق‏.‏
قال ابن قتيبة في كتاب اختلاف الحديث له حكاية عن أعداء الحديث وأهله، قالوا‏:‏ حديثان متناقضان رويتم عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏لا عدوى ولا طيرة‏)‏‏.‏ وقيل له‏:‏ إن النقبة تقع بمشفر البعير، فيجرب لذلك الإبل‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فما أعدى الأول‏)‏، ثم رويتم ‏(‏لا يورد ذو عاهة على مصح، وفر من المجدوم فرارك من الأسد‏)‏، وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الإسلام، فأرسل إليه البيعة، وأمره بالانصراف، ولم يأذن له، وقال‏:‏ ‏(‏الشؤم في المرأة والدار والدابة‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ وهذا كله مختلف لا يشبه بعضه بعضًا‏.‏
قال أبو محمد‏:‏ ونحن نقول‏:‏ إنه ليس في هذا اختلاف، ولكل معنى منها وقت وموضع، فإذا وضع موضعه زال الاختلاف‏.‏
والعدوى جنسان‏:‏ أحدهما‏:‏ عدوى الجذام، فإن المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته ومحادثته، وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم، فتضاجعه في شعار واحد، فيوصل إليها الأذى، وربما جذمت، وكذلك ولده ينزعون في الكبر إليه، وكذلك من كان به سل ودق ونقب‏.‏ والأطباء تأمر أن لا يجالس المسلول ولا المجذوم، ولا يريدون بذلك معنى العدوى، وإنما يريدون به معنى تغير الرائحة، وأنها قد تسقم من أطال اشتمامها، والأطباء أبعد الناس عن الإيمان بيمن وشؤم، وكذلك النقبة تكون بالبعير ـ وهو جرب رطب ـ فإذا خالط الإبل أو حاكها، وأوى في مباركها، وصل إليها بالماء الذي يسيل منه، وبالنطف نحو ما به، فهذا هو المعنى الذي قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏لا يورد ذو عاهة على مصح‏)‏، كره أن يخالط المعيوه الصحيح، لئلا يناله من نطفه وحكته نحو مما به‏.‏
قال‏:‏ وأما الجنس الآخر من العدوى، فهو الطاعون ينزل ببلد، فيخرج منه خوف العدوى، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إذا وقع ببلد، وأنتم به، فلا تخرجوا منه، وإذا كان ببلد، فلا تدخلوه‏)‏‏.‏ يريد بقوله‏:‏ لا تخرجوا من البلد إذا كان فيه كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله ينجيكم من الله، ويريد إذا كان ببلد، فلا تدخلوه، أي‏:‏ مقامكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسكن لقلوبكم، وأطيب لعيشكم، ومن ذلك المرأة تعرف بالشؤم أو الدار، فينال الرجل مكروه أو جائحة، فيقول‏:‏ أعدتني بشؤمها، فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏لا عدوى‏)‏‏.‏
وقالت فرقة أخرى‏:‏ بل الأمر باجتناب المجذوم والفرار منه على الاستحباب، والاختيار، والإرشاد، وأما الأكل معه، ففعله لبيان الجواز، وأن هذا ليس بحرام‏.‏
وقالت فرقة أخرى‏:‏ بل الخطاب بهذين الخطابين جزئي لا كلي، فكل واحد خاطبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما يليق بحاله، فبعض الناس يكون قوي الإيمان، قوي التوكل تدفع قوة توكله قوة العدوى، كما تدفع قوة الطبيعة قوة العلة فتبطلها، وبعض الناس لا يقوى على ذلك، فخاطبه بالإحتياط والأخذ بالتحفظ، وكذلك هو ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعل الحالتين معًا، لتقتدي به الأمة فيهما، فيأخذ من قوي من أمته بطريقة التوكل والقوة والثقة بالله، ويأخذ من ضعف منهم بطريقة التحفظ والاحتياط، وهما طريقان صحيحان‏.‏ أحدهما‏:‏ للمؤمن القوي، والآخر للمؤمن الضعيف، فتكون لكل واحد من الطائفتين حجة وقدوة بحسب حالهم وما يناسبهم، وهذا كما أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كوى، وأثنى على تارك الكي، وقرن تركه بالتوكل، وترك الطيرة، ولهذا نظائر كثيرة، وهذه طريقة لطيفة حسنة جدًا من أعطاها حقها، ورزق فقه نفسه فيها، أزالت عنه تعارضًا كثيرًا يظنه بالسنة الصحيحة‏.‏
وذهبت فرقة أخرى إلى أن الأمر بالفرار منه، ومجانبته لأمر طبيعي، وهو انتقال الداء منه بواسطة الملامسة والمخالطة والرائحة إلى الصحيح، وهذا يكون مع تكرير المخالطة والملامسة له، وأما أكله معه مقدارًا يسيرًا من الزمان لمصلحة راجحة، فلا بأس به، ولا تحصل العدوى من مرة واحدة ولحظة واحدة، فنهى سدًا للذريعة، وحماية للصحة، وخالطه مخالطة ما للحاجة والمصلحة، فلا تعارض بين الأمرين‏.‏
وقالت طائفة أخرى‏:‏ يجوز أن يكون هذا المجذوم الذي أكل معه به من الجذام أمر يسير لا يعدي مثله، وليس الجذمى كلهم سواء، ولا العدوى حاصلة من جميعهم، بل منهم من لا تضر مخالطته، ولا تعدي، وهو من أصابه من ذلك شيء يسير، ثم وقف واستمر على حاله، ولم يعد بقية جسمه، فهو أن لا يعدي غيره أولى وأحرى‏.‏
وقالت فرقة أخرى‏:‏ إن الجاهلية كانت تعتقد أن الأمراض المعدية تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله سبحانه، فأبطل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اعتقادهم ذلك، وأكل مع المجذوم ليبين لهم أن الله سبحانه هو الذي يمرض ويشفي، ونهى عن القرب منه ليتبين لهم أن هذا من الأسباب التي جعلها الله مفضية إلى مسبباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب، وفي فعله بيان أنها لا تستقل بشيء، بل الرب سبحانه إن شاء سلبها قواها، فلا تؤثر شيئًا، وإن شاء أبقى عليها قواها فأثرت‏.‏
وقالت فرقة أخرى‏:‏ بل هذه الأحاديث فيها الناسخ والمنسوخ، فينظر في تاريخها، فإن علم المتأخر منها، حكم بأنه الناسخ، وإلا توقفنا فيها‏.‏
وقالت فرقة أخرى‏:‏ بل بعضها محفوظ، وبعضها غير محفوظ، وتكلمت في حديث لا عدوى، وقالت‏:‏ قد كان أبو هريرة يرويه أولًا، ثم شك فيه فتركه، وراجعوه فيه، وقالوا‏:‏ سمعناك تحدث به، فأبى أن يحدث به‏.‏
قال أبو سلمة‏:‏ فلا أدري، أنسي أبو هريرة، أم نسخ أحد الحديثين الآخر‏؟‏
وأما حديث جابر‏:‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذ بيد مجذوم، فأدخلها معه في القصعة، فحديث لا يثبت ولا يصح، وغاية ما قال فيه الترمذي‏:‏ إنه غريب، لم يصححه ولم يحسنه‏.‏ وقد قال شعبة وغيره‏:‏ اتقوا هذه الغرائب‏.‏ قال الترمذي‏:‏ ويروى هذا من فعل عمر، وهو أثبت، فهذا شأن هذين الحديثين اللذين عورض بهما أحاديث النهي، أحدهما‏:‏ رجع أبو هريرة عن التحديث به وأنكره، والثاني‏:‏ لا يصح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والله أعلم، وقد أشبعنا الكلام في هذه المسألة في كتاب المفتاح بأطول من هذا، وبالله التوفيق‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:50 AM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنع من التداوي بالمحرمات
روى أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بالمحرم‏)‏‏.‏
وذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود‏:‏ إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم‏.‏
وفي السنن ‏:‏ عن أبي هريرة، قال‏:‏ نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الدواء الخبيث‏.‏
وفي صحيح مسلم عن طارق بن سويد الجعفي، أنه سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الخمر، فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال‏:‏ إنما أصنعها للدواء، فقال‏:‏ ‏(‏إنه ليس بدواء، ولكنه داء ‏)‏‏.‏
وفي السنن أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل عن الخمر يجعل في الدواء، فقال‏:‏ ‏(‏إنها داء وليست بالدواء‏)‏، رواه أبو داود، والترمذي‏.‏
وفي صحيح مسلم عن طارق بن سويد الحضرمي، قال‏:‏ ‏(‏قلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ إن بأرضنا أعنابًا نعتصرها فنشرب منها، قال‏:‏ لا فراجعته، قلت‏:‏ إنا تستشفي للمريض، قال‏:‏ إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء‏)‏‏.‏
وفي سنن النسائي أن طبيبًا ذكر ضفدعًا في دواء عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنهاه عن قتلها‏.‏
ويذكر عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏من تداوى بالخمر، فلا شفاه الله‏)‏‏.‏
المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلًا وشرعًا، أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث وغيرها، وأما العقل، فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه، فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبًا عقوبة لها، كما حرمه على بني إسرائيل بقوله‏:‏ ‏{‏فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم}‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 160‏]‏، وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه، ولحريمه له حمية لهم، وصيانة عن تناوله،
فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه وإن أثر في إزالتها، لكنه يعقب سقمًا أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه، فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب‏.‏
وأيضًا فإن تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته، وهذا ضد مقصود الشارع، وأيضًا فإنه داء كما نص عليه صاحب الشريعة، فلا يجوز أن يتخذ دواء‏.‏
وأيضًا فإنه يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث، لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالًا بينًا، فإذا كانت كيفيته خبيثة، اكتسبت الطبيعة منه خبثًا، فكيف إذا كان خبيثًا في ذاته، ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة، لما تكسب النفس من هيئة الخبث وصفته‏.‏
وأيضًا فإن في إباحة التداوي به، ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل لأسقامها جالب لشفائها، فهذا أحب شيء إليها، والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن، ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناوله، وفتح الذريعة إلى تأوله تناقضًا وتعارضًا‏.‏
وأيضًا فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء، ولنفرض الكلام في أم الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط، فإنها شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء، وكثير من الفقهاء والمتكلمين‏.‏ قال أبقراط في أثناء كلامه في الأمراض الحادة‏:‏ ضرر الخمرة بالرأس شديد‏.‏ لأنه يسرع الارتفاع إليه‏.‏ ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن، وهو كذلك يضر بالذهن‏.‏
وقال صاحب الكامل ‏:‏ إن خاصية الشراب الإضرار بالدماغ والعصب‏.‏ وأما غيره من الأدوية المحرمة فنوعان‏:‏
أحدهما‏:‏ تعافه النفس ولا تنبعث لمساعدته الطبيعة على دفع المرض به كالسموم، ولحوم الأفاعي وغيرها من المستقذرات، فيبقى كلًا على الطبيعة مثقلًا لها، فيصير حينئذ داء لا دواء‏.‏
والثاني‏:‏ ما لا تعافه النفس كالشراب الذي تستعمله الحوامل مثلًا، فهذا ضرره أكثر من نفعه، والعقل يقضي بتحريم ذلك، فالعقل والفطرة مطابق للشرع في ذلك‏.‏
وها هنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها، فإن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول، واعتقاد منفعته، وما جعل الله فيه من بركة الشفاء، فإن النافع هو المبارك، وأنفع الأشياء وأبركها، المبارك من الناس أينما كان هو الذي ينتفع به حيث حل، ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها، وبين حسن ظنه بها، وتلقيه طبعه لها بالقبول، بل كلما كان العبد أعظم إيمانًا، كان أكره لها وأسوأ اعتقادًا فيها، وطبعه أكره شيء لها، فإذا تناولها في هذه الحال، كانت داء له لا دواء إلا أن يزول اعتقاد الخبث فيها، وسوء الظن والكراهة لها بالمحبة، وهذا ينافي الإيمان، فلا يتناولها المؤمن قط إلا على وجه داء، والله أعلم‏.‏

فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج القمل الذي في الرأس وإزالته
في الصحيحين عن كعب بن عجرة، قال‏:‏ كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقمل يتناثر على وجهي، فقال‏:‏ ‏(‏ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك ما أرى‏)‏، وفي رواية‏:‏ فأمره أن يحلق رأسه، وأن يطعم فرقًا بين ستة، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام‏.‏
القمل يتولد في الرأس والبدن من شيئين‏:‏ خارج عن البدن وداخل فيه، فالخارج‏:‏ الوسخ والدنر المتراكم في سطح الجسد، والثاني من خلط رديء عفن تدفعه الطبيعة بين الجلد واللحم، فيتعفن بالرطوبة الدموية في البشرة بعد خروجها من المسام، فيكون منه القمل، وأكثر ما يكون ذلك بعد العلل والأسقام، وبسبب الأوساخ، وإنما كان في رؤوس الصبيان أكثر لكثرة رطوباتهم وتعاطيهم الاسباب التي تولد القمل، ولذلك حلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رؤوس بني جعفر‏.‏
ومن أكبر علاجه حلق الرأس لتنفتح مسام الأبخرة، فتتصاعد الأبخرة الرديئة، فتضعف مادة الخلط، ويبنغي أن يطلى الرأس بعد ذلك بالأدوية التي تقتل القمل، وتمنع تولده‏.‏
وحلق الرأس ثلاثة أنواع‏:‏ أحدها‏:‏ نسك وقربة‏.‏ والثاني‏:‏ بدعة وشرك، والثالث‏:‏ حاجة ودواء، فالأول‏:‏ الحلق في أحد النسكين، الحج أو العمرة‏.‏ والثاني‏:‏ حلق الرأس لغير الله سبحانه، كما يحلقها المريدون لشيوخهم، فيقول أحدهم‏:‏ أنا حلقت رأسي لفلان، وأنت حلقته لفلان، وهذا بمنزلة أن يقول‏:‏ سجدت لفلان، فإن حلق الرأس خضوع وعبودية وذل، ولهذا كان من تمام الحج، حتى إنه عند الشافعي ركن من أركانه لا يتم إلا به، فإنه وضع النواصي بين يدي ربها خضوعًا لعظمته، وتذللًا لعزته، وهو من أبلغ أنواع العبودية، ولهذا كانت العرب إذا أرادت إذلال الأسير منهم وعتقه، حلقوا رأسه وأطلقوه، فجاء شيوخ الضلال، والمزاحمون للربوبية الذين أساس مشيختهم على الشرك والبدعة، فأرادوا من مريديهم أن يتعبدوا لهم، فزينوا لهم حلق رؤوسهم لهم، كما زينوا لهم السجود لهم، وسموه بغير اسمه، وقالوا‏:‏ هو وضع الرأس بين يدي الشيخ، ولعمر الله إن السجود لله هو وضع الرأس بين يديه سبحانه، وزينوا لهم أن ينذروا لهم، ويتوبوا لهم، ويحلفوا بأسمائهم، وهذا هو اتخاذهم أربابًا وآلهة من دون الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 79 ـ 80‏]‏‏.‏
وأشرف العبودية عبودية الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة، فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها، وهو السجود، وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع، فإذا لقي بعضهم بعضًا ركع له كما يركع المصلي لربه سواء، وأخذ الجبابرة منهم القيام، فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبودية لهم، وهم جلوس، وقد نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل، فتعاطيها‏.‏ مخالفة صريحة له، فنهى عن السجود لغير الله وقال‏:‏ ‏(‏لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد‏)‏‏.‏ وأنكر على معاذ لما سجد له وقال‏:‏ مه‏.‏
وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة، وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله، وهو من أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر، فقد جوز العبودية لغير الله، وقد صح أنه قيل له‏:‏ الرجل يلقى أخاه أينحني له‏؟‏ قال‏:‏ لا ‏.‏ قيل‏:‏ أيلتزمه ويقبله قال‏:‏ لا ‏.‏ قيل‏:‏ أيصافحه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏
وأيضًا‏:‏ فالإنحناء عند التحية سجود، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وادخلوا الباب سجدا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 58‏]‏ أي منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه، وصح عنه النهي عن القيام، وهو جالس، كما تعظم الأعاجم بعضها بعضًا، حتى منع من ذلك في الصلاة، وأمرهم إذا صلى جالسًا أن يصلوا جلوسًا، وهم أصحاء لا عذر لهم، لئلا يقوموا على رأسه وهو جالس، مع أن قيامهم لله، فكيف إذا كان القيام تعظيمًا وعبودية لغيره سبحانه‏.‏
والمقصود‏:‏ أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه، وأشركت فيها من تعظمه من الخلق، فسجدت لغير الله، وركعت له، وقامت بين يديه قيام الصلاة، وحلفت بغيره، ونذرت لغيره، وحلقت لغيره، وذبحت لغيره، وطافت لغير بيته، وعظمته بالحب، والخوف، والرجاء، والطاعة، كما يعظم الخالق، بل أشد، وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين، وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل، وهم الذين بربهم يعدلون، وهم الذين يقولون ـ وهم في النار مع آلهتهم يختصمون ـ‏:‏ ‏{‏تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 98‏]‏‏.‏ وهم الذين قال فيهم‏:‏ ‏{‏ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 165‏]‏، وهذا كله من الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به‏.‏ فهذا فصل معترض في هديه في حلق الرأس، ولعله أهم مما قصد الكلام فيه، والله الموفق‏.‏
فصل‏:‏ فصول في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العلاج بالأدوية الروحانية
الإلهية المفردة، والمركبة منها، ومن الأدوية الطبيعية
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:51 AM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علاج المصاب بالعين
روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس، قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏العين حق ولو كان شيء سابق القدر، لسبقته العين‏)‏‏.‏
وفي صحيحه أيضًا عن أنس، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة‏.‏
وفي الصحيحين من حديث أبى هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏العين حق ‏)‏‏.‏
وفي سنن أبي داود عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ قالت‏:‏ كان يؤمر العائن فيتوضأ، ثم يغتسل منه المعين‏.‏
وفي الصحيحين عن عائشة قالت‏:‏ أمرني النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أمر أن نسترقي من العين‏.‏
وذكر الترمذي، من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزرقي، أن أسماء بنت عميس، قالت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين‏)‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏
وروى مالك رحمه الله‏:‏ عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال‏:‏ ‏(‏رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل، فقال‏:‏ والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة ‏!‏ قال‏:‏ فلبط سهل، فأتى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عامرًا، فتغيظ عليه وقال‏:‏ علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت اغتسل له، فغسل له عامر وجهه ويديه، ومرفقيه وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح مع الناس‏)‏‏.‏
وروى مالك رحمه الله أيضًا عن محمد بن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه هذا الحديث، وقال فيه‏:‏ ‏(‏إن العين حق، توضأ له‏)‏‏.‏ فتوضأ له‏.‏
وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه مرفوعًا ‏(‏العين حق، ولو كان شيء سابق القدر، لسبقته العين، وإذا استغسل أحدكم، فليغتسل‏)‏ ووصله صحيح‏.‏
قال الزهري‏:‏ يؤمر الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه، فيتمضمض، ثم يمجه في القدح، ويغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على ركبته اليمنى في القدح، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح في الأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي تصيبه العين من خلفه صبة واحدة‏.‏
والعين‏:‏ عينان‏:‏ عين إنسية، وعين جنية، فقد صح عن أم سلمة، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال‏:‏ ‏(‏استرقوا لها، فإن بها النظرة‏)‏‏.‏
قال الحسين بن مسعود الفراء‏:‏ وقوله‏:‏ سفعة ‏.‏ أي نظرة، يعني‏:‏ من الجن، يقول‏:‏ بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ من أسنة الرماح‏.‏
ويذكر عن جابر يرفعه‏:‏ ‏(‏إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر‏)‏‏.‏
وعن أبي سعيد، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتعوذ من الجان، ومن عين الإنسان‏.‏
فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين، وقالوا‏:‏ إنما ذلك أوهام لا حقيقة له، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجابًا، وأكثفهم طباعًا، وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس‏.‏ وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين، ولا تنكره، وإن اختلفوا في سببه وجهة تأثير العين‏.‏
فقالت طائفة‏:‏ إن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة، انبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين، فيتضرر‏.‏ قالوا‏:‏ ولا يستنكر هذا، كما لا يستنكر انبعاث قوة سمية من الأفعى تتصل بالإنسان، فيهلك، وهذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن‏.‏
وقالت فرقة أخرى‏:‏ لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية، فتتصل بالمعين، وتتخلل مسام جسمه، فيحصل له الضرر‏.‏
وقالت فرقة أخرى‏:‏ قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة عين العائن لمن يعينه من غير أن يكون منه قوة ولا سبب ولا تأثير أصلًا، وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم، وهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب العلل والتأثيرات والأسباب، وخالفوا العقلاء أجمعين‏.‏
ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة، ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام، فإنه أمر مشاهد محسوس، وأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة إذا نظر إليه من يحتشمه ويستحي منه، ويصفر صفرة شديدة عند نظر من يخافه إليه، وقد شاهد الناس من يسقم من النظر وتضعف قواه، وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح، ولشدة ارتباطها بالعين ينسب الفعل إليها، وليست هي الفاعلة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بينًا، ولهذا أمر الله ـ سبحانه ـ رسوله أن يستعيذ به من شره، وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين، فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة، وتقابل المحسود، فتؤثر فيه بتلك الخاصية، وأشبه الأشياء بهذا الأفعى، فإن السم كامن فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوها، انبعثت منها قوة غضبية، وتكيفت بكيفية خبيثة مؤذية، فمنها ما تشد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين، ومنها ما تؤثر في طمس البصر، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأبتر، وذي الطفيتين من الحيات‏:‏ ‏(‏إنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل‏)‏‏.‏
ومنها، ما تؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به، لشدة خبث تلك النفس، وكيفيتها الخبيثة المؤثرة، والتأثير غير موقوف على الإتصالات الجسمية، كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة، بل التأثير يكون تارة بالإتصال، وتارة بالمقابلة، وتارة بالرؤية، وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه، وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات، وتارة بالوهم والتخيل، ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية، بل قد يكون أعمى، فيوصف له الشيء، فتؤثر نفسه فيه، وإن لم يره، وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية، وقد قال تعالى لنبيه‏:‏ ‏{‏وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 51‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد‏}‏ ‏[‏الفلق‏:‏1: 5]‏، فكل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائنًا، فلما كان الحاسد أعم من العائن، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفًا لا وقاية عليه، أثرت فيه، ولا بد، وإن صادفته حذرًا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام، لم تؤثر فيه، وربما ردت السهام على صاحبها، وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء، فهذا من النفوس والأرواح، وذلك من الأجسام والأشباح‏.‏ وأصله من إعجاب العائن بالشيء، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين، وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته، بل بطبعه، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني، وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء‏:‏ إن من عرف بذلك، حبسه الإمام، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت، وهذا هو الصواب قطعًا‏.‏
فصل‏:‏ والمقصود‏:‏ العلاج النبوي لهذه العلة
وهو أنواع، وقد روى أبو داود في سننه عن سهل بن حنيف، قال‏:‏ مررنا بسيل، فدخلت، فاغتسلت فيه، فخرجت محمومًا، فنمي ذلك إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ ‏(‏مروا أبا ثابت يتعوذ، قال‏:‏ فقلت‏:‏ يا سيدي ‏!‏ والرقى صالحة‏؟‏ فقال‏:‏ لا رقية إلا في نفس، أو حمة أو لدغة‏)‏‏.‏
والنفس‏:‏ العين، يقال‏:‏ أصابت فلانًا نفس، أي‏:‏ عين‏.‏ والنافس‏:‏ العائن‏.‏ واللدغة ـ بدال مهملة وغين معجمة ـ وهي ضربة العقرب ونحوها‏.‏
فمن التعوذات والرقى الإكثار من قراءة المعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، ومنها التعوذات النبوية‏.‏
نحو‏:‏ أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق‏.‏
ونحو‏:‏ أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة‏.‏
ونحو‏:‏ أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاورهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل، والنهار، ومن شر طوارق الليل إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن‏.‏
ومنها‏:‏ أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون‏.‏
ومنها‏:‏ اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامات من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم، اللهم إنه لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، سبحانك وبحمدك‏.‏
ومنها‏:‏ أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه، وبكلماته التامات التي لا يجاورهن بر لا فاجر، وأسماء الله الحسنى، ما علمت منها وما لم أعلم، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره، ومن شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، إن ربي على صراط مستقيم‏.‏
ومنها‏:‏ اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم‏.‏
وإن شاء قال‏:‏ تحصنت بالله الذي لا إله إلا هو، إلهي وإله كل شيء، واعتصمت بربي ورب كل شيء، وتوكلت على الحي الذي لا يموت، واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الرب من العباد، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي الرازق من المرزوق، حسبي الذي هو حسبي، حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله مرمى، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم‏.‏
ومن جرب هذه الدعوات والعوذ، عرف مقدار منفعتها، وشدة الحاجة إليها، وهي تمنع وصول أثر العائن، وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها، وقوة نفسه، واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه، فإنها سلاح، والسلاح بضاربه‏.‏
فصل‏:‏ وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين
فليدفع شرها بقوله‏:‏ اللهم بارك عليه، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف‏:‏ ‏(‏ألا بركت‏)‏ أي‏:‏ قلت‏:‏ اللهم بارك عليه‏.‏
ومما يدفع به إصابة العين قول‏:‏ ما شاء الله لا قوة إلا بالله، روى هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان إذا رأى شيئًا يعجبه، أو دخل حائطًا من حيطانه قال‏:‏ ما شاء الله، لا قوة إلا بالله‏.‏
ومنها رقية جبريل عليه السلام للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي رواها مسلم في صحيحه ‏(‏باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك‏)‏‏.‏
ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن، ثم يشربها‏.‏ قال مجاهد‏:‏ لا بأس أن يكتب القرآن، ويغسله، ويسقيه المريض، ومثله عن أبي قلابة‏.‏ ويذكر عن ابن عباس‏:‏ أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادها أثر من القرآن، ثم يغسل وتسقى‏.‏ وقال أيوب‏:‏ رأيت أبا قلابة كتب كتابًا من القرآن، ثم غسله بماء، وسقاه رجلًا كان به وجع‏.‏
فصل‏:‏ ومنها‏:‏ أن يؤمر العائن بغسل مغابنه وأطرافه وداخلة إزاره
وفيه قولان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنه فرجه‏.‏ والثاني‏:‏ أنه طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن، ثم يصب على رأس المعين من خلفه بغتة، وهذا مما لا يناله علاج الأطباء، ولا ينتفع به من أنكره، أو سخر منه، أو شك فيه، أو فعله مجربًا لا يعتقد أن ذلك ينفعه‏.‏
وإذا كان في الطبيعة خواص لا تعرف الأطباء عللها البتة، بل هي عندهم خارجة عن قياس الطبيعة تفعل بالخاصية، فما الذي ينكره زنادقتهم وجهلتهم من الخواص الشرعية، هذا مع أن في المعالجة بهذا الإستغسال ما تشهد له العقول الصحيحة، وتقر لمناسبته، فاعلم أن ترياق سم الحية في لحمها، وأن علاج تأثير النفس الغضبية في تسكين غضبها، وإطفاء ناره بوضع يدك عليه، والمسح عليه، وتسكين غضبه، وذلك بمنزلة رجل معه شعلة من نار، وقد أراد أن يقذفك بها، فصببت عليها الماء، وهي في يده حتى طفئت، ولذلك أمر العائن أن يقول‏:‏ اللهم بارك عليه ليدفع تلك الكيفية الخبيثة بالدعاء الذي هو إحسان إلى المعين، فإن دواء الشيء بضده‏.‏ ولما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد، لأنها تطلب النفوذ، فلا تجد أرق من المغابن، وداخلة الإزار، ولا سيما إن كان كناية عن الفرج، فإذا غسلت بالماء، بطل تأثيرها وعملها، وأيضًا فهذه المواضع للأرواح الشيطانية بها اختصاص‏.‏
والمقصود‏:‏ أن غسلها بالماء يطفئ تلك النارية، ويذهب بتلك السمية‏.‏
وفيه أمر آخر، وهو وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها تنفيذًا، فيطفئ تلك النارية والسمية بالماء، فيشفى المعين، وهذا كما أن ذوات السموم إذا قتلت بعد لسعها، خف أثر اللسعة عن الملسوع، ووجد راحة، فإن أنفسها تمد أذاها بعد لسعها، وتوصله إلى الملسوع‏.‏ فإذا قتلت، خف الألم، وهذا مشاهد‏.‏ وإن كان من أسبابه فرح الملسوع، واشتفاء نفسه بقتل عدوه، فتقوى الطبيعة على الألم، فتدفعه‏.‏
وبالجملة‏:‏ غسل العائن يذهب تلك الكيفية التي ظهرت منه، وإنما ينفع غسله عند تكيف نفسه بتلك الكيفية‏.‏
فإن قيل‏:‏ فقد ظهرت مناسبة الغسل، فما مناسبة صب ذلك الماء على المعين‏؟‏ قيل‏:‏ هو في غاية المناسبة، فإن ذلك الماء ماء طفئ به تلك النارية، وأبطل تلك الكيفية الرديئة من الفاعل، فكما طفئت به النارية القائمة بالفاعل طفئت به، وأبطلت عن المحل المتأثر بعد ملابسته للمؤثر العائن، والماء الذي يطفأ به الحديد يدخل في أدوية عدة طبيعية ذكرها الأطباء، فهذا الذي طفئ به نارية العائن، لا يستنكر أن يدخل في دواء يناسب هذا الداء‏.‏ وبالجملة‏:‏ فطب الطبائعية وعلاجهم بالنسبة إلى العلاج النبوي، كطب الطرقية بالنسبة إلى طبهم، بل أقل، فإن التفاوت الذي بينهم وبين الأنبياء أعظم، وأعظم من التفاوت الذي بينهم وبين الطرقية بما لا يدرك الإنسان مقدراه، فقد ظهر لك عقد الإخاء الذي بين الحكمة والشرع، وعدم مناقضة أحدهما للآخر، والله يهدي من يشاء إلى الصواب، ويفتح لمن أدام قرع باب التوفيق منه كل باب، وله النعمة السابغة، والحجة البالغة‏.‏
فصل‏:‏ ومن علاج ذلك أيضًا والاحتراز منه ستر محاسن
من يخاف عليه العين بما يردها عنه، كما ذكر البغوي في كتاب شرح السنة ‏:‏ أن عثمان ـ رضي الله عنه ـ رأى صبيًا مليحًا، فقال‏:‏ دسموا نونته، لئلا تصيبه العين، ثم قال في تفسيره‏:‏ ومعنى‏:‏ دسموا نونته‏:‏ أي‏:‏ سودوا نونته، والنونة‏:‏ النقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير‏.‏
وقال الخطابي في غريب الحديث له عن عثمان‏:‏ إنه رأى صبيًا تأخذه العين، فقال‏:‏ دسموا نونته‏.‏ فقال أبو عمرو‏:‏ سألت أحمد بن يحيى عنه، فقال‏:‏ أراد بالنونة‏:‏ النقرة التي في ذقنه‏.‏ والتدسيم‏:‏ التسويد‏.‏ أراد‏:‏ سودوا ذلك الموضع من ذقنه، ليرد العين‏.‏ قال‏:‏ ومن هذا حديث عائشة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطب ذات يوم، وعلى رأسه عمامة دسماء‏.‏ أي‏:‏ سوداء‏.‏ أراد الإستشهاد على اللفظة، ومن هذا أخذ الشاعر قوله‏:‏
ما كان أحوج ذا الكمال إلى ** عيـــب يـوقيــه مـن العين
فصل‏:‏ ومن الرقى التي ترد العين ما ذكر عن أبي عبد الله الساجي
أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة، وكان في الرفقة رجل عائن، قلما نظر إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله‏:‏ إحفظ ناقتك من العائن، فقال‏:‏ ليس له إلى ناقتي سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى الناقة، فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله، فأخبر أن العائن قد عانها، وهي كما ترى، فقال‏:‏ دلوني عليه، فدل، فوقف عليه، وقال‏:‏ بسم الله، حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، رددت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، ‏{‏فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 3، 4‏]‏ فخرجت حدقتا العائن، وقامت الناقة لا بأس بها‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-31-2014, 10:52 AM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العلاج العام لكل شكوى بالرقية الإلهية
روى أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء، قال‏:‏ سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏من اشتكى منكم شيئًا، أو اشتكاه أخ له فليقل‏:‏ ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ بإذن الله‏)‏‏.‏
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، ‏(‏أن جبريل ـ عليه السلام ـ أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ يا محمد ‏!‏ أشتكيت‏؟‏ فقال‏:‏ نعم، فقال جبريل ـ عليه السلام ـ‏:‏ باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك‏)‏‏.‏
فإن قيل‏:‏ فما تقولون في الحديث الذي رواه أبو داود‏:‏ ‏(‏لا رقية إلا من عين، أو حمة،‏.‏‏.‏ ‏)‏ والحمة‏:‏ ذوات السموم كلها‏.‏
فالجواب أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يرد به نفي جواز الرقية في غيرها، بل المراد به‏:‏ لا رقية أولى وأنفع منها في العين والحمة، ويدل عليه سياق الحديث، فإن سهل بن حنيف قال له لما أصابته العين‏:‏ أوفي الرقى خير‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لا رقية إلا في نقس أو حمة‏)‏ ويدل عليه سائر أحاديث الرقى العامة والخاصة، وقد روى أبو داود من حديث أنس قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم يرقأ‏)‏‏.‏
وفي صحيح مسلم عنه أيضًا‏:‏ رخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الرقية من العين والحمة والنملة‏.‏

فصل‏:‏ في هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رقية اللديغ بالفاتحة
أخرجا في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، قال‏:‏ انطلق نفر من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم‏:‏ لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا‏:‏ يا أيها الرهط ‏!‏ إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء‏؟‏ فقال بعضهم‏:‏ نعم والله إني لأرقي، ولكن استضفناكم، فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ‏:‏ الحمد لله رب العالمين، فكأنما أنشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة، قال‏:‏ فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم‏:‏ اقتسموا، فقال الذي رقى‏:‏ لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكروا له ذلك، فقال‏:‏ ‏(‏وما يدريك أنها رقية‏؟‏، ثم قال‏:‏ قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا‏)‏‏.‏
وقد روى ابن ماجه في سننه من حديث علي قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏خير الدواء القرآن‏)‏‏.‏
ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، فما الظن بكلام رب العالمين، الذي فضله على كل كلام كفضل الله على خلقه الذي هو الشفاء التام، والعصمة النافعة، والنور الهادي، والرحمة العامة، الذي لو أنزل على جبل لتصدع من عظمته وجلالته‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 82‏]‏، ومن ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، هذا أصح القولين، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 129‏]‏ وكلهم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فما الظن بفاتحة الكتاب التي لم ينزل في القرآن، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور مثلها، المتضمنة لجميع معاني كتب الله، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب ـ تعالى ـ ومجامعها، وهي الله، والرب، والرحمن، وإثبات المعاد، وذكر التوحيدين‏:‏ توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وذكر الافتقار إلى الرب سبحانه في طلب الإعانة وطلب الهداية، وتخصيصه سبحانه بذلك، وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق وأنفعه وأفرضه، وما العباد أحوج شيء إليه، وهو الهداية إلى صراطه المستقيم، المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته ـ بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، والاستقامة عليه إلى الممات، ويتضمن ذكر أصناف الخلائق وانقسامهم إلى منعم عليه بمعرفة الحق، والعمل به، ومحبته، وإيثاره، ومغضوب عليه بعدوله عن الحق بعد معرفته له، وضال بعدم معرفته له‏.‏ وهؤلاء أقسام الخليقة مع تضمنها لإثبات القدر، والشرع، والأسماء، والصفات، والمعاد، والنبوات، وتزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وذكر عدل الله وإحسانه، والرد على جميع أهل البدع والباطل، كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير مدارج السالكين في شرحها‏.‏ وحقيق بسورة هذا بعض شأنها، أن يستشفى بها من الأدواء، ويرقى بها اللديغ‏.‏
وبالجملة فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية والثناء على الله، وتفويض الأمر كله إليه، والإستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النعم كلها، وهي الهداية التي تجلب النعم، وتدفع النقم، من أعظم الأدوية الشافية الكافية‏.‏
وقد قيل‏:‏ إن موضع الرقية منها‏:‏ ‏(‏إياك نعبد وإياك نستعين‏)‏، ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء، فإن فيهما من عموم التفويض والتوكل، والالتجاء والاستعانة، والافتقار والطلب، والجمع بين أعلى الغايات، وهي عبادة الرب وحده، وأشرف الوسائل وهي الاستعانة به على عبادته ما ليس في غيرها، ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بها، آخذ شربة من ماء زمزم، وأقرؤها عليها مرارًا، ثم أشربه، فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع‏.‏
فصل‏:‏ وفي تأثير الرقى بالفاتحة وغيرها في علاج ذوات السموم سر بديع
فإن ذوات السموم أثرت بكيفيات نفوسها الخبيثة، كما تقدم، وسلاحها حماتها التي تلدغ بها، وهي لا تلدغ حتى تغضب، فإذا غضبت، ثار فيها السم، فتقذفه بآلتها، وقد جعل الله سبحانه لكل داء دواء، ولكل شيء ضدًا، ونفس الراقي تفعل في نفس المرقي، فيقع بين نفسيهما فعل وانفعال، كما يقع بين الداء، والدواء، فتقوى نفس الراقي وقوته بالرقية على ذلك الداء، فيدفعه بإذن الله، ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين، يقع بين الداء والدواء الروحانيين، والروحاني، والطبيعي، وفي النفث والتفل استعانة بتلك الرطوبة والهواء، والنفس المباشر للرقية، والذكر والدعاء، فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه، فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس، كانت أتم تأثيرًا، وأقوى فعلًا ونفوذًا، ويحصل بالإزدواج بينهما كيفية موثرة شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية‏.‏
وبالجملة‏:‏ فنفس الراقي تقابل تلك النفوس الخبيثة، وتزيد بكيفية نفسه‏.‏
وتستعين بالرقية وبالنفث على إزالة ذلك الأثر، وكلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى، كانت الرقية أتم، واستعانته بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها‏.‏
وفي النفث سر آخر، فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة، ولهذا تفعله السحرة كما يفعله أهل الإيمان‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن شر النفاثات في العقد‏}‏‏[‏الفلق‏:‏ ‏]‏، وذلك لأن النفس تتكيف بكيفية الغضب والمحاربة، وترسل أنفاسها سهامًا لها، وتمدها بالنفث والتفل الذي معه شيء من الريق مصاحب لكيفية مؤثرة، والسواحر تستعين بالنفث استعانة بينة، وإن لم تتصل بجسم المسحور، بل تنفث على العقدة وتعقدها، وتتكلم بالسحر، فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة، فتقابلها الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع والتكلم بالرقية، وتستعين بالنفث، فأيهما قوي كان الحكم له، ومقابلة الأرواح بعضها لبعض، ومحاربتها وآلتها من جنس مقابلة الأجسام، ومحاربتها وآلتها سواء، بل الأصل في المحاربة والتقابل للأرواح والأجسام آلتها وجندها، ولكن من غلب عليه الحس لا يشعر بتأثيرات الأرواح وأفعالها وانفعالاتها لاستيلاء سلطان الحس عليه، وبعده من عالم الأرواح، وأحكامها، وأفعالها‏.‏
والمقصود‏:‏ أن الروح إذا كانت قوية وتكيفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنفث والتفل، قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة، فأزالته والله أعلم‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الطب النبوي بطاقات رابحه الخير الصحة والطب البديل | حميات غذائية 4 06-25-2013 07:58 PM
الطب النبوي : بالصور حـنين الصحة والطب البديل | حميات غذائية 0 10-01-2012 11:38 PM
الطب النبوي امام. رفوف المحفوظات 1 10-22-2011 01:26 AM
الطب النبوي والأعشاب 1 عمرو يس الصحة والطب البديل | حميات غذائية 3 01-04-2008 05:11 PM
الطب النبوي عمرو يس مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 7 12-16-2007 11:05 AM

الساعة الآن 10:10 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103