تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

القول المفيد على كتاب التوحيد.. قراءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-29-2014, 03:05 PM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

القول المفيد على كتاب التوحيد.. قراءة





القول المفيد على كتاب التوحيد

لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين.


هذا الكتاب عبارة عن شرح مطول على «كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد» للشيخ محمد بن عبد الوهاب، تناول فيه الشارح كل باب من أبواب الكتاب بالشرح لما يتعلق به من مباحث بعبارة ميسرة، فصَّل فيها مسائل الكتاب، وأكثر من الاستشهاد عليها من الكتاب والسنة.


المؤلف:
محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن العثيمين الوهيبي التميمي، أبو عبد الله، ولد عام (1347هـ) في مدينة عنيزة- إحدى مدن القصيم- بالمملكة العربية السعودية، تعلم القرآن الكريم على جده من جهة أمه عبد الرحمن بن سليمان الدامغ، ثم تعلم الكتابة وشيئًا من الأدب والحساب، والتحق بإحدى المدارس وحفظ القرآن عن ظهر قلب في سن مبكرة، ومختصرات المتون في الحديث والفقه، ويعتبر الشيخ عبد الرحمن السعدي شيخه الأول الذي نهل من معين علمه وتأثر بمنهجه وتأصيله واتباعه للدليل وطريقة تدريسه وتقريره وتقريبه العلم لطلابه بأيسر الطرق وأسلمها، ملأ ذكره الدنيا وشاع علمه في الآفاق وشهد له القاصي والداني بفضله وعلو مكانته، كان له نشاط كبير في الدعوة والتعليم داخل المملكة وخارجها، وله العديد من المؤلفات في شتى العلوم، وحصل على جائزة الملك فيصل العالية لخدمة الإسلام للعام الهجري (1414)، وتوفي بجدة عام (1421هـ).



=============
مقاومة المشركين للدعوة الجديدة

هجرة المسلمين الثانية إلى الحبشة
الهجرة الأولى الى الحبشة
دار الأرقم
اضطهاد كفار قريش للمؤمنين
الإمام النسائي
الامام الترمذي

الإمام أحمد بن حنبل
خروج النبي للطائف طلباً للنصرة
عام الحزن
المقاطعة الاقتصادية
إسلام عمر وحمزة رضي الله عنهما
الشمائل المحمدية كتاب .. قراءة
زاد المعاد في هدي خير العباد.. قراءة
الأدب المفرد .. قراءة

السنن الكبرى.. النسائي.. قراءة


مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ
مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
مُسْنَدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

مُسْنَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

مُسْنَدُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مُسْنَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مُسْنَدُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه

مُسْنَدُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مُسْنَدُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مُسْنَدُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

مُسْنَدُ أَهْلِ الْبَيْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ
حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ

حَدِيثُ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ


مُسْنَدُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
حَدِيثُ تَمَّامِ بْنِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه
حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه

مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه

مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
مُسْنَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مُسْنَدُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
مُسْنَدُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
مُسْنَدُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
مُسْنَدُ الْمَكِّيِّينَ رضي الله عنهم

مُسْنَدِ الْمَدَنِيِّينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ
مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ
مُسْنَدِ الْبَصْرِيِّينَ

مُسْنَدُ الْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ فَاطِمَةَ رضي الله عنها
حَدِيثُ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا
حَدِيثُ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ رضي الله عنهن
حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها
حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها
حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها
حَدِيثُ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ
حَدِيثُ أُخْتِ مَسْعُودِ ابْنِ الْعَجْمَاءِ
حَدِيثُ رُمَيْثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها
حَدِيثُ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ أُمِّ الْفَضْلِ رضي الله عنها
حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
حَدِيثُ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا
حَدِيثُ أُمِّ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا
مِنْ مُسْنَدِ الْقَبَائِلِ
سيرة الإمام أحمد بن حنبل
المنتقى من عمل اليوم والليلة.. قراءة
القول المفيد على كتاب التوحيد.. قراءة



بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2014, 03:08 PM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
.(كتاب التوحيد):

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: كتاب التوحيد.
لم يذكر في النسخ التي بأيدينا خطبة للكتاب من المؤلف، فإما أن تكون سقطت من النساخ وإما أن يكون المؤلف اكتفى بالترجمة لأنها عنوان على موضوع الكتاب وهو التوحيد، وقد ذكر المؤلف في هذه الترجمة عدة آيات.
والكتاب بمعنى: مكتوب أي مكتوب بالقلم، أو بمعنى مجموع من قولهم: كتيبة وهي المجموعة من الخيل.
(تعريف التوحيد):
والتوحيد في اللغة: مشتق من وحد الشيء إذا جعله واحدًا، فهو مصدر وحد يوحد، أي: جعل الشيء واحدًا.
وفي الشرع: إفراد الله- سبحانه- بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
.أقسامه:

ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
1- توحيد الربوبية. 2- توحيد الألوهية. 3- توحيد الأسماء والصفات.
وقد اجتمعت في قوله تعالى: {رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميًّا} [مريم: 65].
.القسم الأول: توحيد الربوبية:

هو إفراد الله- عز وجل- بالخلق، والملك، والتدبير.
(إفراد الله- عز وجل- بالخلق):
فإفراده بالخلق: أن يعتقد الإنسان أنه لا خالق إلا الله، قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54]، فهذه الجملة تفيد الحصر لتقديم الخبر؛ إذ إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وقال تعالى: {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} [فاطر: 3]؛ فهذه الآية تفيد اختصاص الخلق بالله، لأن الاستفهام فيها مشرب معنى التحدي.
أما ما ورد من إثبات خلق غير الله؛ كقوله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14]، وكقوله في المصورين: يقال لهم: «أحيوا ما خلقتم».
فهذا ليس خلقًا حقيقة، وليس إيجادًا بعد عدم، بل هو تحويل للشيء من حال إلى حال، وأيضًا ليس شاملًا، بل محصور بما يتمكن الإنسان منه، ومحصور بدائرة ضيقة؛ فلا ينافي قولنا: إفراد الله بالخلق.
وأما إفراد الله بالملك:
فأن نعتقد أنه لا يملك الخلق إلا خالقهم؛ كما قال تعالى: {ولله ملك السماوات والأرض} [آل عمران: 19]، وقال تعالى: {قل من بيده ملكوت كل شيء} [المؤمنون: 88].
وأما ما ورد من إثبات الملكية لغير الله؛ كقوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6]، وقال تعالى: {أو ما ملكتم مفتاحه} [النور: 61]، فهو ملك محدود لا يشمل إلا شيئًا يسيرًا من هذه المخلوقات؛ فالإنسان يملك ما تحت يده، ولا يملك ما تحت يد غيره، وكذا هو ملك قاصر من حيث الوصف؛ فالإنسان لا يملك ما عنده تمام الملك، ولهذا لا يتصرف فيه إلا على حسب ما أذن له فيه شرعًا، فمثلًا: لو أراد أن يحرق ماله، أو يعذب حيوانه؛ قلنا: لا يجوز، أما الله- سبحانه-، فهو يملك ذلك كله ملكًا عامًّا شاملًا.
وأما إفراد الله بالتدبير:
فهو أن يعتقد الإنسان أنه لا مدبر إلا الله وحده؛ كما قال تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} [يونس: 31].
وأما تدبير الإنسان؛ فمحصور بما تحت يده، ومحصور بما أذن له فيه شرعًا. وهذا القسم من التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول، بل كانوا مقرين به، قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} [الزخرف: 9]، فهم يقرون بأن الله هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، ولم ينكره أحد معلوم من بني آدم؛ فلم يقل أحد من المخلوقين: إن للعالم خالقين متساويين.
فلم يجحد أحد توحيد الربوبية، لا على سبيل التعطيل ولا على سبيل التشريك، إلا ما حصل من فرعون؛ فإنه أنكره على سبيل التعطيل مكابرة؛ فإنه عطل الله من ربوبيته وأنكر وجوده، قال تعالى حكاية عنه: {فقال أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24]، {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38]. وهذا مكابرة منه لأنه يعلم أن الرب غيره؛ كما قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا} [النمل: 14]، وقال تعالى حكاية عن موسى وهو يناظره: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض} [الإسراء: 102]؛ فهو في نفسه مقر بأن الرب هو الله-عز وجل-.
(من أنكر توحيد الربوبية):
وأنكر توحيد الربوبية على سبيل التشريك المجوس، حيث قالوا: إن للعالم خالقين هما الظلمة والنور، ومع ذلك لم يجعلوا هذين الخالقين متساويين، فهم يقولون: إن النور خير من الظلمة؛ لأنه يخلق الخير، والظلمة تخلق الشر، والذي يخلق الخير خير من الذي يخلق الشر.
وأيضًا؛ فإن الظلمة عدم لا يضيء، والنور وجود يضيء؛ فهو أكمل في ذاته.
ويقولون أيضًا بفرق ثالث، وهو: أن النور قديم على اصطلاح الفلاسفة، واختلفوا في الظلمة، هل هي قديمة، أو محدثة؟ على قولين.
دلالة العقل على أن الخالق للعالم واحد:
قال الله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاَ لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} [المؤمنون: 91]، إذ لو أثبتنا للعالم خالقين؛ لكان كل خالق يريد أن ينفرد بما خلق ويستقل به كعادة الملوك؛ إذا لا يرضى أن يشاركه أحد، وإذا استقل به؛ فإنه يريد أيضًا أمرًا آخر، وهو أن يكون السلطان له لا يشاركه فيه أحد.
وحينئذ إذا أرادا السلطان؛ فإما أن يعجز كل واحد منهما عن الآخر، أو يسيطر أحدهما على الآخر؛ فإن سيطر أحدهما على الآخر ثبتت الربوبية له، وإن عجز كل منهما عن الآخر زالت الربوبية منهما جميعًا؛ لأن العاجز لا يصلح أن يكون ربًّا.
.القسم الثاني: توحيد الألوهية:

ويقال له: توحيد العبادة باعتبارين؛ فاعتبار إضافته إلى الله يسمى: توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمى توحيد العبادة.
وهو إفراد الله- عز وجل- بالعبادة.
فالمستحق للعبادة هو الله تعالى، قال تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل} [لقمان: 30].
(تعريف العبادة):
والعبادة تطلق على شيئين:
الأول: التعبد: بمعنى التذلل لله- عز وجل- بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ محبة وتعظيمًا.
الثاني: المتعبد به؛ فمعناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة).
مثال ذلك: الصلاة؛ ففعلها عبادة، وهو التعبد، ونفس الصلاة عبادة، وهو المتعبد به.
فإفراد الله بهذا التوحيد: أن تكون عبدًا لله وحده تفرده بالتذلل؛ محبة وتعظيمًا، وتعبده بما شرع، قال تعالى: {لا تجعل مع الله إلهًا آخر فتقعد مذمومًا مخذولًا} [الإسراء: 22]. وقال تعالى: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2]؛ فوصفه سبحانه بأنه رب العالمين كالتعليل لثبوت الألوهية له؛ فهو الإله لأنه رب العالمين، وقال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21]؛ فالمنفرد بالخلق هو المستحق للعبادة.
إذ من السفه أن تجعل المخلوق الحادث الآيل للفناء إلهًا تعبده؛ فهو في الحقيقة لن ينفعك لا بإيجاد ولا بإعداد ولا بإمداد، فمن السفه أن تأتي إلى قبر إنسان صار رميمًا تدعوه وتعبده، وهو بحاجة إلى دعائك، وأنت لست بحاجة إلى أن تدعوه؛ فهو لا يملك لنفسه نفعًا لا ضرًا؛ فكيف يملكه لغيره؟!
وهذا القسم كفر به وجحده أكثر الخلق، ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل، وأنزل عليهم الكتب، قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25].
ومع هذا؛ فأتباع الرسل قلة، قال عليه الصلاة والسلام: «فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد».
تنبيه:
من العجب أن أكثر المصنفين في علم التوحيد من المتأخرين يركزون على توحيد الربوبية، وكأنما يخاطبون أقوامًا ينكرون وجود الرب- وإن كان يوجد من ينكر الرب-، لكن ما أكثر المسلمين الواقعين في شرك العبادة‍‍!!.
ولهذا ينبغي أن يركز على هذا النوع من التوحيد حتى نخرج إليه هؤلاء المسلمين الذين يقولون بأنهم مسلمون، وهم مشركون، ولا يعلمون.
.القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات:

وهو إفراد الله- عز وجل- بما له من الأسماء والصفات.
وهذا يتضمن شيئين:
الأول: الإثبات، وذلك بأن نثبت لله- عز وجل- جميع أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه أو سنة نبيه.
الثاني: نفى المماثلة، وذلك بأن لا نجعل لله مثيلًا في أسمائه وصفاته؛ كما قال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. فدلت هذه الآية على أن جميع صفاته لا يماثله فيها أحد من المخلوقين؛ فهي وإن اشتركت في أصل المعنى، لكن تختلف في حقيقة الحال، فمن لم يثبت ما أثبته الله لنفسه؛ فهو معطل، وتعطيله هذا يشبه تعطيل فرعون، ومن أثبتها مع التشبيه صار مشابهًا للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ومن أثبتها بدون مماثلة صار من الموحدين.
وهذا القسم من التوحيد هو الذي ضلت فيه بعض الأمة الإسلامية وانقسموا فيه إلى فرق كثيرة؛ فمنهم من سلك مسلك التعطيل، فعطل، ونفى الصفات زاعمًا أنه منزه لله، وقد ضل، لأن المنزه حقيقةً هو الذي ينفي عنه صفات النقص والعيب، وينزه كلامه من أن يكون تعمية وتضليلًا، فإذا قال: بأن الله ليس له سمع، ولا بصر، ولا علم، ولا قدرة، لم ينزه الله، بل وصمه بأعيب العيوب، ووصم كلامه بالتعمية والتضليل، لأن الله يكرر ذلك في كلامه ويثبته، {سميع بصير}، {عزيز حكيم}، {غفور رحيم}، فإذا أثبته في كلامه وهو خال منه؛ كان في غاية التعمية والتضليل والقدح في كلام الله- عز وجل-، ومنهم من سلك مسلك التمثيل زاعمًا بأنه محقق لما وصف الله به نفسه، وقد ضلوا لأنهم لم يقدروا الله حق قدره؛ إذا وصموه بالعيب والنقص، لأنهم جعلوا الكامل من كل وجه كالناقص من كل وجه.
وإذا كان اقتران تفضيل الكامل على الناقص يحط من قدره، كما قيل:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

فكيف بتمثيل الكامل بالناقص؟! هذا أعظم ما يكون جنايةً في حق الله- عز وجل-، وإن كان المعطوف أعظم جرمًا، لكن الكل لم يقدر الله حق قدره.
(الواجب نحو أسماء الله وصفاته):
فالواجب: أن نؤمن بما وصف الله وسمى به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم.
(ضلال أهل التحريف):
فالتحريف في النصوص، والتعطيل في المعتقد، والتكييف في الصفة، والتمثيل في الصفة، إلا أنه أخص من التكييف؛ فكل ممثل مكيف، ولا عكس، فيجب أن تبرأ عقيدتنا من هذه الأمور الأربعة.
ونعني بالتحريف هنا: التأويل الذي سلكه المحرفون لنصوص الصفات؛ لأنهم سموا أنفسهم أهل التأويل، لأجل تلطيف المسلك الذي سلكوه؛ لأن النفوس تنفرُ من كلمة تحريف، لكن هذا من باب زخرفة القول وتزيينه للناس، حتى لا ينفروا منه.
وحقيقة تأويلهم: التحريف، وهو صرف اللفظ عن ظاهره؛ فنقول: هذا الصرف إن دل عليه دليل صحيح؛ فليس تأويلًا بالمعنى الذي تريدون، لكنه تفسير.
وإن لم يدل عليه دليل؛ فهو تحريف، وتغيير للكلم عن مواضعه؛ فهؤلاء الذين ضلوا بهذه الطريقة، فصاروا يثبتون الصفات لكن بتحريف؛ قد ضلوا، وصاروا في طريق معاكس لطريق أهل السنة والجماعة.
وعليه لا يمكن أن يوصفوا بأهل السنة والجماعة؛ لأن الإضافة تقتضي النسبة، فأهل السنة منتسبون للسنة؛ لأنهم متمسكون بها، وهؤلاء ليسوا متمسكين بالسنة فيما ذهبوا إليه من التحريف.
وأيضًا الجماعة في الأصل: الاجتماع، وهم غير مجتمعين في آرائهم؛ ففي كتبهم التداخل، والتناقض، والاضطراب، حتى إن بعضهم يضلل بعضًا، ويتناقض هو بنفسه.
وقد نقل شارع (الطحاوية) عن الغزالي- وهو ممن بلغ ذروة علم الكلام- كلامًا إذا قرأه الإنسان تبين له ما عليه أهل الكلام من الخطأ والزلل والخطل، وأنهم ليسوا على بينة من أمرهم.
وقال الرازي وهو من رؤسائهم:
نهايــــة إقــــــدام العقـــول عقال ** وأكثر سعي العالمين ضـــلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا ** وحاصل دنيانــــــا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

ثم قال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10]؛ يعني: فأثبت، وأقرأ في النفي: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، {ولا يحيطون به علمًا} [طه: 110]؛ يعني: فأنفي المماثلة، وأنفي الإحاطة به علمًا، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
فتجدهم حيارى مضطربين، ليسوا على يقين من أمرهم، وتجد من هداه الله الصراط المستقيم مطمئنًا منشرح الصدر، هادئ البال، يقرأ في كتاب الله وفي سنة رسوله، ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات؛ فيثبت؛ إذ لا أحد أعلم من الله بالله، ولا أصدق خبرًا من خبر الله، ولا أصح بيانًا من بيان الله؛ كما قال تعالى: {يريد الله ليبين لكم} [النساء: 26]، {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176]، {ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء} [النحل: 89]، {ومن أصدق من الله قيلًا} [النساء: 122]، {ومن أصدق من الله حديثًا} [النساء: 87]. فهذه الآيات وغيرها تدل على أن الله يبين للخلق غاية البيان الطريق التي توصلهم إليه، وأعظم ما يحتاج الخلق إلى بيانه ما يتعلق بالله تعالى وبأسماء الله وصفاته حتى يعبدوا الله على بصيرة؛ لأن عبادة من لم نعلم صفاته، أو من ليس له صفة أمر لا يتحقق أبدًا؛ فلابد أن تعلم من صفات المعبود ما تجعلك تلتجئ إليه وتعبده حقًا.
ولا يتجاوز الإنسان حده إلى التكييف أو التمثيل؛ لأنه إذا كان عاجزًا عن تصور نفسه التي بين جنبيه؛ فمن باب أولى أن يكون عاجزًا عن تصور حقائق ما وصف الله به نفسه، ولهذا يجب على الإنسان أن يمنع نفسه عن السؤال بـ: (لِمَ) و:(كيف) فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وكذا يمنع نفسه من التفكير بالكيفية.
وهذا الطريق إذا سلكه الإنسان استراح كثيرًا، وهذه حال السلف رحمهم الله، ولهذا لما جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس رحمه الله قال: يا أبا عبد الله! {الرحمن على العرش استوى}، كيف استوى؟ فأطرق برأسه وقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا).
أما في عصرنا الحاضر؛ فنجد من يقول إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة، فيلزم من هذا أن يكون كل الليل في السماء الدنيا؛ لأن الليل يمشي على جميع الأرض؛ فالثلث ينتقل من هذا المكان إلى المكان الآخر، وهذا لم يقله الصحابة رضوان الله عليهم، ولو كان هذا يرد على قلب المؤمن؛ لبينه الله إما ابتداءً أو على لسان رسوله: أو يقيض من يسأله عنه فيجاب، كما سأل الصحابة رسول الله أين كان الله قبل أن يخلق السماوات والأرض، فأجابهم.
فهذا السؤال العظيم يدل على أن كل ما يحتاج إليه الناس فإن الله يبينه بأحد الطرق الثلاثة.
والجواب عن الإشكال في حديث النزول: أن يقال: ما دام ثلث الليل الأخير في هذه الجهة باقيًا، فالنزول فيها محقق، وفي غيرها لا يكون نزول قبل ثلث الليل الأخير أو النصف، والله- عز وجل- ليس كمثله شيء، والحديث يدل على أن وقت النزول ينتهي بطلوع الفجر.
وعلينا أن نستسلم، وأن نقول: سمعنًا، وأطعنا، واتبعنا، وآمنا؛ فهذه وظيفتنا لا نتجاوز القرآن والحديث.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2014, 03:09 PM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
.باب قول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}:

وقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذريات: 56] الآية.
* الآية الأولى قوله تعالى: {وما خلق الجن والإنس إلا ليعبدون}.
قوله: {إلا ليعبدون} استثناء مفرغ من أعم الأحوال؛ أي: ما خلق الجن والإنس لأي شيء إلا للعبادة.
واللام في قوله: {إلا ليعبدون} للتعليل، وهذا التعليل لبيان الحكمة من الخلق، وليس التعليل الملازم للمعلول؛ إذ لو كان كذلك للزم أن يكون الخلق كلهم عبادًا يتعبدون له، وليس الأمر كذلك، فهذه العلة غائية، وليست موجبة.
فالعلة الغائية لبيان الغاية والمقصود من هذا الفعل، لكنها قد تقع، وقد لا تقع، مثل: بريت القلم لأكتب به؛ فقد تكتب، وقد لا تكتب.
والعلة الموجبة معناها: أن المعلول مبني عليها؛ فلابد أن تقع، وتكون سابقة للمعلول، ولازمة له، مثل: انكسر الزجاج لشدة الحرة.
قوله: {خلقت}، أي أوجدت، وهذا الإيجاد مسبوق بتقدير، وأصل الخلق التقدير.
قال الشاعر.
ولأنت تفري ما خلقت ** وبعض الناس يخلق ثم لا يفري

قوله: {الجن}: هم عالمُ غيبيُ مخفيُ عنا، ولهذا جاءت المادة من الجيم والنون، وهما يدلان على الخفاء والاستتار، ومنه: الجَنة، والجِنة، والجُنة.
قوله: {الإنس} سموا بذلك، لأنهم لا يعيشون بدون إيناس، فهم يأنس بعضهم ببعض، ويتحرك بعضهم إلى بعض.
قوله: {إلا ليعبدون} فُسِّر: إلا ليوحدون، وهذا حق، وفُسِّر: بمعنى يتذللون لي بالطاعة فِعلًا للمأمور، وتركًا للمحظور، ومن طاعته أن يوحد سبحانه وتعالى؛ فهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس.
ولهذا أعطى الله البشر عقولًا، وأرسل إليهم رسلًا، وأنزل عليهم كتبًا، ولو كان الغرض من خلقهم كالغرض من خلق البهائم؛ لضاعت الحكمة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ لأنه في النهاية يكون كشجرة نبتت، ونمت، وتحطمت، ولهذا قال تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} [القصص: 85]؛ فلابد أن يردك إلى معادٍ تجازى على عملك إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
وليست الحكمة من خلقهم نفع الله، ولهذا قال تعالى: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} [الذريات: 57].
وأما قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له} [البقرة: 245].
فهذا ليس إقراضًا لله سبحانه، بل هو غنيُّ عنه، لكنه سبحانه شبه معاملة عبده له بالقرض؛ لأنه لا بد من وفائه، فكأنه التزامُ من الله سبحانه أن يوفى العامل أجر عمله كما يوفي المقترض من أقرضه.
.وقوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36].

* الآية الثانية قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36].
قوله: {ولقد}: اللام موطئه لقسم مقدر، وقد: للتحقيق.
وعليه؛ فالجملة مؤكدة بالقسم المقدر، واللام، وقد.
قوله: {بعثنا}؛ أي: أخرجنا، وأرسلنا في كل أمة.
والأمة هنا: الطائفة من الناس.
وتطلق الأمة في القرآن على أربعة معانٍ:
أ- الطائفة: كما في هذه الآية.
ب- الإمام، ومنه قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله} [النحل: 120].
ج- الملة: ومنه قوله تعالى: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} [الزخرف: 23].
د- الزمن: ومنه قوله تعالى: {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45].
فكل أمة بعث فيها رسول من عهد نوح إلى عهد نبينا محمد.
* والحكمة من إرسال الرسل:
أ- إقامة الحجة: قال تعالى: {رسلًا مبشرين ومنذرين لئلًا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165].
ب- الرحمة: لقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107].
ج- بيان الطريق الموصل إلى الله تعالى، لأن الإنسان لا يعرف ما يجب لله على لوجه التفصيل إلا عن طريق الرسل.
قوله: {أن اعبدوا الله} أن: قيل تفسيرية، وهي التي سبقت بما يدل على القول دون حروفه؛ كفوله تعالى: {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك} [المؤمنون: 27]، والوحي فيه معنى القول دون حروفه، والبعث متضمن معنى الوحي؛ لأن كل رسول موحى إليه.
وقيل: إنها مصدرية على تقدير الباء؛ أي: بأن اعبدوا، والراجح الأول؛ لعدم التقرير. أي: تذللوا له بالعبادة، وسبق تعرف العبادة.
قوله: {واجتنبوا الطاغوت} أي: ابتعدوا عنه بأن تكونوا في جانب، وهو في جانب، والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو صفة مشبهة، والطغيان: مجاورة الحد؛ كما في قوله تعالى: {إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية} [الحاقة: 11]؛ أي: تجاوز حده.
وأجمع ما قيل في تعريفه هو ما ذكره ابن القيم رحمه الله بأنه: (ما تجاوز به العبد حده من متبوع، أو معبود، أو مطاع).
ومراده من كان راضيًا بذلك، أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابده، وتابعه، ومطيعه؛ لأنه تجاوز به حده حيث نَزَّله فوق منزلته التي جعلها الله له، فتكون عبادته لهذا المعبود، واتباعه لمتبوعه، وطاعته لمطاعه طغيانًا لمجاوزته الحد بذلك.
فالمتبوع مثل: الكهان، والسحرة، وعلماء السوء.
والمعبود مثل: الأصنام.
والمطاع مثل: الأمراء الخارجين عن طاعة الله، فإذا اتخذهم الإنسان أربابًا يحل ما حرم الله من أجل تحليلهم له، ويحرم ما أحل الله من أجل تحريمهم له؛ فهؤلاء طواغيت، والفاعل تابع للطاغوت، قال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} [النساء: 51]، ولم يقل: إنهم طواغيت.
ودلالة الآية على التوحيد: أن الأصنام من الطواغيت التي تعبد من دون الله. والتوحيد لا يتم إلا بركنين، هما:
1- الإثبات.
2- النفي.
إذ النفي المحض تعطيل محض، والإثبات المحض لا يمنع المشاركة.
مثال ذلك: زيد قائم، يدل على ثبوت القيام لزيد، لكن لا يدل على انفراده به.
ولم يقم أحد، هذا نفي محض.
ولم يقم إلا زيد، هذا توحيد له بالقيام؛ لأنه اشتمل على إثبات ونفي.
قوله: (الآية) أي: إلى آخر الآية، وتقرأ بالنصب؛ إما على أنها مفعول به لفعل محذوف تقديره أكمل الآية، أو أنها منصوب بنزع الخافض؛ أي: إلى آخر الآية.
ووجه الاستشهاد بهذه الآية لكتاب التوحيد: أنها دالة على إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد، وأنهم أرسلوا به؛ لقوله تعالى: {أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}.
.وقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا}. [الإسراء: 23] الآية.

* الآية الثالثة قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} الآية.
قوله: {قضى} قضاء الله- عز وجل- ينقسم إلى قسمين:
1- قضاء شرعي.
2- قضاء كوني.
فالقضاء الشرعي: يجوز وقوعه من المقضي عليه وعدمه، ولا يكون إلا فيما يحبه الله.
مثال ذلك: هذه الآية: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23]؛ فتكون قضى بمعنى: شرع، أو بمعنى: وصى، وما أشبههما.
والقضاء الكوني: لابد من وقوعه، ويكون فيما أحبه الله، وفيما لا يحبه.
مثال ذلك: قوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوًّا كبيرًا} [الإسراء: 4] فالقضاء هنا كوني؛ لأن الله لا يشرع الفساد في الأرض، ولا يحبه.
قوله: {أن لا تعبدوا}. {أن} هنا مصدرية بدليل حذف النون من تعبدوا، والاستثناء هنا مفرغ؛ لأن الفعل لم يأخذ مفعوله؛ فمفعوله ما بعد إلا.
قوله: {إلا إياه} ضمير نصب منفصل واجب الانفصال؛ لأن المتصل لا يقع بعد إلا، قال ابن مالك:
وذو اتصال منه ما لا يبتدا ** ولا يلي إلا اختيارًا أبدًا

* إشكال وجوابه:
إذا قيل: ثبت أن الله قضى كونًا ما لا يحبه؛ فكيف يقضي الله ما لا يحبه؟
فالجواب: أن المحبوب قسمان:
1- محبوب لذاته.
2- محبوب لغيره.
فالمحبوب لغيره قد يكون مكروهًا لذاته، ولكن يحب لما فيه من الحكمة والمصلحة؛ فيكون حينئذ محبوبًا من وجه، مكروهًا من وجه آخر.
مثال ذلك: الفساد في الأرض من بني إسرائيل في حد ذاته مكروه إلى الله؛ لأن الله لا يحب الفساد، ولا المفسدين، ولكن للحكمة التي يتضمنها يكون بها محبوبًا إلى الله- عز وجل- من وجه آخر.
ومن ذلك: القحط، والجدب، والمرض، والفقر؛ لأن الله رحيم لا يحب أن يؤذي عباده بشيء من ذلك، بل يريد بعباده اليسر، لكن يقدره للحكم المترتبة عليه؛ فيكون محبوبًا إلى الله من وجه، مكروهًا من وجه آخر.
قال الله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41].
فإن قيل: كيف يتصور أن يكون الشيء محبوبًا من وجه مكروهًا من وجه آخر؟
فيقال: هذا الإنسان المريض يعطى جرعة من الدواء مُرَّة كريهة الرائحة واللون، فيشربها، وهو يكرهها لما فيها من المرارة واللون والرائحة، ويحبها لما فيها من الشفاء، وكذا الطبيب يكوي المريض بالحديدة المحماة على النار، ويتألم منها؛ فهذا الألم مكروه له من وجه، محبوب له من وجه أخر.
فإن قيل: لماذا لم يكن قوله: {وقضي ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} من باب القضاء القدري؟
أجيب: بأنه لا يمكن؛ إذ لو كان قضاءً قدريًّا لعبد الناس كلهم ربهم، لكنه قضاء شرعي قد يقع وقد لا يقع.
والخطاب في الآية للنبي ولكن، لكنه قال: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه}، ولم يقل: (أن لا تعبد)، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1]؛ فالخطاب الأول للرسول والثاني عام؛ فما الفائدة من تغيير الأسلوب؟
أجيب: إن الفائدة من ذلك:
1- التنبيه؛ إذ تنبيه المخاطب أمر مطلوب للمتكلم، وهذا حاصل هنا بتغيير الأسلوب.
2- أن النبي زعيم أمته، والخطاب الموجه إليه موجه لجميع الأمة.
3- الإشارة إلى أن ما خوطب به الرسول فهو له ولأمته؛ إلا ما دلّ الدليل على أنه مختص به.
4- وفي هذه الآية خاصة الإشارة إلى أن النبي مربوب لا رب، عابد لا معبود؛ فهو داخل في قوله: {تعبدوا}، وكفى به شرفًا أن يكون عبدًا لله- عز وجل- ولهذا يصفه الله تعالى بالعبودية في أعلى مقاماته؛ فقال في مقام التحدي والدفاع عنه: {وإن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا} [البقرة: 23]، وقال في مقام إثبات نبوته ورسالته إلى الخلق: {تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده} [الفرقان: 1]، وقال في مقام الإسراء والمعراج: {سبحان الذي أسرى بعبده} [الإسراء: 1]، {فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: 10].
* أقسام العبودية:
تنقسم العبودية إلى ثلاثة أقسام:
1- عامة، وهي عبودية الربوبية، وهي لكل الخلق، قال تعالى: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا} [مريم: 93]، ويدخل في ذلك الكفار.
2- عبودية خاصة، وهي عبودية الطاعة العامة، قال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا} [الفرقان: 63]، وهذه تعم كل من تعبد لله بشرعه.
3- خاصّة الخاصّة، وهي عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى عن نوح: {إنه كان عبدًا شكورًا} [الإسراء: 3]، وقال عن محمد: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} [البقرة: 23]، وقال في آخرين من الرسل: {وأذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} [ص: 45].
فهذه العبودية المضافة إلى الرسل خاصة الخاصة؛ لأنه لا يباري أحد هؤلاء الرسل في العبودية.
قوله: {وبالوالدين إحسانًا} أي: قضى ربك أن نحسن بالوالدين إحسانا، والوالدان: يشمل الأم، والأب، ومن فوقهما، لكنه في الأم والأب أبلغ، وكلما قربا منك كانا أولى بالإحسان، والإحسان، بذل المعروف، وفي قوله: {وبالوالدين إحسانًا} بعد قوله: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} دليل على أن حق الوالدين بعد حق الله- عز وجل-.
فإن قيل: فأين حق الرسول؟
أجيب: بأن حق الله متضمن لحق الرسول؛ لأن الله لا يعبد إلا بما شرع.
وقوله: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أوفٍّ} أي: كف الأذى عنهما؛ ففي قوله: {إحسانًا}: بذل المعروف، وفي قوله: {فلا تقل لهما أوفٍّ}: كف الأذى، ومعنى: (أف): أتضجر؛ لأنك إذا قلته؛ فقد يتأذّيان بذلك، وفي الآية إشارة إلى أنهما إذا بلغا الكبر صارا عبئًا على ولدهما؛ فلا يتضجر من الحال، ولا ينهرهما في المقال إذا أساءا في الفعل أو القول.
قوله: {وقل لهما قولًا كريمًا}، أي: لينا حسنًا بهدوء وطمأنينة؛ كقولك: أعظم الله أجرك، أبشري يا أمي، أبشر يا أبي، وما أشبه ذلك؛ فالقول الكريم يكون في صيغته، وأدائه، والخطاب به، فلا يكون مزعجًا كرفع الصوت مثلًا، بل يتضمن الدعاء والإيناس لهما.
والشاهد في هذه الآية: قوله تعالى: {ألا تعبدوا إلا إياه}؛ فهذا هو التوحيد لتضمنه للنفي والإثبات.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2014, 03:11 PM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
.وقوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا} [النساء: 36].

* الآية الرابعة قوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا} الآية.
{ولا تشركوا} في مقابل: (لا إله)؛ لأنها نفي.
وقوله: {واعبدوا} في مقابل: (إلا إله)؛ لأنها إثبات.
وقوله: {شيئًا} نكرة في سياق النهي؛ فتعم كل شيء: لا نبيًّا، ولا ملكًا، ولا وليًّا، بل ولا أمرًا من أمور الدنيا؛ فلا تجعل الدنيا شريكًا مع الله، والإنسان إذا كان همه الدنيا كان عابدًا لها؛ كما قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة».
قوله: {وبالوالدين إحسانًا} يقال فيها ما قيل في الآية السابقة.
قوله: {وبذي القربى واليتامى والمساكين}؛ أي: إحسانًا.
وذو القربى هم من يجتمعون بالشخص في الجد الرابع.
واليتامى: جَمْعُ يتيم، وهو الذي مات أبوه، ولم يبلغ.
والمساكين: هم الذين عدموا المال فأسكنهم الفقر.
وابن السبيل: هو المسافر الذي انقطعت به النفقة.
قوله: {والجار ذي القربى والجار الجنب} الجار: الملاصق للبيت، أو من حوله، وذي القربى؛ أي: القريب، والجار الجنب؛ أي: الجار البعيد.
قوله: {والصاحب بالجانب}، قيل: إنه الزوجة، وقيل: صاحبك في السفر، لأنه يكون إلى جنبك، ولكل منهما حق؛ فالآية صالحة لهما.
قوله: {وما ملكت أيمانكم} هذا يشمل الإحسان إلى الأرقّاء والبهائم؛ لأن الجميع ملك اليمين.
قوله: {إن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا}.
المختال: في هيئته.
والفخور: في قوله، والله لا يحب هذا ولا هذا.
.وقوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئًا} [الأنعام: 151] الآيات.

* الآية الخامسة إلى السابعة قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}.
الخطاب للنبي، أمره الله أن يقول للناس: {تعالوا}؛ أي أقبلوا، وهلموا، وأصله من العلو كأن المنادي يناديك أن تعلو إلى مكانه، فيقول: تعالى؛ أي: ارتفع إلي.
وقوله: {أتل} بالجزم جوابًا للأمر في قوله: {تعالوا}.
وقوله: {ما حرّم ربكم عليكم} (ما) اسم موصول مفعول لأتل، والعائد محذوف، والتقدير: ما حرمه ربكم عليكم.
وقال: {ربكم} ولم يقل: ما حرم الله؛ لأن الرب هنا أنسب، حيث إن الرب له مطلق التصرف في المربوب، والحكم عليه بما تقتضيه حكمته.
قوله: {ألا تشركوا} أن: تفسيرية، تفسر: {اتل ما حرم}؛ أي: أتلو عليكم ألا تشركوا به شيئًا، وليست مصدرية، وقد قيل به، وعلى هذا القول تكون (لا) زائدة، ولكن القول الأول أصح، أي: أتل عليكم عدم الإشراك؛ لأن الله لم يحرم علينا أن لا نشرك به، بل حرم علينا أن نشرك به، وما يؤيد أنّ (أنْ) تفسيرية أن (لا) هنا ناهية لتتناسب الجمل؛ فتكون كلها طلبية.
قوله: {وبالوالدين إحسانًا}، أي: وأتل عليكم الأمر بالإحسان إلى الوالدين.
قوله: {ولا تقتلوا أولادكم}، بعد أن ذكر حق الأصول ذكر حق الفروع.
والأولاد في اللغة العربية: يشمل الذكر والأنثى، قال تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11].
قوله: {من إملاق}، الإملاق: الفقر، و: {من} للسببية والتعليل؛ أي: بسبب الإملاق.
قوله: {نحن نرزقكم وإيّاهم}، أي: إذا أبقيتموهم؛ فإنّ الرزق لن يضيق عليكم بإبقائهم، لأن الذي يقوم بالرزق هو الله.
وبدأ هنا برزق الوالدين؛ وفي سورة الإسراء بدأ برزق الأولاد، والحكمة في ذلك أنه قال هنا: {من إملاق}؛ فالإملاق حاصل، فبدأ بذكر الوالدين اللذين أملقا، وهناك قال: {خشية إملاق} [الإسراء: 31]؛ فهما غنيان، لكن يخشيان الفقر، فبدأ برزق الأولاد قبل رزق الوالدين.
وتقييد النهي عن قتل الأولاد بخشية الإملاق بناءٍ على واقع المشركين غالبًا، فلا مفهوم له.
قوله: {ولا تقربوا الفواحش}، لم يقل: لا تأتوا؛ لأن النهي عن القرب أبلغ من النهي عن الإتيان؛ لأن النهي عن القرب نهي عنها، وعما يكون ذريعة إليها، ولذلك حَرُم على الرجل أن ينظر إلى المرأة الأجنبية، وأن يخلو بها، وأن تسافر المرأة بلا محرم؛ لأن ذلك يقرب من الفواحش.
قوله: {ما ظهر منها وما بطن}، قيل: ما ظهر فحشه، وما خفي؛ لأن الفواحش منها شيء مستفحش في نفوس جميع الناس، ومنها شيء فيه خفاء.
وقيل: ما أظهرتموه، وما أسررتموه، فالإظهار: فعل الزنا- والعياذ بالله- مجاهرةً، والإبطان فعله سرًا.
وقيل: ما عظم فحشه، وما كان دون ذلك؛ لأنّ الفواحش ليست على حد سواء، ولهذا جاء في الحديث: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر»، وهذا يدل على أن الكبائر فيها أكبر وفيها ما دون ذلك.
قوله: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}، النفس التي حرم الله: هي النفس المعصومة، وهي نفس المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن؛ بكسر الميم.
والحق: ما أثبته الشرع.
والباطل: ما نفاه الشرع.
فمن الحق الذي أثبته الشرع في قتل النفس المعصومة أن يزني المحصن فيرجم حتى يموت، أو يقتل مكافئه، أو يخرج على الجماعة، أو يقطع الطريق؛ فإنه يقتل، قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثّيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة».
وقال هناك: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}، وقال قبلها: {ولا تقتلوا أولادكم}؛ فيكون النهي عن قتل الأولاد مكررًا مرتين: مرة بذكر الخصوص، ومرة بذكر العموم.
وقوله: {ذلكم وصاكم به}، المشار إليه ما سبق، والوصية بالشيء هي العهد به على وجه الاهتمام، ولهذا يقال: وصيته على فلان؛ أي: عهدت به إليه ليهتم به.
قوله: {تعقلون}، العقل هنا: حسن التصرف، وأما في قوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنًا عربيًّا لعلكم تعقلون} [الزخرف: 3]، فمعناه: تفهمون.
وفي هذا دليلٌ على أن هذه الأمور إذا التزم بها الإنسان؛ فهو عاقل رشيد، وإذا خالفها؛ فهو سفيه ليس بعاقل.
وقد تضمنت هذه الآية خمس وصايا:
الأولى: توحيد الله.
الثانية: الإحسان بالوالدين.
الثالثة: أن لا نقتل أولادنا.
الرابعة: أن لا نقرب الفواحش.
الخامسة: أن لا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
قوله: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}، قوله: {ولا تقربوا} هذا حماية لأموال اليتامى أن لا نقربها إلا بالخصلة التي هي أحسن؛ فلا نقربها بأي تصرف إلا بما نرى أنه أحسن، فإذا لاح للولي تصرفان أحدهما أكثر ربحًا؛ فالواجب عليه أن يأخذ بما هو أكثر ربحًا لأنه أحسن.
والحسن هنا يشمل: الحسن الدنيوي، والحسن الديني، فإذا لاح تصرفان أحدهما أكثر ربحًا وفيه ربًا، والآخر أقل ربحًا وهو أسلم من الربا؛ فنقدم الأخير؛ لأن الحسن الشرعي مقدم على الحسن الدنيوي المادي.
قوله: {حتى يبلغ أشده}، {حتى} هنا: حرف غاية؛ فما بعدها مخالف لما قبلها.
أي: إذا بلغ أشده؛ فإننا ندفعه إليه بعد أن نختبره، وننظر في حسن تصرفه، ولا يجوز لنا أن نبقيه عندنا.
ومعنى أشده: قوته العقلية والبدنية، والخطاب هنا لأولياء اليتامى أو للحاكم على قول بعض أهل العلم، وبلوغ الأشد يختلف، والمراد به هنا الأشد الذي يكون به التكليف، وهو تمام خمسة عشرة سنة، أو إنبات العانة أو الإنزال.
قوله: {وأوفوا الكيل والميزان}، أي: أوفوا الكيل إذا كلتم فيما يكال من الأطعمة والحبوب.
وأوفوا الميزان: إذا وزنتم فيما يوزن؛ كاللحوم مثلًا.
والأمر بالإيفاء شاملٌ لجميع ما تتعامل به مع غيرك؛ فيجب عليك أن توفي بالكيل والوزن وغيرهما في التعامل.
قوله: {بالقسط}، أي: بالعدل، ولما كان قوله: {بالقسط} قد يشق بعض الأحيان؛ لأن الإنسان قد يفوته أن يوفي الكيل أو الوزن أحيانًا، أعقب ذلك بقوله: {لا نكلف نفسًا إلا وسعها}، أي: طاقتها، فإذا بذل جهده وطاقته، وحصل النقص؛ فلا يعد مخالفًا؛ لأن ما خرج عن الطاقة معفو عنه فيه، كما أن هذه الجملة تفيد العفو من وجه، وهو ما خرج عن الوسع؛ فإنها تفيد التغليظ من وجه، وهو أن على المرء أن يبذل وسعه في الإيفاء بالقسط، ولكن منى تبين الخطأ وجب تلافيه لأنه داخل في الوسع.
قوله: {وإذ قلتم فاعدلوا}، معناه: أي قول تقوله؛ فإنه يجب عليك أن تعدل فيه، سواء كان ذلك لنفسك على غيرك، أو لغيرك على نفسك، أو لغيرك على غيرك، أو لتحكم بين اثنين؛ فالواجب العدل؛ إذ العدل في اللغة الاستقامة، وضده الجور والميل، فلا تمل يمينًا ولا شمالًا، ولم يقل هنا: {لا نكلف نفسًا إلا وسعها}؛ لأن القول لا يشق فيه العدل غالبًا.
قوله: {ولو كان ذا قربى}، أي: المقول له ذا قرابة، أي: صاحب قرابة، فلا تحابيه لقرابته، فتميل معه على غيره من أجله؛ فأجعل أمرك إلى الله- عزّ وجلّ- الذي خلقك، وأمرك بهذا، وإليه سترجع. ويسألك- عز وجل- ماذا فعلت في هذه الأمانة.
وقد أقسم أشرف الخلق، وسيد ولد آدم، وأعدل البشر، محمد، وقال: «وايم الله؛ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها».
قوله: {وبعهد الله أوفوا}، قدم المتعلق؛ للاهتمام به، وعهد الله: ما عهد به إلى عباده، وهي عبادته سبحانه وتعالى والقيام بأمره؛ كما قال عز وجل: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضًا حسنًا} [المائدة: 12]، هذا ميثاق من جانب المخلوق، وقوله تعالى: {لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار} [المائدة: 12]، هذا من جانب الله- عز وجل-.
قوله: {ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون}، هذه الآية الكريمة فيها أربع وصايا من الخالق عز وجل:
الأولى: أن لا نقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.
الثانية: أن نوفي الكيل والميزان بالقسط.
الثالثة: أن نعدل إذا قلنا.
…الرابعة: أن نوفي بعهد الله.
والآية الأولى فيها خمس وصايا. صار الجميع تسع وصايا.
ثم قال عز وجل: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه}، هذه هي الوصية العاشرة، فقوله: {وأن هذا صراطي} يحتمل أن المشار إليه ما سبق؛ لأنك لو تأملته وجدته محيطًا بالشرع كله؛ إما نصًا، وإما إيماءً، ويحتمل أن المراد به ما علم من دين الله؛ أي: هذا الذي جاءكم به الرسول هو صراطي؛ أي: الطريق الموصل إليه سبحانه وتعالى.
والصراط يضاف إلى الله- عز وجل-، ويضاف إلى سالكه؛ ففي قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] هنا أضيف إلى سالكه، وفي قوله تعالى: {صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} [الشورى: 53] هنا أضيف إلى الله- عز وجل-؛ فإضافته إلى الله- عز وجل- لأنه موصل إليه، ولأنه هو الذي وضعه لعباده- جل وعلا-، وإضافته إلى سالكه لأنهم هم الذين سلكوه.
قوله: {مستقيمًا} هذه حال من (صراط)؛ أي: حال كونه مستقيمًا لا اعوجاج فيه فاتبعوه.
قوله: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} السبل؛ أي: الطرق الملتوية الخارجة عنه.
وتفرق: فعل مضارع منصوب بأن بعد فاء السببية، لكن حذفت منه تاء المضارعة، وأصلها: (تتفرق)، أي أنكم إذا اتبعتم السبل تفرقت بكم عن سبيله، وتشتت بكم الأهواء وبعدت.
وهنا قال: {السبل}: جمع سبيل، وفي الطريق التي أضافها الله إلى نفسه قال: {سبيله} سبيل واحد؛ لأن سبيل الله- عز وجل- واحد، وأما ما عداه؛ فسبل متعددة، ولهذا قال النبي: «وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة»؛ فالسبيل المنجي واحد، والباقية متشعبة متفرقة، ولا يرد على هذا قوله تعالى: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} [المائدة: 16]، لأن (سبل) في الآية الكريمة؛ وإن كانت مجموعة؛ لكن أضيفت إلى السلام فكانت منجية، ويكون المراد بها شرائع الإسلام.
وقوله: {ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}، أي: ذلك المذكور وصاكم لتنالوا به درجة التقوى، والالتزام بما أمر الله به ورسوله.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2014, 03:12 PM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
.(قول ابن مسعود: من أراد.....):

قال ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمة؛ فليقرأ قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئًا} إلى قوله: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} [الأنعام: 151- 153] الآية.
* قوله: قال ابن مسعود: (من أراد...) إلخ. الاستفهام هنا للحث والتشويق، واللام في قوله: (فليقرأ) للإرشاد.
قوله: (وصية محمد)، الوصية بمعنى العهد، ولا يكون العهد وصية إلا إذا كان في أمر هام.
وقوله: (محمد)، أي: رسول الله محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي، وهذا التعبير من ابن مسعود يدل على جواز مثله، مثل: قال محمد رسول الله، ووصية محمد، ولا ينافي قوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا} [النور: 63]؛ لأن دعاء الرسول هنا أي: مناداته؛ فلا تقولوا عند المناداة: يا محمد! ولكن قولوا: يا رسول الله! أما الخبر؛ فهو أوسع من باب الطلب، ولهذا يجوز أن تقول: أنا تابعٌ لمحمد، أو اللهم! صل على محمد، وما أشبه ذلك.
قوله: (التي عليها خاتمه)، الخاتم بمعنى التوقيع.
وقوله: (وصية محمد) ليست وصية مكتوبة مختومًا عليها؛ لأن النبي لم يوص بشيء، ويدل لذلك: أن أبا جحيفة سأل علي بن أبي طالب: هل عهد إليكم النبي بشيء؟ فقال: لا. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قيل: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر.
فلا يظنّ أن النبي أوصى بهذه الآيات وصية خاصة مكتوبة، لكن ابن مسعود رضي الله عنه يرى أن هذه الآيات قد شملت الدين كلّه؛ فكأنها الوصية التي ختم عليها رسول الله وأبقاها لأمته.
وهي آيات عظيمة، إذا تدبرها الإنسان وعمل بها؛ حصلت له الأوصاف الثلاثة الكاملة: العقل، والتذكر، والتقوى.
وقوله: (فليقرأ قوله تعالى...) إلخ الآيات سبق الكلام عليها.
.(قول معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي على حمار...):

وعن معاذ بن جبل (رضي الله عنه)؛ قال: كنت رديف النبي على حمار، فقال لي: «يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا».
قوله: (رديف) بمعنى رادف؛ أي: راكب معه خلفه؛ فهو فعيل بمعنى فاعل، مثل: رحيم بمعنى راحم، وسميع بمعنى سامع.
قوله: (على حمار)، أي: أهلي؛ لأن الوحشي لا يركب.
قوله: (أتدري)، أي: أتعلم.
قوله: (ما حق الله على العباد؟)، أي: ما أوجبه عليهم، وما يجب أن يعاملوه به، وألقاه على معاذ بصيغة السؤال؛ ليكون أشد حضورًا لقلبه حتى يفهم ما يقول.
قوله: (وما حق العباد على الله؟)، أي: ما يجب أن يعاملهم به، والعباد لم يوجبوا شيئًا، بل الله أوجبه على نفسه فضلًا منه على عباده، قال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} [الأنعام: 54].
فأوجب سبحانه على نفسه أن يرحم من عمل سوءًا بجهالة؛ أي: بسفه وعدم حسن تصرف ثم تاب من بعد ذلك وأصلح.
ومعنى كتب؛ أي: أوجب.
قوله: (قلت: الله ورسوله أعلم)، لفظ الجلالة الله: مبتدأ، و: (رسوله): معطوف عليه، وأعلم: خبر المبتدأ، وأفرد الخبر هنا مع أنه لاثنين؛ لأنه على تقدير: (مِنْ)، واسم التفضيل إذا كان على تقدير: (مِنْ)؛ فإن الأشهر فيه الإفراد والتذكير.
والمعنى: أعلم من غيرهما، وأعلم مني أيضًا.
قوله: (يعبدوه)، أي: يتذللوا له بالطاعة.
قوله: (ولا يشركوا به شيئًا)، أي: في عبادته وما يختص به، وشيئًا نكرة في سياق النفي؛ فتعم كل شيء لا رسولًا ولا ملكًا ولا وليًّا ولا غيرهم.
وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: «لا تبشرهم فيتكلوا». أخرجاه في (الصحيحين).
وقوله: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا»، وهذا الحق تفضل الله به على عباده، ولم يوجبه عليه أحد، ولا تظن أن قوله: (من لا يشرك به شيئًا) أنه مجرد عن العبادة؛ لأن التقدير: من يعبده ولا يشرك به شيئًا، ولم يذكر قوله: (من يعبده)؛ لأنه مفهوم من قوله: (وحق العباد)، ومن كان وصفه العبودية؛ فلابد أن يكون عابدًا.
ومن لم يعبد الله ولم يشرك به شيئًا؛ هل يعذب؟
الجواب: نعم، يعذب؛ لأن الكلام فيه حذف، وتقديره: من يعبده ولا يشرك به شيئًا، ويدل لهذا أمران:
الأول: قوله: (حق العباد)، ومن كان وصفه العبودية؛ فلابد أن يكون عابدًا.
الثاني: أن هذا في مقابل قوله فيما تقدم: (أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا)؛ فعلم أن المراد بقوله: (لا يشركوا به شيئًا)؛ أي: في العبادة.
قوله: (أفلا أبشر الناس)، أي: أأسكت فلا أبشر الناس؟ ومثل هذا التركيب: الهمزة ثم حرف العطف ثم الجملة لعلماء النحو فيه قولان:
الأول: أنّ بين الهمزة وحرف العطف محذوفًا يقدر بما يناسب المقام، وتقديره هنا: أأسكت فلا أبشر الناس؟.
الثاني: أنه لا شيء محذوف، لكن هنا تقديم وتأخير، وتقديره: فألا أبشر؟ فالجملة معطوفة على ما سبق، وموضع الفاء سابق على الهمزة؛ فالأصل: فألا أبشر الناس؟ لكن لما كان مثل هذا التركيب ركيكًا، وهمزة الاستفهام لها الصدارة؛ قدمت على حرف العطف، ومثل ذلك قوله تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} [الغاشية: 17]، وقوله تعالى: {أفلا تبصرون} [السجدة: 27] وقوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض} [الحج: 46].
والبشارة: هي الإخبار بما يسر.
وقد تستعمل في الإخبار بما يضر، ومنه قوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} [الانشقاق: 24]، لكن الأكثر الأول.
قوله: (لا تبشرهم)، أي: لا تخبرهم، ولا ناهية.
ومعنى الحديث أن الله لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، وأن المعاصي تكون مغفورة بتحقيق التوحيد، ونهى عن إخبارهم؛ لئلا يعتمدوا على هذه البشرى دون تحقيق مقتضاها؛ لأن تحقيق التوحيد يستلزم اجتناب المعاصي؛ لأن المعاصي صادرة عن الهوى، وهذا نوع من الشرك، قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23].
ومناسبة الحديث للترجمة: فضيلة التوحيد، وأنه مانع من عذاب الله.
.(مسائل):

* فيه مسائل:
الأولى: الحكمة من خلق الجن والإنس. الثانية: أن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه.
المسائل:
* الأولى: الحكمة من خلق الجن والإنس، أخذها رحمه الله من قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]؛ فالحكمة هي عبادة الله لا أن يتمتعوا بالمآكل والمشارب والمناكح.
الثانية: أن العبادة هي التوحيد، أي: أن العبادة مبنية على التوحيد؛ فكل عبادة لا توحيد فيها ليست بعباده، لاسيما أن بعض السلف فسروا قوله تعالى: {إلا ليعبدون}: إلا ليوحدون.
وهذا مطابق تمامًا لما استنبطه المؤلف رحمه الله من أن العبادة هي التوحيد؛ فكل عبادة لا تبنى على التوحيد فهي باطلة، قال: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه».
وقوله: (لأن الخصومة فيه)، أي: في التوحيد بين الرسول وقريش؛ فقريش يعبدون الله يطوفون له ويصلون، ولكن على غير الإخلاص والوجه الشرعي؛ فهي كالعدم لعدم الإتيان بالتوحيد، قال تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} [التوبة: 54].
* الثالثة: أن من لم يأت به، لم يعبد الله، ففيه معنى قوله: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} [الكافرون: 3].
* الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل.
* الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة.
* وقوله في الثالثة: ففيه معنى قوله: {ولا أنتم عابدون ما أعبد}، لستم عابدين عبادتي؛ لأن عبادتكم مبنية على الشرك، فليست بعبادة لله تعالى.
* الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل، أخذها رحمه الله تعالى من قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36].
فالحكمة هي: الدعوة إلى عبادة الله وحده، واجتناب عبادة الطاغوت.
* الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة، أخذها من قوله تعال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا} [النحل: 36].
السادسة: أن دين الأنبياء واحد. السابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلى بالكفر بالطاغوت؛ ففيه معنى قوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت} [البقرة: 256].
* السادسة: أن دين الأنبياء واحد، أخذها من قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}، ومثله قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25]، وهذا لا ينافى قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا} [المائدة: 48]؛ لأن الشرعة العملية تختلف باختلاف الأمم والأماكن والأزمنة، وأما أصل الدين؛ فواحد، قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13].
* السابعة: المسالة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت.ودليله قوله تعالى: {واجتنبوا الطاغوت}، فمن عبَدَ الله ولم يكفر بالطاغوت؛ فليس بموحد، ولهذا جعل المؤلف رحمه الله هذه المسألة كبيرة؛ لأن كثيرًا من المسلمين جهلها في زمانه وفي زماننا الآن.
* تنبيه:
لا يجوز إطلاق الشرك أو الكفر أو اللعن على من فعل شيئًا من ذلك؛ لأن الحكم بذلك في هذه وغيرها له أسباب وله موانع؛ فلا نقول لمن أكل الربا: ملعون؛ لأنه قد يوجد مانع يمنع من حلول اللعنة عليه؛ كالجهل مثلًا، أو الشبهة، وما أشبه ذلك، وكذا الشرك لا نطلقه على من فعل شركًا؛ فقد تكون الحجة ما قامت عليه بسبب تفريط علمائهم، وكذا نقول: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه، ولكن لا نحكم بهذا لشخص معين، إذ إن الحكم المعلق على الأوصاف لا ينطبق على الأشخاص إلا بتحقق شروط انطباقه وانتفاء موانعه.
فإذا رأينا شخصًا يتبرز في الطريق؛ فهل نقول له: لعنك الله؟
الجواب: لا، إلا إذا أريد باللعن في قوله: «اتقوا الملاعن» أن الناس أنفسهم يلعنون هذا الشخص ويكرهونه، ويرونه مخلًا بالأدب مؤذيًا للمسلمين؛ فهذا شيء أخر.
فدعاء القبر شرك، لكن لا يمكن أن نقول لشخص معين فعله: هذا مشرك؛ حتى نعرف قيام الحجة عليه، أو نقول: هذا مشرك باعتبار ظاهر حاله.
الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله. التاسعة: عظم شأن الثلاث آيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف، وفيها عشر مسائل، أولها النهي عن الشرك.
* الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله. فكل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت، وقد عرّفه ابن القيم: بأنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فالمعبود كالصنم، والمتبوع كالعالم، والمطاع كالأمير.
* التاسعة: عظم شأن الثلاث آيات المحكمات في سورة الأنعام، المحكمات؛ أي: التي ليس فيها نسخ، أخذ ذلك من قول ابن مسعود رضي الله عنه.
العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثماني عشر مسألةً، بدأها الله بقوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلهًا آخر فتقعد مذمومًا مخذولًا} [الإسراء: 22]. وختمها بقوله تعالى: {ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنّم ملومًا مدحورًا} [الإسراء: 39]، ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} [الإسراء: 39].
* العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء. وهي قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23]، وفيها ثماني عشرة مسألة بدأها بقوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلهًا آخر فتقعد مذمومًا مخذولًا}، وختمها بقوله تعالى: {ولا تجعل مع الله إلهًا آخر فتلقى في جهنم ملومًا مدحورًا}.
وقد نبهنا الله- سبحانه- على عظم شأن هذه المسائل بقوله تعالى: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة}.
فبدأها الله بالنهي عن الشرك بقوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلهًا آخر فتقعد مذمومًا مخذولًا}، والقاعد ليس قائمًا؛ لأنه لا خير لمن أشرك بالله، مذمومًا عند الله وعند أوليائه، مخذولًا لا ينتصر في الدنيا ولا في الآخرة.
وختمها بقوله: {ولا تجعل مع الله إلهًا آخر فتلقى في جهنم ملومًا مدحورًا} [الإسراء: 39]، فهذه عقوبته عندما يلقى في النار كلٌّ يلومه ويدحره فيندحر والعياذ بالله.
الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا} [النساء: 36]، الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله عند موته. الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا.
* الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها بقوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا}، فأحق الحقوق حق الله، ولا تنفع الحقوق إلا بهP فبدئت هذه الحقوق به، ولهذا لما سأل النبي حكيم بن حزام عمن كان يتصدق ويعتق ويصل رحمه في الجاهلية هل له من أجر؟ فقال النبي: «أسلمت على ما أسلفت من الخير»؛ فدل على أنه إذا لم يسلم لم يكن له أجر، فصارت الحقوق كلها لا تنفع إلا بتحقيق حق الله.
* الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله عند موته. وذلك من حديث ابن مسعود رضى الله عنه، ولكن النبي لم يوص بها حقيقةً، بل أشار إلى أننا إذا تمسكنا بكتاب الله؛ فلن نضلّ بعده، ومن أعظم ما جاء به كتاب الله قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم} [الأنعام: 151].
* الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا. وذلك بأن نعبده ولا نشرك به شيئًا.
الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه. الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة. السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة.
* الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقّه. وذلك بأن لا يعذّب من لا يشرك به شيئًا، أما من أشرك؛ فإنه حقيقٌ أن يعذّب.
* الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة. وذلك أن معاذًا أخبر بها تأثمًا، أي خروجًا من إثم الكتمان عند موته بعد أن مات كثيرٌ من الصحابة؛ وكأنه رضي الله عنه علم أن النبي كان يخشى أن يفتتن الناس بها ويتكلوا، ولم يرد كتمها مطلقًا؛ لأنه لو أراد ذلك لم يخبر بها معاذًا ولا غيره.
* السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة. هذه ليست على إطلاقها؛ إذ إن كتمان العلم على سبيل الإطلاق لا يجوز لأنه ليس بمصلحة، ولهذا أخبر النبي معاذًا ولم يكتم ذلك مطلقًا، وأما كتمان العلم في بعض الأحوال، أو عن بعض الأشخاص لا على سبيل الإطلاق؛ فجائزٌ للمصلحة؛ كما كتم النبي ذلك عن بقية الصحابة خشية أن يتّكلوا عليه، وقال لمعاذ: «لا تبشّرهم فيتّكلوا».
ونظير هذا الحديث قوله لأبي هريرة: «بشّر الناس أن من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنّة».
بل قد تقتضي المصلحة ترك العمل؛ وإن كان فيه مصلحة لرجحان مصلحة الترك، كما هم النبي أن يهدم الكعبة ويبنيها على قواعد إبراهيم، ولكن ترك ذلك خشية افتتان الناس، لأنهم حديثو عهد بكفرٍ.
السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسرّه. الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.
* السابعة عشرة: استجاب بشارة المسلم بما يسره. لقوله: (أفلا أبشّر الناس؟)، وهذه من أحسن الفوائد.
* الثامنة عشرة: الخوف من الاتّكال على سعة رحمة الله. وذلك لقوله: «لا تبشّرهم فيتكلوا»، لأن الاتّكال على رحمة الله يسبب مفسدة عظيمة هي الأمن من مكر الله.
وكذلك القنوط من رحمة الله يبعد الإنسان من التوبة ويسبب اليأس من رحمة الله، ولهذا قال الإمام أحمد: (ينبغي أن يكون سائرًا إلى الله بين الخوف والرجاء؛ فأيهما غلب هلك صاحبه) فإذا غلب الرجاء أدى ذلك إلى الأمن من مكر الله، وإذا غلب الخوف أدى ذلك إلى القنوط من رحمة الله.
وقال بعض العلماء: إن كان مريضًا غلّب جانب الرجاء، وإن كان صحيحًا غلّب جانب الخوف.
وقال بعض العلماء: إذا نظر إلى رحمة الله وفضله غلّب جانب الرّجاء، وإذا نظر إلى فعله وعمله غلب جانب الخوف لتحصل التوبة.
ويستدلون بقوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60]؛ أي: خائفة أن لا يكون تقبّل منهم لتقصير أو قصور، وهذا القول جيد، وقيل: يغلب الرجاء عند فعل الطاعة ليحسن الظن بالله، ويغلب جانب الخوف إذا هم بالمعصية لئلا ينتهك حرمات الله.
وفي قوله: (أفلا أبشّر الناس؟) دليل على أن التبشير مطلوب فيما يسرّ من أمر الدين والدنيا، ولذلك بشّرت الملائكة إبراهيم، قال تعالى: {وبشّروه بغلام عليم} [الذريات: 28]، وهو إسحاق، والحليم إسماعيل، وبشّر النبي أهله بابنه إبراهيم، فقال: «ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم»؛ فيؤخذ منه أنه ينبغي للإنسان إدخال السرور على إخوانه المسلمين ما أمكن بالقول أو بالفعل؛ ليحصل له بذلك خيرٌ كثيرٌ وراحة وطمأنينة قلب وانشراح صدر.
وعليه، فلا ينبغي أن يدخل السوء على المسلم، ولهذا يروى عن النبي: «لا يحدثني أحدٌ عن أحد بشيء، فإني أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصّدر».
وهذا الحديث فيه ضعفٌ، لكن معناه صحيح؛ لأنه إذا ذكر عندك رجلٌ بسوءٍ؛ فسيكون في قلبك عليه شيءٌ ولو أحسن معاملتك، لكن إذا كنت تعامله وأنت لا تعلم عن سيئاته، ولا محذور في أن تتعامل معه؛ كان هذا طيبًا، وربما يقبل منك النصيحة أكثر، والنفوس ينفر بعضها من بعضٍ قبل الأجسام، وهذه مسائل دقيقةٌ تظهر للعاقل بالتأمّل.
التاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم.
* التاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم، وذلك لإقرار النبي معاذًا لما قالها، ولم ينكر النبي على معاذٍ، حيث عطف رسول الله على الله بالواو، وأنكر على من قال: (ما شاء الله وشئت)، وقال: «أجعلتني لله ندًّا؟! بل ما شاء الله وحده».
فيُقال: إن الرسول عنده من العلوم الشرعية ما ليس عند القائل، ولهذا لم ينكر الرسول على معاذ.
بخلاف العلوم الكونية القدرية؛ فالرسول ليس عنده علم منها.
فلو قيل: هل يحرم صوم العيدين؟
جاز أن نقول: الله ورسوله أعلم، ولهذا كان الصحابة إذا أشكلت عليهم المسائل ذهبوا إلى رسول الله فيبينها لهم، ولو قيل: هل يتوقع نزول مطر في هذا الشهر؟ لم يجز أن نقول: الله ورسوله أعلم، لأنه من العلوم الكونية.
العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض. الحادية والعشرون: تواضعه لركوب الحمار مع الإرداف عليه. الثانية والعشرون: جواز الأرداف على الدابة.
* العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض. وذلك لأن النبي خص هذا العلم بمعاذ دون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
فيجوز أن نخصص بعض الناس بالعلم دون بعض، حيث أن بعض الناس لو أخبرته بشيء من العلم افتتن، قال ابن مسعود: «إنك لن تحدث قومًا بحدث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»، وقال علي: «حدثوا الناس بما يعرفون»، فيحدث كل أحد حسب مقدرته وفهمه وعقله.
* الحادية والعشرون: تواضعه لكروب الحمار مع الإرداف عليه. النبي أشرف الخلق جاهًا، ومع ذلك هو أشد الناس تواضعًا. حيث ركب الحمار وأردف عليه، وهذا في غاية التواضع؛ إذ إن عادة الكبراء عدم الإرداف، وركب الحمار، ولو شاء لركب ما أراد، ولا منقصة في ذلك؛ إذ إن من توضع لله- عز وجل- رفعه.
* الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة. وذلك أن النبي أردف معاذًا، لكن يشترط للإرداف أن لا يشق على الدابة، فإن شق؛ لم يجز ذلك.
الثالثة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة. الرابعة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل.
* الثالثة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة. حيث أخبر النبي معاذًا، وجعلها من الأمور التي يبشر بها.
* الرابعة والعشرون: فضيلة معاذ رضي الله عنه. وذلك أن النبي خصه بهذا العلم، وأردفه معه على الحمار.
.باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب:

سبق أن ذكر المؤلف كتاب التوحيد؛ أي: وجوب التوحيد، وأنه لا بد منه، وأن معنى قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]: أن العبادة لا تصح إلا بالتوحيد.
وهنا ذكر المؤلف فضل التوحيد، ولا يلزم من ثبوت الفضل للشيء أن يكون غير واجب، بل الفضل من نتائجه وآثاره.
ومن ذلك صلاة الجماعة ثبت فضلها بقوله: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». متفق عليه.
ولا يلزم من ثبوت الفضل فيها أن تكون غير واجبة؛ إذ إن التوحيد أوجب الواجبات، ولا تقبل الأعمال إلا به، ولا يتقرب العبد إلى ربه إلا به، ومع ذلك؛ ففيه فضل.
قوله: (وما يكفر من الذنوب). معطوف على (فضل)؛ فيكون المعنى: باب فضل التوحيد، وباب ما يكفر من الذنوب، وعلى هذا؛ فالعائد محذوف والتقدير ما يكفره من الذنوب، وعقد هذا الباب لأمرين:
الأول: بيان فضل التوحيد.
الثاني: بيان ما يكفره من الذنوب، لأن من آثار فضل التوحيد تكفير الذنوب.
فمن فوائد التوحيد:
1- أنه أكبر دعامة للرغبة في الطاعة؛ لأن الموحد يعمل لله- سبحانه وتعالى-؛ وعليه، فهو يعمل سرًا وعلانية، أما غير الموحد؛ كالمرائي مثلًا، فإنه يتصدق ويصلى، ويذكر الله إذا كان عنده من يراه فقط، ولهذا قال بعض السلف: (إني لأود أن أتقرب إلى الله بطاعة لا يعلمها إلا هو).
2- أن الموحدين لهم الأمن وهم مهتدون؛ كما قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82].
وقول الله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} الآية [الأنعام: 82].
قوله: {لم يلبسوا}، أي: يخلطوا.
قوله: {بظلمٍ}، الظلم هنا ما يقابل الإيمان، وهو الشرك، ولما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي: «ليس الأمر كما تظنون، إنما المراد به الشرك، ألم تسمعوا إلى قول الرجل الصالح- يعني لقمان-: {إن الشرك لظلمٌ عظيم}».
* والظلم أنواع:
1- أظلم الظلم، وهو الشرك في حق الله.
2- ظلم الإنسان نفسه؛ فلا يعطيها حقها، مثل أن يصوم فلا يفطر، ويقوم فلا ينام.
3- ظلم الإنسان غيره، مثل أن يتعدى على شخص بالضرب، أو القتل، أو أخذ مال، أو ما أشبه ذلك.
وإذا انتفى الظلم، حصل الأمن، لكن هل هو أمنٌ كامل؟
الجواب: أنه إن كان الإيمان كاملًا لم يخالطه معصيةٌ؛ فالأمن أمنٌ مطلق، أي كامل، وإذا كان الإيمان مطلق إيمانٍ- غير كامل-؛ فله مطلق الأمن؛ أي: أمن ناقص.
مثال ذلك: مرتكب الكبيرة، أمنٌ من الخلود في النار، وغير آمن من العذاب، بل هو تحت المشيئة، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 116].
وهذه الآية قالها الله تعالى حكمًا بين إبراهيم وقومه حين قال لهم: {وكيف أخاف ما أشركتم} إلى قوله: {إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 81-82]؛ فقال الله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} الآية [الأنعام: 82]، على أنه قد يقول قائلٌ: إنها من كلام إبراهيم ليبين لقومه، ولهذا قال بعدها: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام 83].
قوله: {الأمن}، أل فيها للجنس، ولهذا فسرنا الأمن بأنه إما أمن مطلق، وإما مطلق أمن حسب الظلم الذي تلبس به.
قوله: {وهم مهتدون}، أي: في الدنيا إلى شرع الله بالعلم والعمل؛ فالاهتداء بالعلم هداية الإرشاد كما قال الله تعالى في أصحاب الجحيم: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصافات: 42].
والاهتداء بالعمل: هداية توفيق، وهم مهتدون في الآخرة إلى الجنة.
فهذه هداية الآخرة، وهي للذين ظلموا إلى صراط الجحيم؛ فيكون مقابلها أن الذين آمنوا ولم يظلموا يهدون إلى صراط النعيم.
وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى: {أولئك لهم الأمن}: إن الأمن في الآخرة، والهداية في الدنيا، والصواب أنها عامةٌ بالنسبة للأمن والهداية في الدنيا والآخرة.
مناسبة الآية للترجمة:
أن الله أثبت الأمن لمن لم يشرك، والذي لم يشرك يكون موحدا؛ فدل على أن من فضائل التوحيد استقرار الأمن.
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» أخرجاه.
قوله: (من شهد أن لا اله إلا الله)، الشهادة لا تكون إلا عن علم سابق، قال تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86]، وهذا العلم قد يكون مكتسبًا وقد يكون غريزيًّا.
فالعلم بأنه لا إله إلا الله غريزيٌ، قال: «كل مولودٍ يولد على الفطرة». وقد يكون مكتسبًا، وذلك بتدبر آيات الله، والتفكر فيها.
ولابد أن يوجد العلم بلا إله إلا الله ثم الشهادة بها.
قوله: (أنْ)، مخففة من الثقيلة، والنطق بأن مشددة خطأٌ، لأن المشددة لا يمكن حذف اسمها، والمخفّفة يمكن حذفه.
قوله: (لا إله)، أي: لا مألوه، وليس بمعنى لا آله، والمألوه: هو المعبود محبةً وتعظيمًا، تحبه وتعظمه لما تعلم من صفاته العظيمة وأفعاله الجليلة.
قوله: (إلا الله)، أي: لا مألوه إلا الله، ولهذا حكي عن قريش قولهم: {أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيءٌ عجابٌ} [ص: 5].
أما قوله تعالى: {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء} [هود: 101]، فهذا التأله باطل؛ لأنه بغير حق، فهو منفيٌ شرعًا، وإذا انتفى شرعًا؛ فهو كالمنتفي وقوعًا؛ فلا قرار له، {ومثل كلمة خبيثة كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثت من فوق الأرض ما لها قرار} [إبراهيم: 26].
وبهذا يحصل الجمع بين قوله تعالى: {فما أغنت عنهم آلهتهم} [هود: 101]، وقوله تعالى حكايةً عن قريش: {أجعل الآلهة إلهًا واحدًا} [ص: 5]، وبين قوله تعالى: {وما من إله إلا الله} [آل عمران: 62]؛ فهذه الآلهة مجرد أسماء لا معاني لها ولا حقيقة؛ إذ هي باطلة شرعًا، لا تستحق أن تسمى آلهة؛ لأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تخلق ولا ترزق؛ كما قال تعالى: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} [يوسف: 40].
* التوحيد عند المتكلمين:
يقولون: إن معنى إله: آله، والآله: القادر على الاختراع؛ فيكون معنى لا إله إلا الله: لا قادر على الاختراع إلا الله.
والتوحيد عندهم: أن توحد الله، فتقول: هو واحد في ذاته، لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا شبيه له، ولو كان هذا معنى لا إله إلا الله؛ لما أنكرت قريش على النبي دعوته ولآمنت به وصدقت؛ لأن قريشًا تقول: لا خالق إلا الله، ولا خالق أبلغ من كلمة لا قادر، لأن القادر قد يفعل وقد لا يفعل، أما الخالق؛ فقد فعل وحقق بقدرة منه، فصار فهم المشركين خيرًا من فهم هؤلاء المتكلمين والمنتسبين للإسلام؛ فالتوحيد الذي جاءت به الرسل في قوله تعالى: {ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59]؛ أي من إله حقيقي يستحق أن يعبد، وهو الله.
ومن المؤسف أنه يوجد كثير من الكتاب الآن الذين يكتبون في هذه الأبواب تجدهم عندما يتكلمون على التوحيد لا يقررون أكثر من توحيد الربوبية، وهذا غلط ونقص عظيم، ويجب أن نغرس في قلوب المسلمين توحيد الألوهية أكثر من توحيد الربوبية، لأن توحيد الربوبية لم ينكره أحد إنكارًا حقيقيًّا، فكوننا لا نقرر إلا هذا الأمر الفطري المعلوم بالعقل، ونسكت عن الأمر الذي يغلب فيه الهوى هو نقص عظيم، فعبادة غير الله هي التي يسيطر فيها هوى الإنسان على نفسه حتى يصرفه عن عبادة الله وحده، فيعبد الأولياء ويعبد هواه، حتى جعل النبي الذي همه الدرهم والدينار ونحوهما عابدًا، وقال الله- عز وجل-: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23].
فالمعاصي من حيث المعنى العام أو الجنس العام يمكن أن نعتبرها من الشرك. وأما بالمعنى الأخص؛ فتنقسم إلى أنواع:
1- شرك أكبر.
2- شرك أصغر.
3- معصية كبيرة.
4- معصية صغيرة.
وهذه المعاصي منها ما يتعلق بحق الله، ومنها ما يتعلق بحق الإنسان نفسه، ومنها ما يتعلق بحق الخلق.
وتحقيق لا إله إلا الله أمر في غاية الصعوبة، ولهذا قال بعض السلف: (كل معصية، فهي نوع من الشرك).
وقال بعض السلف: (ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص)، ولا يعرف هذا إلا المؤمن، أما غير المؤمن؛ فلا يجاهد نفسه على الإخلاص، ولهذا قيل لابن عباس: (إنّ اليهود يقولون: نحن لا نوسوس في الصلاة. قال: فما يصنع الشيطان بقلبٍ خرب؟!)؛ فالشيطان لا يأتي ليخرّب المهدوم، ولكن يأتي ليخرّب المعمور.
ولهذا لما شُكي إلى النبي أن الرجل يجد في نفسه ما يستعظم أن يتكلم به؛ قال: «وجدتم ذلك؟». قالوا: نعم. قال: «ذاك صريح الإيمان»؛ أي: أن ذاك هو العلامة البينة على أنّ إيمانكم صريح لأنّه ورد عليه، ولا يرد إلا على قلب صحيح خالص.
قوله: «من شهد أن لا إله إلا الله»، من: شرطية، وجواب الشرط: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».
والشهادة: هي الاعتراف باللسان، والاعتقاد بالقلب، والتصديق بالجوارح، ولهذا لما قال المنافقون للرسول: {نشهد إنّك لرسول الله} [المنافقون: 1] وهذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: الشهادة، وإن، واللام، كذبهم الله بقوله: {والله يعلم إنّك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1]؛ فلم ينفعهم هذا الإقرار باللسان لأنه خالٍ من الاعتقاد بالقلب، وخالٍ من التصديق بالعمل، فلم ينفع؛ فلا تتحقق الشهادة إلا بعقيدة في القلب، واعتراف باللسان، وتصديق بالعمل.
وقوله: (لا إله إلا الله)، أي: لا معبود على وجه يستحق أن يعبد إلا الله، وهذه الأصنام التي تعبد لا تستحق العبادة؛ لأنه ليس فيها من خصائص الألوهية شيء.
قوله: (وحده لا شريك له)، وحده: توكيد للإثبات، لا شريك له: توكيد للنفي في كل ما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
ولهذا كان النبي وغيره من المؤمنين يلجؤون إلى الله تعالى عند الشدائد؛ فقد جاء أعرابي إلى النبي وعنده أصحابه، وقد علق سيفه على شجرة فاخترطه الأعرابي، وقال: من يمنعك مني؟ قال: «يمنعني الله»، ولم يقل أصحابي، وهذا هو تحقيق توحيد الربوبية؛ لأن الله هو الذين يملك النفع، والضر، والخلق، والتدبير، والتصرف في الملك؛ إذ لا شريك له فيما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
وقولنا فيما يختص به حتى نسلم من شبهات كثيرة، منها شبهات النّافين للصفات؛ لأن النّافين للصفات زعموا أن إثبات الصفات إشراك بالله- عز وجل-، حيث قالوا: يلزم من ذلك التمثيل، لكننا نقول: للخالق صفات تختص به، وللمخلوق صفات تختص به.
قوله: (وأنّ محمدًا)، محمد: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، القرشي، الهاشمي، خاتم النبيين.
وقوله: (عبده)؛ أي: ليس شريكًا مع الله.
وقوله: (ورسوله)؛ أي: المبعوث بما أوحى إليه، فليس كاذبًا على الله.
فالرسول عبدٌ مربوب، جميع خصائص البشرية تلحقه ما عدا شيئًا واحدًا، وهو ما يعود إلى أسافل الأخلاق؛ فهو منزه معصوم منه، قال تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله} [الإعراف: 188]، وقال تعالى: {قل إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدًا} [الجن: 21-22].
فهو بشر مثلنا؛ إلا أنه يوحى إليه، قال تعال: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد} [فصلت: 6].
ومن قال: إن الرسول ليس له ظل، أو أن نوره يطفئ ظله إذا مشى في الشمس؛ فكله كذب باطل، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «كنت أمد رجلي بين يديه، وتعتذر بأن البيوت ليس فيها مصابيح»، فلو كان النبي له نور؛ لم تعتذر رضي الله عنها، ولكنه الغلو الذي أفسد الدين والدنيا، والعياذ بالله.
ومن الغلو قول البوصيري في (البردة) المشهورة:
يا أكرمَ الخلْقِ مالي مَن ألوذُ به ** سواك عند حدوثِ الحادثِ العَمم

إن لم تكن آخذًا يوم المعاد يدي ** عفوًا وإلا فقل يا زلة القدم

فإن مِن جودك الدنيا وضَرتها ** ومن علومك علم اللوح والقلم

قال ابن رجب وغيره: إنه لم يترك لله شيئًا ما دامت الدنيا والآخرة من جود الرسول.
ونشهد أن من يقول هذا؛ ما شهد أن محمدًا عبد الله، بل شهد أن محمدًا فوق الله! كيف يصل بهم الغلو إلى هذا الحد؟!
وهذا الغلو فوق غلو النصارى الذين قالوا: إن المسيح ابن الله، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة.
هم قالوا فوق ذلك، قالوا: إن الله يقول: «من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وأنا مع عبدي إذا ذكرني»، والرسول معنا إذا ذكرناه، ولهذا كان أولئك الغلاة ليلة المولد إذا تلى التالي (المخرّف) كلمة المصطفى قاموا جميعًا قيام رجل واحد، يقولون: لأن الرسول حضر مجلسنا بنفسه، فقمنا إجلالًا له، والصحابة رضي الله عنهم أشدّ إجلالًا منهم ومنا، ومع ذلك إذا دخل عليهم الرسول وهو حيٌ يكلمهم لا يقومون له، وهؤلاء يقومون إذا تخيلوا أو جاءهم شبح إن كانوا يشاهدون شيئًا، فانظر كيف بلغت بهم عقولهم إلى هذا الحد! فهؤلاء ما شهدوا أن محمدًا عبد الله ورسوله، وهؤلاء المخرفون مساكين، إن نظرنا غليهم بعين القدر؛ فنرق لهم، ونسأل الله لهم السلامة والعافية، وإن نظرنا إليهم بعين الشرع؛ فإننا يجب أن ننابذهم بالحجة حتى يعودوا إلى الصراط المستقيم، والرسول أشد الناس عبودية لله، أخشاهم لله، وأتقاهم لله، قام يصلي حتى تورمت قدماه، وقيل له في ذلك؛ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، هذا تحقيق العبادة العظيمة.
أما الرسالة؛ فهو رسول أرسله الله- عزوجل- بأعظم شريعة إلى جميع الخلق، فبلغها غاية البلاغ، مع أنه أوذي وقوتل، حتى إنهم جاؤوا بسلا الجزور وهو ساجد عند الكعبة ووضعوه على ظهره، كل ذلك كراهيةً له ولما جاء به، ومع ذلك صبر، يلقون الأذى والأنتان والأقذار على عتبة بابه، لكن هذا للنبي الكريم امتحان من الله- عز وجل-؛ لأجل أن يتبين صبره وفضله، يخرج ويقول: «أي جوار هذا يا بني عبد مناف؟»، فصبر؛ حتى فتح الله عليه، وأنذر أم القرى ومن حولها، ثم إنه حمل هذه الشريعة من بعده أشد الناس أمانةً وأقواهم على الاتباع؛ الصحابة رضي الله عنهم، وأدوها إلى الأمة نقيّة سليمة، ولله الحمد.
ونحب الرسول لله وفي الله؛ فحب الرسول من حبّ الله، ونقدمه على أنفسنا وأهلنا وأولادنا والناس أجمعين، وأحببناه من أجل أنه رسول الله.
ونحقق شهادة أن محمدًا رسول الله، وذلك بأن نعتقد ذلك بقلوبنا، ونعترف به بألسنتنا، ونطبق ذلك في متابعته بجوار حنا، فنعمل بهديه، ولا نعمل له.
أما ما ينقض تحقيق هذه الشهادة، فهو:
1- فعل المعاصي؛ فالمعصية نقص في تحقيق هذه الشهادة؛ لأنك خرجت بمعصيتك من اتباع النبي.
2- الابتداع في الدين ما ليس منه؛ لأنك تقربت إلى الله بما لم يشرعه الله ولا رسوله، والابتداع في الدين في الحقيقة من الاستهزاء بالله، لأنك تقرّبت إليه بشيء لم يشرعه.
فإن قال قائل: أنا نويت التقرب إلى الله بهذا العمل الذي أبتدعه.
قيل له: أنت أخطأت الطريق؛ فتعذر على نيتك، ولا تعذر على مخالفة الطريق متى علمت الحق.
فالمبتدعون قد يقال: إنهم يثابون على حسن نيتهم إذا كانوا لا يعلمون الحق، ولكننا نخطّئهم فيما ذهبوا إليه، أما أئمتهم الذين علموا الحق، ولكن ردّوه ليبقوا جاههم؛ ففيهم شبه بأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة، وغيرهم الذين قابلوا رسالة النبي بالرد إبقاءً على رئاستهم وجاههم.
أما بالنسبة لأتباع هؤلاء الأئمة؛ فينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: الذين جهلوا الحق، فلم يعلموا عنه شيئًا، ولم يحصل منهم تقصير في طلبه، حيث ظنّوا أن ما هم عليه هو الحق؛ فهؤلاء معذورون.
القسم الثاني: من علموا الحق، ولكنهم ردّوه تعصّبًا لأئمتهم؛ فهؤلاء لا يعذرون، وهم كمن قال الله فيهم: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مهتدون} [الزخرف: 22].
قوله: «وإن عيسى عبد الله ورسوله»، الكلام فيها كالكلام في شهادة أن محمدًا رسول الله، إلا أننا نؤمن برسالة عيسى، ولا يلزمنا اتباعه إذا خالفت شريعته شريعتنا.
فشريعة من قبلنا لها ثلاث حالات:
الأولى: أن تكون مخالفة لشريعتنا؛ فالعمل على شرعنا.
الثانية: أن تكون موافقة لشريعتنا؛ فنحن متبعون لشريعتنا.
الثالثة: أن يكون مسكوتًا عنها في شريعتنا، وفى هذه الحال اختلف علماء الأصول: هل نعمل بها، أو ندعها؟
والصحيح أنها شرع لنا، ودليل ذلك:
1- قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90].
2- قوله تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب} [يوسف: 111].
وقد تطرّف في عيسى طائفتان:
الأولى: اليهود كذبوه، فقالوا: بأنه ولد زنى، وأنّ أمه من البغايا، وأنه ليس بنبي، وقتلوه شرعًا؛ أي: محكوم عليهم عند الله أنهم قتلوه في حكم الله الشرعي؛ لقوله تعالى عنهم: {إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم} [النساء: 157]، وأما بالنسبة لحكم الله القدري؛ فقد كذبوا، وما قتلوه يقينًا، بل رفعه الله إليه، ولكن شبه لهم، فقتلوا المشبّه لهم وصلبوه.
الثانية: النصارى قالوا: إنه ابن الله، وإنه ثالث ثلاثة، وجعلوه إلهًا مع الله، وكذبوا فيما قالوا.
أما عقيدتنا نحن فيه: فنشهد أنه عبد الله ورسوله، وأن أمه صديقة؛ كما أخبر الله تعالى بذلك، وأنها أحصنت فرجها، وأنّها عذراء، ولكن مثله عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له: كن؛ فيكون.
وفي قوله: (عبد الله)، رد على النصارى.
وفي قوله: (ورسوله)، رد على اليهود.
قوله: (وكلمته ألقاها إلى مريم)، أطلق الله عليه كلمة؛ لأنه خلق بالكلمة عليه السلام؛ فالحديث ليس على ظاهره؛ إذ عيسى عليه السلام ليس كلمة؛ لأنه يأكل، ويشرب، ويبول، ويتغوط، وتجري عليه جميع الأحوال البشرية، قال الله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59].
وعيسى عليه السلام ليس كلمة الله؛ إذ إن كلام الله وصف قائم به، لا بائن منه، أما عيسى؛ فهو ذات بائنة عن الله- سبحانه-، يذهب ويجيء، ويأكل الطعام ويشرب.
قوله: {ألقاها إلى مريم}، أي: وجّهها إليها بقوله: {كن فيكون}؛ كما قال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59].
ومريم ابنة عمران ليست أخت موسى وهارون عليهما السلام كما يظنه بعض الناس، ولكن كما قال الرسول كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، فهارون أخو مريم، ليس هارون أخا موسى، بل هو آخر يسمى باسمه، وكذلك عمران سمي باسم أبي موسى.
قوله: (وروح منه)، أي: صار جسده عليه السلام بالكلمة، فنفخت فيه هذه الروح التي هي من الله؛ أي: خلق من مخلوقاته أضيفت إليه تعالى للتشريف والتكريم.
وعيسى عليه السلام ليس روحًا، بل جسد ذو روح، قال الله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75].
فبالنفخ صار جسدًا، وبالروح صار جسدًا وروحًا.
قوله: (منه)، هذه هي التي أضلّت النصارى، فظنوا أنه جزء من الله، فضلوا وأضلوا كثيرًا، ولكننا نقول: إن الله قد أعمى بصائركم؛ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور؛ فمن المعلوم أن عيسى عليه السلام كان يأكل الطعام، وهذا شيء معروف، ومن المعلوم أيضًا أن اليهود يقولون: إنهم صلبوه، وهل يمكن لمن كان جزءًا من الرب أن ينفصل عن الرب ويأكل ويشرب ويدّعى أنه قتل وصلب؟
وعلى هذا تكون (من) للابتداء، وليس للتبعيض؛ فهي كقوله تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه} [الجاثية: 13]؛ فلا يمكن أن نقول: إن الشمس والقمر والأنهار جزء من الله، وهذا لم يقل به أحد.
فقوله: (منه)؛ أي: روح صادرة من الله- عز وجل-، وليست جزءً من الله كما تزعم النصارى.
وأعلم أن ما أضافه الله إلى نفسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: العين القائمة بنفسها، وإضافتها إليه من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وهذه الإضافة قد تكون على سبيل عموم الخلق؛ كقوله تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه} [الجاثية: 13]، وقوله تعالى: {إن أرضي واسعة} [العنكبوت: 56].
وقد تكون على سبيل الخصوص لشرفه، كقوله تعالى: {وطهر بيتي للطائفين} [الحج: 26]، وكقوله تعالى: {ناقة الله وسقياها} [الشمس: 13]، وهذا القسم مخلوق.
الثاني: أن يكون شيئًا مضافًا إلى عين مخلوقة يقوم بها، مثاله قوله تعالى: {وروح منه} [النساء: 171]؛ فإضافة هذه الروح إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفًا؛ فهي روح من الأرواح التي خلقها الله، وليست جزءً أو روحًا من الله؛ إذ أنّ هذه الروح حلت في عيسى عليه السلام، وهو عين منفصلة عن الله، وهذا القسم مخلوق أيضًا.
الثالث: أن يكون وصفًا غير مضاف إلى عين مخلوقة، مثال ذلك قوله تعالى: {إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: 144]، فالرسالة والكلام أضيفا إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فإذا أضاف الله لنفسه صفة؛ فهذه الصفة غير مخلوقة، وبهذا يتبين أن هذه الأقسام الثلاثة: قسمان منها مخلوقان، وقسم غير مخلوق.
فالأعيان القائمة بنفسها والمتصل بهذه الأعيان مخلوقة، والوصف الذي لم يذكر له عين يقوم بها غير مخلوق؛ لأنه يكون من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة.
وقد اجتمع القسمان في قوله: (كلمته، وروح منه)؛ فكلمته هذه وصف مضاف إلى الله، وعلى هذا، فتكون كلمته صفة من صفات الله.
وروح منه: هذه أضيفت إلى عين، لأن الروح حلت في عيسى، فهي مخلوقة.
قوله: «أدخله الله الجنة» إدخال الجنة ينقسم إلى قسمين:
الأول: إدخال كامل لم يسبق بعذاب لمن أتمّ العمل.
الثاني: إدخال ناقص مسبوق بعذاب لمن نقص العمل.
فالمؤمن إذا غلبت سيئاته حسناته إن شاء الله عذّبه بقدر عمله، وإن شاء لم يعذّبه، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 116].
ولهما في حديث عتبان: فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله.
قوله: (عتبان)، هو عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه، كان يصلي بقومه، فضعف بصره، وشق عليه الذهاب إليهم، فطلب من النبي أن يخرج إليه وأن يصلي في مكان من بيته ليتخذه مصلى، فخرج إليه النبي ومعه طائفة من أصحابه، منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما دخل البيت، قال: «أين تريد أن أصلي؟». قال: صل ها هنا. وأشار إلى ناحية من البيت، فصلى بهم النبي ركعتين، ثم جلس على طعام صنعوه له، فجعلوا يتذاكرون، فذكروا رجلًا يقال له: مالك بن الدُّخْشُم، فقال بعضهم: هو منافق. فقال رسول الله: «لا تقل هكذا؛ أليس قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله؟!». ثم قال: «فإن الله حرم على النار...» الحديث.
فنهاهم أن يقولوا هكذا، لأنهم لا يدرون عما في قلبه؛ لأنه يشهد أن لا إله إلا الله، وهنا الرسول قال هكذا، ولم يبرئ الرجل، إنّما أتى بعبارة عامة بأن الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، ونهى أن نطلق ألسنتنا في عباد الله الذي ظاهرهم الصلاح، ونقول: هذا مراء، هذا فاسق، وما أشبه ذلك؛ لأننا لو أخذنا بما نظن فسدت الدنيا والآخرة؛ فكثير من الناس نظن بهم سوءً، ولكن لا يجوز أن نقول ذلك وظاهرهم الصلاح، ولهذا قال العلماء: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة.
قوله: (فإن الله حرم على النار)، أي: منع من النار، أو منع النار أن تصيبه.
قوله: (من قال: لا إله إلا الله)، أي: بشرط الإخلاص، بدليل قوله: (يبتغي بذلك وجه الله)، أي: يطلب وجه الله، ومن طلب وجهًا؛ فلا بد أن يعمل كل ما في وسعه للوصول إليه؛ لأن مبتغي الشيء يسعى في الوصول إليه، وعليه؛ فلا نحتاج إلى قول الزهري رحمه الله بعد أن ساق الحديث؛ كما في (صحيح مسلم)، حيث قال: (ثم وجبت بعد ذلك أمور، وحُرّمت أمور؛ فلا يغتر مغترٌ بهذا)؛ فالحديث واضح الدلالة على شرطية العمل لمن قال: لا إله إلا الله، حيث قال: «يبتغي بذلك وجه الله»، ولهذا قال بعض السلف عن قول النبي: «مفتاح الجنة: لا إله إلا الله»، لكن من أتى بمفتاح لا أسنان له لا يفتح له.
قال شيخ الإسلام: إنّ المبتغي لا بد أن يكمّل وسائل البغية، وإذا أكملها حرمت عليه النار تحريمًا مطلقًا، وإن أتى بالحسنات على الوجه الأكمل؛ فإنّ النار تحرم عليه تحريمًا مطلقًا، وإن أتى بشيء ناقص، فإن الابتغاء فيه نقص، فيكون تحريم النار عليه فيه نقص، لكن يمنعه ما معه من التوحيد من الخلود في النار، وكذا من زنى، أو شرب الخمر، أو سرق، فإذا فعل شيئًا من ذلك ثم قال حين فعله: أشهد أن لا إله إلا الله ابتغي بذلك وجه الله؛ فهو كاذب في زعمه؛ لأن النبي قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، فضلًا عن أن يكون مبتغيًا وجه الله.
وفي الحديث ردٌّ على المرجئة الذين يقولون: يكفي قول: لا إله إلا الله، دون ابتغاء وجه الله.
وفيه ردٌّ على الخوارج والمعتزلة؛ لأن ظاهر الحديث أن من فعل هذه المحرمات لا يخلد في النار، لكنه مستحق للعقوبة، وهم يقولون: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار.
وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله؛ قال: «قال موسى عليه السلام: يارب! علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يارب! كل عبادك يقولون هذا؟».
قوله: (أذكرك وأدعوك به)، صفة لشيء، وليست جواب الطلب؛ فموسى عليه السلام طلب شيئًا يحصل به أمران:
1- ذكر الله.
2- دعاؤه.
فأجابه الله بقوله: (قل لا إله إلا الله)، وهذه الجملة ذكر متضمن للدعاء؛ لأن الذاكر يريد رضا الله عنه، والوصول إلى دار كرامته إذًا؛ فهو متضمن للدعاء، قال الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ** حباؤك إن شيمتك الحباء.

يعني: عطاؤك.
واستشهد ابن عباس على أن الذكر بمعنى الدعاء بقول الشاعر:
إذا أثنى عليك العبد يومًا ** كفاه من تعرضه الثناء

قوله: (كل عبادك يقولون هذا)، ليس المعنى أنها كلمة هينة كلٌّ يقولها؛ لأنّ موسى عليه الصلاة والسلام يعلم عظَم هذه الكلمة، ولكنه أراد شيئًا يختص به؛ لأن تخصيص الإنسان بالأمر يدل على منقبة له ورفعة؛ فبين الله لموسى أنه مهما أعطي فلن يعطى أفضل من هذه الكلمة، وأنّ لا إله إلا الله أعظم من السماوات والأرض وما فيهن؛ لأنها تميل بهن وترجح، فدل ذلك على فضل لا إله إلا الله وعظَمها، لكن لابد من الإتيان بشروطها، أما مجرد أن يقولها القائل بلسانه؛ فكم من إنسان يقولها لكنها عنده كالريشة لا تساوي شيئًا؛ لأنّه لم يقلها على الوجه الذي تمت به الشروط وانتفت به الموانع.
قال: «يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة و: (لا إله إلا الله) في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله» رواه ابن حبان والحاكم وصححه.
قوله: (والأرضين السبع)، في بعض النسخ بالرفع، وهذا لا يصلح؛ لأنه إذا عطف على اسم أنّ قبل استكمال الخبر وجب النصب.
قوله: (مالت)، أي: رجحت حتى يملن.
قوله: (عامرهن)، أي: ساكنهن، فالعامر للشيء هو الذي عمر به الشيء.
قوله: (غيري)، استثنى نفسه تبارك وتعالى؛ لأن قول لا إله إلا الله ثناء عليه، والمثنى عليه أعظم من الثناء، وهنا يجب أن تعرف أن كون الله تعالى في السماء ليس ككون الملائكة في السماء؛ فكون الملائكة في السماء كون حاجي، فهم ساكنون في السماء؛ لأنهم محتاجون إلى السماء، لكن الرب تبارك وتعالى ليس محتاجًا إليها، بل إن السماء وغير السماء محتاج إلى الله تعالى؛ فلا يظن ظانٌّ أن السماء تقل الله أو تظله أو تحيط به، وعليه؛ فالسماوات باعتبار الملائكة أمكنة مقلة للملائكة، وما فوقهم منها مظل لهم، أما بالنسبة لله؛ فهي جهة لأن الله تعالى مستوٍ على عرشه، لا يقله شيء من خلقه.
وللترمذي وحسنه عن أنسٍ: سمعت رسول الله؛ يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك به شيئًا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة».
قوله: «قال الله تعالى: يا ابن آدم...» إلخ.
هذا من الأحاديث القدسية، والحديث القدسي: ما رواه النبي عن ربه، وقد أدخله المحدثون في الأحاديث النبوية؛ لأنه منسوب إلى النبي تبليغًا، وليس من القرآن بالإجماع، وإن كان كل واحد منهما قد بلغه النبي أمته عن الله- عز وجل-.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في لفظ الحديث القدسي: هل هو كلام الله تعالى، أو أن الله تعالى أوحى إلى رسوله معناه واللفظ لفظ رسول الله؟
على قولين:
القول الأول: أن الحديث القدسي من عند الله لفظه ومعناه؛ لأن النبي أضافه إلى الله تعالى، ومن المعلوم أن الأصل في القول المضاف أن يكون بلفظ قائله لا ناقله، لاسيما والنبي أقوى الناس أمانةً وأوثقهم روايةً.
القول الثاني: أن الحديث القدسي معناه من عند الله ولفظه لفظ النبي، وذلك لوجهين:
الوجه الأول: لو كان الحديث القدسي من عند الله لفظًا ومعنى؛ لكان أعلى سندًا من القرآن، لأن النبي يرويه عن ربه تعالى بدون واسطة؛ كما هو ظاهر السياق، أما القرآن، فنزل على النبي بواسطة جبريل؛ كما قال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك} [النحل: 102]، وقال: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} [الشعراء: 193-195].
الوجه الثاني: أنه لو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله، لم يكن بينه وبين القرآن فرق؛ لأن كليهما على هذا التقدير كلام الله تعالى، والحكمة تقتضي تساويهما في الحكم حين اتفقا في الأصل، ومن المعلوم أن بين القرآن والحديث القدسي فروق كثيرة:
منها: أن الحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته، بمعنى أن الإنسان لا يتعبد لله تعالى بمجرد قراءته؛ فلا يثاب على كل حرف منه عشر حسنات، والقرآن يتعبد بتلاوته بكل حرف منه عشر حسنات.
ومنها: أن الله تعالى تحدى أن يأتي الناس بمثل القرآن أو آية منه، ولم يرد مثل ذلك في الأحاديث القدسية.
ومنها: أن القرآن محفوظ من عند الله تعالى؛ كما قال سبحانه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]، والأحاديث القدسية بخلاف ذلك؛ ففيها الصحيح والحسن، بل أضيف إليها ما كان ضعيفًا أو موضوعًا، وهذا وإن لم يكن منها لكن نسب إليها وفيها التقديم والتأخير والزيادة والنقص.
ومنها: أن القرآن لا تجوز قراءته بالمعنى بإجماع المسلمين، وأما الأحاديث القدسية، فعلى الخلاف في جواز نقل الحديث النبوي بالمعنى والأكثرون على جوازه.
ومنها: أن القرآن تشرع قراءته في الصلاة ومنه ما لا تصح الصلاة بدون قراءته، بخلاف الأحاديث القدسية.
ومنها: أن القرآن لا يمسه إلا طاهر على الأصح، بخلاف الأحاديث القدسية.
ومنها: أن القرآن لا يقرؤه الجنب حتى يغتسل على القول الراجح، بخلاف الأحاديث القدسية.
ومنها: أن القرآن ثبت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفًا أجمع القراء عليه؛ لكان كافرًا، بخلاف الأحاديث القدسية؛ فإنه لو أنكر شيئًا منها مدعيًا أنه لم يثبت؛ لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي قاله؛ لكان كافرًا لتكذيبه النبي.
وأجاب هؤلاء عن كون النبي أضافه إلى الله، والأصل في القول المضاف أن يكون لفظ قائله بالتسليم أن هذا هو الأصل، لكن قد يضاف إلى قائله معنىً لا لفظًا؛ كما في القرآن الكريم؛ فإن الله تعالى يضيف أقوالًا إلى قائليها، ونحن نعلم أنها أضيفت معنىً لا لفظًا، كما في (قصص الأنبياء) وغيرهم، وكلام الهدهد والنملة؛ فإنه بغير هذا اللفظ قطعًا.
وبهذا يتبين رجحان هذا القول، وليس الخلاف في هذا كالخلاف بين الأشاعرة وأهل السنة في كلام الله تعالى؛ لأن الخلاف بين هؤلاء في أصل كلام الله تعالى؛ فأهل السنة يقولون: كلام الله تعالى، لأن الخلاف بين هؤلاء في أصل كلام الله تعالى، فأهل السنة يقولون: كلام الله تعالى كلام حقيقي مسموع يتكلم سبحانه بصوت وحرف، والأشاعرة لا يثبتون ذلك، وإنما يقولون: كلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه وليس بحرف وصوت، وكلن الله تعالى يخلق صوتًا يعبر به عن المعنى القائم بنفسه، ولا شك في بطلان قولهم، وهو في الحقيقة قول المعتزلة، لأن المعتزلة يقولون: القرآن مخلوق، وهو كلام الله وهؤلاء يقولون: القرآن مخلوق، وهو عبارة عن كلام، فقد اتفق الجميع على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق.
ثم لو قيل في مسألتنا- الكلام في الحديث القدسي-: إن الأولى ترك الخوض في هذا؛ خوفًا من أن يكون من التنطع الهالك فاعله، والاقتصار على القول بأن الحديث القدسي ما رواه النبي عن ربه وكفى؛ لكان ذلك كافيًا، ولعله أسلم والله أعلم.
* (فائدة):
إذا انتهى سند الحديث إلى الله تعالى سمي (قدسيًّا)؛ لقدسيته وفضله، وإذا انتهى إلى الرسول سمي مرفوعًا، وإذا انتهى إلى الصحابي سمي موقوفًا، وإذا انتهى إلى التابعي فمن بعده سمي مقطوعًا.
قوله: (بقراب الأرض)، أي: ما يقاربها؛ إما ملئًا، أو ثقلًا، أو حجمًا.
قوله: (خطايا)، جمع خطيئة، وهي الذنب، والخطايا الذنوب، ولو كانت صغيرة؛ لقوله تعالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81].
قوله: (لا تشرك بي شيئًا) جملة (لا تشرك) في موضع نصب على الحال في التاء، أي: لقيتني في حال لا تشرك بي شيئًا.
قوله: (شيئًا) نكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي: لا شركًا أصغر ولا أكبر.
وهذا قيد عظيم قد يتهاون به الإنسان، ويقول: أنا غير مشرك وهو لا يدري؛ فحب المال مثلًا بحيث يلهي عن طاعة الله من الإشراك، قال النبي: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة....» الحديث. فسمى النبي من كان هذا همه سماه: عبدًا له.
قوله: (لأتيتك بقرابها مغفرة)، أي: أن حسنة التوحيد عظيمة تكفر الخطايا الكبيرة إذا لقي الله وهو لا يشرك به شيئًا، والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه.
* مناسبة الحديث للترجمة:
أن في هذا الحديث فضل التوحيد، وأنه سبب لتكفير الذنوب؛ فهو مطابق لقوله في الترجمة: (وما يكفر من الذنوب).
* فيه مسائل:
الأولى: سعة فضل الله. الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله. الثالثة: تكفيره مع ذلك الذنوب. الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام.
قوله: (فيه مسائل):
* الأولى: (سعة فضل الله)، لقوله: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».
* الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله، لقوله: «مالت بهن لا إله إلا الله».
* الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب، لقوله: «لأتيتك بقرابها مغفرة»؛ فالإنسان قد تغلبه نفسه أحيانًا؛ فيقع في الخطايا، لكنه مخلص لله في عبادته وطاعته؛ فحسنة التوحيد تكفر عنه الخطايا إذا لقي الله بها.
* الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالظلم}؛ فالظلم هنا الشّرك، لقوله: «ألم تسمعوا قول الرجل الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم}».
* الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة:
1، 2- الشهادتان.
3- أن عيسى عبد الله، ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه.
4- أن الجنة حق.
5- أن النار حق.
* السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان، وحديث أبي سعيد، وحديث أنس؛ تبين لك معنى قوله: لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين، لأنّه لا بد أن يبتغي بها وجه الله، وإذا كان كذلك؛ فلابد أن تحمل المرء على العمل الصالح.
* السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان، وهو أن يبتغي بقولها وجه الله، ولا يكفي مجرد القول؛ لأن المنافقين كانوا يقولونها ولم تنفعهم.
* الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله، فغيرهم من باب أولى.
التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرًا ممن يقولها بخف ميزانه. العاشرة: النص على أن الأرضين سبعٌ كالسماوات.
* التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرًا ممن يقولها يخف ميزانه، فالبلاء من القائل لا من القول؛ لأنه قد يكون اختل شرطٌ من الشروط؛ أو وجد مانع من الموانع؛ فإنها تخف بحسب ما عنده، أما القول نفسه؛ فيرجح بجميع المخلوقات.
* العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسماوات، لم يرد في القرآن تصريح بذلك، بل ورد صريحًا أن السماوات سبع بقوله تعالى: {قل من رب السماوات السبع} [المؤمنون: 86]، لكن بالنسبة للأرضين لم يرد إلا قوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12]؛ فالمثلية بالكيفية غير مرادة لظهور الفرق بين السماء والأرض في الهيئة، والكيفية، والارتفاع، والحسن؛ فبقيت المثلية في العدد.
أما السنة؛ فهي صريحة جدًّا بأنها سبع؛ مثل قوله: «من اقتطع شبرًا من الأرض؛ طوقه يوم القيامة من سبع أرضين».
وقد اختلف في قوله: {من سبع أرضين}؛ كيف تكون سبعًا؟
فقيل: المراد: القارات السبع، وهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا يمتنع بالنسبة لقوله: «طوقه من سبع أرضين»، وقيل: المراد المجموعة الشمسية، لكن ظاهر النصوص أنها طباق كالسماوات، وليس لنا أن نقول إلا ما جاء في الكتاب والسنة عن هذه الأرضين؛ لأننا لا نعرفها.
* الحادية عشرة: أن لهن عمارًا، أي: السماوات، وعمارهن الملائكة.
* الثانية عشرة: إثبات الصفات خلافًا للأشعرية، وفي بعض النسخ خلافًا للمعطلة، وهذه أحسن؛ لأنها أعم، حيث تشمل الأشعرية والمعتزلة والجهمية وغيرهم؛ ففيه إثبات الوجه لله سبحانه بقوله: (يبتغي وجه الله)، وإثبات الكلام بقوله: (وكلمته ألقاها)، وإثبات القول في قوله: (قل لا إله إلا الله).
* الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس؛ عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» أن ترك الشرك. وفي بعض النسخ: إذا ترك الشرك. أي: أن قوله: «حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك (يعني: ترك الشرك)»، وليس مجرد قولها باللسان؛ لأن من ابتغى وجه الله في هذا القول لا يمكن أن يشرك أبدًا.
* الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون كل من عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه. عبدي: منصوب على أنه خبر كون؛ لأن كون مصدر كان وتعمل عملها.
وعيسى ومحمد: اسم كون.
وتأمل الجميع من وجهين:
الأول: أنه جمع لكل منهما بين العبودية والرسالة.
الثاني: أنه جمع بين الرجلين؛ فتبين أن عيسى مثل محمد، وأنه عبد ورسول، وليس ربًا ولا ابنًا للرب- سبحانه-.
وقول المؤلف: (تأمل)؛ لأنّ هذا يحتاج إلى تأمل.
الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله. السادسة عشرة: معرفة كونه روحًا منه. السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار. الثامنة عشرة: معرفة قوله: (على ما كان من العمل).
* الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله، أي: أن عيسى انفرد عن محمد في أصل الخلقة؛ فقد كان بكلمة، أما محمد؛ فقد خلق من ماء أبيه.
* السادسة عشرة: معرفة كونه روحًا منه، أي: أن عيسى روح من الله، و: (من) هنا بيانية أو للابتداء، وليست للتبعيض؛ أي: روح جاءت من قبل الله وليست بعضًا من الله، بل هي من جملة الأرواح المخلوقة.
* السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار، لقوله في حديث عبادة: «وأن الجنة حق، والنار حق»، والفضل أنه من أسباب دخول الجنة.
* الثامنة عشرة: معرفة قوله: «على ما كان من العمل»، أي: على ما كان من العمل الصالح ولو قل، أو على ما كان من العمل السيئ ولو كثر، بشرط أن لا يأتي بما ينافي التوحيد ويوجب الخلود في النار، لكن لا بد من العمل.
ولا يلزم استكمال العمل الصالح كما قالت المعتزلة والخوارج، ولم تذكر أركان الإسلام هنا؛ لأن منها ما يكفر الإنسان بتركه، ومنها ما لا يكفر، فإن الصحيح أنه لا يكفر إلا بترك الشهادتين والصلاة، وإن كان روي عن الإمام أحمد أن جميع أركان الإسلام يكفر بتركها، لكن الصحيح خلاف ذلك.
التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان.
العشرون: معرفة ذِكر الوجه.
* التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان، أخذها المؤلف من قوله: (لو أن السماوات.... إلخ، وضعت في كفّة ولا إله إلا الله في كفة)، والظاهر أن الذي في الحديث تمثيل، يعني أن قول: لا إله إلا الله أرجح من كل شيء، وليس في الحديث أن هذا الوزن في الآخرة، وكأن المؤلف رحمه الله حصل عنده انتقال ذهني؛ فانتقل ذهنه من هذا إلى ميزان الآخرة.
* العشرون: معرفة ذكر الوجه، يعني: وجه الله تعالى، وهو صفة من صفاته الخبرية الذاتية التي مسماها بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء؛ لأن من صفات الله تعالى ما هو معنى محض، ومنه ما مسماه بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء، ولا نقول بالنسبة لله تعالى أبعاض؛ لأننا نتحاشى كلمة التبعيض في جانب الله تعالى الله.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2014, 03:13 PM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
.باب من حقق التوحيد؛ دخل الجنة بغير حساب:

هذا الباب كالمتمم للباب الذي قبله؛ لأن الذي قبله: (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب)، فمن فضله هذا الفضل العظيم الذي يسعى إليه كل عاقل، وهو دخول الجنة بغير حساب.
قوله: (من)، شرطية، وفعل الشرط: (حقق)، وجوابه: (دخل)، قوله: (بلا حساب)؛ أي: لا يحاسب لا على المعاصي ولا على غيرها.
وتحقيق التوحيد: تخليصة من الشرك، ولا يكون إلا بأمور ثلاثة:
الأول: العلم؛ فلا يمكن أن تحقق شيئًا قبل أن تعلمه، قال الله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: 19].
الثاني: الاعتقاد، فإذا علمت ولم تعتقد واستكبرت؛ لم تحقق التوحيد، قال الله تعالى عن الكافرين: {أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب}. [ص:5]؛ فما اعتقدوا انفراد الله بالألوهية.
الثالث: الانقياد، فإذا علمت واعتقدت ولم تنقد؛ لم تحقق التوحيد، قال تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} [الصافات: 35-36].
فإذا حصل هذا وحقق التوحيد؛ فإن الجنة مضمونة له بغير حساب، ولا يحتاج أن نقول إن شاء الله؛ لأن هذا حكاية حكم ثابت شرعًا، ولهذا جزم المؤلف رحمه الله تعالى بذلك في الترجمة دون أن يقول: إن شاء الله.
أما بالنسبة للرجل المعين؛ فإننا نقول: إن شاء الله.
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين، ومناسبتهما للباب الإشارة إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا يكون إلا بانتفاء الشرك كله:
وقول الله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفًا ولم يك من المشركين} [النحل: 120].
* الآية الأولى: قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة} الآية.
قوله: {أمة}، أي: إمامًا، وقد سبق أن أمة تأتي في القرآن على أربعة أوجه، إمام، ودهر، وجماعة، ودين.
وقوله: {إن إبراهيم كان أمة}، هذا ثناء من الله- سبحانه وتعالى- على إبراهيم بأنه إمام متبوع؛ لأنه أحد الرسل الكرام من أولي العزم، ثم إنه قدوة في أعماله وأفعاله وجهاده؛ فإنه جاهد قومه وحصل منهم عليه ما حصل، وألقي في النار فصبر.
ثم ابتلاه الله- سبحانه وتعالى- بالأمر بذبح ابنه، وهو وحيده، وقد بلغ معه السعي (أي: شب وترعرع)؛ فليس كبيرًا قد طابت النفس منه، ولا صغيرًا لم تتعلق به النفس كثيرًا، فصار على منتهى تعلق النفس به.
ثم وفق إلى ابن بار مطيع لله، قال الله تعالى عنه: {قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} [الصافات: 102]، لم يحنث والده ويتمرد ويهرب، بل أراد من والده أن يوافق أمر ربه، وهذا من بره بأبيه وطاعته لمولاه سبحانه وتعالى، وانظر إلى هذه القوة العظيمة مع الاعتماد على الله في قوله: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين}.
فالسين في قوله: {ستجدني} تدل على التحقيق، وهو مع ذلك لم يعتمد على نفسه، بل استعان بالله في قوله: {إن شاء الله}.
وامتثلا جميعًا وأسلما، وانقادًا لله- عز وجل-، وتله للجبين؛ أي: على الجبين، أي جبهته؛ لأجل أن يذبحه وهو لا يرى وجهه، فجاء الفرج من الله تعالى: {وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين} [الصافات: 104-105]، ولا يصح ما ذكره بعضهم من أن السكين انقلبت، أو أن رقبته صارت حديدًا، ونحو ذلك.
قوله: {قانتًا}، القنوت: دوام الطاعة، والاستمرار فيها على كل حال؛ فهو مطيع لله، ثابت على طاعته، مديم لها في كل حال.
كما أن ابنه محمدًا يذكر الله على كل أحيانه: إن قام ذكر الله، وإن جلس ذكره، وإن نام، وإن أكل، وإن قضى حاجته ذكر الله؛ فهو قانت آناء الليل والنهار.
قوله: {حنيفًا}، أي: مائلًا عن الشرك، مجانبًا لكل ما يخالف الطاعة، فوصف بالإثبات والنفي، أي: بالوصفين الإيجابي والسلبي.
قوله: {ولم يك من المشركين}، تأكيد، أي لم يكن مشركًا طول حياته؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام معصومًا عن الشرك، مع أن قومه كانوا مشركين، فوصفه الله بامتناعه عن الشرك استمرارًا في قوله: {حنيفًا}، وابتداءً في قوله: {ولم يك من المشركين}، والدليل على ذلك: أن الله جعله إمامًا، ولا يجعل الله للناس إمامًا من لم يحقق التوحيد أبدًا.
ومن تأمل حال إبراهيم عليه السلام وما جرى عليه وجد أنه في غاية ما يكون من مراتب الصبر، وفى غاية ما يكون من مراتب اليقين؛ لأنه لا يصبر على هذه الأمور العظيمة إلا من أيقن بالثواب، فمن عنده شك أو تردد لا يصبر على هذا؛ لأن النفس لا تدع شيئًا إلا لما هو أحب إليها منه، ولا تحب شيئًا إلا ما ظنت فائدته، أو تيقنت.
ويجب أن نعلم أن ثناء الله على أحد من خلقه لا يقصد منه أن يصل إلينا الثناء فقط، لكن يقصد منه أمران هامان:
الأول: محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيرًا، كما أن من أثنى الله عليه شرًّا، فإننا نبغضه ونكرهه، فنحب إبراهيم عليه السلام؛ لأنه كان إمامًا حنيفًا قانتًا لله ولم يكن من المشركين، ونكره قومه؛ لأنهم كانوا ضالين، ونحب الملائكة وإن كانوا من غير جنسنا؛ لأنهم قائمون بأمر الله، ونكره الشياطين، لأنهم عاصون لله وأعداء لنا ولله، ونكره أتباع الشياطين؛ لأنهم عاصون لله أيضًا وأعداء لله ولنا.
الثاني: أن نقتدي به في هذه الصفات التي أثنى الله بها عليه؛ لأنها محل الثناء، ولنا من الثناء بقدر ما اقتدينا به فيها، قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف: 111]، وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} [الممتحنة: 4]، وقال تعالى: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} [الممتحنة:6].
وهذه مسألة مهمة؛ لأن الإنسان أحيانًا يغيب عن باله الغرض الأول، وهو محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيرًا، ولكن لا ينبغي أن يغيب؛ لأن الحب في الله، والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان.
* فائدة:
أبو إبراهيم مات على الكفر، والصواب الذي نعتقده أن اسمه آزر؛ كما قال الله تعال: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة} [الأنعام: 74]، وقال تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} [التوبة: 114]؛ لأنه قال: {سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًّا} [مريم: 47]، {فلما تبين له أنه عدو لله بترأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 1114]، وفي سورة إبراهيم قال: {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} [إبراهيم: 41]، ولكن فيما بعد تبرأ منه.
أما نوح؛ فقال: {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا وللمؤمنين والمؤمنات} [نوح: 28]، وهذا يدل على أن أبوي نوح كانا مؤمنين.
* فائدة أخرى:
قال الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل: المغازي، والملاحم، والتفسير؛ فهذه الغالب فيها أنها تذكر بدون إسناد، ولهذا؛ فإن المفسرين يذكرون قصة آدم، {فلما آتاهما صالحًا} [الأعراف: 190]، وقليل منهم من ينكر القصة المكذوبة في ذلك.
فالقاعدة إذًا: أنه لا أحد يعلم عن الأمم السابقة شيئًا إلا من طريق الوحي، قال تعالى: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله} [إبراهيم: 9].
وقال: {والذين هم بربهم لا يشركون} [المؤمنون: 59].
* الآية الثانية: قوله: {والذين هم بربهم لا يشركون}.
هذه الآية سبقها آية، وهي قوله: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} [المؤمنون: 57].
لكن المؤلف ذكر الشاهد. وقوله تعالى: {من خشية ربهم}؛ أي: من خوفهم منه على علم، و: {مشفقون}؛ أي: خائفون من عذابه إن خالفوه.
فالمعاصي بالمعنى الأعم- كما سبق- شرك؛ لأنها صادرة عن هوى مخالف للشرع، وقد قال الله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23].
أما بالنسبة للمعنى الأخص؛ فيقسمها العلماء قسمين:
1- شرك.
2- فسوق.
وقوله: {لا يشركون}، يراد به الشرك بالمعنى الأعم؛ إذ تحقيق التوحيد لا يكون إلا باجتناب الشرك بالمعنى الأعم، ولكن ليس معنى هذا ألا تقع منهم المعاصي؛ لأن كل ابن آدم خطاء، وليس بمعصوم، ولكن إذا عصوا؛ فإنهم بتوبون ولا يستمرون عليها؛ كما قال الله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} [آل عمران: 135].
وعن حصين بن عبد الرحمن؛ قال: كنت عند سعيد بن جبيرٍ، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي أنقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاةٍ.
قوله: (عن حصين بن عبد الرحمن؛ قال: كنت عند سعيد بن جبير).
وهما رجلان من التابعين ثقتان.
قوله: (انقض البارحة)، أي: سقط البارحة، والبارحة: أقرب ليلة مضت، وقال بعض أهل اللغة: تقول فعلنا الليلة كذا إن قلته قبل الزوال، وفعلنا البارحة كذا إن قلته بعد الزوال.
وفي عرفنا؛ فمن طلوع الشمس إلى الغروب نقول: البارحة لليلة الماضية، ومن غروب الشمس إلى طلوعها نقول: الليلة لليلة التي نحن فيها.
بل بعض العامة يتوسع متى قام من الليل قال: البارحة؛ وإن كان في ليلته.
قوله: (فقلت أنا)، أي: حصين.
قوله: (أما إني لم أكن في صلاة)، أما: أداة استفتاح، وقيل: إنها بمعنى حقًا، وعلى هذا؛ فتفتح همزة (إن)، فيقال: أما أني لم أكن في صلاة، أي حقًا لم أكن في صلاة.
وقال هذا رحمه الله لئلا يظن أنه قائم يصلي فيحمد بما لم يفعل، وهذا خلاف ما عليه بعضهم، يفرح أن الناس يتوهمون أنه يقوم يصلي، وهذا من نقص التوحيد.
وقول حصين رحمه الله ليس من باب المراءاة، بل هو من باب الحسنات، وليس كمن يترك الطاعات خوفًا من الرياء؛ لأن الشيطان قد يلعب على الإنسان، ويزيِّن له ترك الطاعة خشية الرياء، بل أفعل الطاعة، ولكن لا يكن في قلبك أنك ترائي الناس.
ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريده بن الحصيب؛ أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة.
قوله: (لدغت)، أي: لدغته عقرب أو غيرها، والظاهر أنها شديدة؛ لأنه لم ينم منها.
قوله: (ارتقيت)، أي: استرقيت؛ لأن افتعل مثل استفعل، وفي رواية مسلم: (استرقيت)؛ أيك طلبت الرقية.
قوله: (فما حملك على ذلك)، أي: قال سعيد: ما السبب أنك استرقيت.
قوله: (حديث حدثناه الشعبي)، وهذا يدل على أن السلف رضي الله عنهم يتحاورون حتى يصلوا إلى الحقيقة، فسعيد بن جبير لم يقصد الانتقاد على هذا الرجل، بل قصد أن يستفهم منه ويعرف مستنده.
قوله: (لا رقية)، أي: لا قراءة أو لا استرقاء على مريض أو مصاب.
قوله: (إلا من عين)، وهي نظرة من حاسد، نفسه خبيثة، تتكيف بكيفية خاصة فينبعث منها ما يؤثر على المصاب، ويسميها العامة الآن: (النحاتة)، وبعضهم يسميها (النفس)، وبعضهم يسميها (الحسد).
قوله: (حُمَة)، بضم الحاء، وفتح الميم، مع تخفيفها: وهي كل ذات سم، والمعنى لدغته إحدى ذوات السموم، والعقرب من ذوات السموم.
قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع.
فقال سعيد بن جبير: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس.. إلخ.
إذن، فحصين استند على حديث: (لا رقية إلا من عين أو حمة)، وهذا يدل على أن الرقية من العين أو الحمة مفيدة، وهذا أمر واقع؛ فإن الرُّقى تنفع بإذن الله من العين ومن الحمة أيضًا، وكثير من الناس يقرؤون على الملدوغ فيبرأ حالًا، ويدل لهذا قصة الرجل الذي بعثه النبي في سرية، فاستضافوا قومًا، فلم يضيفوهم، فلدغ سيدهم لدغة عقرب، فقالوا: من يرقي؟ فقالوًا: لعل هؤلاء الركب عندهم راقٍ، فجاؤوا إلى السرية، قالوا: هل فيكم من راقٍ؟ قالوا: نعم، ولكن لا نرقي لكم إلا بشيء من الغنم، فقالوا: نعطيكم. فاقتطعوا لهم من الغنم، ثم ذهب أحدهم يقرأ عليه الفاتحة، قرأها ثلاثًا أو سبعًا، فقام كأنما نشط من عقال، فانتفع اللديغ بقراءتها، ولهذا قال: «وما يدريك أنها رقية؟» (يعني: الفاتحة)، وكذا القراءة من العين مفيدة.
ويستعمل للعين طريقة أخرى غير الرقية، وهو الاستغسال، وهي أن يؤتي بالعائن، ويطلب منه أن يتوضأ، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه، ويصب على المصاب، ويشرب منه، ويبرأ بإذن الله.
وهناك طريقة أخرى، ولا مانع منها أيضًا، وهي أن يؤخذ شيء من شعاره، أي: ما يلي جسمه من الثياب، كالثوب، والطاقية، والسروال، وغيرها، أو التراب إذا مشى عليه وهو رطب، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب أو يشربه، وهو مجرب.
وأما العائن؛ فينبغي إذا رأى ما يعجبه أن يبرّك عليه؛ لقول النبي لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: «هلا برّكت عليه»؛ أي: قلت: بارك الله عليك.
ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي؛ أنه قال: «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد».
قوله: (ولكن حدثنا)، القائل: سعيد بن جبير.
قوله: «عرضت علي الأمم»، العارض لها الله- سبحانه وتعالى-، وهذا في المنام فيما يظهر. وانظر: (فتح الباري) (11/407، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا، كتاب الرقاق)، والأمم: جمع أمة وهي أمم الرسل.
قوله: (الرهط)، من الثلاثة إلى التسعة.
قوله: «والنبي ومعه الرجل والرجلان»، الظاهر أن الواو بمعنى أو؛ أي: ومعه الرجل أو الرجلان؛ لأنه لو كان معه الرجل والرجلان صار يغني أن يقول: ومعه ثلاثة، لكن المعنى: والنبي ومعه الرجل، النبي الثاني ومعه الرجلان.
قوله: «والنبي وليس معه أحد»، أي: يبعث ولا يكون معه أحد، لكن يبعثه الله لإقامة الحجة، فإذا قامت الحجة حينئذ، يعذر الله من الخلق، ويقيم عليهم الحجة.
«إذ رفع لي سوادٌ عظيمٌ، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت؛ فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذابٍ». ثم نهض. فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك. فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله.
قوله: «إذ رفع لي»، هذا على تقدير محذوف؛ أي: بينما أنا كذلك؛ إذ رفع لي.
قوله: (سواد عظيم)، المراد بالسواد هنا الظاهر أنه الأشخاص، ولهذا يقال: ما رأيت سواده، أي: شخصه، أي أشخاصًا عظيمة كانوا من كثرتهم سوادًا.
قوله: «فظنت أنهم أمتي»، لأن الأنبياء عرضوا عليه بأممهم؛ فظن هذا السواد أمته- عليه الصلاة والسلام-.
قوله: «فقيل لي: هذا موسى وقومه»، وهذا يدل على كثرة أتباع موسى عليه السلام وقومه الذين أرسل إليهم.
قوله: «فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك»، وهذا أعظم من السواد الأول؛ لأن أمة النبي أكثر بكثير من أمة موسى عليه السلام.
قوله: «بغير حساب ولا عذاب»، أي: لا يعذبون ولا يحاسبون كرامةً لهم، وظاهره أنه لا في قبورهم ولا بعد قيام الساعة.
قوله: (فخاض الناس في أولئك)، هذا الخوض للوصول إلى الحقيقة نظريًّا وعمليًّا حتى يكونوا منهم.
قوله: (الذين صحبوا رسول الله)، يحتمل أن المراد الصحبة المطلقة، ويؤيده ظاهر اللفظ.
ويحتمل أن المراد الذين صحبوه في هجرته، ويؤيده أنه لو كان المراد الصحبة المطلقة، لقالوا: نحن؛ لأن المتكلم هم الصحابة، ويدل على هذا قول الرسول لخالد بن الوليد: «لا تسبوا أصحابي»؛ فإن المراد بهم الذين صحبوه في هجرته، لكن يمنع منه أن المهاجرين لا يبلغون سبعين ألفًا.
ويمنع الاحتمال الأول: أن الصحابة أكثر من سبعين ألفًا، ويحتمل أن المراد من كان مع الرسول إلى فتح مكة؛ لأنه بعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا.
وهذه المسألة تحتاج إلى مراجعة أكثر.
وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا... وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله، فأخبروه، فقال: «هم الذين لا يسترقون».
قوله: «الذين ولدوا في الإسلام»، أي: من ولد بعد البعثة وأسلم، وهؤلاء كثيرون، ولو قلنا: ولدوا في الإسلام من الصحابة ما بلغوا سبعين ألفًا.
قوله: (فخرج عليهم رسول الله، فأخبروه)، أي: أخبروه بما قالوا وما جرى بينهم.
قوله: «لا يسترقون»، في بعض روايات مسلم: «لا يرقون».
ولكن هذه الرواية خطأ؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن الرسول كان يرقي، ورقاه جبريل، وعائشة، وكذلك الصحابة كانوا يرقون.
واستفعل بمعنى طلب الفعل، مثل: استغفر؛ أي: طلب المغفرة، واستجار: طلب الجوار، وهنا استرقى؛ أي: طلب الرقية، أي لا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم، لما يلي:
1- لقوة اعتمادهم على الله.
2- لعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله.
3- ولما في ذلك من التعلق بغير الله.
ولا يكتوون ولا يتطيرون.
وقوله: «ولا يكتوون»، أي: لا يطلبون من أحد أن يكويهم.
ومعنى اكتوى: طلب من يكويه، وهذا مثل قوله: «ولا يسترقون».
أما بالنسبة لمن أعد للكي من قبل الحكومة، فطلب الكي منه ليس فيه ذل؛ لأنه معد من قبل الحكومة يأخذ الأجر على ذلك من الحكومة، ولأن هذا الطلب مجرد إخبار من الطالب بأنه محتاج إلى الكي، وليس سؤال تذلل.
قوله: «ولا يتطيرون»، مأخوذ من الطير، والمصدر منه تطيّر، والطيرة اسم المصدر، وأصله: التشاؤم بالطير، ولكنه أعم من ذلك؛ فهو التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو زمان، أو مكان.
وكانت العرب معروفة بالتطير، حتى لو أراد الإنسان منهم خيرًا ثم رأى الطير سنحت يمينًا أو شمالًا حسب ما كان معروفًا عندهم، تجده يتأخر عن هذا الذي أراده، ومنهم من إذا سمع صوتًا أو رأى شخصًا تشاءم، ومنهم من يتشاءم من شهر شوال بالنسبة للنكاح، ولذا قالت عائشة رضي الله عنها: «عقد علي رسول الله في شوال، وبنى بي في شوال؛ فأيكن كان أحظى عنده»، ومنهم من يتشاءم بيوم الأربعاء، أو بشهر صفر، وهذا كله مما أبطله الشرع؛ لضرره على الإنسان عقلًا وتفكيرًا وسلوكًا، وكون الإنسان لا يبالي بهذه الأمور، هذا هو التوكل على الله، ولهذا ختم المسألة بقوله: «وعلى ربهم يتوكلون»؛ فانتفاء هذه الأمور عنهم يدل على قوة توكلهم.
وهل هذه الأشياء تدل على أن من لم يتصف بها فهو مذموم، أو فاته الكمال؟
الجواب: أن الكمال فاته إلا بالنسبة للتطير؛ فإنه لا يجوز؛ لأنه ضرر وليس له حقيقة أصلًا.
أما بالنسبة لطلب العلاج، فالظاهر أنه مثله لأنّه عام، وقد يقال: إنّه لولا قوله: «ولا يسترقون»؛ لقلت: إنه لا يدخل؛ لأن الاكتواء ضرر محقق: إحراق بالنار، وألم للإنسان، ونفعه مرتجى، لكن كلمة: «يسترقون» مشكلة؛ فالرقية ليس فيها ضرر، إن لم تنفع لم تضر، وهنا نقول: الدواء مثلها، لأن الدواء إذا لم ينفع لم يضر، وقد يضر أيضًا؛ لأنّ الإنسان إذا تناول دواء وليس فيه مرض لهذا الدواء فقد يضره.
وهذه المسألة تحتاج إلى بحث، وهل نقول مثلًا: ما تؤكد منفعته إذا لم يكن في الإنسان إذلال لنفسه؛ فهو لا يضر، أي: لا يفوت المرء الكمال به، مثل الكسر وقطع العضو مثلًا، أو كما يفعل الناس الآن في الزائدة وغيرها.
ولو قال قائل بالاقتصار على ما في هذا الحديث، وهو أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وأن ما عدا ذلك لا يمنع من دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ للنصوص الواردة بالأمر بالتداوي والثناء على بعض الأدوية؛ كالعسل والحبة السوداء؛ لكان له وجه.
وإذا طلب منك إنسان أن يرقيك؛ فهل يفوتك كمال إذا لم تمنعه؟
الجواب: لا يفوتك؛ لأن النبي لم يمنع عائشة أن ترقيه، وهو أكمل الخلق توكلًا على الله وثقةً به، ولأن هذا الحديث: «لا يسترقون...» إلخ إنما كان في طلب هذه الأشياء، ولا يخفى الفرق بين أن تحصل هذه الأشياء بطلب وبين أن تحصل بغير طلب.
فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «أنت منهم». ثم قال رجلًا آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكاشة».
قوله: «فقال: أنت منهم»، وقول الرسول هذا هل هو بوحي من الله إقراري، أو وحي إلهامي، أو وحي رسول؟
مثل هذه الأمور يحتمل أنها وحي إلهامي، أو بواسطة الرسول، أو وحي إقراري بمعنى أن الرسول يقولها، فإذا أقره الله عليه؛ صارت وحيًا إقراريًّا.
لكن رواية البخاري: «اللهم اجعله منهم» تدل على أن الجملة: «أنت منهم» خبر بمعنى الدعاء.
قوله: «ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة»، لم يرد النبي أن يقول له: لا، ولكن قال: سبقك بها، أي: بهذه المنقبة والفضيلة، أو بهذه المسألة عكاشة بن محصن.
وقد اختلف العلماء لماذا قال الرسول هذا الكلام؟
فقيل: إنه كان منافقًا، فأراد الرسول ألا يجابهه بما يكره تأليفًا.
وقيل: خاف أن ينفتح الباب فيطلبها من ليس منهم؛ فقال هذه الكلمة التي أصبحت مثلًا، وهذا أقرب.
* فيه مسائل: الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد. الثانية: ما معنى تحقيقه. الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين.
قوله: (فيه مسائل)، أي: في هذا الباب مسائل:
* المسألة الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد، وهذه مأخوذة من قوله: «يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». ثم قال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون».
* الثانية: ما معنى تحقيقه؟ أي: تحقيق التوحيد، وسبق لنا في أول الباب أن تحقيقه: تخليصه من الشرك.
* الثالثة: ثناؤه- سبحانه- على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين، وهو ظاهر في الآية الكريمة: {إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين} [النحل: 120]؛ فإن هذه الآية لا شك أنها سيقت للثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإذا كان مناط الثناء انتفاء الشرك عنه؛ دل ذلك على أن كل من انتفى عنه الشرك فهو محل ثناء من الله- سبحانه وتعالى-.
الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك. الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد. السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل. السابعة: عمق علم الصحابة بمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعملٍ.
* الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك، لقوله تعالى: {والذين هم بربهم لا يشركون}، وهذه الآية في سياق آيات كثيرة ابتدأها الله بقوله: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [المؤمنون: 57-61]؛ فهؤلاء هم سادات الأولياء، وكلام المؤلف من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، أي: الأولياء السادات، وليس يريد رحمه الله السادات من الأولياء، بل يريد الأولياء الذي هم سادات الخلق.
* الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد، لقوله: «الذين لا يسترقون ولا يكتوون»؛ فالمراد بقول المؤلف: (الرقية والكي): الاسترقاء والاكتواء.
* السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل، والخصال هي: ترك الاسترقاء، وترك الاكتواء، وترك التطير، يعني أن العامل لهذه الأشياء هو قوة التوكل على الله- عز وجل.
* السابعة: عمق عمل الصحابة لمعرفة أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل، أي: لم ينل هؤلاء السبعون ألفًا هذا الثواب إلا بعمل، ووجهه أن الصحابة خاضوا فيمن يكون له هذا الثواب العظيم وذكروا أشياء.
الثامنة: حرصهم على الخير. التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية. العاشرة: فضيلة أصحاب موسى. الحادية عشرة: عرض الأمم عليه- عليه الصلاة والسلام-.
* الثامنة: حرصهم على الخير، وجهه خوضهم في هذا الشيء؛ لأنهم يريدون أن يصلوا إلى نتيجة حتى يقوموا بها.
* التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكميّة والكيفيّة، أما الكميّة، فلأن النبي رأى سوادًا عظيمًا أعظم من السواد الذي كان مع موسى، وأما الكيفيّة؛ فلأن معهم هؤلاء الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.
* العاشرة: فضيلة أصحاب موسى، وهو مأخوذ من قوله: «إذ رفع لي سوادٌ عظيمٌ»، ولكن قد يقال: إن التعبير بقول: كثرة أتباع موسى أنسب لدلالة الحديث؛ لأن الحديث يقول: «سواد عظيم فظننت أنهم أمتي»، وهذا يدل على الكثرة.
* الحادية عشرة: عرض الأمم عليه- عليه الصلاة والسلام-، وهذا له فائدتان:
الفائدة الأولى: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث رأى من الأنبياء من ليس معه إلا الرجل والرجلان، ومن الأنبياء من ليس معه أحد، فيتسلى بذلك عليه الصلاة والسلام، ويقول: {ما كنت بدعًا من الرسل}.
الفائدة الثانية: بيان فضيلته عليه الصلاة والسلام وشرفه، حيث كان أكثر أتباعًا وأفضلهم؛ فصار في عرض الأمم عليه هاتان الفائدتان.
الثانية عشرة: أن كلّ أمةٍ تحشر وحدها مع نبيها. الثالثة عشرة: قلّة من استجاب للأنبياء. الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحدٌ يأتي وحده. الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة.
* الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها، لقوله: «رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان»، ولولا أنّ كل نبي متميز عن النبي الآخر؛ لاختلط بعضهم ببعض، ولم يعرف الأتباع من غير الأتباع، ويدل لذلك قوله سبحانه وتعالى: {وترى كل أمةٍ جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها} [الجاثية: 28]؛ فإنه يدل على أن كل أمة تكون وحدها.
* الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء، وهو واضح من قوله: «والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد».
* الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده، لقوله: «والنبي وليس معه أحد».
* الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة.. إلخ، فإن الكثرة قد تكون ضلالًا، قال الله تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116]، وأيضًا الكثرة من جهة أخرى إذا اغتر الإنسان بكثرة وظن لن يغلب أو أنّه منصور؛ فهذا أيضًا سبب للخذلان؛ فالكثرة إن نظرنا إلى أن أكثر أهل الأرض ضلال لا تغتر بهم، فلا تقل: إن الناس على هذا، كيف أنفرد عنهم؟.
كذلك أيضًا لا تغتر بالكثرة إذا كان معك أتباع كثيرون على الحق؛ فكلام المؤلف له وجهان:
الوجه الأول: أن لا نغتر بكثرة الهالكين فنهلك معهم.
الوجه الثاني: أن لا نغتر بكثرة الناجين فيلحقنا الإعجاب بالنفس وعدم الزهد في القلة، أي أن لا نزهد بالقلة؛ فقد تكو القلة خيرًا من الكثرة.
السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة. السابعة عشرة: عمق علم السلف، لقوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا)، فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
* السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة، مأخوذ من قوله: «لا رقية إلا من عين أو حمة».
* السابعة عشرة: عمق علم السلف، لقوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا)؛ فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني، لأن قوله: «لا رقية إلا من عينٍ أو حمة» لا يخالف الثاني؛ لأن الثاني إنما هو في الاسترقاء، والأول في الرقية؛ فالإنسان إذا أتاه من يرقيه ولم يمنعه؛ فإنه لا ينافي قوله: «ولا يسترقون»، لأن هناك ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: أن يطلب من يرقيه، وهذا قد فاته الكمال.
المرتبة الثانية: أن لا يمنع من يرقيه، وهذا لم يفته الكمال؛ لأنه لم يسترق ولم يطلب.
المرتبة الثالث: أن يمنع من يرقيه، وهذا خلاف السنة؛ فإن النبي لم يمنع عائشة أن ترقيه، وكذلك الصحابة لم يمنعوا أحدًا أن يرقيهم؛ لأن هذا لا يؤثر في التوكل.
الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه. التاسعة عشرة: قوله: «أنت منهم»: علم من أعلام النبوة. العشرون: فضيلة عكاشة.
* الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه، يؤخذ من قوله: «أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت»؛ لأنه إذا كان رأى الكوكب الذي انقض استلزم أن يكون يقظان، واليقظان: إما أن يصلي، وإما أن يكون له شغل آخر، وإما أن يكون لديه مانع من النوم.
* التاسعة عشرة: قوله:«أنت منهم» علم من أعلام النبوة. يعني: دليلًا على نبوة الرسول، وكيف ذلك؟، لأن عكاشة بن محصن رضي الله عنه بقي محروسًا من الكفر حتى مات على الإسلام، فيكون في هذا علم، يعني: دليلًا من دلائل نبوة الرسول، هذا إذا قلنا: إن الجملة خبرية وليس جملة دعائية، فإن قلنا: إنها جملة دعائية، فقد نقول أيضًا: فيه علم من أعلام النبوة، وهو أن الله استجاب دعوة الرسول، لكن استجابة الدعوة ليست من خصائص الأنبياء؛ فقد تجاب دعوة من ليس بنبي، وحينئذ لا يمكن أن تكون علمًا من أعلام النبوة إلا حيث جعلنا الجملة خبرية محضة.
* العشرون: فضيلة عكاشة، بكون ممن يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهل نشهد له بذلك؟ نعم، لأن الرسول شهد له بها.
الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. الثانية والعشرون: حسن خلقه.
* الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، وذلك لقول الرسول: «سبقك بها عكاشة»؛ فإن هذا في الحقيقة ليس هو المانع الحقيقي، بل المانع ما أشرنا إليه في الشرح: إما أن يكون هذا الرجل منافقًا فلم يرد النبي أن يجعله مع الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وإما خوفًا من انفتاح الباب؛ فيسأل هذه المرتبة من ليس من أهلها.
* الثانية والعشرون: حسن خلقه. وذلك لأنه رد هذا الرجل وسدَّ الباب على وجه ليس فيه غضاضة على أحد ولا كراهة.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2014, 03:14 PM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
.باب الخوف من الشرك:

وقول الله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 116].
* مناسبة الباب للبابين قبله:
في الباب الأول ذكر المؤلف رحمه الله تحقيق التوحيد، وفى الباب الثاني ذكر أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث بهذا الباب رحمه الله تعالى، لأن الإنسان يرى أنه قد حقق التوحيد وهو لم يحققه، ولهذا قال بعض… السلف: (ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص)، وذلك أن النفس متعلقة بالدنيا تريد حظوظها من مال أو جاه أو رئاسة، وقد تريد بعمل الآخرة الدنيا، وهذا نقص في الإخلاص، وقل من يكون غرضه الآخر في كل عمله، ولهذا أعقب المؤلف رحمه الله ما سبق من البابين بهذا الباب، وهو الخوف من الشرك، وذكر فيه آيتين:
الأولى قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به}.
{لا}: نافية، {أن يشرك به}: فعل مضارع مقرون بأن المصدرية، فيحول إلى مصدر تقديره: أن الله لا يغفر الإشراك به، أو لا يغفر إشراكًا به، فالشرك لا يغفره الله أبدًا، لأنه جناية على حق الله الخاص، وهو التوحيد.
أما المعاصي، كالزنى والسرقة، فقد يكون للإنسان فيها حظ نفس بما نال من شهوة، أما الشرك، فهو اعتداء على حق الله تعالى، وليس للإنسان فيه حظ نفس، وليس شهوة يريد الإنسان أن ينال مراده، ولكنه ظلم، ولهذا قال الله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13].
وهل المراد بالشرك هنا الأكبر، أم مطلق الشرك؟
قال بعض العلماء: إنه مطلق يشمل كل شرك لو أصغر، كالحلف بغير الله، فإن الله لا يغفره، أما بالنسبة لكبائر الذنوب، كالسرقة والخمر، فإنها تحت المشيئة، فقد يغفرها الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية المحقق في هذه المسائل اختلف كلامه في هذه المسألة، فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر، وعلى كل حال فيجب الحذر من الشرك مطلقًا، لأن العموم يحتمل أن يكون داخلًا فيه الأصغر، لأن قوله: {أن يشرك به} أن وما بعدها في تأويل مصدر، تقديره: إشراكًا به، فهو نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم.
قوله: {ويغفر ما دون ذلك}، المراد بالدون هنا: ما هو أقل من الشرك، وليس ما سوى الشرك.
وقال الخليل عليه السلام: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [إبراهيم: 35].
الآية الثانية: قوله: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام}.
قيل: المراد ببنيه: بنوه لصلبه، ولا نعلم له من صلبه سوى إسماعيل وإسحاق، وقيل: المراد ذريته وما توالد من صلبه، وهو الأرجح، وذلك للآيات التي دلت على دعوته للناس من ذريته، ولكن كان من حكمة الله أن لا تجاب دعوته في بعضهم، كما أن الرسول دعا أن لا يجعل بأس أمته بينهم فلم يجب الله دعاه.
وأيضًا يمنع من الأول أن الآية بصيغة الجمع، وليس لإبراهيم من الأبناء سوى إسحاق وإسماعيل.
ومعنى: {اجنبني}، أي: اجعلني في جانب والأصنام في جانب، وهذا أبلغ مما لو قال: امنعني وبني من عبادة الأصنام، لأنه إذا كان في جانب عنها كان أبعد.
فإبراهيم عليه السلام يخاف الشرك على نفسه، وهو خليل الرحمن وإمام الحنفاء، فما بالك بنا نحن إذن؟.
فلا تأمن الشرك، ولا تأمن النفاق، إذ لا يأمن النفاق إلا منافق، ولا يخاف النفاق إلا مؤمن، ولهذا قال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي، كلهم يخاف النفاق على نفسه).
وها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه خاف على نفسه النفاق، فقال لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي أسر إليه النبي بأسماء أناس من المنافقين، فقال له عمر رضي الله عنه: «أنشدك الله، هل سماني لك رسول الله مع من سمى من المنافقين؟. فقال حذيفة رضي الله عنه: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا»، أراد عمر بذلك زيادة الطمأنينة، وإلا، فقد شهد له النبي بالجنة.
ولا يقال: إن عمر رضي الله عن أراد حث الناس على الخوف من النفاق ولم يخفه على نفسه، لأن ذلك خلاف ظاهر اللفظ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، ومثل هذا القول يقوله بعض العلماء فيما يضيفه النبي إلى نفسه في بعض الأشياء، يقولون: هذا قصد به التعليم، وقصد به أن يبين لغيره، كما قيل، إن الرسول لم يقل: رب اغفر لي لأن ليس له ذنباَ ولكن لأجل أن يعلم الناس الاستغفار، وهذا خلاف الأصل وقول بعضهم: إنه جهر بالذكر عقب الفريضة ليعلم الناس الذكر، لا لأن الجهر بذلك من السنة ونحو ذلك.
قوله: {أن نعبد الأصنام}. أن والفعل بعدها في تأويل مصدر: مفعول ثان لقوله: اجنبني.
والأصنام: جمع صنم، وهو ما جعل على صورة إنسان أو غيره يعبد من دون الله.
أما الوثن، فهو ما عبد من دون الله على أي وجه كان، وفي الحديث: «لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، فالوثن أعم من الصنم.
ولا شك أن إبراهيم سأل ربه الثبات على التوحيد، لأنه إذا جنبه عبادة الأصنام صار باقيًا على التوحيد.
* الشاهد من هذه الآية:
أن إبراهيم خاف الشرك، وهو إمام الحنفاء، وهو سيدهم ما عدا رسول الله.
وفي الحديث: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». فسئل عنه فقال: «الرياء».
قوله: (وفي الحديث). الحديث: ما أضيف إلى الرسول، والخبر: ما أضيف إليه والى غيره، والأثر: ما أضيف إلى غير الرسول، أي: إلى الصحابي فمن بعده، إلا إذا قيد فقيل: وفي الأثر عن رسول الله، فيكون على ما قيد به.
قوله: «أخوف ما أخاف عليكم». الخطاب للمسلمين، إذ المسلم هو الذي يخاف عليه الشرك الأصغر، وليس لجميع الناس.
قوله: «الرياء»، مشتق من الرؤية مصدر راءى يرائي، والمصدر رياء، كقاتل يقاتل قتالًا.
والرياء: أن يعبد الله ليراه الناس فيمدحوه على كونه عابدًا، وليس يريد أن تكون العبادة للناس، لأنه لو أراد ذلك، لكان شركًا أكبر، والظاهر أن هذا على سبيل التمثيل، وإلا، فقد يكون رياء، وقد يكون سماعًا، أي يقصد بعبادته أن يسمعه الناس فيثنوا عليه، فهذا داخل في الرياء، فالتعبير بالرياء من باب التعبير بالأغلب.
أما إن أراد بعبادته أن يقتدي الناس به فيها، فليس هذا رياء، بل هذا من الدعوة إلى الله- عز وجل-، والرسول يقول: «فعلت هذا لتأتموا بي وتعلموا صلاتي».
والرياء ينقسم باعتبار إبطاله للعبادة إلى قسمين:
الأول: أن يكون في أصل العبادة، أي ما قام يتعبد إلا للرياء، فهذا عمله باطل مردود عليه لحديث أبي هريرة في (الصحيح) مرفوعًا، قال الله تعال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه».
الثاني: أن يكون الرياء طارئًا على العبادة، أي أن أصل العبادة لله، لكن طرأ عليها الرياء، فهذا ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يدافعه، فهذا لا يضره.
مثاله: رجل صلى ركعة، ثم جاء أناس في الركعة الثانية، فحصل في قلبه شيء بأن أطال الركوع أو السجود أو تباكى وما أشبه ذلك، فإن دافعه، فإنه لا يضره لأنه قام بالجهاد.
القسم الثاني: أن استرسل معه، فكل عمل ينشأ عن الرياء فهو باطل، كما لو أطال القيام، أو الركوع، أو السجود، أو تباكى، فهذا كل عمله حابط، ولكن هل هذا البطلان يمتد إلى جميع العبادة أم لا؟
نقول: لا يخلو هذا من حالين:
الحال الأولى: أن يكون آخر العبادة مبينًا على أولها، بحيث لا يصح أولها مع فساد آخرها، فهذه كلها فاسدة.
وذلك مثل الصلاة، فالصلاة مثلًا لا يمكن أن يفسد آخرها ولا يفسد أولها، وحينئذ تبطل الصلاة كلها إذا طرأ الرياء في أثنائها ولم يدافعه.
الحال الثانية: أن يكون أول العبادة منفصلًا عن آخرها، بحيث يصح أولها دون آخرها، فما سبق الرياء، فهو صحيح، وما كان بعده، فهو باطل.
مثال ذلك: رجل عنده مئة ريال، فتصدق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين بقصد الرياء، فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة، لأن آخرها منفك عن أولها.
فإن قيل: لو حدث الرياء في أثناء الوضوء، هل يلحق بالصلاة فيبطل كله، أو بالصدقة فيبطل ما حصل فيه الرياء فقط.
فالجواب: يحتمل هذا وهذا، فيلحق بالصلاة لأن الوضوء عبادة واحدة ينبني بعضها على بعض، ليس تطهير كل عضو عبادة مستقلة، ويلحق بالصدقة لأنه ليس كالصلاة من كل وجه ولا الصدقة من كل وجه، لأننا إذا قلنا ببطلان ما حصل فيه الرياء، فأعاد تطهيره وحد لم يضر، لأن تكرر غسل الوضوء لا يبطل الوضوء ولو كان عمدًا بخلاف الصلاة. فإنه إذا كرر جزءًا منها كركوع أو سجود لغير سبب شرعي، بطلت صلاته، فلو أنه بعد أن غسل يديه رجع وغسل وجهه، لم يبطل وضوؤه، ولو أنه بعد أن سجد رجع وركع، لبطلت صلاته، والترتيب موجود في هذا وهذا، لكن الزيادة في الصلاة تبطلها، والزيادة في الوضوء لا تبطله، والرجوع مثلًا إلى الأعضاء الأولى لا يبطله أيضًا، وإن كان الرجوع في الحقيقة لا يعتبر وضوءًا لأنه غير شرعي، وربما يكون في الأولى غسل وجهه على أنه واحدة، ثم غسل يديه، ثم قال: الأحسن أن أكمل الثلاث في الوجه أفضل، فغسل وجهه مرتين، وهو سيرتب أي سيغسل وجهه ثم يديه، فوضؤه صحيح.
ولو ترك التسبيح ثلاث مرات في الركوع، وبعدما سجد قال: فوت على نفس فضيلة، سأرجع لأجل أن أسبح ثلاث مرات، فتبطل صلاته، فالمهم أن هناك فرقًا بين الوضوء والصلاة، ومن أجل هذا الفرق لا أبت فيها الآن حتى أراجع وأتأمل إن شاء الله تعالى.
وعن أبي مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا، دخل النار». رواه البخاري.
قوله: (من). هذه شرطية تفيد العموم للذكر والأنثى.
قوله: (يدعو من دون الله ندًّا)، أي: يتخذ لله ندًّا سواء دعاء عبادة أم دعاء مسألة، لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين:
الأول: دعاء عبادة، مثاله: الصوم، والصلاة، وغير ذلك من العبادات، فإذا صلى الإنسان أو صام، فقد دعا ربه بلسان الحال أن يغفر له، وأن يجيره من عذابه، وأن يعطيه من نواله، وهذا في أصل الصلاة، كما أنها تتضمن الدعاء بلسان المقال.
ويدل لهذا القسم قوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي} [غافر: 60]، فجعل الدعاء عبادة، وهذا القسم كله شرك، فمن صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله، فقد كفر كفرًا مخرجًا له عن الملة، فلو ركع لإنسان أو سجد لشيء يعظمه كتعظيم الله في هذا الركوع أو السجود، لكان مشركًا، ولهذا منع النبي من الانحناء عن الملاقاة لما سئل عن الرجل يلقى أخاه أن يحني له؟ قال: «لا».
خلافًا لما يفعله بعض الجهال إذا سلم عليك انحنى لك، فيجب على كل مؤمن بالله أن ينكره، لأنه عظمك على حساب دينه.
الثاني: دعاء المسألة، فهذا ليس كله شركًا، بل فيه تفصيل، فإن كان المخلوق قادرًا على ذلك، فليس بشرك، كقوله: اسقني ماء لمن يستطيع ذلك. قال: «من دعاكم فأجيبوه»، وقال تعالى: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} [النساء: 8].
فإذا مد الفقير يده، وقال: ارزقني، أي: اعطني، فليس بشرك، كما قال تعالى: {فارزقوهم منه}، وأما أن دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله، فإن دعوته شرك مخرج عن الملة.
مثال ذلك: أن تدعو إنسانًا أن ينزل الغيث معتقدًا أنه قادر على ذلك.
والمراد بقول الرسول: «من مات وهو يدعو من دون لله ندًّا» المراد الند في العبادة، أما الند في المسألة، ففيه التفصيل السابق.
ومع الأسف، ففي بعض البلاد الإسلامية من يعتقد أن فلانًا المقبور الذي بقى جثة أو أكلته الأرض ينفع أو يضر، أو يأتي بالنسل لمن لا يولد لها، وهذا- والعياذ بالله- شرك أكبر مخرج من الملة، وإقرار هذا أشد من إقرار شرب الخمر والزنا واللواط، لأنه إقرار على كفر، وليس إقرارًا على فسوق فقط.
قوله: «دخل النار». أي: خالدًا، مع أن اللفظ لا يدل عليه، لأن دخل فعل، والفعل يدل على الإطلاق.
وأيضًا قال الله تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} [المائدة: 72]، وإذا حرمت الجنة، لزم أن يكون خالدًا في النار أبدًا، فيجب أن نخاف من الشرك مادامت هذه عقوبته، فالمشرك خسر الآخرة، لأنه في النار خالد، وخسر الدنيا أيضًا، لأنه لم يستفد منها شيئًا، وقامت عليه الحجة، وجاءه النذير، ولكنه خسر- والعياذ بالله-، ما استفاد شيئًا من الدنيا، قال تعالى: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير} [فاطر: 37]، وقال الله- عز وجل-: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} [الحج: 11-13]، وقال تعالى: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} [الزمر: 15].
فخسر نفسه، لأنه لم يستفد منها شيئًا، وخسر أهله، لأنهم إن كانوا من المؤمنين فهم في الجنة، فلا يتمتع بهم في الآخرة، وإن كانوا في النار فكذلك، لأنه كلما دخلت أمة لعنت أختها، والشرك خفي جدًّا، فقد يكون في الإنسان وهو لا يشعر إلا بعد المحاسبة الدقيقة، ولهذا قال بعض السلف: (ما جاهدت نفسي على شيء ما جاهدتها على الإخلاص).
فالشرك أمره صعب جدًّا ليس بالهين، ولكن ييسر الله الإخلاص على العبد، وذلك بأن يجعله الله نصب عينيه، فيقصد بعمله وجه الله لا يقصد مدح الناس أو ذمهم أو ثناءهم عليه، فالناس لا ينفعونه أبدًا، حتى لو خرجوا معه لتشييع جنازته لم ينفعه إلا عمله، قال: «يخرج مع الميت أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان: أهله وماله، ويبقى عمله».
وكذلك أيضًا من المهم أن الإنسان لا يفرحه أن يقبل الناس قوله لأنه قوله، لكن يفرحه أن يقبل الناس قوله إذا رأى أنه الحق لأنه الحق، لا أنه قوله، وكذا لا يحزنه أن يرفض الناس قوله لأنه قوله، لأنه حينئذ يكون قد دعا لنفسه، لكن يحزنه أن يرفضوه لأنه الحق، وبهذا يتحقق الإخلاص.
فالإخلاص صعب جدًّا، إلا أن الإنسان إذا كان متجهًا إلى الله اتجاهًا صادقًا سليمًا على صراط مستقيم، فإن الله يعينه عليه، ويسره له.
ولمسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار».
قوله: (من). شرطية تفيد العموم، وفعل الشرط: (لقي)، وجوابه قوله: (دخل الجنة)، وهذا الدخول لا ينافي أن يعذب بقدر ذنوب إن كانت عليه ذنوب، لدلالة نصوص الوعيد على ذلك، وهذا إذا لم يغفر الله له، لأن داخل تحت المشيئة.
قوله: (لا يشرك). في محل نصب على الحال من فعل (لقي).
قوله: (شيئًا). نكرة في سياق الشرط، فيعم أي شرك حتى ولو أشرك مع الله أشرف الخلق، وهو الرسول دخل النار، فكيف بمن يجعل الرسول أعظم من الله، فيلجأ إليه عند الشدائد، ولا يلجأ إلى الله، بل ربما يلجأ إلى ما دون الرسول؟! وهناك من لا يبالي بالحلف بالله صادقًا أم كاذبًا، ولكن لا يحلف بقوميته إلا صادقًا، ولهذا اختلف فيمن لا يبالي بالحلف بالله، ولكنه لا يحلف بقوميته إلا صادقًا، ولهذا اختلف فيمن لا يبالي بالحلف بالله، ولكن لا يحلف بملته أو بما يعظمه إلا صادقًا، فلزمته يمين، هل يحلف بالله أو يحلف بهذا؟
فقيل: يحلف بالله ولو كذب، ولا يعان على الشرك، وهو الصحيح.
وقيل: يحلف بغير الله، لأن المقصود الوصول إلى بيان الحقيقة، وهو إذا كان كاذبًا لا يمكن أن يحلف، لكن نقول: إن كان صادقًا حلف ووقع في الشرك.
* مسألة: هل يلزم من دخول النار الخلود لمن أشرك؟
هذا بحسب الشرك، إن كان الشرك أصغر كما دلت عل ذلك النصوص، فإنه لا يلزم من ذلك الخلود في النار. وإن كان أكبر، فإنه يلزم منه الخلود في النار.
لكن لو حلمنا الحديث على الشرك الأكبر في الموضعين في قوله: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة»، وفي قوله: «ومن لقي الله يشرك به شيئًا دخل النار»، وقلنا: من لقي الله لا يشرك به شركًا أكبر دخل الجنة، وإن عذب قبل الدخول في النار بما يستحق، فيكون مآله إلى الجنة، ومن لقيه يشرك به شركًا أكبر دخل النار مخلدًا فيها لم نحتج إلى هذا التفصيل.
* فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك. الثانية: أن الرياء من الشرك. الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
فيه مسائل:
* الأولى: الخوف من الشرك. لقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به}، ولقوله: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام}.
* الثانية: أن الرياء من الشرك. لحديث: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، فسئل عنه فقال: (الرياء)، وقد سبق بيان أحكامه بالنسبة إلى إبطال العبادة.
* الثالثة: أنه من الشرك الأصغر، لأن النبي لما سئل عنه فقال: (الرياء)، فسماه شركًا أصغر، وهل يمكن أن يصل إلى الأكبر؟
ظاهر الحديث لا يمكن، لأنه قال: «الشرك الأصغر»، فسئل عنه، فقال: «الرياء».
لكن في عبارات ابن القيم رحمه الله أنه إذا ذكر الشرك الأصغر قال: كيسير الرياء، فهذا يدل على أن كثيره ليس من الأصغر، لكن إن أراد بالكمية، فنعم، لأنه لو كان يرائي في كل عمل لكان مشركًا شركًا أكبر لعدم وجود الإخلاص في عمل يعمله، أما إذا أراد الكيفية، فظاهر الحديث أنه أصغر مطلقًا.
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين. الخامسة: قرب الجنة والنار. السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد. السابعة: أنه من لقيه يشرك به شيئًا، دخل النار، ولو كان من أعبد الناس.
* الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين. وتؤخذ من قوله: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، ولأنه قد يدخل في قلب الإنسان من غير شعور لخفائه وتطلع النفس إليه، فإن كثيرًا من النفوس تحب أن تمدح بالتعبد لله.
* الخامسة: قرب الجنة والنار. لقوله: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا، دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا، دخل النار».
* السادسة: الجميع بين قربهما في حديث واحد. «من لقي الله لا يشرك به شيئًا....» الحديث.
* السابعة: أن من لقيه يشرك به شيئًا دخل النار، ولو كان من أعبد الناس. تؤخذ من العموم في قوله: «من لقي الله»، لأن: (من) للعموم، لكن إن كان شركه أكبر، لم يدخل الجنة وإن كان أعبد الناس، لقوله تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} [المائدة: 72]، وإن كان أصغر، عذب بقدر ذنوبه ثم دخل الجنة.
الثامنة: المسألة العظيمة سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام. التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: {رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس} [إبراهيم: 36]. العاشرة: فيه تفسير: (لا إله إلا الله) كما ذكره البخاري. الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.
* الثامنة: المسألة العظيمة سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام، تؤخذ من قوله تعالى: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام}.
* التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: {رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس}. وفيه إشكال، إذ المؤلف يقول: بحال الأكثر، والآية: {كثيرًا من الناس}، وفرق بين كثير وأكثر، ولهذا قال تعالى في بني آدم: {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا} [الإسراء: 70]، فلم يقل على أكثر الخلق، ولا على الخلق، فالآدميون فضلوا على كثير ممن خلق الله، وليسوا أكرم الخلق على الله، ولكنه كرمهم.
* العاشرة: فيه تفسير لا إله إلا الله كما ذكره البخاري. الظاهر أنها تؤخذ من جميع الباب، لأن لا إله إلا الله فيها نفي وإثبات.
* الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك. لقوله: {ويغفر ما دون ذلك}، وقوله: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا، دخل الجنة».
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2014, 03:15 PM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
.باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله:

وقول الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} الآية [يوسف: 108].
هذا الترتيب الذي ذكره المؤلف من أحسن ما يكون، لأنه لما ذكر توحيد الإنسان بنفسه ذكر دعوة غيره إلى ذلك، لأنه لا يتم الإيمان إلا إذا دعا إلى التوحيد، قال تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [سورة العصر].
فلا بد مع التوحيد من الدعوة إليه، وإلا، كان ناقصًا، ولا ريب أن هذا الذي سلك سبيل التوحيد لم يسلكه إلا وهو يرى أنه أفضل سبيل، وإذا كان صادقًا في اعتقاده، فلابد أن يكون داعيًا إليه، والدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله من تمام التوحيد، ولا يتم التوحيد إلا به.
قوله: {قل هذه سبيلي}، المشار إليه ما جاء به النبي من الشرع عبادة ودعوة إلى الله.
سبيلي: طريقي.
قوله: {أدعو}، حال من الياء في قوله: {سبيلي}، ويحتمل أن تكون استئنافًا لبيان تلك السبيل.
وقوله: {إلى الله}، لأن الدعاة إلى الله ينقسمون إلى قسمين:
1- داع إلى الله.
2- داع إلى غيره.
فالداعي إلى الله تعالى هو المخلص الذي يريد أن يوصل الناس إلى الله تعالى.
والداعي إلى غيره قد يكون داعيًا إلى نفسه، يدعو إلى الحق لأجل أن يعظم بين الناس ويحترم، ولهذا تجده يغضب إذا لم يفعل الناس ما أمر به، ولا يغضب إذا ارتكبوا نهيًا أعظم منه، لكن لم يدع إلى تركه.
وقد يكون داعيًا إلى رئيسه كما يوجد في كثير من الدول من علماء الضلال من علماء الدول، لا علماء الملل، يدعو إلى رؤسائهم.
من ذلك لما ظهرت الاشتراكية في البلاد العربية قام بعض علماء الضلال بالاستدلال عليها بآيات وأحاديث بعيدة الدلالة، بل ليس فيها دلالة، فهؤلاء دعوا إلى غير الله.
ومن دعا إلى الله ثم رأى الناس فارين منه، فلا ييأس، ويترك الدعوة، فإن الرسول قال لعلي: «انفذ على رسلك، فوالله، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم»، يعني: أن اهتداء رجل واحد من قبائل اليهود خير لك من حمر النعم، فإذا دعا إلى الله ولم يجب، فليكن غضبه من أجل أن الحق لم يتبع، لا لأنه لم يجب، فإذا كان يغضب لهذا، فمعناه أنه يدعو إلى الله، فإذا استجاب واحد، كفى، وإذا لم يستجب أحد، فقد أبرأ ذمته أيضًا، وفي الحديث: «والنبي وليس معه أحد».
ثم إنه يكفي من الدعوة إلى الحق والتحذير من الباطل أن يتبين للناس أن هذا حق وهذا باطل، لأن الناس إذا سكتوا عن بيان الحق، وأقر الباطل مع طول الزمن، ينقلب الحق باطلًا، والباطل حقًا.
قوله: {على بصيرة}، أي: علم، فتضمنت هذه الدعوة الإخلاص والعلم، لأن أكثر ما يفسد الدعوة عدم الإخلاص، أو عدم العلم، وليس المقصود بالعلم في قوله: {على بصيرة} العلم بالشرع فقط، بل يشمل، العلم بالشرع، والعلم بحال المدعو، والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود، وهو الحكمة.
فيكون بصيرًا بحكم الشرع، وبصيرًا بحال المدعو، وبصيرًا بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة، ولهذا قال النبي لمعاذ: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب».
وهذه ليست كلها من العلم بالحكم الشرعي، لأن علمي أن هذا الرجل قابل للدعوة باللين، وهذا قابل للدعوة بالشدة، وهذا عنده علم يمكن أن يقابلني بالشبهات أمر زائد على العلم بالحكم الشرعي، وكذلك العلم بالطرق التي تجلب المدعوين كالترغيب بكذا والتشجيع، كقوله: «من قتل قتيلًا، فله سلبه»، أو بالتأليف، فالنبي أعطى المؤلفة قلوبهم في غزوة حنين إلى مئة بعير، فهذا كله من الحكمة، فالجاهل لا يصلح للدعوة، وليس محمودًا وليست طريقته طريقة الرسول، لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح.
قوله: {أنا ومن اتبعني}، ذكروا فيها رأيين:
الأول: (أنا) مبتدأ، وخبرها: (على بصيرة)، (ومن اتبعني) معطوفة على (أنا) أي: أنا ومن اتبعني على بصيرة، أي: في عبادتي ودعوتي.
الثاني: (أنا) توكيد للضمير المستتر في قوله: (أدعو)، أي: أدعو أنا إلى الله ومن اتبعني يدعو أيضًا، أي: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله ويدعو من اتبعني، وكلانا على بصيرة.
قوله: {وسبحان الله}، أي: أن أكون أدعو على غير بصيرة!
وإعراب (سبحان): مفعول مطلق عامله محذوف تقديره أسبح.
قوله: {وما أنا من المشركين}، محلها مما قبلها في المعنى توكيد، لأن التوحيد معناه نفي الشرك.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله لما بعث معاذًا إلى اليمن، قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله... (وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله)، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإن ليس بينها وبين الله حجاب». أخرجاه.
وقوله: (أي: قول ابن عباس): (بعث معاذًا) أي: أرسله، وبعثه على صفة المعلم والحاكم والداعي، وبعثه في ربيع الأول سنة عشرة من الهجرة، وهذا هو المشهور، وبعثه هو وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما، بعث معاذًا إلى صنعاء وما حولها، وأبا موسى إلى عدن وما حولها، وأمرهما: «أن اجتمعا وتطاوعا ولا تفترقا، ويسرا ولا تعسرا، وبشرا وذكرا ولا تنفرا».
قوله: (لما)، إعرابها شرطية، وهي حرف وجود لوجود، و: (لو): حرف امتناع لامتناع، و: (لولا) حرف امتناع لوجود.
قوله: «إنك تأتي قومًا من أهل كتاب»، قال ذلك مرشدًا له، وهذا دليل على معرفته بأحوال الناس، وما يعلمه من أحوالهم، فله طريقان:
1- الوحي.... …
2- العلم والتجربة.
قوله: (من) بيانية، والمراد بالكتاب: التوراة والإنجيل، فيكون المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وهم أكثر أهل اليمن في ذلك الوقت، وإن كان في اليمن مشركون، لكن الأكثر اليهود والنصارى، ولهذا اعتمد الأكثر.
وأخبره النبي بذلك، لأمرين:
الأول: أن يكون بصيرًا بأحوال من يدعو.
الثاني: أن يكون مستعدًا لهم، لأنهم أهل كتاب، وعندهم علم.
قوله: (فليكن)، الفاء للاستئناف أو عاطفة، واللام للأمر، و: (أول): اسم يكن، وخبرها (شهادة)، وقيل العكس، يعني (أول) خبر مقدم و: (شهادة) اسم يكن مؤخرًا.
والظاهر أنه يريد أن يبين أن أول ما يكون هي الشهادة، وإذا كان كذلك، يكون (أول) مرفوعًا على أنه اسم يكن، أي: أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: (شهادة)، الشهادة هنا من العلم، قال تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86]، فالشهادة هنا العلم والنطق باللسان، لأن الشاهد مخبر عن علم، وهذا المقام لا يكفي فيه مجرد الإخبار، بل لابد من علم وإخبار وقبول وإقرار وإذعان، أي: انقياد.
فلو اعتقد بقلبه، ولم يقل بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه ليس بمسلم بالإجماع حتى ينطق بها، لأن كلمة أشهد تدل على الإخبار، والإخبار متضمن للنطق، فلابد من النطق، فالنية فقط لا تجزئ، ولا تنفعه عند الله حتى ينطق، والنبي قال لعمه أبي طالب: (قل)، ولم يقل: اعتقد أن لا إله إلا الله.
قوله: (لا إله)، أي: لا معبود، فإله بمعنى مألوه، فهو فعال بمعنى مفعول، وعند المتكلمين، إله بمعنى آله، فهو اسم فاعل، وعليه يكون معنى لا إله، أي: لا قادر على الاختراع، وهذا باطل، ولو قيل بهذا المعنى، لكان المشركون الذين قاتلهم النبي موحدين لأنهم يقرّون به، قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: 87]، وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [الزمر: 38].
فإن قيل: كيف يقال: لا معبود إلا الله، والمشركون يعبدون أصنامهم؟!
أجيب: بأنهم يعبدونها بغير حق، فهم وإن سموها آلهة، فألوهيتها باطلة، وليست معبودات بحق، ولذلك إذا مسهم الضر، لجؤوا إلى الله تعالى، وأخلصوا له الدين، وعلى هذا لا تستحق أن تسمى آلهة.
فهم يعبدونها ويعترفون بأنهم لا يعبدونها إلا لأجل أن تقربهم إلى الله فقط، فجعلوها وسيلة وذريعة، وبهذا التقدير لا يرد علينا إشكال في قول الرسل لقومهم: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59]، لأن هذه المعبودات لا تستحق أن تعبد، بل الإله المعبود حقًا هو الله- سبحانه وتعالى-.
وفى قوله: (لا إله إلا الله) نفي الألوهية لغير الله، وإثباته لله، ولهذا جاءت بطريق الحصر.
ولهما عن سهل بن سعد (رضي الله عنه): أن رسول الله قال يوم خيبر: «لأعطين غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه والله ورسوله، يفتح الله على يديه». فبات الناس يدوكون ليلتهم، أيهم يعطاها، فلما أصبحوا، غدوا على رسول الله، كلهم يرجو أن يعطاها.
قوله: (لأعطين)، هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم المقدر، واللام، والنون، والتقدير: والله لأعطين.
قوله: (الراية)، العلم، وسمي راية، لأنه يُرى، وهو ما يتخذه أمير الجيش للعلامة على مكانه.
واللواء، قيل: إنه الراية، وقيل ما لوي أعلاه، أو لوي كله، فيكون الفرق بينهما، أن الراية مفلولة لا تطوى، واللواء يطوى إما أعلاه أو كله، والمقصود منهما الدلالة، ولهذا يسمى علمًا.
قوله: (غدًا)، يراد به ما بعد اليوم، والأمس يراد به ما قبله.
والأصل أنه يراد بالغد ما يلي يومك، ويراد بالأمس الذي يليه يومك، وقد يراد بالغد ما وراء ذلك، قال تعالى: {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} [الحشر: 18]، أي: يوم القيامة.
وكذلك بالأمس قد يراد به ما وراء ذلك، أي: ما وراء اليوم الذي يليه يومك.
قوله: «يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله». أثبت المحبة لله من الجانبين، أي أن الله تعالى يحب ويحب، وقد أنكر هذا أهل التعطيل، وقالوا: المراد بمحبة الله للعبد إثابته أو إرادة إثابته، والمراد بمحبة العبد لله محبة ثوابه، وهذا تحريف للكلام عن ظاهره مخالف لإجماع السلف من الصحابة والتابعين وأثمة الهدى من بعدهم، ومحبة الله تعالى ثابتة له حقيقة وهي من صفاته الفعلية، وكل شيء من صفات الله يكون له سبب، فهو من الصفات الفعلية، والمحبة لها سبب، فقد يبغض الله إنسانًا في وقت ويحبه في وقت لسبب من الأسباب.
قوله: «على يديه»، أي يفتح خيبر على يديه، وفي ذلك بشارة بالنصر.
قوله: «يدوكون»، أي: يخوضون، وجملة يدوكون خبر بات.
قوله: (غدوا على رسول الله)، أي: ذهبوا إليه في الغدوة مبكرين، كلهم يرجو أن يعطاها لينال محبة الله ورسوله.
فقال: «أين علي بن أبي طالب؟». فقيل هو يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه، فأتى به، فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم».
قوله: «فقال: أين علي؟»، القائل: الرسول.
قوله: (يشتكي عينيه)، أي: يتألم منهما، ولكنه يشتكي إلى الله، لأن عينية مريضة.
وقوله: (فأرسلوا إليه): بأمر الرسول.
قوله: (فأتى به)، كأنه رضي الله عنه قد عمم على عينيه، لأن قوله: (أتى به)، أي: يقاد.
وقوله: (كأن لم يكن به وجع)، أي: ليس بهما أثر حمرة ولا غيرها.
قوله: (فبرأ)، هذا من آيات الله الدالة على قدرته وصدق رسوله، وهذا من مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله: لتخصيص النبي له ذلك من بين سائر الصحابة.
قوله: «انفذ على رسلك»، أي: مهلك، مأخوذ من رسل الناقة، أي: حليبها يحلب شيئًا فشيئًا، والمعنى: امش هوينًا هوينًا، لأن المقام خطير، لأنه يخشى من كمين، واليهود خبثاء أهل غدر.
قوله: «حتى تنزل بساحتهم»، أي: ما يقرب منهم وما حولهم، والنبي يقول: «إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين».
وهذا إذا كنا على الوصف الذي عليه الرسول وأصحابه، أما إذا كنا على وصف القومية، فإننا لو نزلنا في أحضانهم، فمن الممكن أن يقوموا ونكون في الأسفل.
«ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم».
(يدوكون)، أي: يخوضون.
قوله: «ثم ادعهم»، أي: أهل خبير، «إلى الإسلام»، أي: الاستسلام لله.
قوله: «وأخبرهم بما يجب عليهم»، أي: فلا تكفي الدعوة إلى الإسلام فقط، بل يخبرهم بما يجب عليهم فيه حتى يقتنعوا به ويلتزموا، لكن على الترتيب الذي في حديث بعث معاذ.
وهذه المسألة يتردد الإنسان فيها: هل يخبرهم بما يجب عليهم من حق الله في الإسلام قبل أن يسلموا أو بعده؟
فإذا نظرنا إلى ظاهر حديث معاذ وحديث سهل هذا، فإننا نقول: الأولى أن تدعوه للإسلام، وإذا أسلم تخبره.
وإذا نظرنا إلى واقع الناس الآن، وأنهم لا يسلمون عن اقتناع، فقد يسلم، وإذا أخبرته ربما يرجع، قلنا: يخبرون أولًا بما يجب عليهم من حق الله فيه، لئلا يرتدوا عن الإسلام بعد إخبارهم بما يجب عليهم، وحينئذ يجب قتلهم لأنهم مرتدون.
ويحتمل أن يقال: تترك هذه المسألة للواقع وما تقتضيه المصلحة من تقديم هذا أو هذا.
قوله: «لأن يهدي الله»، اللام واقعة في جواب القسم، وأن بفتح الهمزة مصدرية، ويهدي مؤول بالمصدر مبتدأ، «وخير»: خبر، ونظيرها قوله تعالى: {وإن تصوموا خير لكم} [البقرة: 184].
قوله: «حمر النعم» بتسكين الميم: جمع أحمر، وبالضم: جمع حمار، والمراد بالأول.
وحمر النعم: هي الإبل الحمراء، وذكرها لأنها مرغوبة عند العرب، وهي أحسن وأنفس ما يكون من الإبل عندهم.
وقوله: «لأن يهدي الله بك»، ولم يقل: لأن تهدي، لأن الذي يهدي هو الله.
والمراد بالهداية هنا هداية التوفيق والدلالة.
وهل المراد الهداية من الكفر إلى الإسلام، أو يعم كل هداية؟
نقول: هو موجه إلى قوم يدعوهم إلى الإسلام، وهل نقول: إن القرينة الحالية تقتضي التخصيص، وأن من اهتدى على يديه رجل في مسألة فرعية من مسائل الدين لا يحصل له هذا الثواب بقرينة المقام، لأن عليًّا موجه إلى قوم كفار يدعوهم الإسلام، والله أعلم.
* فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله. الثانية: التنبيه على الإخلاص، لأن كثيرًا من الناس لو دعا إلى الحق، فهو يدعو إلى نفسه.
فيه مسائل:
* الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله، وتؤخذ من قوله تعال: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}.
والأشمل من ذلك والأبلغ في مطابقة الآية أن يقال: إن الدعوة إلى الله طريق الرسل وأتباعهم.
* الثانية: التنبيه على الإخلاص، وتؤخذ من قوله: {أدعو إلى الله}، ولهذا قال: (لأن كثيرًا من الناس لو دعا إلى الحق، فهو يدعو إلى نفسه)، فالذي يدعو إلى الله هو الذي لا يريد إلا أن يقوم دين الله، والذي يدعو إلى نفسه هو الذي يريد أن يكون قوله هو المقبول، حقًا كان أم باطلًا.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض. الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيهًا لله تعالى عن المسبة. الخامسة: أن من قبح الشرك كون مسبة لله. السادسة: وهي من أهمها: إبعاد المسلم عن المشركين، لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك.
* الثالثة: أن البصيرة من الفرائض، وتؤخذ من قوله تعالى: {أدعو إلى الله على بصيرة}، ووجه كون البصيرة من الفرائض، لأنه لا بد للداعية من العلم بما يدعو إليه، والدعوة فريضة. فيكون العلم بذلك فريضة.
* الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيهًا لله عن المسبة، وتؤخذ من قوله تعالى: {سبحان الله وما أنا من المشركين}، فسبحان الله دليل على أنه واحد لكماله.
ومعنى عن المسبة، أي: وعن مماثلة الخالق للمخلوق، إذ تمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا؟

* الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله، وتؤخذ من قوله تعالى: {وما أنا من المشركين} بعد قوله: {وسبحان الله}.
* السادسة- وهي من أهمها-: إبعاد المسلم عن المشركين، لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك. لقوله تعالى: {وما أنا من المشركين}، ولم يقل: (وما أنا مشرك)، لأنه إذا كان بينهم، ولو لم يكن مشركًا، فهو في ظاهره منهم، ولهذا لما قال الله للملائكة: {اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} [البقرة: 34]، توجه الخطاب له ولهم.
السابعة: كون التوحيد أول واجب. الثامنة: أنه يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة. التاسعة: أن معنى: (أن يوحدوا الله): معنى شهادة أن لا إله إلا الله. العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
* السابعة: كون التوحيد أول واجب، تؤخذ من قوله: «فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «أن يوحدوا الله».
وقال بعض العلماء، أول واجب النظر، لكن الصواب أن أول واجب هو التوحيد، لأن معرفة الخالق دلت عليها الفطرة.
* الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء، تؤخذ من قوله: «ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه».
* التاسعة: أن معنى أو يوحدوا الله معنى شهادة أن لا إله إلا الله، تؤخذ من تعبير الصحابي حيث عبر في رواية بقوله: «شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية عبر بقوله: «أن يوحدوا الله».
* العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها أو يعرفها ولا يعمل بها، ومراده بقوله: (لا يعرفها، أو يعرفها) شهادة أن لا إله إلا الله، وتؤخذ من قوله: «فليكن أو ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، إذ لو كانوا يعرفون لا إله إلا الله ويعملون بها ما احتاجوا إلى الدعوة إليها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج. الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم. الثالثة عشرة: مصرف الزكاة. الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم. الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال. السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
* الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج. تؤخذ من قوله لمعاذ: «ادعهم إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض…عليهم...» إلخ الحديث.
* الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم. تؤخذ من أمره معاذًا بالتوحيد ليدعو إليه أولًا، ثم الصلاة، ثم الزكاة.
* الثالثة عشرة: مصرف الزكاة. تؤخذ من قوله: «فترد على فقرائهم».
* الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم. المراد بالشبهة هنا: شبهة العلم، أي: يكون عنده جهل.
تؤخذ من قوله: «إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، فبين أن هذه الصدقة تؤخذ من الأغنياء، وأن مصرفها الفقراء.
* الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال. تؤخذ من قوله: «فإياك وكرائم أموالهم»، إذ إياك تفيد التحذير، والتحذير يستلزم النهي.
* السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم. تؤخذ من قوله: «واتق دعوة المظلوم».
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب. الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء. التاسعة عشرة: قوله: «لأعطين الراية....» إلخ: علم من أعلام النبوة.
* السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب. تؤخذ من قوله: «فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، فقرن الترغيب أو الترهيب بالأحكام، مما يحث النفس إن كان ترغيبًا، ويبعدها ويزجرها إن كان ترهيبًا، لقوله: «اتق دعوة المظلوم»، فالنفس قد لا تتقي، لكن إذا قيل: ليس بينها وبين الله حجاب، خافت ونفرت من ذلك.
* الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء. والظاهر أن المؤلف رحمه الله يريد الإشارة إلى قصة خيبر، إذ وقع فيها في عهد النبي جوع عظيم، حتى إنهم أكلوا الحمير والثوم، وأما الوباء، فهو ما وقع في عهد علي رضي الله عنه، وأما المشقة، فظاهرة.
ووجه كون ذلك من أدلة التوحيد: أن الصبر والتحمل في مثل هذه الأمور يدل على إخلاص الإنسان في توحيده وأن قصده الله، ولذلك صبر على البلاء.
* التاسعة عشرة: قوله: «لأعطين الراية» علم من أعلام النبوة. لأن هذا حصل، فعلي بن أبي طالب يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضًا. الحادية والعشرون: فضيلة علي رضي الله عنه. الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح. الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى. الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: (على رسلك). الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
* العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضًا. لأن بصق في عينيه، فبرأ كأن لم يكن به وجع.
* الحادية والعشرون: فضيلة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهذا ظاهر، لأنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
* الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح. لأنهم انشغلوا عن بشارة الفتح بالتماسهم معرفة من يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
* الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى. لأن الصحابة غدوا على رسول الله مبكرين، كلهم يرجو أن يعطاها ولم يعطوها، وعلى بن أبي طالب مريض ولم يسع لها، ومع ذلك أعطي الراية.
* الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: (على رسله). ووجهه: أنه أمره بالتمهل وعدم التسرع.
* الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال. لقوله: «انزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام».
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا. السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة، لقوله: «أخبرهم بما يجب عليهم». الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام. التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد. الثلاثون: الحلف على الفتيا.
* السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.
* السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة، لقوله: «أخبرهم بما يجب عليهم». لأن من الحكمة أن تتم الدعوة، وذلك بأن تأمره بالإسلام أولًا، ثم تخبره بما يجب عليه من حق الله، ولا يكفي أن تأمره بالإسلام، لأنه قد يطبق هذا الإسلام الذي أمرته به وقد لا يطبقه، بل لابد من تعاهده حتى لا يرجع إلى الكفر.
* الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام. تؤخذ من قوله: «وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه».
* التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد. لقوله: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم»، أي: خير لك من كل ما يستحسن في الدنيا، وليس المعنى كما قال بعضهم، خير لك من أن تتصدق بنعم حمر.
* الثلاثون: الحلف على الفتيا. لقوله: «فوالله لأن يهدي الله....» إلخ، فأقسم النبي هو لم يستقسم، والفائدة هي حثه على أن يهدي الله به والتوكيد عليه.
ولكن لا ينبغي الحلف على الفتيا إلا لمصلحة وفائدة، لأنه قد يفهم السامع أن المفتي لم يحلف إلا لشك عنده.
والإمام أحمد رحمه الله أحيانًا يقول في إجابته: إي والله، وقد أمر الله رسوله بالحلف في ثلاثة مواضع من القرآن:
في قوله تعالى: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق} [يونس: 53].
وفي قوله تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن}. [التغابن: 7].
وفي قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بل وربي لتأتينكم} [سبأ: 3].
فإذا كان في القسم مصلحة ابتداءًا، أو جوابًا لسؤال، جاز وربما يكون مطلوبًا.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2014, 03:16 PM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
.باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله:

التفسير معناه: الكشف والإيضاح، مأخوذ من قولهم: فسرت الثمرة قشرها، ومن قول الإنسان: فسرت ثوبي، فاتضح ما وراءه، ومنه تفسير القرآن الكريم.
والتوحيد تقدم تعريفه، والمراد به هنا اعتقاد أن الله واحد في ألوهيته.
وقوله: (شهادة أن لا إله إلا الله)، معطوف على التوحيد، أي: وتفسير شهادة أن لا إله إلا الله.
والعطف هنا من باب عطف المترادفين، لأن التوحيد حقيقة هو شهادة أن لا إله إلا الله.
وهذا الباب مهم، لأنه لما سبق الكلام على التوحيد وفضله والدعوة إليه، كأن النفس الآن اشرأبت إلى بيان ما هو هذا التوحيد الذي بوب له هذه الأبواب (وجوبه، وفضله، والدعوة إليه).
فيجاب بهذا الباب، وهو تفسير التوحيد، وقد ذكر المؤلف خمس آيات:
وقول الله تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} الآية [الإسراء: 57].
* الآية الأولى: قوله تعالى: {أولئك}. (أولًا): مبتدأ.
{الذين}: اسم موصول بدل منه.
{يدعون}: صلة الموصول.
وجملة: {يبتغون}: خبر المبتدأ، أي: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، فكيف تدعونهم وهم محتاجون مفتقرون؟! فهذا سفه في الحقيقة، وهذا ينطبق على كل من دعي وهو داع، كعيسى بن مريم، والملائكة، والأولياء، والصالحين، وأما الشجر والحجر، فلا يدخل في الآية.
فهؤلاء الذين زعمتم أنهم أولياء من دون الله لا يملكون كشف الضر ولا تحويله من مكان إلى مكان، لأنهم هم بأنفسهم يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، وقد قال تعالى مبينًا حال هؤلاء المدعوين: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 13-14].
قوله: {يدعون}، أي: دعاء مسألة، كمن يدعو عليًّا عند وقوعهم في الشدائد، وكمن يدعو النبي يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ** سواك عند حلول الحادث العمم

وقد يكون دعاء عبادة، كمن يتذلل لهم بالتقرب، والنذر، والركوع، والسجود.
قوله: {يبتغون}: يطلبون.
قوله: {الوسيلة}، أي: الشيء الذي يوصلهم إلى الله، يعني: يطلبون ما يكون وسيلة إلى الله- سبحانه وتعالى- أيهم اقرب إلى الله، وكذلك أيضًا يرجون رحمته ويخافون عذابه.
* وجه مناسبة الآية للباب باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله:
أن التوحيد يتضمن البراءة من الشرك، بحيث لا يدعو مع الله أحدًا، لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، وهؤلاء الذين يدعون الأنبياء والملائكة لم يتبرؤا من الشرك، بل هم واقعون فيه، ومن العجب أنهم يدعون من هم في حاجة إلى ما يقربهم إلى الله تعالى، فهم غير مستغنين عن الله بأنفسهم، فكيف يغنون غيرهم؟!
* الآية الثانية والثالثة: قوله تعالى: {وإذا قال إبراهيم لأبيه وقومه} الآيتين.
قوله: {براء}: على وزن فعال، وهي صفة مشبهة من التبرؤ، وهو التخلي، أي: إنني متخل غاية التخلي عما تعبدو إلا الذي فطرني، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قوي في ذات الله، فقال ذلك معلنًا به لأبيه وقومه، وأبوه هو آزر.
قوله: {تعبدون}: العبادة هنا التذلل والخضوع، لأن في قومه من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الشمس والقمر والكواكب.
قوله: {إلا الذي فطرني}: جميع بين النفي والإثبات، فالنفي: {براء مما تعبدون}، والإثبات: {إلا الذي فطرنى}، فدل على أن التوحيد لا يتم إلا بالكفر بما سوى الله والإيمان بالله وحده، {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة: 256]، وهؤلاء يعبدون الله ويعبدون غيره، لأنه قال: {إلا الذي فطرني}، والأصل في الاستثناء الاتصال إلا بدليل، ومع ذلك تبرأ منهم.
وكذا يوجد في بعض البلدان الإسلامية من يصلي ويزكي ويصوم ويحج، ومع ذلك يذهبون إلى القبور يسجدون لها ويركعون، فهم كفار غير موحدين، ولا يقبل منهم أي عمل، وهذا من أخطر ما يكون على الشعوب الإسلامية، لأن الكفر بما سوى الله عندهم ليس بشيء، وهذا جهل منهم، وتفريط من علمائهم، لأن العامي لا يأخذ إلا من عالمه، لكن بعض الناس-والعياذ بالله- عالم دولة لا عالم ملة.
وفي قول إبراهيم: {إلا الذي فطرني}، ولم يقل إلا الله لفائدتان:
الأولى: الإشارة إلى علة إفراد الله بالعبادة، لأنه كما أنه منفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة.
الثانية: الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام، لأنها لم تفطركم حتى تعبدوها، ففيها تعليل للتوحيد الجامع بين النفي والإثبات، وهذه من البلاغة التامة في تعبير إبراهيم عليه السلام.
يستفاد من الآية أن التوحيد لا يحصل بعبادة الله مع غيره، بل لا بد من إخلاصه لله، والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام:
قسم يعبد الله وحده.
وقسم يعبد غيره فقط.
وقسم يعبد الله وغيره.
والأول فقط هو الموحد.
وقوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} الآية [التوبة: 31].
* الآية الرابعة: قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} الآية.
قوله: {أحبارهم}: والمعطوف عليها المفعول الأول لـ: {اتخذوا}، والثاني: {أربابًا} أي: هؤلاء اليهود والنصارى صيروا أحبارهم ورهبانهم أربابًا.
والأحبار: جمع حبر، وهو العالم، ويقال للعالم أيضًا بحر لكثرة علمه.
والحبر، بفتح الحاء، وكسرها يقال: حبر، وحبر.
قوله تعالى: {ورهبانهم}، أي: عبادهم.
وقوله: {أربابًا}: جمع رب، أي يجعلونهم أربابًا من دون الله، فيجعلوا الأحبار أربابًا لأنهم يأتمرون بأمرهم في مخافة أمر الله، فيطيعونهم في معصية الله.
وجعلوا الرهبان أربابًا باتخاذهم أولياء يعبدونهم من دون الله.
قوله: {من دون الله}، أي: من غير الله.
قوله: {والمسيح ابن مريم}: معطوف على أحبارهم، أي: اتخذوا المسيح ابن مريم أيضًا ربًا حيث قالوا: إنه ثالث ثلاثة.
قوله: {إلا ليعبدون}، أي: يتذللوا بالطاعة لله وحده، الذي خلق المسيح والأحبار والرهبان والسماوات والأرض.
قوله: {لا إله إلا هو}، أي: لا معبود حق إلا هو.
قوله: {سبحانه}: تنزيه لله عما يشركون.
وجه كون هذه الآية تفسيرًا للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: أن الله أنكر عليهم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهذه الآية سيأتي فيها ترجمة كاملة في كلام المؤلف رحمه الله، فهؤلاء جعلوا الأحبار شركاء في الطاعة، كلما أمروا بشيء أطاعوهم، سواء وافق أمر الله أم لا.
إذًا، فتفسير التوحيد أيضًا بلا إله إلا الله يستلزم أن تكون طاعتك لله وحده، ولهذا على الرغم من تأكيد النبي لطاعة ولاة الأمر، قال: «إنما الطاعة في المعروف».
وقوله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله} الآية [البقرة: 165].
* الآية الخامسة: قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله} الآية.
قوله: {من الناس}: من للتبعيض، وعلامتها أن يصح أن يحل محلها بعض، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و: {من يتخذ} مبتدأ مؤخر، أي من يجعل لله أندادًا، ومفعولها الأول: {أندادًا} مؤخرًا، ومفعولها الثاني: {من دون الله} مقدمًا.
وقوله: {يتخذ}: جاءت بالإفراد مراعاة للفظ (من).
وقوله: {يحبونهم}: بالجمع مراعاة للمعنى.
وقوله: {أندادًا}: جمع ند، وهو الشبيه والنظير، ولهذا قال النبي لمن قال له ما شاء الله وشئت: «أجعلتني لله ندًّا؟! بل ما شاء الله وحده».
وقوله: {يحبونهم كحب الله}: هذا وجه المشابهة، أي: الندية في المحبة يحبونهم كحب الله.
واختلف المفسرون في قوله: {كحب الله}:
فقيل: يجعلون محبة الأصنام مساوية لمحبة الله، فيكون في قلوبهم محبة لله ومحبة للأصنام، ويجعلون محبة الأصنام كمحبة الله، فيكون المصدر مضافًا إلى مفعوله، أي يحبون الأصنام كحبهم لله.
وقيل: يحبون هذه الأصنام محبة شديدة كمحبة المؤمنين لله.
وسياق هذه الآية يؤيد القول الأول.
وقوله: {والذين آمنوا أشد حبًّا لله}.
على الرأي الأول يكون معناها: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من هؤلاء لله، لأن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة هؤلاء فيها شرك بين الله وبين أصنامهم.
وعلى الرأي الثاني معناها: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من هؤلاء لأصنامهم، لأن محبة المؤمنين ثابتة في السراء والضراء على برهان صحيح، بخلاف المشركين، فإن محبتهم لأصنامهم تتضاءل إذا مسهم الضر.
فما بالك برجل يحب غير الله أكثر من محبته لله؟! وما بالك برجل يحب غير الله ولا يحب الله؟! فهذا أقبح وأعظم، وهذا موجود في كثير من المنتسبين للإسلام اليوم، فإنهم يحبون أولياءهم أكثر مما يحبون الله، ولهذا لو قيل له: أحلف بالله، حلف صادقًا أو كاذبًا، أما الولي، فلا يحلف به إلا صادقًا.
وتجد كثيرًا منهم يأتون إلى مكة والمدينة ويرون أن زيارة قبر الرسول أعظم من زيارة البيت، لأنهم يجدون في نفوسهم حبًّا لرسول الله كحب الله أو أعظم، وهذا شرك، لأن الله يعلم أننا ما أحببنا رسول الله إلا لحب الله، ولأنه رسول الله، ما أحببناه لأنه محمد بن عبد الله، لكننا أحببناه، لأنه رسول الله، فنحن نحبه بمحبة الله، لكن هؤلاء يجعلون محبة الله تابعة لمحبة الرسول إنه أحبوا الله.
فهذه الآية فيها محنة عظيمة لكثير من قلوب المسلمين اليوم الذين يجعلون غير الله مثل الله في المحبة، وفيه أناس أيضًا أشركوا بالله في محبة غيره، لا على وجه العبادة الشرعية، لكن على وجه العبادة المذكورة في الحديث، وهي محبة الدرهم والدينار والخميصة والخميلة، يوجد أناس لو فتشت عن قلوبهم، لوجدت قلوبهم ملأى من محبة متاع الدنيا، وحتى هذا الذي جاء يصلي هو في المسجد لكن قلبه مشغول بما يحبه من أمور الدنيا.
فهذا نوع من أنواع العبادة في الحقيقة، لو حاسب الإنسان نفسه لماذا خلق؟ لعلم أنه خلق لعبادة الله، وأيضًا خلق لدار أخرى ليست هذه الدار، فهذه الدار مجاز يجوز الإنسان منها إلى الدار الأخرى، الدار التي خلق لها والتي يجب أن يعنى بالعلم لها، يا ليت شعري متى يومًا من الأيام فكر الإنسان ماذا عملت؟ وكم بقي لي في هذه الدنيا؟ وماذا كسبت؟ الأيام تمضي ولا أدري هل ازددت قربًا من الله أو بعدًا من الله؟ هل نحاسب أنفسنا عن هذا الأمر؟
فلا بد لكل إنسان عاقل من غاية، فما هي غايته؟
نحن الآن نطلب العلم للتقرب إلى الله بطلبه، وإعلام أنفسنا، وإعلام غيرنا، فهل نحن كلما علمنا مسألة من المسائل طبقناها؟ نحن على كل حال نجد في أنفسنا قصورًا كثيرًا وتقصيرًا، وهل نحن إذا علمنا مسألة ندعو عباد الله إليها؟
هذا أمر يحتاج إلى محاسبة، ولذلك، فإن على طالب العلم مسؤولية ليست هينة، عليه أكثر من زكاة المال، فيجب أن يعمل ويتحرك ويبث العلم والوعي في الأمة الإسلامية، وإلا انحرفت عن شرع الله.
قال ابن القيم رحمه الله: كل الأمور تسير بالمحبة، فأنت مثلًا لا تتحرك لشيء إلا وأنت تحبه، حتى اللقمة من الطعام لا تأكلها إلا لمحبتك لها.
ولهذا قيل: إن جميع الحركات مبناها على المحبة، فالمحبة أساس العمل، فالإشراك في المحبة إشراك بالله.
* والمحبة أنواع:
الأول: المحبة لله، وهذه لا تنافي التوحيد، بل هي من كماله، فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله.
والمحبة لله هي أن تحب هذا الشيء، لأن الله يحبه، سواء كان شخصًا أو عملًا، وهذا من تمام التوحيد.
قال مجنون ليلي:
أمر على الديار ديار ليلى ** أقبل ذا الجدار وذا الجدار

وما حب الديار شغفن قلبي ** ولكن حب من سكن الديارا

الثاني: المحبة الطبيعية التي لا يؤثرها المرء على محبة الله، فهذه لا تنافي محبة الله، كمحبة الزوجة، والولد، والمال، ولهذا لما سئل النبي: من أحب الناس إليك؟ قال: «عائشة». قيل: فمن الرجال؟ قال: «أبوها».
ومن ذلك محبة الطعام والشراب واللباس.
الثالث: المحبة مع الله التي تنافي محبة الله، وهي أن تكون محبة غير الله كمحبة الله أو أكثر من محبة الله، بحيث إذا تعارضت محبة الله ومحبة غيره قدم محبة غير الله، وذلك إذا جعل هذه المحبة ندًّا لمحبة الله يقدمها على محبة الله أو يساويها بها.
الشاهد من هذه الآية: أن الله جعل هؤلاء الذين ساووا محبة الله بمحبة غيره مشركين جاعلين لله أندادًا.
وفي الصحيح عن النبي: أنه قال: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل». وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب.
قوله: (وفي الصحيح). لم يفصح المؤلف رحمه الله بمراده بالصحيح، أهو (صحيح البخاري) أم (صحيح مسلم)، أم أن المراد به الحديث الصحيح، سواء كان في (الصحيحين) معًا أم في أحدهما أم في غيرهما، وليس له اصطلاح في ذلك يحمل عليه عند الإطلاق، وعلى هذا يبحث عن الحديث في مضانه، وقد ورد هذا التعبير في سياق المؤلف للحديث في مواضع أخرى، والمراد به هنا (صحيح مسلم).
قوله: «من قال لا إله إلا الله» أي لا معبود حق إلا الله، فلفظ الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر، ومن يرى أن (لا) تعمل في المعرفة يقولون: هو الخبر.
قوله: «وكفر بما يعبد من دون الله»، أي: بعبادة من يعبد من دون الله، قلنا ذلك، لأن عيسى بن مريم كان يعبد من دون الله، ونحن نؤمن به، لكن لا نؤمن بعبادته ولا بأنه مستحق للعبادة، كما قال تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم} [المائدة: 116].
وفي قوله: «وكفر بما يعبد من دون الله» دليل على أنه لا يكفي مجرد التلفظ بلا إله إلا الله، بل لا بد أن تكفر بعبادة من يعبد من دون الله بل وتكفر أيضًا بكل كفر فمن يقول لا إله إلا الله ويرى أن النصارى واليهود اليوم على دين صحيح، فليس بمسلم، ومن يرى الأديان أفكارًا يختار منها ما يريد، فليس بمسلم، بل الأديان عقائد مفروضة من قبل الله- عز وجل-، يتمشى الناس عليها، ولهذا ينكر على بعض الناس في تعبيره بقوله: الفكر الإسلامي، بل الواجب أن يقال: الدين الإسلامي أو العقيدة الإسلامية، ولا بأس بقول المفكر الإسلامي، لأنه وصف للشخص نفسه لا للدين الذي هو عليه.
قوله: (وشرح هذه الترجمة)، المراد بالشرح هنا: التفصيل، والترجمة: هي التعبير بلغة عن لغة أخرى، ولكنها تطلق باصطلاح المؤلفين على العناوين والأبواب، فيقال: ترجم على كذا، أي: بوب له.
* فيه مسائل:
فيه أكبر المسائل وأهمها، وهي تفسير التوحيد وتفسير الشهادة، وبينها بأمور واضحة.
قوله: (فيه أكبر المسائل وأهمها، وهي تفسير التوحيد).
فتفسير التوحيد أنه لا بد فه من أمرين:
الأول: نفى الألوهية عما سوى الله- عز وجل-.
الثاني: إثبات الألوهية لله وحده، فلا بد من النفي والإثبات لتحقيق التوحيد، لأن التوحيد جعل الشيء واحدًا بالعقيدة والعمل، وهذا لا بد فيه من النفي والإثبات.
فإذا قلت: زيد قائم، أثبت له القيام ولم توحده، لكن إذا قلت: لا قائم إلا زيد، أثبت له القيام ووحدته به.
وإذا قلت: الله إله أثبت له الألوهية، لكن لم تنفها عن غيره، فالتوحيد لم يتم، وإذا قلت: لا إله إلا الله، أثبت الألوهية لله ونفيتها عما سواه.
قوله: (تفسير الشهادة). الشهادة: هي التعبير عما تيقنه الإنسان بقلبه فقول: أشهد أن لا إله إلا الله. أي أنطق بلساني معبرًا عما يكنه قلبي من اليقين وهو أنه لا إله إلا الله.
منها آية الإسراء: بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
قوله: (منها آية الإسراء. وهو قوله تعالى: {أولئك الذين يدعون} [الإسراء: 57])، فبين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، وبين أن هذا هو الشرك الأكبر، لأن الدعاء من العبادة، قال تعالى: {ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60]، فدل على أن الدعاء عبادة، لأن آخر الكلام تعليل لأوله، فكل من دعا أحدًا غير الله حيًّا أو ميتًا، فهو مشرك شركًا أكبر.
ودعاء المخلوق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: جائز، وهو أن تدعو مخلوقًا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة، فهذا ليس من دعاء العبادة، بل هو من الأمور الجائزة، قال: «وإذا دعاك فأجبه».
الثاني: أن تدعو مخلوقًا مطلقًا، سواء كان حيًّا أو ميتًا فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا شرك أكبر لأنك جعلته ندأ لله فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: يا فلان! اجعل ما في بطن امرأتي ذكرًا.
الثالث: أن تدعو مخلوقًا ميتًا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة، فهذا شرك أكبر أيضًا لأنه لا يدعو من كان هذه حالة حتى يعتقد أن له تصرفًا خفيًّا في الكون.
قوله: (ومنها آية براءة بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله). وهذا شرك الطاعة، وهو بتوحيد الربوبية ألصق من توحيد الألوهية، لأن الحكم شرعيًّا كان أو كونيًّا إلى الله تعال، فهو من تمام ربوبيه، قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10]، وقال تعالى: {له الحكم وإليه ترجعون} [القصص: 70].
والشيخ رحمه الله جعل شرك الطاعة من الأكبر، وهذا فيه تفصيل، وسيأتي إن شاء الله في باب من أطاع الأمراء والعلماء في تحليل ما حرم الله أو بالعكس.
ومنها قول الخليل عليه السلام للكفار: {إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني} [الزخرف: 26]. فاستثنى من المعبودين ربه.
وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، فقال: {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف: 28].
قوله: (ومنها: قول الخليل عليه السلام للكفار: {إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني}، فاستثنى من المعبودين ربه). فدل هذا على أن التوحيد لا بد فيه من نفي وإثبات: البراءة مما سوى الله، وإخلاص العبادة لله وحدة.
وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، فقال: {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون}، وهي لا إله إلا الله، فكان معنى قوله: {إنني براءة مما تعبدون إلا الذي فطرني} هو معنى قول: لا إله إلا الله.
ومنها آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: {وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 167]. ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنه يحبون الله حبًّا عظيمًا، لم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! وكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟!
قوله: (ومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: {وما هم بخارجين من النار}).
فجعل الله المحبة شركًا إذا أحب شيئًا سوى الله كمحبته لله، فيكون مشركًا مع الله في المحبة، ولهذا يجب أن تكون محبة الله خالصة لا يشاركه فيها أحد حتى محبة الرسول، فلولا أنه رسول ما وجب طاعته ولا محبته إلا كما نحب أي مؤمن، ولا يمنع الإنسان من محبة غير الله، بل له أن يحب كل شيء تباح محبته، كالولد، والزوجة، ولكن لا يجعل ذلك محبة الله.
قال المؤلف: (فكيف بمن أحب الند أكبر من حسب الله؟! وكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟!).
فالأقسام الأربعة:
الأول: أن يحب الله حبًّا أشد من غيره، فهذا هو التوحيد.
الثاني: أن يحب غير الله كمحبة الله، وهذا شرك.
الثالث: أن يحب غير الله أشد حبًّا من الله، وهذا أعظم مما قبله.
الرابع: أن يحب غير الله وليس في قلبه محبة لله تعالى، وهذا أعظم وأطم.
والمحبة لها أسباب ومتعلقات، وتختلف باختلاف متعلقها، كما أن الفرح يختلف باختلاف متعلقة وأسبابه، فعندما يفرح بالطرب، فليس هذا كفرحة بذكر الله ونحوه.
حتى نوع المحبة يختلف، يحب والده ويحب ولده وبينهما فرق، ويحب الله ويحب ولده، ولكن بين المحبتين فرق.
فجميع الأمور الباطنة في المحبة والفرح والحزن تختلف باختلاف متعلقها، وسيأتي إن شاء الله لهذا البحث مزيد تفصيل عند قول المؤلف: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا}.
ومنها قوله: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله).
وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا إله إلا الله)، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.
قوله: (ومنها: قول النبي: «من قال: لا إله إلا الله....») إلخ.
إذًا، فلا بد من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} [البقرة: 256].
قوله: (وكفر بما يعبد من دون الله). أي: كفر بالأصنام، وأنكر أن تكون عبادتها حقًا، فلا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، ولا أعبد صنمًا، بل لا بد أن يقول: الأصنام التي تعبد من دون الله أكفر بها وبعبادتها.
فمثلًا لا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله ولا أعبد اللات، ولكن لا بد أن يكفر بها ويقول: إن عبادتها ليست بحق، وإلا، كان مقرًا بالكفر.
فمن رضي دين النصارى دينًا يدنون الله به، فهو كافر لأنه إذا ساوى غير دين الإسلام مع الإسلام، فقد كذب قوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85].
وبهذا يكون كافرًا، وبهذا نعرف الخطر العظيم الذي أصاب المسلمين اليوم باختلاطهم مع النصارى، والنصارى يدعون إلى دينهم صباحًا ومساءًا، والمسلمون لا يتحركون، بل بعض المسلمين الذين ما عرفوا الإسلام حقيقة يلينون لهؤلاء، {ودوا لو تدهن فيدهنون} [القلم: 9]، وهذا من المحنة التي أصابت المسلمين الآن، وآلت بهم إلى هذا الذل الذي صاروا فيه.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-29-2014, 03:17 PM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
.باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه:

قوله: (من الشرك)، من هنا للتعبيض، أي: أن هذا بعض الشرك، وليس كل الشرك، والشرك: اسم جنس يشمل الأصغر والأكبر، ولبس هذه الأشياء قد يكون أصغر وقد يكون أكبر بحسب اعتقاد لابسها، وكان لبس هذه الأشياء من الشرك، لأن كل من أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا شرعيًّا ولا قدريًّا، فقد جعل نفسه شريكًا مع الله.
فمثلًا: قراءة الفاتحة سبب شرعي للشفاء.
وأكل المسهل سبب حسي لانطلاق البطن، وهو قدري، لأنه يعلم بالتجارب والناس في الأسباب طرفان ووسط:
الأول: من ينكر الأسباب، وهم كل من قال بنفي حكمة الله، كالجبرية، والأشعرية.
الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعلوا ما ليس بسبب سببًا، وهؤلاء هم عامة الخرافيين من الصوفية ونحوهم.
الثالثة: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله، سواء كان سببًا شرعيًّا أو كونيًّا.
ولا شك أن هؤلاء هم الذين آمنوا بالله إيمانًا حقيقيًّا، وآمنوا بحكمته، حيث ربطوا الأسباب بمسبباتها، والعلل بمعلولاتها، وهذا من تمام الحكمة.
ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله، فهو مشرك شركًا أكبر في توحيد الربوبية، لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا غيره.
وإن اعتقد أنها سبب، ولكنه ليس مؤثرًا بنفسه، فهو مشرك شركًا أصغر لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسب سببًا فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببًا.
وطريق العلم بأن الشيء سبب، إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل: {فيه شفاء للناس} [النحل: 69]، وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس، قال الله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء: 82].
وإما عن طريق القدر، كما إذا جربنا هذا الشيء فوجدناه نافعًا في هذا الألم أو المرض، ولكن لا بد أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلًا، فهذا سبب ظاهر بين، وإنما قلنا هذا لئلا يقول قائل: أن جربت هذا وانتفعت به، وهو لم يكن مباشرًا، كالحلقة، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة، فينتفع لأن للانفعال النفسي للشيء أثرًا بينًا، فقد يقرأ إنسان على مريض فلا يرتاح له، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة، فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له ويشعر بخفة الألم، كذلك الذين يلبسون الحلق ويربطون الخيوط، قد يحسون بخفة الألم أو اندفاعه أو ارتفاعه بناءً على اعتقادهم نفعها.
وخفة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي، والشعور النفسي ليس طريقًا شرعيًّا لإثبات الأسباب، كما أن الإلهام ليس طريقًا للتشريع.
قوله: (لبس الحلقة والخيط)، الحلقة: من حديد أو ذهب أو فضة أو ما أشبه ذلك، والخيط معروف.
قوله: (ونحوهما)، كالمرصعات، وكمن يصنع شكلًا معينًا من نحاس أو غيره لدفع البلاء، أو يعلق على نفسه شيئًا من أجزاء الحيوانات، والناس كانوا يعلقون القرب البالية على السيارات ونحوها لدفع العين، حتى إذا رآها الشخص نفرت نفسه فلا يعين.
قوله: (لرفع البلاء، أو دفعه)، الفرق بينهما: أن الرفع بعد نزول البلاء، والدفع قبل نزول البلاء.
وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لا ينكر السبب الصحيح للرفع أو الدفع، وإنما ينكر السبب غير الصحيح.
وقول الله تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرداني الله بضر هل هن كاشفات ضره} الآية [الزمر: 38].
وقول الله تعالى: {أفرأيتم}، أي: أخبروني، وهذا تفسير باللازم، لأن من رأى أخبر، وإلا، فهي استفهام عن رؤية، قال تعالى: {أرأيت الذي يكذب بالدين} [الماعون: 1]، أي: أخبرني ما حال من كذب بالدين؟ وهي تنصب مفعولين، الأول مفرد، والثاني جملة استفهامية.
وقوله: {ما}، المفعول الأول لرأيتم، والمفعول الثاني جملة: {إن أرادني الله بضر}.
وقوله: {تدعون}، المراد بالدعاء دعاء العبادة ودعاء المسألة، فهم يدعون هذه الأصنام دعاء عبادة، فيتعبدون لها بالنذر والذبح والركوع والسجود، ويدعونها دعاء مسألة لدفع الضرر أو جلب النفع.
فالله سبحانه إذا أراد بعبده ضرًا لا تستطيع الأصنام أن تكشفه، وإن أراده برحمة لا تستطيع أن تمسك الرحمة عنه، فهي لا تكشف الضرر، ولا تمنع النفع، فلماذا تبعد؟
وقوله: {كاشفات}، يشمل الدفع والرفع، فهي لا تكشف الضر بدفعه وإبعاده، ولا تكشفه برفعه وإزالته.
وقوله: {قل حسبي الله}، أي: كافيني، والحسب: الكفاية، ومنه قوله تعالى: {جزاء من ربك عطاء حسابًا} [النبأ: 36]، من الحسب، وهو الكفاية، وحسبي، مبتدأ ولفظ الجلالة خبر، وهذا أبلغ.
وقيل العكس، والراجح الأول، لوجهين:
الأول: أن الأصل عدم التقديم والتأخير.
الثاني: أن قولك: حسبي الله فيه حصر الحسب في الله، أي حسبي الله لا غيره، فهو كقولك: لا حسب لي إلا الله، بخلاف قولك: الله حسبي، فليس فيه الحصر المذكور، فلا يدل على حصر الحسب في الله.
قوله: {عليه يتوكل المتوكلون}. قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
والمعنى أن المتوكل حقيقة هو المتوكل على الله، أما الذي يتوكل على الأصنام والأولياء والأضرحة، فليس بمتوكل على الله تعالى.
وهذا لا ينافي أن يوكل الإنسان إنسانًا في شيء ويعتمد عليه، لأن هناك فرقًا بين التوكل على الإنسان الذي يفعل لك شيئًا بأمرك، وبين توكلك على الله، لأن توكلك على الله اعتقادك أن بيده النفع والضر، وأنك متذلل، معتمد عليه، مفتقر إليه، مفوض أمرك إليه.
والشاهد من هذه الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا يجلب نفع ولا بدفع ضر، فليست أسبابًا لذلك، فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعي أو قدري، فيعتبر اتخاذه سببًا إشراكًا بالله.
وهناك شاهد آخر في قوله: {حسبي الله}، فإن فيه تفويض الكفاية إلى الله دون الأسباب الوهمية، وأما الأسباب الحقيقية، فلا ينافي تعاطيها توكل العبد على الله تعالى وتفويض الأمر إليه، لأنها من عنده.
عن عمران بن حصين رضي الله عنه، أن النبي رأى رجلًا في يده حلقة من صفر، فقال: «ما هذه»؟ قال: من الواهنة. فقال: «انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك، ما أفلحت أبدًا». رواه أحمد بسند لا بأس به.
قوله في حديث عمران: «رأى رجلًا». لم يبين اسمه، لأن المهم بيان القضية وحكمها، لكن ورد ما يدل على أنه عمران نفسه، لكنه أبهم نفسه.
قوله: «حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة»، والحلقة والصفر معروفان، وأما الواهنة، فوجع في الذراع أو العضد.
(ما أفلحت): الفلاح هو النجاة من المرهوب وحصول المطلوب.
وهذا الحديث مناسب للباب مناسبة تامة، لأن هذا الرجل لبس حلقة من صفر، إما لدفع البلاء أو لرفعه.
والظاهر أنه لرفعه، لقوله: «لا تزيدك إلا وهنأ»، والزيادة تكون مبنية على أصل.
ففي هذا الحديث دليل على عدة فوائد:
1- أن ينبغي لمن أراد إنكار المنكر أن يسأل أولًا عن الحال، لأنه قد يظن ما ليس بمنكر منكرًا، ودليله أن الرسول قال: «ما هذه».
والاستفهام هنا للاستعلام فيما يظهر وليس للإنكار، وقول الرجل: (من الواهنة): من للسببية، أي: لبستها بسبب الواهنة، وهي مرض يوهن الإنسان ويضعفه، قد يكون في الجسم كله وقد يكون في بعض الأعضاء كما سبق.
2- وجوب إزالة المنكر، لقوله: «انزعها»، فأمره بنزعها، لأن لبسها منكر، وأيد ذلك بقوله: «إنها لا تزيدك إلا وهنًا»، أي: وهنًا في النفس لا في الجسم، وربما تزيده وهنًا في الجسم، أما وهن النفس، فلأن الإنسان إذا تعلقت نفسه بهذه الأمور ضعفت واعتمدت عليها ونسيت الاعتماد على الله- عز وجل-، والانفعال النفسي له أثر كبير في إضعاف الإنسان، فأحيانًا يتوهم الصحيح أنه مريض فيمرض، وأحيانًا يتناسى الإنسان المرض وهو مريض فيصبح صحيحًا، فانفعال النفس بالشيء له أثر بالغ، ولهذا تجد بعض الذين يصابون بالأمراض النفسية يكون أصل إصابتهم ضعف النفس من أول الأمر، حتى يظن الإنسان أنه مريض بكذا أو بكذا، فيزداد عليه الوهم حتى يصبح الموهوم حقيقة.
فهذا الذي لبس الحلقة من الواهنة لا تزيده إلى وهنًا، لأنه سوف يعتقد أنها ما دامت عليه فهو سالم، فإذا نزعها عاد إليه الوهن، وهذا بلا شك ضعف في النفس.
3- أن الأسباب لا أثر لها بمقتضى الشرع أو العادة أو التجربة لا ينتفع بها الإنسان.
4- أن لبس الحلقة وشبهها لدفع البلاء أو رفعه من الشرك، لقوله: «لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا»، وانتفاء الفلاح دليل على الخيبة والخسران.
ولكن هل هذا شرك أكبر أو أصغر؟.
سبق لنا عند الترجمة أنه يختلف بحسب اعتقاد صاحبه.
5- أن الأعمال بالخواتيم، لقوله: «لو مت وهي عليك»، فعرف أنه لو أقلع عنها قبل الموت لم تضره لأن الإنسان إذا تاب قبل أن يموت صار كمن لا ذنب له.
وله عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «من تعلق تميمة، فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة، فلا ودع الله له».
قوله: «من تعلق تميمة»: أي علق بها قلبه واعتمد عليها في جلب النفع ودفع الضرر، والتميمة: شيء يعلق على الأولاد من خرز أو غيره يتقون به العين.
وقوله: «فلا أتم الله له». الجملة خبرية بمعنى الدعاء، ويحتمل أن تكون خبرية محضة، وكلا الاحتمالين دال على أن التميمة محرمة، سواء نفى الرسول أن يتم الله له أو دعا بأن لا يتم الله له، فإن كان الرسول أراد به الخبر، فإننا نخبر بما أخبر به النبي، وإلا، فإننا ندعو بما دعا به الرسول.
وفي رواية: «من تعلق تميمة، فقد أشرك».
ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلًا في يده خيط من الحمى، فقطعه، وتلا قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106].
ومثل ذلك قوله: «ومن يتعلق ودعة، فلا ودع الله له».
والودعة: واحدة الودع، وهي أحجار تؤخذ من البحر يعلقونها لدفع العين، ويزعمون أن الإنسان إذا علق هذه الودعة لم تصبه العين، أو لا يصيبه الجن.
قوله: «لا ودع الله له»، أي: لا تركه الله في دعة وسكون، وضد الدعة والسكون القلق والألم.
وقيل: لا ترك الله له خيرًا، فعومل بنقيض قصده.
وقوله: «فقد أشرك»، هذا الشرك يكون أكبر إن اعتقد أنها ترفع أو تدفع بذاتها دون أمر الله، وإلا، فهو أصغر.
قوله: «من الحمى»، (من) هنا للسببية، أي: في يده خيط لبسه من أجل الحمى لتبرد عليه، أو يشفى منها.
قوله: (فقطعه) أي: قطع الخيط، وفعله هذا من تغيير المنكر باليد، وهذا يدل على غيرة السلف الصالح وقوتهم في تغيير المنكر باليد وغيرها.
وقوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}، أي وتلا حذيفة هذه الآية. والمراد بها المشركون الذين يؤمنون بتوحيد الربوبية ويكفرون بتوحيد الألوهية.
وقوله: {وهم مشركون} في محل نصب على الحال، أي: وهم متلبسون بالشرك، وكلام حذيفة في رجل مسلم ليس خيطًا لتبريد الحمى أو الشفاء منها. وفيه دليل على أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان وشرك، ولكن ليس الشرك الأكبر، لأن الشرك الأكبر لا يجتمع مع الإيمان، ولكن المراد هنا الشرك الأصغر، وهذا أمر معلوم.
* فيه مسائل:
الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك.
الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه، ما أفلح. فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
قوله: (فيه مسائل)، أي: في هذا الباب مسائل:
* الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك، لقوله: «انزعها- لا تزيدك إلا وهنًا-، لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا»، وهذا تغليظ عظيم في لبس هذه الأشياء والتعلق بها.
* الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح، هذا وهو صحابي، فكيف بمن دون الصحابي؟! فهو أبعد عن الفلاح.
قال المؤلف: (فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر).
قوله: (لكلام الصحابة)، أي: لقولهم، وهو كذلك، فالشرك الأصغر أكبر من الكبائر، قال ابن مسعود رضي الله عنه: (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا)، وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكبيرة، لأن الشرك لا يغفر ولو كان أصغر، بخلاف الكبائر، فإنها تحت المشيئة.
الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.
* الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة. هذا فيه نظر، لأنه قوله: «لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا» ليس بصريح أنه لو مات قبل العلم، بل ظاهره: «لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا»، أي: بعد أن علمت وأمرت بنزعها.
وهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل، فنقول: الجهل نوعان:
جهل يعذر فيه الإنسان، وجهل لا يعذر فيه، فما كان ناشئًا عن تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم، فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو في المعاصي، وما كان ناشئًا عن خلاف ذلك، أي أنه لم يهمل ولم يفرط ولم يقم المتضي للتعلم بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء حرام فإنه يعذر فيه فإن كان منتسبًا إلى الإسلام، لم يضره، وإن كان منتسبًا إلى الكفر، فهو كافر في الدنيا، لكن في الآخرة أمره إلى الله على القول الراجح، يمتحن، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار.
فعلى هذا من نشأ ببادية بعيد ليس عنده علماء ولم يخطر ببالة أن هذا الشيء حرام، أو أن هذا الشيء واجب، فهذا يعذر، وله أمثلة:
منها: رجل بلغ وهو صغير وهو في بادية ليس عنده عالم، ولم يسمع عن العلم شيئًا، ويظن أن الإنسان لا تجب عليه العبادات إلا إذا بلغ خمس عشر سنة، فبقي بعد بلوغه حتى تم له خمس عشرة سنة وهو لا يصوم ولا يصلي ولا يتطهر من جنابه، فهذا لا نأمره بالقضاء لأنه معذور بجهله الذي لم يفرط فيه بالتعلم ولم يطرأ له على بال، وكذلك لو كانت أنثى أتاها الحيض وهي صغيرة وليس عندها من تسأل ولم يطرأ على بالها أن هذا الشيء واجب إلا إذا تم لها خمس عشرة سنة، فإنها تعذر إذا كانت لا تصوم ولا تصلي.
وأما من كان بالعكس كالساكن في المدن يستطيع أن يسأل، لكن عنده تهاون وغفلة، فهذا لا يعذر، لأن الغالب في المدن أن هذه الأحكام لا تخفى عليه، ويوجد فيها علماء يستطيع أن يسألهم بكل سهولة، فهو مفرط، فيلزمه القضاء ولا يعذر بالجهل.
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة، بل تضر، لقوله: «لا تزيدك وهنًا». الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.
* الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة، بل تضر، لقوله: «لا تزيدك إلا وهنًا». والمؤلف استنبط المسألة وأتى بوجه استنباطها.
* الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك، أي: ينبغي أن ينكر إنكارًا مغلظًا على من فعل مثل هذا، ووجه ذلك سياق الحديث الذي أشار إليه المؤلف، وأيضًا قوله: «من تعلق تميمة، فلا أتم الله له».
السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئًا، وكل إليه. السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة، فقد أشرك. الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك. التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.
* السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئًا وكل إليه. تؤخذ من قوله: «من تعلق تميمة، فلا أتم الله له» إذا جعلنا الجملة خبرية، وأن من تعلق تميمة، فإن الله لا يتم له، فيكون موكولًا إلى هذه التميمة، ومن وكل إلى مخلوق، فقد خذل، ولكنها في الباب الذي بعده صريحة، «من تعلق شيئًا وكل إليه».
* السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة، فقد أشرك. وهو إحدى الروايتين في حديث عقبة بن عامر.
* الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك. يؤخذ من فعل حذيفة أنه رأى رجلًا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}.
* التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.
أي أن قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} في الشرك الأكبر، لكنهم يستدلون بالآيات الواردة في الشرك الأكبر على الأصغر، لأن الأصغر شرك في الحقيقة وإن كان لا يخرج من الملة، ولهذا نقول: الشرك نوعان: أصغر وأكبر.
وقوله: (كما ذكر ابن عباس في آية البقرة)، وهي قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله} [البقرة: 165]، فجعل المحبة التي تكون كمحبة الله من اتخاذ الند لله- عز وجل-.
العاشرة: أن تعليق الودع من العين من ذلك. الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله، أي: ترك الله له.
* العاشرة: أن تعليق الودع من العين من ذلك، وقوله: (من ذلك)، أي: من تعليق التمائم الشركية، لأنه لا أثر لها ثابت شرعًا ولا قدرًا.
* الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة، فلا ودع الله له، أي: ترك الله له. تؤخذ من دعاء النبي على هؤلاء الذين اتخذوا تمائم وودعًا، وليس هذا بغريب أن نؤمر بالدعاء على من خالف وعصى، فقد قال النبي: «إذا سمعتم من ينشد الضالة في المسجد، فقولوا: لا ردها الله عليك»، «وإذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك».
فهنا أيضًا تقول له: لا أتم الله لك، ولكن الحديث إنما قاله الرسول على سبيل العموم، فلا نخاطب هذا بالتصريح ونقول لشخص رأينا عليه تميمة: لا أتم الله لك، وذلك لأن مخاطبتنا الفاعل بالتصريح والتعيين سوف يكون سببًا لنفوره، ولكن نقولك دع التمائم أو الودع، فإن النبي يقول لك: «من تعلق تميمة، فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة، فلا ودع الله له».
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


الساعة الآن 10:46 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103