تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

هو الله .. محاضرة.. البريك

Like Tree1Likes
  • 1 Post By بحرجديد

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-15-2013, 04:47 PM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

هو الله .. محاضرة.. البريك






السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


اتمنى ان تكونوا في اتم صحة وعافيـــــــة،، واوقاتكم عامرة بذكر الله،،


هو الله .. محاضرة.. البريك

أورد البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال : يا محمّد إنا نجد أنّ الله يجعل السّموات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشّجر على إصبع، والماء والثرّى على إصبع ، وسائر الخلائق على إصبع ، فيقول : أنا الملك فضحك النبّي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى بدت نواجذه ، تصديقا ً لقول الحبر ثمّ قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبّي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : " أُذن لي أن أُحدَّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى و على قرنه العرش و بين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام يقول ذلك الملك سبحانك حيث كنت ".رواه الطبراني وصححه الألباني .
ما سلف من نصوص وغيرها كثير ، يبين شيئاً من عظمة الله تعالى، التي من تفكر فيها امتلأ قلبه إيماناً وازداد إقبالاً على طاعة ربه ، وكان لربه أخوف وبه أعرف .
والتفكر في صفات الله وأسمائه يورث تعظيمه سبحانه ، وكان كثير من السلف يحثون على ذلك ، حتى قال بعضهم : تفكر ساعة خير من إحياء ليلة، وقال آخرون : تفكر ساعة أو تفكر ليلة خير من قيام ستين ليلة أو ستين عاماً ، ومرادهم التفكر الذي يورث صاحبة مزيداً من عبادات القلب ، وقد نقل عن سفيان الثوري و مالك بن دينار وغيرهم من الأئمة أنهم يمضون ليلة وهم يتفكرون في النار وما فيها ، فإذا أعطي أحدهم ماء ليتوضأ به وكان بارداً، تذكر زمهرير جهنم، وقضى ليلته تلك واضعاً يده في الماء متفكراً في العاقبة ، حتى فاته قيام تلك الليلة ، فكان جلوسه وتفكره عبادة أفضل من صلاته لو صلى وهو غافل ساه . ( بتصرف من شرح الشيخ ابن جبرين رحمه الله على كتاب العظمة للأصبهاني ) .
من ازدادت عظمة الخالق في قلبه ، سقط منه تعظيم المخلوقين. ولذا قال بعض السلف : لو عقل المشركون ما عبدوا غير الله ، ولو عرفوا الله ما التجأوا إلا إليه ، ولو تفكر الناس ببديع خلق الله في السماء والنجوم والأبراج والأفلاك وفي البحار وأنواع الحيوانات التي تعيش فيها، وفي الأرض وما عليها من نبات ودواب ومقومات للحياة، لما عظموا غيره ، ولأجل هذا ختم الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ختم كتاب التوحيد بباب قول الله تعالى} وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } . ( بتصرف من شرح الشيخ ابن جبرين رحمه الله على كتاب العظمة للأصبهاني ) .
وقد ورد قوله تعالى {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } في ثلاث سور: في سورة الأنعام وسورة الحج وسورة الزمر ، إنكارا على المشركين الذين عظموا الأصنام، وعظموا المخلوقات التي لا تنفع ولا تضر، وصرفوا لها العبادة من دون الله . فالإيمان بالله مبنيّ على تعظيم وإجلال الله تعالى ، وتعظيم الله يورث زيادة الإيمان قال تعالى {تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ}،أي: "يتشقّقن مِن عظمةِ الله عزّ وجلّ".
ولذا كانت آية الكرسي أعظم آية في القرآن كونها تضمنت الثناء على الذات العليا لله عز وجل وتنزيهه ووصفه بكل كمال يليق بذاته .
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل الصحابي أبيّ بن كعب رضي الله عنه قائلاً : "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم" ، قال : قلت الله ورسوله أعلم . قال :" يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم " ، قال : قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، قال : فضرب في صدري وقال :ط والله ليهنك العلم أبا المنذر". رواه مسلم .
فالصحابي أُبَيٌّ رضي الله عنه أدرك بعمق فهمه وتدبره لكتاب الله تعالى أن أعظم آية في كتاب الله هي هذه الآية.
قال الطبري : {الله لا إله إلا هو} معناه : النهي عن أن يعبد شيء غير الله الحي القيوم الذي صفته ما وصف به نفسه تعالى ذكره في هذه الآية . يقول : {الله} الذي له عبادة الخلق {الحي القيوم} لا إله سواه ، لا معبود سواه ، يعني : ولا تعبدوا شيئا سوى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنه ولا نوم .وأما قوله : {الحي} فإنه يعني: الذي له الحياة الدائمة والبقاء الذي لا أول له بحد ، ولا آخر له بأمد، إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلحياته أول محدود وآخر ممدود ، ينقطع بانقطاع أمدها وينقضي بانقضاء غايتها.ومعنى قوله : {القيوم} القائم برزق ما خلق وحفظه .
كما قال أمية :
لم يخلق السماء والنجوم ... والشمس معها قمر يعوم.
قدَّره المهيمن القيوم ... والحشر والجنة والجحيم.
إلا لأمر شأنه عظيم.
ومعنى قوله تعالى : {لا تأخذه سنة ولا نوم} أي لا يأخذه نعاس فينعس، ولا نوم فيستثقل نوما. والوسن : خثورة النوم .وإنما عنى تعالى ذكره بقوله : {لا تأخذه سنة ولا نوم} لا تحله الآفات، ولا تناله العاهات ، وذلك أن السنة والنوم معنيان يغمران فهم ذي الفهم ، ويزيلان من أصاباه عن الحال التي كان عليها قبل أن يصيباه ، ولو كان الله ينام لم تستمسك السماء والأرض.ومعنى قوله تعالى : {له ما في السموات وما في الأرض } ، أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد ، وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود فلا تنبغي العبادة لشيء سواه ؛ لأن المملوك إنما هو طوع يد مالكه ، وليس له خدمة غيره إلا بأمره .ومعنى قوله : {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} يعني بذلك : من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم إلا أن يخليه ، ويأذن له بالشفاعة لهم . وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فقال الله تعالى ذكره لهم : لي ما في السماوات وما في الأرض ، فلا تنبغي العبادة لغيري ، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى ، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا ، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي.ومعنى قوله تعالى {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}.يعني تعالى ذكره بذلك أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما ، لا يخفى عليه شيء منه.ومعنى قوله تعالى{وسع كرسيه السموات والأرض}، الكرسي:موضع القدمين،ومعنى قوله تعالى {ولا يؤوده حفظهما} يعني لا يشق عليه ولا يثقله ، يقال منه : قد آدني هذا الأمر فهو يؤودني أوداً وإياداً ، ويقال : ما آدك فهو لي آئد ، يعني بذلك: ما أثقلك فهو لي مثقل.وقوله {وهو العلي العظيم } فإنه يعني ذو العلو والارتفاع على خلقه ، وذو العظمة الذي كل شيء دونه، فلا شيء أعظم منه. عن ابن عباس: العظيم الذي قد كمل في عظمته.أ . هـ. (تفسير الطبري 4/530-535).
فالله تعالى هو العظيم ، وهو أكبر من كلّ شيء، وأعظم من كلّ شيء، وأجلّ وأعلى من كل شيء ، فهو وحدَه الخالق ، وكل ما سواه مخلوق، لا يقَع شيء في الكون من حركةٍ أو سكون أو رفعٍ أو خفض أو عزّ أو ذلّ أو عطاءٍ أو منع إلاّ بإذنه سبحانه، يفعَل ما يشاء , لا يُمانَع ولا يُغالَب . روى أبو داود في سننه أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : فإنّا نستشفع بك على الله، ونستشفِع بالله عليك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحَك! أتدري ما تقول"؟ وسبّحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم, فما زال يسبّح حتى عُرِف ذلك في وجوه أصحابِه, ثمّ قال: "ويحَك! إنّه لا يستشفَع بالله على أحدٍ من خلقه, شأنُ الله أعظمُ من ذلك" .
وفي هذه المحاضرة سوف نتناول جوانب من عظمة الله تعالى في خلقه، وفي عزته ، وفي تودده للمؤمنين ، وفي لطفه ، وفي رحمته ، لما لهذه الجوانب من علاقة مباشرة مع حياتنا، وإن لاستشعارها ومعرفتها أثر كبير في زيادة الإيمان وطمأنينة النفس وانشراح الصدر.

أولاً : عظمة الله في خلقه :
من تأمل سعةَ الكون وإعجازه الباهر, ومن نظر إلى الأرض وما عليها من المخلوقات الكبيرة كالفيلة والإبل التي هي من أكبر المخلوقات التي تدب على الأرض، ورغم حجمها الكبير وقوتها فإنها تصبح عاجزة لو قطعت إحدى قوائمها أو فقدت حاسة من حواسها كالبصر أو السمع ، وهذا برهان على أن الذي خلقها أكمل لها خلقها، وأتم لها ما تحتاج إليه ، ومن تأمل في صغار المخلوقات ، مثلاً الذرة التي هي من أصغر المخلوقات والبعوضة التي هي من أصغر المخلوقات التي يدركها الحس جعل الله لها أعضاءاً تناسبها، لا يدركها إحساس الإنسان إلا بمجهرٍ يكبرها ، هذه المخلوقات الصغيرة جعل الله تعالى لها أعضاءً كاملة؛ فجعل لها خراطيم تأكل بها، وجعل لها أيضاً أعضاء داخلية تصّرف بها الغذاء ، ولنتأمل غذاء الذرَّة الذي تتقوت به ، من الذي يتصوره؟ وكذلك غذاء البعوضة التي تمتص الدم فيبقى متحجراً في بطنها كيف يتصرف؟ وكيف يمشي في عروقها وفي أمعائها؟ لا شك أن الذي خلقها وكوَّنها وأعطاها ما تكمل به حاجتها هو الله الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه. ( بتصرف كبير من شرح العلامة ابن جبرين رحمه الله لكتاب العظمة للأصبهاني).
تأمل في نبــــــات الأرض وانظر إلى آثـــــــــــار مــــــا صنع المليــــــك
عيــــــــــون مـن لُجيْن نـــــاظــــــــرات بأطراق كأنهن الذهب السبيك
على قطب الزبرجد شاهدات بـــــــــأن الله ليــــــــــس لـه شريـــــــك
ومن تأمل عظمة خلق الله للأفلاك العلوية، كما في قوله تعالى {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا}وقوله { أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} وتأمل في بديع صنع الشّمس والقمر وتسخير الله لهما واستواءهما في السماء على مسافة محددة منضبطة لم تختل يوماً من الأيام ، ولو اختلت إلى أعلى أو إلى أسفل ولو سنتمترات قليلة لأختل نظام الأرض كله ، ولتكدرت حياة الناس وربما اجتاحت الكوارث الأرض لتدمرها وتقضي عليها {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقّ يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. (شرح كتاب العظمة لابن جبرين بتصرف كبير ) .
ومن تفكر في تقلب الليل والنهار أدرك ببصيرته عظمة مولاه وحكمته سبحانه في جعل الليل والنهار مداورة {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ }.
ومن تأمل في خلق النجوم وكثرتها وعددها الذي يبلغ آلاف المليارات من الكواكب والنجوم ، المنتشرة في السماء ، وكيف حفظ الله تعالى الأرض منها ، فلا تسقط عليها ، بل جعل لها غلافاً جوياً يحميها من كل نجم يتساقط ، ومن تأمل الحكمة في خلق هذه النجوم الهائلة الحجم الكثيرة العدد ، أدرك عظيم رحمة الله بعباده ، وعظيم قدرته على تسخير المخلوقات الهائلة لبني الانسان .
قال قتادة رحمه الله : خلق الله هذه النجوم لثلاثة: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه من الدنيا، وتكلف ما لا علم له به.
فالنجوم جعلها الله زينة للسماء، قال الله تعالى {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ } فهذه النجوم مصابيح كالسرج تنير الليلة الظلماء وتزين السماء ، وجعلها الله رجوماً للشياطين الذين يسترقون السمع، فإن الشياطين تصعد إلى السماء لتخطف الكلام، وتستمع من الملائكة ما يتحدثون به مما يأمر الله به، فيرسل الله عليهم هذه الشهب فتحرقهم. قال الله تعالى { إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ}أي: يخرقه ويثقبه، ويقول الله تعالى { وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِين }
وجعلها الله هداية للانسان كما قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ }
ومن تأمل بديع ودقيق خلق الله للرياح والسحب أدرك من عظمة الخالق ما يملأ قلبه محبة وخضوعاً لمولاه ، فالرياح قد يجعلها الله علامات مبشرة وقد يرسلها عواصف مدمرة يقول تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ } تبشر بالخير وبالمطر وبالغيث بشرًا بين يدي رحمته {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } ، ولو سكنت الريح ثلاثة أيام، كما يقول بعض العلماء: لأنتن ما على وجه الأرض؛ ولو حاول الناس كلهم أن يرسلوها إذا سكنت لعجزوا عن ذلك. وقد يرسلها الله ريحاً عاصفاً تدمر كل شيء بأمر ربها ، كما أرسلها على عاد، قال تعالى{إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ } ولو حاول البشر بكل طاقاتهم وإمكانياتهم لم يقدروا على أن يوقفوها،بل لم يستطيعوا أن ينجوا منها . ولذ ورد في بعض الأحاديث: لا تسبوا الرياح، فإنها مُسَخَّرَةٌ ، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الريح؛ لأنها مذللة، وأمر إذا عصفت العواصف أن يقول: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به . ( شرح كتاب العظمة لابن جبرين بتصرف كبير ) .
ومن تفكر في جميل صنع الله في النبات والأشجار, والفواكه والثمار، وفي البَحار والأنهار، تبين له شيء من قدرة الله عز وجل . ومن تأمل في تكوين نفسِه وتركيبِ جسده ، أدرك عظمة الله تعالى ولذا حث الله على ذلك بقوله {وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } والآيات والدلائل على بديع خلق الانسان كثيرة جداً ، تناولتها دراسات وأبحاث الإعجاز العلمي بكثرة ولا مجال لسردها هنا ، لكن نذكر طرفاً منها للإشارة فقط :
يبلغ متوسط عدد شعر الإنسان ثلاثمائة ألف شعرة، لكل شعرة وريد، وشريان، وعضلة، وعصب، وغدة دهنية، وغدة صبغية، ولحكمة بالغةٍ فإنه ليس في الشعر أعصاب حس، هناك أعصاب حركة، ولو كان في الشعر أعصاب حس لاضطر الانسان كل أسبوع أو أسبوعين لإجراء عملية في المستشفى اسمها عملية الحلاقة، وتحتاج إلى تخدير كامل.
والدماغ يحوي مائة وأربعين مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، مغطى بأربعة عشر ملياراً من الخلايا القشرية ، وفي الدماغ الذاكرة ومركز الرؤية ومركز السمع، وقشرة الدماغ أعقد قشرة في الكون، حتى إن الدماغ لا يزال عاجزاً عن فهم ذاته ، ولم يستخدم معظم العباقرة من إمكانات الدماغ سوى واحد بالمائة فقط .
وأثناء النوم عندما تتعطل وظائف الحس إجمالاً، لكن إذا اجتمع اللعاب في الفم ، تذهب رسالة إلى الدماغ تقول : زاد اللعاب في الفم، فيأتي أمر من الدماغ إلى لسان المزمار ليغلق فتحة التنفس، ويفتح فتحة المريء، فيبلع النائم لعابه، وهو نائم ودون أن يشعر .
وأودع الله في العين ، ماء يحتوي على مادة مضادة للتجمد، والشبكية لا يزيد حجمها عن ملليمتر وربع . هذا فضلاً عن كون العين أعقد كاميرا على وجه الأرض .
لله في الآفاق آيات لعل *** أقلها هو ما إليه هداكا
ولعل ما في النفس من آياته *** عجب عجاب لو ترى عيناكا
والكون مشحون بأسرار إذا *** حاولت تفسيراً لها أعياكا
قل للطبيب تخطفته يد الردى *** ياشافي الأمراض : من أرداكا؟
قل للمريض نجا وعوفي بعدما*** عجزت فنون الطب من عافاكا
قل للصحيح يموت لا من علة *** من بالمنايا ياصحيح دهاكا؟
قل للبصير وكان يحذر حفرة ***فهوى بها من ذا الذي أهواكا؟
بل سائل الأعمى خطا بين الزَّحام** بلا اصطدام من يقود خطاكا
قل للجنين يعيش معزولا بلا *** راع ومرعى ما الذي يرعاكا؟
قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء *** لدى الولادة : ماالذي أبكاكا؟
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه *** فاسأله من ذا بالسموم حشاكا؟
وأسأله كيف تعيش ياثعبان أو *** تحيا وهذا السم يملأ فاكا؟
وأسأل بطون النحل كيف تقاطرت ***شهداً وقل للشهد من حلاَّكا
بل سائل اللبن المصفى كان بين *** دم وفرث ما الذي صفاكا؟
وإذا رأيت الحي يخرج من حنايا *** ميت فاسأله من أحياكا؟
وإذا ترى ابن السودِ أبيضَ ناصعاً*** فاسأله مِنْ أين البياضُ أتاكا
وإذا ترى ابن البيضِ أسودَ فاحماً*** فاسأله منْ ذا بالسواد طلاكا
قل للنبات يجف بعد تعهد *** ورعاية : من بالجفاف رماكا؟
وإذا رأيت النبت في الصحراء يربو *** وحده فاسأله من أرباكا
وإذا رأيت البدر يسري ناشرا *** أنواره فاسأله من أسراكا؟
وأسأل شعاع الشمس يدنو وهي أبعد ** كلّ شيء ماالذي أدناكا
قل للمرير من الثمار من الذي *** بالمر من دون الثمار غذاكا؟
وإذا رأيت النخل مشقوق النوى ** فاسأله : من يا نخل شق نواكا
وإذا رأيت النار شب لهيبها *** فاسأل لهيب النار: من أوراكا؟
وإذا ترى الجبل الأشم مناطحاً *** قمم السحاب فسله من أرساكا
وإذا رأيت النهر بالعذب الزلال *** جرى فسله من الذي أجراكا
وإذا رأيت البحر بالملح الأجاج *** طغى فسله من الذي أطغاكا
وإذا رأيت الليل يغشى داجيا *** فاسأله من ياليل حاك دجاكا؟
وإذا رأيت الصبح يُسفر ضاحياً* فاسأله من يا صبح صاغ ضحاكا
هذي عجائب طالما أخذت بها *** عيناك وانفتحت بها أذناكا!
يا أيها الإنسان مهلاً ما الذي *** بالله جل جلاله أغراكا؟

ثانياً : عظيم عزة الله :
العزة صفة ذاتية لله ، لا تنفك عن الله أزلاً وأبداً، فإن الله له العزة كلها ، فهو عزيز قبل أن يخلق الخلق، وعزيز بعد أن خلق الخلق، وهي صفة أزلية لله عز وجل لا تنفك عن الله جل في علاه .
قال تعالى {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا فقد حصرت هذه الآية العزة بالله وحده ، فالعزة خاصة بالله تعالى ، وقال سبحانه {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، فاسم (العزيز) يتضمن صفة كمال، وهذه الصفة هي: العزة فلله العزة الكاملة التي لا يشوبها ما ينقصها .
قال صلى الله عليه وسلم :" قال الله تعالى : إن العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما عذبته" . رواه الطبراني وصححه الألباني.
وقد ورد اسم العزيز في القرآن الكريم في اثنين و تسعين موضعاً .
وأكثر ما يقرن الله عزته بحكمته كقوله تعالى { فَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وهذه إشارة إلى أن عزته سبحانه ليست كعزة أهل الدنيا الذين إذا عزّوا وغلبوا, أسرفوا و ظلموا وتسرعوا ووضعوا الشيء في غير موضعه .( بتصرف من شرح أسماء الله الحسنى لمحمود الرضواني) .
والله يعز من يشاء ويذل من يشاء { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } .
وعلى قدر طاعة المؤمن يناله نصيب من هذه العزة { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } وكلما تذلل لله ازداد عزة ، وأذل الناس لله هو أعز الناس عند الله ، فالعبد ترتفع درجته عند ربه كلما سجد وذلل نفسه لله عز وجل.
كان ابن مسعود رضي الله عنه ضعيفاً ذليلاً في مكة ، ثم لما أسلم، وفي غزوة بدر الكبرى، التقى الصفان على غير ميعاد، جثم ابن مسعود على صدر أبي جهل ، فقال أبو جهل : لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم! فحز ابن مسعود رأسه، وأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وعندما جاء الفاروق ليتسلَّم مفاتيح بيت المقدس، مر بمخاضة، فخلع نعليه، وتأبطهما ، أي: جعل النعل تحت الإبط، ومشى حافياً ، فقال له أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين! ما أحب أن القوم يرونك على هذه الحالة، فقال عمر بن الخطاب : إيه يا أبا عبيدة! لو قالها غيرك لعلوته بالدرة ، كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين ، ولو ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.
وهارون الرشيد ، بعث إلى نقفور ملك الروم رسالةً يوبخه فيها ليدفع الجزية، قال فيها وهو يهدده بعزة المسلم المؤمن: من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه لا ما تسمعه سآتيك بجنودٍ أولهم عندك، وآخرهم عندي. وعندما دخل ربعي بن عامر على رستم قائد الجيوش الفرسية، دخل عليهم بسيف قصير وبرمح قصير يطعن به الفرش والنمارق، وهمَّ القوم أن يمنعوه، فقال: أنتم دعوتموني، فإن دخلت وإلا رجعت من حيث أتيت، فدخل عليهم، فنظر إليه رستم ضاحكاً مستهزئاً به وقال له : ما هذا السيف؟ وكان سيفاً صغيراً، فقال: هذا السيف أتقدم به في نحور الأعداء ولا أتأخر، وعند ذلك خاف القوم، ثم قال له: من أنتم، وماذا تريدون؟ فقال ربعي: (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد سبحانه جل في علاه، ونخرج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) . وعندما أعمل هولاكو القتل في المؤمنين في بغداد وغيرها سلط الله عليه سيف الدين قطز والظاهر بيبرس ، فعندما أرسل هولاكو صحيفته إلى قطز رد عليه بالسيف قطعاً، وقال للرسول: لو كانت تقتل الرسل لقتلتك، ارجع بها إلى مولاك ، ثم نصره الله عز وجل .
ـ من أراد العزة فليجأ إلى العزيز وليتذلل بين يديه ، فسؤال الله عِزٌّ لا ذُلَّ معه, وسؤال غيره ذُلٌّ أعْطى أو مَـنَع.
ـ ومن أراد العزة فليتواضع للعزيز ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" ما نقصت صدقةٌ من مال, وما زاد اللهُ عبداً بعفوٍ إلا عِزاً, وما تواضع أحد لله إلا رفعه ".
ـ ومن أراد العزة فليجعل القرآن قدوته وإمامه ، لأن الله تعالى سماه كتاب عزيز فقال { وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيز } .
وقد يقرن الله عزته برحمته في إشارة إلى أنه سبحانه مع قدرته وسطوته فإنه يرحم ، ويمهل ويملي ولا يعاجل عباده بالعقاب ، وأنه ينتصر للمظلومين ولو بعد حين ، ولذا أقسم تعالى بعزته وجلاله أن ينصر دعوة المظلوم فقال :" وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين". رواه الطبراني وحسنه الألباني .
وقد يقرن عزته بالعلم كقوله { ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ } في إشارة إلى دقة التقدير و ضبطه و إتقانه.
وقد يقرن عزته بالحمد ، كقوله { العَزيزِ الحميدِ } ، إشارة إلى أنه محمود في عزته وكبريائه.
وقد يقرن سبحانه عزته بالجبروت فقال { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ } . فالجبروت من تمام العزة .
والجبروت صفة ذم ونقص في حق المخلوقين . كما قال تعالى { إنَّ فِيهَا قَومَاً جَبَّارِينَ} . وقال على لسان عيسى عليه السلام { وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقيَّاً} . وقال صلى الله عليه وسلم :" تحاجت النار و الجنة, فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ". أخرجه الشيخان .
لكن هذه الصفة ، صفة كمال وعزة في حق الله تعالى :
ـ فالله الجبار هو الذي يجبر كسر عباده, و يكفيهم أسباب العيش, ويسُدُّ خَلَّتَهُم، و يستر زلتهم, و يرحم ضعيفهم .
ـ وهو الذي يجبر المصاب بالأجر والثواب و العِوَض من عنده ، ويسليه و يُسّكِّن قلبه حتى يرضى ويسلِّم .
ـ ويجبر قلوب عباده الصالحين بما يفيض عليها من جليل المعاني, وما يسكب فيها من اليقين و الخشوع . ولذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه و سلم بين السجدتين : " رب اغفر لي, وارحمني, واجبرني, واهدني, وارزقني ". أخرجه أحمد وأبو داوود.
ـ والله تعالى هو الذي أجبر خلقه على ما أراد و شاء من أمره, فهم مجبورون في خلقهم وتكوينهم وخصائصهم التي فُطِروا عليها ، ومجبورون في حركة أبدانهم و قلوبهم, و أعضائهم و أعصابهم , فكلها مُسيَّرة بقدرة الله من حيث يعلمون ولا يعلمون في نومهم ويقظتهم وحضورهم وغفلتهم, فهذا من الجبر الذي لا خيار لهم فيه . قال محمد بن كعب رحمه الله : ( إنما تسمى الجبار؛ لأنه يجبر الخلق على ما أراده ).فالله تعالى جبار قاهر دان له كل شيء, و خضع له كل شيء , خضوعاً كاملاً لعظمته ومشيئته . ( بتصرف من شرح أسماء الله الحسنى لمحمود الرضواني ) .
عن عوف بن مالك رضي الله عنه, أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه و سجوده :" سبحان ذي الجبروت و الملكوت والكبرياء و العظمة ". أخرجه أحمد والنسائي.
ومن عزة الله تعالى أن كل المخلوقات تلجأ إليه ذلاً وخضوعاً وافتقاراً، فهو سبحانه الأحد الصمد .
والصمد صفة من صفات الكمال والجلال {قل هو الله أحد * للَّهُ الصَّمَدُ }.عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني يقول تبارك وتعالى :" كذبني عبدي ولم يكن له أن يكذبني وشتمني ولم يكن له أن يشتمني فأما تكذيبه إياي يعني قوله لن يعيدنا الله كما بدأنا إنه ليس أول الخلق يريد بأشد علينا من آخره ، وأما شتمه إياي فإنه يقول اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن له كفواً أحد ". رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد وصححه الألباني .
الصمد هو: الذي يصمد إليه أو يقصده العباد في حوائجهم، وفي كل نازلة تنزل بهم، فيرفع العبد يديه بتضرع وتذلل لله جل في علاه، مستحضراً هذه الصفة الجليلة، ومستشعراً بأن الله هو المقصود في كل الحوائج، وأن الله جل في علاه هو الذي يربي عباده بتفريج كربهم، وقضاء حوائجهم .
عندما أيس نوح عليه السلام من استجابة قومه له ، لجأ إلى الله ، وصمد إليه ودعاه فقال { رب إني مغلوب فانتصر } فاستجاب الله دعاءه، وأنجاه، وأغرق من على الأرض كلهم .
وموسى عليه الصلاة والسلام ،لجأ إلى الصمد في حاجته فقال {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ليقينه بأن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن أن ينفع أو يضر غيره ، فجاء الفرج والتأييد من الصمد قال تعالى {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} ، وفتح الله عليه الأبواب كلها، فأعفه وحفظه بعدما كان خائفاً، ثم بعد ذلك بعثه نبياً مرسلاً. وعندما أدركه وبني إسرائيل فرعونُ وجنوده قال بنوا إسرائيل {إنا لمدركون } فقال موسى ثقة بالله واعتمادً عليه {كلا إن معي ربي سيهدين} ، فنجاهم الصمد وأغرق فرعون وجنوده .
وفي غزوة بدر عندما خرج صلى الله عليه وسلم للعير، ولم يكن خروجه للغزوة، والتقى الصفان، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كفار قريش الذين خرجوا بطراَ ورئاء الناس ، عندها التجأ صلى الله عليه وسلم إلى الله الصمد متضرعاً غليه حتى سقط رداءه عنه، وهو يقول: " اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آتني ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" ، فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه من منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه فقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك إنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله تبارك وتعالى ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) فأمدهم الله بالملائكة. رواه الترمذي وحسنه الألباني .
فمن تدبر عظيم هذه الصفة ، وأن الله سبحانه يقضي حوائج الناس على كثرة عددهم واختلاف حوائجهم وتعدد ألسنتهم وتنوع ألوانهم وأعراقهم وتباعد أماكنهم ، زاد تعظيم الله في قلبه ، ورضيت نفسه واطمأن فؤاده ، فإن نزلت به حاجة لجأ إلى الصمد ليقضيها له ، وإن حلت به كربة لجأ إلى الصمد ليرفعها عنه ، وإن ألم به مرض جأر إلى الصمد ليشفيه ، وإن خاف فقراً لجأ إلى الصمد ليغنيه ، فهو سبحانه الغني وخزائنه ملأى لا تغيضها نفقة .قال صلى الله عليه وسلم قال : "قال الله تعالى: يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد وسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي من شيء". رواه الشيخان.
ثالثاً : عظمة الله في تودده لخلقه :
إن صفات العزة والقهر والقوة والجبروت متى قامت في العبد أورثته تسلطاً وتجبراً على الناس وظلماً للضعفاء ، أما الله تعالى فإنه رغم اتصافه بهذه الصفات ، يتودد إلى عباده ويتحبب إليهم بالنعم ، وهذا من كمال عزته وربوبيته ورحمته سبحانه وبحمده . قال تعالى {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ } ، وقال تعالى { وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} .
الودُّ في اللغة مصدر من المودَّة ، ويأتي بمعنى الحُبُّ ، فمودة الشيء محبته والأخذ بأسبابه وتمني حصوله ، والمودة من أبواب المحبة التي تتضمن التمني مع اتخاذ الأسباب الموصلة إلى المحبوب ، كما ورد في قوله تعالى { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } وقوله { عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، . وعن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه أنه قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَي النَّبِي صلي الله عليه وسلم فَقَالَ : " إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ وَإِنَّهَا لاَ تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا قَالَ لاَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ ) . رواه أبو داود وحسنه الألباني .
فالله عز وجل ودود ، يَوَدُّ عبَادَهُ الصالحين ويحبهم ويقربهم ويرضى عنهم ويتقبَّلُ أعمالَهم ، وهذه محبة خاصة بالمؤمنين ، أما المحبة العامة فالله هو الودود ذو إحسان كبير لمخلوقاته من جهة إنعامه عليهم وإكرامه للإنسان واستخلافه ، حيث أسجد له ملائكته واستخلفه في أرضه ، واستأمنه في ملكه ، وبعث إليه الرسل وأنزل عليهم الوحي من السماء ، كل ذلك بفضله وكرمه وعطائه ومدده ، وترغيباً لعباده في طاعة الله ومحبته .
والود أيضا يأتي بمعنى التمني أو الرغبة في تحقيق الأمنية ، كما في قوله تعالى { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}.(بتصرف من شرح أسماء الله الحسنى لمحمود الرضواني).
والودود أيضا قد تأتي على معنى المعية والمصاحبة أو المرافقة والمصادقة ، كما في حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَسَلمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ فَقُلْنَا لَهُ أَصْلَحَكَ اللهُ إِنَّهُمُ الأَعْرَابُ وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ ". رواه مسلم .
والله عز وجل ودود مع خلقه بمعية خاصة للمؤمنين مقتضاها النصر والتأييد ، ومعية عامة للخلائق أجمعين مقتضاها العلم والإحاطة .
ذكر ابن حجر في الإصابة (7/379) بإسناد فيه مقال ، عند ترجمة أبي معلق الأنصاري ، وكان تاجرا يتجر بمال له ولغيره وكان له نسك وورع ، فخرج مرة فلقيه لص متقنع في السلاح ، فقال : ضع متاعك فإني قاتلك ، قال : شأنك بالمال قال : لست أريد إلا دمك ، قال : فذرني أصلي ، قال : صل ما بدا لك ، فتوضأ ثم صلى فكان من دعائه : يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعالا لما يريد أسألك بعزتك التي لا ترام وملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص ، يا مغيث أغثني قالها ثلاثا ، فإذا هو بفارس بيده حربة رافعها بين أذني فرسه فطعن اللص فقتله .
ومن تودد الله لخلقه ، أنه يرزقهم دون أن يسألوه ويعطيهم دون أن يطلبوا منه .
قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } . والرازق في اللغة اسم فاعل، رزق، يرزق، رزقاً فهو "الرازق"، وهذه صيغة مبالغة ، وإذا جاءت أسماء الله الحسنى بصيغة المبالغة فتعني شيئين : تعني كَمًّا ، وتعني نوعاً .
والرزق هو كل ما يُنتفع به ، ويشمل الإنسان وغير الإنسان، وهذه الكلمة تعم رزق الدنيا والآخرة ، فدخول الجنة رزق، والنجاة يوم القيامة رزق، والعلم في الدنيا رزق، والحلم رزق، والورع رزق. لكن المؤسف أن بعض الناس يتصور أن الرزق هو في المال فقط ، وهذا غير صحيح ، فقد نجد إنساناً دخله محدود، لكن الله رزقه علماً غزيراً، أو سمعة طيبة، أو راحة نفسية ، أو توفيقاً في أموره ، أو قبولاً بين الناس .
والولد من الرزق ، قال الله تعالى حاكيا قول زكريا لما وجد الطعام عند مريم {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب }. فلما رأى زكريا عليه السلام أن الله يرزق مريم عليها السلام فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء طمع حينئذ في الولد رغم كونه شيخا كبيرا قد وهن منه العظم واشتعل الرأس شيبا وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرا لكنه سأل ربه وناداه نداء خفيا وقال{ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء}، قال الله تعالى { فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى}.
قال ابن القيم رحمه الله : ( فالله تعالى أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، قد أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، جواد يحب الجودة ، كريم يحب الكرام ، محسن يحب الإحسان معطٍ يحب العطاء ، الفضل كله بيده، والخير كله منه، والجود كله له، وأحب ما إليه: أن يجود على عباده، ، ويغمرهم بإحسانه وجوده، ويتم عليهم نعمته، ويضاعف لديهم منته، ويتعرف إليهم بأوصافه وأسمائه، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه . فهو الجواد لذاته، وجود الخلق من جوده. فليس الجواد على الإطلاق إلا هو، ومحبته للجود والإعطاء والإحسان والبر والإنعام والإفضال فوق ما يخطر ببال الخلق، وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه ويأخذه، إذا اجتمعت شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها ، ففرح المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من الآخذ بما يأخذه.فجوده من لوازم ذاته، والعفو أحب إليه من الانتقام، والرحمة أحب إليه من العقوبة، والفضل أحب إليه من العدل، والعطاء أحب إليه من المنع ) . (بتصرف من مدارج السالكين 1/186)
ومن تودد الله لعباده المؤمنين أنه يضاعف لهم الجزاء على الحسنة ، ولا يكتب السيئة إلا واحدة . عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه عز وجل. قال: قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة ". أخرجه البخاري .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله". رواه مسلم .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل ، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها ، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها ، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها ، قالت الملائكة : رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به ، فقال : ارقبوه ، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها ، وإن تركها فاكتبوها له حسنة ، إنما تركها من جرَّاي". رواه البخاري ومسلم واللفظ له .
فالحديث يبين عظيم فضل الله ورحمته بعباده ، ويبعث الأمل في نفس المؤمن ، ويدفعها للعمل الصالح وكسب الأجر والثواب ، وهذا من أعظم التودد من الله لعباده .
فإذا همَّ العبد بعمل الحسنة ولم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة من دون مضاعفة لها ، وقوله : "إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة " ، المراد به الهمُّ والعزم المصمم الذي يوجد معه الحرص على العمل ، وليس مجرد الخاطر العابر ، ومما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما في المسند بإسناد صحيح :" فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة " ، وهذه هي نية الخير التي ينبغي على العبد أن يستصحبها في كل عمل ، ليكتب له أجر العمل وثوابه ولو لم يعمله ، وفي الحديث الصحيح :" إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا شركوكم في الأجر حبسهم العذر". رواه مسلم . قال زيد بن أسلم :" كان رجل يطوف على العلماء ، يقول: من يدلني على عمل لا أزال معه لله عاملا ، فإني لا أحب أن يأتي على ساعة من الليل والنهار إلا وأنا عامل لله تعالى ، فقيل له : قد وجدتَ حاجتك ، فاعمل الخير ما استطعت ، فإذا فترت أو تركت، فَهِمَّ بعمله فإن الهامَّ بفعل الخير كفاعله ".
فإذا عمل العبد الحسنة ضاعفها الله له إلى عشر أمثالها ، وهذه المضاعفة ملازمة لكل حسنة يعملها العبد ، وأما زيادة المضاعفة على العشر فهي لمن شاء الله أن يضاعف له ، فقد تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، كما ثبت ذلك في نصوص عديدة منها قوله تعالى في النفقة {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } ، فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف .عن خريم بن فاتك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف ". رواه أهل السنن.
وقد تضاعف إلى أكثر من ذلك كما في حديث دعاء السوق الذي رواه الترمذي عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من دخل السوق فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة ".
وهناك أعمال لا يعلم مضاعفة أجرها إلا الله سبحانه كالصوم ففي الحديث القدسي :" كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به " . رواه الشيخان ، وذلك أن الصوم أفضل أنواع الصبر، وإنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب.
أما إذا همَّ العبد بفعل سيئة ثم تركها من أجل الله فإنها تكتب له حسنة كاملة ، بشرط أن يقدر عليها ثم يتركها خوفاً من الله كما في الحديث :" إنما تركها من جراي ". يعني من أجلي .
وإذا لم تصل المعصية إلى مرتبة الهم والعزم كأن تكون مجرد خاطر يمر على القلب ولا يساكنه ، بل ربما كرهه صاحبه ونفر منه ، فإنه معفو عنه ولا يحاسب المرء عليه ، قال تعالى {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } فإن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة ، فظنوا دخول الخواطر فيها فنزلت الآية بعدها وفيها قوله سبحانه {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال سبحانه كما في صحيح البخاري :" قد فعلت ". وفي البخاري أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم ".
فإذا عمل العبد السيئة فإنها تكتب عليه واحدة من غير مضاعفة ، كما قال سبحانه {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } . لكن عقوبة السيئة قد تعظم لأسباب عدة منها :
ـ شرف الزمان ، فالسيئة أعظم تحريماً عند الله في الأشهر الحرم ، قال تعالى {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم } ، فقد نهى سبحانه عن ظلم النفس في جميع أشهر السنة ، واختص منها الأشهر الحرم ، فجعل الذنب فيها أعظم .
ـ ومنها شرف المكان كالبلد الحرام قال سبحانه { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم }.
ـ وقد تضاعف السيئات لشرف فاعلها ومكانته عند الله ، كما قال تعالى {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا } .
إن المتأمل في عظيم فضل الله على خلقه وتودده لهم يجزم أنه لن يهلك على الله إلا من استحق الهلاك ، وأغلقت دونه أبواب الهدى والتوفيق ، مع سعة رحمة الله تعالى وعظيم كرمه ، حيث جعل السيئة حسنة إذا لم يعملها العبد ، وإذا عملها كتبها واحدة أو يغفرها، وكتب الحسنة للعبد وإن لم يعملها ما دام أنه نواها ، فإن عملها كتبها عشر حسنات ، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فمن حُرِم هذه السعة ، وفاته هذا الفضل ، وكثرت سيئاته حتى غلبت مع أنها أفراد ، وقلَّت حسناته مع أنها مضاعفة فهو الهالك المحروم ، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه : "ويل لمن غلبت وِحْداتُه عشراتَه " .
ومِنْ تودُّد الله لعباده أنه يحلم عليهم ، فلا يعاجل المسيء بالعقوبة على ما اقترف من ذنب . فالله سبحانه حليم، يرى معصية العاصين ومخالفتهم لأوامره فيمهلهم، ولا يسارع بالانتقام منهم. قال تعالى: {واعلموا أن الله غفور حليم}، وقال تعالى { إنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } . فالله يملي للعباد، ويفتح لهم أبواب التوبة والأوبة والرجوع إليه سبحانه وتعالى .
ومن تأمل أحوال البشرية اليوم ، وطغيان الفساد والمعاصي وانتشار الكفر في أمم الأرض ، ووقوع كثير من المسلمين في المعاصي واستهانتهم بالموبقات والكبائر ، أدرك عظيم حلم الله عز وجل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" ما رأيت أحداً أصبر على أذى من الله، يسبونه، وينسبون له الولد، وهو مع ذلك يطعمهم ويسقيهم ويرزقهم ويعافيهم". رواه البخاري ومسلم .
رابعاً : عظمة الله في لطفه :
إن حلم الله تعالى على عباده ، ليس عن جهل بأفعالهم ، فإنه سبحانه يعلم ما في أنفسهم وما في صدورهم ويستوي عنده السر والعلانية ، والإسرار بالقول أو الجهر به كما قال تعالى { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور}. فحلم الله على عباده إنما هو لصفة ذاتية قائمة به ، مع أنه يعلم دقائق الأمور وخفيها.
فهو سبحانه لطيف خبير ، قال تعالى{لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}. وقال سبحانه{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} .
ـ من معاني اللطيف : أنه مطلع على أعمال عباده.
قال الشوكانى : فى قوله (إن الله لطيف) : لا تخفى عليه خافية بل يصل علمه إلى كل خفي .
وقال السعدي : اللطيف ، هو الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا , وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة .
فاللطيف سبحانه ، لا يفوته من العلم شيء وإن دق وصغر أو خفي، قال تعالى { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}.
ومن عَلِم أن الله متصف بدقة العلم وإحاطته بكل صغيرة وكبيرة ، حاسب نفسه على أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته ، ولم يتكل على عظيم حلم الله وسعة عفوه ، فإن هذا من التواكل المذموم .
ـ ومن معاني اللطيف أنه كثير اللطف بعباده بالغ الرأفة لهم , ومن لطفه بعباده أنه يسوق إليهم أرزاقهم وما يحتاجونه في معاشهم . قال القرطبي في تفسير آية { يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل : هذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بعظيم قدرة الله تعالى , وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه , لأن الخردلة يقال : إن الحسّ لا يدرك لها ثقلا , إذ لا ترجح ميزاناً ، ولو أن للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه , أى لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض وعن اتباع سبيل من أناب إلىّ. أ . هـ . (تفسير القرطبي 14/66) .
وقال الغزالي : إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها , وما دقّ منها وما لطف , ثم يسلك في إيصالها إلى المستحق سبيل الرفق دون العنف , فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في العلم تمّ معنى اللطف , ولا يتصور كحال ذلك في العلم والفعل إلا الله تعالى .
فمن لطفه : خلقه الجنين في بطن الأم في ظلمات ثلاث وحفظه فيها وتغذيته بواسطة السرة , إلى أن ينفصل فيستقل بالتناول بالفم ثم إلهامه إياه عند الإنفصال التقامَ الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل من غير تعليم ومشاهدة . بل فلق البيضة عن الفرخ وقد ألهمه التقاط الحب في الحال . ثم تأخير خلق السِّن عن أول الخلقة إلى وقت الحاجة لاستغناء الإغذاء باللبن عن السن . ثم إنباته بعد ذلك عند الحاجة إلى طحن الطعام .ثم تقسيم الأسنان إلى عريضة للطحن وإلى أنياب للكسر وإلى ثنايا حادة الأطراف للقطع ،ثم استعمال اللسان الذي الغرض الأظهر منه النطق في رد الطعام إلى المطاحن كالمجرفة.ولو ذكر لطفه في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفةٍ يتجشمها وقد تعاون على إصلاحها خلق لا يحصى عددهم من مصلح للأرض وزارعها وساقيها وحاصدها ومنقيها وطاحنها وعاجنها وخابزها إلى غير ذلك لكان لا يستوفى شرحه . أ . هـ . (بتصرف من شرح أسماء الله الحسنى لمحمود الرضواني).
ـ ومن معاني اللطيف : هو الذي لطف عن أن يدرك لكماله وجلاله ، كما في قوله تعالى { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَي الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاما فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدا} فإن الله لا يرى في الدنيا لطفا وحكمة ، ويرى في الآخرة إكراماً ومحبة ، وإن لم يدرك بإحاطة من قبل خلقه ، ولذلك فإن الله تعالى قال عن رؤية الناس له في الدنيا{لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللطِيفُ الْخَبِيرُ}، قال صلى الله عليه وسلم:" تَعَلمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَل حَتَّى يَمُوتَ ". رواه مسلم. لأن الدنيا خلقت للابتلاء ، أما الآخرة فهي دار الحساب والجزاء حيث يكشف فيها الغطاء ويرفع فيها الحجاب ، ويلطف الله بالموحدين عند الحساب ، وقد بين الله للغافلين في الكتاب ما فيه عبرة لذوي القلوب الألباب { لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }.
خامساً : عظمة الله في رحمته :
إن من الصفات العظيمة التي يرجو بها المسلم ما عند الله ؛ صفة الرحمة ، فالله تعالى رحيم غفور تواب غفار ، قال تعالى {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}. وقال تعالى { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعلماً } وهذا يدل على كل ما وصل إليه علم الله ، قد وصلت إليه رحمته لأن الله قرن بينهما في قوله {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً}.
وهذه هي الرحمة العامة التي تشمل جميع المخلوقات، حتى الكفار؛ لأن الله قرن الرحمة هذه مع العلم، فكل ما بلغه علم الله، وعلم الله بالغ لكل شيء، فقد بلغته رحمته، فكما يعلم الكافر، يرحم الكافر أيضًا.
لكن رحمته للكافر رحمة دنيوية قاصرة غاية القصور بالنسبة لرحمة المؤمن ، فالله يرزق الكافر الطعام والشراب واللباس والمسكن والمنكح وغير ذلك. أما المؤمنون، فرحمتهم رحمة أخص من هذه وأعظم؛ لأنها رحمة إيمانية دينية دنيوية.
ولهذا فإن المؤمن أحسن حالًا من الكافر، حتى في أمور الدنيا؛ لأن الله يقول {منْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} هذه الحياة الطيبة مفقودة بالنسبة للكفار، فحياتهم كحياة البهائم، إن شبعوا بطروا، ولا يستفيدون من دنياهم، لكن المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له .
قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : " جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَه ". رواه البخاري. فالله عز وجل رحيم بل هو رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، رحمته وسعت كل شيء وسبقت غضبه سبحانه وبحمده، له مائة رحمة، أنزل في هذه الدنيا رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق كلهم ناطقهم والأعجم، صغيرهم والكبير، حتى إن الدابة لترفع رجلها لوليدها ليرضع منها ثم يذهب بهذه الرحمة، فإذا كان يوم القيامة رفع الله هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمة عنده .
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا". رواه البخاري.
ولما كانت الرحمة أوسع صفات الله جل وعلا، ولما كان العرش أوسع المخلوقات ، فإن الله تعالى لما استوى على عرشه كتب كتاباً فهو عنده إن رحمتي سبقت غضبي . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صلى اللهُ عليْه وسلم :" لما خلق اللهُ الخلْق ، كتب في كتابٍ ، فهُو عنْدهُ فوْق العرْش : إن رحْمتي تغْلبُ غضبي ". وفي رواية :" غلبتْ غضبي". وفي رواية :" سبقتْ غضبي".متفق عليه.
ومن رحمته أنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل ويقول: "أنا الملك أنا الملك، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ".
وما أجمل قول القائل :
يــــــا بني آدم توقــــــر وتَجمــــل وتصبَّر
ساءك الدهر قليلا وبما سرك أكثر
يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر
أكبر الآثام من أصـ غر عفو الله أصغر
ليس للإنسان إلا ما قضى الله وقدر
لا أحد يستر مثل الله ، ولا أحد يرحم مثل الله ، ولا أحد يغفر مثل الله ، ولا أحد يتودد للعباد مثل الله ، فيا حسرة الفارين عن ربهم، ويا حسرة المعرضين عن مولاهم .
قيل إن أحد العصاة رُئي في المنام فقيل له ماذا فعل ربك بك؟ قال: قد أحسن وفادتي بأبيات كتبتها تحت وسادتي، فذهبوا إلى وسادته وكشفوا فإذا فيها:
يا رب إن عظمت ذنـوبي كثرة فلقــــــد علمت بأن عفوك أعظم
إن كـان لا يرجـوك إلا محســــن فبمن يلـــــوذ ويستجيــــــر الآثـــــــم
ربي دعوتك مـا أمـرت تضرعا فإن رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلـة إلا الرجــــــا وجميـــــل عفـــــــوك ثم إني مسلــــــم
يقول ابن القيم رحمه الله : فإذا تعرض عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه، وأعد له أنواع كرامته، وفضّله على غيره، وجعله محل معرفته، وأنزل إليه كتابه، وأرسل إليه رسوله، واعتنى بأمره ولم يهمله ولم يتركه سدى، فتعرض لغضبه، وارتكب مساخطه، وما يكرهه، وأبِقَ منه، ووالى عدوه، وظاهره عليه، وتحيز إليه، وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه، التي هي أحب شيء إليه، وفتح طريق العقوبة والغضب والانتقام؛ فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر، وتعرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه، وأن يصير غضبه وسخطه في موضع رضاه، وانتقامه وعقوبته في موضع كرمه وبره وعطائه، فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب إليه منه، وخلاف ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان . فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة، إذا انقلب آبقاً شارداً، راداً لكرامته، مائلا عنه إلى عدوه، مع شدة حاجته إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين . فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته، ناسيا لسيده، منهمكا في موافقة عدوه، قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله، إذ عرضت له فكرة، فتذكر بر سيده وعطفه وجوده وكرمه، وعلم أنه لا بد له منه، وأن مصيره إليه، وعرضه عليه، وأنه إن لم يقدم عليه بنفسه قدم بها عليه على أسوأ الأحوال، ففر إلى سيده من بلد عدوه، وجدّ في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه، فوضع خده على عتبة بابه، وتوسد ثرى أعتابه، متذللاً متضرعاً، خاشعاً باكياً، آسفا، يتملق سيده ويسترحمه، ويستعطفه ويعتذر إليه،قد ألقى بيده إليه، واستسلم له، وأعطاه قياده، وألقى إليه زمامه، فعلم سيده ما في قلبه، فعاد مكان الغضب عليه رضا عنه، ومكان الشدة عليه رحمة به، وأبدله بالعقوبة عفواً وبالمنع عطاءً، وبالمؤاخذة حلماً، فاستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما هو أهله، وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فكيف يكون فرح سيده به؟ وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعاً واختياراً، وراجع ما يحبه سيده منه برضاه، وفتح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحبُّ إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة.
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لَلّهُ أشدُّ فْرَحا بتوبةِ عبده حين يَتُوبُ إليه من أحدِكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ فَانْفَلَتتْ منه، وعليها طعامُه وشرابهُ فَأَيسَ منها، فأتَى شَجرة فاضطَجَع في ظِلِّها قد أيسَ من راحلته فبينا هو كذلك، إذا هو بها قائمةٌ عنده، فأخذ بخِطامِها، ثم قال من شِدَّة الفرح: "اللهم أنت عَبْدي وأنا ربكَ"، أخطأ من شدة الفرح".
وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين: أنه حصل له شرود وإباق من سيده، فرأى في بعض السكك باباً قد فُتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده، حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكراً فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أُخرج منه، ولا من يؤيه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مرتجاً، فتوسده؛ ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدي، أين تذهب عني؟ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة بك، والشفقة عليك، وإرادتي الخير لك، ثم أخذته ودخلت.فتأمل قول الأم: "لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة والشفقة". وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها ". وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء ، فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه، فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به ، فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها.ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة، وتدق عن إدراكه الأذهان. (بتصرف من مدارج السالكين (1/186) .
وقد قرن الله رحمته بالرأفة للتدليل على عظيم هذه الرحمة وشمولها، قال تعالى{وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}، وقال تعالى { وَالذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإِخْوَانِنَا الذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } ،
والرؤوف صيغة مبالغة من الرائف ، وهو الموصوف بالرأفة ، والرأفة هي أشد ما يكون من الرحمة.
والرحمة تسبق الرأفة ، فالرأفة هي المنزلة التي تعقبها ، يقال : فلان رحيم ، فإذا اشتدت رحمته فهو رؤوف ، فالرأفة آخر ما يكون من الرحمة ، ولذلك قدمت الرأفة على الرحمة في وصف النبي صلي الله عليه وسلم في قوله تعالى { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } على اعتبار أن الرأفة مبالغة في الرحمة ، والمبالغة في الرحمة تتعلق بخاصة والمؤمنين، أما الرحمة في اسمه الرحيم فهي رحمة عامة لجميع المسلمين، بخلاف الرحمة في اسمه الرحمن فإنها تتعلق بالخلائق أجمعين ، فالأمر في الرأفة والرحمة على قدر الولاية والإيمان ، وعلى حسب علو الهمة في عمل الإنسان .
ومن معاني الرؤوف : العطف على عباده المؤمنين الطائعين بحفظهم في سمعهم وأبصارهم وحركاتهم وسكناتهم، وكراهة مساءتهم كما عند البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث القدسي:"وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ التِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ التِي يَمْشِى بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ". وهذا منتهى الرأفة بالمؤمنين.
إن امتلاء القلب بالرحمة للمسلمين والرأفة بعامتهم وخاصتهم يجلب رحمة الله ورأفته ، ففي سنن الترمذي من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللهُ ".
ومن عظيم رحمة الله ورأفته بعباده أنه تودد إليهم بصفة أخرى واسم آخر يحبونه ويرجونه ، فقال { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وقال { وإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} . وقد ورد اسم الغفور في ثلاثة وثمانين موضعاً في القرآن .
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أن أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ لِلنَّبِي صلى الله عليه وسلم عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي قَالَ : " قُلِ اللهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا ، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ ، وَارْحَمْنِي ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ". رواه البخاري .
وروى أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث مِحْجَنَ بْنَ الأَدْرَعِ رضي الله عنه أنه قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَي صَلاَتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ وَهُوَ يَقُولُ :اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، قَالَ فَقَالَ :" قَدْ غُفِرَ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ثَلاَثًا ".
والغفور في اللغة على وزن فعول وهي من صيغ المبالغة التي تدل على الكثرة في الفعل ، وأَصل الغَفْرِ التغطية والستر ، وغَفَرَ الله ذنوبه أَي سترها ، وعند البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال : " إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ ، فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ ، أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ " .
والغفار كالغفور من صيغ المبالغة ، التي تدل على الكثرة في الفعل كما في اسمه الغفور ، والغفار هو الذي يستر الذنوب بفضله ، ويتجاوز بعفوه عن عبده ، طالما أن العبد موحد تحت مشيئة الله وحكمه ، فقد يغفر الله ذنب عبده إن مات موحداً ، والغفور والغفار قريبان في المعنى ، فهُما من صيغ المبالغة في الفعل ، وقيل الغفار أبلغ من الغفور ، فالغفار هو من يغفر الذنوب العظام .
وقد سمى الله نفسه بهذا الاسم للدلالة على سعته رحمته ومغفرته ، قال تعالى { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ } ، وقال {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ الليْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الليْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّي أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّار}، وقال { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارا} ، وفي الجامع الصغير للسيوطي وصححه الألباني من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تضور من الليل ، تقلب وتلوى من شدة الألم ، قال :" لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار" .(بتصرف من شرح أسماء الله الحسنى لمحمود الرضواني).
إن معرفة العبد لسعة رحمة الله وعظيم مغفرته يحفزه على العمل الصالح الذي يكفر الذنوب ويمحو الخطايا . ففي صحيح البخاري من حديث سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أن النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : : لاَ يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ ، فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، ثُمَّ يُصَلِّى مَا كُتِبَ لَهُ ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلمَ الإِمَامُ ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى " ، وعند مسلم من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ : "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ".
ويبعث في نفسه الهمة على تجديد التوبة والاستغفار ، فالله تعالى تواب رحيم ، ولما قال عز و جل{أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}قال بعدها{إلا الذين تابوا}.ولما قال سبحانه{خلدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} قال بعدها { إلا الذين تابوا} ولما قال عز و جل {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} قال بعدها {إلا الذين تابوا}، ولما قال سبحانه { ولهم في الآخرة عذاب عظيم} قال بعدها { إلا الذين تابوا} ، ولما قال عز وجل {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } قال بعدها {فلا يتوبون إلى الله} ، ولما قال سبحانه { ومن يفعل ذلك يلق أثاما} قال بعدها {إلا من تاب} .
فالله تعالى تواب يحب التوابين فقال {إن الله يحب التوابين} ، ورغب بالتوبة فقال {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه} ، وقال{وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} ، وقال { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود } ، وقال {إن الله يحب التوابين }، وقال { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} .
فباب التوبة مفتوح ، والله يفرح بتوبة عبده ، وأخبر أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وأن التوبة تجب ما قبلها، وأنه يحب من عباده أن يستغفروه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى اللهُ عليْه وسلم :" والذي نفْسي بيده لوْ لمْ تُذنبُوا ، لذهب اللهُ بكُمْ ، وجاء بقوم يُذْنبُون ، فيسْتغْفرُون الله تعالى ، فيغْفرُ لهُمْ".رواه مسلم.
ما سلف في هذه المحاضرة شيء من عظيم صفات الله الكاملة التامة التي جمعت الحسن كله والبهاء كله ، من تأملها امتلأ قلبه إيماناً به وتعظيماً لأمر الله وانقاد لطاعته وخاف من معصيته كما قال تعالى مخوفاً العباد من بطشه وانتقامه {وَيُحَذّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}.
بك أستجير ومن يجير سواكا *** فأجر ضعيفا يحتمي بحماك
إني ضعيف أستعين على قوى *** ذنبي ومعصيتي ببعض قواكا
أذنبت ياربي وآذتني ذنوب *** مالها من غافر إلا كا
دنياي غرتني وعفوك غرني *** ما حيلتي في هذه أو ذا كا
لو أن قلبي شك لم يك مؤمنا *** بكريم عفوك ما غوى وعصاكا
يا مدرك الأبصار ، والأبصار لا *** تدري له ولكنه إدراكا
أتراك عين والعيون لها مدى *** ما جاوزته ، ولا مدى لمداكا
إن لم تكن عيني تراك فإنني *** في كل شيء أستبين علاكا
يا منبت الأزهار عاطرة الشذا *** هذا الشذا الفواح نفح شذاكا
يا مجري الأنهار ماجريانها *** إلا انفعالة قطرة لنداكا
رباه هأنذا خلصت من الهوى *** واستقبل القلب الخلي هواكا
وتركت أنسي بالحياة ولهوها *** ولقيت كل الأنس في نجواكا
ونسيت حبي واعتزلت أحبتي ** ونسيت نفسي خوف أن أنساكا
أنا كنت يا ربي أسير غشاوة *** رانت على قلبي فضل سناكا
واليوم يا ربي مسحت غشاوتي *** وبدأت بالقلب البصير أراكا
ياغافر الذنب العظيم وقابلا *** للتوب: قلب تائب ناجاكا
أترده وترد صادق توبتي *** حاشاك ترفض تائبا حاشاك
يارب جئتك نادماً أبكي على *** ما قدمته يداي لا أتباكى
أنا لست أخشى من لقاء جهنم *** وعذابها لكنني أخشاكا
أخشى من العرض الرهيب عليك يا * ربي وأخشى منك إذ ألقاكا
يارب عدت إلى رحابك تائباً *** مستسلما مستمسكاً بعراكا
مالي وما للأغنياء وأنت يا *** رب الغني ولا يحد غناكا
مالي وما للأقوياء وأنت يا *** ربي ورب الناس ما أقواكا
مالي وأبواب الملوك وأنت من *** خلق الملوك وقسم الأملاكا
إني أويت لكل مأوى في الحياة *** فما رأيت أعز من مأواكا
وتلمست نفسي السبيل إلى النجاة * فلم تجد منجى سوى منجاكا
وبحثت عن سر السعادة جاهداً * فوجدت هذا السر في تقواكا
فليرض عني الناس أو فليسخطوا * أنا لم أعد أسعى لغير رضاكا
أدعوك ياربي لتغفر حوبتي *** وتعينني وتمدني بهداكا
فاقبل دعائي واستجب لرجاوتي ** ماخاب يوما من دعا ورجاكا
وختاماً : إن استشعار عظمة الله عز وجل، ومعرفة أسمائه وصفاته، والتدبر فيها، وعقل معانيها، واستشعارها، وتطبيقها في الواقع مما يقوي الإيمان. يقول ابن القيم رحمه الله: (وعقد هذا أن يشهد قلبك الرب تبارك وتعالى مستويا على عرشه متكلما بأمره ونهيه بصيرا بحركات العالم علويه وسفليه وأشخاصه وذواته سميعا لأصواتهم رقيبا على ضمائرهم وأسرارهم وأمر الممالك تحت تدبيره نازل من عنده وصاعد إليه وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال منزها عن العيوب والنقائص والمثال هو كما وصف نفسه في كتابه وفوق ما يصفه به خلقه حي لا يموت قيوم لا ينام عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء سميع يسمع ضجيج الأصوات بإختلاف اللغات على تفنن الحاجات تمت كلماته صدقا وعدلا وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبها ومثلا وتعالت ذاته أن تشبه شيئا من الذوات أصلا ووسعت الخليقة أفعاله عدلا وحكمة ورحمة وإحسانا وفضلا له الخلق والأمر وله النعمة والفضل وله الملك والحمد وله الثناء والمجد) . ( المدارج 1/124) .
فامتلاءَ القلب بعظمة الله يولّد ثقةً مطلقة بالله، ويجعل المسلمَ هاديء البالِ ساكنَ النفس مهما ادلهمّت الخطوب. لأن استشعارَ عظمة الله تملأ القلب رضًا وصبرًا جميلاً، وتبعَث في النفس معنى الثبات والعزّة, وتقوّي العزائم حتى في أشدّ حالات الضّنك.
فإذا عظم العبد ربه حق التعظيم تجلى ذلك بإخلاص العمل له وحده
وإذا عظم العبد ربه حق التعظيم تجلى ذلك بتقفيه سنّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتلمّس أثره والسير على هديه.
والتعظيم الحقيقي هو الّذي يظهر على العبد بامتثال أمره واجتناب نهيه.
وإذا عظم العبد ربه حق التعظيم تجلى ذلك بعده عن المعاصي وحذره منها أشد الحذر ، فالمعاصي تضعف في القلب تعظيم الرب ، وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد ، شاء أم أبى ، ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه ، وربما اغتر المغتر ، وقال : إنما يحملني على المعاصي حسن الرجاء ، وطمعي في عفوه ، لا ضعف عظمته في قلبي ، وهذا من مغالطة النفس ؛ فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته ، وتعظيم حرماته يحول بينه وبين الذنوب ، والمتجرئون على معاصيه ما قدروا الله حق قدره ، وكيف يقدره حق قدره ، أو يعظمه ويكبره ، ويرجو وقاره ويجله ، من يهون عليه أمره ونهيه ؟ هذا من أمحل المحال ، وأبين الباطل ، وكفى بالعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله ، وتعظيم حرماته ، ويهون عليه حقه . ومن بعض عقوبة هذا : أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق ، ويهون عليهم ، ويستخفون به ، كما هان عليه أمره واستخف به ، فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس ، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق ، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يعظمه الناس ، وكيف ينتهك عبد حرمات الله ، ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس ؟ أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق ؟ وقد أشار سبحانه إلى هذا في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب ، وأنه أركس أربابها بما كسبوا ، وغطى على قلوبهم ، وطبع عليها بذنوبهم ، وأنه نسيهم كما نسوه ، وأهانهم كما أهانوا دينه ، وضيعهم كما ضيعوا أمره ، ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له { ومن يهن الله فما له من مكرم } فإنهم لما هان عليهم السجود له واستخفوا به ولم يفعلوه أهانهم الله فلم يكن لهم من مكرم بعد أن أهانهم الله ، ومن ذا يكرم من أهانه الله ؟ أو يهن من أكرمه الله ( الجواب الكافي 69 -71 بتصرف يسير ).

=============



=
===================
===============


======================




القرآن الكريمالروافضخطب ودروسصفة الصلاةما تودُ وتسألُ ؟
مكتبـــة القرآندليل الأعشابقواعد قرآنيةكنز الأعلام الأدوات في اللغة ؟
من التاريخرحلة أمـواج (4)مكتبة بحرجديدجواهر ودرر مجالس رمضان ؟
أروع امرأةفي مدح الرسولتأملات تربويةروابط ممتعــةالبخاري ومسلم ؟
كتاب الطهارة كتاب الصلاةكشكولخير جليسالسيـرة النبوية ؟
سوريا الأبية أضواء البيانإعصارُ حزنٍ الإتصال مجانيقد ينفذ صبـري ؟
الاداب الشرعية تجميع العطاء فضائل خُلقت فريداًأعمال القلوب ؟
سطور لابن القيممحاسن الأخلاقوطن الشموخ الأسماكشخصيتك هنا ؟
اختبار الذكاء أنهار العالمإيـــداع قلبأيُ قلبٍ تملكيهِالست من شوال ؟
عضو زائد+صادووه ح(1)رحلة ملفبلاد الشامالنمل أسرار ؟
قطوفعاشوراء والمحرم تحديد مستوى (Quote) الصحابة ؟
العيد ذكــــرى
الماضي الجميل الخيل العربية 5 6 ؟




قال النبي صلى الله عليه وسلم : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا.. وقال صلى الله عليه وسلم: أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإنّ أحدَكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفَه.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام بعشرِ آياتٍ لم يُكتَب من الغافلين ، ومن قام بمائة آيةٍ كُتِبَ من القانتين ، ومن قام بألف آيةٍ كُتِبَ من المُقَنْطَرِينَ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رَحِمَ الله أمرأً صلى قبل العصر أربعاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى في اليوم والليلة أثني عشرة ركعةً تطوعاً ، بنى الله له بيتاً في الجنة.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُعجزُ أحدكم ، أن يكسِبَ كل يومٍ ألف حسنةٍ ؟ يسبح الله مائة تسبيحةٍ، فيكتُبُ اللهُ له بها ألف حسنةٍ ، أو يحُطُّ عنهُ بها ألف خطيئةٍ.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكَّل به: آمين ولك بمثله.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذبَّ عن عِرْضِ أخيه بالغَيْبة ، كان حقاً على اللهِ أن يُعْتِقَهُ من النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان سهلاً هيناً ليناً ، حرَّمه الله على النَّار.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الجنَّة غُرفاً يُرى ظاهرُها منْ باطنِها ، وباطنُها من ظاهرِها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعمَ الطَّعامَ ، وألانَ الكلامَ ، وتابع الصِّيامَ ، وصلى بالليلِ ، والناسُ نيام.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عاد مريضاً ، أو زار أخاً له في الله ، ناداه منادٍ :أن طبتَ وطابَ ممشاكَ ، وتبوَّأتَ من الجنةِ منزلاً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمنْ وجَدَ في صحيفتِهِ استِغفاراً كثيراً.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استَغْفرَ للمؤمنينَ والمؤمناتِ ، كتبَ الله له بكلِّ مُؤمنٍ ومؤمنةٍ حسنة..
=============
اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب.






روانة likes this.

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-19-2013, 12:03 AM   #2 (permalink)
روانة
مشرف متميز سابقاً
غريبة من دون الناس
 
الصورة الرمزية روانة
بوركت يمناك على الطرح المبارك

وجزيت عنا كل الخير

كان كل حرف شاهد لك لا عليك
روانة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2014, 05:17 PM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
روانة

شكـــــــــــــــراً على الحضور الجميل وربي يعطيك العافيــــــــــــــــــة،،،،
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الصداقة و الشباب الشيخ سعد بن عبد الله البريك thewh يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 8 12-05-2013 05:30 PM
محاضرة تقوى الله , ابراهيم الزيات thewh يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 4 10-11-2013 03:16 AM
محاضرة وسائل الثبات على دين الله للشيخ محمد المنجد روانة يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 12 10-10-2013 03:23 PM
محمد العريفي ،، محاضرة سبعة يظلهم الله في ظله إندماج الأرواح يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 6 09-12-2013 01:50 PM
محاضرة الشيخ سعد البريك الاسرة والمجتمع إندماج الأرواح يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 5 02-12-2013 03:20 PM

الساعة الآن 07:54 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103