تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات ادبيه وفكريه وثقافيه > لغة الضاد و الأدب - الملتقى الثقافي

لغة الضاد و الأدب - الملتقى الثقافي لغة الضاد و الأدب هو ملتقى تعليمي ثقافي أدبي

الدلالات اللفظية "ح"

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-18-2013, 11:52 PM   #1 (permalink)
♦♦ ياسمينة ♦♦
ماسة المنتدى
آتية من الزمن الجميل
 
الصورة الرمزية ♦♦ ياسمينة ♦♦
 

ADS
الدلالات اللفظية "ح"




الدلالات اللفظية "ح"

الدلالات اللفظية "ح"

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم :

هذه بعض الفوائد التي يسر الله ، عز وجل ، لي تعليقها على مسألة : "الدلالات اللفظية" وهي وثيقة الصلة بتحديد المعاني التي تدل عليها الألفاظ . أسأل الله ، عز وجل ، أن ينفع بها كاتبها وقارئها .



فدلالة الألفاظ على المعاني تنقسم إلى :
دلالة مطابقة :
وهي دلالة اللفظ على كل معناه أو الماهية التي يدل عليها ، كدلالة لفظ "البيت" على معنى : البيت بكل أركانه .

&&&&&

ودلالة تضمن :
وهي دلالة اللفظ على بعض معناه كدلالة لفظ "البيت" على السقف فهو بعضه .
ودلالة لزوم : وهي دلالة اللفظ على معنىً في غيرِه لا ينفك تصوره عنه ، فمتى تصور الذهن الأول أصلا ، تصور الثاني فرعا ، كدلالة لفظ "السقف" على "الحائط" ، فإن السقف لا يقوم إلا على حائط ، فصار الحائط معنىً ملازما للسقف ، وإن اختلفت ماهيتهما .

وعرفها بعض أهل العلم ، بأنها : دلالة النتيجة على سببها ، كقول الأعرابي : البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير ، فإن البعرة : نتيجة تدل على سببها وهو البعير الذي خرجت منه ، والأثر : نتيجة تدل على سببها وهو المسير .
وعرفها أيضا بأنها : دلالة المعلول على علته ، فالمعلول نتيجةُ علتِه ، فيكون لازما لها ، كدلالة الولد على الوطء نكاحا أو سفاحا ، فهو معلول : الوطء ، إذ لا ولد بغير وطء إلا خارقة ترد مورد الآية ، فلا يقاس عليها .

وفي التنزيل : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فنفي المعلول : "الولد" يستلزم نفي علته : "الصاحبة" ، إذ الأول يدل على الثاني : لزوما ، ونفي اللازم : نفي لملزومه .

وقد أشار إلى تلك الدلالات إشارة موجزة : شمس الدين البعلي ، رحمه الله ، في "تلخيص الروضة" ، (1/23) .

&&&&&

وأضاف إليها بعض أهل العلم :
دلالة الالتزام :
وهي عكس دلالة اللزوم فهي دلالة السبب على النتيجة ، كدلالة الوطء على الولد إذا انتفت الموانع الكونية وتهيأت الأسباب فأذن الله ، عز وجل ، كونا ، بوقوع الحمل وتمامه .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"فالماهية التي يعنيها المتكلم بلفظه دلالة لفظه عليها دلالة مطابقة ودلالته على ما دخل فيها دلالة تضمن ودلالته على ما يلزمها وهو خارج عنها دلالة الالتزام" . اهـــ
ويضرب مثلا بــ : "الحيوان الناطق" فيقول :
"فمن تصور حيوانا ناطقا فقال إنسان كانت دلالته على المجموع مطابقة وعلى أحدهما تضمن وعلى اللازم مثل كونه ضاحكا التزام وإذا تصور إنسانا ضاحكا كانت دلالة إنسان على المجموع مطابقة وعلى أحدهما تضمن وعلى اللازم مثل كونه ناطقا التزام" . اهـــ

وفي هذا المقام ينبغي التفريق بين :
الدلالة الوضعية للفظ ، والدلالة المعنوية ، فاللفظ قد يوضع لمعنى ، فيصح بداية القول بأن دلالته الوضعية على ذلك المعنى : دلالة مطابقة ، كلفظ : "الحش" فإنه وضع لمعنى : البستان ، فصح أن يقال : دلالة لفظ "الحش" الوضعية على كل أجزاء البستان : أرضا وماء وزرعا وحائطا ....... إلخ : دلالة مطابقة ، ودلالته على أحدها : دلالة تضمن ، فهو يدل على الزرع بمفرده دلالة تضمن ، ودلالته على مالكه : دلالة التزام ، إذ لا بد من كونه مملوكا لمالك بعينه .
ولكن العرف قد نقله إلى معنى آخر مجازي ، عند من يقول بوقوع المجاز في اللغة ، وهو : مكان التخلي وقضاء الحاجة ، حتى صار ذلك المعنى المجازي هو الأصل ، فنزل منزلة : الحقيقة العرفية ، إذ المجاز المشتهر كما قرر البلاغيون ينزل منزلة : الحقيقة العرفية ، والحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة الوضعية ، فيقال حينئذ : قد تغيرت دلالة المطابقة للفظ تبعا لتغير حقيقته من : وضعية إلى عرفية ، فصار دالا بالمطابقة على مكان التخلي وقضاء الحاجة بعد أن كان دالا على البستان ، فمناط المسألة : مراد المتكلم : هل أراد الحقيقة أو المجاز ، هل أراد المعنى الأصلي أو المعنى الثانوي ، فدلالة ألفاظه تدور حول مراده دوران القمر التابع حول الكوكب المتبوع .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"وليست دلالة المطابقة دلالة اللفظ على ما وضع له كما يظنه بعض الناس ولا دلالة التضمن استعمال اللفظ في جزء معناه ولا دلالة الالتزام استعمال اللفظ في لازم معناه بل يجب الفرق بين ما وضع له اللفظ وبين ما عناه المتكلم باللفظ وبين ما يحمل المستمع عليه اللفظ فالمتكلم إذا استعمل اللفظ في معنى فذلك المعنى هو الذي عناه باللفظ وسمي معنى لأنه عني به أي قصد وأريد بذلك فهو مراد المتكلم ومقصوده بلفظه ثم قد يكون اللفظ مستعملا فيما وضع له وهو الحقيقة وقد يكون مستعملا في غير ما وضع له وهو المجاز ................ وكل لفظ استعمل في معنى فدلالته عليه مطابقة لأن اللفظ طابق المعنى بأي لغة كان سواء سمي ذلك حقيقة أو مجازا" . اهـــ


وفي باب الأسماء والصفات يقال :
دلالة أسماء الله ، عز وجل ، تكون :
مطابقة : فكل اسم يدل على معنى بعينه غير المعاني التي تدل عليها بقية الأسماء ، مع كونه علما على الذات القدسية ، فاجتمعت له : العلمية والوصفية ، فصار دلالته على كليهما : دلالة مطابقة ، فيقال في اسم الله : "الرحمن" : هو دال على ذات الله ، عز وجل ، دلالة الاسم على مسماه ، فهذا وجه كونه علما ، فالعلم كما عرفه ابن مالك رحمه الله :
اسم يعين المسمى مطلقا ******* علمه : كجعفر ، وخرنقا
وهو في نفس الوقت دال على صفة الرحمة العامة التي اشتق منها ، فكونه وصفا يلزم منه أنه مشتق من مصدر يدل على معناه ، فـــ : "الرحمن" مشتق من المصدر : "رحمة" التي يدل على معنى "الرحمة" ، فدلالة المصدر على معناه : دلالة مطابقة ، إذ المصدر أصل المشتقات على الراجح من أقوال النحاة ، فـــ : "رحمة" تدل على معنى الرحمة ، و : "علم" يدل على معنى العلم ................. إلخ .

وتضمنا : فدلالة اسم الرحمن على صفة الرحمة أو ذات الله عز وجل المتصفة بها : دلالة تضمن .
ولزوما : فدلالة اسم الرحمن على صفة الحياة : دلالة لزوم ، إذ لا تتصور رحمة بلا حياة ، فصفة الحياة : هي أصل الصفات ، فكل الصفات تدل عليها لزوما ، إذ الحياة : أصل صفات الذات ، كما أن القيومية : أصل صفات الأفعال .

يقول ابن أبي العز رحمه الله :
"فالْحَيُّ الَّذِي الْحَيَاةُ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهَا ، هُوَ الَّذِي وَهَبَ الْمَخْلُوقَ تِلْكَ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ ، فَهِيَ دَائِمَةٌ بِإِدَامَةِ اللَّهِ لَهَا ، لَا أَنَّ الدَّوَامَ وَصْفٌ لَازِمٌ لَهَا لِذَاتِهَا ، بِخِلَافِ حَيَاةِ الرَّبِّ تَعَالَى . وَكَذَلِكَ سَائِرُ صِفَاتِهِ ، فَصِفَاتُ الْخَالِقِ كَمَا يَلِيقُ بِهِ ، وَصِفَاتُ الْمَخْلُوقِ كَمَا يَلِيقُ بِهِ ، (فالله عز وجل : الحي بنفسه المحيي لغيره) ................... فَعَلَى هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ ، (أي : الحي القيوم) ، مَدَارُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى كُلِّهَا ، وَإِلَيْهِمَا تَرْجِعُ مَعَانِيهَا . فَإِنَّ الْحَيَاةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ ، ولَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا صِفَةٌ مِنْهَا إِلَّا لِضَعْفِ الْحَيَاةِ ، فَإِذَا كَانَتْ حَيَاتُهُ - تَعَالَى - أَكْمَلَ حَيَاةٍ وَأَتَمَّهَا ، اسْتَلْزَمَ إِثْبَاتُهَا إِثْبَاتَ كُلِّ كَمَالٍ يُضَادُّ نَفْيُهُ كَمَالَ الْحَيَاةِ . وَأَمَّا "الْقَيُّومُ" فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ كَمَالَ غِنَاهُ وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ ، فَإِنَّهُ القائم بِنَفْسِهِ ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُقِيمُ لِغَيْرِهِ ، فَلَا قِيَامَ لِغَيْرِهِ إِلَّا بِإِقَامَتِهِ . فَانْتَظَمَ هَذَانِ الِاسْمَانِ صِفَاتِ الْكَمَالِ أَتَمَّ انْتِظَامٍ" . اهــ بتصرف .


ومن ذلك أيضا :
أسماء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي وردت في حديث جبير بن مطعم ، رضي الله عنه ، مرفوعا :
"لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ" .
فهي تدل على ذاته الشريفة : دلالة تضمن ، وعلى الصفات التي اشتقت منها : دلالة تضمن ، أيضا ، فصفة الحمد غير صفة محو الكفر غير صفة الحشر .............. إلخ ، وتدل على كليهما : دلالة مطابقة ، وتدل على صفة الحياة : دلالة لزوم ، إذ تلك الأوصاف مما لا يقوم إلا بحي .

ومنه أيضا : أسماء القرآن :
فهي تدل على مسمى واحد من جهة علميتها ، وعلى الصفات التي اشتقت منها : تضمنا ، وعلى كليهما : مطابقة .
فـــ : "القرآن" ، و : "الفرقان" ، و : "الهدى" ، و : "الشفاء" ، و : "البيان" ، و : "الكتاب" ، أعلام على الوحي المنزل ، ولكن كل اسم يدل على وصف بعينه يميزه عن بقية الأسماء .
فالقرآن : من القرء وهو الجمع فحروفه مجموعة خطا ، أو القراءة ، فيكون من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول : "المقروء" ، فحروفه وكلماته وآياته وسوره مجموعة إلى بعضها نطقا .
والفرقان : من جهة كونه فرقانا بين الحق والباطل .
والهدى : من جهة كونه هاديا للناس هداية دلالة وإرشاد .
والشفاء : كما في قوله تعالى : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) ، فـــ : "من" في : "من القرآن" : جنسية لا تبعيضية ، فهو شفاء للأرواح والأبدان .
والبيان : فعبارته مبينة لا لبس فيها ولا تقعر ولا غموض .
والكتاب : من الكتب وهو الجمع فحروفه وكلماته وآياته وسوره مجموعة إلى بعضها خطا .
فاتفقت هذه الأسماء من جهة العلمية وافترقت من جهة الوصفية ، فكل منها يدل على : المسمى العام والوصف الخاص دلالة مطابقة ، وعلى أحدهما : دلالة تضمن .

ومنه أيضا : أسماء السيف : الحسام والمهند والصارم :
فهي أيضا : تدل على مسمى واحد من جهة علميتها ، وعلى الصفات التي اشتقت منها : تضمنا ، وعلى كليهما : مطابقة .
فالصارم مشتق من وصف الصرم ، والمهند منسوب إلى الهند ، والحسام مشتق من وصف الحسم وهو القطع كما في : "لسان العرب" .
فاتفقت هذه الأسماء أيضا من جهة العلمية وافترقت من جهة الوصفية ، فكل منها يدل على : المسمى العام والوصف الخاص : دلالة مطابقة ، وعلى أحدهما : دلالة تضمن .


وإلى ما تقدم أشار ابن تيمية ، رحمه الله ، في "الرسالة التدمرية" بقوله :
"والله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير ، سميع بصير ، غفور رحيم ، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته .
فنحن نفهم معنى ذلك ونميز بين العلم والقدرة ، وبين الرحمة والسمع والبصر ، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله ، مع تنوع معانيها فهي متفقة متواطئة من حيث الذات ، متباينة من جهة الصفات ، وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب . وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن والفرقان والهدى والنور والتنزيل والشفاء ، وغير ذلك ، ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها هل هي من قبيل المترادفة لاتحاد الذات ، أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات ؟ كما إذا قيل : السيف والصارم والمهند ، وقصد بالصارم ، معنى الصرم ، وفي المهند النسبة إلى الهند ، والتحقيق أنها : مترادفة في الذات ، متباينة في الصفات" . اهـــ

ويشير إلى طرف من ذلك في معرض بيان النوع الأول من أنواع اختلاف التنوع في أقوال السلف في تفسير الكتاب العزيز فيقول :
"أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه ، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة كما قيل في اسم السيف : الصارم والمهند ، وذلك مثل أسماء اللّه الحسنى ، وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأسماء القرآن ، فإن أسماء اللّه كلها تدل على مسمى واحد ، فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًا لدعائه باسم آخر ، بل الأمر كما قال تعالى : {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى } [ الإسراء : 110 ] .
وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة ، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم ، كالعليم يدل على الذات والعلم ، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة . ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر ، فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون : لا يقال : هو حي ، ولا ليس بحي ، بل ينفون عنه النقيضين ؛ فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسمًا هو علم محض كالمضمرات ، وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من صفات الإثبات ، فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو في الظاهر موافقًا لغلاة الباطنية في ذلك" . اهــــ
"شرح مقدمة أصول التفسير" ، ص21 ، 22 .

ويوجز ابن القيم ، رحمه الله ، ما تقدم ، في كلمة جامعة في "بدائع الفوائد" فيقول :
"إن الاسم من أسمائه له دلالات دلالة على الذات والصفة بالمطابقة ودلالة على أحدهما بالتضمن ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم" . اهــ

ونحوها قول ابن تيمية رحمه الله :
"إن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته ، وعلى ما في الاسم من صفاته ، ويدل أيضًا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم" . اهـــ


ومن أمثلة ذلك في علم النحو :
دلالة العلم المنقول من : وصف ، أو مشتق منه ، أو اسم جامد ، على مسماه :
فالوصف كـــ : "الفضل" إذا سمي به فإنه يدل على المعنى المقصود الذي دلت عليه : "أل" التي يلمح بها الأصل : دلالة مطابقة ، إذ المصدر يدل على المعنى دلالة كلية ، فلا يدخل في أصل وضعه : دلالة على ذات فاعلة له أو متصفة به ، أو زمن يحصل فيه المعنى الذي يدل عليه .
والمشتق كـــ : "الحارث" إذا سمي به فإنه يدل على المعنى المقصود الذي دلت عليه : "أل" التي يلمح بها الأصل : دلالة تضمن ، إذ اسم الفاعل المشتق يدل على معنى وذات فاعلة له أو متصفة به .
والاسم الجامد كـــ : "النعمان" إذا سمي به فإنه يدل على المعنى المقصود الذي دلت عليه : "أل" التي يلمح بها الأصل : دلالة التزام ، فإنه موضوع للدم والحمرة ، وهي الوصف المقصود ، لازمة له . كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، في حاشيته : "منحة الجليل" على "شرح ابن عقيل" رحمه الله .

ومن ذلك أيضا : دلالة الفعل :فهو يدل على المعنى الذي اشتق منه : دلالة تضمن ، وكذلك يدل على زمن وقوعه : دلالة تضمن ، ويدل على كليهما : دلالة مطابقة ، ويدل على الذات التي قام بها : دلالة لزوم فهي خارجة عن ماهيته ، ولكن لا يتصور انفكاكهما ، فلكل فعل فاعل ، ولكل حدث محدِث ، ولكل سبب مسبِب .

فالفعل : "رحم" : يدل على صفة الرحمة : دلالة تضمن ، وعلى وقوعها في الزمن الماضي أيضا : دلالة تضمن ، وعلى كليهما : دلالة مطابقة ، وعلى ذات الراحم التي قام بها وصف الرحمة : دلالة لزوم .

والفعل : "يرحم" : يدل على صفة الرحمة : دلالة تضمن ، وعلى وقوعها في الزمن الحاضر أو المستقبل أيضا : دلالة تضمن ، وعلى كليهما : دلالة مطابقة ، وعلى ذات الراحم التي قام بها وصف الرحمة : دلالة لزوم . وعلى هذا فقس .

ولذلك كان الفعل أثقل من الفعل لازدحام الدلالات فيه ، فهو يدل بوضعه على : حدث وزمن ، فدلالته ثنائية .

بخلاف الاسم فإنه :
إن كان دالا على معنى كالمصدر : فلا يدل بوضعه إلا على ذلك المعنى فقط ، فدلالته الوضعية : أحادية ، بخلاف دلالة الفعل الثنائية .
وإن كان دالا على ذات دلالة العلم على مسماه : فلا يدل ، أيضا ، إلا على ذلك المسمى فقط ، وإن كان في نفسه مشتقا يدل على معنى اشتق منه ، كــ : "كريم" ، فإنه مشتق من معنى الكرم ، ولا التفات إلى ذلك إذا نظرنا إلى دلالته العلمية دون دلالته الوصفية ، فهو أحادي الدلالة ، أيضا ، إذ قد يسمى أبخل الناس : كريما ، فيكون الاسم المشتق دالا عليه دلالة الاسم الجامد على مسماه ، فلا التفات إلى الاشتقاق عندئذ ، وهذا إن جاز في حق البشر ، فإنه لا يجوز في حق رب البشر ، عز وجل ، فأسماؤه كما تقدم : أعلام وأوصاف تدل على قيام المعاني التي اشتقت منها بذاته القدسية : قيام الصفات بالموصوف .
وإن كان دالا على ذات دلالة العلم على مسماه مع النظر إلى المعنى الذي اشتق منه : فإنه يكون أضعف من الفعل ، وإن كانت دلالته في تلك الحال : ثنائية كالفعل ، فهو يدل على ذات ووصف ، كــ : "قاتل" إن أطلق على شخص بعينه قام به معنى القتل ، وسبب ضعفه : أنه فرع على الفعل في العمل ، بدليل أنه لا يعمل مطلقا كالفعل ، بل يعمل بشروط قررها النحاة من قبيل : اشتراط اتصاله بـــ : "أل" الموصولة ليعمل مطلقا ، أو اعتماده على أمور إن جرد عنها ، وبطلان عمله في الزمن الماضي إن كان مجردا ، فدلالته الزمنية أضيق من دلالة الفعل الزمنية ، فلا يعمل عندئذ إلا إذا دل على زمن حاضر أو مستقبل ، وعليه خرج النحاة عمله في قوله تعالى : (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) ، على استحضار الصورة المنقضية ، فآل الكلام إلى : وكلبهم يبسط ذراعيه ، فلا يعمل في صورة ماضية إذا كان مجردا إلا بهذا التأويل .

ويقال كذلك بأن من أمارات ضعفه : عدم تغير ضميره المستكن فيه بتغير سياق الكلام من : تكلم إلى خطاب إلى غيبة ، فالضمير المستكن فيه في جميعها : ضمير مستتر تقديره : "هو" ، ففي قولك : أنا كريم ، أو : أنت كريم ، أو : هو كريم ، الضمير المستتر في "كريم" في جميعها تقديره : "هو" ، بخلاف الضمير المستتر في نحو : أنا أسافر ، و : أنت تسافر ، و : هو يسافر ، فهو في الأول : "أنا" ، وفي الثاني : "أنت" ، وفي الثالث : "هو" ، فتغير تبعا لتغير سياق الكلام ، ولذلك كان مما يحتاج إليه في الإعراب ، بخلاف الضمير المستتر في اسم الوصف فإنه لجموده على صورة واحدة لا تتغير : لا يحتاج إليه في الإعراب فلن يضيف جديدا يميز إعراب ما استكن فيه . وهذا الضعف عند التحقيق راجع إلى كونه : فرعا على عامله ، فضعف ضميره في مقابل ضمير عامله فرع على ضعفه في مقابل عامله .

ومن أمارات ضعفه أيضا :
أنه لا يعمل إلا في الظاهر ، كقولك : أقائم الزيدان ؟ ، بخلاف الفعل فإنه لقوته وعراقته في الباب يعمل في : المضمر والمظهر .
فتقول : قام فيستتر فيه الفاعل : الضمير المستتر ، فهو مما يحتاج إليه في الإعراب بخلاف الضمير المستكن في المشتق فإنه ضعيف لا يحتاج إليه في الإعراب كما تقدم .
وتقول : قام زيد ، فيرفع الفاعل الظاهر .

ومنه دلالة العلم واللقب :فإن العلم يدل على الذات مطابقة فـــ : "محمد" علم يدل على الذات المسماة به دلالة مطابقة ، بينما اللقب أعم من جهة دلالته على المسمى وعلى وصف قائم به ، كوصف "محمد" بأنه : "كريم" ، فإن اللقب دال على الذات التي أطلق عليها والمعنى الذي اشتق منه ، على كليهما : دلالة مطابقة ، وعلى أحدهما : دلالة تضمن ، ولذلك حسن في لسان العرب تقديم العلم على اللقب ، فتقول : جاءني محمد الكريم ، ليكون في الكلام تأسيس فائدة جديدة ، فيذكر العلم أولا مجردا مطلقا ، ثم يذكر ثانيا مقيدا باللقب ، فيستفيد المخاطب فائدة جديدة ، إذ اللقب ، كالخبر ، حكم يتأخر عن المحكوم عليه ، على تفصيل في ذلك ، بخلاف ما لو ذكر اللقب أولا ، فإن المخاطب يحصل الفائدة ابتداء ، فيكون ذكر الموصوف مطلقا بعد ذكره مقيدا بالوصف تكرارا لا يفيد جديدا ، وإذا دار الكلام بين تأسيس فائدة جديدة وتوكيد ما تقدم بالتكرار ، فحمله على التأسيس أولى ، فيترجح ذكر العلم مؤسسا لفائدة الدلالة على الذات ، ثم اللقب مؤسسا لفائدة جديدة : فائدة وصفه بالمعنى الذي اشتق منه اللقب .

ومن ذلك أيضا :
دلالة الكناية : فإن الكناية كما عرفها البلاغيون : انتقال من ملزوم إلى لازمه ، كما تقول : فلانة بعيدة مهوى القرط ، كناية عن طول عنقها ، فإن فيه انتقالا من بعد مهوى قرطها الذي يتدلى من أذنها إلى لازم ذلك من طول العنق ، وهي دلالة اقترانية فلا ينفك فيها الملزوم عن لازمه مع جواز إرادة المعنى الحقيقي ، كما في الصورة السابقة : فهي كناية عن طول العنق وإن لم يكن قرط في الأذن ، ومع ذلك لا يمتنع ذلك ، بل إن وجوده أظهر للمعنى المكنى عنه . وهذا مما فرق به البلاغيون ، كما ذكر صاحب الجواهر رحمه الله ، بين : الكناية والمجاز ، فإن إرادة المعنى الحقيقي في المجاز غير متصور ، وإلا كان حقيقة لا مجاز فيه !! ، فالمجاز قسيم الحقيقة فلا يجتمعان .

ومن ذلك أيضا :
دلالة الربوبية على الألوهية ، ودلالة الألوهية على الربوبية :
فدلالة الربوبية على الألوهية : دلالة التزام ، إذ يلزم من أقر بربوبية الله ، عز وجل ، أن يقر بألوهيته فرعا عليها ، فعلة كونه الإله المعبود أنه الرب الخالق البارئ المصور الملك المالك المدبر الرازق ................ إلخ من أوصاف الربوبية ، ولكن قد يقر كثير من البشر ، بالملزوم دوم لازمه ، كما في قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) ، فقد أقروا بالعلة ولم يقروا بالمعلول ، واعترفوا بصحة المقدمة ، وطعنوا في النتيجة ، في تناقض يظهر بأدنى تأمل .
بينما دلالة الألوهية على الربوبية : دلالة تضمن ، إذ لا يتصور أن يقر العبد بأن الله ، عز وجل ، هو الإله المعبود دون أن يسبق ذلك إقرار بكونه الرب ، إذ التصور يسبق الحكم ، فلا يتصور حكم الألوهية دون سبق تصور الربوبية .

يقول ابن أبي العز رحمه الله :
"التَّوْحِيدُ الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ ، وَنَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ ، هُوَ تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ الْمُتَضَمِّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يُقِرُّونَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَأَنَّ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاحِدٌ ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } . { قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }{ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }" . اهـــ
"شرح العقيدة الطحاوية" ، ص29 .

ويقول في موضع تال :
"وَتَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ مُتَضَمِّنٌ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ دُونَ الْعَكْسِ . فَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ يَكُونُ عَاجِزًا ، وَالْعَاجِزُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا . قَالَ تَعَالَى : { أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } ، وَقَالَ تَعَالَى : { أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ }{ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }" . اهـــ
"شرح العقيدة الطحاوية" ، ص37 .

ومن ذلك أيضا :
دلالة الكلام على : اللفظ والمعنى :
وهي المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أصحاب المقالات :
فأهل السنة : يقولون : الكلام لفظ ومعنى ، فدلالته على كليهما : دلالة مطابقة ، وعلى أحدهما : دلالة تضمن .
بينما المتكلمون يقولون : الكلام هو المعنى الواحد ، القائم بالذات ، فدلالته على المعنى عندهم : دلالة مطابقة ، إذ ليس اللفظ جزءا من مسماه ، وإنما يدل عليه التزاما ، فالقرآن الذي بين أيدينا هو حكاية لما قام بذات الله ، عز وجل ، من كلام نفسي ، والحكاية غير المحكي .

والفصل بين اللفظ والمعنى أمر يخالف الشرع والعقل ، إذ لا انفكاك بينهما إلا في الذهن ، ولذلك عرف النحاة الكلام بأنه : لفظ مفيد ، كما ذكر ذلك ابن مالك ، رحمه الله ، في مطلع ألفيته ، فاللفظ جزء من مسمى الكلام ، والفائدة وهي لا تكون إلا معنى تدركه العقول جزء ثان ، فيكون الكلام : لفظا ومعنى .

يقول ابن تيمية ، رحمه الله ، حاكيا مقالة السلف في هذه المسألة :
"وَقِيلَ : اسْمٌ لَهُمَا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ . (أي أن الكلام : اسم للفظ والمعنى معا) . وَهَذَا مَذْهَبُ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْجُمْهُورِ فَإِذَا قِيلَ : تَكَلَّمَ فُلَانٌ : كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهَا أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ } وَقَالَ : { كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ } وَقَالَ : { أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ : كَلِمَةُ لَبِيدٍ . أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ } وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ .
"فَالْكَلَامُ" إذَا أُطْلِقَ يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا وَإِذَا سُمِّيَ الْمَعْنَى وَحْدَهُ كَلَامًا أَوْ اللَّفْظُ وَحْدَهُ كَلَامًا فَإِنَّمَا ذَاكَ مَعَ قَيْدٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ .............. فالْكَلَامَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا وَالْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ مَمْلُوءٌ مِنْ آيَاتِ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى ؛ فَكَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ إثْبَاتُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى لِلَّهِ" . اهــــ


ومن فروع هذا البحث :
مسألة : الترجيح بين الدلالات عند التعارض :
فدلالة المطابقة تقدم على دلالة التضمن ودلالة التضمن تقدم على دلالة الالتزام .
ومن صور ذلك :
الترجيح بين دلالة المصدر على المعنى ، ودلالة الفعل أو الوصف عليه :
فالمصدر يدل على المعنى : دلالة مطابقة ، بينما الفعل يدل عليه دلالة تضمن ، إذ الفعل يتضمن : المعنى والزمن ، وكذلك الوصف كاسم الفاعل فإنه يدل على المعنى : دلالة تضمن ، إذ اسم الفاعل يتضمن الدلالة على : المعنى والذات الفاعلة التي وقع منها الفعل .

فـــ : "الرحمة" ، و "رحم" و "راحم" : تدل على معنى الرحمة ، ولكن المصدر : "الرحمة" : يدل عليها دلالة مطابقة ، بينما الفعل : "رحم" : يدل عليها دلالة تضمن إذ الفعل الماضي يدل على وقوع المعنى في الزمن الماضي فهو يدل عليه مقيدا بزمن حدوثه ، لا مطلقا كالمصدر ، والدلالة المطلقة أقوى من الدلالة المقيدة ، وكذلك اسم الفاعل : "راحم" : يدل عليه أيضا : دلالة تضمن ، إذ اسم الفاعل يدل على ذات قام بها الفعل ، فهو يدل عليه مقيدا بفاعله ، لا مطلقا كالمصدر ، والدلالة المطلقة أقوى من الدلالة المقيدة كما تقدم .

ومن صور ذلك أيضا :
تخصيص الاسم بعلامة الإسناد ، فالإسناد لا يكون إلا لاسم ، وعلة ذلك :
أن الإسناد خبر ، والخبر لا يكون إلا عن ذات ، ففي قولك : جاء محمد ، أسند فعل المجيء إلى الذات التي دل عليها اسم "محمد" ، ودلالة الاسم على الذات : دلالة مطابقة بخلاف دلالة الفعل على الذات فهي دلالة التزام إذ لا بد للفعل من فاعل ، وإن كان الفاعل خارجا عن ماهية الفعل المتضمنة : حدثا وزمنا ، كما تقدم ، فلما كانت دلالة الاسم على الذات التي يسند إليها : دلالة مطابقة ، بخلاف دلالة الفعل عليها فهي دلالة التزام ، صار الإسناد أليق بالاسم منه بالفعل ، إذ دلالة المطابقة أقوى من دلالة الالتزام .
بتصرف من حاشية : "منتهى الأرب على شرح شذور الذهب" ، للشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، ص42 .

ومن ذلك أيضا :
دلالة الاسم الجامد على كالعلم على صفة اشتهر صاحبه بها كدلالة : "حاتم" وهو علم جامد على وصف الكرم فإن دلالته عليه دلالة التزام ، بخلاف دلالة اسم الوصف المشتق : "كريم" على وصف الكرم فإن دلالته عليه دلالة تضمن إذ يدل على ذات الموصوف والصفة معا : دلالة مطابقة ، وعلى أحدهما دلالة تضمن ، بخلاف الاسم الجامد فإن دلالة المطابقة فيه تكون على الذات فقط ، وعليه يقال :
دلالة "كريم" على وصف الكرم أقوى من دلالة "حاتم" عليه ، لأن دلالة التضمن أقوى من دلالة الالتزام ، كما أن "كريم" يتحمل الضمير تحملا أظهر من تحمل الاسم الجامد المؤول بالمشتق له ، فضعف الجامد في باب الوصفية لدلالته عليها التزاما ترتب عليه ضعفه في تحمل الضمير فلا يتحمله عند البصريين إلا إذا أول بمشتق كتأويل : "حاتم" بــ : "كريم" بخلاف "كريم" فإنه نص في الوصف لا يحتاج تأويلا ، فتحمله للضمير أظهر وإن كان أضعف من الفعل ، فكان ما يحتاج التأويل أضعف مما لا يحتاج التأويل ، فهو نص في بابه ، وقد تقرر في مبحث الترجيح بين الدلالات اللفظية في الأصول : أن النص مقدم على المؤول ، فيكون الترتيب من جهة تحمل الضمير تنازليا من :
الفعل فالاسم المشتق فالجامد المؤول بالمشتق .

قال في "جواهر البلاغة" :
"وليس العلم الشخصي واسم الإشارة والضمير والموصول من الكليات ، فلا تصح أن تجري فيها الاستعارة الأصلية ، (لأنها لا تدل على معان كلية اشتقت منها تصلح للاستعارة كمعاني الكرم والشجاعة ..............) . أما المشتق فالصفة جزء من مدلوله وضعا ، لأنه موضوع لذات متصفة بصفة فــــ : "كريم" : موضوع لذات متصفة بالكرم ، و "قتيل" : موضوع لذات متصفة بوقوع القتل عليها .
وقد اعتبرت الأعلام التي تتضمن معنى الوصف : اسم جنس تأويلا ولم تعتبر من قبيل المشتق ، لأن الوصف ليس جزءا من معناها وضعا ، بل هو لازم له ، غير داخل في مفهومه ، فـــ : "حاتم" لم يوضع للدلالة على الجود ولا على ذات متصفة به ، ولكن الجود عرض له ولزمه فيما بعد" . اهــــ
بتصرف من : "جواهر البلاغة" ، ص258 .

ومن ذلك دلالة "الشك" و : "الريب" على الاضطراب :
فإن الريب يدل على الحركة والاضطراب : دلالة تضمن ، بخلاف الشك ، فإنه يدل عليه : دلالة التزام ، فالريب أعم من الشك ، فبينهما : تداخل أو عموم وخصوص مطلق ، فكل ريب شك ولا عكس . فتكون دلالة الريب على الحركة والاضطراب أقوى من دلالة الشك عليهما ، إذ دلالة التضمن أقوى من دلالة الالتزام كما تقدم .

يقول ابن تيمية ، رحمه الله ، في "مقدمة أصول التفسير" :
"ومن قال : {لاريب } : لا شك ، فهذا تقريب ، وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة ، كما قال : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ، وفي الحديث أنه مر بظبي حاقف ، أي : نائم قد انحنى في نومه فقال : "لا يريبه أحد" ، فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة فالريب ضده ضمن الاضطراب والحركة . ولفظ الشك وإن قيل : إنه يستلزم هذا المعنى ، لكن لفظه لا يدل عليه" . اهــــ


ومن ذلك أيضا :
اختلاف أهل السنة ومرجئة الفقهاء والمرجئة الخلص في دلالة الإيمان على العمل :
فأهل السنة يقولون : دلالة الإيمان على العمل : دلالة تضمن ، لأن العمل جزء من الإيمان ، فهو شرط لكماله الواجب للنجاة من الوعيد ، فلا يتم إيمان المرء الواجب بلا عمل ، وإن لم ينتف أصله ، فترك العمل إما أن يكون صاحبه :
مذموما ، كمن ترك جنس النوافل بالكلية .
أو : مؤمنا ناقص الإيمان ، كمن ترك بعض الفرائض ، كالحج والصيام والزكاة ، فهو من أهل الوعيد ، بل تركه أحد الأركان العملية مظنة الزندقة ، ولأحمد ، رحمه الله ، رواية في تكفير تارك الزكاة ، وله رواية أخرى في تكفير تارك أحد الأركان ، والرواية المشهورة عنه : تكفير تارك الصلاة تحديدا دون بقية الأركان .

أو : كافرا ، كمن ترك ما لا يتصور تركه من عمل القلب ، فلا يتصور إيمان بلا خوف أو رجاء ، فمن زال الخوف من الله ، عز وجل ، من قلبه بالكلية ، زال إيمانه بالكلية ، وكمن ترك بعض أعمال الجوارح التي وقع الخلاف في كفر تاركها ، كالصلاة ، التي ذهب الحنابلة ، رحمهم الله ، إلى كفر تاركها بالكلية ، وإن لم يجحدها ، بينما ذهب الجمهور إلى فسقه ما لم يجحدها ، وأجمع الكل على كفره إذا جحدها ما لم يكن حديث عهد بإسلام ، فيعذر بجهله ، ومحل النزاع : تارك الصلاة بالكلية ، فلا يدخل : من صلى بعضا وترك بعضا ، فلا يكفر عند الجميع ، وإن كان من أهل الوعيد الشديد .
والنصوص قد دلت على كون العمل جزءا من الإيمان كما في :
قوله تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) ، أي : صلاتكم قبل تحويل القبلة ، وقد بوب البخاري رحمه الله :
بَاب : الصَّلَاةُ مِنْ الْإِيمَانِ ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } : يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ .
وروى فيه من طريق : زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } .


وحديث وفد عبد القيس ، وفيه : (أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ، قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَأَنْ تُعْطُوا مِنْ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ) ، ففسر الإيمان بالشهادتين وأعمال الجوارح .
وحديث شعب الإيمان ، وفيه : (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ) ، وإماطة الأذى من : أعمال الجوارح ، والحياء : من خصال الخير .


بينما ذهب مرجئة الفقهاء إلى أن دلالة الإيمان على العمل : دلالة التزام ، فالعمل خارج عن حد الإيمان ، وإن كان الإيمان يقتضيه ، فهم وافقوا أهل السنة من جهة : ذم تارك العمل وكونه من أهل الوعيد ، وخالفوهم من جهة : إخراج العمل عن حد الإيمان ، فلا يدل الإيمان بمبناه عندهم على العمل ، وإن دل بمعناه .

بينما ذهب المرجئة الخلص إلى أن الإيمان لا يدل على العمل ، ولو التزاما ، فهو خارج عن ماهيته ، مبنى ومعنى ، فالعمل ثمرة الإيمان ، والثمرة غير الأصل ، وإن تولدت عنه ، فيتصور عندهم اكتمال الإيمان بلا عمل !! .

ومن فروع هذا البحث أيضا :
مسألة لازم القول : هل هو لازم أو ليس بلازم :
فهذه المسألة من المسائل التي يختلف الحكم فيها تبعا لاختلاف القائل :

فإن كان القائل هو الله ، عز وجل ، أو رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلازم القول لازم ، لأن قولهما حق لا مرية فيه ، ولازم الحق حق .

يقول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله : "ينبغي أن يعلم أن اللازم من قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم إذا صح أن يكون لازما فهو حق ، يثبت ويحكم به ، لأن كلام الله ورسوله حق ، ولازم الحق حق ، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازما من كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فيكون مرادا" .
"القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى" ، ص11 ، 12 .


وأما قول الإنسان ، فهو : إما أن يكون موافقا للكتاب والسنة فيكون حقا ، ولازمه حقا ، وإما أن يكون مخالفا للكتاب والسنة فيكون باطلا ولازمه باطلا .
"القواعد النورانية" ، لشيخ الإسلام ، رحمه الله ، ص128 .

ولقائل القول مع لازمه ثلاث حالات :

أولا : أن يذكر له لازم قوله فيلتزمه ، كأن يقال لمن يثبت وزن الأعمال في الآخرة : يلزمك أن تثبت وزن الأعراض ، أي الصفات والأحوال التي لا تقوم بنفسها ، وإنما تقوم بذات تتعلق بها ، فالأعمال لا تقوم إلا بذات العامل ، والصفات لا تقوم إلا بذات الموصوف ، فلا يمكن ، على سبيل المثال ، أن تقوم صفة الحمرة بنفسها ، فيوجد جرم مستقل يقال له : "الحمرة" ، وإنما الحمرة صفة تقوم بذات موصوف بها فيقال هذه فاكهة حمراء وهذا ثوب أحمر .................. إلخ .
فمن التزم هذا اللازم يقول : نعم ألتزم به ، لأن أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا ، والله تعالى على كل شيء قدير ، ثم إنه قد وجد في زماننا هذا موازين للحرارة والبرودة والإضاءة ونحو ذلك من الأعراض دون أن نحتاج لفصلها عن ذواتها وتجسيمها لتصير أجراما تقبل القياس المحسوس ، فهذا اللازم يجوز إضافته إليه إذا علم منه أنه لا يمنعه .


ثانيا : أن يذكر له لازم قوله ، فيمنع التلازم بينه وبين قوله ، مثل :
أن يقول المعتزلة ، نفاة الصفات ، لأهل السنة : يلزم من قولكم بتعدد صفات الله ، عز وجل ، تعدد القدماء ، أي الآلهة ، فيرد أهل السنة بامتناع هذا اللازم ، ويقولون بأن : صفات الله ، عز وجل ، قائمة بذاته ، عز وجل ، لا استقلال لها بنفسها ، ولا إشكال في ذلك ، لأن صفات البشر ، ولله المثل الأعلى ، لا تستقل بنفسها فلا يوجد سمع مستقل أو بصر مستقل أو ........................... إلخ ، فصفات الله ، عز وجل ، كذلك لا تقوم إلا بذاته العلية ، فلا يلزمنا ما قلتموه .

أو يقولوا : يلزم من قولكم : إن لله ، عز وجل ، صفات السمع والبصر ................. الخ ، تشبيه الخالق بالمخلوق الذي له سمع وبصر ............ ، فيقول أهل السنة : لا يلزمنا هذا اللازم الباطل ، لأن الكلام على الصفات فرع عن الكلام على الذات ، فلما كانت ذات الله ، عز وجل ، لا تشبهها ذات أخرى ، وإن أطلق على الكل اسم : "الذات" ، فكذلك صفاته لا تشبه صفات أحد من خلقه ، وإن أطلق على الكل اسم : "الصفات" ، فلا يلزم من اشتراك الخالق ، عز وجل ، في اسم صفة السمع مع المخلوق أن سمع الخالق كسمع المخلوق ، فهما يجتمعان في : الاسم الكلي المطلق الذي لا يوجد إلا في الأذهان ، لا : المسمى الموجود خارج الذهن ، فشتان سمع الخالق ، عز وجل ، المحيط بكل المسموعات وسمع المخلوق العاجز ، فهما يشتركان من جهة "التواطؤ اللفظي" أو "الاشتراك المعنوي" ، أي وجود أصل الصفة أو معناها الكلي المطلق دون تشابه أو تماثل في الحقيقة الخارجية ، كضوء الشمس وضوء المصباح ، يجتمعان في معنى : الضوء ، ويختلفان في الحقيقة الخارجية ، فلا وجه للمقارنة بينهما من جهة الشدة أو الحرارة ........... إلخ ، ولله المثل الأعلى .

يقول ابن تيمية ، رحمه الله ، في "التدمرية" :
"ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء وكانت تلك الأسماء مختصة به ، إذا أضيفت إليه، لا يشركه فيها غيره ، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ، ولم يلزم من اتفاق الاسمين ، وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة ، والتخصيص اتفاقهما ، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص ، فقد سمى الله نفسه حيا ، فقال : {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } [ البقرة : 255 ] ، وسمى بعض عباده حيًا ، فقال : {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } [ الروم : 19 ] . وليس هذا الحي مثل هذا الحي لأن قوله : (الحي) اسم لله مختص به وقوله : يخرج الحي من الميت اسم للحي المخلوق مختص به ، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج ، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق ، والمخلوق عن الخالق ، ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته ، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق ، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق ، للخالق في شيء من خصائصه ، سبحانه وتعالى" . اهــــ

وعليه فهذا اللازم لا يجوز إضافته إليه بعد أن بين هو وجه امتناع التلازم بين قوله وبين ما أضيف إليه .

ثالثا : أن يكون اللازم مسكوتا عنه فلا يذكر بالتزام ولا منع ، فهذا حكمه ألا ينسب إلى القائل ، لأنه إذا ذكر له اللازم : فقد يلتزمه ، وقد يمنع التلازم ، وقد يتبين له وجه الحق فيرجع عن اللازم والملزوم جميعا ، ولأجل هذه الاحتمالات لا ينبغي إضافة اللازم إليه ، لا سيما أن الإنسان بشر يعتريه ما يعتريه مما يوجب له الذهول عن اللازم ، فقد يغفل أو يسهو ، أو ينغلق فكره ، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تدبر في لوازمه ، ونحو ذلك .

وخير شاهد لذلك :
قول الغزالي ، رحمه الله ، لظاهر العباداني : "لا تعلق كثيرا لما تسمع مني في مجالس الجدل ، فإن الكلام فيها يجري على ختل الخصم ، ومغالطته ، ودفعه ، ومغالبته" . فهي مظنة الانتصار بأي رأي دون الالتفات إلى لوازمه ، والله أعلم .


يقول شيخ الإسلام ، رحمه الله ، في "مجموع الفتاوى" : "ولو كان لازم المذهب مذهبا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات إنه مجاز ليس بحقيقة ، فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه حقيقة" . اهــــ

وعليه تكون الصفات كالأسماء عدما ، ولازم ذلك نفي وجود الخالق ، عز وجل ، كما ذهب إلى ذلك الفلاسفة ، الذين وصل بهم الأمر ، لوصف الله ، عز وجل ، بأنه وجود كلي مطلق بشرط الإطلاق ، لا ذات له ولا صفة ، وقال الباطنية من العبيدية وأمثالهم ببدعة العقل الكلي والنفس الكلية المجردة عن الصفات ، وخلعوا صفات الله ، عز وجل ، على أئمتهم ، على تفصيل لا يتسع المقام لذكره .

ورغم ذلك ، فإن شيخ الإسلام ، رحمه الله ، يعتذر بهذا القول عما وقع من بعض الأئمة من تأويل لبعض الصفات ، لازمه كفري ، ولكن قائله لا يكفر ، كمن تأول صفة اليد بالقوة أو القدرة أو النعمة ، فإن لازم ذلك إنكار صفة اليد لله ، عز وجل ، وإنكار صفة ثابتة لله ، عز وجل ، كفر ، ولكن المؤول هنا لا يكفر ، تبعا للقاعدة السابقة ، إلا إن بين له المخالف لازم قوله ، وما يؤول إليه من تكفير قائله ، فالتزم به ، بعد زوال كل الشبهات المانعة من التكفير ، فتقام عليه الحجة الرسالية التي يكفر منكرها ، والله أعلم .

وكذلك من يفسر الاستواء ، على سبيل المثال ، بالاستيلاء ، فلازم قوله كفري ، لأن الاستيلاء لا يكون إلا بعد مغالبة منازع ، كما أثر عن ابن الأعرابي ، رحمه الله ، والقول بوجود منازع لله ، عز وجل ، في ملكه كفر ، ولكن صاحب هذا القول ، كسابقه ، لا يكفر ، طبقا للقاعدة السابقة التي قررها شيخ الإسلام ، رحمه الله ، إلا إذا بين له المخالف لازم قوله فالتزم به على التفصيل السابق ، فهذه القاعدة الجليلة أصل في العذر بالجهل ، والله أعلم .

لكن قد تذكر اللوازم الباطلة ، لا سيما عند المناظرة ، لإظهار شناعة المذهب الباطل ، (الملزوم) ، لأن العاقل إذا نبه إلى ما يلزم قوله من اللوازم الفاسدة ، فقد يتنبه ويرجع عن قوله . منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد ، لعثمان حسن (2/703) . نقلا عن : "المبتدعة وموقف أهل السنة والجماعة منهم" ، للشيخ الدكتور ، أبي عبد الله محمد بن يسري ، حفظه الله ، ص198_200 .

&&&&&

ومن دلالات الألفاظ الأخرى :
دلالة الترادف :
وهي دلالة الألفاظ المتعددة على معنى واحد ، وإن اختلفت مبانيها ، كدلالة ألفاظ : الأسد ، والليث ، والغضنفر ، وأسامة ، على حقيقة الحيوان المفترس المعروف .

وقد ذهب بعض المحققين ، كابن تيمية رحمه الله ، إلى ندرة الألفاظ المترادفة ترادفا كاملا من كل وجه في لغة العرب ، فلا بد أن يستقل كل لفظ بمعنى ، وإن دق ، لا يدل عليه اللفظ الآخر ، وهذا أمر لا يستقل بإدراكه إلا من تبحر في لغة العرب فسبر أغوارها ووقف على أسرارها ، وقد ذهب ابن تيمية ، رحمه الله ، إلى منع الترادف الكلي بين ألفاظ القرآن التي تدل على معنى كلي واحد فلا بد أن يستقل كل منها بمعنى لا يشركه غيره فيه ، فلفظا : "الشك" و "الريب" يدلان على معنى كلي هو : اضطراب القلب ، ولكن لفظ "الريب" يزيد على لفظ "الشك" : الحركة ، فالريب : شك يصاحبه حركة ، فاشتركا في المعنى الأولي ، وزاد أحدهما على الآخر معنى ثانويا ، فنزلا منزلة : "المشترك المعنوي" ، الذي يدل على حقيقة ذهنية واحدة ، تختلف باختلاف أفرادها في الخارج ، كصفات : الشجاعة والذكاء ............ إلخ ، فهي واحدة بالنوع ، ولكن أفرادها خارج الذهن : متباينة فذكاء زيد غير ذكاء عمرو غير ذكاء بكر ، وإن اشتركوا جميعا في حقيقة الذكاء الكلية التي لا يمنع تصورها وقوع الشركة فيها كسائر المطلقات بخلاف المقيدات فإن تصور وقوع الشركة فيها غير متصور ، وإلا لزم من ذلك اتحاد الحقائق الخارجية ، فتكون ذات زيد متحدة بذات عمرو .......... إلخ ، وهذا مذهب أهل الاتحاد ووحدة الوجود .

قال ابن تيمية رحمه الله :
"الترادف في اللغة قليل ، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم ، وقل أن يعبر عن لفظ واحد يؤدي جميع معناه بل يكون فيه تقريب لمعناه وهذا من أسباب إعجاز القرآن فإذا قال القائل : { يوم تمور السماء مورا } : إن المور هو الحركة كان تقريبا إذ المور حركة خفيفة سريعة ، (فليس مجرد الحركة وإنما هي حركة مقيدة بالخفة والسرعة وهذا معنى زائد ينفي ترادف لفظي "الحركة" و "المور" ، إذ استقل أحدهما بمعنى لا يوجد في الآخر) ، وكذلك إذا قال الوحي : الإعلام أو قيل : (أوحينا إليك) : أنزلنا إليك ، أو قيل : { وقضينا إلى بني إسرائيل } أي أعلمنا وأمثال ذلك ، فهذا كله تقريب لا تحقيق فإن الوحي هو إعلام سريع خفي والقضاء إليهم أخص من الإعلام فإن فيه إنزالا إليهم وإيحاء إليهم" .
بتصرف من "مقدمة ابن تيمية في التفسير" ، ص36 .

ويقول في موضع تال : "ومن قال : لا ريب : لا شك ، فهذا تقريب وإلا فالريب فيه اضطرب وحركة كما قال "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ، وفي الحديث : أنه مر بظبي حاقف فقال : لا يريبه أحد فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة فالريب ضده ضمن الاضطراب والحركة ولفظ الشك وإن قيل إنه يستلزم هذا المعنى لكن لفظه لا يدل عليه" .
بتصرف من "شرح : مقدمة ابن تيمية في التفسير" ، ص38 .

ومنه أيضا :
حديث عبد الله بن مسعود قال: حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "شغلونا عن الصلاة الوسطى - صلاة العصر - ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا .
يقول ابن دقيق العيد رحمه الله :
"ولعل قائلا يقول : فيه متمسك لعدم رواية الحديث بالمعنى فإن ابن مسعود تردد بين قوله : "ملأ الله" أو "حشا الله" ولم يقتصر على أحد اللفظين مع تقاربهما في المعنى .
وجوابه : أن بينهما تفاوتا فإن قوله : "حشا الله" يقتضي من التراكم وكثرة أجزاء المحشو ما لا يقتضيه "ملأ" .
وقد قيل : إن شرط الرواية بالمعنى : أن يكون اللفظان مترادفين لا ينقص أحدهما عن الآخر على أنه وإن جوزنا بالمعنى فلا شك أن رواية اللفظ أولى فقد يكون ابن مسعود تحرى لطلب الأفضل" . اهـــ
"إحكام الأحكام" ، ص181 .

والتعريف بالمرادف هو أحد أنواع التعريف ، عند المناطقة ، ويعرف بـــ : "الحد اللفظي" ، وشرطه أن يشرح اللفظ المعرف بلفظ أشهر منه ، كقولك في الليث : الأسد ، فلا تقول : الليث : الخبعثنة أو الهرماس ....... إلخ من أسماء الأسد الغريبة .
بتصرف من "تلخيص روضة الناظر" ، (1/19 ، 20) .

&&&&&

ومنها دلالة التباين : وهي دلالة الألفاظ على معان متباينة كلفظي : الأرض والسماء ، فكلاهما يدل على حقيقة تباين الحقيقة التي يدل عليها الآخر .
وإليها أشار صاحب "تلخيص الروضة" ، رحمه الله ، بقوله :
الأسماء المتباينة هي : الأسماء المختلفة المعاني كـــ : "السماء" و "الأرض" ، وهي أكثر الأسماء .
"تلخيص روضة الناظر" ، (1/24) .

&&&&&

ومنها دلالة التكافؤ :
وهي مرتبة بين : الترادف والتباين ، إذ يدل اللفظان المتكافئان على معنى واحد باعتبار فيكونان : مترادفين من هذا الوجه ، ويدلان على معنيين مختلفين باعتبار ، فيكونان متباينين من هذا الوجه ، كما في : أسماء الله ، عز وجل ، فهي باعتبار دلالتها على الذات الإلهية القدسية المتصفة بصفات الكمال المطلق : مترادفة ، لأنها تدل على ذات واحدة ، وباعتبار دلالتها على معاني الصفات التي تدل عليها : متباينة ، فالرحمة غير الخلق غير الرزق ............... إلخ .

&&&&&

دلالة الاشتراك المعنوي : وهي دلالة اللفظ الذي يدل على حقيقة كلية مجردة ، توجد في الأذهان مطلقة عن أي قيد ، فإذا ما وجدت في الأعيان خارج الذهن ، كانت تبعا للعين المتصفة بها ، فتقيد بها : تقييد الصفة بالموصوف ، فالصفة فرع على الموصوف ، فحقيقة : "الشجاعة" إذا قطعت عن الإضافة : لا توجد إلا في الأذهان ، لأنها ، باصطلاح أهل المنطق ، "عرض" ، والعرض لا يقوم بنفسه ، وإنما يقوم بـــ : "جوهر" متصف به ، فلا يمكن أن تتجسد الشجاعة خارج الذهن بحيث تصح الإشارة إليها ، فيقال : هذه الشجاعة ، بخلاف الأعيان أو الجواهر التي تصح الإشارة إليها ، فيقال : هذه عين زيد ، وهذه عين عمرو ، وهذه عين بكر ............... إلخ ، فالشجاعة : نوع تندرج تحته أفراد متباينة يجمعها معنى كلي مشترك ، فشجاعة زيد غير شجاعة عمرو غير شجاعة بكر ، وإن اشتركت في معنى الشجاعة الكلي ، فصارت مترادفة من جهة : المعنى الكلي ، متباينة من جهة : أفراده ، لأن : "الواحد بالنوع" تتصور الشركة فيه ، بينما : "الواحد بالفرد" لا تتصور الشركة فيه ، فنوع : الإنسانية تتصور الشركة فيه بين : زيد وعمرو وبكر ، بينما : زيد لا تتصور الشركة فيه ، فلا يمكن أن يكون زيدا وعمرا وبكرا في نفس الوقت ، مع كونهم أفرادا تحت نوع واحد ، خصائصه معلومة المعنى والكيف ، فكيف يتصور ذلك في حق الباري ، عز وجل ، من جهة ، وآحاد خلقه من جهة أخرى ، كالمسيح عليه الصلاة والسلام ، مع كون الباري ، عز وجل ، أو "اللاهوت" كما يطلق النصارى عليه ، ليس كمثله شيء في أسمائه وصفاته وأفعاله ، فهي معلومة المعنى مجهولة الكيف قد استأثر الله ، عز وجل ، بعلمها ، وكون المسيح عليه الصلاة والسلام ، أو "الناسوت" كما يطلقون عليه ، بشرا تدرك العقول والحواس خصائصه : معنى وكيفا ، فإذا كان هذا الاتحاد : "مستحيلا ذاتيا" ، لا يتصور وقوعه بين مخلوقين مع اشتراكهما في خصائص النوع ، فهو أشد استحالة بين الخالق ، عز وجل ، من جهة ، وذوات مخلوقاته من جهة أخرى ، وإن كانت أشرف الذوات ، ويكفي لإبطال ذلك : التباين بين وجود الباري ، عز وجل ، ووجود خلقه ، مع كونهما قد اشتركا في معنى "الوجود" الكلي : فوجود الباري ، عز وجل ، واجب ، أزلي ، أبدي ، لا يعتريه نقص ، ووجود المخلوق ، ممكن ، يسبقه العدم ، ويلحقه الفناء ، ويتخلله النقص ، فكيف يصح في الأذهان التسوية بين متباينين لمجرد اشتراكهما في معنى كلي مجرد لا يلزم من إثباته تسوية ؟!!!! .

ومعرفة الحقائق دون إثبات معان كلية تدركها العقول ، ضرب من المحال ، فالشجاعة : معنى كلي يدل على حقيقة الشجاعة ، .............. إلخ ، فلو صح نفي "المشترك المعنوي" لبطلت دلالة الألفاظ على معانيها ، ولصارت اللغات غير مفهمة ، والأقوال غير ملزمة .
وبهذا رد أهل السنة على من نفى صفات الباري ، عز وجل ، بحجة أنه يلزم من إثباتها تشبيه الله ، عز وجل ، بخلقه ، لمجرد الاشتراك في الألفاظ الدالة على الصفات ، والمعاني الكلية المشتركة التي تدل عليها .
فقد تقدم أن هذه المعاني الكلية لا توجد مطلقة إلا في الأذهان ، فإثباتها ليس إثباتا لشيء خارج الذهن ، ليقال بأنه يلزم منه التشبيه أو التمثيل ، فإن المعنى الكلي لا يتجسد خارج الذهن مطلقا ، وإنما يوجد قائما بغيره ، كقيام الشجاعة بالشجاع والذكاء بالذكي .............. إلخ ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، وهكذا جميع الأمور المعنوية ، وبذلك تبطل حجة النصارى في ادعائهم تجسد كلمة الله ، عز وجل ، في شخص عيسى عليه الصلاة والسلام ، فإن الكلمة هي : الكلمة التكوينية : "كن" ، وهي صفة من صفات الباري ، عز وجل ، تقوم بذاته القدسية ، فلا قيام لها في الخارج بنفسها ، فيستحيل وجودها خارج الذهن : عينا قائمة بنفسها ، هي : عين المسيح عليه الصلاة والسلام ، لأن لازم ذلك : موت الكلمة بموت المسيح عليه الصلاة والسلام ، وهو أمر محل اتفاق بين المسلمين الذين يقولون بموت عيسى عليه الصلاة والسلام بعد أن ينزل في آخر الزمان ليقتل الدجال ، والنصارى الذين سلموا لليهود أعداء المسيح عليه الصلاة والسلام بقتله ، فقالوا بصلب "الناسوت" على خشبة الصلب فداء للنوع الإنساني . ولازم موت الصفة موت الموصوف ، لأن الصفة فرع عليه ، فيلزم من ذلك موت الباري ، عز وجل ، وهو لازم في غاية البطلان ، لأن الموت : صفة نقص مطلق ، يستحيل على الله ، عز وجل ، الاتصاف بها ، فهي في حقه من : "المحال لذاته" .

ولا عبرة بقول من قال : هي كلمة الله ، حلت في المسيح أو اتحدت به ، فليست هي عينه ، وإنما حلت فيه أو اتحدت به إذ ذلك من المحال ، أيضا ، لأن اتحاد غير المخلوق بالمخلوق يلزم منه طروء النقص على الأول ، وصفات الله ، عز وجل ، منزهة عن العيب والنقص ، ولأن الصفة لا تفارق موصوفها ، فالكلام ينسب إلى قائله نسبة لا انفكاك فيها ، والكلمة التكوينية من كلام الله ، عز وجل ، فنسبتها إليه نسبة صفة إلى موصوف ، لا مخلوق إلى خالق ، فكيف صح أن يفارقه وصفها ، فتقوم بمحل غير ذاته القدسية ، ومع ذلك تبقى وصفا له ، فيكون المسيح عليه الصلاة والسلام : كلمة الله ، على جهة الوصف ، وإنما تصير الكلمة عندئذ من أوصاف المحل الذي قامت به ، وهو المسيح عليه الصلاة والسلام ، فيلزم من ذلك انقطاع النسبة بين كلمة الله التكوينية وذاته القدسية ، وانقطاع الصفة عن موصوفها ، كما تقدم ، أمر غير متصور إلا على سبيل الفرض الذهني الذي يفرض ذاتا مجردة وصفات قائمة بنفسها ويركب منهما : الذات الموصوفة التي توجد خارج الذهن حقيقة ، كما أشار إلى ذلك ابن أبي العز الحنفي ، رحمه الله ، في "شرح الطحاوية" .

يقول ابن تيمية رحمه الله :
"إن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره وسمى بالاسم المشتق منها ذلك المحل دون غيره" . اهـــ
"شرح العقيدة الأصفهانية" ، ص19 .
وإنما يصح إطلاق وصف : "كلمة الله" على المسيح عليه الصلاة والسلام على جهة : صدور المسَبَب فرعا على سببه ، فالكلمة التكوينية : "كن" : سبب ، والمسيح عليه الصلاة والسلام : مسَبَب عنها ، فبها كان ، لا أنه هو ذات الكلمة .

فمن قال بأن إثبات صفة القدرة لله ، عز وجل ، يلزم منه التشبيه ، لأن المخلوق يوصف بالقدرة ، فقد خلط بين الحقائق الذهنية المجردة والحقائق العينية المقيدة ، فليس من لازم الاشتراك في الأولى الاشتراك في الثانية ، بل القدرة : معنى كلي ، يتبع الموصوف الذي يقوم به ، فقدرة زيد غير قدرة عمرو ................. إلخ ، وكذا يقال في حق الله عز وجل : فقدرته تبع لذاته القدسية المتصفة بكل كمال المنزهة عن كل نقص ، فله القدرة التامة والمشيئة النافذة ، بخلاف قدرة المخلوق المحدودة ، فآلت حقيقة الصفة إلى حقيقة الموصوف ، لأنها فرع عليه ، فكما أن الله ، عز وجل ، ليس كمثله شيء في ذاته ، فكذلك في صفاته ، ومنها القدرة ، فليس كقدرته قدرة زيد أو عمرو أو بكر ................ إلخ ، فهو أمر مطرد في كل صفات الله ، عز وجل ، وأفعاله .

وكما أننا لا ندرك كيفية ذاته ، جل وعلا ، وإن كنا نؤمن بوجودها ، فكذلك صفاته : فنحن نؤمن بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا نخوض في كيفيته ، لأن الخوض فيه فرع على الخوض في كيفية ذاته ، والعقول تعجز عن إدراك الأصل ، فكذلك الفرع ، فمن سأل عن كيفية صفة من صفاته ، قيل له : كيف هو في ذاته ؟ ، فإن قال : لا أدري ، قيل له : فإن الكلام في الصفة التي سألت عنها فرع على الكلام في ذاته ، فمن عجز عن إدراك كيفية الذات فهو عاجز عن إدراك الصفات ، والشيء لا تدرك حقيقته إلا بــــ : رؤيته ، أو رؤية نظيره ، أو خبر صادق عنه ، وكلها محالة في حق الله عز وجل : فلا يراه أحد في الدنيا ، وإنما يراه المؤمنون رؤية تنعم لا رؤية إدراك في الجنة ، ولا نظير له ، ولم يره أحد من أهل الدنيا ليصفه لنا ، فيحق لنا تكييف صفاته عز وجل .

ومن ينفي الصفات فإنه يثبت ولو : صفة الوجود ، فيقول بأن : الله ، عز وجل ، موجود ، ولو وجودا مطلقا ، فيلزمه في الوجود ما يلزمه في الصفات التي نفاها ، فإما أن يطرد الباب في النفي ، فيقول : المخلوق يتصف أيضا بالوجود ، فلا يجوز وصف الله ، عز وجل ، بالوجود ، لئلا نقع في التشبيه ، فيكون قد نفى حقيقة الباري ، عز وجل ، ووصفه بالعدم ، وإما أن يطرد الباب في الإثبات ، فيقول : وجوده ، عز وجل ، ليس كوجود خلقه ، وإن اشترك الجميع في المعنى الكلي للوجود ، فوجوده : واجب ، ووجود : خلقه : ممكن ، فيلزمه ذلك في باقي الصفات ، وهو قول أهل السنة الذين اتبعوا النقل الصحيح وأعملوا العقل الصريح ، وفي التنزيل : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فــ : ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، و : هو السميع البصير ، سمعا وبصرا ليسا كسمع وبصر المخلوق .

فالحاصل أن : إثبات القدر المشترك في دلالة الألفاظ على معانيها وهو : المعنى الكلي المطلق ، لا يلزم منه تشبيه ، بل هو لازم لفهم الخطاب ، فمن نفاه فقد : وقع في التعطيل ، ومع إثباته لا بد من إثبات القدر الفارق : وهو الذي تتمايز فيه الأعيان خارج الذهن ، فيكون وجود هذا غير وجود هذا ، وسمع هذا غير سمع هذا ، فمن نفاه فقد : وقع في التشبيه ، لأن القدر الفارق هو الفيصل بين أفراد النوع الواحد ، فهو الذي يفصل بين أفراد : الوجود ، كما تقدم ، فيميز : واجب الوجود من ممكن الوجود من مستحيل الوجود ، فمن أنكره ، فقد سوى بين كل الأفراد فجعل الواجب هو عين الممكن هو عين المحال ، وهذا قول أهل وحدة الوجود الذين ظنوا الوجود : واحدا بالعين ، فجعلوا وجود الخالق ، عز وجل ، هو عين وجود المخلوق ، والصحيح ، كما تقدم ، أن الوجود : واحد بالنوع ينقسم إلى أفراد : فواجب الوجود هو الباري ، عز وجل ، وممكن الوجود هو المخلوق ، ومحال الوجود كاتصاف الباري ، عز وجل ، بأي نقص ، فلم يلزم من اشتراكها في النوع اشتراكها في العين .


تحياتي للجميع



♦♦ ياسمينة ♦♦ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-31-2013, 08:14 AM   #2 (permalink)
احلى جــو
عضو موقوف
موجود مخفي
 
مشكوووووووووووور وسلمت يداك
احلى جــو غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تشكيلة رائعة من الحمامات " ح " الأمل في الخالق ديكورات 2017 0 03-18-2013 08:27 PM
تشكيلة منوعة من الحمامات " ح " الأمل في الخالق ديكورات 2017 0 03-17-2013 04:24 AM
تشكيلة منوعة من الحمامات " ح " الأمل في الخالق ديكورات 2017 2 03-09-2013 11:48 PM
شركة إسرائيلية تطبع "البسملة" على "ورق الحمامات" غريب من صغري رفوف المحفوظات 6 09-30-2011 05:07 PM
شركة إسرائيلية تستفز المسلمين وتطبع "البسملة" على "ورق الحمامات" نااديا اخبار 24 ساعة - سبق عاجل من أنحاء العالم 5 09-29-2011 01:01 PM

الساعة الآن 08:43 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103