تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

][صفة الصلاة.. الشرح الممتع على زاد المستقنع][

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-06-2012, 10:30 PM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

][صفة الصلاة.. الشرح الممتع على زاد المستقنع][





ا
لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][صفة الصلاة..
الشرح الممتع على زاد المستقنع][

الشيخ محمد بن صالح العثيمين
http://www.ibnothaimeen.com/all/book...le_18056.shtml

باب صفة الصلاة
صِفةُ الصَّلاة: أي: الكيفية التي تكون عليها. وعلماء الفقه رحمهم الله تكلموا على صِفةِ الصَّلاة، وعلى صِفةِ الحَجِّ وغيرهما؛ وذلك لأنَّ شرط العبادة أمران:
1 ـ الإخلاصُ لله تعالى.

2 ـ المتابعةُ للرَّسول صلّى الله عليه وسلّم.

فأما الإِخلاصُ لله؛ فيتكلَّمُ عليه أهلُ التوحيد والعقائد.

وأما المتابعةُ للرسول صلّى الله عليه وسلّم فيتكلَّمُ عليها الفقهاءُ.

وضِدُّ الإِخلاصِ: الإِشراك، وضِدُّ المتابعةِ: البدعة.

فمَن تابع الرَّسولَ بدون إخلاص لم تصحَّ عبادتُه؛ لقوله تعالى في الحديث القُدسي: «أنا أغنى الشُّركاءِ عن الشِّركِ، مَن عَمِلَ عملاً أشركَ فيه معي غيري تركْتُهُ وشِرْكَهُ»[(1)]، ومَن أخلص لله ولم يَتَّبعْ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم فإن عبادتَه مردودة؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»[(2)]. ومن ثَمَّ اضطرَّ العلماءُ إلى بيان صِفةِ الصَّلاةِ والحجِّ وغيرهما، لكن؛ لم نجدهم ذكروا باباً لصِفة الصِّيام، ولا الزَّكاة.

بل بيَّنوا ما يتركه الإِنسان ببيان المفطرات، وقالوا: إنَّ الصِّيامَ هو الإِمساكُ عن المفطرات بنيَّة التعبُّد لله تعالى؛ مِن طُلوعِ الفجر إلى غُروبِ الشمس. وهذا هو الكيفيَّة.

وفي الزَّكاةِ ذكروا الأموال الزكوية ومقدار الأنصبة، والواجب وأهل الزكاة. وهذا في الحقيقة هو الكيفية.

والصَّلاةُ كما نعلم هي أعظم أركان الإِسلام بعد الشهادتين، وهي التي إذا تركها الإِنسان تهاوناً وكسلاً كان كافراً[(3)]، وإنْ جَحَدَ وجوبَها كان كافراً ولو صَلَّى، فإذا قال: أنا أصلِّي هذه الصلوات الخمس على أنها نافلة. كان كافراً ـ وإن كان يصلِّيها ـ إلا أن يكون حديث عهد بإسلام، أو نَشأ في بادية بعيدة؛ لا يَعرفُ عن أركان الإسلام؛ فَيُعَرَّفُ بوجوبِها أولاً، ثم يُحكم بكفره إنْ جَحَدَ الوجوبَ بعد تعريفه به.

والصَّلاةُ إما في جماعة، وإما في انفراد. فإذا كان في جماعةٍ فأحسن ما يكون: أن يتوضَّأ الإِنسانُ في بيته، ويُسْبِغَ الوُضُوءَ، ثم يخرج من بيته بنيَّة الصَّلاةِ مع الجماعةِ. فإذا فَعَلَ ذلك لم يَخْطُ خَطوةً إلا رَفَعَ اللَّهُ له بها درجةً، وحَطَّ عنه بها خطيئة؛ قَرُبَ بيته أو بَعُدَ[(4)]. ولا يعني هذا أنه ينبغي أن يتقصَّد الأبعدَ مِن المساجد، بل يعني ذلك أنه إذا بَعُدَ منزلك مِن المسجد فلا تستبعد المسجدَ، وتقل: إن في ذلك تعباً عَليَّ، بلِ اسْعَ إليه، ولك في كلِّ خَطوة إذا خرجت مُسبغاً للوُضُوء قاصداً المسجد أنْ يرفعَ الله لك بها درجة؛ ويَحطَّ عنك بها خطيئةً.

وينبغي أن يأتي إليها بسكينةٍ ووَقَار، سكينة في الألفاظ والحركة، ووقار في الهيئة، فلا يأتي إليها وهو منزعجٌ، أو يمشي مشية الإِنسانِ الذي ليس بمنتظم، بل يكون وَقوراً؛ لأنه مُقبلٌ على مكانٍ يقفُ فيه بين يدي الله عزّ وجل. ونحن نعلم أن الإنسان لو أقبل على قصر مَلِكٍ مِن الملوك؛ لوجدته يتهيَّأ، وينظر كيف وجهه؟ وكيف ثوبه؟ ويأتي بسكينة ووَقار، ويظهر عليه ذلك، فكيف بمن يأتي إلى بيت الله عزّ وجل ليقف بين يديه؟ فلا يسرع حتى وإن خاف أن تفوته الصلاة؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سمعتم الإِقامة فامشوا إلى الصَّلاةِ؛ وعليكم السَّكينةُ والوَقارُ؛ ولا تسرعوا» [(5)]. فما أدركت فصلِّ وما فاتك فأتم؛ لأن هذا هو حقيقة الأدب مع الله عزَّ وجلَّ.

ثم إذا حضرت المسجدَ فصَلِّ ما تيسَّرَ لك، فإن كان قد أذَّنَ فإنه يمكنك أن تُصلِّي الرَّاتبةَ؛ إذا كانت لهذه الفريضة راتبةٌ قبلَها، وإن لم يكن لها راتبة قبلها فسُنَّة ما بين الأذانين؛ لأن بين كلِّ أذانين صلاةً، وتجزئ هذه الصلاة ـ أعني: سُنَّة ما بين الأذانين أو الراتبة ـ عن تحيَّة المسجد؛ لأن قول الرَّسول عليه الصلاة والسلام: « إذا دَخَلَ أحدُكم المسجد فلا يجلس حتى يُصلِّيَ ركعتين»[(6)]. يَصْدق بما إذا صَلَّى الإِنسانُ الراتبةَ، أو سُنَّةَ ما بين الأذانين[(7)].

ثم اجْلسْ بنيَّة انتظار الصَّلاة، واعلمْ أنك إذا أتيت المسجدَ على هذا الوجه لا تزال في صلاة ما انتظرتَ الصَّلاةَ؛ حتى لو تأخَّر الإِمامُ وزاد خمسَ دقائق أو عشراً فإنك على خير؛ لأنك لا تزال في صلاة ما انتظرتَ الصَّلاةَ، ثم مع ذلك الملائكةُ تُصلِّي عليك ما دمت في مصلاك، ورَجلٌ تُصلِّي عليه الملائكة حَريٌّ بأن يستجيبَ اللَّهُ سبحانه وتعالى دعاءَ الملائكة له.

============



==================
][صفة الصلاة.. الشرح الممتع على زاد المستقنع][

][القمل، Louse Pou][
][محاولة تهريب لعبور حدود المكسيك][
][أغرب محاولة تسلل تصل إلى اسبانيا][
][فضل يوم عاشوراء وشهر محرم .. ملف][
][العمل الإجتماعي التطوعي .. ماذا يحتاج للنجاح أكثر؟][
][تصفح القرآن الكريم من عالم الرومانسية][
][الشيعة الروافض، وباقي الفرق .. مكتبة فرق وأديان .. متجدد][
][مملكة الطيور الجارحة][
][هل إنتقاص الأشخاص داءٌ ليس منه مناص!!؟][
][إعلان: رحلة الأرقام في ربوع عالم الرومنسيــــة أمواج (1)][التسجيل!!

][التعازي في ضحايا انفجار صهريج الغاز بالرياض][
][الرياض تستيقظ على انفجار «صهريج غاز»][
================





http://www.ibnothaimeen.com/all/book...le_18056.shtml



التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 11-06-2012 الساعة 10:33 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-06-2012, 10:34 PM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ا
لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][صفة الصلاة..
الشرح الممتع على زاد المستقنع][

الشيخ محمد بن صالح العثيمين


باب صفة الصلاة

يُسَنُّ القِيَامُ عِنْدَ «قَدْ» مِنْ إِقامَتِها،..............
قوله: «يُسنُّ القيامُ عند قد من إقامتها» . أي: يُسنُّ للمأموم أن يقوم إذا قال المقيم: «قد» من «قد قامت الصلاة»، لأن «قد» تفيدُ التحقيقَ، و«قامت» تفيدُ الواقعَ، وحينئذٍ يكون موضع القيام للصَّلاةِ عند قوله: «قد» من «قد قامت الصلاة»، وظاهر كلام المؤلِّفِ أنه يُسنُّ القيامُ عند هذه الجملة؛ سواء رأى المأمومون الإِمامَ أم لم يَروه، وهذا أحدُ الأقوال في المذهب[(8)].
والمشهورُ مِن المذهب[(9)]: أنهم لا يقومون عند إقامتها؛ إلا إذا رأوا الإِمامَ، فإنْ لم يَروه انتظروا حتى يَروا الإِمامَ؛ لأنهم تابعون، ولو قاموا في الصَّفِّ قبل أن يَروا الإِمامَ لكانوا متبوعين؛ لأن الإِمامَ سيأتي بعدَهم بعد أن يصطفُّوا ويقوموا، والغالب أنها لا تُقام عندنا في هذا البلد حتى يدخل الإِمامُ المسجدَ، ويراه الناسُ ثم يقيم المؤذِّنُ.
وقيل: يقوم إذا رأى الإِمام مطلقاً. وقيل: يقوم إذا شُرع بالإِقامة. وقيل: يقوم إذا قال: «حيَّ على الصلاة». وقيل: يقوم إذا كبَّرَ الإِمامُ تكبيرة الإِحرام. وقيل: الأمر في ذلك واسع[(10)]، والسُّنَّة لم تردْ محدِّدة لموضع القيام؛ إلا أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أُقِيمَت الصلاةُ فلا تقوموا حتى تَرَوْنِي»[(11)]. فإذا كانت السُّنَّةُ غيرَ محدِّدة للقيام؛ كان القيامُ عند أوَّل الإِقامة، أو في أثنائها، أو عند انتهائها، كلُّ ذلك جائز.
المهمُّ: أن تكون متهيِّئاً للدُّخول في الصلاة قبل تكبيرةِ الإمامِ؛ لئلا تفوتك تكبيرةُ الإِحرام.

وتسوِيةُ الصَّفِ .....................
قوله: «وتسويةُ الصفِّ» يعني: تُسنُّ تسويةُ الصَّفِّ؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يأمرُ بذلك فيقول: «سَوُّوا صُفُوفَكُم»[(12)]، ويُرشِدُ أصحابَه لهذا حتى فهموا ذلك عنه وعَقَلوه عَقْلاً جيداً. وفي يوم من الأيام خَرَجَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُقيمتِ الصَّلاةُ؛ فالتفتَ فإذا رَجُلٌ قد بَدَا صدرُه[(13)]؛ فقال: «عباد الله، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أو لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بين وُجُوهِكُم» [(14)]، فقوله: «لتسوُّنَّ صُفُوفكم» «اللام» واقعة في جواب قَسَم مقدَّر، وتقدير الكلام: «والله لتسوُّنَّ»، فالجملة مؤكَّدة بثلاث مؤكِّدات، وهي: القسم، واللام، والنون. وهذا خَبرٌ فيه تحذير؛ لأنه قال: «لتسوُّنَّ صُفُوفكم، أو ليُخَالفَنَّ اللَّهُ بين وُجُوهِكم» أي: بين وجهات نظركم حتى تختلف القلوب، وهذا بلا شكٍّ وعيدٌ على مَن تَرَكَ التسويةَ، ولذا ذهب بعضُ أهل العِلم إلى وجوب تسوية الصَّفِّ[(15)]. واستدلُّوا لذلك: بأمْرِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم به، وتوعُّدِه على مخالفته، وشيء يأتي الأمرُ به، ويُتوعَّد على مخالفته لا يمكن أن يُقال: إنه سُنَّة فقط.
ولهذا كان القولُ الرَّاجحُ في هذه المسألة: وجوب تسوية الصَّفِّ، وأنَّ الجماعة إذا لم يسوُّوا الصَّفَّ فهم آثمون، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله[(16)]. لكن إذا خالفوا فلم يسوُّوا الصَّفَّ فهل تبطل صلاتهم؛ لأنهم تركوا أمراً واجباً؟
الجواب: فيه احتمالٌ، قد يُقال: إنها تبطل؛ لأنهم تركوا الواجب. ولكن احتمال عدم البطلان مع الإِثم أقوى؛ لأن التسويةَ واجبةٌ للصلاةِ لا واجبة فيها، يعني أنها خارج عن هيئتها، والواجبُ للصَّلاةِ يأثمُ الإِنسانُ بتَرْكِه، ولا تبطلُ الصَّلاةُ به، كالأذان مثلاً، فإنه واجبٌ للصَّلاةِ، ولا تبطل الصَّلاةُ بتَرْكِه.
وتسوية الصَّفِّ تكون بالتساوي، بحيث لا يتقدَّم أحدٌ على أحد، وهل المعتبر مُقدَّم الرِّجْلِ؟ الجواب: المعتبر المناكب في أعلى البَدَن، والأكعُب في أسفل البَدَن، وهذا عند الاعتدال، أما إذا كان في الإِنسان احديداب فلا عِبرة بالمناكب؛ لأنه لا يمكن أن تتساوى المناكبُ والأكعُب مع الحَدَب، وإنما اعتُبرت الأكعب؛ لأنها في العمود الذي يَعتمد عليه البدنُ، فإن الكعب في أسفل السَّاق، والسَّاقُ هو عمودُ البَدَن، فكان هذا هو المُعتبر. وأما أطراف الأرجُل فليست بمعتبرة؛ وذلك لأن أطراف الأرجُلِ تختلف، فبعض الناس تكون رِجْلُه طويلة، وبعضهم قصيرة، فلهذا كان المعتبر الكعب.
ثم إن تسوية الصَّفِّ المتوعَّد على مخالفتها هي تسويته بالمحاذاة، ولا فَرْقَ بين أن يكون الصَّفُّ خلف الإِمام أو مع الإِمام، وعلى هذا؛ فإذا وقف إمامٌ ومأموم فإنه يكون محاذياً للمأموم، ولا يتقدَّم عليه خلافاً لمن قال من أهل العلم: إنه ينبغي تقدُّم الإِمام على المأموم يسيراً؛ ليتميَّز الإِمامُ عن المأموم.
فيقال: إنَّ هذا خِلافُ ظاهرِ النَّصِّ، فابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أخَذَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم برأسه مِن ورائِه، وجعله عن يمينه. ولم يُنقل أنه أخَّره قليلاً[(17)]، ثم إن الإِمامَ والمأموم يُعتبران صفًّا، فإذا اعتبرناهما صفًّا كان المشروعُ تسويةَ الصَّفِّ.
وهناك تسوية أخرى بمعنى الكمال؛ يعني: الاستواء بمعنى الكمال كما قال الله تعالى: {{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى}} [القصص: 14] أي: كَمُلَ، فإذا قلنا: استواءُ الصَّفِّ بمعنى كماله؛ لم يكن ذلك مقتصراً على تسوية المحاذاة، بل يشمَل عِدَّة أشياء:
1 ـ تسويةَ المحاذاة، وهذه على القول الرَّاجح واجبة، وقد سبقت[(18)].
2 ـ التَّراصَّ في الصَّفِّ، فإنَّ هذا مِن كماله، وكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يأمر بذلك، ونَدَبَ أمَّتَهُ أن يصفُّوا كما تصفُّ الملائكةُ عند ربِّها، يتراصُّون ويكملون الأول فالأول[(19)]، ولكن المراد بالتَّراصِّ أن لا يَدَعُوا فُرَجاً للشياطين، وليس المراد بالتَّراص التَّزاحم؛ لأن هناك فَرْقاً بين التَّراصِّ والتَّزاحم؛ ولهذا كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب... ولا تذروا فُرُجَات للشيطان»[(20)] أي: لا يكون بينكم فُرَج تدخل منها الشياطين؛ لأن الشياطِين يدخلون بين الصُّفوفِ كأولاد الضأن الصِّغارِ[(21)]؛ من أجل أن يُشوِّشوا على المصلين صلاتَهم.
3 ـ إكمالَ الأول فالأول، فإنَّ هذا مِن استواءِ الصُّفوف، فلا يُشرع في الصَّفِّ الثاني حتى يَكمُلَ الصَّفُّ الأول، ولا يُشرع في الثالث حتى يَكمُلَ الثاني وهكذا، وقد نَدَبَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى تكميل الصفِّ الأول فقال: «لو يعلم الناسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأولِ؛ ثم لم يجدوا إلاّ أن يَسْتَهِمُوا عليه لاسْتَهَمُوا»[(22)]. يعني: يقترعون عليه؛ فإذا جاء اثنان للصفِّ الأول، فقال أحدهم: أنا أحقُّ به منك، وقال الآخر: أنا أحقُّ، قال: إذاً نقترعُ، أيُّنا يكون في هذا المكان الخالي. ومِنْ لَعِبِ الشيطان بكثير من الناس اليوم: أنهم يرون الصفَّ الأول ليس فيه إلا نصفُه، ومع ذلك يشرعون في الصفِّ الثاني، ثم إذا أُقيمت الصلاة، وقيل لهم: أتمُّوا الصفَّ الأول، جعلوا يتلفَّتون مندهشين، وكل ذلك في الحقيقة سببه:
أولاً: الجهل العظيم.
وثانياً: أن بعضَ الأئمة لا يبالون بهذا الشيء، أي: بتسوية المأمومين، وتراصِّهم وتكميلِ الأول فالأول، والأمرُ بالتسوية سُنَّة عند الحاجة إليها، أي: مع عدم استواء الصَّفِّ، وليست سُنَّةً مطلقةً، لكن ينبغي أن تكون سُنَّة مؤثِّرة، بحيث إذا وَجَد الإِمامُ واحداً متقدِّماً قال له: تأخَّر يا فلان، ولقد سبق قول الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حينما رأى رَجُلاً بادياً صدره[(23)]، وكان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يُسوِّي الصفوفَ بيده، ويمسحُ المناكبَ[(24)] والصُّدورَ مِن طَرَف الصفِّ إلى طَرَفه[(25)]، والواجب على الإِمامِ أن يصبرَ ويعوِّدَ النَّاسَ على تسويةِ الصَّفِّ، حتى يسوُّوا الصفوفَ، ولا يمكن لإنسان مؤمن يبلُغُه أنَّ الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قال: «لتُسوُّنَّ صفوفَكم، أو ليُخَالفنَّ اللَّهُ بينِ وجوهِكم»[(26)]. ثم لا يبالي بتسوية الصفِّ. وهاهنا حديث مشهور بين النَّاسِ، وليس له أصلٌ وهو: «إنَّ اللَّهَ لا ينظرُ إلى الصَّفِّ الأعوج».
4 ـ ومِن تسوية الصُّفوف: التقاربُ فيما بينها، وفيما بينها وبين الإِمام؛ لأنهم جماعةٌ، والجماعةُ مأخوذةٌ مِن الاجتماع: ولا اجتماع كامل مع التباعد، فكلما قَرُبَت الصُّفوفُ بعضها إلى بعض، وقَرُبَت إلى الإِمام كان أفضل وأجمل، ونحن نرى في بعض المساجد أنَّ بين الإِمام وبين الصَّفِّ الأول ما يتَّسع لصفٍّ أو صفَّين، أي: أنَّ الإِمام يتقدَّم كثيراً، وهذا فيما أظنُّ صادر عن الجهل، فالسُّنَّةُ للإمام أن يكون قريباً مِن المأمومين، وللمأمومين أن يكونوا قريبين مِن الإِمام، وأن يكون كلُّ صفٍّ قريباً مِن الصَّفِّ الآخر.
وحَدُّ القُرب: أن يكون بينهما مقدار ما يَسَعُ للسُّجودِ وزيادة يسيرة.
مسألة: وهل الصَّفُّ الثاني بالنسبة للصفِّ الثالث صفٌّ أول؛ بحيث يدخل في قول الرسول عليه الصَّلاةِ والسَّلامُ: «لو يعلمُ الناسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأولِ؛ ثم لم يجدوا إلاّ أن يستهمُوا عليه لاستهموا»[(27)] أو لا؟.
الظاهر: لا؛ وذلك لأن الصفَّ الأول يقتضي المبادرة والتبكير، بخلاف الصفِّ الثاني، والتقدُّم إلى المسجدِ أمرٌ مطلوبٌ.
5 ـ ومِن تسوية الصُّفوفِ وكمالها: أن يدنوَ الإِنسانُ مِن الإِمامِ؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لِيَلِنِي منكم أولُو الأحْلامِ والنُّهَى»[(28)] وكلَّما كان أقربَ كان أَولى، ولهذا جاء الحثُّ على الدُّنوِّ مِن الإِمام في صلاة الجُمعة[(29)] لأن الدُّنوَّ مِن الإِمام في صلاة الجُمعة يحصُل به الدُّنُو إليه في الصَّلاةِ، وفي الخطبة، فالدُّنُو مِن الإِمام أمرٌ مطلوب، وبعضُ الناس يتهاون بهذا؛ ولا يحرِصُ عليه.
6 ـ ومِن تسوية الصُّفوف: تفضيل يمين الصفِّ على شماله، يعني: أنَّ أيمن الصَّفِّ أفضل مِن أيسره، ولكن ليس على سبيل الإِطلاق؛ كما في الصَّفِّ الأول؛ لأنه لو كان على سبيل الإِطلاق، كما في الصف الأول؛ لقال الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلام: «أتمُّوا الأيمن فالأيمن» كما قال: «أتمُّوا الصَّفَّ الأول، ثم الذي يليه»[(30)]. وإذا كان ليس مِن المشروع أن تبدأ بالجانب الأيمن حتى يكمُلَ، فإننا ننظرُ في أصول الشَّريعة، كيف يكون هذا بالنسبةِ لليسار؟ نجد أن هذا بالنسبة لليسار إذا تحاذى اليمينُ واليسار وتساويا أو تقاربا فالأفضل اليمين، كما لو كان اليسار خمسة واليمين خمسة؛ وجاء الحادي عشر؛ نقول: اذهبْ إلى اليمين؛ لأنَّ اليمين أفضلُ مع التَّساوي، أو التقارب أيضاً؛ بحيث لا يظهر التفاوتُ بين يمين الصَّفِّ ويسارِه، أما مع التَّباعد فلا شكَّ أنَّ اليسار القريبَ أفضل من اليمين البعيد. ويدلُّ لذلك: أنَّ المشروع في أول الأمر للجماعة إذا كانوا ثلاثة أن يقف الإِمام بينهما، أي: بين الاثنين[(31)]. وهذا يدلُّ على أن اليمينَ ليس أفضلَ مطلقاً؛ لأنه لو كان أفضلَ مطلقاً؛ لكان الأفضل أن يكون المأمومان عن يمينِ الإِمامِ، ولكن كان المشروعُ أن يكون واحداً عن اليمين وواحداً عن اليسار حتى يتوسَّط الإِمام، ولا يحصُل حَيْفٌ وجَنَفٌ في أحد الطرفين.
7 ـ ومِن تسوية الصُّفوفِ: أن تُفرد النِّساءُ وحدَهن؛ بمعنى: أن يكون النِّساءُ خلف الرِّجال، لا يختلط النِّساء بالرِّجال لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «خيرُ صُفوفِ الرِّجَالِ أوَّلُهَا، وشرُّها آخِرُها، وخيرُ صُفوفِ النِّساءِ آخرُها، وشرُّها أوَّلُها»[(32)] فبيَّن عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه كلما تأخَّرت النِّساءُ عن الرِّجالِ كان أفضلَ.
إذاً؛ الأفضلُ أن تُؤخَّر النِّساءُ عن صفوفِ الرِّجَالِ لما في قُربهنَّ إلى الرِّجَال مِن الفتنة. وأشدُّ مِن ذلك اختلاطُهنَّ بالرِّجال، بأن تكون المرأةُ إلى جانب الرَّجُلِ، أو يكون صَفٌّ مِن النِّساءِ بين صُفوفِ الرِّجَال، وهذا لا ينبغي، وهو إلى التَّحريمِ مع خوف الفتنة أقربُ.
ومع انتفاء الفتنة خِلافُ الأَولى، يعني: إذا كان النِّساءُ مِن محارمه فهو خِلافُ الأَولى، وخلاف الأفضل.
8 ـ هل مِن استواء الصُّفوفِ أن يتقدَّمَ الرِّجَالُ ويتأخَّرَ الصبيان؟.
قال بعض العلماء[(33)]: إنَّ هذا مِن تسوية الصُّفوفِ وكمالِها، أنْ يكون الرِّجالُ البالغون هم الذين يلون الإِمامَ، وأن يكون الصبيانُ في الخلفِ، فإذا كان عندنا مِئَةُ رجُل يمثِّلون صَفًّا، ومِئَةُ صبيٍّ يمثِّلون نصف الصَّفِّ، نجعلُ المِئَةَ الرَّجُل الصفَّ الأول، ومِئَةَ الطفل الصفَّ الثاني، حتى لو تقدَّم صبيٌّ إلى الأول أخَّرْنَاه؛ لأنَّ استواء الصفِّ أن يكون الرِّجالُ البالغون هم المقدَّمون.
واستُدِلَّ لذلك: بقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لِيَلِني منكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهى»[(34)].
ولكن في هذا نظرٌ، بل نقول: إنَّ الصبيان إذا تقدَّموا إلى مكان، فهم أحقُّ به مِن غيرهم؛ لعموم الأدلَّة على أنَّ مَن سبقَ إلى ما لم يسبق إليه أحدٌ فهو أحقُّ به، والمساجدُ بيوتُ الله، يستوي فيها عباد الله، فإذا تقدَّم الصبيُّ إلى الصفِّ الأول ـ مثلاً ـ وجَلَسَ فليكنْ في مكانِه، ولأننا لو قلنا بإزاحة الصِّبيان عن المكان الفاضل، وجعلناهم في مكان واحد أدى ذلك إلى لَعبِهم؛ لأنَّهم ينفردون بالصَّفِّ، ثم هنا مشكل، إذا دخل الرِّجالُ بعد أن صفَّ الجماعة هل يُرجعونهم، وهم في الصلاة؟ وإن بَقَوا صفًّا كاملاً فسيُشوِّشون على مَنْ خلفَهم مِن الرِّجَال.
ثم إنَّ تأخيرهم عن الصَّفِّ الأول بعد أن كانوا فيه يؤدِّي إلى محذورين:
المحذور الأول: كراهة الصَّبيِّ للمسجدِ؛ لأن الصَّبيَّ ـ وإنْ كان صبيًّا ـ لا تحتقره، فالشيء ينطبع في قلبه.
المحذور الثاني: كراهته للرَّجُل الذي أخَّره عن الصَّفِّ.
فالحاصل: أنَّ هذا القولَ ضعيفٌ، أعني: القول بتأخير الصِّبيان عن أماكنهم، وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لِيَلِني منكم أُولُو الأحلامِ والنُّهى»[(35)] فمرادُه ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ حَثُّ البالغين العقلاء على التقدُّم؛ لا تأخير الصِّغار عن أماكنهم.
وقوله: «وتسوية الصفِّ» «أل» هنا للعموم، ولهذا عَبَّرَ بعضُ الفقهاءِ بقوله: تسوية الصُّفوف. فالصفُّ هنا اسمُ جنسٍ يشمَلُ جميعَ الصُّفوف: الأول، والثاني، والثالث... إلخ.
مسألة: إذا كان يمينُ الصَّفِّ أكثرَ مِن يساره؛ فهل يَطلبُ الإمامُ مِن الجماعة تسوية اليمين مع اليسار؟.
الجواب: إذا كان الفَرْقُ واضحاً فلا بأس أنْ يطلبَ تسويةَ اليمينِ مع اليسار، لأجل بيان السُّنَّة؛ لأنَّ كثيراً مِن النَّاسِ الآن يظنُّونَ أن الأفضل اليمين مطلقاً؛ حتى إنه ليكمُل الصفُّ أحياناً مِن اليمين، وليس في اليسار إلا واحدٌ أو اثنان. قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمال أنَّ بُعْدَ يمينه ليس أفضلَ مِن قُرْبِ يسارِه ولعله مرادهم[(36)] اهـ.
مسألة: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا توضَّأ فأحسنَ الوُضُوء، لم يخطُ خَطوة إلا رُفعت له بها درجة...» الحديث[(37)]، فهل إذا خرجَ الإِنسانُ مِن بيته قاصداً المسجدَ، ثم توضَّأ في دورةِ المياه التي في المسجد، يكون له هذا الأجر؟
الجواب: ظاهرُ الحديثِ أنَّه لا يكون له هذا الأجر؛ لأنَّ هناك فَرْقاً بين مَن يخرج مِن بيتِه متهيِّئاً للصَّلاةِ قاصداً لها، وبين إنسان يأتي إلى المسجدِ غير متهيِّئ للصَّلاةِ. نعم؛ لو كان بيتُه بعيداً، ولم يتهيَّأ له الوُضُوء منه فيُرجى أن ينال هذا الأجر.

وَيَقُولُ: «اللَّهُ أكبرُ» ...............

============



بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-06-2012, 10:40 PM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ا
لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][صفة الصلاة..
الشرح الممتع على زاد المستقنع][

الشيخ محمد بن صالح العثيمين


باب صفة الصلاة

وَيَقُولُ: «اللَّهُ أكبرُ» ...............
قوله: «ويقول: الله أكبر» أي: يقول المصلِّي: «الله أكبر» والقول إذا أُطلق فإنما هو قول اللِّسان، أما إذا قُيِّد فقيل: يقول في قلبه، أو يقول في نفسِه، فإنه يتقيَّد بذلك، وهذا التكبيرُ رُكْنٌ، لا تنعقدُ الصَّلاةُ بدونه؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال للمسيء في صلاتِه: «إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فأسْبِغ الوُضُوءَ، ثم اسْتقبل القِبْلةَ فكبِّر» مع أنه قال في الأول: «ارجِعْ فَصَلِّ فإنك لم تُصلِّ»[(38)]. وعلى هذا؛ فيكون كلُّ ما أمَرَ به الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ المسيءَ في صلاتِه رُكناً لا تصِحُّ الصَّلاةُ بدونه، وإنْ شئت فقل: واجباً لا تصلحُ الصَّلاةُ بدونه؛ لأجل أن يشمَلَ إسباغَ الوُضُوء؛ لأنه ليس برُكنٍ في الصَّلاةِ، بل هو شرط.
وإذا عَجَزَ الإِنسانُ عنها؛ لكونه أخرسَ لا يستطيع النُّطقَ، فهل تسقطُ عنه، أو ينويها بقلبِه، أو يحرِّك لسانَه وشفتيه[(39)]؟
الجواب: نقول: ينويها بقلبِه؛ لأن قول الإِنسان: «الله أكبر» متضمِّن لقول اللسان وقول القلب؛ لأنه لم يقل بلسانه: «الله أكبر» إلا حين قالها بقلبه وعَزَم عليها، فإذا تعذَّر النُّطقُ باللِّسان وَجَبَ القولُ بالقلبِ، فيقولُها بقلبِه، ولا يحرِّك لسانَه وشفتيه، خِلافاً لمن قال مِن أهل العِلم: إنه يحرِّكُ لسانَه وشفتيه؛ مُعَلِّلاً ذلك بأن في القول تحريك اللِّسان والشفتين، فلما تعذَّر الصَّوتُ وَجَبَ التحريكُ.
والردُّ على هذا: أنَّ تحريك اللِّسان والشفتين ليس مقصوداً لذاته؛ بل هو مقصودٌ لغيره؛ لأنَّ القول لا يحصُلُ إلا به، فإذا تعذَّر المقصودُ الأصلي سقطت الوسيلةُ، وصارت هذه الوسيلةُ مجرَّد حركة وعبث، فما الفائدة مِن أن يُحرِّك الإِنسانُ شفتيه ولسانه، وهو لا يستطيع النُّطقَ، فالقول الرَّاجح في هذه المسألة: أنَّ الإِنسانَ إذا كان أخرسَ لا يستطيعُ أن يقول بلسانه فإنه ينوي ذلك بقلبه، ولا يحرِّك شفتيه ولا لسانه، لأن ذلك عبث وحركة في الصَّلاة لا حاجة إليها.
وقوله: «ويقول» إذا قلنا: إن القول يكون باللسان؛ فهل يُشترط إسماع نفسه لهذا القول؟
في هذا خِلافٌ بين العلماء[(40)]، فمنهم مَن قال: لا بُدَّ أن يكون له صوتٌ يُسمعَ به نفسَه. وهو المذهب[(41)]، وإن لم يسمعه مَنْ بجنبه، بل لا بُدَّ أنْ يُسمع نفسَه، فإنْ نَطَقَ بدون أن يُسمعَ نفسَه فلا عِبْرَة بهذا النُّطقِ، ولكن هذا القول ضعيف. والصَّحيحُ: أنه لا يُشترط أن يُسمِعَ نفسَه؛ لأن الإسماعَ أمرٌ زائدٌ على القول والنُّطقِ، وما كان زائداً على ما جاءت به السُّنَّةُ فعلى المُدَّعي الدليلُ. وعلى هذا: فلو تأكَّدَ الإنسان من خروج الحروف مِن مخارجها، ولم يُسمعْ نفسَه، سواء كان ذلك لضعف سمعه، أم لأصوات حولَه، أم لغير ذلك؛ فالرَّاجحُ أنَّ جميعَ أقواله معتبرة، وأنه لا يُشترط أكثر مما دلَّت النُّصوصُ على اشتراطِه وهو القول.
وقوله: «الله أكبر» أي: بهذا اللفظ: «الله أكبر» فلا يُجزئُ غيرها، ولو قام مقامها، كما لو قال: «الله الأجلُّ، أو الله أجلُّ، أو الله أعظمُ» أو ما شابه ذلك، فإنه لا يُجزئُ؛ لأن ألفاظَ الذِّكر توقيفية؛ يُتوقَّفُ فيها على ما وَرَدَ به النصُّ، ولا يجوز إبدالها بغيرها؛ لأنها قد تحمل معنًى نظنُّ أنَّ غيرَها يحملُه، وهو لا يحملُه، فإن قال: الله الأكبرُ، فقال بعضُ العلماء: إنه يجزئُ، وقال آخرون: بل لا يجزئ[(42)]. والصَّحيح: أنه لا يجزئ؛ لأن قولك: «أكبر» مع حذف المفضَّل عليه يدلُّ على أكبريَّة مطلقة، بخلاف الله الأكبرُ، فإنك تقول: ولدي هذا هو الأكبر. فلا يدلُّ على ما تدلُّ عليه «أكبر» بالتنكير، ثم إن هذا هو الذي وَرَدَ به النصُّ، وقد قال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ»[(43)] فالواجب أن يقول: «اللَّهُ أكبرُ».
مسألة: وإذا كان لا يعرفُ اللغةَ العربيةَ، ولا يستطيع النُّطقَ بها فماذا يصنع؟.
نقول: لدينا قاعدة شرعية قال الله فيها: {{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}} [البقرة: 286] . وقال تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، وقال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم»[(44)]. فليكبِّر بلغتِه ولا حَرَجَ عليه؛ لأنه لا يستطيع غيرَها.
فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون له: اسكتْ وانوِ التكبير بقلبِك؟
فالجواب: لأن التكبير يشتملُ على لفظٍ، ومعنًى، وقول بالقلب، فهو يشتمل على ثلاثة أشياء: قول القلب، واللفظ الذي جاء به النصُّ وهو العربي، والثالث المعنى.
وهذا الرَّجُلُ الذي لا يعرف اللغةَ العربيةَ يستطيع أن يكبِّر بقلبِه ويستطيع أن يكبِّر بالمعنى، ولا يستطيع أن يكبِّر باللفظ، وإذا أخذنا بالآية الكريمة: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] . قلنا: أنت الآن تستطيع شيئين وتعجز عن الثالث فقم بالشيئين، وهما: تكبير القلب والمعنى، ويسقط عنك الثالث، وهو التكبير اللفظي؛ لأنك عاجزٌ عنه.
ثم نرجع إلى معنى هذه الكلمة: «اللَّهُ أكبرُ» ما معناها؟ وما مناسبةُ الابتداءِ بها؟
الجواب: معناها: أنَّ الله تعالى أكبر مِن كلِّ شيء في ذاتِه وأسمائِه وصفاتِه، وكلُّ ما تحتمله هذه الكلمة مِن معنى. قال الله عزّ وجل: {{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ}} [الزمر: 67] وقال عزّ وجل: {{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ *}} [الأنبياء] ومن هذه عظمته فهو أكبر مِن كل شيء. وقال الله تعالى: {{وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *}} [الجاثية] . فكلُّ معنى لهذه الكلمة مِن معاني الكبرياء فهو ثابتٌ لله عزّ وجل.
تـنـبـيـه: زعم بعضُ العلماء أن معنى «الله أكبر»: الله كبير[(45)]، ولكن هذا زعمٌ ضعيف جدًّا؛ لأن كلَّ إنسانٍ يعرفُ الفَرْقَ بين كبير وأكبر.
صحيحٌ أنَّ الله تعالى سمَّى نفسَه {{الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ}} [الرعد: 9] لكن معنى «أكبر» غير معنى «الكبير»، فهم فَرُّوا مِن المفاضلة بين الخالق والمخلوق، ولكن هذا الفرار الذي فروا منه أوقعهم في شرٍّ ممَّا فَرُّوا منه، أوقعهم بأن يأتوا بوصف لو أخذنا بظاهره لكان المخلوق والخالق سواء، وهذا نظير تفسير بعضهم قول الله: {{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ}} [القلم: 7] . قالوا: هو عالِمٌ؛ لأنك إذا قلت: أعلم اقتضى مفضَّلاً ومفضَّلاً عليه، فيُقال: وما المانع أن يكون الله أعلَمُ مِن كلِّ عالِم؟ لكن لو قلت: الله عالِمٌ أتيت بلفظ لا يمنع المشاركة؛ لأنك تقول: الله عالِمٌ، وفلان عالِمٌ، وأيُّهما أبلغ في الوصف؛ أن تأتيَ بلفظٍ يمنعُ المشاركةَ وهو الأفضلية المطلقة، أو بلفظ لا يمنع المشاركة؟
الجواب: الأول هو الأفضل، والله يقول عن نفسه: الله أعلَمُ فكيف تقول: اللَّهُ عالِمٌ؟ هذا فيه شيء مِن نقص المعنى.
إذاً؛ نقول: «الله أكبر» اسمُ تفضيلٍ على بابه، وحُذف المفضَّل عليه ليتناول كلَّ شيء، فهو أكبر مِن كلِّ شيء عزَّ وجلَّ وهكذا يُقال في «أَعْلم».
مسألة: كيف النُّطقُ بهذه الكلمة؟
الجواب: قال العلماء: يُكره تمطيط التَّكبير[(46)]، حتى في النهوض من السُّجود إلى القيام مع طول النُّهوضِ، وحتى في الهويِّ إلى السُّجود مع طول ما بين القيامِ والسُّجودِ. قالوا: لأن هذا لم تَرِدْ به السُّنَّةُ، فيكون مكروهاً، هكذا نصَّ عليه الفقهاءُ رحمهم الله.
ولكن؛ الظاهرُ ـ والله أعلم ـ أنَّ الأمرَ في هذا واسعٌ ما لم يُخِلَّ بالمعنى، ولكن ليس مدَّها بأفضل مِن قصرها كما يتوهَّمُه بعض الناس، فبعضُ النَّاسِ يقول: تجعل للرُّكوعِ هيئة في التكبير، وللسُّجودِ هيئة وللجلوس هيئة، وللتشهُّدِ هيئة، وبين السجدتين؛ لأجل أن يكون المأموم خلفك آلة متحرِّكة، لأن المأموم إذا صارت التكبيرات تختلف فإنه يتابع هذا التكبير، حتى ولو كان سارحَ القلبِ إن كبَّرتَ تكبيرةَ السُّجودِ سَجَدَ، وإن كبَّرتَ تكبيرةَ النُّهوضِ نَهَضَ، لكن إذا قصرت التَّكبير كلَّه؛ ولم تميِّز بين التكبيرات؛ صار المأمومُ قد أحضر قلبَه وفِكرَه، يُخشى أن يقومَ في موضع الجلوس، أو أن يجلس في موضع القيام، وأمَّا المسبوق فقد يلتبس عليه الأمر إذا لم تميِّز بين التَّكبير. ولكن هذا محذورٌ يُمكن إزالتُه بأن يقال: إنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يُنقل عنه أنه كان يفرِّقُ بين التَّكبيراتِ، بل إن ظاهر صنيعه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه لا يُفرِّقُ؛ لأنه لما صُنع له المنبر صَلَّى عليه وقال: «يا أيُّها النَّاسُ، إنَّما صنعتُ هذا لتأتمُّوا بي؛ ولتعلموا صلاتي»[(47)]، فلو كان يخالفُ بين التَّكبير لكان النَّاسُ يأتمُّونَ به، ولو لم يكن على المنبر، ثم نقول: هذا المسبوقُ سيلي شخصاً آخر غير مسبوق فيقتدي به.
وأهمُّ شيءٍ هو اتِّباعُ السُّنَّةِ مع حصول الفائدة في كون المأموم يُحضِر قلبَه حتى يعرف عدد الرَّكعات.
وقال بعضُ الفقهاءِ:[(48)] يمدُّ التَّكبيرَ في الهويِّ إلى السُّجودِ، وفي القيامِ مِن السُّجودِ لطول ما بين الرُّكنين. ولكن لا دليل لذلك.

رَافِعاً يَدَيْهِ .................
============




التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 11-06-2012 الساعة 10:43 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-06-2012, 10:44 PM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ا
لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][صفة الصلاة..
الشرح الممتع على زاد المستقنع][

الشيخ محمد بن صالح العثيمين


باب صفة الصلاة

رَافِعاً يَدَيْهِ .................
قوله: «رافعاً يديه» . «رافعاً» حال من فاعل «يقول»، أي: حال مقارنة، يعني: حال القول يكون رافعاً يديه.
ودليله: جاءت به السُّنَّةُ في عِدَّة أحاديث؛ كحديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يرفعُ يديه حذوَ مَنكبيه؛ إذا افتتح الصَّلاةَ، وإذا كبَّرَ للرُّكوع، وإذا رفع رأسه من الرُّكوع»[(49)]. وصَحَّ عنه أيضاً أنه يرفعُ يديه إذا قام مِن الجلسة للتشهُّدِ الأول[(50)]، فهذه أربعة مواضع تُرفع فيها اليدان جاءت بها السُّنَّةُ، ولا تُرفع في غير هذه المواضع.

مَضْمُومَتَي الأصابعِ مَمْدُودَةً ..............
قوله: «مضمومتي الأصابع» . يعني: يضمُّ بعضها إلى بعض، يعني: يرصُّ بعضها إلى بعض، وقال بعضُ العلماء: إنه ينشرها[(51)]، ولكن الصحيح ما ذكره المؤلِّفُ؛ لأنه الوارد عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.
قوله: «ممدودة» يعني: غير مقبوضة، والمدُّ: فتحها ضدُّ القبض، والقبض أن يضمَّ الأصابع إلى الراحة. وقد جاء هذا في «السُّنن»[(52)].
وقوله: «رافعاً يديه» لم يبيِّن المؤلِّفُ هل هذا عامٌّ للرِّجَال والنِّساءِ، أو خاصٌّ بالرِّجَال؟ ولكنه سيأتي إن شاء الله في آخر صفة الصلاة[(53)] أن المرأةَ كالرَّجُلِ، إلا أنها تسدل رجليها، وتضمُّ نفسَها، فلا تتجافى عند السُّجودِ، ولا ترفع يديها، فتخالفَ في هذه الأمور الثلاثة، وربما في أكثر كما سننظر إن شاء الله. ولكن الصَّحيحُ أنَّ ذلك عامٌّ في حقِّ الرَّجُل وحقِّ المرأة، وأنَّ المرأةَ ترفع يديها كما يَرفع الرَّجُل، فإذا قال قائل: فما الدَّليلُ على عموم هذا الحُكم للرِّجَال والنساء؟.
قلنا: الدَّليلُ عَدَمَ الدَّليلِ على التخصيص، والأصل: أن ما ثَبَتَ في حقِّ الرِّجَال ثبت في حقِّ النساء، وما ثبت في حقِّ النساءِ ثَبَتَ في حقِّ الرِّجَال إلا بدليل، ولا دليلَ هنا على أن المرأةَ لا ترفعُ يديها، بل النصوص عامَّة، وقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»[(54)]؛ الخطاب فيه للرِّجَال والنِّساءِ.
فإنْ قال قائل: ما الحكمة مِن رَفْعِ اليدين؟.
فالجواب على ذلك: أنَّ الحكمةَ في ذلك الاقتداءُ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو الذي يَسْلَم به المرءُ مِن أن يتجوَّل عقلُه هنا وهناك، ولهذا لما سُئلت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما بالُ الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك، فنُؤمر بقضاء الصَّومِ، ولا نُؤمر بقضاءِ الصَّلاةِ»[(55)] وإنَّما علَّلت بالنَّصِّ؛ لأن النَّصَّ غايةُ كلِّ مؤمن؛ كما قال تعالى: {{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}} [الأحزاب: 36] . فالمؤمن إذا قيل له: هذا حكمُ اللَّهِ ورسولِه، وظيفتُه أن يقول: سمعنا وأطعنا. ومع ذلك يمكن أن نتأمَّلَ لعلنا نحصُلُ على حكمة مِن فِعْلِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم. ونقول: الحكمة في رَفْعِ اليدين تعظيم الله عزَّ وجلَّ، فيجتمع في ذلك التعظيم القولي والفعلي والتعبُّد لله بهما، فإن قولك: «اللَّهُ أكبرُ» لا شكَّ أنك لو استحضرت معنى هذا تماماً لغابت عنك الدُّنيا كلُّها؛ لأن الله أكبرُ مِن كلِّ شيء، وأنت الآن واقفٌ بين يدي مَنْ هو أكبر مِن كلِّ شيء.
ثم إن بعض العلماء علَّل بتعليل آخر: أنه إشارة إلى رَفْعِ الحِجاب بينك وبين الله، والإِنسانُ عادة يرفع الأشياء بيديه ويعمل بيديه[(56)].
وعلَّل بعضُهم بتعليل ثالث: وهو أنَّ ذلك مِن زينة الصَّلاةِ؛ لأنَّ الإِنسان إذا وَقَفَ وكبَّر بدون أن يتحرَّك لم تكن الصَّلاةُ على وَجْهٍ حَسَنٍ كامل، ولا مانع أن تكون كلُّ هذه مقصودة.

حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ..........
قوله: «حذو منكبيه» أي: موازيهما. والمنكبان: هما الكتفان، فيكون منتهى الرَّفْعِ إلى الكتفين، فإذا قُدِّر أن في الإِنسان آفة تمنعه من رَفْعِ اليدين إلى المنكبين فماذا يصنع؟
الجواب: يرفعُ إلى حيث يقدِرُ عليه؛ لقول الله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، كذلك إذا قُدِّرَ أنَّ في الإِنسان آفةً لا يستطيعُ أن يرفعهما إلى حَذوِ المنكبين، بل إلى أكثر مِن ذلك، كما لو كانت مرافقُه لا تنحني، بل هي واقفة، فهل يرفع؟
الجواب: يرفع، لقوله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] . وإذا كان لا يستطيع رَفْعَ واحدةٍ رَفَعَ الأُخرى للآية، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لمَّا كان واقفاً بعرفة فَسَقَطَ خِطامُ ناقتِه، وكان رافعاً يديه يدعو؛ أخذه بإحدى يديه، والأخرى مرفوعة يدعو اللهَ بها[(57)].
وله أن يرفعهما إلى فُروع أُذنيه؛ لورود ذلك عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم[(58)]، فتكون صفة الرَّفْعِ مِن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة.
والعلماءُ ـ رحمهم الله ـ اختلفوا في العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة، هل الأفضل الاقتصار على واحدة منها، أو الأفضل فِعْلُ جميعها في أوقات شتَّى، أو الأفضل أنْ يجمعَ بين ما يمكن جَمْعُه[(59)]؟ والصَّحيح: القول الثاني الوسط، وهو أن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة تُفعل مرَّة على وجهٍ، ومرَّة على الوجه الآخر، فهنا الرَّفْعُ وَرَدَ إلى حَذوِ منكبيه، ووَرَدَ إلى فُرُوع أُذنيه؛ وكُلٌّ سُنَّة، والأفضل أن تَفعلَ هذا مرَّة، وهذا مرَّة؛ ليتحقَّقَ فِعْلُ السُّنَّةِ على الوجهين، ولبقاء السُّنَّةِ حيَّة؛ لأنك لو أخذت بوجهٍ، وتركت الآخر مات الوجهُ الآخر، فلا يُمكن أن تبقى السُّنَّةُ حيَّة إلا إذا كُنَّا نعمل بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة، ولأن الإِنسان إذا عَمِلَ بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة صار قلبُه حاضراً عند أداء السُّنَّة، بخلاف ما إذا اعتاد الشيء دائماً فإنه يكون فاعلاً له كفعل الآلة عادة، وهذا شيء مشاهد، ولهذا مَن لزم الاستفتاح بقوله: «سبحانك اللهمَّ وبحمدك» دائماً تجده مِن أول ما يُكبِّر يشرع «بسبحانك اللهم وبحمدك» مِن غير شعور؛ لأنه اعتاد ذلك، لكن لو كان يقول هذا مرَّة، والثاني مرَّة صار منتبهاً، ففي فِعْلِ العباداتِ الواردة على وجوهٍ متنوِّعة فوائد:
1 ـ اتِّباعُ السُّنَّة.
2 ـ إحياءُ السُّنَّة.
3 ـ حضورُ القلب.
وربما يكون هناك فائدة رابعة: إذا كانت إحدى الصِّفات أقصرَ مِن الأخرى، كما في الذِّكرِ بعد الصَّلاةِ؛ فإن الإِنسان أحياناً يحبُّ أن يُسرع في الانصراف؛ فيقتصر على «سبحان الله» عشر مرات، و«الحمد لله» عشر مرات، و«الله أكبر» عشر مرات، فيكون هنا فاعلاً للسُّنَّة قاضياً لحاجته، ولا حَرَجَ على الإِنسان أن يفعل ذلك مع قصد الحاجة، كما قال تعالى في الحُجَّاج: {{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ}} [البقرة: 198] .
وقال بعضُ العلماءِ: إلى فُروع الأذنين باعتبار أعلى الكفِّ، وإلى حَذوِ المنكبين باعتبار أسفله[(60)]. ولكنَّا نقول: لا حاجة إلى هذا الجَمْعِ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ المراد الكفُّ نفسُه؛ لا أعلاه ولا أسفله؛ والظَّاهر أنَّ الأمر في هذا واسع؛ لتقارب الصِّفات بعضها مِن بعض.
وقوله: «رافعاً يديه» . الأحاديث الواردة في ابتداءِ رَفْعِ اليدين وَرَدَتْ أيضاً على وجوهٍ متعدِّدة؛ فبعضُها يدلُّ على أنه يرفع ثم يكبِّر[(61)]، وبعضها على أنه يكبِّر ثم يرفع[(62)]، وبعضها على أنه يرفع حين يكبِّر[(63)] يعني يكون ابتداء التَّكبير مع ابتداء الرَّفْعِ، وانتهاؤه مع انتهاء الرَّفْعِ، ثم يضع يديه. ونحن نقول: إن الأمرَ أيضاً في هذا واسع، يعني سواء رَفعتَ ثم كبَّرت، أو كبَّرت ثم رفعتَ، أو رَفعتَ مع التَّكبيرِ، فإنْ فعلتَ أيَّ صفة مِن هذه الصِّفات فأنت مصيبٌ للسُّنَّة.

كَالسُّجُودِ .............

============



بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-06-2012, 10:45 PM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ا
لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][صفة الصلاة..
الشرح الممتع على زاد المستقنع][

الشيخ محمد بن صالح العثيمين


باب صفة الصلاة

كَالسُّجُودِ .............
قوله: «كَالسُّجُودِ» أي: كما يفعل في السجود إذا سَجَدَ، فإنه يَجعلُ يديه حَذوَ منكبيه، وهذه إحدى الصفتين في السُّجودِ، وسيأتي إن شاء الله كيف تكون الذراعان. والصِّفة الأخرى: أن يَسجدَ بين كفَّيه، لكن المؤلِّف ذكر هذا استطراداً؛ لأنه ليس هذا موضع ذِكُر اليدين في حال السُّجود.

وَيُسْمِعُ الإِمَامُ مَنْ خَلْفَهُ ...........
قوله: «ويسمع الإِمام من خلفه» أي: حسب ما تقتضيه الحال، إنْ كان مَن خلفَه واحداً فالصوت الخفي يكفي، وإنْ كان مَن خلفَه جمعاً فلا بُدَّ مِن رَفْعِ الصَّوت، وإذا كان لا يسمع صوته مَنْ وراءه استعان بمبلِّغٍ يُبلِّغُ عنه؛ كما فَعَلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم حين جاء وأبو بكر رضي الله عنه يُصلِّي بالناس، وكان صلوات الله وسلامه عليه مريضاً لا يُسْمِعُ صوته المأمومين، فصلَّى أبو بكر رضي الله عنه عن يمينه؛ وجعل يبلِّغُ الناسَ تكبيرَ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، إذا كَبَّرَ الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بصوتٍ منخفضٍ كَبَّرَ أبو بكر بصوت مرتفع فسمعه الناسُ[(64)]، وهذا هو أصل التبليغ وراء الإِمام، فإن كان لا حاجة إلى المبلغ بأن كان صوت الإِمام يبلغ الناسَ مباشرة، أو بواسطة، فلا يُسنُّ أن يبلِّغ أحدٌ تكبيرَ الإِمام باتِّفاقِ المسلمين.
وقول المؤلِّف: «ويُسمع الإِمامُ مَنْ خَلْفَه» هل هذا على سبيل الاستحباب، أو على سبيل الوجوب؟.
المشهور مِن المذهب: أنه على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب[(65)]، وأن الإِمام له أن يكبِّر تكبيراً خفيًّا لا يُسْمَع، كما أن المنفرد والمأموم لا يرفعان الصوت؛ فللإِمام أن يفعل كذلك؛ فلا يرفع صوتَه، ولكن الأفضل أن يرفع صوتَه. وظاهر كلام المؤلِّفِ: أن هذا على سبيل الوجوب، لا على سبيل الاستحباب؛ لأنه قال: «وغَيْرُه نفسَه» وإسماع غير الإِمام نفسه واجب فيكون قوله: «ويُسمعُ الإِمامُ مَنْ خَلْفَه» واجباً.
وظاهر كلام المؤلِّف: هو القول الصَّحيح؛ أنه يجب على الإِمامِ أن يُكبِّر تكبيراً مسموعاً يَسمعه مَنْ خلفَه:
أولاً: لفعل النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فإنه لو كان الأمر غير واجب لم يكن هناك داعٍ إلى أن يُبلِّغ أبو بكر رضي الله عنه التَّكبيرَ لمَن خلفَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.
ثانياً: لأنَّه لا يتمُّ اقتداء المأمومين بالإِمام إلا بسماع التكبير، وما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب، ولو أن الإِمام إذا قام مِن السُّجودِ لم يرفع صوتَه بالتكبير فمتى يقوم النَّاسُ؟ لا يقومون إلا إذا شرع في الفاتحة وجَهَرَ بها، مع أن جَهْرَه بالفاتحة على سبيل الاستحباب، وليس في كُلِّ صلاة، ولا في كُلِّ ركعة؛ ما عدا الفجر.

كَقِرَاءَتِهِ في أولتي غَيْر الظُّهْرَين،..........
قوله: «كقراءته في أولتي غير الظُّهَرين» أي: كما يسمع القراءة في أولتي غير الظُّهرين، وقوله: «أولتي» مثنَّى حُذفت النونُ للإِضافة؛ لأنه يُحذف التنوين والنون عند الإِضافة.
والظُّهران: هما الظُّهر والعصر، وأُطلق عليهما اسمُ «الظُّهْرين» تغليباً، كما نقول: العشائين، والعُمَرَين، والقمرين. فيَجهر في كُلِّ ركعتين أوليين في غير الظُّهرين، ويشمَلُ المغربَ والعشاءَ والفجرَ، لكن الفجر ليس إلا ركعتين، ويشمَلُ الجُمعةَ، والعيدين، والاستسقاءَ، والتراويحَ، والوِترَ، والكسوفَ، وكُلُّ ما تُشرع فيه الجماعةُ، فإنه يُسنُّ أن يجهرَ بالقراءة، ما عدا الظُّهرين، فإذا قال قائل: صلاةُ الليلِ جهريَّة؛ وصلاةُ النَّهارِ سريَّة؛ لماذا؟
فالجواب: أن الليل تَقِلُّ فيه الوساوسُ، ويجتمعُ فيه القلبُ واللِّسانُ على القراءةِ، فيكون اجتماعُ النَّاسِ على صوتِ الإِمامِ وقراءتِهِ أبلغَ من تفرقهم، ولهذا لا يُشرع الجهر في النهار إلا في صلاة جامعة كصلاة الجُمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، لأنَّ النَّاسَ مجتمعون، ولا شَكَّ أن إنصاتهم على قراءةِ الإِمامِ تجعل قراءتهم قراءة واحدة؛ لأن المستمع كالقارئ، ولو كان الإِمام يُسِرُّ لكان كُلُّ واحد يقرأ لنفسه، فيكون الجهر أجمع على القراءة، بخلاف السِرِّ، هذا ما ظهر لي مِن الحكمة في الجهر في صلاة الجمعة والعيدين وشبههما، وكذلك في صلاة الليل. والله أعلم.

وَغَيْرُهُ نَفْسَهُ.............
قوله: «وغيره نفسه» . أي: ويُسمِعُ غيره، أي: غيرُ الإِمامِ نفسَه، وهو المأموم، والمنفرد يُسمعُ نفسَه، يعني: يتكلَّم وينطق بحيث يُسمعُ نفسَه، فإن أبان الحروفَ بدون أن يُسمعَ نفسَه لم تصحَّ قراءته، بل ولم يصحَّ تكبيره، ولو كبَّر وقال: «الله أكبر»، ولكن على وجه لا يُسمعُ نفسَه لم تنعقد صلاتُه؛ لأن التكبير لم يصحَّ، ولكن يُشترط لوجوب إسماعِ نفسِه أن لا يكون هناك مانع مِن الإسماعِ، فإن كان هناك مانع؛ سقط وجوبُ الإسماع؛ لوجود المانع، فلو كان يُصلِّي وحولَه أصواتٌ مرتفعة، فهذا لا يمكن أن يُسمعَ نفسَه إلا إذا رَفَعَ صوته كثيراً، فنقول: يكفي أن تنِطقَ بحيث تُسمعُ نفسَك لولا المانع. ولكن سبق لنا أنه لا دليلَ على اشتراطِ إسماعِ النَّفْسِ[(66)]، وأنَّ الصحيح أنه متى أبان الحروفَ فإنه يصحُّ التكبيرُ والقراءةُ، فكلُّ قولٍ فإنه لا يُشترط فيه إسماعُ النَّفْسِ. والغريب أنهم قالوا هنا رحمهم الله: يُشترط إسماعُ النَّفْسِ في التكبيرِ والقراءةِ، وقالوا فيما إذا قال الإِنسان لزوجته: أنت طالق، تَطْلُقُ، وإن لم يُسمع نفسَه، وكان مقتضى الأدلَّة أن تكون المعاملة بالأسهل في حقِّ الله، فكيف نعامله بحقِّ الله بالأشدِّ ونقول: لا بُدَّ أن تسمعَ نفسَك. وفي حقِّ الآدمي ـ ولا سيما الطلاق الذي أصله مكروه ـ نقول: يقع الطلاق وإن لم تُسمعْ نفسَك؟!

ثَم يَقْبِضُ كُوعَ يُسْراه .............
قوله: «ثم يقبض كوع يُسراه» أي: بعد التكبيرِ ورَفْعِ اليدين يقبضُ كُوعَ يُسراه، وبعضُ الناس يقول: الله أكبر، ثم يرسل يديه، ثم يرفعهما ويقبضهما، وهذا ليس له أصل، بل مِن حين أن ينزلهما مِن الرَّفْعِ يقبض الكُوعَ.
والكُوعُ: مفصل الكفِّ مِن الذِّراع، ويقابله الكُرسوع، وبينهما الرُّسغ.
فالكُوعُ: العظم الذي يلي الإِبهام. والكُرسوع: هو الذي يلي الخنصر.
والرسغ: هو الذي بينهما. وأنشدوا على ذلك:
وعظمٌ يلي الإِبهامَ كوعٌ وما يلي
لخنصره الكرسوعُ والرُّسغُ ما وسط
وعظمٌ يلي إبهامِ رِجْلٍ ملقب
ببُوعٍ فخذ بالعِلم واحْذرْ مِن الغلط
ومراد المؤلِّف بقوله: «يقبض كُوعَ يسراه»: المفصل.
فأفادنا المؤلِّف رحمه الله: أن السُّنَّةَ قَبْضُ الكُوعِ، ولكن وَرَدَت السُّنَّةُ بقَبْضِ الكوعِ [(67)]، ووَرَدَت السُّنَّةُ بوضع اليد على الذِّراع مِن غير قَبْضٍ[(68)]، إذاً؛ هاتان صفتان: الأُولى قَبْض، والثانية وَضْع.
مسألة: نرى بعضَ النَّاس يقبض المرفق، فهل لهذا أصل؟
الجواب: ليس لهذا أصلٌ، وإنما يقبض الكُوعَ أو يضع يده على الذِّراع، ففي «صحيح البخاري» من حديث سهل بن سعد أنه قال: «كان النَّاسُ يؤمرون أن يضعَ الرَّجُلُ يدَه اليُمنى على ذِرِاعِهِ اليُسرى في الصَّلاةِ» (68) .

تَحْتَ سُرّتِهِ،............
قوله: «تحت سرته» يعني يجعل اليدَ اليمنى واليسرى تحت السُّرَّة. وهذه الصفة ـ أعني: وَضْع اليدين تحت السُّرَّة ـ هي المشروعة على المشهور مِن المذهب[(69)]، وفيها حديث علي رضي الله عنه أنه قال: «مِن السُّنَّةِ وَضْعُ اليدِ اليُمنى على اليُسرى تحت السُّرَّةِ»[(70)].
وذهب بعضُ العلماء: إلى أنه يضعها فوق السُّرة، ونصَّ الإِمام أحمد على ذلك[(71)].
وذهب آخرون مِن أهل العِلم: إلى أنه يضعهما على الصَّدرِ[(72)]، وهذا هو أقرب الأقوال، والوارد في ذلك فيه مقال، لكن حديث سهل بن سعد الذي في البخاري ظاهرُه يؤيِّد أنَّ الوَضْعَ يكون على الصَّدرِ، وأمثل الأحاديث الواردة على ما فيها من مقال حديث وائل بن حُجْر أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان يضعُهما على صدرِه»[(73)].
مسألة: نرى بعضَ النَّاسِ يضعُهما على جنبِه الأيسر، وإذا سألته لماذا؟ قال: لأنَّ هذا جانب القلب، وهذا تعليل عليل لما يلي:
أولاً: لأنَّه في مقابل السُّنَّة، وكلُّ تعليلٍ في مقابلِ السُّنَّةِ فإنَّه مردودٌ على صاحبِه؛ لأنَّ السُّنَّةَ أحقُّ بالاتِّباعِ.
وثانياً: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يُصلِّيَ الرَّجلُ متخصراً[(74)] أي: واضعاً يده على خاصرتِه، وهذا إن لم ينطبقْ عليه النَّهيُ فهو قريبٌ منه.
لهذا؛ إذا رأيتَ أحداً يفعل هكذا فانصحه، ثم إنَّ فيه شيئاً آخر، وهو أنَّ فيه إجحافاً؛ لعدم التوسُّط في البدن؛ لأنه فَضَّلَ جانب اليسار على جانب اليمين، فنقول: خيرُ الأمورِ الوسط، فَكُنْ بين اليمين وبين اليسار، وضَعْ اليدين على الصَّدرِ.

وَيَنْظُرُ مَسْجِدَهُ،..........


============



بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-06-2012, 10:48 PM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ا
لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][صفة الصلاة..
الشرح الممتع على زاد المستقنع][

الشيخ محمد بن صالح العثيمين


باب صفة الصلاة

وَيَنْظُرُ مَسْجِدَهُ،..........
قوله: «وينظر مسجده» أي: موضع سجوده، والضَّميرُ يعودُ على المُصلِّي، وهو شاملٌ للإِمام والمأموم والمنفرد؛ أنه ينظر موضعَ سجودِه، وعلى هذا كثير مِن أهلِ العلمِ[(75)]، واستدلُّوا بحديث رُويَ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا: «أنه كان ينظر إلى موضع سجودِه في حال صلاتهِ»[(76)]، وكذلك قالوا في تفسير قوله تعالى: {{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ *}} [المؤمنون] الخشوع: أن ينظر إلى موضع سجوده.
وقال بعضُ العلماءِ: ينظرُ تلقاء وجهِهِ، إلا إذا كان جالساً، فإنَّه ينظر إلى يدِه حيث يُشير عند الدُّعاء[(77)].
وفصل بعض العلماء بين الإِمام والمنفرد وبين المأموم فقال: إن المأموم ينظر إلى إمامه ليتحقق من متابعته[(78)]؛ ولهذا قال البراء بن عازب: «كان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إذا قال: سَمِعَ اللَّهُ لمن حَمِده، لم يَحْنِ أحدٌ منَّا ظهرَه؛ حتى يقعَ النبي صلّى الله عليه وسلّم ساجداً، ثم نقعُ سجوداً بعده»[(79)] قالوا: فهذا دليل على أنهم ينظرون إليه.
واستدلُّوا أيضاً: بما جرى في صلاةِ الكسوفِ، حيث أخبرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الصحابةَ أنه عُرضت عليه الجنَّةُ، وعُرضت عليه النَّارُ[(80)]، وقال فيما عُرضت عليه الجنَّةُ: «حيث رأيتموني تقدَّمت»، وفيما عُرضت عليه النَّارُ قال: «فيما تأخَّرت» وهذا يدلُّ على أنَّ المأمومَ ينظر إلى إمامه.
والأمر في هذا واسع، ينظر الإِنسان إلى ما هو أخشع له؛ إلا في الجلوس، فإنه يرمي ببصره إلى أصبعه حيث تكون الإِشارة كما وَرَدَ ذلك[(81)].
واستثنى بعضُ أهلِ العِلمِ: فيما إذا كان في صلاة الخوف[(82)]، لقوله تعالى: {{وَخُذُوا حِذْرَكُمْ}} [النساء: 102] وبأن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعثَ عيناً يوم حُنين، فجعل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ينظر إلى ناحية الشِّعْبِ وهو يُصلِّي[(83)]؛ لينظر إلى هذا العين، والعين هو الجاسوس، ولأنَّ الإِنسان يحتاج إلى النَّظَرِ يميناً وشمالاً في حال الخوف، والعملُ ـ ولو كان كثيراً ـ في حال الخوف مغتفر، فكذلك عَمَلُ البصر، وهذا الاستثناء صحيحٌ.
واستثنى بعضُ العلماءِ أيضاً: المُصلِّي، في المسجد الحرام وقالوا: ينبغي أن ينظر إلى الكعبة؛ لأنها قِبْلةُ المصلِّي، ولكن هذا القول ضعيف؛ فإن النَّظَرَ إلى الكعبة يشغل المُصلِّي بلا شَكٍّ؛ لأنه إذا نَظَرَ إلى الكعبة نَظَرَ إلى النَّاسِ وهم يطوفون فأشغلوه، والصَّحيح أنَّ المسجدَ الحرامَ كغيره؛ ينظر فيه المصلِّي إما إلى موضع سجودِه، أو إلى تلقاءِ وجهه.
وأما النَّظَرُ إلى السَّماءِ فإنه محرَّم، بل مِن كبائر الذُّنوب؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نَهى عن ذلك، واشتدَّ قوله فيه حتى قال: «لينتهينَّ ـ يعني الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة ـ أو لتُخطفنَّ أبصارُهم»[(84)]، وفي لفظ: «أو لا ترجع إليهم»[(85)]. وهذا وعيد، والوعيد لا يكون إلا على شيء مِن كبائر الذنوب، بل قال بعضُ العلماءِ: إن الإِنسان إذا رَفَعَ بصرَه إلى السماءِ وهو يُصلِّي بطلتْ صلاتهُ، واستدلُّوا لذلك بدليلين:
الأول: أنَّه انصرفَ بوجهِه عن جهِة القِبْلةِ، لأنَّ الكعبةَ في الأرض، وليست في السَّماءِ.
الثاني: أنَّه فَعَلَ محرَّماً منهيًّا عنه في الصَّلاةِ بخصوصها، وفِعْلُ المحرَّمِ المنهيُّ عنه في العبادة بخصوصها يقتضي بطلانَها.
ولكن؛ جمهورُ أهل العِلم على أنَّ صلاتَه لا تبطل برَفْعِ بصرِه إلى السَّماءِ، لكنَّه على القول الرَّاجح آثمٌ بلا شَكٍّ؛ لأن الوعيد لا يأتي على فِعْلِ مكروه فقط.
إذاً؛ ينظرُ المصلِّي إما إلى تلقاء وجهه، وإما إلى موضعِ سجودِه في غير ما استُثنيَ. ولكن أيُّهما أرجح؟
الجواب: أن يختارَ ما هو أخشعُ لقلبِه؛ إلا في موضعين: في حال الخوف، وفيما إذا جَلَسَ، فإنه يرمي ببصره إلى موضع إشارته إلى أصبعه؛ كما جاءت به السُّنَّةُ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم[(86)].
ومِن العجيب أن الذين قالوا: ينظر إلى الكعبة، علَّل بعضهم ذلك بأن النظر إلى الكعبة عبادة، وهذا التَّعليلُ يحتاجُ إلى دليلٍ، فمِن أين لنا أنَّ النَّظَرَ إلى الكعبة عبادةٌ؟ لأن إثبات أيِّ عبادةٍ لا أصل لها مِن الشرع فهو بدعة.
مسألة: إغماض العينين في الصَّلاةِ.
الصَّحيحُ أنَّه مكروهٌ؛ لأنه يُشبه فِعْلِ المجوس عند عبادتهم النيران، حيث يُغمضون أعينَهم. وقيل: إنه أيضاً مِن فِعْلِ اليهودِ، والتشبُّه بغير المسلمين أقلُّ أحواله التحريم، كما قال شيخ الإِسلام رحمه الله، فيكون إغماضُ البَصَرِ في الصَّلاةِ مكروهاً على أقل تقدير، إلا إذا كان هناك سبب مثل أن يكون حولَه ما يشغلُه لو فَتَحَ عينيه، فحينئذٍ يُغمِضُ تحاشياً لهذه المفسدة.
فإِن قال قائل: أنا أجِدُ نفسي إذا أغمضت عينيَّ أخشعُ، فهل تُفْتُونَني بأن أُغمِضَ عينيَّ؟
الجواب: لا، لأن هذا الخشوعَ الذي يحصُلُ لك بفِعْلِ المكروه مِن الشيطان، فهو كخشوعِ الصوفية في أذكارهم التي يتعبَّدونَ بها وهي بدعة، والشيطان قد يبعد عن قلبك إذا أغمضت عينيك فلا يوسوس، من أجل أن يوقعك فيما هو مكروه، فنقول: افْتَحْ عينيك، وحاول أن تخشعَ في صلاتِك.
أما أن تُغمِضَ عينيك بدون سببٍ لتخشعَ فلا؛ لأنَّ هذا مِن الشيطان.

ثُمَّ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إلهَ غَيْرُكَ».
قوله: «ثم يقول» أي: بعد ما سبق من التكبير ووضع اليدين وغير ذلك «سبحانك اللهم وبحمدك» وهذه جملة تتضمَّن التنزيه والإِثبات.
تتضمَّن التنزيه في قوله: «سبحانك اللَّهُمَّ»، والإِثبات في قوله: «وبحمدِك» لأنَّ الحمدَ هو وَصْفُ المحمودِ بالكمالِ مع محبَّتِه وتعظيمِه، فتكون هاتان الجملتان جامعتين للتنزيه والإِثبات.
وقوله: «سبحانك» اسمُ مصدر من سَبَّحَ يُسبِّحُ، والمصدر تَسْبيح، واسمُ المصدر سُبحان، دائماً منصوب على المفعولية المطلقة، محذوف العامل، مضاف. ففيه ثلاثة أشياء:
أولاً: أنَّه منصوب على المفعولية المطلقة دائماً.
والثاني: أنَّه محذوف العامل دائماً.
والثالث: أنَّه مضاف دائماً.
ومعناه: تنزيهاً لك يا ربِّ عن كُلِّ نَقْصٍ، والنَّقصُ إما أن يكون في الصِّفاتِ، أو في مماثلة المخلوقات، فصفاتُه التي يتَّصف بها منزَّه فيها عن كُلِّ نقص، يتَّصف بالعِلمِ الكاملِ، وبالحياةِ الكاملةِ، وبالسَّمْعِ الكامل، وبالبصر الكامل... وهكذا جميع الصفات التي يتَّصف بها هو فيها مُنزَّه عن النَّقْصِ، كذلك مُنزَّه عن أن يوصف بصفة نَقْصٍ محضة، مثل أن يوصف بالعجز، أو الظُّلم، أو ما أشبه ذلك.
مُنزَّه عن مماثلة المخلوقات، ولو فيما هو كمال في المخلوقات فإن الله تعالى مُنزَّه عنه، فمُنزَّه عن أن تكون صفاتُه الخبريَّة كصفات المخلوقين، مثل: الوجه، واليدين، والقدم، والعينين، ومُنزَّه أن تكون صفاتُه الذاتية المعنوية كصفات المخلوقين، فعلمُه ليس كعِلْمِ المخلوق؛ لأنَّ عِلْمَ المخلوق كلُّه نَقْصٌ، نَقْصٌ في ابتدائِه؛ لأنَّه مسبوقٌ بجهلٍ، وفي غايته؛ لأنه ملحوق بالنسيان، وفي شُمولِه؛ لأنَّه قاصرٌ، حتى رُوحك التي بين جنبيك لا تعلم عنها شيئاً. كما قال تعالى: {{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً *}} [الإسراء] حتى ما تريد أن تفعله غداً لست على يقينٍ مِن أنْ تفعلَه، لكنك ترجو وتؤمِّل، وإلاّ فلا تعلم نفسٌ ماذا تكسب غداً، إذاً؛ هذا نَقْصٌ عظيمٌ في العِلْمِ، أما الله عزَّ وجلَّ فإنَّه كاملُ العِلْمِ.
كذلك أيضاً لا يماثل المخلوق في صفاته الفعلية، مثل: الاستواء على العرش، والنُّزول إلى السَّماءِ الدُّنيا، والمجيء إلى الفصل بين العباد، والرِّضى والغضب، وما أشبه ذلك، وإنْ وافقها في الاسم، فالاسمُ هو الاسمُ، ولكن المُسمَّى غير المُسمَّى، فالصِّفةُ هي الصفة، ولكن الموصوف غير الموصوف؛ فلا تماثل بين الخالق والمخلوق. إذاً؛ يُنزَّه اللَّهُ عن ثلاثة أشياء:
1 ـ عن النَّقصِ في صفات الكمال.
2 ـ عن صفات النَّقصِ المجردة عن الكمال.
3 ـ عن مماثلة المخلوقين.
وتمثيله بالمخلوقين نَقصٌ؛ لأنَّ تسويةَ الكاملِ بالنَّاقصِ تجعله ناقصاً قال الشاعر:
ألم تَرَ أنَّ السَّيفَ ينقصُ قَدْرَه
إذا قيل إنَّ السَّيفَ أمضى مِن العَصَا
إذا قلت: عندي سيفٌ عظيم، ومَدحته مدحاً كثيراً، ثم قلت: هو أمضى مِن العصا؛ فإنه يهبط هبوطاً عظيماً، ولا ترى لهذا السَّيفِ قَدْراً؛ لأنك نفيت أن يكون مماثلاً للعصا، وسيفٌ يمكن أن يَتصوَّرَ الإِنسانُ مماثلته للعصا ناقصٌ لا ريب في ذلك.
أما «الحمد» فهو: وصفُ المحمود بالكمال، الكمال الذَّاتي والفعلي، فالله سبحانه وتعالى كاملٌ في ذاته، ومِن لازمِ كمالِه في ذاتِه أن يكون كاملاً في صفاته.
كذلك في فِعْلِه، فَفِعْلُه دائرٌ بين العدل والإِحسان؛ لا يمكن أن يظلم، بل إما أن يعامل عبادَه بالعدلِ، وإما أن يعاملَهم بالإِحسان، فالمسيءُ يعاملُه بالعدل كما قال تعالى: {{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}} [الشورى: 40] لا يمكن أن يزيد. والمحسن يعامله بالفضل كما قال تعالى: {{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}} [الأنعام: 160] فَفِعْلُه عزَّ وجلَّ دائرٌ بين الأمرين، ومَن كان فِعْلُه دائراً بين هذين الأمرين: العدل والفضل، فلا شَكَّ أنه محمودٌ على أفعالِه، كما هو محمودٌ على صفاته.
إذاً؛ جمعتَ بين التَّنزيهِ والكمالِ في قولك: «سُبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِك» فعلى هذا؛ فالواو تفيد معنى المعيَّة، يعني: ونزَّهتُك تنزيهاً مقروناً بالحمد.
قوله: «وتبارك اسمك» «اسم» هنا مفرد، لكنه مضاف فيشمل كُلَّ اسمٍ مِن أسماءِ الله.
وهل المراد بالاسم هنا المُسمَّى كما في قوله: «تباركت يا ذا الجلال والإِكرام» ويكون المراد بـ «تَباركَ اسمُكَ» أي: تباركتَ، كقوله: {{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *}} [الأعلى] والمُسبَّح الله المُسَمَّى، أو أن المراد أنَّ اسمَ الله نفسَه كلَّه بَركة، وإذا كان اسم المُسمَّى بركة فالمُسمَّى أعظم بركة وأشدُّ وأَولى؟
الجواب: الثاني أظهر؛ لأننا نَسْلَم فيه مِن التجوُّز بالاسم عن المُسمَّى، ولأنه يلزم منه تبارك المُسمَّى.
أمثلة مِن بَرَكة اسمِ الله:
لو ذبحتَ ذبيحةً بدون تسميةٍ؛ لكانت ميتةً نجسةً حراماً، ولو سمَّيت اللَّهَ عليها لكانت ذكيةً طيبةً حلالاً.
وأيضاً: إذا سمَّيتَ على الطَّعام لم يشاركك الشيطانُ فيه، وإن لم تسمِّ شاركك.
وإذا سمَّيت على الوُضُوء ـ على قول مَن يرى وجوبَ التَّسمية ـ صَحَّ وضوؤك، وإن لم تسمِّ لم يصحَّ وضوؤك.
وعلى قول مَن يرى استحبابها يكون وضوؤك أكمل مما لو لم تسمِّ، فهذه مِن بركة اسمِ الله عزَّ وجلَّ.
قوله: «وتعالى جدُّك» «تعالى» أي: ارتفعَ ارتفاعاً معنوياً، والجَدُّ: بمعنى العظمة، يعني: أنَّ عظمتَك عظمة عظيمة عالية؛ لا يساميها أي عظمة مِن عظمة البشر، بل مِن عظمة المخلوقين كلهم.
قوله: «ولا إله غيرك» هذه هي كلمةُ التوحيدِ التي أُرسل بها جميعُ الرُّسل كما قال تعالى: {{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *}} [الأنبياء] وكما قال صلّى الله عليه وسلّم: «ومَن كان آخرُ كلامِه مِن الدُّنيا لا إله إلا الله دَخَلَ الجنَّةَ»[(87)] فهي أفضلُ الذِّكرِ، ومعناها: لا معبودَ حقٌّ إلا الله. فـ «إله» : بمعنى مألوه، وهو اسمٌ، «لا» : النافية للجنس، وخبرها محذوف تقديره: حقّ، «إلا الله» : «إلا» أداة استثناء، و«الله» بدل مِن الخبر المحذوف، هذا أصحُّ ما قيل في معناها وفي إعرابها.
إذاً معناها: لا معبودَ حقٌّ إلا الله، فهل هناك معبودٌ باطلٌ؟
الجواب: نعم، هناك معبودٌ باطلٌ وهو مَنْ سِوى الله؛ لقوله تعالى: {{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}} [الحج: 62] . وهذه الآلهة وإن سُمِّيت آلهة فما هي إلا أسماء لا حقيقة لها، فهي باطلة كما قال تعالى: {{إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}} [النجم: 23] . وهذه الكلمة لها مقتضى، فمقتضاها التسليم التام لله عزَّ وجلَّ؛ لأن العبادة مأخوذة من الذُّلِّ، ومنه: طريق معبَّد، أي: مذلَّل مُسهَّل. فمقتضى هذه الكلمةِ العظيمةِ الاستسلامُ لله تعالى ظاهراً وباطناً، فأنت إذا قلتها تخبر خبراً تنطِقُه بلسانك، وتعتقدُه بجَنَانك بأنَّ اللَّهَ هو المعبودُ حقًّا، وما سواه فهو باطل، ثم تأمَّل كيف جاءت هذه الكلمةُ التي فيها توحيد الله بألوهيَّته بعد الثناء عليه؛ ليكون توحيده بالألوهية مبنيًّا على كماله. «سبحانك اللَّهُمَّ وبحَمْدِكَ، وتباركَ اسمُكَ، وتعالى جَدُّكَ» كُلُّ هذا ثناءٌ على الله بالكمال، ثم قال: «ولا إله غيرُكَ» فيكون هذا السَّابق كالسبب المبني عليه اللاحق، يعني: أنه لكمال صفاتِك لا معبودَ حقٌّ إلا أنت، ولا إلهَ غيرُك.
هذا هو دعاء الاستفتاح، وكان عُمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه يستفتحُ به، رواه مسلم بسند فيه انقطاع[(88)]؛ لكن وصله البيهقيُّ[(89)]. وعُمرُ أحدُ الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا باتِّباعهم. وقد رُويَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مرفوعاً[(90)].
هل هناك دعاءٌ آخر يُستفتح به؟

============



بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-06-2012, 10:49 PM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ا
لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][صفة الصلاة..
الشرح الممتع على زاد المستقنع][

الشيخ محمد بن صالح العثيمين


باب صفة الصلاة

هل هناك دعاءٌ آخر يُستفتح به؟
الجواب: نعم؛ فيه أنواع ـ ولشيخ الإِسلام ابن تيمية رسالة في أنواع الاستفتاحات[(91)] ـ منها ما ثَبَتَ في «الصَّحيحين» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إذا كبَّرَ للصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أرأيتَ سكوتَك بين التكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال: أقول: «اللَّهُمَّ بَاعدْ بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللَّهُمَّ نقِّني مِن خطاياي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنسِ، اللَّهُمَّ اغسلني مِن خَطَايَاي بالماءِ والثَّلجِ والبَرَدِ»[(92)]. وهذا أصحُّ من الحديث الذي فيه الاستفتاح بـ«سُبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِك...»، وكلٌّ مِن النوعين جائزٌ وسُنَّةٌ، وينبغي للإِنسان أن يستفتحَ بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة؛ ليأتي بالسُّنَنِ كلِّها، وليكون ذلك إحياءً للسُّنَّة. ولأنه أحضرُ للقلب؛ لأن الإِنسان إذا التزم شيئاً معيَّناً صار عادةً له، حتى إنه لو كَبَّر تكبيرةَ الإِحرام وغَفَلَ ومِن عادته أن يستفتح بـ «سُبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِك» يَجِدُ نفسَه قد شَرَعَ فيه بدون قصد.
شرح الاستفتاح الوارد في حديث أبي هريرة: «اللَّهُمَّ باعِدْ بيني وبين خَطاياي...».
ثَبَتَ في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إذا كَبَّرَ للصلاة سكت هُنيَّةً» ومِن حِرْصِ أبي هريرة رضي الله عنه على العِلم بشهادةِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم له حين قال له: يا رسول الله، مَنْ أسعدُ النَّاسِ بشفاعتِكَ يومَ القيامةِ؟ قال: «لقد ظَنَنتُ ـ يا أبا هريرة ـ أن لا يسألَنِي عن هذا الحديث أحدٌ أوَّلُ منك، لِمَا رأيتُ مِن حرصِك على الحديثِ. ثم قال: أسعدُ النَّاسِ بشفاعتِي يومَ القيامةِ: مَنْ قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه»[(93)]. أنه لما رأى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يسكتُ بين التكبيرِ والقراءة، عَلِمَ أنه لا بُدَّ أن يقول شيئاً، لأنَّ الصلاة ليس فيها سكوتٌ مطلقٌ فقال: «أرأيتَ سكوتَك بين التكبير والقراءةِ؛ ما تقولُ؟» وكلمة «ما تقول» تدلُّ على أنه يعتقد أنه يقول شيئاً؛ لأنه لم يقل: هل أنت ساكتٌ؟ قال: أقول: «اللَّهُمَّ باعِدْ بيني وبين خَطَايَاي كما باعدت بين المشرق والمغرب» ومعناه: أنه سأل الله أن يُباعد بينه وبين خطاياه؛ كما باعَدَ بين المشرقِ والمغربِ، والمباعدة بين المشرق والمغرب هو غاية ما يبالغ فيه النَّاسُ، فالنَّاسُ يبالغون في الشيئين المتباعدين إمَّا بما بين السماء والأرض، وإما بما بين المشرقِ والمغربِ، ومعنى «باعِدْ بيني وبين خَطَاياي» أي: باعِدْ بيني وبين فِعلِها بحيث لا أَفْعَلُها، وباعِدْ بيني وبين عقوبِتها.
وقوله: «اللَّهُمَّ نقِّني مِن خطاياي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنس»، هذه الجملةُ تدلُّ على أنَّ المرادَ بذلك الخطايا التي وقعت منه، لأنه قال: «نقِّني منها كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنس». أي: كما يُغسل الثوبُ الأبيضُ إذا أصابه الدَّنس فيرجع أبيض، وإنما ذَكَرَ الأبيضَ؛ لأن الأبيض هو أشدُّ ما يؤثِّر فيه الوسخ؛ بخلاف الأسود، ولهذا في أيام الشتاء الثياب السوداء تبقى شهراً أو أكثر، لكن الأبيض لا يبقى أسبوعاً إلا وقد تدنَّسَ، فلهذا قال: «كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنَسِ» وهذا ظاهرٌ أنه في الذُّنوب التي فَعَلَهَا يُنقَّى منها، وبعد التنقية قال: «اللَّهُمَّ اغسلْنِي مِن خطاياي بالماءِ والثَّلجِ والبَرَدِ».
إذاً؛ فالذي يظهر: أنَّ الجملةَ الأُولى في المباعدة، أي: أن لا أفعلَ الخطايا، ثم إن فَعلتُها فنقِّني منها، ثم أزِلْ آثارَها بزيادة التطهير بالماء والثَّلجِ والبَرَدِ، فالماء لا شَكَّ أنه مطهِّرٌ، لكن الثَّلجُ والبَرَدُ مناسبته هنا أنَّ الذُّنوب آثارها العذابُ بالنَّارِ، والنَّارُ حارَّة، والحرارةُ يناسبها في التنقية منها الشيء البارد، فالماء فيه التنظيف، والثَّلجُ والبَرَدُ فيهما التبريدُ.
هذا هو معنى حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وبقي أن يُقال: هل الخطأ يقع مِن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؟
الجواب: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ اغسلْنِي مِن خطاياي» فأضاف الخطايا إلى نفسِه، وكان يقول: «اللَّهُمَّ اغفِرْ لي ذنبي كُلَّه، دِقَّهُ وجِلَّهُ، وأوَّلَه وآخره، وعَلانيته وسِرَّه»[(94)] وقال الله تعالى: {{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}} [محمد: 19] وقال الله: {{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}} [الفتح: 2] ولكن الشأن كلُّ الشأن هل الذُّنوب هذه تبقى أم لا؟
الجواب: لا، فالنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم معصومٌ مِن الإِقرارِ على الذَّنبِ، ومغفورٌ له، بخلاف غيره، فإنه يذنب، وقد يُقَرُّ على ذلك ويستمرُّ في معصيته، وقد لا يُغفر له، أما النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فلا بُدَّ أن يُنبَّه عليه مهما كان الأمر: {{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *}} [التحريم] .
هذا هو فَصْلُ الخطاب في هذه المسألة التي تنازعَ النَّاسُ فيها، لكن هناك مِن الذنوب ذَنْبٌ لا شَكَّ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم معصومٌ منه، وهو الكذبُ والخيانة؛ لأنه لو قيل بجواز ذلك عليه؛ لكان في ذلك قَدْحٌ في رسالته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلا يمكن أن يقعَ منه. كذلك أيضاً معصوم مما يُخلُّ بأصل العبادة وأصلِ الأخلاق، كالشِّركِ، وكسفاسف الأخلاق مثل الزِّنا وشبهه، لكن الخطايا التي بينه وبين ربِّه هذه قد تقعُ منه ولكنها خطايا صغيرة تُكَفَّر، وقد غَفَرَ اللَّهُ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه وما تأخَّر.
قلتُ: ذلك؛ لأن بعض العلماء رحمهم الله قالوا: إن كلَّ شيء وَصَفَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم نفسَه به من الذُّنوبِ فالمراد ذنوبُ أُمَّتِه؛ لا ذنبه هو؛ لأنه هو لا يُذنب، وكلُّ خطيئة أضافها لنفسه فالمراد خطايا أُمَّتِه، ولا شَكَّ أن هذا قول فيه ضعف؛ لأن الله قال: {{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}} [محمد: 19] فإن العطف يقتضي المغايرة، وليس في ذلك أيُّ قَدْح في أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقعُ منه الذُّنوب الصغيرة، ولكنه لا يُقَرُّ عليها، ثم هو مغفورٌ له، وما أكثر ما يكون الإِنسان منَّا بعد المعصية خيراً منه قبلها، وفي كثير من الأحيان يخطئ الإِنسان ويقع في معصية، ثم يَجدُ مِن قلبِه انكساراً بين يدي الله عزّ وجل وإنابةً إلى الله، وتوبةً إليه حتى إن ذَنْبَه يكون دائماً بين عينيه يندم عليه ويستغفر، وقد يرى الإِنسانُ نفسَه أنه مطيع، وأنه من أهل الطاعة فيصير عنده من العُجب والغرور وعدم الإِنابة إلى الله ما يفسد عليه أمر دينه، فالله عزّ وجل حكيم قد يبتلي الإِنسان بالذنب ليُصلح حالَه، كما يبتلي الإِنسانَ بالجوع لتستقيم صحَّته. وهل حصل لآدم الاجتباء إلا بعد المعصية والتوبة منها.
كما قال: {{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ}} [طه: 122] أي: بعد أن أذنبَ وتابَ؛ اجتباه ربُّه فتاب عليه وهداه، وانظر إلى الذين تخلَّفوا في غزوة تبوك ماذا حصل لهم؟ لا شَكَّ أنه حصل لهم من الإِيمان، ورِفْعَةِ الدرجات، وعلوِّ المنزلة ما لم يكن قبل ذلك، وهل يمكن أن تنزل آيات تُتلى إلى يوم القيامة في شأنهم لولا أنهم حصل منهم ذلك ثم تابوا إلى الله؟
والمُهمُّ أن الإِنسان لا يُعصم مِن الخطأ، ولكن الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ معصومون مما أشرنا إليه، ومعصومون مِن الإِقرار على الصغائر، بل لا بُدَّ أن يتوبوا منها.
مسألة: هل يجمع بين أنواع الاستفتاح؟
الجواب: لا يجمع بينها، لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أجاب أبا هريرة رضي الله عنه حين سـأله بأنه يقول: «اللَّهُمَّ باعِدْ بيني وبين خطاياي»... إلخ. ولم يذكر «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدِك» فدلَّ على أنه لا يجمع بينها.
فهذان نوعان من الاستفتاحات، وبقيت أنواعٌ أُخرى بعضُها في صلاة الليل خاصَّة، فليُرجع إليها في المطوَّلات.
مسألة: هل يستفتح في صلاة الجنازة؟ فيه خلاف[(95)]:
قال بعض العلماء: يَستفتح، لأنها صلاة، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يَستفتح في الصَّلاةِ.
والمشهور من المذهب:[(96)] أنه لا يَستفتح؛ لأنها مبنيَّة على التَّخفيف، فلا ركوع فيها، ولا سجود، ولا تشهُّد؛ مما يدلُّ على أن الشارع لاحَظَ فيها التخفيفَ؛ وهذا أقربُ.

ثمَّ يَسْتَعِيذُ،..........


============



بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-06-2012, 10:50 PM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ا
لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][صفة الصلاة..
الشرح الممتع على زاد المستقنع][

الشيخ محمد بن صالح العثيمين


باب صفة الصلاة
ثمَّ يَسْتَعِيذُ،..........
قوله: «ثم يستعيذ» ، أي: يقول: أعوذُ بالله مِن الشيطان الرجيم وإن شاء قال: «أعوذُ باللَّهِ السميعِ العليمِ من الشيطانِ الرَّجيمِ؛ من همزه ونفخِه ونفثِه»[(97)] وإن شاء قال: «أعوذُ بالسميعِ العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ»[(98)] والاستعاذةُ للقراءة، وليست للصَّلاةِ، إذ لو كانت للصَّلاةِ لكانت تلي تكبيرةَ الإِحرامِ، أو قبل تكبيرة الإِحرامِ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *}} [النحل] . فأمر اللَّهُ بالاستعاذة مِن الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن.
وفائدةُ الاستعاذة: ليكون الشيطانُ بعيداً عن قلب المرءِ، وهو يتلو كتابَ الله حتى يحصُل له بذلك تدبّرُ القرآن وتفهّمُ معانيه، والانتفاعُ به؛ لأن هناك فَرْقاً بين أن تقرأ القرآنَ وقلبُك حاضرٌ وبين أن تقرأ وقلبُك لاهٍ.
إذا قرأته وقلبُك حاضرٌ حصل لك من معرفة المعاني والانتفاعِ بالقرآن ما لم يحصُلْ لك إذا قرأته وأنت غافل، وجرّبْ تجدْ.
فلهذا شُرع تقديمُ الاستعاذة على القِراءة في الصَّلاةِ وخارج الصلاة.
بل قال بعض العلماء[(99)]: بوجوب الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند قراءة القرآن لقوله تعالى: {{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *}} [النحل] .
ومعنى: «أعوذ بالله» أي: ألتجئ وأعتصم به؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الملاذُ وهو المعاذُ، فما الفَرْق بين المعاذ والملاذ؟
قال العلماء: الفَرْق بينهما: أن اللِّياذ لطلب الخير، والعياذ للفرار من الشرِّ، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
يا مَنْ ألُوذُ به فيما أُؤَمِّلُهُ
ومَنْ أعُوذُ به مِمَّا أُحاذِرُهُ
لا يَجْبُرُ النَّاسُ عظماً أنت كاسِرُهُ
ولا يَهيضُونَ عظماً أنت جَابِرُهُ
ومعنى: «مِن الشيطان الرجيم» الشيطان: اسمُ جنْسٍ يشمَلُ الشيطان الأول الذي أُمِرَ بالسُّجود لآدم فلم يسجدْ، ويشمَلُ ذُرِّيَّته، وهو مِن شَطَنَ إذا بَعُدَ؛ لبعده من رحمة الله، فإن الله لَعَنَهُ، أي: طَرَدَه وأبعدَه عن رحمته. أو مِن شَاطَ إذا غَضِبَ؛ لأنَّ طبيعته الطَّيشُ والغضبُ والتسرُّعُ، ولهذا لم يتقبَّل أمْرَ الله سبحانه وتعالى بالسُّجودِ لآدم، بل ردَّه فوراً، وأنكرَ السُّجودَ له وقال: {{أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً}} [الإسراء: 61] ، والمعنى الأول هو الأقربُ، ولذلك لم يُمنعْ من الصَّرْفِ؛ لأنَّ النون فيه أصليّة.
وأما الرجيم: فهو بمعنى: راجم، وبمعنى: مرجوم؛ لأن فَعيلاً تأتي بمعنى: فاعل، وبمعنى: مفعول، فمِن إتيانها بمعنى فاعل: سميع، وبصير، وعليم، والأمثلة كثيرة.
ومِن إتيانها بمعنى مفعول: جَريح، وقَتيل، وكسير، وما أشبه ذلك.
فالشيطانُ رجيمٌ بالمعنيين، فهو مرجوم بلعنة الله ـ والعياذُ بالله ـ وطَرْدِه وإبعادِه عن رحمته، وهو راجم غيره بالمعاصي، فإن الشياطين تَؤزُّ أهلَ المعاصي إلى المعاصي أزًّا.

ثُمَّ يُبَسْمِلُ ...........
قوله: «ثم يُبسمل» أي: يقول: {{بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ}} وأتى المؤلِّف مِن كلِّ كلمة بحرفٍ، أتى بالباء، والسين، والميم، واللام، ويُسمَّى هذا التَّصرُّفُ عند علماء النحو بـ«النَّحْت» لأن الإِنسان ينحِتُ الكلمات حتى استخلص هذه الكلمة. والبسملة تتضمَّن: جاراً ومجروراً، وصفة وموصوفاً. فالجار هو: الباء، والمجرور هو: اسم. والصفة: الرحمن الرحيم، والموصوف: الله، ومضافاً ومضافاً إليه، «اسم» مضاف إلى لفظ الجلالة.
هذه البسملة لا بُدَّ أن تكون متعلِّقة بشيء؛ لأن كُلَّ حرف جرٍّ لا بُدَّ أن يتعلَّق بشيء؛ كما قال ناظم قواعد الإعراب:
لا بُدَّ للجار مِن التَّعلُّقِ
بفعلٍ أو معناه نحو مرتقي
واستثنِ كلَّ زائد له عَمَل
كالبا ومِن والكاف أيضاً ولعل
فهنا الباء لا بُدَّ أن تُعلَّق بشيء، وأحسن ما قيل في متعلقها: أنه فِعْلٌ مؤخَّرٌ مناسب للمقام، فإذا كنت تسمِّي على قراءة فالتقدير: بسم الله أقرأ، وإذا كنت تُسمِّي على أكل فالتقدير: بسم الله آكل، وعلى شُرْب: بسم الله أشربُ، وعلى وُضُوء: بسم الله أتوضَّأ، وهكذا.
وهنا نقرأُ البسملةَ لنقرأ الفاتحةَ، فيكون التقدير فيها: بسم الله أقرأ.
وقلنا: بأن متعلَّقها فِعْل؛ لأن الأفعال هي الأصل في العمل.
وقلنا: محذوف، تبرُّكاً بالاقتصار على اسمِ الله عزَّ وجلَّ، ولكثرة الاستعمال.
وقلنا: متأخِّر؛ لأن في تقديره متأخِّراً فائدتين:
1 ـ التبرك بتقديم اسم الله عزَّ وجلَّ.
2 ـ الحصر؛ لأن تقديمَ المعمولِ يفيدُ الحصرَ.
وقدَّرناه مناسباً للمقام؛ لأنه أدلُّ على مقصود المُبَسْمِل، فإنك إذا قلت: بسم الله، وأنت تريد القراءة، فالتقدير بسم الله أقرأ، وهذا أخصُّ مما لو قلت: التقدير: بسم الله أبتدئُ؛ لأن القراءة أخصُّ من مطلق الابتداء.
وأما «الله» فهو عَلَمٌ على الرَّبِّ عزّ وجل، وأصلُه: الإله، لكن حُذفت الهمزةُ تخفيفاً؛ لكثرة الاستعمال، و«إله» بمعنى: مألوه، والمألوه: هو المعبود محبَّة وتعظيماً.
وأما «الرحمن»: فهو اسمٌ مِن أسماء الله، وهو من حيثُ الإِعرابُ صفة، وهو ذو الرحمة الواسعة الواصلة لجميع الخلق.
«والرحيم» فعيل مِن الرحمة أيضاً، لكن رُوعِيَ فيها الفعلُ دون الصفة؛ لأن الرحمة وصف، والفعل إيصال الرحمة إلى المرحوم.

سِرًّا وَلَيْسَتْ مِنَ الفَاتِحَةِ ...........
قوله: «سِرًّا» ، أي: يُبسمِلُ سِرًّا، يعني: إذا كانت الصَّلاةُ جهريَّة.
أما إذا كانت الصلاة سِرِّية فإنه سوف يُسرُّ بالبسملة وبالقراءة، فقوله: «سِرًّا» يعني: أنه لا يسمعها المأمومين، وإن كان يجهر بالقراءة؛ وذلك لأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم تدلُّ على أنه كان يقرؤها سِرًّا[(100)]. بل قد قيل: إنَّ كُلَّ حديث ذُكر فيه الجهرُ بالبسملة فهو ضعيف[(101)].
قوله: «وليست من الفاتحة» الضَّميرُ يعودُ على البسملة، بل هي آيةٌ مستقلِّة يُفتتح بها كلُّ سورة مِن القرآن؛ ما عدا براءة، فإنه ليس فيها بسملة اجتهاداً من الصحابة، لكنه اجتهاد ـ بلا شك ـ مستندٌ إلى توقيف؛ لأننا نعلم أنه لو نزلت البسملة بين الأنفال وبراءة لوجب بقاؤها؛ لأن الله يقول: {{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *}} [الحجر: 9] فلمَّا لم يكن، عُلِمَ أن اجتهاد الصَّحابة كان موافقاً للواقع.
والدليل على أنها ليست من الفاتحة ما ثبت في «الصحيح» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: الحمدُ لله ربِّ العالمين، قال اللَّهُ تعالى: حَمَدَني عبدي...»[(102)] الحديث.
فإن قيل: إذا لم تكن مِن الفاتحة؛ فإنه مِن المعلوم أنَّ الفاتحةَ سبعُ آيات، فكيف تُوزَّع السَّبع الآيات على الفاتحة إذا أخرجنا البسملةَ منها؟
فالجواب: أنها توزَّع كالآتي:
{{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} الأولى.
{{الرحمن الرَّحِيمِ}} الثانية.
{{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *}} الثالثة.
{{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}} الرابعة.
{{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *}} الخامسة. {{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}} السادسة.
{{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}} السابعة.
هذا التَّوزيعُ هو المطابق للمعنى واللَّفظِ.
أما مطابقته للَّفظ: فإننا إذا وزَّعنا الفاتحةَ على هذا الوجه صارت الآيات متناسبة ومتقاربة.
لكن إذا قلنا: {{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *}} هذه الآية السادسة. {{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ *}} صارت السابعة طويلة لا تتناسب مع الآية السَّابقة، فهذا تناسبٌ لفظي.
وأما التَّناسبُ المعنوي: فإن الله تعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سألَ. فإذا قال العبدُ: {{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} قال الله تعالى: حَمَدني عبدي. وإذا قال: {{الرحمن الرَّحِيمِ}} قال: أثنى عَليَّ عبدي. وإذا قال: {{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *}}، قال: مجَّدَني عبدي. فهذه ثلاث آيات كلُّها لله.
فإذا قال: {{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}}. قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل»[(103)]. فيقتضي أن تكون النِّصفُ هي: {{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}} ، وهي الرابعة. والخامسة، والسادسة والسابعة: {{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ *}} فتكون الآيات الثلاث الأولى لله تعالى، والآيات الثلاث الأخيرة للعبد و{{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}} الآية الوسطى، بين العبد وبين ربِّه.
فإن قال قائل: إذا قلتم ذلك فكيف الجواب عمَّا نجدُه في المصاحف: أن أول آية في الفاتحة هي البسملة؟
فالجواب: هذا الترقيم على قول بعض أهل العلم[(104)]: أنَّ البسملة آية من الفاتحة. ولهذا في بقية السُّور لا تُعدُّ مِن آياتها ولا تُرقَّم. والصَّحيحُ أنها ليست مِن الفاتحة، ولا مِن غير الفاتحة، بل هي آية مستقلَّة.
إذا قال قائل: قلتم: إن البسملة آية مستقلَّة. ونحن وجدناها في كتاب الله آية ضمن آية في قوله: {{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ *}} [النمل] قلنا: هذه حكاية وخبر عن كتابٍ صَدَرَ مِن سُليمان، وليس الإِنسان يقرؤها على أنه سيبتدئ بها في مقدمة قراءته للسُّورة، لكنها مقدِّمة كتاب كَتَبَهُ سُليمان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَقَلَهُ لنا اللَّهُ عزّ وجل، فليس من هذا الباب.

ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحةَ .............

============



بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-06-2012, 10:51 PM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ا
لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][صفة الصلاة..
الشرح الممتع على زاد المستقنع][

الشيخ محمد بن صالح العثيمين


باب صفة الصلاة

ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحةَ .............
قوله: «ثم يقرأ الفاتحة» . «أل» هذه للعموم، يعني: يقرؤها كاملة مرتَّبة بآياتها، وكلماتها، وحروفها، وحركاتها، فلو قرأ ستَّ آيات منها فقط لم تصحَّ، ولو قرأ سبع آيات؛ لكن أسقط «الضَّالين» لم تصحَّ، ولو قرأ كلَّ الآيات، ولم يسقط شيئاً من الكلمات؛ لكن أسقط حرفاً مثل أن يقول: {صراط الذين أنعم عليهم} فأسقط «التاء» لم تصحَّ، ولو أخلف الحركات فإنها لا تصحُّ؛ إنْ كان اللَّحنُ يُحيل المعنى؛ وإلا صحَّت، ولكنه لا يجوز أن يتعمَّد اللَّحنَ. مثال الذي يُحيل المعنى: أن يقول: «أَهْدِنَا» بفتح الهمزة: لأن المعنى يختلف؛ لأن معناه يكون مع فتح الهمزة أعطنا إيَّاه هدية، لكن {{اهْدِنَا}} بهمزة الوصل بمعنى: دُلَّنا عليه، ووفِّقْنَا له، وَثَبِّتْنَا عليه.
ولو قال: {{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}} لم تصحَّ؛ لأنه يختلف المعنى، يكون الإِنعامُ مِن القارئ، وليس مِن الله عزّ وجل.
ومثال الذي لا يُحيل المعنى: أن يقول: «الحمدِ لله» بكسر الدال بدل ضمِّها.
ولو قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ} بدون تشديد الباء لم تصحَّ؛ لأنه أسقط حرفاً؛ لأن الحرف المشدَّد عبارة عن حرفين.
إذاً؛ لا بُدَّ أن يقرأها تامَّة، بآياتها، وكلماتها، وحروفها، وحركاتها، فإن ترك آية، أو حرفاً، أو حركة تُخِلُّ بالمعنى لم تصحَّ.
وقوله: «ثم يقرأ الفاتحة» أي: بعد البسملة يقرأ الفاتحة، و«ثم» هنا لا يُراد بها الترتيب والتراخي، بل هي لمجرد الترتيب؛ لأنه لا تراخي بين البسملة وقراءة الفاتحة، بل يُبسملُ ثم يَشرعُ في الفاتحة فَوراً.
وقوله: «يقرأ الفاتحة» وهي معروفة، وهي أعظم سورة في كتاب الله، وسُمِّيت «فاتحة» لأنه افتُتِحَ بها المُصحفُ في الكتابة. ولأنها تُفتتحُ بها الصَّلاةُ في القراءة، وليست يُفتتح بها كلُّ شيء؛ كما يصنعه بعض الناس اليوم إذا أرادوا أن يشرعوا في شيء قرأوا الفاتحة، أو أرادوا أن يترحَّمُوا على شخص قالوا: «الفاتحة» يعني: اقرؤوا له الفاتحة، فإن هذا لم يَرِدْ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم.
والفاتحةُ هي أمُّ القرآن؛ وذلك لأن جميعَ مقاصدِ القرآن موجودةٌ فيها، فهي مشتملة على التوحيد بأنواعه الثلاثة، وعلى الرسالة، وعلى اليوم الآخر، وعلى طُرق الرُّسل ومخالفيهم، وجميعُ ما يتعلَّق بأصول الشَّرائع موجودٌ في هذه السُّورة، ولهذا تُسمَّى «أمُّ القرآن»[(105)] وتُسمَّى «السَّبْعُ المثاني» كما صحَّ ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم[(106)]. وقد خصَّها الله بالذِّكْرِ في قوله: {{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ *}} [الحجر] وعَطْفُ «القرآن العظيم» عليها من باب عَطْفِ العام على الخاص.
والفاتحة رُكْنٌ مِن أركان الصَّلاةِ، وشرطٌ لصحَّتها، فلا تصحُّ الصَّلاةُ بدونها؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأ بفاتحةِ الكتابِ»[(107)] وسيأتي الكلام عليها مفصَّلاً في فصل أركان الصَّلاةِ.
وقوله: «يقرأ الفاتحة» يفيد هذا القول أنه لا بُدَّ أن يقرأ الفاتحةَ بجميع حروفها وحركاتها وكلماتها وآياتها وترتيبها، هذه خمسة أمور: الآيات، والكلمات، والحروف، والحركات، والترتيب. وهو مأخوذ مِن قول المؤلِّفِ: «الفاتحة» فإن «أل» هنا للعهد الذِّهني؛ فيكون المراد به الفاتحة المعروفة التي فيها الآيات السَّبْع والكلمات والحروف والحركات على ترتيبها، ولا بُدَّ أن تكون متوالية؛ يعني: ألا يقطعها بفصل طويل؛ لأنها عبادة واحدة، فاشتُرطَ أن ينبني بعضُها على بعض، كالأعضاء في الوُضُوء.
فالوُضُوء: الوجه، ثم اليدان، ثم الرأس، ثم الرجلان، لا بُدَّ أن يتوالى غَسْلُ هذه الأعضاء الأربعة مرتَّبة، كذلك سورة الفاتحة الآية الأُولى، ثم الثانية، ثم الثالثة... إلخ، لا بُدَّ أن تتوالى.

فَإِنْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ، أوْ سكوت غَيْرِ مَشْرُوعَيْن، وَطَالَ،...........
قوله: «فإن قطعها بذِكْرٍ، أو سكوت غير مشروعين، وطَالَ» أي: قَطَعَ الفاتحةَ فلم يواصلْ قراءتها، يعني: لما قال: {{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} جعل يُثني على الله سبحانه وتعالى: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، والله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وقام يدعو بدعاء، ثم قال: {{الرحمن الرَّحِيمِ}}. نقول: هذا غيرُ مشروع، فإذا طال الفصلُ وَجَبَ عليك الإِعادة، كذلك لو قَطَعَها بسكوت، قال: {{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} ثم سَمِعَ ضَوضاءَ فسكت يستمعُ ماذا يقول النَّاسُ، وطال الفصلُ، فإنه يعيدها مِن جديد؛ لأنه لا بُدَّ فيها من التَّوالي، لكن اشترط المؤلِّفُ فقال: «غير مشروعين» أي: الذِّكْر والسُّكوت، فإن كانا مشروعين كما لو قَطَعَها ليسأل الله أن يكون مِن الذين أنعمَ اللَّهُ عليهم، مثل لما مرَّ {{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}} قال: اللَّهُمَّ اجْعلنِي منهم، وألحقني بالصَّالحين. فهذا يسير، ثم هو مشروعٌ في صلاةِ الليل. كذلك إذا سكتَ لاستماعِ قراءةِ إمامِه، وكان يعلم أن إمامَه يسكتُ قبل الرُّكوعِ سكوتاً يتمكَّن معه أن يكملها، فسكتَ استماعاً لقراءة إمامِه، ثم أتمَّها حين سكتَ الإِمامُ قبل الرُّكوعِ، فإن هذا السُّكوتَ مشروعٌ، فلا يضرُّ ولو طال.

أَوْ تَرَكَ مِنْهَا تَشْدِيدَةً، أَوْ حَرْفاً، أو تَرْتِيباً لَزِمَ غَيْرَ مَأْمُومٍ إعَادَتُها.
قوله: «أو ترك منها تشديدة» أي: لو تَرَكَ تشديدة حرف منها فقرأه بالتَّخفيف، مثل تخفيف الباء من قوله: {رب العالمين} لم تصحَّ، وإنما لم تَصحَّ؛ لأن الحرف المشدّد عبارة عن حرفين، فإذا تَرَكَ التشديدَ أنقصَ حرفاً.
قوله: «أو حرفاً» أي: تَرَكَ حرفاً مِن إحدى كلماتها، مثل: أن يترك (أل) في {{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}} وهذا يقعُ كثيراً مِن الذين يُدغمون بسبب إسراعهم في القراءة، فلا تصحُّ.
قوله: «أو ترتيباً» يعني: إذا أخلَّ بترتيب آياتِها أو كلماتِها فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *}{الرحمن الرَّحِيمِ} أو قال: الرحيم الرحمن، مالك يوم الدين. فإنها لا تصحُّ؛ لأنه أخلَّ بالترتيب، وترتيب الآيات والكلمات توقيفي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وليس اجتهادياً، ولهذا كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ضعوا هذه الآية في السُّورة التي يُذكر فيها كذا»[(108)]، ولو لم يكن بالنسبة للفاتحة إلا قراءةُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إيَّاها على هذا الترتيب الذي أجمعَ عليه المسلمون.
قوله: «لزم غير مأموم إعادتها» «غير» بالنصب على أنها مفعول مقدَّم للزم، و«إعادة» فاعل مؤخَّر، يعني: لزمت إعادتُها على غير مأموم؛ لأن قراءة الفاتحة في حقِّ المأموم ـ على المشهور من المذهب ـ ليست بواجبة، فلو تَرَكَها المأمومُ عمداً لم يلزمه إعادة الصَّلاةِ، ولكن مع ذلك يحرم عليه أن ينكِّس الآيات، أو أن يُنكِّس الكلمات، إنما من حيث وجوبُ إعادة الفاتحة لا يجبُ على المأموم إذا فَعَلَ ذلك؛ لأنها لا تجب عليه، ولكن هل تبطل صلاته من أجل مخالفة التَّرتيب في الكلمات أو الآيات؛ لأنه مُحرَّمٌ عليه؟ هذا محلُّ نَظَر.
وقوله: «لزم غير مأموم إعادتها» ظاهر كلامه: أنه يعيدُها من أولها، فلو أسقطَ «أل» مِن قوله: {{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}} فظاهرُ كلامِه أنه يلزمه إعادة الفاتحة كلها؛ وليس هذا بوجيه، وقد لا يكون هذا مراده، بل يلزمه إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه؛ لأن ما قبلَه وَقَعَ صحيحاً، والمدَّة ليست طويلة حتى يُقال: إنه لو أعاد مِن حيث أخلَّ لَزِمَ طول الفصل بين الجزء الصَّحيح الأول والجزء الصَّحيح الثاني؛ لأن كلَّ الفاتحة لا تستوعب زمناً طويلاً، وعلى هذا؛ فإذا أخلَّ بشيءٍ مِن آخرِها، فإنه لا يلزمه إلاَّ إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه، مراعاةً للترتيب، فإن كان في أول آية مثل: {{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} بتخفيف الباء لزمتُه الإِعادة مِن الأول.
مسألة: كيف يقرأُ هذه السُّورة؟.
نقول: يقرؤها معربةً مرتَّبةً متواليةً، وينبغي أن يفصِلَ بين آياتِها، ويقفَ عند كلِّ آية، فيقف سبعَ مرَّات، {{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} ـ فيقف ـ {{الرحمن الرَّحِيمِ}} ـ فيقف ـ {{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *}} ـ فيقف ـ {{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}} ـ فيقف ـ {{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *}} ـ فيقف ـ {{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}} ـ فيقف ـ {{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}} ـ فيقف. لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُقطِّعُ قراءَتَهُ، فيَقِفُ عند كلِّ آية[(109)] وإن لم يقفْ فلا حرجَ؛ لأنَّ وقوفه عند كلِّ آيةٍ على سبيلِ الاستحبابِ، لا على سبيلِ الوجوبِ؛ لأنَّه مِن فِعْلِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم دون أمْرِه، وما فَعَلَه النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ دون أَمْرٍ به مما يُتعبَّد به فهو مِن قبيل المستحبِّ، كما ذُكر ذلك في أصول الفقه: أنَّ الفعلَ المجرَّدَ مما يُتعبَّدُ به يفيد الاستحباب، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لمَّا عَلَّمَ المسيءَ في صلاتِه أمره أن يقرأ ما تيسَّر مِن القرآن[(110)] ولم يقل: ورتِّل، أو: قِفْ عند كلِّ آية.
فإنْ قال قائل: ذكرتم أنه إذا أبدل حرفاً بحرف فإنَّها لا تصحُّ، فما تقولون فيمَن أبدَل الضَّادَ في قوله: {{وَلاَ الضَّالِّينَ}} بالظاء؟
قلنا: في ذلك وجهان لفقهاء الحنابلة:
الوجه الأول: لا تصحُّ؛ لأنه أبدلَ حَرْفاً بحرف.
الوجه الثاني: تصحُّ، وهو المشهور مِن المذهب، وعلَّلوا ذلك بتقارب المخرجين، وبصعوبة التفريق بينهما، وهذا الوجه هو الصَّحيح، وعلى هذا فمَن قال: {{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}} بالظاء فصلاته صحيحة، ولا يكاد أحدٌ من العامة يُفرِّق بين الضَّاد والظاء.

وَيَجْهُرُ الكُلُّ بِآمِينَ في الجَهْرِيَّة ..........
قوله: «ويجهرُ الكُلُّ بآمينَ في الجَهريَّة» أي: المنفرد، والمأموم، والإِمام بالجهرية.
أما الإِمام فواضح أنه يجهر بآمين؛ لأن ذلك ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «إذا أمَّنَ الإِمامُ فأمِّنوا»[(111)] فعلَّق تأميننا بتأمين الإِمام، ولولا أننا نسمعُهُ لم يكن بتعْليقِهِ بتأمين الإِمامِ فائدة، بل لكان حَرَجاً على الأمة، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يجهرُ بآمين حتى يَمُدَّ بها صوتَه[(112)]. وكذلك المأمومون يجهرون بها، كما كان الصَّحابةُ رضي الله عنهم يجهرون بذلك خلفَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ حتى يرتجَّ المسجدُ بهم[(113)] وهذه السُّنَّةُ صحيحةٌ ثابتة. لكن المنفرد إن جَهَرَ بقراءته؛ جَهَرَ بآمين، وإن أسرَّ؛ أسرَّ بآمين، ودليل ذلك: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في صلاة السِرِّ كالظُّهر والعصر لا يجهر بآمين، وهذا يقتضي أنك إذا لم تجهر بالقراءة لم تجهر بآمين.
والمنفرد الذي يقوم الليل مثلاً، وأحياناً يرى أن حضورَ قلبِه وقوَّة يقظته وطرد النوم عنه بالجهر، فيجهر كما فَعَلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم حين صَلَّى بحذيفة بن اليمان[(114)] رضي الله عنهما.
فإذا جَهَرَ بالقراءة جَهَرَ بالتأمين، وأحياناً يرى أن الإِسرار أفضل له وأخشع، وأبعد عن الرِّياء، أو أن هناك مانعاً يمنعه من الجَهْر لكون مَن حولَه نياماً، وما أشبه ذلك، فإذا أسرَّ بالقراءة فإنه يُسِرُّ بالتأمين، ولا يجهر به.
وقوله: «بآمين» :
معناها: اللَّهُمَّ اسْتجِبْ، وعلى هذا؛ فهي اسمُ فِعْلِ دعاء، واسمُ الفعل ما كان فيه معنى الفعل دون حروفه.
هلم: اسمُ فِعْلٍ؛ لأنه بمعنى أقبل. «صَهْ» اسمُ فِعْلٍ بمعنى اصمُتْ. فأحياناً أقول «صَهٍ»، وأحياناً أقول «صَهْ»، وبينهما فَرْق، فإن قلت: «صهٍ» فمعناها اسكتْ عن كُلِّ شيء، إن قلت: «صَهْ» فمعناها اسكتْ عن كلام معيَّن.
قال الفقهاء: فإن شدَّدَ الميمَ في «آمين» بطلت الصَّلاةُ؛ لأنَّ معناها حينئذٍ «قاصدين»؛ ولهذا قالوا: يحرم أن يُشدِّد الميم، وتبطل الصَّلاةُ؛ لأنه أتى بكلامٍ مِن جنسِ كلام المخلوقين.
فإن قيل: متى يقول آمين؟
فالجواب: أما الإِمامُ فإذا انتهى من قوله: {{وَلاَ الضَّالِّينَ}} وكذلك المنفرد.
وأمَّا المأموم فقال بعضُ العلماءِ[(115)]: يقول: «آمين» إذا فَرَغَ الإِمامُ مِن قول آمين.
واستدلُّوا بظاهر قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمَّنَ الإِمامُ فأمِّنوا»[(116)] قالوا: وهذا كقوله: «إذا كبَّر فكبِّروا»[(117)] ومعلومٌ أنك لا تكبِّر حتى يفرغ الإِمامُ مِن التكبير فيكون معنى قوله «إذا أمَّنَ» أي: إذا فَرَغَ مِن التأمين. ولكن هذا القول ضعيف؛ لأنه مصرَّحٌ به في لفظٍ آخر: «إذا قال الإِمام: ولا الضَّالين، فقولوا: آمين»[(118)].
وعلى هذا؛ فيكون المعنى: إذا أمَّن، أي: إذا بَلَغَ ما يُؤمَّنُ عليه وهو {{وَلاَ الضَّالِّينَ}}، أو إذا شَرَعَ في التَّأمين فأمِّنوا؛ لتكونوا معه، لكن نسمع بعض الأحيان بعض الجماعة يتعجَّل؛ لا يكاد يصل الإِمام النون من {{وَلاَ الضَّالِّينَ}} إلا وقد قال: «آمين» وهذا خِلافُ السُّنَّةِ، وهذا نوعٌ مِن مسابقة الإِمام؛ لأنَّ الإِمامَ لم يَصلْ إلى الحدِّ الذي يُؤمَّنُ عليه وهو فراغه من قوله: {{وَلاَ الضَّالِّينَ}}.
مسألة: لم يفصح المؤلِّف ـ رحمه الله ـ هنا عَمَّا إذا لم يعرفْ الفاتحةَ هل يلزمه أن يتعلَّمها؟
والجواب: نعم؛ يلزم أن يتعلَّمها؛ لأن قراءتَها واجبةٌ، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ. كعادم الماء؛ يجب عليه طلبُه وشراؤه للوُضُوء أو الغسل به إنْ كان يُباع؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، وليس هذا من باب: ما لا يتمُّ الوجوب إلا به؛ لأن وجوب الفاتحة ثابتٌ، فيلزم أن يتعلَّم هذه السُّورة، فإن ضاق الوقتُ قرأ ما تيسَّرَ من القرآن من سواها؛ لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اقرأ ما تيسَّرَ معك من القرآن»[(119)] فإن لم يكن معه قرآن فإنه يُسَبِّحُ، فيقول: «سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، واللَّهُ أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله»[(120)] خمس كلمات. فإذا قال قائل: كيف يجزئ الخمس عن السَّبع؛ لأن الآيات في الفاتحة سَبْع؟
فالجواب: أنه لا يلزمُ أن يكون البدلُ مساوياً للمُبدل منه، أَلا ترى أنَّ كسوةَ العشرة في كفَّارة اليمين لا يساويها إطعامُهم في الغالب، ولا تساوي عِتْقَ الرَّقَبة أيضاً، فالبدلُ لا يلزم منه مساواة المُبدل منه، لكن قال فقهاؤنا رحمهم الله: إذا كان عنده شيءٌ من القرآن سوى الفاتحة وجب عليه أن يقرأ منه بقَدْرِ الفاتحة، وفرَّقوا بين هذا وبين الذِّكر؛ بأن ما يُقدر عليه من جنس ما عُجز عنه؛ فوجب أن يكون مساوياً له، بخلاف البدل المحض فإنه لا يلزم.
فصارت المراتب الآن: قراءة الفاتحة، فإن عجز فبما تيسَّرَ مِنَ القرآن مِن غيرها، فإن عَجَزَ فالتَّسبيحُ، والتَّحميد، والتَّكبير، والتَّهليل والحَوقلة.
فإذا قال قائل: إذا لم أجد مَنْ يُعَلِّمني إيَّاها إلا بأُجرة، فهل يلزمُني دفع أجرة إليه؟
فالجواب: نعم؛ كما لو لم يجد ماءً إلا ببيع، فإنه يلزمُه شراؤه للوُضُوء، ولكن يبقى النَّظرُ: هل يجوز للآخر أن يطلب أُجْرةً على تعليم القرآن؟
الجواب: الصحيح: الجواز؛ لعموم قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ أحَقَّ ما أخذتُم عليه أجراً كتابُ الله»[(121)] وهذا الذي استُؤجر أو طَلَبَ الأُجرةَ طَلَبَ على عَمَلٍ متعدٍّ وهو التَّعليم، بخلاف مَن طَلَبَ أُجرة على القِراءة، فإنه لا يجوز، كما لو قال: أنا أقرأُ سورةَ البقرةِ وتُعطيني كذا وكذا. قلنا: هذا حَرام. أمَّا إذا قال: أعلِّمُكَ إياها بكذا وكذا؛ فهذا جائز، ولهذا زوَّجَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الرَّجُلَ الذي لم يجدْ مهراً بما معه من القُرآن يعلِّمُها إيَّاه[(122)].
قوله: «ثم يقرأ» هل «ثم» هنا على معناها الأصلي، أي: أنها تفيد الترتيب والتراخي، أو لمجرد الترتيب؟
هذا مبنيٌّ على القول باستحبابِ السُّكوتِ بعدَ الفاتحة أو عدمِه. فإن قلنا: باستحباب السُّكوتِ ـ وهو المذهب[(123)] ـ صارت «ثم» هنا على معناها الأصلي، أي: أنها للتَّرتيب والتَّراخي، وعلى هذا؛ فيسكتُ الإِمامُ بعدَ الفاتحةِ سكوتاً، ولكن كم مقدار هذا السُّكوت؟
قال بعض العلماء:[(124)] إنه بمقدار قراءة المأموم سُورةَ الفاتحةِ، وعلى هذا؛ فيكون طويلاً بعضَ الشَّيء.
وقيل: بل إنه سكوت ليترادَّ إلى الإِمام نفسُه (124) ، وليتأمَّل ماذا يقرأ بعدَ الفاتحةِ، ولِيَشْرَع المأموم في قراءة الفاتحة حتى يستمرَّ فيها؛ لأن الإِمام لو شَرَعَ فوراً بقراءة السُّورة لم يبدأ المأموم بالقراءة، وحينئذٍ تفوته قراءةُ الفاتحةِ.
والصَّحيح: أن هذه السَّكتة سكتة يسيرة؛ لا بمقدار أن يقرأَ المأمومُ سُورةَ الفاتحة، بل السُّكوت بهذا المقدار إلى البدعة أقرب منه إلى السُّنّة؛ لأن هذا السُّكوتَ طويلٌ، ولو كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يسكتُه؛ لكان الصَّحابةُ يسألون عنه، كما سألَ أبو هريرة رضي الله عنه النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عن سُكوته فيما بين التكبير والقِراءة: ما يقول[(125)]؟ فالصَّحيح أنَّها سكتةٌ يسيرة فيها فوائد:
1 ـ التَّمييز بين القِراءةِ المفروضةِ والقراءة المستحبَّة.
2 ـ ليترادَّ إليه النفسُ.
3 ـ لأجل أن يشرع المأمومُ بالقِراءة.
4 ـ ربما لا يكون قد أعدَّ سورةً يقرأ بها بعدَ الفاتحة، فيتأمَّل ماذا يقرأ.

ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً،...........


============



بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-06-2012, 10:53 PM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

ا
لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][صفة الصلاة..
الشرح الممتع على زاد المستقنع][

الشيخ محمد بن صالح العثيمين


باب صفة الصلاة

ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً،...........
وقوله: «ثم يقرأ بعدها» . أي: بعدَ الفاتحة، وأفاد قوله: «بعدَها» أنه لا تُشرع القراءةُ قبل الفاتحة، فلو نسيَ وقرأ السُّورةَ قبل الفاتحةِ أعادها بعد الفاتحة؛ لأنه ذِكْرٌ قالَه في غير موضعه فلم يجزئ.
وقوله: «سورة» السُّورةُ جملةٌ من القرآن مُحَوَّطَةٌ بالبسملة قبلَها لها، وبعدَها للسُّورة التي بعدها. سُمِّيت بذلك لأن البسملتين كانتا كالسُّورِ لها.
وقراءةُ السُّورة على قول جمهور أهل العلم سُنَّةٌ[(126)]، وليست بواجبةٍ؛ لأنه لا يجب إلا قراءة الفاتحة.
وأفادنا المؤلِّف بقوله: «سُورة» إلى أنَّ الذي ينبغي للإِنسانِ أن يقرأَهُ سورةً كاملةً، لا بعضَ السُّورة، ولا آيات من أثناء السُّورة؛ لأن ذلك لم يَرِدْ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأطلقه ابن القيم في «زاد المعاد» حيث قال: «وأمَّا قراءة أواخر السُّورِ وأواسطها فلم يُحفظ عنه». ولكن ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأ في سُنَّةِ الفجر آيات من السُّور، فكان أحياناً يقرأ في الرَّكعة الأُولى: {{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ}} [البقرة: 136] الآية، وفي الثانية: {{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}} [آل عمران: 64] ، الآية[(127)]، والأصل: أن ما ثَبَتَ في النَّفْل ثَبَتَ في الفرض؛ إلا بدليل.
ويدلُّ لهذا الأصل: أن الصَّحابة رضي الله عنهم لما حَكَوا أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يُوتِرُ على راحلته قالوا: غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبةَ. فلما حَكَوا أنه يوتر، ثم قالوا: غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة[(128)]، دَلَّ ذلك على أنَّ المعلومَ أنَّ ما ثَبَتَ في النَّفل ثبتَ في الفرض.
ولأنهما عبادتان من جنس واحد، والأصل اتفاقهما في الأحكام.
على كُلٍّ؛ نرى أنه لا بأس أن يقرأ الإِنسانُ آيةً من سورةٍ في الفريضة وفي النافلة. وربما يُستدل له أيضاً بعموم قوله تعالى: {{فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}} [المزمل: 20] لكن السُّنَّة والأفضل أن يقرأَ سورةً، والأفضلُ أن تكون كاملةً في كلِّ ركعة، فإن شَقَّ فلا حَرَجَ عليه أن يقسم السُّورة بين الركعتين؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قرأ ذات يوم سورة {{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *}} فلما وصل إلى قصة موسى وهارون أخذته سَعْلةٌ فَرَكَعَ[(129)]. فدلَّ هذا على جواز قَسْمِ السُّورة؛ ولا سيَّما عند الحَاجة.
وقوله: «سُورة» يلزم من قراءة السُّورة أن يقرأَ قبلها: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وعلى هذا؛ فتكون البسملةُ مكرَّرة مرَّتين: مرَّة للفاتحة، ومرَّة للسُّورة. أما إنْ قرأ مِن أثناء السُّورة فإنه لا يُبسمل؛ لأن الله لم يأمر عند قراءة القرآن إلا بالاستعاذةِ، والبسملة لا تُقرأ في أواسط السُّور، لا في الصلاة ولا خارجها.

تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ المُفَصَّلِ،............
قوله: «تكون في الصبح من طِوال المفصل» أي: تكون السُّورة في صلاة الصُّبح من طِوال المُفصَّلِ بكسر الطاء، ولا يقال: طُوال؛ لأن طُوال صفة للرَّجُل الطويل، وأما طِوال بالكسر فهي جمع طويلة، أي: سُورة من السُّور الطِوال مِن المفصل.
والمُفصَّل ثلاثة أقسام، كما يدلُّ عليه كلام المؤلِّف: منه طِوال، ومنه قِصار، ومنه وسط.
فمِن {ق} إلى {عَمَّ} هذا هو الطِوال.
ومِن {عَمَّ} إلى {الضُّحَى} أوساط.
ومُن {الضُّحَى} إلى آخره قِصار.
وسُمِّيَ مُفصَّلاً لكثرة فواصله؛ لأن سُورَهُ قصيرةٌ.
فمن {{ق}} إلى {{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *}} أربعة أجزاء وشيء، يساوي البقرة وآل عمران، ورُبعاً مِن النساء، ويزيد شيئاً قليلاً، وإنما شُرع أن تكون في الصُّبح مِن طِوال المُفصَّل؛ لأن الله عزَّ وجلَّ نصَّ على القرآن في صلاة الفجر فقال: {{أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا *}} [الإسراء] فَعبَّرَ عن الصَّلاةِ بالقرآن إشارةً إلى أنَّه ينبغي أن يكون القرآن مستوعِباً لأكثرها، وهو كذلك[(130)]، ولهذا بقيت صلاةُ الصُّبح على ركعتين لم تُزَدْ، بينما الظُّهر والعصر والعشاء زِيدت.

وَفِي المَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ، ........
قوله: «وفي المغرب من قصاره» ، أي: من قِصار المفصَّل، يعني: من الضُّحى إلى آخره[(131)].
قوله: «وفي الباقي من أوساطه» أي: من {{عَمَّ}} إلى {الضحى} ودليل ذلك السُّنَّة الواردة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فإن الغالب مِن فِعْلِ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هو هذا[(132)].
لكنه أحياناً يقرأ في الفجر مِن القِصَار، وفي المغرب من الطِوال، فمرَّة صَلَّى الفجرَ بـ {{إِذَا زُلْزِلَتِ}} قرأها في الرَّكعتين[(133)]، ومرَّة قرأ في المغرب بسُورة {{الأَعْرَافِ}}[(134)]، وقرأ بسورة {{الْطُّورَ}}[(135)]، وقرأ {بالمرسلات}[(136)]، وكلُّ هذا من أطول ما يكون من السُّور، فدلَّ ذلك على أنه ينبغي للإِمام أن يكون غالباً على ما ذَكَرَ المؤلِّفُ، ولكن لا بأس أن يطيل في بعض الأحيان في المغرب، ويُقَصِّرَ في الفجر.
وقوله: «وفي الباقي من أوساطه» الدليل على ذلك: أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أرشد معاذَ بنَ جَبَلٍ أن يقرأ في صلاة العشاء بـ{{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *}}، {{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *}}، و{{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا *}}[(137)] ونحوها فدلَّ هذا على أن هذا هو الأفضل.
وهنا سؤال: هل يجوز أن يقرأَ الإِنسانُ بالسُّورةِ في الرَّكعتينِ بمعنى أنْ يكرِّرها مرَّتين؟
الجواب: نعم، ولا بأس بذلك، والدَّليلُ فِعْلُ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه قرأ: {{إِذَا زُلْزِلَتِ}} في الرَّكعتين جميعاً كرَّرها[(138)].
لكن؛ قد يقول قائل: لعلَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نَسِيَ؛ لأنَّ مِن عادته أنه لا يُكرِّر السُّورة.
والجواب عن هذا: أن يُقال: احتمالُ النسيانِ وارد، ولكن احتمال التشريع ـ أي: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كرَّرها تشريعاً للأمة ليبيِّن أن ذلك جائز ـ يُرجَّح على احتمالِ النسيان؛ لأنَّ الأصلَ في فِعْلِ الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ التشريعُ، وأنه لو كان ناسياً لَنُبِّهَ عليه، وهذا الأخيرُ ـ أي: أنَّ ذلك مِن باب التشريع ـ أحوطُ وأقربُ إلى الصَّوابِ.
تتمة : في تنكيس السُّور، والآيات، والكلمات، والحروف.
أما تنكيس الحروف؛ بمعنى: أن تكون الكلمة مشتملة على ثلاثة أحرف؛ فيبدؤها الإِنسان مِن آخرها مثلاً، فهذا لا شكَّ في تحريمه، وأنَّ الصَّلاةَ تبطلُ به؛ لأنه أخرج القرآنَ عن الوجه الذي تكلَّم الله به، كما أن الغالب أنَّ المعنى يختلفُ اختلافاً كبيراً.
وأما تنكيس الكلمات؛ أي: يبدأ بكلمة قبل الأُخرى، مثل: أن يقول: الحمد لربِّ العالمين، الله الرحمن الرحيم. فهذا أيضاً محرَّم بلا شكٍّ؛ لأنه إخراجٌ لكلامِ الله عن الوجه الذي تكلَّم اللَّهُ به. وتبطلُ به الصَّلاةُ.
وأما تنكيس الآيات أيضاً؛ فمحرَّم على القول الرَّاجح؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي، ومعنى توقيفي: أنه يُتوقَّفُ فيه على ما وَرَدَ به الشَّرعُ. ولهذا تَجِدُ أحياناً بعضَ الآيات بين آيات لا يَظهرُ لك تَعَلُّقُها بها، أو مقدَّماً على ما سَبَقَه في النُّزول مما يدلُّ على أن الأمر توقيفي مثل: قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}} [البقرة: 234] وقوله: {{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}} الآية [البقرة: 240] .
الأولى: سابقة بالقراءة.
والثانية: أسبق نزولاً، ولو كان التَّرتيبُ غيرَ توقيفي؛ لكان على حسب النُّزولِ.
ومثال الأول: قوله تعالى: {{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ *فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ *}} [البقرة] الآية فإنَّ هاتين الآيتين كانتا بين آيات المعتدات، وهذا دليلٌ على أنَّ ترتيب الآيات توقيفي.
وأما تنكيس السُّور؛ فيُكره، وقيل: يجوز.
أما الذين قالوا بالجواز فاستدلُّوا: بحديث حذيفة بن اليمان الذي في «صحيح مسلم» أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قامَ مِن اللَّيلِ فقرأَ بسورةِ البقرةِ، ثم بالنِّساءِ، ثم آل عمران[(139)]، وهذا على غير التَّرتيبِ المعروف، قالوا: وفِعْلُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم دليلٌ على الجواز.
وأما الذين قالوا بالكراهة، فقالوا: إنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم وَضَعُوا المُصحفَ الإِمام ـ الذي يكادون يجمعون عليه ـ في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وَضَعوه على هذا التَّرتيب[(140)]، فلا ينبغي الخروجُ عن إجماعهم، أو عمَّا يكون كالإِجماع منهم؛ لأنَّهم سلفُنا وقدوتُنا، وهو من سُنَّة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد أُمِرْنَا باتِّباعِه. ولأنه قد يكون فيه تشويشٌ على العامة، وتَنَقُّصٌ لكلام الله عزّ وجل إذا رأوا أنَّ النَّاسَ يقدِّمون، ويؤخِّرون فيه.
ولكن؛ القول بالكراهة قولٌ وسطٌ، فيقال: إنَّ الصحابةَ لم يجمعوا على هذا الترتيب، فإن في مصاحف بعضِهم ما يخالف هذا التَّرتيب كمصحف ابن مسعود رضي الله عنه، وأما قراءة النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في حديث حذيفة «النساء» قبل «آل عمران» فهذا ـ لعلَّه ـ قبل العرضة الأخيرة؛ لأنَّ جبريلَ كان يُعارِضُ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم القرآن في كُلِّ رمضان[(141)]، فيكون ما اتَّفق عليه الصحابةُ أو ما كادوا يتَّفقون عليه هو الذي استقرَّ عليه الأمر، ولا سيما وأنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقرُنُ بين البقرة وآل عمران[(142)]، مما يدلُّ على أنهما قرينتان، فيكون تقديمه للنساء في حديث حذيفة قبل الترتيب الأخير.
والحق: أن الترتيب بين السُّور منه توقيفي، ومنه اجتهادي، فما وَرَدَتْ به السُّنَّةُ كالترتيب بين «الجُمعة» و«المنافقين»، وبين «سَبِّحِ» و«الغاشية» فهو على سبيل التوقيف؛ فالنبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قرأَ «الجمعة» قبل «المنافقين»[(143)].
وقرأ «سَبِّح» قبل «الغاشية»[(144)] فهذا على سبيل الترتيب التوقيفي، وما لم تَرِدْ به السُّنَّةُ فهو اجتهادٌ من الصَّحابةِ، والغالب أنَّ الاجتهادَ، إذا كان معه الأكثر أقربُ للصَّوابِ.

وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِقِرَاءَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ..........

============



بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شرح (باب صلاة الجماعة) من الشرح الممتع : لفضيلة الشيخ أبي عبد الله محمد سعيد رسلان Aboabdalah يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 2 12-19-2013 03:16 AM
شرح كتاب الزكاة من الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ أبي عبد الله محمد سعيد رسلان Aboabdalah يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 2 12-18-2013 05:54 PM
شرح (باب الهبة والعطية) من الشرح الممتع : لفضيلة الشيخ أبي عبد الله محمد سعيد رسلان Aboabdalah يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 2 12-18-2013 03:22 PM
شرح كتاب الصيام من الشرح الممتع: لفضيلة الشيخ أبي عبد الله محمد سعيد رسلان حفظه الله Aboabdalah يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 2 12-16-2013 06:13 PM
شرح كتاب النكاح من زاد المستقنع: لفضيلة الشيخ أبي عبد الله محمد سعيد رسلان حفظه الله Aboabdalah مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 4 07-14-2010 04:30 AM

الساعة الآن 01:12 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103