تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات القصص والروايات > روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة

روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة من اجمل الروايات الرومانسية والاجتماعية بين يديك في صفحة واحدة, تمتع بقراءة ما تحب في منتديات القصص والروايات

عَودَةُ مْيُوريلِت الأُسْطُورِيَّة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-09-2012, 02:13 AM   #1 (permalink)
الكفيف عاشق الر
رومانسي مبتديء
 

ADS
عَودَةُ مْيُوريلِت الأُسْطُورِيَّة




~ عَودَةُ مْيُوريلِت الأُسْطُورِيَّة ~ ...الكاتبة :::حلم قديم

وقف أمامهم بانكسار ، مطرق الرأس ..

قال و قد فشل في رفع نظره إلى وجوههم..

-سأفعلها ، ليس باليد حيلة..

ضج الجمع بالصراخ الهيستيري !

الجميع مبهور الأنفاس يصيح و يرتجف من هول ما قيل..

صاح أحدهم : كيف لكَ أن تهدم كل ما بنيناه ؟!

أردف آخر : بل كيف لكَ أن تقولها بكل هذه البساطة !

-كنت أظنك تفضل الموت على أن تخضع لشياطينك ، لكنك صرت منهم !

القلوب ترتجف رعباً ..القسمات تنطق بالغضب..و العيون تذرف اليأس..

اجتمعت تلك العواطف معاً في قلب كل واحد منهم ..

ليلة رهيبة كانت..ليلة غيرت مجرى التاريخ

الجزء الأول~

كانت المدرسة قد خلت من طلابها ، حينما أخذت كارين تنظف أنابيب الاختبار و تتخلص من بقايا
المواد فيها بعد إنهاء تجربتها للمشروع المدرسي.. جففت الأنابيب و أعادت كل شيء كما كان..
أطلقت تنهيدة عميقة و هي تقول في نفسها : "و أخيراً انتهيت من هذا الهم الثقيل "
سجلت بعض الملحوظات على دفترها ثم وضعته في الحقيبة ، أغلقت مصابيح مختبر الكيمياء..
و خرجت،و بينما كانت تسير في الممر ، ترامت إلى مسامعها أصوات بشرية ، أبطأت سيرها..
و أصخت السمع "كنت أظنني الوحيدة الباقية في المدرسة ! .."
أدركت بعد قليل أن الأصوات منبعثة من دورة مياه الشبان..التي تقع على جانب الممر الذي
تسير فيه..
تابعت السير حتى توقفت عند باب دورة المياه تلك..لم يكن الباب محكم الإغلاق..
و من الفرجة المتبقية ألقت نظرة طويلة متفحصة..
أربعة شبان يحاصرون واحداً خامساً ، يمسك أحدهم الأخير من شعره دافعاً رأسه إلى حوض
المغسلة..التي سدوها و ملؤوها بالمياه..
الغضب يملأ تقاسيمهم ، صاح الشاب الممسك برأس الضحية : لن تهرب هذه المرة ! ستفعم
هذه المياه رئتيك و تلاقي المصير الذي لاقاه نيل إن لم تعترف بفعلتك !
ركله آخر بعنف و هو يصرخ : أتظننا نمزح معك ؟ ألم تفهم بعد ؟ ستموت !! ستموت على أيدينا
إن لم تعترف !
لكن لم يكن هناك أي رد ..و إنما ابتسامة استفزازية من ذلك الشاب الضحية.. ابتسامة زادت
الوضع سوءاً..
فصرخ الشاب الممسك به و قد وضع رأسه تحت فتحة المياه المتدفقة بغزارة : لا تريد الاعتراف
إذاً !! سترى الآن ما جناه غباؤك ..
ارتعشت و هي تراه يهم بمحاولة الإغراق تلك..أخذت تجري مبتعدة..قلبها يدق بعنف..
لا تريد أن ترى ما سيحصل..
خرجت من باب المدرسة و هي تلهث .. وضعت حقيبتها جانباً و أخذت تسترد أنفاسها ..
جفلت إثر الصوت الذي فاجأها : هل أنتِ بخير يا آنسة ؟
رفعت رأسها ، لترى صدمتها الكبرى .. " إنه نفسه !! الشعر المبلل بالماء و القميص الممزق
من الأعلى..الشاب الذي كانوا يحاولون إغراقه !! كيف وصل إلى هنا ؟ كيف خرج بهذه السرعة
و لم أره ..أنا التي كنت أجري كالمجانين!! "
تلعثمت و هي تقول : ألست من كانوا يحاولون إغراقه في الداخل ؟
بدا عليه بعض التوتر لكنه أجاب بهدوء : نعم ! لكني هربت منهم بكل بساطة..
كادت تقول له أن كلامه غير منطقي و أنه من المستحيل عليه أن يهرب خلال تلك الفترة القصيرة..
فكيف خرج؟
لكنها آثرت الصمت..إذ لمحت في عينيه وميضاً .. جعلها تبتلع كل خواطرها
حمل حقيبتها قائلاً : سأرافقكِ إلى البيت إن لم تكوني تمانعين!
-لا مانع عندي لكن لا داعٍ لأن تحمل حقيبتي !
ابتسم و هو يناولها إياها ، و سارا معاً ..
توقعت منه أن يبادر بالحديث مرة أخرى ، لكنه كان صامتاً .. فاضطرت إلى أن تفتتح المحادثة
بنفسها : لم أعرف من تكون بعد !
-كْيان.. و أنتِ ما اسمك؟
-أنا كارين
-و هل هذا هو عامك الدراسي الأخير ؟
-نعم
-و أنا أيضاً
-اممم..لمَ لم تقاومهم ؟
-من ؟ .. أوه ! تقصدين أولئك الحمقى..لأنهم حمقى !!
-كانوا على وشك أن يقتلوك
-تسمين ذلك قتلاً ؟ إنها محاولات أطفال..لن يفلحوا أبداً فيما يريدون
قالها بارتياح تام ! مما جعلها تبتلع ريقها و تفقد ارتياحها بدورها !
-و لمَ كانوا يفعلون ذلك ؟
-لأني قتلت أخا أحدهم !
توقفت عن السير مشدوهة ، قالت و قد بان في عينيها الخوف : هل قتلته فعلاً ؟!
-نعم..
لم تدرِ ماذا تفعل..شعرت بأن عليها الهرب .. الهرب وحسب من هذا الكابوس ..
"أي إنسان يكون هذا ؟ و لمَ يتحدث بكل برود هكذا ؟ .. ماذا لو كان ينوي قتلي أنا أيضاً..؟؟
يا إلهي ! لمَ وافقت على مرافقة قاتل ؟! .."
أثارت نظرتها الخائفة ضحكه ، أخذ يكتم تلك الضحكة و هو يقول : لمَ أنتِ متجمدة هكذا ؟
هل تظنيني أقتل كل من أصادفه في طريقي ؟ هه..
شعرت بغبائها للحظات..كلامه صحيح..ما من سبب يدعوه إلى إيذائها ..
فاعتذرت ، و تابعا السير بصمت..
عند باب بيتها افترقا ، شكرته لمرافقتها و دلفت إلى الداخل ،
و ابتعد بدوره ليغيب بين الطرقات..
بعد المغيب جلست كارين لتتفرغ إلى واجباتها المدرسية ، أفرغت حقيبتها ، لكن سرعان
ما انتبهت إلى أمر غريب..دفتر الملحوظات..لا وجود له !!
صاحت في رعب : أين اختفى ؟ أنا متأكدة من أنني وضعته في الحقيبة !!
همت تبحث ثانية ..لكن بلا جدوى..
شعرت بخيبة أمل .. "أيمكن أن يكون قد سقط من الحقيبة بينما كنت أجري ؟"
تأففت في ضيق..و في اليوم التالي حرصت على التواجد مبكراً في المدرسة ، هرعت
إلى ذلك الممر لتبحث عن دفترها قبل أن يتجمع الطلاب و يلتقطه أحدهم..
دارت في ذات المكان مرات عدة ، بحثت في مختبر الكيمياء.. بحثت عند المدخل و المخرج..
مر الوقت و بدأ الطلاب يتوافدون و هي على حالها.. لا تريد الاستسلام ، لو ضاع هذا الدفتر
فقد ذهب كل جهدها هباءً..
ضيقت عينيها في يأس و هي تردد في نفسها : "مستحيل أن يكون في المدرسة..لقد بحثت
في كافة الأماكن المحتملة.. لابد أنه قد سقط في الشارع..و هذا يعني..هذا يعني أنه.."
قطع خواطرها صوته و هو يسألها في لطف : هل تبحثين عن هذا ؟
التفتت ، لتراه يلوح بيده ..ممسكاً بدفترها الذي تبحث عنه منذ أكثر من ساعة !!
ناولها إياه و هو يبتسم .. قائلاً : عليكِ أن تنتبهي أثناء جريك في المرة القادمة..
أخذت الدفتر و قبضت عليه كأنه كنز ثمين..رمقته بنظرة غاضبة شابها الشك و هي تقول :
كيف وصل إليك ؟!
-الدفتر الملقى على أرض الممر يمكن أن يلتقطه حتى عامل القمامة..
-هذا إن كان عامل القمامة يمشي في الممر !! و ليس واقفاً عند باب المخرج مبلل الرأس..
ضحك و هو يقول : هل هذا جزائي ؟ تنعتيني بعامل قمامة بدلاً من أن تشكريني !!
قالت باقتضاب : أنت من طرح المثال أولاً .. و لا تضحك هكذا..لأني لم أقتنع بما تقوله..
أتظنني بهذه السذاجة حتى أصدق تفسيراتك ؟
توقف عن الضحك و خبت الابتسامة ليحل محلها تعبير بارد..
قال و هو يستدير مبتعداً : إن كنتِ تظننيني شبحاً مثلاً فأنتِ مخطئة..الأمر سواء عندي أكنت
اقتنعتِ أم لا.. لست مضطراً إلى قول أي شيء آخر..
تبدل تعبيرها الغاضب .. إذ شعرت بشيء من الذنب ..استوقفته : كيان..انتظر !!
التفت : ماذا هناك ؟
أخفضت طرفها و هي تقول :..شكراً !
و لم تدرِ لمَ شعرت بالسعادة و هي تراه يبتسم ثانية قبل أن يبتعد..
الجزء الثاني~

خرج معظم الطلاب من الفصل مع رنين جرس الاستراحة ، وقفت كارين عند درج صديقتها ،
نادتها و هي تنظر إلى ساعة معصمها : هللا أسرعتِ يا فيونا ؟
ردت عليها الأخرى و هي تنقل نظرها بين السبورة و الكتاب : بقي القليل..
-سأعيركِ كتابي ..خذيه و انقلي منه ما تشائين فيما بعد..
-خطكِ المروع لا أفهم منه شيئاً ، انتظريني دقيقة واحدة..
اتجهت كارين إلى باب الفصل و هي تتذمر: معدتي تتقطع جوعاً ، أنا في المدرسة مذ طلعت
الشمس..لم أتناول إفطاري هذا الصباح..
كادت تصطدم بالواقف عند الباب ، لكنها انتبهت في اللحظة الأخيرة..
هذه البنية القوية.. العضلات الواضحة المعالم رغم المعطف الكبير الذي يغطي الذراعين
و الرقبة..استرجع عقلها أين رأت هذه الصورة من قبل...شهقت... إذ أدركت أنها أمام
الشاب الذي كان يحاول إغراق كيان في اليوم السابق..
" ما الذي أتى به إلى فصلي ؟ أيعقل أنه رآني عندما كنت أسترق النظر إلى ما كان يفعله
في دورة المياه؟! هل هو هنا من أجل ذلك ؟"
قلبها يخفق بشدة ، قالت و هي تحاول إخفاء خوفها : هل.. هل أستطيع مساعدتك؟
قال بصوت خالٍ من التعابير :أريد أن أكلمكِ في موضوع معين..إن لم تمانعي..
تيقنت من شكوكها.. بدا التوتر واضحاً عليها ، أجابت : موضوع..ماذا ؟
-باب فصلك ليس المكان المناسب للأمر ، تعالي معي إلى قاعة الطعام ما دمتِ جائعة ،
و دعينا نتحدث هناك..
شعرت بالحرج إذ أدركت أنه سمعها و هي تتذمر من صديقتها.. لم تكن تملك خيار الرفض..
و إلا زادت الطين بلة.. ينبغي لها أن تتصرف ببراءة كي لا تثير الشك.. هكذا فكرت..
التفتت إلى صديقتها التي كانت تراقبهما : فيونا.. أنا آسفة..لن أستطيع تناول غدائي
معكِ اليوم.. أراكِ فيما بعد..
ابتسمت الأخرى في خبث و قد أساءت فهم الموقف : لا بأس ، استمتعي بوقتك !
سارت إلى جانبه و هي تشعر بأن الدنيا تدور من حولها، تحاول التنفس بعمق..و تقنع
نفسها بأنه لن يستطيع إيذاءها أمام كل الجمع في قاعة الطعام..حتى رغبتها في الأكل
تلاشت بسبب هذا الخوف..
شعرت بقلبها ينتفض رعباً بين ضلوعها عندما قبضت يده على كتفها في حركة مفاجئة
جمدتها في مكانها..جاء صوته ليعيدها إلى الواقع بعدما تاهت في أفكارها السوداء : انتبهي
و أنتِ تسيرين ! انظري أمامك !
رفعت رأسها لترى أمامها عمود يمتد منه حامل للافتة..حاد الطرف.. لو أنها تقدمت أكثر
بخطوة واحدة.. لاستقر هذا الطرف الحاد في عينها !
-وجهكِ محمر و تسيرين بلا وعي ، هل أنتِ مريضة؟
أجابت و هي تنظر لعينيه للمرة الأولى : لا لا، إنني على ما يرام ! إنني فقط ..جائعة..
أشار لها إلى طاولة معينة و هو يقول : أنتِ متعبة..استريحي ، سآتي لكِ بصينية الطعام..
جلست و هي تفكر فيما رأته.. تلك النظرة.. ليست نظرة مجرم..
نظرة تخفي حزناً عميقاً ، بعكس نظرة كيان الثاقبة ..التي يشعر المرء بأنها تخترقه اختراقاً..
ثم لمَ يعاملها بهذا اللطف إن كان ينوي إيذاءها ؟
كانت قد كفت عن وساوسها و هدأت نفسها حينما وضع الصينية على الطاولة و جلس قبالتها..
همست : شكراً..
-لم أفعل شيئاً..
تنهد بعمق ، ثم قال و هو ينظر إليها.. : ما علاقتكِ بكيان ؟
فاجأها بسؤاله ، فردت بسؤال آخر : لمَ هذا السؤال ؟
-لأعرف سبب تبادلكما الابتسامات صباح هذا اليوم !
أحست بالراحة الكبيرة تعتريها ، تلاشى توترها ، حتى أنها ابتسمت و هي تقول في نفسها
"إنه يسألني عن لقائي بكيان صباح هذا اليوم.. إذاً فهو لم يرني البارحة! هو لم يعلم بأني
كنت شاهدة على الجريمة التي كاد يقترفها..الحمدلله ! كدت أموت رعباً ! "
-ما بكِ ؟ كل هذه السعادة لمجرد أني ذكرته ؟
ازدردت لقمتها لاشعورياً دون مضغ..قالت و هي تقاوم الرغبة في السعال : لا ..لا..
-هللا أجبتِني إذاً ؟ ما علاقتكما ؟
-لا شيء ! فقدت دفتري و وجده هو..و اليوم أتى لإعادته.. هذا كل شيء..
ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة.. : هذا كل شيء ..؟
-نعم.. هل كنت تراقبنا ؟
-كنت أراقبه هو .. لا أنتِ ..
-و ما الذي تريده مني الآن ؟
-هل سترينه مرة أخرى ؟
شعرت بالغيظ كونه تغاضى عن سؤالها ، لكنها أجابت : و ما أدراني ..
-هل تعرفين أين بيته ؟
-لا
-هل يمكنكِ مساعدتي في ذلك ؟
-لا !
أطلق زفرة عميقة و بدا كمن يحاول كبت أعصابه.. أبعد الطرف العلوي من المعطف عن
رقبته.. ليكشف لها عن ضمادة حديثة العهد.. تشي بجرح عميق تحتها.. : أترين هذا الجرح ؟
لقد كاد يودي بحياتي يوم البارحة ! كيان هذا الذي تدافعين عنه.. هو من سببه !
شعرت برعشة سرت في أوصالها ، لكنها قالت : و هل فعل هذا دون سبب ؟
-لقد فعل أموراً كثيرة.. بلا أسباب..
-و ما مصلحتي من كل هذا؟ لست قاضياً لأحكم عليه بالإعدام شنقاً..
نهض من مكانه و ملامحه تنطق بألم حاول كتمه : أنتِ تستمرين في الدفاع عنه.. لا جدوى
من الحديث معك.. لكني أحذرك.. ابتعدي عن كيان هذا .. ابتعدي عنه و لا يغرنكِ لطفه و
ابتسامته الكاذبة..
شعرت بأن الأمر فاق الاحتمال ، قالت : أنا لا أدافع عنه ! جرحك هذا لا يدل على شيء..
لقد كان يدافع عن نفسه ، كنت على وشك قتله فهل توقعت أن يسلم لك روحه دون أي
رد فعل ؟
عاد إلى الجلوس و هو يقول : ها قد بدأت تُكشف الأوراق إذاً.. و تقولين أن لا علاقة لكِ به..!
عضت شفتها السفلى و هي تفكر في ما قالته للتو.. كلامها قد يثير المزيد من الشكوك التي
هي في غنى عنها..
- لا ألومكِ على كل حال.. أنتِ لم تريه على حقيقته..لكن.. هل تعلمين لمَ كنت أحاول قتله ؟
ردت و هي تمنع نفسها من التأفف : انتقاماً لأخيك ؟! القصة المعهودة..يقتل أخاك عن طريق
الخطأ فتأتي أنت لتنتقم منه.. لا أدري لمَ تريد أن تزجني في المشكلة ..
صفّر في انبهار.. : و تعرفين بأمر تورط أخي أيضاً ! لكني لست بهذا السخف.. أنا لم أحاول
قتله للانتقام..
-ما السبب إذاً؟
- أريده أن يخبرني بما فعل لأخي ! لكنه يأبى !
-و ما الجدوى التي تجنيها ؟ .. هل تعود الضحية إلى الحياة بعد اعتراف القاتل ؟
اعتصر وجهه ألماً .. أغلق عينيه كأنه يحبس انفعالاته الداخلية : نيل لم يمت.. لقد اختفى
من الوجود فجأة على يد كيان.. ربما يكون ميتاً .. و ربما يكون حياً في مكان ما .. و لهذا
أحاول معرفة الحقيقة.. الحقيقة التي لن أتردد في قتله إن امتنع عن الاعتراف بها..
كانت الدهشة واضحة على محياها ، كادت تقول له بأن كيان اعترف لها بقتله ! لكنها امتنعت..
فما الذي يضمن لها أنه كان يقول الحقيقة ؟ ربما كانت كذبة كبقية كذباته ..
-أما زلتِ تتصورينه ملاكاً ؟
كانت صامتة و الأفكار تعصف برأسها " ملاك ؟ أنا لم أتصوره كذلك قط.. لكن..لمَ قد يفعل
ما فعله ؟! و لمَ كان لطيفاً معي مادام مجرماً ؟ و لو كان كذلك..فكيف تسحرني ابتسامة
مجرم ؟! "
-ليتكِ ترين التعبير الذي أراه الآن على وجهك..لا أدري ما الذي سيحل بكِ حينما تعرفين
حقيقته..
-حقيقته ؟ أية حقيقة ؟!
-عديني أولاً أنك ستساعدينني فيما أريد فعله !
-لست أفهم ما الذي قد أقدمه لكم .. أنتم أقوى و أقدر ..
-إنه يهرب منا دائماً.. لأنه يعرفنا.. نحن أعداء ظاهرون..أما أنتِ ، فلن يشك في أمرك..
-تريدني أن أكون جاسوسة ؟! أن أخدعه ؟
-من يخدع الشيطان يكون قد قدم خدمة جليلة للبشرية..
-أهو..شيطان حقاً ؟
-بل هو أسوأ.. لم تقولي لي كيف فقدتِ دفترك ذاك..
-في الحقيقة.. أنا لست واثقة من كونه سقط مني..لا أدري..فقدته فجأة.. و أعاده إلي كيان..
-هل تعرفين كيف حصل عليه ؟
-لا ، و لم أصدقه حينما قال أنه التقطه من الممر..
-هه..بالتأكيد لم يلتقطه من الممر.. كيان سرقه و أعاده! كان يتسلى بخداعك..
-سرقه ؟ مستحيل ! الدفتر كان في الحقيبة.. و هو لم..
حبست أنفاسها إذ تذكرت بداية لقائهما.. حينما حمل حقيبتها دون سبب مفهوم !
-ألم يلمس الحقيبة ؟
-بلى !! لقد حملها ! كنت أظن أنه يريد تخفيف العبء عني.. لكنه لم يفتح الحقيبة..
فكيف أخرج الدفتر ؟
-يكفي أن يلمس الشيء حتى يجعله يختفي أو يخفي شيئاً من محتوياته! هكذا رحل
أخي..لكن إلى أين..؟ لا أحد يعلم.. كيان هذا ليس شيطاناً.. إنه من طوع الشيطان لخدمته..
كيان ساحر أيتها المخدوعة !!
الجزء الثالث~

قالها بنبرة باردة جادة ، نبرة تشبه نبرة العليم ببواطن الأمور ،
سرت فيها رجفة كونها لم تتوقع هذا الجواب ، تباطأ مضغها مع
تسارع أفكارها المتضاربة في رأسها..
"ساحر ؟! كيان..ساحر ؟! و منذ متى كان السحرة يبدون كطلبة مدارس ؟ ..
ربما لو لم تكن لديهم القدرة على ذلك لما استحقوا هذا اللقب !! ..لكن..
عقلي يرفض هذا التفسير.. الساحر سيبحث عن ضالاته في مكان غير المدرسة ..
الساحر لا يبدو في الثامنة عشر من عمره.. الساحر لن يختارني دون سواي من
أجل خداعي بلا هدف.."
رفضت الأمر برمته في داخلها.. لكن قلبها أيد الفكرة من ناحية واحدة..
"ربما يكون ساحراً.. نعم.. لكن ساحر بابتسامته التي تجعلني أنسى كل ما حولي ! "
شعرت بسخفها كونها فكرت بشيء كهذا في هذا الموقف.. انتبهت من حلم يقظتها..
و نظرت إلى العينين المحملقتين فيها لتجيب : اعذرني..لا أستطيع مساعدتك فيما تريد..
تقلص وجهه في انزعاج ، قال و قد أبعد عينيه عنها : إذاً أنتِ لا تصدقين.. ستثبت الأيام لكِ ذلك..
و ستدركين مدى حماقتك حين رفضتِ كلامي..
شعرت بشيء من الغضب لهذه الإساءة الصريحة ، لكنها صمتت..
صمت هو الآخر ، فقالت في محاولة لجس نبضه : ماذا ستفعل لو ذهبتُ و أبلغتُه كلامك هذا؟
أجاب فوراً : سأعلم بالأمر و ستندمين أيما ندم..
لمست التغير في نظرته.. الحزن العميق يتحول إلى غضب..إلى كراهية..
إلى حقد تكاد تراه يشع إشعاعاً من مقلتيه..
ابتلعت ريقها في خوف انتابها من تلك النظرة ..قال : لستُ شهماً جداً كما تظنين.. يمكنني أن
أحطم عظامك دون أدنى شعور بالشفقة.. الأمر سواء أكنتِ فتاة أم رجلاً..
النظرة تشتد حدة.. لم تستطِع النطق فصورتها محطمة العظام كانت تغزو مخيلتها ..
-صينية الطعام ليست دليلاً على رقتي و رهافة روحي.. اسمعيني جيداً..لقد فقد قلبي
الإحساس منذ زمن.. لن يكون إحياؤه على يديك لو فكرتِ في ذلك..
قالها في وحشية.. كانت تشعر بالندم على تفوهها بتلك الحماقة.. ما كان عليها أن تثير غضبه
لمجرد أنه لم يكتشف تلصصها على جريمته..
قالت و هي تحاول جاهدة أن لا يرتج صوتها : لم أنوي ذلك ، كان مجرد سؤال.. لكني لا أريد
أن أكون جاسوسة.. ربما لا أقابل كيان ثانية .. لن أكون ذات فائدة .. هذا كل شيء صدقني..
-اسمي أندرو لو أردتِ إخبار كيان بالأمر..
-قلت لكَ أنني لن أفعل هذا !!
خبت تلك النظرة الوحشية قليلاً ، أنقذها رنين الجرس.. فنهضت من مكانها كأنها كانت تحسب
الثواني له : أنا ذاهبة ، لا أريد التأخر على درسي..
لم يرد ، قالت قبل أن تتحرك : آسفة لتخييب أملك ، و شكراً لك على تحذيري.. أقدر ذلك.. و إن لم
أفهم الغرض ولا الدافع !
ابتسم ابتسامة باهتة لم ترها .. ابتعدت هي .. خرج معظم الطلاب لفصولهم..
بينما ذهب ليسير وحيداً في الساحة الخلفية.. يداه في جيب معطفه الكبير.. السماعات تتدلى من
أذنيه.. و الدخان يتصاعد من سيجارة أشعلها في لا مبالاة..
نظر إلى السماء ، ضاقت حدقتاه إثر ضوء الشمس الساطع.. سرح في ذكرياته..
قبل ثلاث سنوات.. حينما نهض من نومه ليجد الدخان يملأ هواء الغرفة..أخوه مازال نائماً..الحرارة
تنبعث من كل مكان.. انتابه الهلع.. خرج من غرفة نومه ليفاجأ بالنيران تلتهم كل شيء..
أفزعه صراخ والدته.. والده الآخر يصرخ في مكان آخر ..صراخ لا يخرج إلا من حناجر من يرى الموت
جهرة أمام عينيه..لم يعرف إلى أية جهة يجري..كان يرتجف.. الدموع تبلل وجهه.. و النيران
تتعاظم..
شعر بمن يجر قميصه ، التفتت فرأى أخاه الأصغر .. يتمسك به باكياً يغالب الاختناق..
لم يستطِع التحرك من الصدمة.. ماذا يفعل ؟!
رآها من بعيد.. والدته.. النار مشتعلة فيها..تتحرك بصعوبة.. إنها تحترق حية !! إنها تموت!
كانت تتفوه بكلمات بدت مهمة جداً .. كانت تجاهد ليسمعها قبل أن تذيبها النيران نهائياً..
لكن زفير جهنم كان أقوى.. سقطت أرضاً .. و ضاعت كلماتها..
اتسعت حدقتاه و شهق محاولاً عدم التصديق.. لم يشعر متى التهمت النيران ظهره ..
أخوه يتشبث به أكثر.. يبكي.. يسقط هو الآخر !! هل مات ؟!
صرخ : لا !!
حمله و جرى إلى المخرج بكل ما أوتي من قوة.. لم يشعر في حياته بألم مماثل.. يكاد يشعر
بجلده يتفحم و ينسلخ عن لحمه.. ضم أخاه بحيث لا تطاله النيران ولا الدخان.. و تهاوى عند مخرج
البيت..
أحس بأخيه يجاهد للتنفس..مازال حياً ! شعر بسعادة لا مثيل لها..سرعان ما تلاشت حينما رأى
ذلك الظل أمامه..
شخص غريب..لم يبد كبيراً في السن..إنه في سنه..تقدم منه و انتشل أخاه من ذراعيه و استدار
ليرحل.. صاح به ليستوقفه : توقف ! من أنت ؟! إلى أين تأخذ نيل ؟!
نظر له الآخر نظرة لم يفهم معناها.. و ابتعد قبل أن يجتمع الناس و رجال الإطفاء..
أخبرهم بالأمر حينما نهض في المستشفى ، زار مراكز الشرطة حتى كادوا يلقونه في مستشفى
المجانين.. لم يصدقه أحد.. كلما أخبر أحداً بما حدث ، أجابوه : أنت تتوهم ! نيل ميت..لم يبق شيء
منه ولا من أبويك إثر تلك النار العظيمة..
من يومها.. قرر أن لا أحد في العالم يفهمه.. الجميع يريد إقناعه بموت نيل لأنهم لا يهتمون بعودته و
لا يحبون البحث عنه..
إن أراد نيل..فعليه أن يعيده بيده ، كان متردداً في البداية ، لكن الأمر ما لبث أن أصبح هدف
حياته..حينما رأى أن كيان معه في ذات المدرسة..
بعد ساعة من التجوال وحيداً ، اجتمع بالمجموعة التي كانت تشاركه جريمته ، جميعهم لهم
النظرة العميقة ذاتها.. جميعهم يحيون بلا طموح ولا أحلام..و هذا ما جمعهم..
يعيشون على سبيل الانتقام من الحياة التي لم تعرهم الاهتمام ، في البداية كانوا يسعون وراء
كيان من أجل أندرو ، لكن ما لبث أن مر كل واحد منهم بتجربة مع كيان.. فقد فيها شيئاً ما ، و تيقن
من أن هذا الأخير ليس شخصاً عادياً.. إنه يتفوق عليهم في كثير من الأشياء.. يسخر منهم.. و لهذا
كرهوه..
نزع أندرو سماعات أذنه ، و أوصلها بجهاز آخر صغير لوح به أمام وجوههم التي ارتسم عليها تعبير
الرضا..
حينما رن جرس نهاية الدوام المدرسي ، كان رأس فيونا يعج بعشرات الأسئلة..
لم تكن قد وجدت الوقت الكافي لتكشف عن فضولها خلال اليوم المزدحم ، و لهذا انتظرت ذلك
الجرس بفارغ الصبر ..
قالت بأسلوب مرح : كارين يا حمقاء ! لمَ لم تخبريني عن صديقكِ ذاك الذي رافقتِه خلال استراحة
الطعام هاه ؟
لم تكن كارين في مزاج جيد للمزاح ، فردت بجدية : ليس صديقاً ، و ليس شخصاً مهماً حتى أعرفكِ
عليه..لن تسري بمعرفته على كل حال..
-من يكون إذاً ؟ و لمَ رافقته ؟
كانت كارين تكره صفة الفضول في فيونا، كونها تتدخل في كل شيء ، تظن أن لها الحق في
توجيه أي سؤال و الحصول على كل إجابة ! لمجرد أنها صديقتها..
-اسمه أندرو ، طلب مني التجسس على أحدهم فرفضت لأني لست غبية إلى هذه الدرجة..
-تجسس ؟ و لماذا أنتِ بالذات ؟
-لسوء تفاهم..ظنني أعرف ذلك الشخص معرفة شخصية.. لكني أخبرته بأنه مخطئ..
-و من ذلك الشخص الذي ظن أنك على معرفة شخصية به؟
بدا الانزعاج على كارين.. قالت : ألن تنتهي أسئلتك ؟ لا أعلم ما الذي تجنينه من عادتك المقيتة
هذه !
-أوه ! لمَ أنتِ غاضبة هكذا ؟ حسناً سأصمت !
كشرت في تصنع .. و وقفت تنظر إلى كارين بطريقة توشك أن تقول فيها : لن أصمت طبعاً ، لكن إن
لم تجيبيني الآن فستفعلين ذلك طوال الطريق إلى البيت..
فهمت كارين تعبيرها التهديدي ، أطلقت تنهيدة عميقة و هي تفكر "لا ضير من إخبارها.. تلك الطفلة
الكبيرة لن تستطيع فعل أي شيء ، سأكون مجرمة لو عذبتها أكثر"
ابتسمت رغماً عنها ، بينما استشاطت فيونا غضباً : هل أبدو كمهرج ؟ لمَ تبتسمين و أنتِ غاضبة ؟!
هنا تحولت الابتسامة إلى ضحكة على منظر فيونا التي تكاد تتقطع غيظاً و فضولاً : أنتِ دائماً
كالمهرجين ! على كلٍ.. فسأجيبك ..
أشرق وجه فيونا و أعادت سؤالها : من هو ؟
-اسمه كيان..
-امم..تعنين كيان الذي فاز بالمركز الأول في مسابقة أولمبياد الفيزياء ؟
-نعم اسمه كيان.. لكني لا أعلم عن المسابقة..ألم تفوزي فيها أنتِ ؟
-كيان هو الطالب الذي أحرز مثل النتيجة التي أحرزتها..كلانا في المركزالأول !
-لم أكن أتوقع أنكِ تعرفينه ! لكن..امم..هذا غريب..إنه متورط مع مجموعة من المجرمين..إن لم
يكن نفسه مجرماً.. الطالب المتفوق يكون بعيداً عن أجواء الإجرام!
-التفوق ليس حصراً على المستقيمين يا كارين ..!
-معكِ حق، مثلما أنه ليس حصراً على الأذكياء..فأنتِ مثلاً نموذج على الغبي المتفوق..
تكتفت فيونا و هي تقف وقفة كبرياء :أنتِ تشعرين بالغيرة..لا ألومك..
-و لمَ أشعر بذلك ؟! فيونا كفي عن إزعاجي..يكفيني ما أشعر به من انزعاج!!
-ها أنتِ ذا غاضبة ثانية..ما الذي يزعجكِ أيضاً؟
-لا.. هذا ليس انزعاجاً من أحد معين..إنه انزعاج من قميصي الخشن ! ينبغي لي أن أشتري واحداً
آخر..لا أدري لمَ أصرت أمي على شراء هذه النوعية الرديئة من القماش..
أخرجت فيونا لسانها كعلامة سخرية..حاولت كارين أن يبدو عليها الغضب..لكن سرعان ما أخذت
تضحك..
هذا ما يجعلها متعلقة بفيونا ، إنها لا تستطيع أبداً أن تغضب منها بشكل جدي.. بل في أغلب
الأحيان تنفجر ضحكاً و هي في ذروة الحنق منها..
عادت كارين إلى بيتها و هي تتمنى أن لا يتعكر مزاجها الذي تحسن أخيراً..
لكن لم يتحقق مناها ، فالغضب ملأها حينما اكتشفت اختفاء شيء من حاجياتها..حينما اكتشفت
أنها ظلمت والدتها بحديثها عن نوعية القميص الرديئة..
لقد علمت للتو لمَ كانت تشعر بخشونة القماش..السبب هو أن القميص لم يكن موجوداً ! كانت
ترتدي السترة المدرسية المميزة بخشونتها دون قميص قطني تحتها !
-أنا متأكدة أنني ارتديته في الصباح.. لست مجنونة لأنسى شيئاً كهذا..ثم إنني لم أشعر بغيابه
قبل دخول المدرسة..
شهقت و هي تدرك الحقيقة " قميصي اختفى أثناء اليوم المدرسي !"
تذكرت لقاءها بكيان.. اتسعت عيناها.. هل هو من فعل شيئاً كهذا ؟
كانت غاضبة..إلى الحد الذي جعلها تتكلم بصوت عالٍ وحدها في الغرفة..
-هل سيأتيني غداً و فيه يده القميص مطوياً و يقول أنه وجده مرمياً على أرض الممر ؟! أنا لا أفهم
كيف فعل ذلك و كأنه ساحر حقاً.. لكن ما الذي يدفعه إلى هذا التصرفات ؟ لماذا يقدم على أفعال لا
معنى لها ؟ تباً لك يا كيان!
تــابع..الجزء الثالث

بدأت الشمس تغرب..و تلونت غرفة كيان باللون البرتقالي المميز الذي عبر الشرفة الكبيرة
المفتوحة ، أفرغ كيساً على طاولة خشبية ، به أغراض لا يخصه أياً منها ، وقف يتأملها بصمت..
"لا أحب هذا.. لا أحب العيش على سرقة الأغبياء !! لكن السرقة خياري الوحيد للحياة.. يجب علي
أن أصبر.. حتى يتحقق ذلك الحلم..الذي سيخلصني من كل هذا الخزي الذي أعيشه"
جلس على الكرسي ليصنف الأشياء أمامه..جمعها في أكياس متفرقة و نهض إلى المطبخ ليعد له
شيئاً يأكله..
الهدوء يعم المكان ، إذ لم يكن يسكن ذلك البيت الصغير سواه..و رغم ذلك ، فلم تكن الفوضى تعم
البيت..
كان مرتباً ، و كان مميزاً .. كيف لا و أغلب المصابيح من تصميمه شخصياً ؟ جهاز الحاسوب ذاته
أضفى عليه تغييرات كثيرة.. الثلاجة مختلفة في نظام عملها عن بقية الثلاجات العادية.. هو من
أجرى التعديلات عليها.. الأثاث لا يزيد عن عدة قطع مطلوبة .. كل قطعة في بيته تحمل لمسة من
لمساته.. كل شيء له قيمة في قلبه.. كل جهاز و كل أداة قضى معها ساعات متواصلة ..أو عدة
أيام أحياناً ، من أجل تحسين عملها بالطريقة التي يريدها .. و لهذا حرص على التعامل مع محتويات
بيته بحرص و هدوء ..
صباح اليوم التالي ، ذهبت كارين إلى حيث الخزائن المدرسية ، لتضع كتبها..
لم تكد تستدير إلى جهة الخزائن ، حتى لمحت كيان آتياً من هناك.. مر بجانبها..رآها، فابتسم لها و
تابع سيره !
كادت تستوقفه لتكلمه بشأن القميص ، لكن ابتسامته جمدتها كالعادة.. وقفت لتدرك ما حصل..
"خزانته ليست هناك..أنا لم أره من قبل يمر من هذا المكان..ما الذي أتى به ؟!! "
أكملت سيرها و هناك لم يكن ثمة جمع كبير.. بحثت عن فيونا فرأتها عند خزانتها ، تلصق بعض
الصور التي طالما اعتبرتها صوراً غبية..
نادتها : فيونا ! ما الذي جاء بكيان إلى هنا ؟!
ردت الأخرى دون أن تشيح بوجهها عن الخزانة المزدحمة : أوه..أهلاً كارين! ذلك الأناني..تصوري
هذا..أردت أن أحادثه فتظاهر بأنه لا يعرفني.. ! رغم أننا كنا في ذات المسابقة.. كنت منافسته
الوحيدة و يتظاهر بأنه نسيني ..! "
-أهذا همك الآن ؟! أخبريني ماذا كان يفعل قرب خزائننا ؟!!
-لم يفعل شيئاً ! كان يسير بجانب الخزائن..توقف عند خزانتك قليلاً..و ابتعد..
لم تجبها و إنما أخرجت مفتاحها و أخذت تفتح خزانتها في عجلة.."أيعقل ما أفكر فيه ؟! "
علقت فيونا : لن تهرب الخزانة ..لمَ هذا الحماس ؟
-اصمتي !
فتحت الخزانة ، لترى أن ظنها في محله..حذاؤها الرياضي الذي من المفترض أن ترتديه بعد
ساعتين..اختفى !!
طأطأت برأسها و هي تشعر بالانهزام..غاب عقلها عما حولها .. أخذت تفكر "لماذا يسخر مني ؟!
لماذا يريد إحراجي ؟! أنا لم أفعل له شيئاً يؤذيه !! "
لم تغضب.. لم تصرخ.. اليأس الذي شعرت به حينها كان أقوى من ذلك.. و الصمت الذي اعتراها
احتوى كل ردات الفعل الأخرى..
و ما زاد ذلك ، كان الابتسامة التي رأتها منه قبل أن يرحل ! تلك الابتسامة هي ما حطمها "هل
كانت ابتسامته تلك ابتسامة سخرية من غبائي و ضعفي ؟! أحقاً أنا مخدوعة كما قال أندرو؟!
مخدوعة بالابتسامات الكاذبة !! التي تسحرني رغم علمي بأنها للاستهزاء مني وحسب !!! "
أخفت مشاعرها ، قالت ببرود : فيونا..هل تعرفين أين فصل كيان ؟
-امم.. أظن ذلك..إنه في الطابق العلوي..قرب المكتبة..
-شكراً
-لمَ أنتِ حزينة هكذا فجأة ؟
-لا شيء !
انتهت من استبدال الكتب و أغلقت الخزانة ، انتظرت فينوا بصمت.. ثم سارت برفقتها إلى فصلها.. و
قد صممت على لقاء كيان أثناء الاستراحة..
كانت شاردة الذهن طوال الدروس الأولى ، تعد الدقائق من أجل وقت الاستراحة..
أما أندرو فخرج قبل الجرس بدقائق ، ليقف عند السلم الفاصل بين الطابقين ، برفقة أحد أفراد
مجموعته..
قال لرفيقه و هو يعبث بالجهاز الصغير في يده : إنها صادقة ، ليس بينها و بين كيان صلة معينة..
رد الآخر : بل هناك صلة..لكنها صلة مهزوزة مبنية على الشك و ربما الكراهية ، نستطيع استغلال
الأمر بشكل أو بآخر..
-نعم ، لكن كيف يمكن ذلك ؟ لا تنسَ أنها متهورة و غبية ،أخطأنا في الحكم عليها ..
- لابد أن نعرف موقفه منها !! هل يراها عدوة يجب الحذر منها ؟ أم مجرد بلهاء لا تشكل أي خطر ؟
-لا يمكننا معرفة ذلك الآن ..لكني لن أتركها تقابله و تفسد الأمر برمته ، إنها غاضبة منه.. و أظننها
ستخضع لي ..
-لو تحقق الأمر ، فسنخطو خطوة رائعة إلى الأمام..
بدأ الطلاب بالانتشار في المكان مع رنين الجرس.. خرجت كارين من فصلها بعدما اعتذرت من فيونا
، و اتجهت فوراً إلى ذلك السلم..
هناك رأت أندرو.. حاولت أن لا تعيره الاهتمام ، لكنها توقفت رغماً عنها حينما سمعته يهمس
بلامبالاة : هه..أنتِ تتعرضين للسرقة من قبله إذاً..
شعرت بالصدمة.. من المستحيل أن تتابع سيرها دون أن تتوقف لتعلم أسبابه .. و كيف علم
بالسرقة !!
قالت بتردد : أنت..كيف علمت بالأمر ؟!
رد : هذا سهل.. و علمت أيضاً أنكِ بريئة و أنني ظلمتك حينما ظننت أنكِ على علاقة بكيان..
-كيف تقول هذا ؟ كيف تتحدث عن أمر لم أخبر به أحداً ؟!
مد يده إلى كتفها.. تراجعت خوفاً..
-ما الذي تفعله ؟!
-توقفي ! هه..و ما الذي قد أفعله ؟ أريد أن أريكِ جواب سؤالك !
توقفت دون أن تفهم الذي كان يعنيه.. تحسس كتفها ثم قبض على شريحة أشبه بالزر
الدائري..انتزعه من سطح السترة و لوح به أمام عيونها..
رأت الجهاز الصغير و السماعات في يد زميله..و بدأت تفهم.. !!
-ما هذا ؟! أهو..أهو جهاز تنصت ؟!!
ابتسم : نوعاً ما ! أرأيتِ كم أن الأمر سهل ؟!
-و لماذا تفعل هذا ؟!!
-حتى أتأكد من صدق ما قلته لي..
-و قد تحققتَ أنني كنت صادقة ! ..ما الذي تريده أيضاً ؟!
-ألا تريدين مني مساعدتك ؟ أعني..السرقات التي تتعرضين لها..
كادت تجيب بلا ، لكنها وجدت أنها تحتاج للمساعدة : ما الذي يمكنك فعله ؟
-أستطيع أن أفعل الكثير .. فقط إذا نفذت ما سآمركِ به ..
-الوضع يتوقف على الأمر نفسه ! ماذا تريدني أن أفعل ؟


الكفيف عاشق الر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-09-2012, 02:16 AM   #2 (permalink)
الكفيف عاشق الر
رومانسي مبتديء
 
-أريدكِ أن تحاولي إلصاق هذه الشريحة على أي شيء من ملابسه..هذا كل شيء..
-فقط هكذا ؟!
-نعم.. و يفضل لو أنكِ عاملتِه بلطف.. كي تستطيعي رؤيته ثانية لو لم تنجح المهمة !
-امم..ما الذي تستفيده من جهاز التنصت هذا ؟
-إنه ليس جهاز تنصت فحسب.. أستطيع به تقفي الأثر أيضاً..
بدا عليها الانبهار .. كل هذا في شريحة كهذه ؟!
لم تستطِع حبس سؤالها : و من أين حصلتَ عليه ؟مثل هذه الأشياء لا تباع في الأسواق!
-إن لي مصادري..
لم تشعر بأنها ارتكبت أي خطأ في موافقتها على طلبه ، كانت تردد في داخلها : "كيان يستحق ما
سيحصل له..هذا لو كانوا قادرين على إصابته بالأذى.. من ينجو من عضلات أندرو في ذلك
الموقف..فهو قادر على النجاة من مواقف كثيرة !"
تابعت سيرها و شرعت تبحث عنه في المكان الذي تحدثت عنه فيونا ، سألت عنه..
فأخبروها بأنه يقضي أوقات الاستراحة في المكتبة !
هناك رأته..منكب على قراءة كتاب كبير.. و بجانبه كراسة صغيرة و قلم..
دخلت بهدوء و اتجهت إلى حيث يجلس.. لم ينتبه لها إلا في اللحظة الأخيرة..
-مرحباً كارين !
أشاحت بوجهها لتتجنب رؤية ابتسامته..الابتسامة التي صارت موقنة أنه وجهها لها الآن !!!
قالت : هل يمكنني الجلوس ؟
-نعم ، تفضلي..
رفعت ناظرها قليلاً إليه ، قررت أن تبتعد عن الغضب في حديثها.. يجب عليها أن تتبع كلام أندرو..
كانت تفكر "لا جدوى من التسرع..علي أن أكلمه بلطف مادام يبدو عليه تقبلي.."
- هل تكرهني ؟!
توقعت أن يقول لها شيئاً على غرار : "و منذ متى كنت أحبك ؟!"
فقالت : أعني.. هل تشعر بأنني سببت لك أية مشكلة ؟!
أغلق الكتاب في يده و غير من وضعية جلوسه ، تأملها لدقائق ثم قال : لمَ هذا السؤال؟
-أريد جواباً ..
-لا أكرهك
-لماذا تسخر مني إذاً ؟! لماذا تتلاعب بي ؟!
-ما دليلك ؟!
حاولت السيطرة على أعصابها..قالت : الدفتر..القميص.. الحذاء الرياضي.. أتظنني لا أعلم بالأمر ؟
-و ما الذي تريدينه الآن ؟
-لماذا تتجاهل كلامي !!! أنا واثقة من أنك تعرف عم أتكلم !
قال بعد أن أشاح بنظره : نعم..أنا أعرف..
بدأت تفقد هدوءها.. تقدمت منه و وضعت يدها على كتفه.. بغرض وضع الشريحة..
قالت : سأتصل بالشرطة إن استمر هذا العبث !
-لا جدوى من ذلك صدقيني.. ما الذي ستقولينه لهم ؟أغراضي تخطفها الأشباح ؟
شددت قبضتها على كتفه و هي تقول : يال وقاحتك!!
-أنا لا أقبل هذه الإهانة..
-و أنا لا أقبل إهاناتك التي اكتفيت منها !
-إن كنتِ هنا من أجل الصراخ و التهديد ، فهذا ليس المكان المناسب..إنها مكتبة لو لم تلاحظي..
-بالتأكيد لاحظت .. لست بالغباء الذي تتخيله..
-و لماذا تمسكين بي بهذه الطريقة ؟
أبعدت يدها و قد فشلت في الحفاظ على أعصابها.. كانت ترتعش..
قال ببرود أكبر : هل من شيء آخر ؟
-أنا لم أنهي كلامي.. لن أنهيه قبل أن أسمع تفسيراً..
-لست مضطراً إلى التفسير عن أي شيء..لكني سأحاول إيقاف ذلك..
-تقول أنك ستحاول !!! يالك من..
-أنتِ تضيعين وقتي ! أنا الآن منشغل.. سأكلمك في الطريق إلى البيت ..
-لن آتي معك !
-هذا أفضل..حسناً..اخرجي من هنا إذاً ..
عضت شفتها غيظاً.. كادت تصيح في وجهه لكنها انتبهت إلى نظرات أمينة المكتبة..
خرجت و هي في حالة عارمة من الغضب..
"إنه يعلم بكل شيء..لكن لماذا يتحدث بذلك البرود ؟! لم أرَ من قبل سارقاً يعترف بجريمته بتلك
الثقة و اللامبالاة..! إنه متأكد من عجزي.. ! و لهذا يستخف بي.. لكنه سيندم.. سيندم !!"
الجزء الرابع~


رأت أندرو عند السلم ، فقالت لتطمئنه : لقد فعلت ما أردته مني..
-يبدو أنكِ كنتِ في حالة صراع مع كيان !! ألم أطلب منكِ التحكم بأعصابك ؟!
لم تستطعِ كبح مشاعرها..بدت كمن يجاهد لحبس دموعه: لم أحتمل.. لقد كان يرد ببرود !! يعترف
بأنه يعلم سبب غضبي لكنه لا يراعي ذلك ! يعاملني على أنني ألعوبة في يده !!
ابتسم.. و قد شعر بالسعادة كونها في هذه الحال.. بعدما رفضت التعاون معه سابقاً.. و كأن لسان
حاله يقول : "تستحق ما يحدث لها ! ها قد بدأت تدرك الآن أهميتي !"
قال برقة مصطنعة : سأجعله يندم على ذلك !..لا تبكي ..
منعت دموعها من التهاوي .. ردت : لست أبكي..
نظرت إليه بامتنان.. ثم أردفت : شكراً لك يا أندرو !
-بل شكراً لكِ أنتِ ..
حينما عادت إلى البيت بعد انتهاء اليوم الدراسي.. اكتشفت اختفاء كتاب الأحياء..!
طفح الكيل معها..تمنت لو يمزقوا كيان إرباً إرباً.. تمنت لو أنها تعاونت مع أندرو من البداية !!
طوال هذا الأسبوع لم تستطِع التركيز على دراستها.. ولا حتى الشعور بالراحة.. بسبب كيان ذاك..
تشعر بالتوتر طوال الوقت.. لقد تسبب وجوده في وصولها إلى أسوأ حالاتها النفسية..
أن يشعر المرء بأنه ضحية سهلة.. أن يتعرض للسلب أربعة مرات متتالية.. أن يعترف له سارقه
بالأمر لسبب واحد هو أنه لا يخشاه !!
كل هذا... ساهم في إصابتها بإحباط شديد.. و أرق منعها من النوم تلك الليلة ..
فنهضت من فراشها باكراً ، و قررت التواجد في المدرسة قبل الجميع ،
فربما استطاعت ضبط كيان متلبساً عند الخزائن..
ذهبت إلى المدرسة بعيون محمرة ، اتجهت إلى حيث الخزائن..
سمعت صوتاً يشي بوجود أحدهم هناك..
تابعت السير بهدوء ،و أطلت برأسها لترى مصدر الجلَبة ..
شعرت بشيء من الارتياح و هي ترى فيونا عند خزانتها..
اقتربت منها و هي تقول : أخفتِني يا فيونا ! ما الذي تفعلينه هنا ؟
التفتت الأخرى في توتر.. حاولت إخفاء ما بيدها بسرعة..لكن كارين كانت أسرع..
صُعِقت لما رأته !! تسارع تنفسها و عقلها يحلل المشهد ..
انتزعت كتاب الأحياء الخاص بها من يد فيونا.. صاحت : كيف وصل كتابي إلى يدك ؟!!!
ابتسمت الأخرى و هي تقول : أخذته لنقل ما فاتني !
-كنت أظنكِ لا تفهمين خطي المروع !!!
اختفت ابتسامة فيونا ، توقفت الفتاتان تنظر كل منهما إلى الأخرى بنظرات يكاد الشرر يخرج منها !
قالت كارين بصوت متهدج ، و هي تتمنى أن يكون ما تفكر به هراءً : هل..سرقتِه ؟!
فوجئت إذ رمت فيونا الكتاب في وجهها بطريقة لا مبالية و هي تقول : كنت أنوي إعادته ، لكني
كنت أتسلى برؤيتك في تلك الحالة العصيبة !..
شعرت كارين بالانهيار.. أخذت ترتعش بأكملها.. صاحت :هل أنتِ من كان يسرق حاجياتي ؟!!
-من الجميل أنكِ أدركتِ هذا الآن..لم أكن أتوقع أن تكتشفي الأمر..
ثم أردفت و هي تصنع تعبيراً عن الأسف : لقد حرمتِني من متعة رؤيتكِ تجلبين الشرطة لكيان..!
أخذت الأفكار تطوف كالعواصف في ذهن كارين.. "هي من كان يسرق حاجياتي !! .. أيعقل أن كيان
ظن بأنني أقصد فيونا بكلامي؟!!! لقد تكلم عن محاولة لإيقاف الأمر.. لإيقاف سرقات فيونا !! و كان
يظنني أطلب منه تفسيراً لما تفعله هي !! الحقيقة التي قال أنه يعرفها..هي أن فيونا السارقة !
لكني فهمت الأمر بالمقلوب لأنني ظننته الفاعل ! "
لم تستطِع الاستمرار في أفكارها .. سقطت أرضاً.. و لم تشعر بنفسها ثانية إلا على السرير في
غرفة الممرضة ..
كانت كارين غائبة عن الوعي أثناء وقت الاستراحة ، حينما تعجب الجميع من رؤية كيان يجتر فيونا
رغماً عنها إلى خارج الفصل بعدما رفضت الحديث معه..
ابتعدا عن العيون ، هناك أظهر كل منهما تعبيرات وجهه الحقيقية..
خاطبها بحدة : لقد حذرتكِ البارحة من هذا الأمر.. لكنكِ لم تبالي !!
تذكرت لقاءها به عند الخزائن في الصباح السابق.. حينما أتى محاولاً إقناعها بالتوقف عن سرقة
طلاب المدرسة.. تذكرت تمثيلها البارع لدور البلهاء التي لا تعلم بأي شيء..حتى خدعت كارين و
جعلتها توقن بأن كيان وراء الأمر.. كيان الذي أتى من أجلها ..صار بفضل فيونا أشنع الأوغاد في
عينها !
أجابت بعد أن مرت تلك الذكرى في ذهنها : قل لي من الذي قد يعلم بحقيقة الأمر ؟ هل تعتقد بأن
هؤلاء المتخلفين قادرين على اكتشاف ما نفعل ؟
-إن كان العامة لا يستطيعون إدراك الحقيقة ، فأتباع ميلان يستطيعون فعل ذلك بسهولة !
-لا أحد منهم في هذه المدرسة..
-و ما أدراكِ ؟! هناك من أشك في كونه على صلة منهم..
-إن كنت تريد إبلاغ سام عن مخالفتي لأمره فاذهب و أخبره..لكن كف عن مراقبتي..
-بالتأكيد سأخبره..
-أنا لا أهتم.. إنهم هالكون ، فلأتسلى بهم..
رمقها بنظرة شعرت بأنها اخترقتها : و هل كنتِ تتسلين مع كارين أيضاً ؟!
ابتسمت : نعم..! إنها تعتبرني صديقة لها ..و هذا ما زاد الأمر متعة..مسكينة..لم تتصور أنني
السارقة..
احتدت نظرته ، فكر.."الآن فهمت سبب غضب كارين مني.. لم تكن تعلم بهوية السارق الحقيقي
إذاً".. قال بصرامة : لم تكوني تتسلين..كنتِ تحاولين اتهامي !
-أوليس إلصاق التهمة بك تسلية في حد ذاتها ؟ أنت تستحق نظرات الكراهية من كارين..مثلما
حكمتَ علي سابقاً بأنني أستحق الكراهية منك !
أشاح بوجهه و قال بهدوء : أنتِ مخادعة.. و ممثلة بارعة .. لم تكن تلك إلا مسرحية من مسرحياتك
التي اعتدتها حتى ما عدت أستطيع تمييز حقيقتك ..تستحقين الكراهية.. لأنكِ لم تبادليني سواها..
-أنت تعلم بأن كلامك خاطئ لكنك ترفض الخضوع
-الخضوع لماذا ؟ لكذبك و خداعك ؟
-لم أكذب عليك في تلك المرة !
-لكنكِ الآن تصرين على إثارة غيظي و غضبي ، هذا يدلل حقاً على صدقك !!
-لم أكن لأفعل هذا لولا مواقفك.. أنت السبب..
-اغربي عن وجهي !
قالها بغضب.. دفعها جانباً و ابتعد كأنه لا يتمنى رؤيتها ثانية..
لم تستيقظ كارين من نومها العميق حتى نهاية اليوم الدراسي ، جلست في فراشها و هي تشعر
بشيء من الراحة.. فالصداع قد زال و لم تعد تشعر بالحرقة في عينيها..
تلفتت حولها و هي تستعيد ما حصل.. قطع خواطرها صوت الممرضة : من الجيد أنكِ استيقظتِ !
كنت سأوقظكِ على كل حال فقد حان وقت ذهابي..
-شكراً لكِ على الاهتمام بي..لكن..هل انتهى الدوام المدرسي ؟
-نعم..منذ أكثر من ساعة !
نهضت من الفراش ، خرجت من الغرفة في عجلة.. لتفاجأ بالواقف عند بابها..
كان مستنداً بظهره إلى الحائط ، متكتفاً مغلق العينين..يفكر بعمق..كأنه غائب عن العالم..
انقبض قلبها ، شعرت بضميرها يعذبها.."أنا مخطئة في حقه.. و علي أن أعتذر"
تنحنحت لتسترعي انتباه ، أفاق من سفره اللحظي و رفع نظره إليها..
و لم تشعر إلا و كأنها تطعن بأعظم سيوف الضمير، و هي ترى ابتسامته الخالدة..
تابــع..الجزء الرابع

سبقها إذ قال : هل أنتِ بخير يا كارين ؟
ألم الضمير يشتد.. أجابت : نعم..
-هذا جيد ، هل يمكنني مرافقتكِ إلى البيت ؟
بدا عليها تعبير من الدهشة ، قالت : نعم..لكن ..لمَ كنت تنتظرني ؟
-أنا السبب فيما حدث لك..بصورة أو بأخرى..
-لكن فيونا .. هي من كانت تسرقني..
-و قد أخطأتُ حينما افترضتُ معرفتك بالأمر..
خرجا من المدرسة ، بعد أن حمل حقيبتها..ذكرها الموقف باختفاء دفترها.. قالت بحرج : كيف
تمكنت فيونا من إخفاء الدفتر أيضاً ؟ إنها الحادثة الوحيدة التي لم تكن متواجدة فيها ..
رد عليها : أنتِ لم تصدقي ما قلته لكِ من قبل إذاً ! فيونا لم تسرق الدفتر..
-هل أنت من سرقه في تلك المرة إذاً ؟
-أنا لم أسرق من حاجياتك أي شيء كان.. حينما كنتِ واقفة تستردين أنفاسك عند البوابة ، كان
دفتركِ ملقى على مسافة قريبة من الباب...التقطته في طريقي و أخفيته داخل ملابسي ، لم
أعطكِ إياه..لأنني لم أكن متأكداً من كونه يخصك..و بسبب بعض الفضول..
-هل..هل تصفحته ؟
-نعم
-إنه دفتر لا يحوي سوى ملحوظات تافهة أدونها عند عمل المشاريع المدرسية..
- أعتذر عن تطفلي
-لا بأس..
مر صمت قصير.. بدا و كأنه دهر كامل ..
قالت كارين : لقد أسأت إليك .. و رميتك بفعل لم تقترفه ..أنا آسفة على ذلك !
لم يبدِ أي تعبير مختلف..بل لم يغير وجهة نظره : أنا لا ألومك.. فأنتِ لا تعلمين..
لم تكن تتوقع أن يكون رد فعله كهذا ، و أن يعذرها لمجرد أنها لا تعلم ..
تابعا السير دونما أية كلمات أخرى.. و بكل خطوة تخطوها تشتد ضربات قلبها و تعصف الأفكار في
رأسها.. حينما وصلا إلى بيتها ، كانت قد قررت الإفصاح عما تريد..
-كيان .. أنا لا أحب هذا الوضع !
تساءل : ماذا تقصدين ؟
-أريد أن أجد تفسيراً لما حصل ! أعني..فيونا..لماذا سرقتني و كيف !
بقي صامتاً بينما تابعت كلامها :أنت تملك الإجابة التي أريدها..أنا لا أستطيع نسيان ما حدث..أريد أن
أعرف الدوافع.. أليس هذا من حقي ؟
صمت ثانية..لكنه قال بعد ذلك : أعدك بأنكِ لن تتعرضي لأي تلاعب مثل ذاك بعد اليوم.. انتهى
الأمر..فلمَ تريدين التفاصيل ؟ التفاصيل التي لن تفيدك..بل قد تخلق لكِ مئة عدو جديد..
-سأتحمل مسؤولية نفسي لو حدث ذلك..
أغمض عينيه قليلاً مفكراً ، ثم قال : أنا موافق..
-و ستخبرني أيضاً كيف هربت منهم !
-هذا الأمر مرتبط بذاك.. لو علمتِ بحقيقة ما فعلته فيونا..فستدركين ما فعلت..أنا و فيونا لنا ذات
الأسلوب..!
بدت عليها علائم الدهشة..تساءلت في داخلها"ما الذي يربط بينهما ؟! و ما هذا السر الكبير الذي
يخفيانه !! "
لاحظ دهشتها..لكنه قال : ما سأخبركِ به ليس كلمة واحدة أو كلمتين..هل سنقف هنا إلى الأبد ؟
شعرت بشيء من الحرج.. كادت تدعوه إلى زياة منزلها..لكنها قالت : أمي ليست معتادة على
استقبال أصدقائي ! أخشى أنها لن تتقبل وجودك..
في الحقيقة ، لم تكن تخشى ردة فعل والدتها بقدر ما كانت تتمنى زيارة بيته هو ، لطالما
حيرها..لطالما أرادت أن تعرف من يكون في الحقيقة.. زيارة بيته قد تكشف كثيراً من الأشياء ،
و لهذا استغلت الفرصة..قالت : لكن الأمور ستيكون على ما يرام لو زرتك في بيتك.. فهل تمانع ؟
أجاب بعد هنيهة تأملها فيها : لا أمانع ..
ابتسمت في سعادة.. اتجهت إلى باب بيتها مسرعة و هي تقول : انتظرني..سأعود بعد قليل..
وقف منتظراً إياها ، بينما ذهبت لتستبدل ملابس المدرسة و تضع كتبها..و تخبر والدتها بغيابها الذي
قد يطول..
خرجت بعدها لتشكره على انتظاره..سألته : كم يبعد منزلك من هنا ؟
سار عدة خطوات ثم توقف عند شجرة كبيرة ، قال : لا يمكننا الذهاب مشياً ، و إلا وصلنا بحلول
منتصف الليل..
ظنت أنها أخطأت في سمعها.. نظرت إليه بتساؤل..
قال : سأريكِ كيف أصل إلى هناك في كل يوم !
زادت دهشتها..: كـ..كيف ؟
-أغمضي عينيك و لا تتحركي ..
أرادت أن تسأل أكثر.. لكنها استسلمت.. و سمحت لنفسها بالوثوق به..
أمسكت يداه بيديها ، شعرت بشيء لم تشعر به من قبل ، شعور غريب.. لا يمكنها وصفه.. كأنها لم
تعد موجودة على وجه الأرض..كأنها انفلتت نحو الفضاء لتشهد ميلاد النجوم.. في عدة أجزاء من
الثانية.. شعرت بآلاف المشاهد تطوف أمام عينيها..شعرت بنفسها و كأنها تحررت من قيد جسدها..
روحها هامت نحو البعيد.. لترى كل ما لم يكن بالإمكان أن تراه عين إنسان..كان شعوراً رائعاً..و
تمنت لو لم تعد إلى الواقع..
لم تفتح عينيها إلا حينما سمعت صوته الهادئ يطلب منها ذلك ، تكاد تجزم أنها شعرت بانتفاضة
حينها..و لا تدري لمَ تخيلت بأنها روحها المتحررة تعود إليها..
كانت منبهرة.. حتى أنها لم تقوَ على الكلام لدقائق.. تنظر لوجهه دون أية كلمة..
و إلى الابتسامة التي جعلتها تشعر بأنها تعيش حلماً..
قال و هو يفلت يديها و يشير إلى ما حوله : ها قد وصلنا.. كيف كانت الرحلة ؟
تلفتت إلى ما حولها ، غرفة بسيطة.. ثلاثة كراسٍ خشبية..لوحة معلقة.. لا وجود لتلفاز.. جهاز
أشبه بالحاسوب على الطاولة.. هاتف غريب الشكل..و مصابيح مختلفة..و كل شيء مرتب بعناية.. !
قالت و هي تشير إلى المصابيح التي لم تعرف ماهيتها في البداية: ما هذه الأشياء في السقف ؟
-إنها مصابيح فلوروسنت ، لكني أجريت عليها بعض التعديلات..
-تعديلات ؟! كيف فعلت ذلك..أنا لا أرى سوى لوح زجاجي تتدلى منه كرات معدنية..هذا لا يسمى
تعديلاً..إنه اختراع ! ما من مصباح عادي يبدو هكذا..
اتجه إلى مفتاح التشغيل في الجدارو أضاء الكرات لتزداد كارين انبهاراً..
-هل ابتكرت هذا بنفسك ؟
قالتها دون أن تغيب ناظريها عن الكرات المعدنية ..
-نعم..كنت أريد أن أجعله يعمل بالطاقة الشمسية..لكن المواد المطلوبة غالية الثمن..و لم أستطِع
الحصول عليها..على كلٍ فهذا المصباح يهدر 5% فقط من الطاقة التي يهدرها المصباح عادي..
-ألهذا السبب صنعته ؟!!
-نعم.. أنا أكره التقنيات التي تدمر الطبيعة.. و لهذا أحاول جاهداً أن أطورها بحيث
لا تسلك هذا المسلك..
-لماذا تحتفظ به في بيتك إذاً ؟ اعرضه على الجهات المختصة !! سينتفع الجميع
و ستجني الكثير !!
-لا أحب أن أبيع جهدي لأحد..
-قلت بأنك تكره التقنيات التي تدمر الطبيعة..لو عرضتَ أعمالك هذه فستكون خدمة لها ! ستتبنى
المصانع أفكارك و سينتج الجميع مثل هذه الأجهزة التي لا تؤذي الطبيعة !
-و في المقابل تنتج المصانع الأخرى أضعاف الأفكار المدمرة.. هذا العالم لا أمل يرجى منه!
أخبرها عن تعديلاته في الأجهزة الأخرى..شعرت لوهلة بأنها تقف بجانب أعظم علماء هذا العصر !
صارحته بما فكرت فيه..فضحك دون أن يعلق بشيء..
لم تكف عن إبداء إعجابها بابتكاراته لحظةً.. لكنها غيرت موضوعها في المطبخ.. إذ انتبهت إلى
الهدوء الذي يعم البيت..
سألته : هل تعيش وحدك ؟
أجاب : نعم.. عائلتي في مكان آخر..
-أين ؟! و لماذا لا تعيش معهم..؟
تردد لحظة..لكنه أجابها :في البيت القديم..إنهم ليسوا أحياءً و لا أمواتاً كذلك..
لم تفهم ما عناه بجوابه.. لكنها لم توجه المزيد من الأسئلة حتى تجنبه استرجاع ما قد يؤلمه..
-إنه الحقد .. الذي سبب هذا.. حينما يكرهك الجميع لسبب واحد هو أنك تتفوق عليهم.. !
ذهبا إلى غرفة المعيشة..لتناول الشطائر التي أعدها على عجل في المطبخ..
كانت تحملق فيه بلا توقف..لم يدرِ إن كانت تتأمله أم أنها في حالة من السرحان في شيء آخر و
أن حملقتها تلك بلا قصد..قال : تبدين في حالة من الصدمة !
انتبهت إلى نفسها و أخفضت طرفها..أخذت تلتهم ما بيدها بسرعة كردة فعل تلقائية لتشتيت
شعورها بالحرج..
- كيان ! مدرستنا لا تستحق أن تؤوي مثلك..لابد أنك تشعر هناك و كأنك تدرس مع جهلة..!
-هذا صحيح نوعاً ما ، لكني لا أنكر أنني استفدت كثيراً..
حل صمت قصير..قطعه قوله : يبدو أنكِ نسيتِ سبب مجيئك إلى هنا..
فطنت إلى الأمر و هي تشعر بغبائها..قالت : من يمر في موقفي..سينسى ما كان يريده..
كيان..أنت .. أذهلتني .. لا أعرف ما ينبغي لي أن أقول.. !
كان يرشف العصير بهدوئه المعتاد ، دون أن يبدو و كأنه سمع شيئاً مميزاً..
-كم أشعر بالخزي من كلامي في المكتبة..
رفع نظره إليها : كفي عن هذا.. أنا لم أعد أفكر في الأمر..
- ألن تخبرني بحقيقة ما فعلتماه أنت و فيونا؟
بدا عليها الحزن و هي تنطق اسم الأخيرة.. كانت تعتبرها صديقتها الوحيدة..
و في لحظة اكتشفت أنها عدوتها..
تنفس بعمق.. و قال : أنتِ أول من سأخبره بهذا السر !!..فيونا تعرف ذلك لأننا تعلمناه من ذات
المصدر..
حبست أنفاسها و هي تستعد لسماع ما انتظرته طويلاً ! ..
و جاءت اللحظة التي طالما تمنت قدومها ..
لحظة الحقيقة..
الجزء الخامس ~

كانت مشدودة إليه تترقب كلماته ، بينما بدأ بسرده.. :
جميعنا يعرف نظرية الانفجار العظيم.. حينما انبثق الكون بأكمله من كتلة واحدة.. هذه الكتلة هي
أصل الوجود.. و كل ما تفجر منها أصله واحد.. كل المجرات التي ظهرت كان بينها ترابط وثيق..و
الدليل أنها سلكت مراحل حياة متشابهة..كل النجوم تتأثر ببعضها و بما حولها.. كل الكواكب
السيارة تنتمي إلى بعضها.. كل شيء يسير بتناسق لأنه يكمل الآخر و يفهم سيره..
الكون مترابط.. لأنه وُجِد من ذات الشيء..
لم تعترضه رغم تساؤلها عن علاقة الكلام الذي يقوله بما تريد معرفته ، لمَ يشرح لها شيئاً كهذا
يعرفه أي طالب في المدرسة الثانوية؟!
تابع كلامه : أرضنا تنتمي لهذا الكون ، و نحن ننتمي إليها.. فقد خلقنا من ترابها..
كل البشر يرتبطون ببعضهم بطريقة أو بأخرى.. و كلنا يرتبط بالطبيعة و حتى بما صنعته أيدينا منها
..و بالتأكيد هناك أشياء نرتبط بها و ننتمي إليها أكثر من أشياء أخرى.. لكننا لا نشعر بهذا الانتماء..
إلا قليلاً.. ربما كان الإنسان القديم يفهم هذا و يشعر به.. لكن القرون التي انقضت منذ الخليقة كانت
كفيلة بموت هذه الحاسة لدى الأغلبية.. في الحقيقة لم تمت كلياً ، بل بقي جزء قليل منها ، أعني
الجزء المعني بأولئك الذين ننتمي إليهم بشكل أكبر من انتمائنا لبقية الموجودات.. و لعل أبرز
الأمثلة على هذا الانتماء..ارتباط التوائم و ارتباط الأم بطفلها.. شعور الام بالخوف حينما يتأذى طفلها
رغم أنه بعيد عنها.. أكبر مثال على ترابطهما .. و هذا منطقي جداً.. فهو يحمل ذراتها بشكل مباشر
جداً.. و مادامت الذرات جميعها مترابطة رغم بعد المسافات و الأزمنة بينها..فكيف لا يظهر ارتباط
ذرات التوأمين أو ذرات الأم و الطفل ؟!
كانت لدى كارين لمحة عما يقوله.. سمعت من قبل بالترابط الغريب هذا... لكن ماذا يريد من هذا
الكلام ؟! لم تقاطعه.. و تابعت كلامه بإنصات ..
- مفهوم الذرات المترابطة..يدل بوضوح على إمكانية تأثر الذرات ببعضها في غياب أي اتصال
بينهما.. أي..يتأثر الطفل.. فيظهر الخوف على الأم رغم أنها لا تراه أمامها..هل تعلمين ما الذي حدث
هنا ؟ لقد قام الطفل بلا شعور منه ، بنقل خوفه إلى أمه البعيدة عنه.. ! ..الطفل فعلها دون إرادته ،
أما لو كان الناقل متحكماً بإرادته و قادر على الشعور بارتباطه بأي شيء كان.. فسيستطيع نقل أي
شيء من الموجودات.. إن هذا النقل ليس نقلاً مادياً.. بل هو نقل لصفات الذرات التي أمامه إلى
ذرات في مكان آخر..فتكتسب الذرات الأخرى الصفات القادمة إليها..لتتكون نسخة جديدة تامة عن
الجسم تحمل كل صفاته.. و تدمر النسخة الأصلية التي فقدت صفاتها! هذا ما يسمى بالاستنساخ
عن بعد..! أو النقل الآني.. بلغة فيزياء الكم !
شعرت بالضياع كونها جاهلة نوعاً ما في الفيزياء ، لكنها فهمت ما كان يريد إيصاله لها ..قالت و هي
تشعر بالرهبة : إذاً فهكذا تستطيع أنت و فيونا نقل أي شيء آنيّاً!!
قال مصححاً فهمها : ليس كل شيء في الحقيقة.. نقل البشر صعب جداً... لا يمكن لأي كان أن
يفهم تنظيم الخلايا و يحدد مواقعها و أنواعها لينقلها، و حتى لو نجح في تحديدها..فالنقل يتطلب
طاقة كبيرة.. إضافة إلى أن صفات الخلايا أعقد بكثير من صفات ذرات الجمادات..
-لكنك..نجحتَ في نقلي !!
-أنتِ أول إنسانة أنجح في نقلها آنياً ! حاولت تجريب الأمر من قبل..لكني كنت أبتر العملية من
البداية ..لو أنني استمررت لكانت نهايتي أنا و من أريد نقله.. إنها مخاطرة كبيرة ..
بدت تعابير الخوف على وجهها..
قالت : قمت بنقلي رغم علمك بأن هذا قد يؤدي إلى موتنا؟!
-يحدث الموت في حالة غياب الشعور بالانتماء ، كارين..أنتِ أكثر من شعرت بالانتماء إليها
في الوجود !
لم تكن تتوقع أن يجيبها بهذا الجواب ، تضرج وجهها خجلاً ، أطرقت بعينيها و دفء وجنتيها في
ازدياد..
مرت دقائق صمت ، تبعها قوله : هل علمتِ الآن لم وافقت على طلبك ؟ و لمَ جعلتكِ أول من يخطو
على أرضية هذا البيت ؟
-..شكراً ..
-لا يوجد ما تشكرينني عليه..
-أنت جعلتني أعيش تجربة مميزة.. عرفتني على ما كان من الممكن أن أحيا و أموت دون أن
أكتشف وجوده..
ابتسم و هو يغير الموضوع : هل تريدين رؤية حديقة البيت؟
ردت بسعادة : بالتأكيد..!
رافقها إلى الخارج ، أدهشها كون المنطقة خالية من البيوت..قال لها مفسراً : هذه المنطقة تقع
على أطراف المدينة.. لا أحد يقصدها..لكن ربما يمتد الزحف العمراني إلى هنا في المستقبل..
قالت و هي تنظر إلى السهل الممتد : آخر مرة زرت فيها مكاناً كهذا ، حينما كنت طفلة في الصف
الأول الابتدائي.. ذهبنا في رحلة إلى منطقة خضراء من أجل التخييم !
-أنتِ لا تغادرين المدينة إذاً ؟
-نادراً ما أفعل ذلك ، أنت محظوظ لأنك تعيش هنا !
أخذها إلى خلف البيت ، هناك رأت ما هو أشبه بالمزرعة الصغيرة.. لفت انتباهها حوض مزروع
بالأقحوان..
-زهور الأقحوان هذه.. رائعة !
-إن لها استخدامات طبية لا تحصى ، لكني هنا سأحاول أن أجعل للزيوت المستخلصة منها..قيمة
فيزيائية..
-أريد واحدة لأجففها و أحتفظ بها على سبيل الذكرى !
أعطاها ما أرادت ، و بعد جولة أخرى قصيرة..أخبرته بأنها تنوي العودة لبيتها ، لتستذكر دروسها
قبل نهاية اليوم..
شكرته و طلبت منه السماح لها بزيارته في اليوم التالي أيضاً ، و وافق بسرور..
و خلال عدة ثوانٍ ، تلاشى الوجود و رأت نفسها في غرفتها ..
تأملت الزهرة في حب ، ما حدث اليوم ، كان كفيلاً بجعلها تنسى موقفها مع فيونا.. ذلك الموقف
المؤلم الذي ما كانت لتنساه لولا السعادة التي منحها إياها كيان..
صباح اليوم التالي ، لم تذهب فيونا إلى المدرسة ، و عوضاً عن ذلك كانت تقف أمام طاولة
عريضة..جلس خلفها رجل أشيب الشعر تملأ وجهه التجاعيد..
بدا غاضباً جداً ، لكنه حاول أن تبدو لهجته هادئة : فيونا يا ابنتي ! لمَ تعصين أوامري بهذه اللا مبالاة
؟! ألم أحذركِ من أي فعل قد يدل على استخدامك للنقل الآني ؟!
لم ترد جواباً..بل لفها الصمت و هي مطأطئة الرأس..
-ثم ما مصلحتكِ من إيذائهم ؟! بل ما مصلحتكِ من إلصاق التهمة بكيان ؟ أنسيتِ أنكما تسعيان
لهدف واحد ؟ عليكِ أن تتعاوني معه..لا أن تعاديه ..
-أبي..أنا مستعدة للتعاون مع أي كان ، إلا كيان هذا..
-الأمور الشخصية لا شأن لها ، إن الحلم الذي تسعيان لتحقيقه واحد.. عليكِ أن تضحي.. عليكِ أن
تدوسي على كرامتكِ من أجل ذلك الحلم لو اقتضى الأمر..!
لم يبد عليها تقبل كلامه ، تابع : لن نحقق شيئاً إلا بالصبر و التضحية ، عليكِ أن تحاولي أن تكوني
مثلهم.. أن تعيشي كشخص عادي بينهم.. إن الذي فعلتِه مع كارين أمر خطير.. يدل على تمردكِ
الذي يسيء لي و يهدد حلمنا الذي نقترب من تحقيقه !
-لم علي أن أحاول الاندماج معهم ؟ لأننا نهتم بمشاعرهم ؟ نحن لا نفعل هذا قط..نحن نكذب على
أنفسنا لا غير..
-اصمتي !! لقد اكتفيت من هذا ، إن كررت مثل تلك الأفعال فسأحتجزك..و أنا أعني ما أقول ..!
-كلامك مفهوم.. لن أفعل ذلك ثانية..
-بالمناسبة..لا يحق لكِ أن تنعتيني ب"سام" ..تذكري أنني والدك..
-يبدو أن كيان لم يترك شيئاً إلا و بلغك إياه..
-هذا لأنه يقدر الجميل.. و يشعر بالمسؤولية..
-أنت تفضله على ابنتك كعادتك..
تنهد و تعبير وجهه يشي بالملل من عبارتها : انصرفي..
غادرت الغرفة و هي تشتعل غيظاً.. "إلى متى سأظل تحت إمرة هذا العجوز الخرف ؟! إنه يسعى
وراء هدفه الأناني.. و يجبرنا على العمل لتحقيقه.. ! و فوق هذا يتظاهر بحرصه على مشاعر الناس
!! لولا جبنه لأمرنا بإبادتهم دون تردد..ليتني مت آنذاك و لم أنجوُ لأعيش هذه الحياة الخالية من أي
معنى.."
خرج كيان من فصله مع نهاية اليوم المدرسي ، ليرى كارين بانتظاره في الممر ، أخبرته بغياب
فيونا ، فقال : هل كنتِ وحدكِ وقت الاستراحة ؟
-نعم ، حتى لو كانت فيونا متواجدة فالأمر سواء.. لن أرافقها بعد الذي حدث..!
-لو لم تجدي من تقضين معه وقتك ، تستطيعين المجيء و الجلوس معي في المكتبة..
- شكراً ، لكنك..تكون منشغلاً..
-سأسر بوجودك.. و سأشارككِ ما أقرأ لو أردتِ ذلك..
خرجا من المدرسة و سارا مبتعدين ، قال : لقد دونت اليوم طرائق فصل بعض الزيوت من زهور
الأقحوان ، سأسهر على تنفيذها هذه الليلة.. لأتم أول خطوة من مشروعي ..
-هذا رائع ، أريد أن أساعدك..
قال كاتماً ضحكته : كارين.. أنتِ الآن مختلفة عن المرة الأولى التي رأيتك فيها.. كنتِ كالوحش
الكاسر.. لا تكفين عن الغضب و الصراخ في وجهي ..حتى أنني بدأت في الشك في صحة
شعوري بالانتماء لك !
ردت محرجة : هذا لأنني.. كنت غبية..
أردفت بعدها بحرج أكبر.. : كيان.. أنا لم أفهم تماماً.. معنى هذا الانتماء الذي تتحدث عنه..
-الانتماء يعني أن يعرف أحد اثنين بوجود صلة بينه و بين الآخر.. أفراد الأسرة الواحدة هم أكثر من
يشعر بهذا ، أما إن لم يكن الشخصان من أسرة واحدة.. فالانتماء يعني حينها أن المرء يعرف
مسبقاً بهوية الشخص الأنسب لأن يكوّن معه أسرة في المستقبل ! ..
قالها ببساطة أبكمتها... فكرت "إنه يقولها بوضوح في هذه المرة.. يقول بأنه يرى أنني الشخص
الأنسب لأن يكون معه أسرة !!!"
تخيلت للحظة إمكانية أن يتحقق هذا الأمر.. ارتبكت في البداية ثم رأت أنها لا تجد في الفكرة ما
يعيبها.. "كيان ليس سيئاً..لا..إنه ليس كذلك..بل هو أفضل من رأيت.. إن له شخصية رائعة.. رغم
الغموض الذي مازال يلفه..و البرود الذي يحل عليه فجأة أحياناً ..خلاف هذا.. فهو ذكي.. لطيف..
وسيم..و صاحب ابتسامة ساحرة !"
حاولت أن تتوقف عن التفكير في هذا المنحى ، تكاد تجزم أنه قرأ خواطرها في عينيها..
سألته : و هل ..يمكن أن يكون هذا الشعور خاطئاً ؟
-الخطأ وارد ، لكن ليس في حالة نجاح النقل الآني !! إنه دليل قاطع على وجود انتماء قوي..
-و هل أنت سعيد بانتمائك لواحدة مثلي ؟
-ما الذي تعنينه ؟
قالت بحزن : أعني.. أنا غبية و عصبية و لست مميزة المظهر حتى.. لا أملك شيئاً مما تملكه أنت..
-لكنك يوماً ما ستملكين قلبي..هذا إن لم تكوني قد ملكتِه فعلاً ، ألا يكفي هذا ؟
هذه المرة لم تستطِع الرد ، اصطبغ وجهها بالحمرة .. لاذت بالصمت ، و تابعت السير محاولة أن لا
تتعثر في خطواتها..
توقف ينتظرها عند باب بيتها مثل اليوم السابق ، و جاءت بعدها ليتابعا السير..
و عند الشجرة الكبيرة.. اختفيا.. هذه المرة..كان شعورها أجمل من المرة السابقة.. فالرهبة التي
كانت في قلبها من قبل تلاشت.. فتحررت روحها أكثر.. و جالت ما هو أبعد من المجرات نفسها..
فتحت عينيها بعد ثوانٍ.. لتجد أن عملية النقل قد تمت.. نظرت إلى ما حولها..
و شهقت من الصدمة.. !
الكرات المعدنية التي رأتها سابقاً معلقة في السقف.. تراها الآن مضاءة لكنها محطمة على
الأرضية.. الزجاج متناثر.. الطاولة الخشبية بدت و كأن فأساً اخترقها.. فهوت على الأرض ليتحطم
الحاسوب الذي كان فوقها..
التفتت إلى كيان لترى ردة فعله ، و لأول مرة ترى تعبير الصدمة على وجهه ، ينظر إلى ما حوله
بعينين متسعتين .. خرج من غرفة المعيشة للمطبخ.. هناك كانت الكارثة أعظم.. لم يبقَ كأس ولا
طبق إلا و تحول إلى قطع صغيرة متناثرة !
الثلاجة مفتوحة و الطعام ملقى خارجها.. حتى الباب الزجاجي للفرن قد تحطم..
عاد من هناك و هرع إلى الطابق العلوي حيث غرفة نومه..
تبعته كارين .. توقفت عند باب الغرفة .. لترى أن غرفة النوم ليست أفضل حالاً من بقية الغرف..
المصابيح كلها محطمة.. الملابس ملقاة و بعضها ممزق.. السرير مائل و قد حُطمت قدمه بذات
الفأس.. رأته يبحث عن شيئ بعينه.. لم يجده فبدا عليه اليأس.. و لذهولها لم ينتبه لوجودها و هو
يخرج من الغرفة. اصطدم بها عن طريق الخطأ.. سألتله : ما الذي حدث ؟
لكنه لم يسمع سؤالها..إذا تابع طريقه مسرعاً إلى حديقته الصغيرة.. ركضت خلفه..
و هناك وجدته مطرق الرأس إثر ما رآه.. لم تبقَ زهرة واحدة دون أن يُقطع ساقها و تتناثر بتلاتها..
أخذ عقلها يحلل الأمور.. طافت بعقلها مشاهد من الماضي القريب.. أندرو..جهاز تقفي الأثر..
المكتبة... !!
ارتجفت لما أخذت تدركه.."هل أندرو من فعل هذا ؟!! "
سمعت كيان يقول بصوت كالهمس : لو كان الفاعل ممن يجيدون النقل الآني ، فهم لا يتصرفون
بهذه الطريقة العبثية .. من يفعل هذا الخراب لا نية له سوى التنفيس عن غضبه المختزن في
داخله .. و حتى من من أظنهم الفاعلين.. فهم عاجزون عن الوصول إلى هنا إن لم يكونوا قد زاروا
المكان سابقاً و تعرفوا موقعه.. و هذا المكان لم يزره أحد من قبل.. فمن الذي قد يكون الفاعل ؟!
انقبض قلبها ألماً و ندماً .. قالت : هل يمكن أن يكون أندرو ؟
-هذا شيء متوقع منه.. لكني لا أصدق أنه الفاعل.. إنه أحمق ولا يمكنه الوصول إلى هنا بنفسه..
اقتربت منه و هي تتأمل سترته المدرسية ، لمحت الشريحة.. فانتزعتها و ناولتها إياه..
قالت بصوت بدأت تخنقه الدموع : لقد طلب مني أندرو فعل هذا قبل أن أراك في المكتبة.. لم أكن
أتصور أن هذا سيحدث..
فاجأته بكلامه.. فقال بألم : و ما الذي تصورتِ أن يحدث إذاً ؟ لمَ لم تخبريني من قبل؟!
اغزرت أدمعها..لو قالت بأنها نسيت الأمر برمته لصار وضعها أسوأ..ردت : أنا آسفة !!
-توقفي عن البكاء الذي لا جدوى منه.. !!!
قالها بنبرة أقرب للغضب.. لم تستطِع التوقف فغطت وجهها بكفيها و حاولت كتم حشرجات بكائها..
أخذ يتأمل الشريحة في يده.. فكر في حيرة "هذه الشريحة لا يمكن أن تكون إلا من تصميمه هو
أو أحد أتباعه !! لا أعلم كيف يمكن أن تصل إلى يد أندرو ! أيعقل أنه تابع لهم ؟ كيف يسمحون
لغبي مثله بالعمل معهم ؟ ألا يخشون لفت الأنظار ؟!"
قال و قد التفت إلى كارين : هل تعلمين مصدر هذه الشريحة ؟
ردت بصوت متقطع :أنا لا أعلم .. قال أندرو بأن له مصادره.. لكني لا أعلم ماهية هذه المصادر..
سامحني ..
أغمض عينيه ليهدئ أعصابه.. تلاشى غضبه نوعاً ما.. ابتسم لها وسط ذهولها : لست غاضباً منك..
لا تبكِ !
أزاحت يديها عن وجهها و هي تحاول إيقاف دموعها ..
قال : أخبرتكِ سابقاً أني لا أحسب لأندرو أي حساب.. لكني الآن علمت بأنه ليس مجرد منتقم
ساذج.. ربما كان كذلك لكنه متورط مع من استغل هذا الشيء فيه لمصلحته ..
-سواء كان متورط أم لا .. لقد ارتكب ما ارتكب و كلفك الكثير..!
-أندرو لا يزال هنا.. من المستحيل أن يكون قد غادر.. الكرات المعدنية لا تعمل إلا لخمس دقائق بعد
انفصالها عن زجاجتها.. و قد كانت مشتعلة حينما كنا في الداخل..
سار قليلاً بعيداً عن الحديقة.. قال و هو ينظر إلى سقف البيت.. صاح : أندرو ! انزل أنت و أصدقاؤك
الحمقى.. !!!
الكفيف عاشق الر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-09-2012, 02:19 AM   #3 (permalink)
الكفيف عاشق الر
رومانسي مبتديء
 
لم يسمع جواباً..عاد إلى مناداته.. هرع إلى السلم و صعد الدرجات مسرعاً إلى أعلى البيت.. و
هناك لم يجد أحداً.. سوى آثار أقدام الجناة على غبار السطح..
تأمل الآثار.. تتجه من نهاية السلم حتى منتصف السطح تقريباً.. ثم تختفي !!
شعر برعشة تسري فيه ، إن ما يراه لا يحتمل تفسيراً آخر..
قال في نفسه و الفكرة ترعبه : هؤلاء هربوا بانتقالهم آنياً من هنا..
الجزء السادس ~

نزل الدرجات بوجه متجهم.. كانت كارين قد جفت دموعها.. ركضت إليه و هي تسأله عما رأى..
أجابها بلهجة تشي بما يدور في داخله من عواصف : هؤلاء استخدموا النقل الآني.. هذا لا يدل
على أن أندرو الفاعل..
-من يمكن أن يكون الفاعل إذاً ؟!
-هناك من أشك في أمرهم ، لكن لا يمكن لهم الوصول إلى هنا دون أندرو !!
-و أندرو لا يستطيع الانتقال آنياً ..
-نعم..
قالها بشرود و هو ينظر إلى الأرض مفكراً ، لم تدرِ هي ما ردة الفعل المناسبة.. لم تعرف أتقترب
أكثر أم تبتعد..أتنطق أم تصمت..
فضلت الخيار الأخير.. و انحنت على سيقان الأقحوان المبعثرة تجمعها..
قال و لم يرفع رأسه : توقفي.. لا جدوى من هذا..
-أريد أن أساعدك..
-لا داعي لأن تتعبي نفسك ، أنا لن أعيش هنا بعد الآن..
ارتسمت على وجهها الصدمة ، صدمة مشوبة بالحزن.. قبل قليل كانت تتخيل بأن هذا المكان
سيكون عالمها الآخر .. حيث ستمضي أوقاتها سعيدة برفقته.. تتعلم منه و تبادله الأحاديث.. و
تنبهر مما يخفي..أما الآن..فهي ترى أمنيتها قد وئدت قبل ولادتها..
سألته : ما الذي تقوله ؟ إلى أين ستذهب إذا ؟!
-سأعود إلى بيتي القديم..
-لكن هذا المكان..جميل جداً.. لو أننها تعاونا فسننجح في إعادته إلى ما كان عليه ..
-لكننا لن نستطيع إعادة الأمان !
-أنت..مصر إذاً ؟
-لا يوجد خيار آخر..
مد يده إليها .. قال دون أن ينظر إلى عينيها : أنا آسف لما حل بزيارتك هذه ..
عادت إليها الرغبة في البكاء.. قالت محاولة الانتصار على دموعها : أنا من يجب عليه الاعتذار..أنا
السبب..
رفع بصره إليها و اقترب أكثر : هاتي يدك..عليكِ أن تعودي إلى بيتك..
ضمت يديها إليها و هي ترفض عرضه ، قالت : لا أريد أن أعود الآن ! أريد أن أبقى معك أكثر..
-شكراً لك.. لكن لا يوجد ما تفعلينه في هذا المكان ..
-خذني إلى بيتك القديم.. و أرِني إياه..
-هذا مستحيل..!
-لماذا تقول أنه مستحيل ؟
فكرت في كلامه ، و ظنت أن سبب رفضه هو أنه من غير اللائق أن يعود إلى بيته بعد غياب برفقة
غريبة ، فقالت : و ماذا عن الغد ؟ألن تأخذني معك إلى هناك ؟
رد بهدوء يخالطه الحزن : أخبرتكِ بأن هذا مستحيل.. لا يمكنني أخذك إلى هناك أبداً..الأمر ليس
بيدي..
-أنا بالكاد أراك في المدرسة.. بعدها تكون منشغلاً .. و لا يمكن أن ألتقيك في مكان غير بيتك..
شعرت بأدمعها تستعد للجريان مرة أخرى..بينما أنزل يده الممتدة و أحنى رأسه لتغطي خصلات
شعره عينيه..
مرت دقائق صمت ثقيلة.. و هبت ريح نسيمية أرعشت قلبيهما..
قالت بصوت مهزوز: أريد أن أكون معك ..
مرر أصابعه بلطف فوق شعرها .. أجابها : حسناً ، لكن بشرط واحد..
أشرق وجهها بالأمل .. قالت : سأنفذ أي شرط تريده ..
ابتعد عنها .. دخل البيت و اتجه لمكتبته الصغيرة.. كان يتوقع أن يعمها الخراب.. لكنها كانت بأحسن
حال.. و لم تمس بأي سوء.. فكر فيما يراه "هذا دليل أقوى.. على أن من كان هنا هم من
مستخدمي النقل الآني ! فهم لا يتجرأون على إتلاف مثل هذه الكتب القيمة " ..
جاء من داخل البيت بثلاثة كتب يبدو عليها القدم..
ناولها إياها و هو يقول : إن درستِ هذه الكتب كما يجب.. و تمكنت من استخدام النقل الآني..
فسأنفذ رغبتك دون أي عوائق تمنعني..
خبا الأمل على وجهها و هي تشعر باليأس..قالت : كيف لي أن أنجح في شيء كهذا ؟ أنت تعلم
أنني لا أفهم شيئاَ في علم الفيزياء..
-لغة هذه الكتب أبسط مما تتصورين.. ليست معقدة.. لقد تمكنت من فهمها حينما كنت في
التاسعة من عمري..
لم تزدد ثقة بنفسها.. و إنما قالت بلهجة اليأس إياها : سأبذل جهدي..
ناولها الكتب الثلاثة ، و قال لها مطمئناً إياها : ستتمكنين من ذلك.. الإرادة تلعب الدور الأكبر ، النقل
ليس مسائل فيزيائية بقدر ما هو اندماج مع الطبيعة و انطلاق للروح و العقل..
-سأفعل ما أستطيع لكي تفي بوعدك لي..
- في حال احتجتِ أية مساعدة..ستجدينني في مكتبة المدرسة..
-شكراً لك..
ابتسم و مد يده إليها ثانية.. هذه المرة لم تنكمش على نفسها.. و إنما اقتربت منه لتجد نفسها بعد
دقائق في غرفتها..
رمقت الكتب الثلاثة بنظرة طويلة سرعان ما تحولت إلى نظرة تحدي.. "كيان قال بأنني قادرة على
فهمها و تطبيقها .. سأفعلها!.. سأدرسها و أتمكن من استخدام النقل الآني .. و سأبدأ الدراسة من
الآن..! "



كان من حسن حظها أن يوم الغد يصادف عطلة نهاية الأسبوع.. و هذا مازاد من تصميمها..
تأملت الكتب من الخارج .. كانت متشابهة جداً.. فيما عدا الرقم المتواجد على الجانب.. رقم روماني
محفور في الغلاف اليابس الذي تغير لونه عبر السنوات.. هذه الكتب عبارة عن كتاب واحد لكنه مكون من ثلاثة مجلدات..
ربما كان هناك أكثر.. لكن كيان أعطاها هذه فقط..
تناولت الكتاب المرمز بالرقم واحد.. فتحت صفحة الغلاف.. تناولت محرمة ورقية و مسحت الغبار
الذي غطى الورقة الأولى..
كانت فارغة من الكلام.. مصفرة اللون شبه مهترئة..لقد كانت مهترئة بالفعل ، لكن منع تساقطها
المادة الشفافة التي دهنت على سطحيها بشكل واضح..في نهاية الصفحة لمحت أرقاماً كُتبت
بخط اليد.. دققت فيها.." 07070707" و أسفلها مباشرة.. رأت اسماً بدا و كأنه للمؤلف.. الخط كان
متشابكاً و غريباً نوعاً ما.. لكنها استطاعت قراءته "مالفوديو"!
تساءلت في داخلها عن حقيقة ذلك..و طوت الصفحة .. لترى أن الكتاب بأكمله بخط اليد.. بدأت
القراءة.. و سرعان ما تغلبت على ضيقها من اللكنة الغريبة للكلام المكتوب..



وضع كيان الشريحة على الطاولة التي يجلس خلفها سام ، بعد أن أنهى سرده لما حدث معه..
تناولها سام و أمعن النظر فيها ، قال و الدهشة تعتري ملامحه : تخمينك لم يخطئ حول مصدرها..
لكن ما صلة أندرو بهم ؟ربما لم يكن معهم حينما هربوا من بيتك..
-و ماذا تكون سلطته حتى يعملوا تحت إمرته ؟! مستحيل.. لن يفعل ذلك الخراب إلا أندرو..
-كلامك منطقي.. من المستحيل أن يخضعوا لطلبه..لاسيما طلب تافه مثل التخريب.. هم لا يعملون
بهذه الهمجية..
-لقد تركوا الكتب سليمة..
-لكن ربما لا يكونون جميعاً من مستخدمي النقل الآني..
-ماذا ؟ كيف اختفوا جميعهم إذاً ؟ أنت تعلم بأن نقل البشر عسير جداً ..
رمقه بنظرة طويلة، ثم قال : عليك بمراقبة أتباعه.. الثلاثة الذين يحومون حوله طوال الوقت..
راقبهم جيداً..عليك أن تعرف هوية من يستخدم النقل الآني منهم..
-حتى لو عرفته..فهذا لا يكفي ! لا يمكنه أن يكون قد نقلهم جميعاً بنفسه..
-نفذ كلامي وحسب..
-حسنًا.. سأفعل..
-اختبرهم كل واحد منهم على حدة ، تعرف كيفية فعل الأمر.. قم بأول مرحلة من النقل على من
تشتبه به..و أثناءها ركز على مركز طاقتك.. لو كان من أمامك منهم.. فتستطيع الإحساس بوجود
طاقته المميزة .. و حينها سيكون المطلوب..و بالطبع ابتر العملية مهما كانت النتيجة..
-لكن هذا..خطِر..
-إن ما أفكر فيه أكثر خطورة.. لو أنه تحقق.. فنحن في أسوأ وضع لنا منذ تلك الحادثة..
-أسوأ وضع ؟ ما الذي تفكر فيه ؟!
-لست متأكداً من ظنوني حتى الآن ، عليك بتنفيذ ما قلته لكي أحدد موقفي..
انتهت المحادثة ، و انصرف كيان ، ليهيم على وجهه في الطرقات.. بيته الذي تكلم عنه أمام كارين..
قريب جداً.. شعر بالضيق و هو يقترب منه..فتح الباب بهدوء و دخل.. لم يلتفت إلى ما حوله.. و سار
إلى غرفته مباشرةً..
غرفة قديمة مبعثرة الأغراض..مزدحمة بالكثير من الأشياء، بالكاد يجد المرء فيها طريقه.. تلك
غرفته الحقيقية..التي عاش فيها طفولته و قضى فيها أكثر أوقاته..
استلقى على سريره الذي مازال تعلوه الدمية التي حصل عليها حينما كان في السابعة من
عمره..
نظر إليها .. و تداعت ذكريات الطفولة..


قبل أحد عشرة سنة من عمره.. تمدد على ظهره فوق العشب الندي شابكاً يديه خلف رأسه..
نسائم عليلة هبت مداعبة شعره.. كانت السعادة تملأ قلبه.. و هو يتأمل زرقة السماء التي تلحفه..
الصفاء الذي كان يعيشه.. لم يكن له مثيل..
توسط وجهها سماءه في حركة مفائجة ، تناثر شعرها على وجهه فقال و هو يغمض عينيه : هيه !
ابتعدي .. أطراف شعرك تؤذي عيني !
رفعت رأسها ضاحكة.. جلست بجانبه و هي تحتضن دميتها.. قالت بفرح : لقد أخذني أبي إلى
السوق يوم البارحة.. و ترك لي حرية اختيار هدية نجاحي !
ثم لوحت بالدمية مبتسمة.. : و لقد اخترت هذه ! إنها جميلة ..أليس كذلك ؟
التفت و هو يقول : إنها تشبهك ..ألهذا اخترتِها ؟
ضحكت و تلونت وجنتاها بالحمرة.. أجابت : أنا لم أفكر في ذلك.. أهي تشبهني حقاً ؟
-نعم كثيراً..
-ماذا عنك ؟ما الهدية الذي حصلت عليها ؟
-أنا لم أحصل على أي شيء .. أبي لا يشتري الهدايا..
-هذا مؤسف..ماذا عن والدتك ؟
-يوم نجاحي كان يصادف يوم ميلادها .. كانت منشغلة بخبز كعكة لنفسها.. و الاجتماع بصديقاتها..
نظرت إلى السماء للحظات صامتة.. ثم قالت و قد عاد التعبير الفرح على وجهها: إذاً سأعطيك أنا
هديتك !
أمسكت دميتها بكلتي يديها و هي تقدمها له : أرجو أن تقبلها !
ضحك من فعلتها : أنا لا ألعب بدمى الفتيات !
لاح الحزن على وجهها : أرجوك.. لا تلعب بها.. فقط احتفظ بها..
-إنها هديتكِ أنت !!
-و أنا أريد أن أعطيها إياك..
-لن آخذها..
-أنت قلت بأنها تشبهني.. ألا تريد أن تتذكرني بعد رحيلي؟
نهض جالساً..تساءل : رحيلك ؟ إلى أين سترحلين ؟
-بعد يومين سأذهب للعيش في بيت خالتي خارج القرية..كان من المفترض أن أذهب إلى هناك فور
وفاة أمي.. لكني بقيت حتى أستكمل الدراسة.. أما الآن..فقد آن أوان الرحيل إلى هناك..
رد بدهشة :ألن تعودي ؟!
-بلى.. حينما لا أعود بحاجة إلى رعاية امرأة.. هذا ما قاله أبي..
-ألا يستطيع هو أن يرعاك ؟
-إنه زعيم البلدة.. و لديه انشغالات كثيرة جداً..
-نعم هذا صحيح..
عادت إلى تقديم دميتها : أنا لن آخذها معي إلى بيت خالتي..أولادها عابثون و سيتلفونها على كل
حال.. احتفظ بها من أجلي!
قال موافقاً : يالكِ من عنيدة.. شكراً!
- سأكتب لك خطابات من هناك ، لكني سأتوقف عن الكتابة إن لم أرَ أية ردود..
ضحك قائلاً : بالتأكيد سأقوم بالرد ..
تنفست بعمق ثم قالت : كيان.. أنتَ مختلف عن بقية الأولاد هنا.. إنهم يكرهونني لأنني ابنة
الزعيم.. يظنون أنني من يخبره بأفعالهم التي يعاقبون عليها.. ينتعتونني بألقاب سخيفة من
ورائي.. لكني حينما أعود سأريهم.. لن أترك ولداً إلا و سأجعله ينال عقابه.. أنا مستعدة لإيذاء
الجميع فيما عداك أنت ! أنت الوحيد الذي أحبك و لا أتخيل أن أؤذيك أبداً !
-و أنتِ مختلفة عن بقية الفتيات يا فيونا.. لكن عليكِ أن تتخلي عن فكرة الإيذاء .. إنها سيئة.. أنا لا
أتخيل أنني قد أؤذي أحداً ..


عاد إلى واقعه و أزاح الدمية القماشية بيده حتى سقطت على الأرض.. ترددت في عقله عبارته
القديمة"أنا لا أتخيل أنني قد أؤذي أحداً"..
" لا أدري كيف كنت أفكر بتلك الطريقة ! لقد كنت أجد إيذاء النملة إجرام.. أما الآن .. فأنا أكثر البشر
استعداداً لإيذاء العالم بأجمعه.."
مرت أيام عدة دون أن يأتي فيها كْيان إلى المكتبة ، في كل يوم تذهب كارين لتمضية وقت
الاستراحة في دراسة تلك الكتب التي أعطاها إياها.. تقرأ و تدون ما لم تفهمه لكي تستفسر
منه..تنتظر و تنتظر.. لكنه لا يأتي.. شعورها بالقلق كان يتزايد ..
حتى أنها بحثت عنه في فصله و الفصول المجاورة.. سألت عنه.. و كانت إجابات الطلاب متباينة إلى
حد زاد من خوفها.. البعض أخبرها بأنه لمحه في الصباح..البعض قال بأنه غائب كل هذه الفترة..
البعض قال أنه متواجد لكنه لا يحضر الدروس..
لم تكن تعلم ما الذي ينبغي لها فعله.. خيارها الوحيد كان التركيز على تعلم النقل الآني.. كونه
السبيل الذي سيوصلها إليه..
كان منشغلاًبمراقبة أندرو و رفاقه.. و مازاد من صعوبة المهمة أنها كانت مطاردة من الطرفين.. من
الصعب جداً أن يطارد المرء من يطارده.. أن يراقب الشخص من يراقبه دون أن يثير انتباهه..
إلى أن جاء اليوم الذي رأى فيه أحدهم يمشي متفرداً ، سار وراءه إلى منطقة خالية من الطلاب ،
فاجأه إذ توقف و استدار ليقول له : هل أنت هنا لاسترداد مجوهراتك الثمينة؟ أنت سارق
محترف..تستطيع الحصول على غيرها بسهولة.. تستطيع سرقة ما تشاء في أي وقت و قوت
يومك ليس مشكلة عويصة..لمَ لا تتركها لي إذاً ؟
أثار كلامه غيظ كيان.. أجابه : لست هنا من أجل شيء كهذا..
نظر إليه نظرة لامبالية ، و تابع سيره و هو يقول : إذاً لا أظن أن هناك شيئاً يدعو إلى وقوفي معك
هنا ..
و لم يكد يخطر خطواته حتى دفعه كيان دفعة حصرته في الزاوية.. أمسك بتلابيب عنقه و هو
يهمس بحدة : لا تتجاهلني من فضلك..
-و ما الذي ستفعله لو تجاهلتك ؟
و خلال لحظة واحدة..وجد كيان نفسه محصوراً في الزاوية بدلاً من الآخر.. انقلبت الأدوار و صار
الآخر المسيطر بعدما تغير موقعه في أقل من ثانيتين !
قوى قبضته على عنق كيان و هو يخاطبه بذات اللامبالاة : هل تشعر بالصدمة يا صغيري ؟ هل أنت
خائف ؟ هذا مؤسف !..
رد بصعوبة : أنت..منهم !!
-من الرائع أنك أدركت هذا !
-لكن.. كيف فعلتموها ؟ هل الآخرون يجيدون النقل الآني أيضاً ؟
-يال سذاجتك..
شعر كيان بالحنق إثر هذه الإهانة ، أخرج أداة حادة من بين طيات ملابسه.. ليوجهها إلى عنق
الآخر مباشرة بعدما مزق ربطة عنقه في حركة خاطفة..و سقط أول أزرار القميص أرضاً..
همس الآخر بنفس الاستخفاف : ها قد صرنا متعادلين الآن.. أود فقط أن أعرف من أين تعلمت تلك
الحركة ؟
لم يجبه كيان.. كان مشدوهاً إلى شيء آخر ، الجزء المكشوف من رقبة خصمه.. الخطوط الحمراء
و الزرقاء التي لونت جلده ..و الإشارة الواضحة إلى حبس الدم ..
لقد فكر من قبل في كلام سام و حاول تخمين ما يفكر به الأخير ،لكنه لم يجد إجابة.. لكنه
الآن..يرى الإجابة أمام عينيه ..!
شهق و هو يدرك ذلك.. تنبه خصمه للأمر..
اتسعت عيناه و هو يقول مخفياً رعبه : ما الذي ..تنظر..إليه ؟
-إنها أحزمة الطاقة .. التي مدتك بالطاقة اللازمة لنقلهم جميعاً.. أليس كذلك ؟؟
-عم تتحدث ؟
-لا تتظاهر بالجهل.. لا يمكن أن أخدع بهذه الآثار.. إنها ذاتها محفورة على جسد سام يا أحمق !
رد الآخر باستسلام : أنت تعلم بالأمر إذاً..
-كيف وصلت إليك ؟
-إنها من ميلان.. و قريباً سيصير كل واحد منا قادر على التزود بالطاقة اللازمة لتحديد مواقع و صفات
أي نوع من الذرات أو الخلايا.. دون حاجة إلى الشعور بالانتماء الذي لا يوفر إلا مقداراً ضئيلاً من
الطاقة ..
-و هل أنت سعيد بهذا ؟ قد تموت إثر هذه الأحزمة..إنها تدمر الأعصاب و مجرى الدم..
لمعت عينا الآخر بنظرة شيطانية و هو يقول : فليحدث ذلك ما دمت سأعيش حياة ذات معنى..
فاتني أن أخبرك بأن هذه الأحزمة مختلفة التصميم عن أحزمة سام.. تلك للنقل الآني وحسب..أما
هذه .. فيمكن التحكم بها جيداً.. يمكن بسهولة توجيه الطاقة من أجل النقل الآني.. أو التدمير
الآني !
رفع من مستوى قبضته حتى بان جزء من ذراعه.. جزء آخر مزرق.. أحاط به حزام رُبط بإحكام !
-أنا سعيد لأنني أشفيت فضولك .. لكني لن أدعك تذهب إلى سام بتحليلاتك الذكية..أنت مجرم بكل
الأحوال.. و عليك أن تتلاشى من الوجود.. !
لم يكن كيان يملك خيار الهروب.. يد خصمه كانت قابضة على عنقه..
لو أنه جرب النقل الآني لتطبقت العملية عليهما معاً بسبب التلامس.. و لفشلت و انتهى أمرهما ..
قال كيان بهدوء غير متوقع : هيا افعلها..ما الذي تنتظره ؟
ثم أردف وسط دهشة خصمه : سام يعلم بالأمر من البداية ، موتي سيكون دليلاً على صحة ظنه..
-ألا تبالي بموتك ؟
رمقه بنظرة حادة و هو يقول : أنت لم تقتل أحداً من قبل .. أليس كذلك ؟ لهذا أنت متردد الآن..
رد الآخر محاولاً التغلب على التخبط الذي شعر به فجأة : لست..متردداً..
-أكاد أسمع نبضاتك المتسارعة..أنت لن تستطيع قتلي هكذا..
لم يكن كولمان يتوقع أن يجد ردة الفعل هذه ، كان يريد إيقاع الرعب في قلب كيان ، لكن اللعبة
انقلبت عليه.. الثقة العمياء و الارتياح العميق الذين اكتسى بهما وجه كيان، يصيبانه بالهلع إلى الحد
الذي يمنعه من قتله.. لكنه قرر استجماع قوته و تنفيذ الأمر.. همس لنفسه "مهما كان السجين
متوحشاً فهو سيعدم في النهاية.. لا ينبغي أن يشعر الجلاد ولا القاضي بالخوف.. الأمر منتهٍ.. و
السجين لن ينجو لمجرد أنه يبدو واثقاً من نفسه.."
استرجع شيئاً من اتزانه.. قال مخاطباً كيان : بل سأقتلك.. و سـ..
لم يكمل عبارته..
لأنه أحس بالدم يتدفق من رقبته..الأداة الحادة انغرس طرفها في جلده المحمر ..
أرخى قبضته و أمسك بعنقه يتحسسها.. كان يحاول السعال و إن فقد القدرة على ذلك.. شعر
بالدوار ثم وجد نفسه ملقى أرضاً و طيف كيان فوقه..
تلاشت الأضواء من حوله.. لم يعرف ما الذي حدث.. كل ما شعر به كان دماءه التي أخذت تغطي
وجهه و صدره.. كل ما سمعه كان الصمت الأبدي بعد عبارة كيان الأخيرة : أنت لا تستحق الحياة
بهذا القلب الواهن..



مع رنين الجرس ، خرجت كارين من المكتبة و هي تشعر بإحباط عارم، نزلت السلالم حاملة
الكتاب و دفتر الملحوظات .. كيان كان مستحوذاً على تفكيرها..
" هل يمكن أن يكون مصاباً بأذى ؟.."
كان هناك اندفاع غير عادي على السلالم..حتى أنها كادت تسقط مراراً لو لم تتمسك..
الجميع يتجهون إلى جهة الصالة الرياضية القديمة ، حيث الفصول الفارغة التي لم تعد مستخدمة..
العبارات التي سمعتها كانت كفيلة بجعلها تفهم ما الذي حصل.. "هناك جريمة بشعة" .. "كولمان
ميت".. "هناك جثة "..
لم تجد نفسها إلا مندفعة معهم لرؤية الحادثة.. شعرت ببدنها يقشعر و هي ترى أول جثة في
حياتها.. لم تدقق في الجرح كثيراً .. و لم يكن ذلك ممكناً بسبب بحيرة الدم التي غطت كل
شيء..ابتعدت مع وصول الشرطة و الإسعاف ..و انقبض قلبها و هي تتذكر جرح أندرو.. " بالرغم
من عدم وضوح شكل الجرح..إلا أنني أشعر بأنه ذات الجرح الذي أراني إياه أندرو.. هذا مخيف..هذا
مخيف حقاً.. "
الجزء السابع ~

انصرف الطلاب إلى بيوتهم بعد أن تعطلت الدراسة لذلك اليوم.. عادت كارين إلى البيت شاعرة
باليأس.. لكنها رغم ذلك أقنعت نفسها بضرورة متابعة الدراسة من الكتاب ..كي تثبت لكيان حينما
تراه أنها جادة في رغبتها ، و قادرة على تعلم النقل الآني ..
دخل كيان بيت العجوز سام دون استئذان كما هي عادته.. نهضت فيونا من كرسيها لتستوقفه قبل
أن يتجه إلى غرفة أبيها.. قالت له و هي تتفحص هيأته المبعثرة و الدماء المتناثرة على ملابسه.. :
أنت.. أنت هو من قتل كولمان !!
رد و هي يزيحها عن طريقه : نعم هذا صحيح.. ولا شأن لكِ في الأمر..
استوقفته ثانية : ما الذي يجري ؟ لماذا قتلته ؟
-إنه من أتباع ميلان
-و ماذا يعني هذا ؟ أهو ذنب كافٍ لإزهاق روح إنسان ؟!
-.. أنتِ آخر من يتكلم عن قيمة الروح..
قالها ببرود جعلها تستشيط غضباً ، ردت ضاغطة على أسنانها : أنت..وغد..
قبضت على ذراعه لمنعه من تجاهلها.. سألته : لماذا قتلته ؟
-كنت أدافع عن نفسي لا غير..
أزاح يدها بعنف.. و أكمل سيره قائلاً : لا تتدخلي فيما لا شأن لكِ به..
لم تستطِع إيقافه مجدداً.. رأته يدخل غرفة أبيها مغلقاً الباب خلفه.. جلست كاتمة شعورها
بالانفجار.. "يخفيان عني سراً.. لكني أنا أيضاً أعلم كيف أخفي أسراري.. ستندم يا كيان.. و أنت يا
أبي.. ستندمون جميعاً.. لأنكم تظنون أنكم وحدكم من يستحق الحياة.."


فهم سام الأمر من نظرة واحدة إلى هيئة كيان..قال : أكان من الضروري أن تقتله بهذه الطريقة؟
-كان يحيط يده حزام للطاقة.. قال بأنه يستطيع توجيه طاقته من أجل التدمير الآني.. لو أنني
تأخرت عدة ثوانٍ.. لصرت الآن في عالم اللاوجود..
نهض سام من مكانه ليقف مرعوباً..همس : هذا ..خطِر جداً.. كيف استطاعوا تصميم أحزمة الطاقة
؟ النموذج الوحيد الموجود لها من صنعي شخصياً.. لا يمكن عمل أية أحزمة أخرى دون الرجوع إلى
النموذج الخاص بي أو مخطوطاته !
-الآن يمكنهم تدمير أي شيء آنياً أليس كذلك؟
-نعم..اسمعني يا كيان.. الليلة سأعقد اجتماعاً مهماً.. أريد منك أن تدعو له من تثق بهم وحسب..
سيكون اجتماعاً سرياً..ولا ينبغي لأي شخص ينتمي لميلان أن يحضر.. أنا متأكد من أنهم يعيشون
بيننا و مستعدون للخيانة في أية لحظة.. لذلك أطلب منك الحذر.. لا تدع خبر الاجتماع السري
يتسرب لأي شخص تشعر بذرة شك فيه..
-على هذه الحالة..لن يصل عدد المجتمعين إلى عشرين..
-لا بأس ، السرية هي الأهم.. كيان.. أنا أعتمد عليك..
-شكراً
-استبدل ملابسك أولاً..
-بالتأكيد سأفعل..
أومأ برأسه على سبيل التحية.. و اختفى ليكون في بيته خلال لحظات..
غسل وجهه و استبدل ملابسه في عجلة.. "أنا أشعر بالتعب.. " قالها لنفسه و قد تذكر أنه لم يأكل
شيئاً في هذا اليوم..
لكن لم يكن هناك وقت كافٍ للأكل.. إذ سرعان ما خرج لدعوة المطلوبين للاجتماع السري..
مع بدء حلول الظلام انتهى من مهمته.. و هرع إلى قاعة الاجتماعات السرية في السرداب يجهزها
برفقة سام.. نفضا الغبار معاً و رتبا الكراسي.. و بتمام العاشرة كان جمع المدعويين في القاعة.. و
قد حرص كل منهم على أن يأتي بالنقل الآني لكي لا يراه أحد في الطريق..
لم تعرف فيونا بأمر الاجتماع القائم في سرداب بيتهم ، صحيح أنها شعرت بالتوتر و الشك.. لكنها
استسلمت و نامت بعمق في تلك الليلة..
لم ينتهي الاجتماع إلا قبل الفجر بقليل.. طوال الليل كانوا يتناقشون حول حلمهم الذين يسعون من
أجله جميعاً.. و المشكلة الكبيرة التي تهددهم.. فكروا في الحل طويلاً.. و في النهاية وافقوا على
الحل الذي اقترحه أصغر الأعضاء.. ابن العشر سنوات..
صحيح أن ذلك الحل صعب التنفيذ ، إلا أنه مضمون .. و قد قرروا البدء فيه من اليوم التالي..
سار كيان في ذلك الطريق منهك القوى .. النعاس و الدوار يعصفان برأسه.. و معدته الخاوية تؤلمه
.. كان قد فقد كل طاقته تقريباً..حتى أنه لم يستطِع استخدام النقل الآني للعودة..
بصعوبة صعد إلى غرفته.. و ارتمى على السرير ليغرق في سبات عميق..




نظرت كارين إلى المكان الفارغ بجانبها.. المكان الذي كانت تملأه فيونا بمرحها الدائم.. "مازلت لا
أستطيع تصديق أنها كانت تمثل في كل هذا الوقت.. هل يعقل أن تصل درجة التقمص إلى هذه
الدرجة ؟ صداقة عمرها عامين تنتهي في لحظة حقيقة واحدة ؟ لكني أتساءل عن سبب اختفائها
هي الأخرى.. إنها لا تأتي إلى المدرسة منذ مدة.. هل غيابها متعلق بغياب كيان يا ترى ؟"
كانت تشعر بالضيق إذ أن طلاب فصلها جميعاً سألوها عن فيونا ، في حين أنه ما من واحد منهم
قرر الجلوس بجانبها .. اهتمامهم ينصب على فيونا بشخصيتها الرائعة.. أما كارين ، فلم يكن أحد
يلقي لها بالاً..
ذهبت إلى المكتبة كعادتها وقت الاستراحة ، و خاب ظنها من جديد حيث لم يكن هناك أثر
لكيان.."هل يعقل أن ما يتداوله الطلاب صحيح ؟ إنهم يقولون أنه من قتل كولمان.. و أن الشرطة
تبحث عنه في كل مكان.. ألهذا السبب لا يأتي إلى المدرسة ؟!! "
رفضت تصديق الأمر في داخلها ، و إن كان كل شيء حولها يدفعها إلى الرضوخ لهذه الحقيقة..
لكنها لم تستسلم .. و لم تتقبل فكرة أن يكون كيان هو القاتل.. "حينما أراه سأسأله.. و سأعرف
الحقيقة.. حتى لو كان القاتل.. فبالتأكيد هو يملك الأسباب الكافية.. لا أستطيع تصور أن يقوم بشيء
كهذا لمجرد التسلية"
جلست تدرس بصمت ، و الحزن يعصف بقلبها.. تحاول تناسي شعورها بالوحدة.. و تواصل الدراسة
بجهد و تصميم..



استيقظ كيان بعد أربع ساعات من النوم.. كان رأسه يؤلمه.. و النعاس يداهم عينيه.. لكنه نهض
ليباشر ما توصلوا إلى في اجتماع الليلة السابقة..
وضعت كارين كتبها في حقيبتها و خرجت من فصلها بعد انتهاء آخر يوم دراسي في الأسبوع..
أسرعت في مشيتها لكي لا تحتك بذلك الذي يراقبها منذ مدة عند باب الفصل .. لكنها لحقها و سار بجانبها لمحادثتها..
-هل تريدين أن أوصلك إلى البيت ؟
-ابتعد يا أندرو ! لا أريد شيئاً ..
-لمَ هذه العصبية ؟ أنتِ غريبة أطوار حقاً..
-نعم أنا كذلك ، هللا ابتعدت عني ؟
-هل كل هذا لأن ذلك المجرم سيقبض عليه و ينال جزاءه ؟
-ليس مجرماً..
-عجباً.. ينبغي أن تكوني سعيدة.. فأنتِ تعرضتِ للسرقة على يديه سابقاً..
-لم يكن السارق ، و أنا نادمة لأني ساعدتكم فيما فعلتموه..
-إنه يستحق على كل حال ، سواء كان سرقكِ أم لا.. فهو سرق من أشخاص آخرين.. و قتل أشخاصاً آخرين..
-لا أريد سماع المزيد.. ابتعد وحسب..!
-خفضي من صوتك حتى لا تري جانبي الآخر الذي تعرفينه..
صمتت رغماً عنها و هي تتذكر تهديده السابق بتحطيم عظامها ، سارت بجانبه تستمع إلى ما يقوله
عن كيان بضيق.. أوصلها لباب بيتها و وقف مستنداً على السور..
-شكراً لك على إيصالي... تستطيع الذهاب..
-هل تطردينني ؟
لم تجبه.. بل اتجهت إلى باب بيتها لتدخل و تغلقه خلفها ..
كادت تندفع نحو السلم لتصعد إلى غرفتها ، لكن صوت والدتها استوقفها.. استدارت إليها لترى ما
تريد.. كانت والدتها ترتدي مريلة المطبخ و تقف ممسكة بالجريدة، قالت بدهشة و هي تتأمل الخبر
الذي أمامها : الشرطة عرفت من قتل ذلك الطالب المسكين في مدرستكم ، انظري يا كارين.. هذه
هي صورته..
تقدمت كارين لترى ، انتفض قلبها و هي ترى صورة كيان أمامها..
قالت والدتها : من يتصور أن هذا الوجه وجه قاتل ؟ المظاهر تخدع حقاً ..!!
لم تجبها كارين التي ظلت محملقة في الصورة ، أردفت والدتها : يقول الخبر أنه من أذكى طلاب
المدرسة.. و أنه مشهور في المدرسة بسبب تفوقه و نيله مراكز متقدمة في عدة مسابقات !
لاسيما مادة الفيزياء !! تصوري هذا !
-نعم..أنا أعرف هذا..
-هذا غريب جداً.. لكن الشرطة متأكدة من كونه القاتل.. لقد حز عنق الضحية بسكين حادة !! أي وحشية هذه..!! لابد أنه مريض نفسياً..
-ربما كان لديه دافع قوي..
-الشرطة تبحث عنه على كل حال ، لن نعرف الحقيقة إلا بعد القبض عليه..
توجهت كارين إلى غرفتها و هي تحبس دموعها "هل يعني هذا أني لن أراه أبداً ؟!" كررت هذا
السؤال في داخلها بألم ، تمنت أن يكون كل هذا حلم ، و أن تذهب إلى المدرسة لتراه ثانية في
المكتبة..
جلست تدرس حتى حلول الظلام.. نزلت لتتناول عشاءها بوجه متجهم ، سألها أبواها عن سبب
حزنها ، لكنها لم تتكلم ..
بقي الجو مشحوناً حتى قالت والدتها : إن كنت حزينة من أجل ذلك القاتل فعليكِ أن تنسيه.. لن
تريه مرة أخرى في المدرسة..
عبارتها تلك كانت بمثابة الضربة القاضية لكارين ، لم تستطِع حبس دموعها أكثر ، انفجرت في البكاء
و صعدت إلى غرفتها ..
شعرت أمها بسوء ما فعلته ، نهضت لتحق بها.. لكن استوقفها الأب قائلاً : دعيها تبكي ، سيجعلها
هذا تتخلص من حزنها .. يمكنكِ الاطمئنان عليها فيما بعد..


أغلقت كارين الباب خلفها و هي تبكي بأنفاس متلاحقة ، رفعت رأسها لتلمح شيئاً غريباً في
الشرفة.. لم تبالِ بخوفها و تقدمت لترى ما هناك..
أزاحت الستار.. لتراه واقفاً ينظر إلى السماء.. بقيت في مكانها و هي عاجزة عن إدراك الواقع..
"هل أنا في حلم ؟!" ..
-كيان !! هل هذا أنت حقاً ؟!!
لم يكد يلتفت إليها ، حتى وجدت نفسها مندفعة إليه.. قالت من بين دموعها : كيان..أنت بخير.. كدت
أموت خوفاً ..
أجابها و هو يمرر أصابعه فوق شعرها كما المرة السابقة : لا تقلقي.. أنا بخير ..
-إنهم يقولون..أنك قاتل..
رد بهدوء: كنت سأموت لو لم أفعل ذلك.. حياتي ليست بهذه الأهمية..لكني لست مستعداً للموت
الآن..
-كنت..ستموت ؟
-نعم..كان ذلك وشيكاً جداً..
انحدرت دموعها بغزارة أكبر و هي تقول : كنت أعلم أنك لم تفعل ذلك عبثاً.. لكن.. لماذا اختفيت
هكذا ؟ إنهم يبحثون عنك..
-لن يصدقوني لو قبضوا علي.. عقوبتي ستكون الإعدام بلا أدنى شك..
-ماذا يعني هذا ؟ ألن تعود أبداً ؟!
-أبداً..
اعتصر قلبها ألماً و هو يقول ذلك.. همست : لكنك قلت لي .. بأنني سأراك كل يوم في المكتبة ، و
ستساعدني في فهم تلك الكتب..
-أنا آسف.. لن أستطيع فعل ذلك..
-لكني بهذا لن أكون قادرة على رؤيتك !! ألم تقل لي من قبل.. أنك تشعر بالانتماء إلي؟
-لهذا أنا هنا الآن من أجلك، لكن ربما لن يترك القدر لنا تحقيق ما نريد.. الأسرة التي سنكونها يا
كارين لن يكون لها وجود أبداً..
-ما الذي ..تعنيه ؟
-قد أموت قبل ذلك..
-كف عن هذا الكلام القاسي ..
-آسف.. لكن عليكِ أن تتقبلي الحقيقة
-تريدني أن أتقبل حقيقة أن تختفي من حياتي ؟ هذا لن يحدث..
صمتت قليلاً تسترد أنفاسها.. ثم قالت : أنا أدرس بكل جهدي منذ أسبوع كامل..
-إلى أي فصل وصلتِ في الكتاب الأول ؟
-الفصل الثامن.. لكن هناك أشياء لم أفهمها..
"الفصل الثامن ؟ منتصف الكتاب تقريباً..لم أتوقع أن تثابر هكذا..إنها جادة حقاً في نيتها للوصول
إلي.."
رفع رأسها لينظر إلى وجهها المبلل بالدموع ، قال: أراكِ غداً في تمام الساعة العاشرة.. سأشرح
لكِ ما عجزت عن فهمه..
أنزلت رأسها بحرج ، ابتسمت و هي تقول : شكراً لك..
-بل شكراً لكِ أنتِ لأنك منحتِني حبك..
تراجع خطوة إلى الوراء : الجو بارد.. اذهبي إلى النوم..
-حسناً..
-إلى اللقاء
-انتظر لحظة !!
-ماذا هناك ؟
أخفضت رأسها و هي تقول : احترس أرجوك ، لا تدعهم يقبضون عليك..
ضحك : هذا لن يحدث إلا في أحلامهم !
اختفى من أمامها في طرفة عين.. تأملت ما خلّفه من فراغ طويلاً.. ثم أغلقت باب الشرفة و
استلقت على سريرها..
سمعت طرقاً على باب غرفتها ، فتحته لترى والدتها.. قالت لها بحنان :أنا آسفة يا كارين.. لم أكن
أعلم بأنه قريب منكِ لتلك الدرجة..
ابتسمت و أجابت : لا بأس يا أمي..أنا الآن على ما يرام..
تعجبت والدتها من هذا التغير المفاجئ الذي طرأ عليها.. لكنها شعرت بالراحة إثره..
-حسناً إذاً..تصبحين على خير..
انصرفت ، و عادت كارين لتستلقي على سريرها.. تأملت زهرة الأقحوان المجففة طويلاً .. ثم نامت
بعمق حتى الصباح التالي..



تصفح كيان مجموعة الأوراق التي ناولها إياه أحدهم ، قرأها على عجل ثم قال : هذا رائع يا باتريك
، سأدرسها اليوم لأرى ما إن كان هناك تعديلات لازمة .. لكن أبلغ الآخرين بأن يبدأوا تجميع المواد
الكفيف عاشق الر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-09-2012, 02:21 AM   #4 (permalink)
الكفيف عاشق الر
رومانسي مبتديء
 
المطلوبة..
أخرج باتريك من حقيبة يحملها مجموعة أخرى من الأوراق ، ناوله إياها و هو يقول : حسناً ، هذه
بقية المخطوطات ، أرجو أن تطلع عليها أنت و السيد سام..
-نعم سأفعل ، شكراً لكم جميعاً..
-لا داعي للشكر ، نحن نفعل هذا لمصلحتنا في المقام الأول..
افترقا.. و عاد كيان إلى بيته كما اليوم السابق منهك القوى ، لكنه لم ينم.. و إنما جلس يطالع تلك
الأوراق باهتمام مع سطوع شمس النهار..
جلس سام يحتسي كوباً كبيراً من القهوة و هو يبدو منهمكاً في قراءة كتاب قديم ، سمع طرقاً
على باب الغرفة ، فأجاب : ماذا تريدين يا فيونا ؟
دخلت و وقف عند الطاولة ترمقه بنظرتها الخالية من المعنى.. قالت : أنت لا تثق بي ، أليس كذلك ؟
وضع الكوب على الطاولة و رد عليها : لمَ هذا السؤال ؟
-أتظنني لا أعلم أن هناك شيئاً تخططون له ؟
-إنه عمل لا شأن لكِ به ..
-لكنك تعلم أنني أستطيع المساعدة ، لمَ لا تخبرني به إذاً ؟
-نعم تستطيعين المساعدة ، لكنكِ لا تستطيعين تقديمها بإخلاص !
-هي مسألة انعدام ثقة إذاً..
-على كل حال أنا لا شأن لي ، لقد كلفت كيان بمهمة اختيار من هم أهل للثقة ، و هو لم يختركِ..
-و هل كنت تتوقع أن يختارني هذا الأناني..؟!
لم يجبها ، و إنما تجاهلها و أخذ يطالع الكتاب مرة أخرى..


خرجت من البيت شاعرة بالغضب ، مضت تسير في الطريق و هي تتذكر ما حدث قبل
أربعة أعوام ..
حينما عادت إلى القرية بعد غيابها الطويل ، رأت كيان فوجدت نفسها قد تعلقت به أكثر من ذي
قبل.. لم تكن تعلم بمشاعره هو بعد كل تلك السنوات ، لكنه كان يعاملها بلطف مثل السابق.. إلى
أن أتى ذلك اليوم الذي هزها من الأعماق و غير مجرى حياتها ..
انتظرته في الحديقة القريبة طويلاً ، لكنه لم يأتِ ، فقررت زيارة منزله..
استقبلتها والدته بحبور.. صعدت الدرجات إلى الأعلى ، طرقت باب غرفته..
أجاب : من هناك ؟
ردت بسعادة : أنا فيونا !!
فتحت الباب قبل أن يؤذن لها ، وجدته جالساً عند النافذة يتأمل الخارج و تعبير غامض على وجهه..
خفتت سعادتها ، تقدمت و هي تسأله : ما بك ؟
لم يلتفت و إنما قال بهدوء قتلها : اخرجي من هنا !
كانت المرة الأولى التي يكلمها فيها بهذه الطريقة ، اقتربت منه و هي تقول : لمَ أنت حزين يا كيان
؟ أخبرني..
أبعدها بيده و وقف ليقول بنظرة ملئها الشرر : إن لم تخرجي فسأفعل هذا بنفسي !
شعرت بقلبها يرتجف إثر هذه الصدمة .. "لماذا يعاملني هكذا ؟! "
سألته : هل أنت منزعج مني ؟
-كفي عن التظاهر بالبراءة ، لقد علمت بكل شيء..أيتها الخائنة..
زلزلتها تلك الكلمة ، تناثرت أدمعها بلا شعور منها .. ردت : أنا لست كذلك !!
شعرت بنظراته تحرقها و تحيلها إلى لا شيء ، قالت بصوت مرتجف : ربما تكون قد علمت بذلك..
لكن صدقني هذا ليس بإرادتي.. و أنا لم أقصد إخفاء الأمر..كنت أفكر في إخبارك.. كنت أريد
مساندتك لي لكني لم أجد الفرصة المناسبة ! أرجوك تفهم موقفي.. عليك أن تسمع ما أريد قوله !
رد بغضب : ها أنتِ تعترفين إذاً ! أساندكِ في ماذا ؟! ليس هناك ما أساندكِ فيه.. خيانتكِ هذه
ليست مغفورة أبداً !
-أنت غاضب لأنك تحبني ، أنا أعلم ذلك.. لكنك لو علمت الحقيقة لندمت على موقفك..
-من قال لكِ أني أحبك ؟ ما الذي قد يدفعني إلى محبتك ؟! لطالما كنتِ فتاة منبوذة.. عاملتكِ بلطف حتى لا يغضب مني العم سام وحسب!
أبكمتها عبارته.. وقفت ترمقه في صدمة..بينما تابع : كنت أشعر بالشفقة نحوكِ وحسب.. أما الآن و
قد عرفت حقيقتك..فمشاعري تلك استبدلتها بالكراهية.. لأنكِ لا تستحقين الشفقة حتى!
-لكني..أحببتك بصدق..
-بل قولي..خدعتك بصدق !
لم يترك لها مجالاً للكلام ، صاح بها : اخرجي من هنا..!
خرجت من غرفته و ركضت تنزل السلالم.. استوقفتها والدته متعجبة: ما الذي حدث يا فيونا ؟ لماذا
تبكين ؟
لم ترد ، بل تابعت جريها نحو الباب مسرعة ، و خرجت من ذلك البيت بلا عودة..
عادت إلى واقعها ، شعرت بالدموع تترقرق في عينيها .. "مازلت أبكي كلما تذكرت ذلك الموقف !!
لقد.. حطمني حقاً.. لم أتوقع أبداً أن يتخلى عني هكذا.. و أن يصيح بي بتلك الكلمات القاسية..
كنت أحبه و ظننته الوحيد الذي سيتفهمني و سيقدم لي المساعدة ، لكنه ببساطة.. تركني .. و
تجاهلني !! كنت أريد عونه كي لا ينظر الناس إلي كخائنة ! لكنه كان أول ينتعتني بذلك اللقب ! ..
هكذا قررت أن أكون خائنة بالفعل.. لأني أيقنت بأنه لا وجود لمن يستحق الإخلاص "
ضغط أندرو على عدة أرقام في هاتفه النقال ، ثم سمع رنين الهاتف من الجهة الأخرى..
رد عليه صوت هادئ : مرحباً ، ماذا هناك يا أندرو؟
-أريد أن أتكلم معك في بعض الأمور.. لقد اتصلت في الأيام السابقة لكنك لم ترد..
-أنا منشغل جداً ، ليس لدي الوقت الكافي لذلك..
-متى ستكون متفرغاً ؟
- لن أكون متفرغاً أبداً !!
-لكني أريد محادثتك !!
-اسمعني.. إن كنت مصراً ، فسأرسل أحد أتباعي بدلاً مني ..
شعر أندرو بشيء من الخيبة.. في كل مرة يكلم أحد هؤلاء الأتباع..و لم يسبق له أن رأى ميلان
في حياته..
-حسناً.. لكن أين سألتقي بهذا الشخص ؟
-أينما تريد! إنها امرأة تدعى إلفا ، ستكون بانتظارك خلال ربع ساعة.. أمام مدرستك..
-أمام المدرسة ؟!
-المدرسة أبرز المعالم التي يمكن لها الوصول لها بسرعة ! إن كنت معترضاً فلن أرسلها..
-لالا ، أنا موافق..شكراً لك
-حسناً إذاً..خلال ربع ساعة..
أغلق السماعة في وجه أندرو.. وضع الأخير الهاتف النقال في جيبه و هو يشعر بالغيظ.. "من يظن
نفسه هذا المتعجرف ؟ إنه يزداد غلظة و جفاء كل مرة ! لولا وعده لي باسترجاع أخي.. لما قدمت
له أية خدمة أبداً.."
كانت المدرسة قريبة ، فقرر السير مشياً حتى بلوغها في الوقت المحدد.. أخذ يفكر
" سيدة تدعى إلفا.. شعور غريب يداهمني بأني سمعت هذا الاسم مراراً من قبل.. اسم شخص
أعرفه جيداً.. بل شخص قريب !!.. لكن..من..؟!"
الجزء الثامن~

توقف عند مدخل المدرسة و أخرج سيجارة من جبيه.. هم بإشعالها لكن يداً تناولتها منه في حركة
فاجأته.. قالت و هي تنظر إلى السيجارة : التدخين عادة سيئة جداً.. أنت مازلت في السابعة
عشر.. من أين تبتاع علب الدخان؟ يجب أن يتلقى ذلك المتجر مخالفة صارمة ..
"كيف علِمَتْ أني لم أبلغ الثامنة عشر بعد ؟ إن من يراني عادةً يظنني في العشرين من عمري.."
فكر و الدهشة تعتريه ، لكن سرعان ما رد عليها غاضباً : و ما شأنك أنتِ ؟!
التفت إليها .. رغم المساحيق التي تملأ وجهها ، إلا أنه تعرف ملامحها ، كانت مفاجأة بالنسبة له..
تلاشى غضبه و هو يقول بتردد : هل أنتِ.. السيدة إلفا ؟! صديقة أمي التي كانت تزورنا في البيت
يومياً قبل ثلاث سنوات ؟!!
-يالها من مصادفة غريبة ! لم أتوقع أنك أندرو نفسه الذي قصده ميلان..
-و أنا لم أتوقع أن يرسلك.. بل لم أتوقع أنكِ من أتباعه !
-لقد تغيرتَ كثيراً، أين ذلك الصغير الرقيق؟ و من أين أتيت بهذه العضلات المخيفة؟
كانت تتأمله كأنها تتأمل تمثالاً أو ما شابه ، قالت و هي ترسم تعبيراً من الدهشة على وجهها : أنت
تبدو كأحد مقاتلي الشوارع !! ليت كاترينا ترى ما حل بملاكها .. يا إلهي.. !
-هل لكِ أن تتوقفي عن مقارنتكِ هذه ؟ لقد ولى الماضي ولا جدوى من استرجاعه الآن..
و تذكري أنكِ هنا لغرض مختلف عن الذي تخوضين فيه..
-صرت تتكلم كالكبار حقاً !
أزعجه كلامها ، فقال بلهجة حادة : كفي عن هذا !
ابتسمت : حسناً ، ما الأمور التي أردتَ محادثة ميلان حولها؟
بدا عليه الضيق.. قال : في الحقيقة..أردت سؤاله حول وعده الذي قطعه لي .. لقد مرت عدة
أسابيع مذ حدثته أول مرة ، قال بأنه سيعيد إلي أخي الأصغر.. لكنه صار يتجنب الموضوع و يرفض
محادثتي ..
-هل تنفذ ما يقوله من أجل وعده ذاك ؟
-نعم ، هذا هو دافعي الوحيد لتحمل هذه المهانة..
-إذاً عليك أن تقطع علاقتك به.. !
-ما الذي تقولينه ؟! إنه السبيل الوحيد لرؤية أخي !
-لا ينبغي لك أن تخدمه أبداً ، لا ينبغي لك أن تنفذ أي رغبة من رغباته..
-لكن.. أخي نيل !!!
-عليك أن تتوقف عن البحث عنه.. لأنك ستشعر بخيبة أمل كبرى لو رأيته ثانية..
-هل تعرفين أين يكون ؟! سيدة إلفا !! أخبريني بما تعلمين !! هذا الأمر يمثل لي الكثير.. بل هو
دافعي للاستمرار في هذه الحياة البائسة !
كانت عيناها تنطاق بالكثير .. أشاحت بوجهها و هي تقول : من الخير لك أن تنسى كل هذا و تعيش
بصفحة جديدة.. تطوي فيها الماضي..
-أخبريني بما تعلمين..!!
قالها بنبرة قريبة من الرجاء ، فضحت تخبط مشاعره و إحساسه بالحزن العميق..
-هل تعلم بهوية من أحرق بيتكم ؟
- لا .. لا أعلم بذلك..
-إنه ميلان نفسه! كان يستهدف كاترينا و نيل بفعلته .. الرجل الذي تعلق أملك به هو ذاته من دمر
حياتك..
تحولت دهشته إلى صدمة عارمة ،سألها : لكن..لماذا ؟! ما الذي يريده من أمي و أخي ؟!
-لا أستطيع أن أجيبك..
-أنا أرجوكِ !
-لا أستطيع حقاً ، إنه شيء لن تفهمه.. لذا أتمنى أن تنسى كل هذا و تعيش بسلام..
-أنتِ تطلبين مني التخلص من هدف حياتي.. بلا هذا الهدف لا أرى داعياً لوجودي..
-إنه لا يستحق ما تفعله من أجله..
كان وقع كلماتها قاسياً عليه ، شعر بالضعف.. صمت ، ثم ابتسم و دموعه توشك على الانحدار :
رغم ما قلتِه..إلا أنني سعيد لأني تيقنت الآن من كونه لا يزال حياً.. و تيقنت من كذبة كيان .. ذلك
الوغد قال بأنه قتل نيل..
ناولته محرمة ورقية و هي تقول : رغم تبدل مظهرك إلا أنك مازلت هشاً من الداخل ، لا تبكِ ..
اطمئن .. أخوك لا يزال بخير.. و من المحال أن يقدم كيان على إيذائه..
لم يأخذ المحرمة و قال بكبرياء : أنا لا أبكي ، و لا تتحدثي هكذا و كأنكِ أمي..
-لطالما اعتبرتك ابناً لي بالفعل ، لا تدّعِ القوة ، أنت بحاجة إلى من يرعاك.. و يمسح دموعك..
تقدمت منه لتمسح وجهه الذي تبلل رغماً عنه.. لم يبعِدها.. تنازل عن كبريائه و تركها تفعل ذلك و
هو يستدعي صورة والدته..
-ما دمت مصراً على رؤية نيل ، فسأحاول فعل ذلك.. أعدك بالمحاولة ! لكن بشرط أن تتوقف عن
تنفيذ كلام ميلان..
-سأنفذ ما تقولين..
-بل نفذ ما تريده لنفسك ، لا تجعل نفسك خادماً لأحد.. عِش بحرية دون أن تضع قيوداً تذل بها
نفسك..
ابتسم : حسناً ، سأتوقف عن طاعة ميلان..لأني لا أريد أن يستغلني أحد..
-هذا هو الجواب الذي أتمناه منك..
-شكراً لك ..
-أنت تعني لي الكثير.. لأنك تحمل جيناتها.. كاترينا العزيزة.. أنقى روح عرفتها في حياتي..!

ابتسمت بلطف و هي تبتعد.. أعطته رقم هاتفها و أوصته بالاتصال بها لو احتاج إلى أي شيء ،
تقبل توصياتها باستسلام.. كان يفكر "لم أعلم أني سأشعر بأني ذلك الطفل ثانيةً.. منذ رحيل أمي..
ظننت أنه قد مات في داخلي.. لكني اليوم شعرت بأنني عدت إلى الوراء عدة سنين.. لم أتخيل أن
أرى ثانية من يجسد أمي التي لم يعد لها أي وجود"
أخذ ميلان يقرأ قائمة من البيانات على شاشة حاسوبه.. بعدها التفت إلى المجتمعين حوله و هو
يقول : أنتم واثقون إذاً من أن سام يعمل على تنفيذ مخطط عاجل بعدما علم بتطويرنا لأحزمة
الطاقة..؟
-أنا متأكدة من ذلك ، إنهم يعملون بجد !
-أليست لديكِ أية فكرة عن مخططهم يا فيونا ؟
-لقد حاولت ذلك.. لكن أبي يرفض الإدلاء بأي تلميح ! إنه يشك بي..
-هذا سيء ، لو أن ما تقولينه صحيح.. فهذا يعني نهاية ما نعمل من أجله منذ عدة سنوات..
-لن ينتهي كل شيء ، هم لا يعلمون بخطورة ما نخطط للقيام به.. هذا يجعلنا متساويين..
صمت ميلان مفكراً ، ثم قال بلهجة من اتخذ قراره النهائي : كلانا يخطط لتدمير الآخر، هكذا ستكون
الغلبة لمن يسبق.. لقد انتهينا من تجهيز قنابل التدمير الآني التي نعمل على تصميمها منذ ثلاث
سنوات.. لدينا عدد كافٍ منها لإبادتهم جميعاً..
ابتسم الجالسون في نشوة سعادة.. قال أحدهم : هل أتت اللحظة التي انتظرناها أخيراً ؟
أجاب ميلان : نعم ، لكن علينا انتظار يوم اجتماعهم الكبير.. كي نتأكد من عدم بقاء أي منهم على
قيد الحياة..
-بعد أسبوع واحد تماماً ، يصادف مناسبة مهمة لديهم .. يجتمعون جميعاً من أجل الاحتفال بيوم
ولادة كاهنهم الأكبر..مالفوديو !
-هذا ما كنت أفكر فيه أيضاً يا إلفا.. حُسم الأمر إذاً.. بعد أسبوع واحد ، سيجتمعون للاحتفال ، و
سينتهي بتلاشيهم من الوجود قبل أن يدركوا ذلك..
-هذا ما يستحقونه..
-وجودهم كان خطأً كبيراً
-أخيراً سيعود التوازن إلى هذا العالم !!
كانوا سعداء جداً ، كيف لا و سيحققون ما سعوا إليه و عملوا من أجله طويلاً ؟!
طرق ميلان الطاولة بيده و قال بصوت عالٍ : اصمتوا !! أعلم أنها لحظة المجد.. لكن عليكم أن
تصبروا قليلاً ، الوقت لا يزال مبكراً على الاحتفال.. أسبوع واحد.. و بعدها افعلوا ما يحلو لكم..
وقف و هو يخاطبهم بلهجة آمرة : الليلة سنبدأ زرع القنابل الموقوتة في أحيائهم.. علينا أولاً أن
نضبط انفجارها كلها على أن يكون في منتصف الليل يوم الأحد القادم، ثم نوزعها في أنحاء البلدة
دون أن نثير الانتباه..و حين يأتي اليوم المطلوب ، سننسل من الاحتفال قبل الساعة الثانية عشر
إلى خارج نطاق الانفجار.. و بانتصاف الليل سينتهي كل شيء دون أن يعلم به أحد.. سينتهي سام
و أتباعه بالتدمير الآني الذي سيفتت خلاياهم في ثوانٍ معدودة.. ستكتب الصحف كل يوم عن
اختفائهم.. و ستبحث الشرطة و تمارس تحقيقاتها حتى تعجز في النهاية.. بينما نحيا كأناس
طبيعيين دون ذلك الخوف في قلوبنا ، سنحقق السلام للعالم بأجمعه دون أن يشعروا بذلك ، و ستستمر الحياة بلا وجود لمن يهدد فناءها..
كانت عيونهم تلمع ببريق آسر.. شعورهم بالحياة تتدفق فيهم من جديد.. انطلقوا إلى تنفيذ ما أمره
بهم ، و ذهب ميلان بنفسه معهم ليشاركهم ضبط مؤقت القنابل الآنية.. فهو بعد كل شيء ،
أكثرهم توقاً للحظة المنتظرة..



وقفت كارين عند شرفتها ترمق الظلام.. "أين أنت يا كيان ؟ "
نظرت إلى ساعتها.." مرت نصف ساعة من الموعد الذي حدده.. لماذا تأخر هكذا ؟!"
التفتت لتعود إلى الداخل ، حين فوجئت به واقفاً إلى جانبها..
-كيان ! متى أتيت إلى هنا ؟ لقد أفزعتني !
-قبل عدة لحظات !
-لكنك..تأخرت كثيراً..
-آسف ، كنت منشغلاً..
-منشغل في ماذا؟
-سأخبركِ فيما بعد ، أنا مستعجل.. و علي أن أعود بعد ساعة واحدة..
-ماذا تقول ! ساعة واحدة فقط ؟
-نعم ، لذلك أرجو أن تريني الآن الأجزاء التي لم تفهميها..
أحضرت كتابها و جلست بجانبه على أرضية الشرفة ، شرع يشرح لها ما استعصت فهمه ، وجدت
أن تلك النقاط أبسط مما ظنت ، أو ربما شرحه كان أبسط من شرح الكتاب.. سجلت ملحوظاته في
دفترها .. قال و هو يحاول التدقيق في الدفتر : إنه ذات الدفتر أليس كذلك ؟ لقد أخذته من قبل
على سبيل التطفل على ما فيه.. لكني لم أفهم شيئاً ! خطكِ ليس بشرياً أبداً !! لا أعلم كيف
تنجحين في المدرسة !
قالها بمرح ، ردت و هي تتصنع الغضب : لا تسخر مني !! ماذا عن الخط في كتابك هذا إذاً؟ إنه
أشبه بالطلاسم..
-هذا أمر طبيعي.. فالكتاب يعود إلى ما قبل أكثر من ألف عام..
-إنه يبدو قديماً ، لكني لم أتوقع أن يكون بهذا القدم ! أكثر من ألف عام !! كيف صمد حتى هذه اللحظة ؟!
-ألم تقرأي تاريخ التأليف في بدايته ؟
-تاريخ.. ماذا ..!؟
تذكرت الأرقام التي أثارت استغرابها من قبل في أول الكتاب ، قلبت صفحات الكتاب حتى الصفحة
الأولى.. قالت و هي تشير إلى سلسلة الرقم سبعة و الصفر.. : هل هذا ما تعنيه بتاريخ التأليف ؟
-أليس واضحاً ؟ إنه يعني اليوم السابع من الشهر السابع..لعام سبعمئة و سبعة !
-يال غبائي ! لم أتصور أنه مجرد تاريخ !..
-لا بأس ، و هل علمتِ من هو مؤلفه ؟
-نعم اسمه مالفوديو !
ضحك : هذا جميل.. !
-أنا غبية أحياناً لكني لست خارقة الغباء
-لم أقصد ذلك..
ضحكت : أعلم ، إنني أمزح وحسب..
قال بهدوء مفاجئ : مالفوديو هذا.. هو الجد السادس لفيونا..
-مؤلف هذا الكتاب !! لكن.. كيف يكون جدها السادس ؟ لو كان السادس فهذا يعني أنه عاش قبل
خمسئمة عام على الأكثر.. لكنك تتحدث عن كتاب عمره أكثر من ألف عام..!
-ميوريلِت.. هل سمعتِ بهذا الاسم من قبل ؟
فكرت قليلاً.. ثم قالت : أظنني قرأت عن هذا من قبل ، إنه اسم بلدة أسطورية.. بلدة سكنها
السحرة قديماً ، و ماتوا تحت ظروف مبهمة.. هناك من يقول بأن الملك أمرهم بالانتحار.. و هناك
من يقول بأن ساحراً عظيماً حولهم إلى حجارة.. إنها أسطورة على كل حال..
-ميوريلِت.. هي بلدتي التي وُلِدتُ فيها..!
شعرت بالضياع ، قالت : لا تمزح معي يا كيان.. هذه البلدة لا وجود لها ..
-أنا لا أمزح ، و حين ترينها بعينيكِ ستدركين مدى صدقي..
-لكن.. ما شأن مالفوديو بها.. ؟ و الألف عام؟ أنا لم أعد أفهم شيئاً.. !
-اسمعي ما سأقوله إذاً.. و ستفهمين كل شيء..
أنصتت باهتمام بينما أخذ يسرد عليها القصة التي لم يسردها لأحد قبلها..


قبل ألف عامٍ و نيف ، اشتهرت بلدة ميوريلت بتفوق أبنائها في علم الفيزياء و الفلسفة، كانوا
يجذبون المهتمين بهذه العلوم من كل مكان.. حتى أصبحت ميوريلت وجهة فيزيائيي العالم.. سكان
البلدة جمعوا بين الفيزياء و الفلسفة..و يقال شيء من السحر أيضاً ،كانوا يجتمعون من أجل
المناقشات العلمية و يسهرون على تأليف الكتب و عمل التجارب.. إلى أن أتى اليوم الذي توصل
فيه أحدهم إلى ما يسمى بالنقل الآني ، كان يدعى مالفوديو.. و كان أذكاهم على الإطلاق.. ألف
عدداً من الكتب لتعليم هذه التقانة و التعريف بها ، وضح في كتبه معنى الانتماء البشري الذي
شكل أساسها.. أخذ بعض العلماء ما توصل إليه و حاولوا تطويره.. باختصار.. انتشر النقل الآني بين
أهالي ميوريلت.. بلدة العلماء التي تقع وسط مملكة الجهلة..
تسربت أخبارهم ، و انتشرت الإشاعات حول ممارستهم السحر الأسود ، و حول نيتهم بغزو
المملكة و السيطرة عليها..
لم يكن هذا صحيحاً ، لكن سكان القرى المجاورة لم يستطيعوا تقبل أن شيئاً كهذا من العلم ، بل
آمنوا بأنه سحر من عمل الشيطان..
عادوهم لقرون.. و في كل عام يتزايد كرههم و حقدهم على ميوريلت.. لاسيما حينما علموا بأن
سام الزعيم يمتلك قدرة على إخفاء البشر و ليس الجمادات وحسب، ضجوا و أوصلوا الأنباء إلى
الملك الذي لم يكن أقل جهلاً منهم ، هكذا فرض الحصار على البلدة.. خاض سام معه جدالات
كثيرة ، لكن الملك كان مصراً على أن يستخدم الآخر ما توصل إليه على أهالي بلدته.. أن يموتوا
بالسلاح الذي ابتكروه بأنفسهم..
كان من حسن حظ سام أن الملك لم يعرف بأن تلك التقنية للنقل و ليست للتدمير.. لكن سام مع
ذلك لم يستطِع القبول بالطلب.. لو نفذ النقل على أهالي المدينة بأجمعهم ، فهذا يعني فناءهم ..
فالنقل الآني لم ينجح معه إلا مع أشخاص فرادى..
قام الملك بأسر أطفال البلدة ممن هم دون العشر سنوات ، و هدد سام بقتلهم جميعاً إن لم يرضخ
لطلبه.. لم يعرف سام ما الدافع لذلك الفعل الغريب.. و لماذا الأطفال بالذات؟
لكنه لم يستطِع تجاهل المزيد من الضحايا.. و لا يريد احتمال دماء المزيد.. هكذا قرر الرضوخ أخيراً..
عند بوابة البلدة اجتمع جنود الملك ، و وقف الأخير ينظر باستعلاء.. تجمع أهالي ميوريلت يشهدون
الموقف و هم لا يصدقون خضوع سام و خيانته لهم..

وقف أمامهم بانكسار ، مطرق الرأس ..
قال و قد فشل في رفع نظره إلى وجوههم..
-سأفعلها ، ليس باليد حيلة..
ضج الجمع بالصراخ الهيستيري !
الجميع مبهور الأنفاس يصيح و يرتجف من هول ما قيل..
صاح أحدهم : كيف لكَ أن تهدم كل ما بنيناه ؟!
أردف آخر : بل كيف لكَ أن تقولها بكل هذه البساطة !
-كنت أظنك تفضل الموت على أن تخضع لشياطينك ، لكنك صرت منهم !
القلوب ترتجف رعباً ..القسمات تنطق بالغضب..و العيون تذرف اليأس..
اجتمعت تلك العواطف معاً في قلب كل واحد منهم ..
ليلة رهيبة كانت..ليلة غيرت مجرى التاريخ

ليلة انتُشِلت فيها البلدة التي حوت من العلم أضعاف ما توصل إليه العلماء في العصر الحالي..
لقد وضع يديه على الأرض بعد حفر خندق محيط بالبلدة ، و هم بتركيز طاقته على ذلك التراب..
بهدف نقل البلدة بأكملها.. أو بالأحرى .. تدمير البلدة كما ظنوا جميعاً..
تراجع الملك و جنوده إلى خارج البلدة يتأملون ما سيحدث باستمتاع.. تجمع أهالي البلدات
المجاورة يهتفون للملك.. و أمام عيونهم جميعاً.. اختفت ميوريلت بأكملها..
مرت عدة قرون و تبدلت القصص حول البلدة.. حتى اعتبروها أسطورة بسبب عدم وجود دليل
يشير إليها.. لكن سام لم يكن خائناً ، قبل عدة ليالٍ من اتخاذ قراره الأخير ، تجمع بعدد من العلماء و
هموا بتصميم أحزمة الطاقة.. من أجل إنقاذ ميوريلت..
أحكم لف تلك الأحزمة على كل جسمه تحت ملابسه الفضفاضة ، كان يشعر بها تمزق جلده..
شعر بالدم متجمد في داخله.. لكنه تحمل كل ألمه من أجل إنقاذهم..
مرت القرون دون أي أثر للبلدة .. ذلك النقل لم يكن آنياً ، و لم يكتمل خلال عدة ثوانٍ ، و إنما
استغرق ثمانية قرون بأكملها..
ثمانية قرون ظلت فيها ذراتهم متعلقة في اللامكان.. لكن ما بذله سام من طاقة لم يذهب هباءً ،
فرغم تلك المدة الطويلة التي مرت ، إلا أن ذراتهم المشحونة بطاقة سام عادت إلى الترتب و
التشكل من جديد.. لتظهر ميوريلت من جديد في القرن الواحد و العشرين..
لكنها لم تظهر في مكان بعيد ، بسبب نقص الطاقة لفعل ذلك.. كانت مزاحة عدة كليومترات
وحسب عن موقعها السابق.. ظهرت وسط غابة كثيفة.. و هذا ما ساعد على التمويه عنها إلى
حين بناء الجدار المخفي المحيط بها من كل جانب.. الجدار الذي لا تخترقه حتى أشعة الأقمار
الصناعية التي تصور كل شي في العالم..
هذا الجدار المنيع كان خالياً من أي مدخل و مخرج.. و كان هذا لأمنهم في المقام الأول، فهكذا
يكونون الوحيدين القادرين على المرور من خلاله عبر النقل الآني ،و لابد من النقل الفردي عند
المرور .. فالجدار مصمم على إفشال أية عملية ينتقل فيها شخصين معاً أو أكثر ..
حينما اكتملت عملية بناء الجدار ، اكتشف سام وجود بعض الخونة بينهم.. هناك من بقي في
البلدة من أتباع ذلك الملك ، لأنه علم بأنها ستنجو.. كانوا مجموعة من الأشخاص.. لم يستطِع سام
تحديدهم تماماً ، لكنه تيقن من أنهم يعملون تحت إمرة ميلان.. عالِم يعمل لدى الملك الذي كان يريد
إعدامهم..فر ميلان من البلدة حين اكتشفوا حقيقته ، و عاش في مكان ما في العالم الخارجي و
جمع أتباعه من أجل تنفيذ مخططاته..مع مرور الوقت خرج سكان البلدة إلى الحياة الحديثة و
تعرفوها ، تفاجأوا بالتقنيات المتقدمة التي توصل إليها العالم ، لكنهم لم يكونوا راضين عنها.. لقد
سلك العلم طريقاً خاطئاً..العلم الذي سعوا إليه كان مختلفاً .. ما سعوا إليه كان أجهزة و تقنيات لا
تضر البيئة بشيء.. بينما هذا العالم يعج بالأجهزة التي تضخ الغازات السامة و تدمر الطبيعة.. عاش
سكان ميوريلت مع بقية الناس مخفين حقيقتهم.. الحقيقة التي لم يفصحوا بها إلا لمن رأوه أهلاً
لها..
الجزء التاسع ~

بقيت كارين مشدوهة تنظر إلى الأرض بعيون متسعة.. حل صمت قصير ، ثم قالت : لقد أخبرني
أندرو من قبل.. أنه يظنك ساحر ..
أجاب و قد بدا كمن توقع كلامها : هؤلاء الناس لم يتغيروا ، ما زالوا يفكرون بنفس تفكير أجدادهم..
حتى بعد مرور ثمان قرون يظنون أن النقل الآني من عمل السحرة ..
-من كان يتوقع أن تكون ميوريلت بلدة حقيقية.. لقد شُوّه تاريخها بسبب الجهل ولا شيء غير
الجهل..
رفعت رأسها تنظر إليه و هي تقول : بل من كان يتوقع أن أرى أحد سكانها !
أغلق المصباح اليدوي و وقف قائلاً : لقد تأخرت كثيراً .. علي أن أذهب..
نهضت و أخذت المصباح منه : انتظر.. !
أشعلت المصباح لتسلطه على وجهه ، وضع يده ليحول بين وجهه و أشعة المصباح : ما الذي
تفعلينه ؟!!
اقتربت و هي تبعد يده : لمَ عيناك محمرتان هكذا ؟! أنت.. تبدو مرهقاً جداً..
أخذ المصباح منها و أغلقه ، وضعه في جيبه و هو يقول : علي التضحية بساعات النوم و الأكل
خلال هذه الفترة.. أنا منشغل في عمل ضروري يتطلب ذلك..
-ماذا ؟ مهما كان ذلك العمل مهماً فهو ليس أهم من صحتك.. هل أنت ذاهب إلى متابعته الآن ؟!
-يجب علي أن أفعل ذلك.. لا تقلقي.. سأكون على ما يرام.. لطالما فعلت هذا..
-كيان ! كف عن هذا.. عليك بالذهاب إلى النوم حالاً !
-حسناً سأفعل، وداعاً !
اختفى من أمامها في لمح البصر .. لم يكن يريد مجادلتها لأنه يعلم بأنها ستصر على طلبها.. لذلك
غادر بكذبة بيضاء تنهي الجدال كله..
وقفت وحدها في الشرفة.. "لقد هرب !! ،أرجو أن تذهب للراحة حقاً يا كيان.. إن كنت لا ترى لحياتك
قيمة.. فأنا أرى أنها أكثر قيمة من حياتي "
عادت إلى الغرفة و أمضت الليلة تفكر في ميوريلت .. و تتخيل كيف ستخبر أبناءها في المستقبل
عن القصة التي سمعتها .. استلقت على سريرها تنظر إلى السقف.. لاحت على شفتيها ابتسامة
"إنني واقعة في حب أحد أبناء ميوريلت الأسطورية.. ! ربما كنت أهلوس و أتخيل كل هذا ! لن
أتعجب لو استيقظت لأجد أن كل هذا حلم.. إنه حلم بالفعل ! لقد حصلت على ما لم تتمنَ أية فتاة
في هذا العالم الحصول عليه !.. لقد وُلِد كيان في زمان قديم ، لكنه تغلب على عقبات القرون
الماضية و أتى إلى هذا العصر و التقى بي.. أتى ليخبرني بانتمائه إلي .. و بأنني الفتاة الأنسب
لأكون شريكة حياته ! رغم افتقاري إلى كل عوامل الجذب .. إلا أنه انجذب إلي من دونهن جميعاً..
كيان.. هو حلمي الأسطوري الذي أحيا من أجله.. حلمي الذي لن أستمر في الحياة لو استيقظت
منه "
مع انتصاف شمس النهار للسماء ، اجتاز كيان جدار ميوريلِت و سار في طرقاتها برفقة اثنين كانا
معه، باتريك و أصغر أعضاء الاجتماع السري ، لم يكن ضوء الشمس ساطعاً في داخل البلدة
كسطوعه في الخارج ، فقد كان الجدار لا يسمح بمرور إلا مقدار بسيط من أشعة الشمس..
يختزنها ثم يعيد إطلاقها في الجهة الأخرى منه.. و لذلك كان الجو في ميوريلِت ، يوحي بأنه عصر
في أغلب الأوقات..
سأل أصغرهم : هل تعتقدان بأننا سننجح فيما نريد عمله ؟
رد عليه كيان : بالتأكيد ، لماذا تقول هذا الكلام ؟ ينبغي أن تكون أكثرنا ثقة.. فأنت من ستأخذ مكان
سام في المستقبل..
طأطأ الآخر برأسه ، قال : ماذا لو لم أكن المقصود ؟ ماذا لو لم أكن من عناه ساحر الملك بالنبوءة ؟
هنا تكلم باتريك : كل شيء يدل على أنك المقصود.. و حتى لو لم تكن كذلك.. ما من شيء يدفعنا
إلى رفضك ، أنت أجدرنا بملك ميوريلِت..
-لكن.. أنا لم أفعل شيئاً لكي أستحق هذا ، تلك النبوءة لا تكفي.. في الحقيقة.. أنا أظنك الأجدر
بهذا يا كيان..
قال كيان : أنا لم أفكر من قبل في أن أكون وريث سام ، كل ما سعيت إليه كان من أجل خدمة
الوريث الحقيقي.. الفتى الذي سيحقق النبوءة القديمة و سيحيي ميوريلِت من جديد بعد موتها..
أيده باتريك : عليك أن تقبل المهمة التي أوكلت إليك ، نحن نثق بجدارتك..
توقفا عند بيت من البيوت ، ابتسم لهما و شكرهما على مرافقته ..
تابع كيان و باتريك طريقهما بصمت قطعه الأخير بقوله : كيان ! لو أردت رأيي ، فأنا أيضاً أظنك الأجدر
على أخذ مكان سام.. لماذا تضحي بحقك في الملك ؟
-لابد من التضحيات من أجل تحقيق أي حلم .. لابد من تسليم الأمر إليه لأنه الوحيد الذي سيخلق
مجد ميوريلِت..
-إنه.. يذكرك بأخيك .. أليس كذلك ..؟
-نعم ، إلا أن أخي كان أكثر تفاؤلاً و ثقة ..
-كنت أتشاجر معه دائماً رغم أنه كان في الثامنة من عمره.. ثقته المفرطة بنفسه تجعلني أفقد
أعصابي..
-أنا أيضاً كنت أتشاجر معه طوال الوقت ، كان يعدني دائماً بأنه سيتفوق علي في كل شيء حينما
يكبر.. لكن.. لقي حتفه لمجرد أنهم اشتبهوا في كونه الوريث المقصود بنبوءتهم.. كل صغار البلدة
ممن كان في العاشرة أو أصغر.. أسروهم أو قتلوهم.. إلا من نجحت أسرهم في إخفائهم عن
الأعين..
-لا أفهم كيف يمكنك أن تعيش في بيتك بعدما حدث.. كيف لك أن تحتمل استرجاع ذكرياتك المؤلمة
في كل ليلة ؟
-ذلك الألم هو دافعي لتقديم أية تضحية يقتضيها حلمنا الكبير بعودة ميوريلِت..
-أود أن أسألك ، أين كنت يوم البارحة في الساعة العاشرة ؟ بحثت عنك بلا جدوى..
-لم أرِد التأخر كثيراً .. لكن..
-و ماذا عن اليوم الذي سبقه؟
-كان هناك أمر ضروري لابد منه..
-.. إنها كارين ، أليس كذلك ؟
-أنت تقرأ مافي داخلي كعادتك..
-هل تمكنت من إجادة النقل الآني ؟
-إنها جادة في التعلم ، ستتمكن من ذلك قريباً جداً..
ابتسم باتريك : أنا أكبرك بأربعة أعوام و رغم ذلك سبقتني في العثور على زوجة المستقبل ! يالك
من شيطان !
لم يرد كيان الابتسامة، و إنما تابع طريقه بصمت..
افترقا بعد ذلك ، من أجل التزود ببضع ساعات من الراحة ، تعينهما على العمل في اليوم الجديد..
جلس ابن العاشرة على سريره مفكراً رغم إرهاقه ، " هؤلاء يحتاجونني حقاً..علي أن أقبل بملك
ميوريلِت ، إنهم واثقون بي ، إنني الأمل الذي يتمسكون به و يضحون من أجله.. و علي أن لا
أتخلى عنهم.. "
نهض و أخذ صورة أسرته التي طالما تأملها.. "لقد ورثت أمي سر ميوريلِت عن جدها الأكبر.. كان
يعيش خارج البلدة حينما اختفت ميوريلِت..و أخفى هويته كي لا تطاله يد الملك و أعوانه.. هكذا
انتقل السر عبر الأجيال و علم كل أب ابنه.. إلى أن جاء دور أمي في تعليمي و تلقيني إياه.. لا
أدري لماذا اختارتني و لم تختر أندرو أخي.. رغم أنه الأكبر.. لا أدري لمَ كانت مصرة على أنني
أحمل علامات فتى النبوءة.. وأنني من حاول الملك قتله قبل ثمانمئة سنة.. "
أعاد الصورة إلى مكانها و استلقى على سريره ، طافت بخياله ذكريات الحريق الذي ألم ببيتهم
"قبل موتها بلحظات ، نطقت أمي بكلمات وجهتها لأندرو ، كانت تصيح به أن يسلمني إلى كيان و
يخفي الأمر برمته ، أوصته بأن لا يصرح لأحد بأنني حي.. كانت تعلم بأنني سأنجو.. فقد أخبرها
كيان مسبقاً بمجيئه لأخذي.. و وثقت به لآخر لحظة في حياتها.. و لم تخب ثقتها.. لكن أندرو خالف
ما أوصت به ، و أخبر ميلان بهوية من انتشلني من بين يديه ، بل و عمل مع ميلان نفسه.. و بسببه
كدت أتعرض للقتل مراراً .. حتى أن سام أمر المقربين منه بمرافقتي طوال الوقت.. و منعني من
الخروج وحدي دون مرافقة اثنين على الأقل.. ميلان و أتباعه أرادوا قتلي كي لا تظهر ميروريلِت
للوجود ثانية.. لكني لن أدعهم ينجحون في ذلك.. ميوريلِت ستعود حتماً.. ستعود مملكة كبيرة
أكون أول من يحكمها "
سمع طرقاً على بابه ، تظاهر بالنوم.. دخلت إلفا الغرفة ، قالت و قد تنبهت إلى أنه مستيقظ : ألم
تنم بعد يا نيل ؟
-سأنام بعد قليل..
-أود أن أكلمك في أمر ما..
-حسناً..
تقدمت منه و جلست عند طرف السرير.. قالت دون أن تنظر إليه : أخوك أندرو.. يريد رؤيتك..
-أندرو ؟ ألم يخبره كيان بأني ميت ؟
-نعم ، لكن أمدرو لم يتقبل كلامه.. إنه مصر على رؤيتك..
-ما الذي يريده مني؟!
-رؤيتك وحسب.. ! أنت أخوه الأصغر ..
-هذا ليس دافعاً كافياً.. هل تريدين مني تصديق أن رغبته هذه نابعة من محبة ؟
-أنا متأكدة من أن محبته لك هي ما دفعه إلى هذا الطلب .. !
-مستحيل..
-أخبرني بأنك هدف حياته ، إنه يعيش من أجل أن يتمكن من رؤيتك..
-و ماذا بعد ذلك ؟ ماذا بعد أن يراني ؟!
-لا تكن قاسياً يا نيل..
-لماذا تتحدثين و كأنكِ لا تعلمين بما تسبب به لي ؟
-لن أصدق أبداً أنه قصد أذيتك.. لقد بكى من أجلك ..
-لا أريد رؤيته..!
-أرجوك يا نيل.. فقط مرة واحدة .. دعه يحقق ما تمناه و سعى من أجله طويلاً..
صمت و أخذ يفكر قليلاً.. ثم قال : أنا موافق.. لكن.. أريد أن يأتي كيان و باتريك معي..
-إن لم يأتيا فسيأتي برفقتك غيرهما.. لن تذهب وحدك على كل حال.. أوامر سام لا تقبل المخالفة..
-أعلم.. لكني أريد أن يرافقني كيان على وجه الخصوص..
-حسناً سأخبره بذلك.. شكراً لموافقتك ! لا تعلم كم سيكون أندرو سعيداً برؤيتك..
لم يرد و إنما سحب غطاءه ليغطي رأسه..
-تصبح على خير..
قالتها و خرجت من الغرفة راضية بنجاحها في إقناعه.. ضغطت على أزرار هاتفها متصلة بأندرو..
أخبرته بأنها ترغب في رؤيته الساعة الثامنة مساء ، حددت له المكان و أنهت المحادثة دون أن
تخبره بأمر نيل..


في تمام الثامنة جلس أندرو على كرسي الحديقة منتظراً إلفا ، كان يتساءل في نفسه عن سبب
طلبها رؤيته.. "هل يعقل أنها ستكلمني عن نيل ؟ ترى ما شأنها به ؟ و هل تعرف أين يكون ؟"
لمحها آتية من بعيد ، توقفت عنده و قالت : هناك مفاجأة لك..
-ماذا ؟أية مفاجأة ؟
-لقد أتيت بأخيك نيل لتراه..
الجزء العاشر~

نهض من مكانه غير مصدق لما يسمع ، قال لها بدهشة : أنتِ لا تمزحين..أليس كذلك؟
ابتسمت : بالطبع لا ، لكن هناك من يرافقه.. لذا أرجو أن لا تنزعج من هذا.. كان من غير الممكن أن
الكفيف عاشق الر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-09-2012, 02:24 AM   #5 (permalink)
الكفيف عاشق الر
رومانسي مبتديء
 
نتركه يأتي وحده..
-هذا لا يهم.. أين نيل الآن ؟!
أشارت بيدها للواقفين بعيداً ، تسارع نبض أندرو و هو يدرك أن ما سعى إليه طويلاً يتحقق أمامه..
شعر بتوتره.. "أهو نيل أخيراً؟ ترى كيف ستكون ردة فعله ؟ كيف سيكون لقاؤنا ؟"
حينما اقتربا.. شعر بضيق شديد و هو يرى أن الشخص المرافق لأخيه هو كيان ذاته ، لكنه
تجاهله.. كانت مشاعره المتخبطة بادية على وجهه ، هم بالاقتراب من نيل.. حينما حال كيان
بينهما مانعاً إياه من التقدم..
صاح فيه بغضب : أنت ..ما الذي تريده ؟ ابتعد !
رد كيان بهدوء دون أن يبالي بغضبه : إن مهمتي الآن هي حراسته و منع أي كان من لمسه.. أنت
أردت رؤيته وحسب.. تراجع إذاً و ستتمكن من رؤيته و الحديث معه..
-تريد أن تحرسه مني؟! إنه أخي.. لا يمكن أن أؤذيه !
-تراجع وحسب.. !
-من تظن نفسك حتى تقف في وجهي هكذا؟!
هنا تدخل نيل قائلاً بلهجة لا تقل هدوءاً عن لهجة كيان : إنه أكثر من أثق به على وجه الكرة
الأرضية.. إنه الشخص الذي كنت سأفتخر به لو كان أخي الأكبر.. على عكسك أنت..
نظرت إلفا إليه نظرة ذات معنى ، فهم منها أنها تطلب منه التوقف عن أسلوبه القاسي في الكلام..
لكنه تجاهلها..
ابتعد كيان من أمامه و هو يرى موقف أندرو.. الذي تراجع و الصدمة بادية على وجهه ، أخذ يتأمل
أخاه بعينين زائغتين دونما رد.. بينما تابع الأخير : أنا لا أريدك أن تكون أخي الأكبر.. أنت إنسان فارغ
من كل شيء.. أنت مجرد عالة لا فائدة ترجى منك ! و أنا لن أفتخر بشخص مثلك أبداً.. فما الذي
أردته من رؤيتي ؟!
أخذ أندرو ينظر إلى الأرض و هو يشعر بأنه أضعف من أي وقت مضى..
-أجبني ! ما الذي تريده الآن ؟!
همس أندرو و قد اختفى غضبه ليحل معه هدوء مفاجئ خالطه اليأس : ما الذي غيرك ؟
-ياله من سؤال ! و ماذا كنت تتوقع مني بعدما كدت أموت مراراً بسببك ! لا أدري لمَ قد تكرهني
بهذا الجنون !
-أنا لم أكرهك أبداً..
-و لماذا تجاهلت وصية أمي إذاً ؟!
رفع أندرو طرفه و رد بدهشة انتابته : أية.. وصية ؟!
-تريدني أن أصدق بأنك لم تسمع آخر كلماتها ؟! لا تدع الجهل فأنا لن أعذرك..
ازدادت دهشة أندرو.. قال بانفعال : أنا لا أعلم عم تتحدث حقاً !! أية وصية تلك ؟!
-كلماتها الأخيرة قبل أن تموت ! تحذيرك من إخبار ميلان بأنني حي ..
-ماذا ؟! أنا لا أذكر أنها قالت شيئاً كهذا..
-كاذب !
-أنا لم أعرف ميلان إلا من زميل لي في المدرسة !! لم أسمع اسمه من والدتي قط.. !
أخذ يحاول استرجاع الماضي.. شعر بالرعشة و هو يتذكر آخر لحظات والدته.. تذكر أنها كانت تقول
شيئاً !! و قد فشل في سماع ما قالته !!
-نيل !! أنا لم أسمع ما قالته .. إنني لا أكذب عليك ! لماذا قد أؤذيك برأيك ؟ما الذي يدفعني إلى
شيء كهذا ؟!
-دوافع كثيرة.. أنا أفضل منك و أذكى منك.. رغم أنني الأصغر.. و قد استحوذت على اهتمام والداي
و تسببت في تجاهلهما إياك.. كنت تبيت خارج البيت أحياناً دون أن يلاحظا غيابك.. وجودك لم يكن
يمثل شيئاً لهما.. كل شيء كان لي.. ستكون كاذباً لو قلت بأنك لم تكن تشعر بالحزن إزاء ذلك !
-بلى.. لكني لم أحقد عليك قط.. و لم أنظر إليك على أنك سبب حزني ، أمي و أبي هما الملومان
وحسب.. أنت لم ترتكب ذنباً..
صمت و هو يفكر.."بل كنت أشعر بالسعادة حينما يطري الناس عليك.. كان هذا يشعرني بأنه إطراء
لي أنا.. أنت أصغر من أن أحقد عليك.. كنت طفلاً.. مجرد طفل لطالما شعرت بأنني المسؤول عنه ..
طفل موهوب كنت سعيداً بأنه من عائلتي"
-أنت شخص مثير للشفقة !
قالها نيل بحدة ، عاد أندرو إلى النظر إلى الأرض بصمت..
-لا يهمني إن كنت صادقاً أم كاذباً .. أنا منشغل في أمور لا يفهمها أمثالك ، لذلك أطلب منك
الابتعاد عن طريقي وحسب.. يكفي ما ضيعته من وقتي هنا .. لقد رأيتني و تحققت أمنيتك في
الحياة.. فماذا تريد أيضاً..؟
رد أندرو بهدوء أكبر من ذي قبل، دون أن يرفع رأسه: لا أريد شيئاً..
-حسناً إذاً ! وداعاً !
استدار و لحقه كيان و إلفا.. عاد أندرو إلى الجلوس على الكرسي و هو يشعر بأنه استحال إلى لا
شيء.. كان اليأس يجتاح قلبه و هو يفكر بصمت دون أن تتداعى أية دمعة من عينيه الحزينتين ..
اجتاز نيل و إلفا جدار ميوريلِت ، لم يتبعهم كيان و أخبرهم بأنه سيأتي فيما بعد ، بينما سار نيل
برفقة إلفا التي لم تتوقف عن لومه طوال الطريق..


أخرج أندرو قداحته من جيبه و أخذ يتأملها و هو يعبث بها بيده .. تلمع الشعلة الصغيرة في عينيه
تارة و تخبو تارة أخرى.. "كان علي أن ألاقي مصير والداي.."
أشعلها و أغمض عينيه.. "ليس هناك ما أحيا من أجله.. يجب علي أن أتلاشى من هذا الوجود.."
قرب القداحة من معطفه.. شعر بالحرارة تلفح وجهه.. "هذا ما أريده بعد أن حققت هدف حياتي..
لن أتراجع أبداً.. و سأدع هذه النيران تلتهمني"
أشعلها و أغمض عينيه.. "ليس هناك ما أحيا من أجله.. يجب علي أن أتلاشى من هذا الوجود.."
قرب القداحة من معطفه.. شعر بالحرارة تلفح وجهه.. "هذا ما أريده بعد أن حققت هدف حياتي..
لن أتراجع أبداً.. و سأدع هذه النيران تلتهمني"
قالها في نفسه ثم سرعان ما شعر بمن يلقي بالقداحة من يده.. شهق من برودة الماء الذي أطفأ
الشعلة التي توقدت في معطفه.. التفت.. ليرى كيان واقفاً يرمقه باستنكار..
أغلق قنينة الماء التي في يده ، و قال مخاطباً أندرو : هل لي بالجلوس إلى جانبك ؟
-نعم..
أزاح له مكاناً بجانبه.. جلس كيان واضعاً قنينة الماء بجانبه.. قال : أنت غبي جداً..
-هل أنت هنا لإهانتي ؟
- ما الذي يجعلك تربط حياتك بأخيك ؟ إنه لا يريدك .. فلماذا لا تعيش حياتك الخاصة ؟ بعيداً عن الماضي..
-أنت لا تدرك ألمي..
-بل أدركه تماماً.. أنا أيضاً فقدت أسرتي .. و كان لي أخ في مثل سن أخيك تقريباً..
-لم أتوقع أن يكون لشخص مثلك أحزاناً..
-اذهب للعيش في إحدى القرى الصغيرة المجاورة.. و دع هذه المدينة..
-لماذا تقول هذا ؟
-إنه أفضل حل لتعيش حياة جديدة ذات معنى..
-و فيمَ يهمك أمري ؟ لقد حاولت قتلك من قبل.. فما الذي يدفعك إلى التفكير بي؟
-أنت مخلص و طيب القلب و يمكن أن تصبح شخصاً رائعاً.. لماذا لا تفعلها إذاً ؟ و لماذا لا ترمي وراءك
حياتك البائسة هذه و تسيبك في الدراسة و مرافقة مجرمي الشوارع..؟
-تقول شخصاً رائعاً ؟ كف عن السخرية مني..
-أنا لا أسخر منك ..عدني بأنك ستبدأ حياة جديدة بعد ما حدث اليوم..
-لا أستطيع أن أعدك ، لكنني سأفكر في كلامك..
نهض كيان واقفاً ، نظر إلى ساعته و هو يقول : علي بالذهاب ، علي أن أنتهي من بعض الأمور
بسرعة كي يتسنى لي رؤية شخص أحبه !
-يمكنك الذهاب.. شكراً لك..
ابتسم كيان و لوح بيده مبتعداً.. غاب عن مجال رؤية أندرو الذي تناول القداحة من الأرض و وضعها
في جيبه.. سار في طريقه مفكراً "يسهل عليه الابتسام مادام الحب يملأ قلبه ، يسهل عليه
التشبث بالحياة مادام هناك من يترقب غيابه.. أما أنا ، فلن يحدث موتي أو استمراري في الحياة
أي فارق, لن يبالي بي أحد و لن يذرف أياً كان دمعة واحدة من أجلي.."



وضعت كارين صينية الطعام أمام كيان ، قالت مبتسمة : صحيح أنه عشاء متأخر ، لكننا سنتناوله
معاً..
-لم يكن من الضروري أن تفعلي هذا..
-بلى.. لماذا تبدو منزعجاً ؟
-ماذا لو لم آتِ ؟ أكنتِ ستنتظرين أكثر؟
-نعم..لأنني أعلم بأنك ستأتي حتماً..
ابتسم لها : هل كل هذا نابع من حبك لي؟
-ياله من سؤال! تناول طعامك وحسب.. !
ضحك و هو يرى تلونها بحمرة الخجل ، و بعد تناول العشاء .. أخذ يشرح لها النقاط التي
استصعبتها .. كانت سعيدة جداً حينما أخبرها بأن ما تعلمته حتى الآن كافٍ ليجعلها تتقن النقل
الآني, بقية الفصول في الكتاب تتكلم عن نقل الجمادات .. و هي لا تحتاج إلا لنقل نفسها حتى
تتمكن من اجتياز جدار ميوريلِت..
قال لها قبل أن يرحل : غداً سأرى تطبيقكِ العملي ! لو نجحتِ فستقضين عطلة نهاية هذا الأسبوع
في بلدتي..
-يومان كاملان معك!! أنا أتحرق شوقاً لذلك.. سأبذل كل جهدي..
-عليك أن تطلبي إذن والديك أولاً..
-لا تقلق.. أعرف كيف أقنعهما!



في الليلة التالية ، كان تطبيقها العملي ، حاولت الانتقال من داخل غرفتها إلى الشرفة.. و نجحت
بعد عدة محاولات ، و بالتحديد في المحاولة التي استغرقت فيها حالة التركيز مدة أربع دقائق
كاملة.. حاولت تكرار التجربة ، لكنها لم تنجح في المرة الثانية.. قال لها كيان : إنه حدك الأقصى..
مرة واحدة خلال يوم واحد.. لا يمكنك تقليص مدة التركيز أو زيادة عدد المرات الممكنة للنقل الآني
خلال اليوم..إلا بالتدريب ..
سألته: هل يعني هذا أنني لن أستطيع الانتقال آنياً مرة أخرى إلا بعد مرور أربع و عشرين ساعة؟
أجابها :نعم.. لكن سيتغير هذا بمرور الزمن ، أنا مثلاً.. كان حدي الأقصى في البداية ثلاث مرات
يومياً.. و بتركيز مدته أربع دقائق مثلك ، أما الآن.. فلا أفقد طاقتي إلا بعد خمس عشرة مرة.. و
بتركيز لا يزيد عن خمس ثوانٍ!
-مازال أمامي درب طويل إذاً !
-لكن هذا كافٍ لتزوري ميروريلِت.. لقد أجدتِ النقل الآني و حققتِ الشرط المطلوب..
نظرت له نظرة تفيض بالحب .. همست بامتنان : شكراً على كل شيء.. أنت لا تتخيل مقدار
سعادتي..
-لم أفعل شيئاً ، كنت فقط آتي لتمضية الوقت!
شعرت بشيء من الحزن ، قالت : أعلم أنني كنت أضيع وقتك.. و كنت أحرمك من ساعات كان
يمكن أن تضاف إلى ساعات نومك !
-تمضية الوقت مع من أحب لا يسمى تضييعاً..ثم توقفي عن التفكير في ساعات نومي.. إنني
على ما يرام..
-أنت تقول هذا الكلام ، لكنك تبدو مجهداً.. لقد مرت عدة أيام و أنت على هذه الحال ، متى سينتهي
هذا العمل الذي تقوم به ؟!
-قريباً جداً.. و سأخبرك به و أريكِ إياه!
-أتوق إلى ذلك ، لكن.. انتبه لنفسك..
-أراكِ غداً!



في صباح اليوم التالي ، جلست كارين تتناول طعام الإفطار برفقة والديها ، سألتها والدتها : ماذا
كنتِ تفعلين بكل تلك الأواني التي أخذتِها إلى غرفتك ليلة الأمس ؟
-كنت جائعة..
-لكن ذلك كان أكبر مما تأكلينه عادة..هل أكلتِ كل ذلك وحدك ؟!
-و ماذا عساي أن أفعل إذاً ؟ هل تظنين أنني رميت الطعام من شرفتي يا أمي ؟!
-لا ، لكن هذا غريب.. !
أخذت كارين تحتسي الشاي حينما قال والدها الممسك بجريدة الصباح : مدرستكِ تعج بالمجانين يا
كارين !..هناك طالب من طلابكم أحرق نفسه ليلة البارحة !
-من مدرستي ؟ ما اسمه يا ترى ؟
-لم يذكروا الاسم ولا المرحلة الدراسية..
تدخلت الأم :لابد أن سمعة مدرستكِ في حالة يرثى لها.. جريمتان في أقل من شهر واحد ! بدأت
أفكر جدياً في نقلك إلى مدرسة أخرى يا كارين !
-إنه عامي الأخير ، لا داعٍ لذلك..
نهضت حاملة حقيبتها المدرسية ، خرجت من البيت بعد أن ودعت والديها ، سارت في الطريق
متسائلة عن هوية ذلك الطالب.. لم تعرف الحقيقة في المدرسة.. فالإشاعات كانت كثيرة..
كل من تغيب عن المدرسة طالته إشاعاتهم.. لاسيما كيان.. الذي ادعى كثير منهم بأنه فعل هذا ليعاقب
نفسه على قتل كولمان !
لكن كارين كانت واثقة من أنه ليس المقصود ، كيان بخير و هي تراه يومياً.. تساءلت في داخلها
"لابد أنه أندرو.. لكن..لمَ قد يفعل شيئاً كهذا ؟"



تسللت إلفا إلى غرفة ميلان الخاصة في غيابه ، توجهت إلى أدراج مكتبه و أخذت تبحث و هي
تحاول أن لا تبعثر الأوراق بين يديها..
"منذ عدة أيام و انا أنتظر هذه الفرصة ، إنه لا يغادر مكتبه إلا نادراً..و علي أن أستغل الفرصة قبل
أن يعود .. "
أخرجت حزم الأوراق ببطء و تصفحتهم و وضعتهم على الأرض بنفس ترتيبهم السابق ، فتحت
الأدراج الأخرى.. و في آخر الأدراج وجدت ضالتها.. أخرجت الورقة و همت بوضعها في آلة النسخ ..
رغم اعتدال الطقس و ميوله إلى البرودة.. إلا أنها شعرت بالحرارة تخنقها.. و العرق محتشد على
جبينها .. كانت خائفة جداً.. حاولت التنفس بعمق لتمنع يديها من الارتعاش.. أخذت تعيد الأوراق إلى
أماكنها في الأدراج..
أخفت نفسها تحت الطاولة و هي تشعر بأن ضربات قلبها تصم آذانها.. تناولت النسخة المطلوبة..
و وضعت الورقة الأصلية جانباً.. همت بترتيب بقية الأوراق حين لمحت باب المكتب يفتح ببطء.. في
تلك اللحظة ، فتحت الأدراج ثانية و أشاحت بيدها لتبعثر كل الأوراق معاً ..
فتح ميلان الباب بقوة و صاح : من هناك ؟!!
تقدم نحو الطاولة بغضب.. أحنى رأسه ليرى المختبئ تحت الطاولة.. لكنه لم يجد أحداً..
كان الشرر يتطاير من عينيه ، صاح غاضباً و هو يرى الأوراق المتناثرة على الأرض : من هذا اللص
؟!!
أقفل باب المكتب.. نظر إلى آلة التصوير المعلقة في طرف السقف "ذلك الغبي لا يعلم بأنه
مكشوف.."
جلس على الكرسي أمام حاسوبه ، و هم بتشغيل ما سجلته آلة التصوير المخصصة للمراقبة..
"ما هذا ؟! إنه يضع قناعاً !! و مختبئ تحت الطاولة طوال الوقت ! لن أستطيع تعرفه هكذا ! "
نهض غاضباً.. و هم بترتيب أوراقه قبل أن يأتي أحد و يكتشف ما حدث ، "ترى ما الورقة التي أخذ
نسخة منها ؟.. "
توجه إلى آلة النسخ و أدخل أمراً بطباعة آخر البيانات التي تم مسحها..
خرجت تلك الورقة وسط ذهوله "لقد سرق ذلك اللص نسخة من الخريطة التي توضح الأماكن
التي زرعنا فيها القنابل!! هؤلاء يعلمون إذاً بمخططنا لمحو بلدتهم ! لكن.. هل يعلمون بتوقيت
الانفجار ؟ أنا لا أظن ذلك.. فهذا السر بين المقربين من أتباعي فقط ، و ليس على الورق حتى.."
أخذ يرتب الأوراق في الأدراج.."حتى لو علموا بأماكن القنابل.. فهم لا يعرفون كيفية تعطيلها.. فقط
فريق العمل الذي صممها يعرف كيفية التعامل معها.. صحيح أن الجميع شارك في التصميم..
لكنهم لم يقوموا بعملية تصميم كاملة.. كل واحد منهم تولى إحدى الخطوات وحسب.. أما الخطوات
الكاملة .. فلم يروها أبداً ولا يمكن أن يكتشفوا بأنفسهم كيفية التعامل مع القنبلة دون المخطوطات
السرية التي لم يرها سواي و ثلاثة من أقرب أتباعي.. "



وضعت إلفا تلك الورقة أمام سام.. قائلة : هذه هي الخريطة التي طلبتها ، أعتذر عن تأخيري..
-لا بأس ..
أخذ يتأملها قليلاً ، بينما وضعت أمامه حزمة من الأوراق الأخرى : و هذا هو جزء من المخطوطات
يبين بعض الخطوات التفصيلية لتصميم القنبلة ، أنا لم أكن ضمن فريق التصميم.. لكن أستطيع أن
أدرس هذه الأوراق و أتعرف كيفية تغيير مؤقت القنبلة.. إنها تخص المؤقت وحده.. لم أحضر كل
المخطوطات...
"لن يعرف ميلان بأن هذه الأوراق عندي.. إلا لو بحث عنها تحديداً، كنت أعلم بوجود جهاز المراقبة
في تلك الغرفة ، لذلك اكتفيت بنسخ الخريطة.. هكذا سيظن أنه مازال في أمان.. و أننا لن نستطيع
التعامل مع القنابل لأننا لا نملك نسخاً عن المخطوطات الأصلية.. ما لن يفكر فيه.. هو أن
المخطوطات الأصلية أخفيتها في ملابسي حينما كنت تحت الطاولة.. من المستحيل أن يفكر في
إقدامي على شيء كهذا ، و حتى لو فكر في المخطوطات الأصلية و قرر التأكد من وجودها.. فهي
مازالت في ظرفها.. عشرات الأوراق المحفوظة في ظرف أعدت إغلاقه بإحكام تام كما كان .. من
غير الممكن أن يلاحظ اختفاء عدة أوراق منها.. بل من غير الممكن أن يفكر في التأكد منها .. لابد أن
تفكيره منصب على الخريطة الآن"
تناول سام الأوراق منها بحذر ، قال : حسناً ، لكن أسرعي في مهمتك.. سأجهز لكِ فريق العمل
الذي سيساعدك في تغيير مؤقتات القنابل..
-سيد سام.. هذه المخطوطات معقدة و استغرق إعدادها وقتاً طويلاً.. أرجو أن يكون أفراد فريقك
قادرين على فهمها بالسرعة المطلوبة..
-لا تقلقي.. لن أجلب لكِ إلا أذكى أتباعي..
-إذاً ، سأغيب لأربع ساعات أتفحص فيها هذه التفاصيل ، أرجو أن يكون رجالك جاهزين مع عودتي,
القنابل كثيرة و يجب علينا بذل جهدٍ جبار من أجل تعديلها كلها.. اليوم هو الخميس.. أمامنا يومان
فقط..
كادت تبتعد لكنها أردفت كمن تذكر شيئاً : و هناك شيء آخر ، لن أستطيع التواجد معكم طوال
الوقت.. غيابي سيثير شكوك ميلان ، سأشرح لفريقك آلية تعديل المؤقت ، و من ثم عليهم الاعتماد
على أنفسهم..
-هذا مفهوم..يمكنك الانصراف إلى دراستها ..
في غرفتها جلست تدرس تلك التفاصيل.." أنا لا أبالي بكوني خائنة لميلان ، لا تهمني أغراضه ولا
أهدافه.. في الحقيقة أنا أؤيد موقفه.. و لا أتقبل موقف سام.. لكن قلبي يرفض الخضوع لما يمليه
عقلي.. لا أستطيع تخيل أن أخذل كاترينا.. لن أعمل مع من أحرقها حية.. هذا مستحيل.. مهما
كانت أغراضه، و حتى لو كان يحمل الأفكار التي أسعى إليها ذاتها.. حتى لو كان لنا حلم واحد لا
يتحقق إلا بتعاوننا.. فسأتخلى عن حلمي من أجل كاترينا.. لن أسامحه على ما فعله بها..حتى لو
كان هذا على حسابي .. و حتى لو اضطررت إلى التضحية بنفسي من أجل ذكراها"



في تلك الليلة اجتمع فريق العمل الذي اختاره سام حول إلفا يصغون لما تقول باهتمام و يدونون
الملحوظات، كان شرحاً عسيراً و طويلاً.. لكنهم تمكنوا من فهم آلية التعديل بعد أن رأوا تطبيق إلفا
العملي لمؤقت إحدى قنابل التدمير الآني ..
قالت لهم بعد أن تأكدت من وضوح طريقة العمل التي سينتهجونها.."ستقومون بتعديل الضبط ليكون
الانفجار في تمام الساعة العاشرة.. أي قبل التوقيت السابق بساعتين ، أتباع ميلان سيحضرون
الاجتماع جميعهم.. لأن من يغيب في هذه المناسبة يتلقى الشكوك و يُنظر إليه على أنه خائن
لميوريلِت ..ميلان بذاته سيحضر أيضاً لكن بعد أن يتنكر كالعادة، هذا ليس مجرد تخمين مني .. إنه
حقيقة تأكدت منها بنفسي.. حقيقة سنبني عليها خطتنا لليلة الأحد.. سأوزع عليكم الآن خرائط
توضح بعض المواقع ، كل واحد سيستلم خريطة تحتوي مواقع مختلفة عن زميله.. نريد أن نتعاون
و أن يحرص كل منا على الانتهاء من ضبط القنابل التي تخص منطقته..كما قلت لكم..الضبط
سيكون على الساعة العاشرة.. و قد اخترناها لأن هذا هو التوقيت الذي يكون فيه السكان
مجتمعين كل عام..
أتباع ميلان سيبدأون بالتوافد مع حلول التاسعة.. لن تستطيعوا تمييزهم بالطبع لأنهم يبدون كبقية
السكان.. ستكونون معهم.. و ستنسحبون من الحفل قبل العاشرة بربع ساعة.. من يتأخر أكثر.. لن
يستطيع الفرار.. فسام سيجري تعديلاً على جدار ميوريلِت بحيث تنفجر بعض أجزاء قمته قبل
الانفجار الكبير بربع ساعة..و بالطبع تعلمون ماذا يعني أن يتعطل الجدار.. أية فتحة في سقفه
تجعله غير قابل للاختراق أبداً حتى بالانتقال الآني.. فاحرصوا على مغادرة ميوريلِت قبل العاشرة
إلا ربعاً.. و إلا حبستم هناك و تلاشيتم إلى لا شيء"
تدخل سام ليكمل عنها "سيكون ملتقانا في ميوريلِت الجديدة..المدينة التي قضينا الأيام الماضية
في بنائها .. إنها ليست مدينة كاملة بعد.. لكن جدارها مكتمل و انتهينا من نقل كل كتبنا القيمة و
آثارنا إليها.. هناك سنلتقي.. و سنكمل بناءها معاً ثم نحقق حلمنا دون إزعاج ميلان و أتباعه.."
تدخل أحد أفراد الفريق : لكن.. سيموت الكثير من سكان ميوريلِت الذين لا ذنب لهم بهذه الطريقة !
سيموتون مع أتباع ميلان !
- سأحرص على إبلاغ أكبر عدد ممكن من السكان الذين أثق بهم كي يستطيعوا النجاة.. أما من
أشك في كونه على صلة بميلان.. فلن أستطيع المخاطرة بإخباره.. لابد من التضحية يا بني ، نحن
لا نعلم تحديداً من الخائن و من الصديق.. لابد من التضحية ببعض الأصدقاء كي نتأكد من عدم نجاة
أي خائن..
استدارت إلفا ذاهبة و هي تقول : سأغادر الآن ، ابدأوا عملكم حالاً.. يجب أن تنتهوا قبل يوم الأحد..
يومين فقط.. يجب أن تتبدل فيهما مؤقتات كل القنابل..



وقفت كارين عند الشرفة تنظر إلى ساعتها المشيرة إلى منتصف الليل.. "ما الذي يمنعه من
المجيء؟! لقد قال لي بأنه سيأتي !! "
هبت نسائم باردة أرعشتها ، التفتت لتعود إلى الداخل.. حينما لمحت ورقة بيضاء تتطاير على أرض
الشرفة.. التقطتها و أخذت تقرأ.. "أنا آسف لأنني لم أستطِع المجيء ، إنني على ما يرام فلا
تشغلي بالكِ بغيابي.. هناك عمل مهم جداً يجب علي القيام به هذه الليلة.. و أخشى أنني لن
أستطيع اصطحابك معي لميوريلِت في نهاية هذا الأسبوع..سأحاول رؤيتكِ ليلة الغد لأخبركِ عن
الأسباب "
دخلت غرفتها و أغلقت باب الشرفة لتمنع الهواء البارد من تجميدها .. كانت تريد الجلوس على
سريرها حينما سمعت صوت شيء يدهس تحت قدمها.. أزاحتها.. لترى زهرة الأقحوان المجففة
تقطعت أشلاءً..
انحنت و التقطت بقاياها الميتة.. وضعتها في حجرها و جلست على سريرها "لا أدري لماذا أشعر
بهذا الوخز في قلبي .. البارحة ذلك الحلم.. و اليوم غيابه و تحطم الذكرى التي أخذتها منه.. "
استلقت على سريرها و أغمضت عينيها لتنام.. ما إن انتقلت إلى عالم الأحلام حتى رأت ثانية ذات
المشهد الذي رأته من قبل..



كانت تسير برفقة كيان وسط غابة كثيفة ، سار مبتسماً و هو يقودها إلى مكان ما ، توقفا عند هوة
سوداء ممتدة.. قال لها : سأعود إليك يا كارين، انتظريني وحسب..
أرادت أن تستوقفه إلا أنه تقدم نازلاً إلى تلك الهوة.. بقيت منتظرة إياه..
فجأة جفلت إثر صرخة آتية من القاع..
شعرت بالرعب الشديد.. نادته مراراً ..لكن لا جواب.. أرادت الدخول إلى ىتلك الهوة.. لكنها فوجئت
بها مطمورة تماماً !!
نهضت من نومها خائفة كما المرة السابقة..و ضربات قلبها متسارعة..
" ماذا يعني هذا ؟! أيعقل أن ينفصل عني كيان إلى الأبد كما حدث في الحلم ؟ أنا أريد أن أبقى معه..
لا أريد أن يختفي من حياتي.. لا أريده أن يعاني أي ألم لوحده.. لو كان سيتألم فأنا أريد أن أتألم معه.. لكني لن أتركه وحيداً.."
الجزء الحادي عشر ~

في مساء اليوم التالي.. كان كيان قد انتهى من ضبط مؤقت ست قنابل ، تصميم القنابل لم يكن
عادياً.. أولئك الذين قاموا بتصميمها اتبعوا أسلوباً غير تقليدي.. فطريقة تغيير المؤقت كانت تختلف
نوعاً ما من قنبلة إلى أخرى..و عند كل قنبلة كان ينبغي أن يقف كيان طويلاً ليفكر بعمق و يجد
الترابط بينها و بين القنبلة التي أرتهم إياها إلفا..ثم بعد ذلك يستطيع تعديل المؤقت على الساعة
العاشرة..
توقف ينظر إلى الخريطة في يده و هو متعب.."بقيت خمس قنابل.. سأعدل مؤقتها فيما بعد"
نظر إلى ساعته.. كانت تشير إلى الحادية عشر ليلاً.."لابد أن كارين تنتظرني الآن.. يجب علي أن
أراها.. و إلا ستظنني كذبت عليها.."


وقفت كارين و هي تستند على سور الشرفة..جاء صوته من خلفها : مرحباً..كارين.. !
التفتت إليه.. قالت باندفاع : خذني معك إلى ميوريلِت يا كيان !
تعجب من انفعالها.. قال لها بهدوء: لا أستطيـ..
قاطعته : لن أقبل أي عذر.. أريد أن آتي معك !! اليوم !
-ما بك ؟ اهدئي !
-خذني معك .. لا تتركني..
-من قال لكِ بأنني سأتركك.. إنهما يومان فقط .. سأغيب فيهما بسبب انشغالي..لكن بعدها سأعود
إليكِ يا كارين.. انتظريني وحسب !
ترددت عبارته الأخيرة في ذهنها.. "إنها ذات العبارة التي قالها في الحلم !! لو تركته يذهب فلن
يعود ثانية!! هناك صوت في داخلي يؤكد لي هذا !! كل شيء يؤكد لي هذا.."
-أنا لا أصدقك.. أنت لن تعود.. لذلك خذني معك الآن !!
-كارين !!
قالها بحدة ، فصمتت.. و أخذت دموعها تتهادى..
-لا أستطيع أخذك لأن ميوريلِت ليست آمنة حالياً.. لا يمكن أن أعرض حياتك للخطر.. سأفي بوعدي
لك.. و ستزورين ميوريلِت.. لكن ميرويلِت الجديدة التي بنيتها مع أصدقائي ! و ليست ميوريلِت
القديمة التي ستؤوي ألد أعدائنا بعد يومين..
-لن أدعك تواجه الخطر وحدك..
-و ما الذي يمكنكِ عمله ؟! لن تفعلي شيئاً لو أتيتِ !
-أريد أن أكون إلى جانبك..
-أنتِ لا تعلمين ما الخطر الذي أتحدث عنه !! ستنفجر ميرويلِت بأكملها.. ستتلاشى من الوجود..ماذا
لو لم تستطيعي الفرار قبل الوقت المناسب ؟! ماذا لو لم تنجحي في النقل الآني حينها ؟! أنتِ لم
تجيديه تماماً حتى الآن !
-لقد رأيت حلماً غريباً.. يشبه ما يحدث الآن إلى حد كبير.. تركتك تذهب في الحلم.. لكنك لم تعد ! رأيت ذلك الحلم مرتين !!
-كل هذا الإصرار من أجل حلم ؟!
-.. ليس الحلم فقط.. أنا أشعر بأنك لن تعود حقاً لو تركتك تذهب..
-أعدك بأنني سأعود..
-لن تفي بوعدك.. أعلم بأنك لن تفي بوعدك..
-أترينني أكذب عليك ؟!
كان قد خرج عن هدوئه ، و صارت لهجته أقرب للغضب.. زادها هذا إصراراً على رأيها.. تشبثت به و
هي تقول : نعم أنت تكذب !!
حاول إبعادها عنه : علي الذهاب الآن !
-لن تذهب إلا بعد أن تأخذني معك..
تشبثت به أكثر ، حاول دفعها.. سقطت على الأرض ثم سرعان ما عادت إلى التمسك به.. : لن
تذهب يا كيان !
قالتها بأنفاس متلاحقة.. زال غضبه و هو يرى دموعها الغزيرة.. انحنى ليجثو بجانبها : لا تبكي.. لا
أحب أن أراكِ حزينة كل مرة..
- دعني آتي معك.. ربما كان مجيئي مفيداً..
استسلم لها : حسناً كفي عن هذا.. أنا موافق..لكن بشرط ..
-ماذا؟
-أن تعودي إلى البيت حينما آمرك بذلك.. بلا جدال..
-لن أعود إلا معك..
-ها أنتِ ذا ترفضين شرطي !
-و لماذا لا تريد أن تعود برفقتي ؟! لماذا تريد البقاء وحدك ؟!
-حسناً سأعود معك..
-لا تكذب علي..
-لم أكن أعلم أنني لست سوى كاذب كبير في نظرك..
-..أنا لم أقصد هذا.. أنت تعلم من تكون في نظري..
نهض واقفاً .. قال : أنتِ لا تعرفين مكان ميوريلِت.. سأخبرك عن الموقع بالتحديد و عليك بالانتباه
إلي و تخيل المكان.. حتى تستطيعين الانتقال إليه..
-نعم سأفعل..
أصغت إليه و هو يصف لها الموقع.. ثم بدأت بعملية التركيز التي تحفز فيها طاقتها من أجل النقل
الآني.. بعد دقائق فتحت عينيها.. لترى نفسها في مكان آخر.. كان كيان إلى جانبها.. أخذت تنظر
إلى ما حولها بذهول.. "هذه هي ميرويلِت إذاً.."
نظرت إلى الأحجار التي رصفت بها الطرقات.. تأملت ما حولها من مبانٍ بالغة القدم و بيوت لم ترَ
مثل تصميمها إلا في مسلسلات التاريخ و الصور الخيالية.. كل شيء كان مختلفاً..كأنها انتقلت إلى
حقبة تاريخية قديمة.. المتاجر المتناثرة على الطريقة القديمة.. الملابس التقليدية التي يرتديها
بعض السكان.. تمتمت و هي تتأمل ما حولها ف انبهار: هذا مذهل.. أشعر و كأنني أعيش في
عالم من عوالم الخيال..
-كارين.. أرجو أن تتبعيني إلى بيتي.. أريدك أن تبقي هناك إلى حين أنهي عملي..
شعرت بالضيق.. لكنها وافقت لأنها تعلم بأنه منشغل من قبل..
قال و هو يسير إلى جانبها: قد لا أتمكن من تعريفك على البلدة .. لو كانت زيارتكِ في وقتٍ آخر
لكان هذا ممكناً..
-هل أنت غاضب مني ؟
-قليلاً..
-أنا آسفة على إصراري.. لكني لم أستطِع تركك ترحل.. أنا لا أتخيل أن تختفي من حياتي ..
-لا بأس ، لكن حاولي أن تكوني أقل عناداً في المرة القادمة.. لقد أثرتِ أعصابي..
-أمازلت غاضباً ؟
-لا .. لكن لا أريد عناداً أكثر..
-لن أعاندك مرة أخرى..
ابتسم لها بود : هذا ما أريد سماعه يا صغيرتي !
في الطريق استوقفهما باتريك ، قال مخاطباً كيان : هل أنهيت عملك ؟
-تبقى خمس.. و أنت ؟
-ست ! ليتني أعلم ما الجهد الذي بذلوه لتصميمها !
-يبدو أنهم عملوا على مخططهم هذا طويلاً..
التفتت باتريك إلى كارين.. سألها : هل أنتِ الآنسة كارين ؟
فاجأها بسؤاله ، ردت : نعم.. لكن..كيف علمت باسمي ؟
-كيان يحدثني عنكِ دائماً !
تدخل كيان : إنه يدعى باتريك..أفضل صديق عرفته..
قالت و هي تنظر لباتريك : تشرفت برؤيتك !
-و أنا أيضاً ، من الرائع أنكِ نجحت في تعلم النقل الآني و زيارة بلدتنا.. لكن..
نظر إلى كيان نظرة ذات معنى ، فقالت و قد فهمت ما فهمته من تلك النظرة: أعلم أن وقت زيارتي
ليس مناسباً.. لكن لي دافعاً قوياً بما يكفي للمخاطرة..
كان جوابها كافياً ،فحياهما مبتعداً..بينما تابعا سيرهما ..
عند أحد البيوت توقفا.. قال لها : هذا هو البيت الذي عشت فيه طفولتي..
تقدم ليفتح الباب ، دخلت خلفه.. لكنها توقفت فجأة إثر الرعب الذي اعتراها،
قالت و هي تلتفت إلى ما حولها: ما هذا.. ؟ الجدار.. يبدو و كأن.. لا أدري ماذا أقول.. لكن يبدو و كأنه
يحتوي على أشياء تشبه إلى حد كبير أجزاء بشرية متفرقة .. !
-هذه الأجزاء كانت يوماً ما أمي و أبي..
شهقت مما قاله.. تساءلت : كيف .. ؟! إنها تبدو و كأنها جزء من هذا الأثاث !
-النقل الآني الذي قام به سام لنقل ميوريلِت لم يكن ناجحاً كلياً.. هناك أناس لم تترتب خلاياهم من
جديد.. و إنما اندمجت مع ذرات الجمادات التي كانت تجاورهم.. هكذا لم يعودوا بشراً.. و إنما أجزاء
شبيهة بأجزاء البشر..متحدة مع الجدران و الأقمشة..
-هذا..فظيع..
-اتبعيني إلى غرفتي..
صعدت درجات السلم خلفه.. و هي تتخيل نفسها مكانه.. تتخيل مدى الحزن الذي قد يشعر به ..و
تتساءل عن القوة التي يملكها "كيف يمكنه الحفاظ على هدوئه ؟ و كيف يمكنه أن يمنع دموعه من
الانحدار و هو يمر أمام بقايا كانت أبويه ؟!"..
دخلت غرفته.. و تعجبت من الفرق الهائل بينها و بين غرفته التي رأتها من قبل..
قال لها : سأذهب الآن.. سأعود حين أنهي عملي..
-متى ستعود ؟
-ربما فجراً..علي أن أضبط قنبلتين على الأقل من الخمس المتبقية قبل نهار السبت..
تساءلت عن تلك القنابل.. فأخبرها بإيجاز عن مهمته في تغيير مؤقت انفجارها.. و ضرورة الخروج
من البلدة مساء الأحد..
عادت إلى التساؤل : مازال هناك وقت طويل نسبياً.. ماذا ستفعل نهار الأحد ؟ و لماذا أنت مصمم
على إنهاء ضبط كل القنابل مع يوم السبت ؟
-علي أن أشارك في الإعداد للاحتفال يوم الأحد.. الامتناع عن المشاركة سيجلب الشكوك.. لاسيما
مع تواجد أتباع ميلان..
-فهمت.. لكن كن حذراً..
-ما من خطر يتربص بي الآن.. أنا في أمان.. لا تقلقي..
ابتسم لها ثم اختفى من أمامها في عدة لحظات.. تمتمت في داخلها و هي تشعر بالسعادة تنسل
إلى نفسها لتحل محل الحزن المخيم على قلبها"مازلت غير قادرة على مقاومة ابتسامته السحرية
، ما إن يبتسم في وجهي حتى أنسى كل ما حولي.. "
التفتت إلى ما حولها و أخذت تتفحص الغرفة.. "لا أصدق أنني وحدي في غرفته.. في المكان الذي
يحوي أسراره.. ترى كيف عاش طفولته ؟ ماذا أحب و ماذا كره و ممَ كان يخاف ؟ .. "
مشت حين كادت تتعثر بدمية قماشية.. حملتها..ابتسمت رغماً عنها و هي تتخيله يلعب بها في
طفولته "لماذا يحتفظ بدمية فتيات..؟"
كانت هناك كتب مبعثرة.. جمعتها و جلست تحت النافذة تتصفحها.. "توقعت أن تكون كتباً علمية..
لكنها مجرد قصص !! "
فتحت إلفا باب غرفة نيل ببطء لتتأكد من كونه نائماً.. رأته جالساً على السرير و ظهره للباب.. كان
منكمشاً على نفسه ..يجلس ضاماً ركبتيه و مطأطئاً برأسه .. اقتربت منه دون أن تدوس على
الجريدة التي لمحتها ملقاة على الأرض .. شعرت بأنه يرتجف.. جلست بجانبه و أحاطت كتفه
بذراعها : نيل.. مابك ؟
رفع رأسه إليها.. كان وجهه مبللاً بالدموع.. تناولت الصورة التي في يده.. الصورة التي تجمعه
بأبويه و أخيه الأكبر.. قال بصوت مهتز : أندرو.. أحرق نفسه..
ردت بصوت مشوب بالحزن: لقد كان صادقاً في الكلام الذي قاله.. هو لم يعلم بوصية كاترينا..
اشتد بكاؤه.. أخذ ينتحب و هو يتمسك بها كطفل يخشى ابتعاد أمه عنه..
-أنا شخص أناني.. شخص سيء جداً.. لا أستحق أن أتولى ملك ميوريلِت..
-أعلم أنك حزين لأنك فقدت أشياء كثيرة.. و لأنك خذلت أخاك..لكن.. هل تريد أن تخذل كيان أيضاً ؟
هل تريد أن تخذلنا جميعاً بتخليك عن ميوريلِت ؟!
-أنا لا أريد أن أخلف العم سام..
-لكي تضيع ميرويلِت ؟ لكي يتحطم كل ما نبنيه و يضيع حلمنا الكبير إلى الأبد؟
-لا..لا..أنا لا أعرف ما أريده حقاً..
-أنت تريد أن تصحح أخطاءك و تتوقف عن خذلان من تحبهم.. حينما تهدأ ستجد أنك نادم على
تفكيرك بالتخلي عن ميوريلِت.. نيل أنت أملنا.. لا تجعل حزنك يدفعك إلى المزيد من الأخطاء.. عليك
أن تتعلم كيف تتجنب الخطأ في المرة القادمة.. عليك أن تجعل ندمك حافزاً لسلوك الطريق
الصحيح في المرة الثانية..
لم يرد و إنما بدا كمن يفكر في كلامها.. قالت : عدني بأنك لن تفكر في التخلي عنا مرة أخرى..
-لا أريد التخلي عنكم.. لكنني لست أهلاً لهذا..
-بل أنت أهل لذلك ! نيل !! ماذا سيكون موقف سام لو سمع بما تقوله ؟!
لاذ بالصمت و هو يمنع أدمعه من التهاوي عنوة ، نظر إلى الأرض و مشاعره تتخبط في صدره..
-نيل ! تكلم ! قل أنك ستنفض هذه الفكرة المجنونة من رأسك! أم أنك.. تنوي التخلي عنا كما
الكفيف عاشق الر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-10-2014, 01:20 AM   #6 (permalink)
Adnan0999
مشرف متميز سابقاً
 
الصورة الرمزية Adnan0999
 
الله يعطيك العافية على الموضوع ربي يسعدك
Adnan0999 غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


الساعة الآن 01:17 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103