تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام

تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام

السيرة النبوية (( كاملة ))

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2012, 04:35 PM   #1 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 

ADS
السيرة النبوية (( كاملة ))







(السيرة النبوية) كامله بدءاً من مولده وحتى وفاته صلى الله عليه وسلم





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله، فجعلهشاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وجعل فيهأسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا‏.‏ اللهم صلوسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وفجّرلهم ينابيع الرحمة والرضوان تفجيرا‏.
وبعد:-

فسوف أقوم إن شاء الله بعرض السيرة النبوية كامله من مولده وحتى لحوقهبالرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم مستخرج تلك الأحداث والروايات من كتبالسيرة ‏ النبوي



نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 04:36 PM   #2 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
النسب والمولد والنشأة


*نسب النبي صلى الله عليه وسلم وأسرته :



نسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثلاثة أجزاء‏:‏ جزء اتفقعليه كافة أهل السير والأنساب، وهو الجزء الذي يبدأ منه صلى الله عليهوسلم وينتهي إلى عدنان‏.‏

وجزء آخر كثر فيه الاختلاف، حتى جاوز حد الجمع والائتلاف، وهو الجزء الذييبدأ بعد عدنان وينتهي إلى إبراهيم عليه السلام فقد توقف فيه قوم،وقالوا‏:‏ لا يجوز سرده، بينما جوزه آخرون وساقوه‏.‏ ثم اختلف هؤلاالمجوزون في عدد الآباء وأسمائهم، فاشتد اختلافهم وكثرت أقوالهم حتى جاوزتثلاثين قولًا، إلا أن الجميع متفقون على أن عدنان من صريح ولد إسماعيلعليه السلام‏.‏

أما الجزء الثالث فهو يبدأ من بعد إبراهيم عليه السلام وينتهي إلى آدمعليه السلام، وجل الاعتماد فيه على نقل أهل الكتاب، وعندهم فيه من بعضتفاصيل الأعمار وغيرها ما لا نشك في بطلانه، بينما نتوقف في البقيةالباقية‏.‏

وفيما يلى الأجزاء الثلاثة من نسبه الزكى صلى الله عليه وسلم بالترتيب ‏:‏

الجزء الأول ‏:‏ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب واسمه شَيْبَة بن هاشمواسمه عمرو بن عبد مناف واسمه المغيرة بن قُصَىّ واسمه زيد بن كِلاب بنمُرَّة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فِهْر وهو الملقب بقريش وإليه تنتسبالقبيلة بن مالك بن النَّضْر واسمه قيس بن كِنَانة بن خُزَيْمَة بنمُدْرِكة واسمه عامر بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان‏.‏

الجزء الثانى ‏:‏ ما فوق عدنان، وعدنان هو ابن أُدَد بن الهَمَيْسَع بنسلامان بن عَوْص بن بوز بن قموال بن أبي بن عوام بن ناشد بن حزا بن بلداسبن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن ناحش بن ماخى بن عيض بن عبقر بن عبيد بنالدعا بن حَمْدان بن سنبر بن يثربى بن يحزن بن يلحن بن أرعوى بن عيض بنديشان بن عيصر بن أفناد ابن أيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن سمى بن مزىبن عوضة بن عرام بن قيدار ابن إسماعيل بن إيراهيم عليهما السلام‏.‏

الجزء الثالث ‏:‏ ما فوق إبراهيم عليه السلام، وهو ابن تارَح واسمه آزر بنناحور بن ساروع أو ساروغ بن رَاعُو بن فَالَخ بن عابر بن شَالَخ بنأرْفَخْشَد بن سام بن نوح عليه السلام بن لامك بن مَتوشَلخَ بن أَخْنُوخيقال ‏:‏ هو إدريس النبي عليه السلام بن يَرْد بن مَهْلائيل بن قينان بنأنُوش بن شِيث بن آدم عليهما السلام‏.‏


*الأسرة النبوية :

تعرف أسرته صلى الله عليه وسلم بالأسرة الهاشمية نسبة إلى جده هاشم بن عبد مناف وإذن فلنذكر شيئًا من أحوال هاشم ومن بعده ‏:‏


1 هاشم ‏:‏

قد أسلفنا أن هاشمًا هو الذي تولى السقاية والرفادة من بني عبد مناف حينتصالح بنو عبد مناف وبنو عبد الدار على اقتسام المناصب فيما بينهما، وكانهاشم موسرًا ذا شرف كبير، وهو أول من أطعم الثريد للحجاج بمكة، وكان اسمهعمرو فما سمى هاشمًا إلا لهشمه الخبز، وهو أول من سن الرحلتين لقريش، رحلةالشتاء والصيف، وفيه يقول الشاعر ‏:‏

عمرو الذي هَشَمَ الثريدَ لقومه ** قَومٍ بمكة مُسِْنتِين عِجَافِ

سُنَّتْ إليه الرحلتان كلاهما ** سَفَرُ الشتاء ورحلة الأصياف

ومن حديثه أنه خرج إلى الشام تاجرًا، فلما قدم المدينة تزوج سلمى بنت عمروأحد بني عدى بن النجار وأقام عندها، ثم خرج إلى الشام وهي عند أهلها قدحملت بعبد المطلب فمات هاشم بغزة من أرض فلسطين، وولدت امرأته سلمى عبدالمطلب سنة 497 م، وسمته شيبة؛ لشيبة كانت في رأسه، وجعلت تربيه في بيتأبيها في يثرب، ولم يشعر به أحد من أسرته بمكة، وكان لهاشم أربعة بنينوهم‏:‏ أسد وأبو صيفي ونضلة وعبد المطلب‏.‏ وخمس بنات وهن‏:‏ الشفاء،وخالدة، وضعيفة، ورقية، وجنة‏.‏


2 عبد المطلب ‏:‏

قد علمنا مما سبق أن السقاية والرفادة بعد هاشم صارت إلى أخيه المطلب بنعبد مناف ‏[‏وكان شريفًا مطاعًا ذا فضل في قومه، كانت قريش تسميه الفياضلسخائه‏]‏ لما صار شيبة عبد المطلب وصيفًا أو فوق ذلك ابن سبع سنين أوثماني سنين سمع به المطلب‏.‏ فرحل في طلبه، فلما رآه فاضت عيناه، وضمه،وأردفه على راحلته فامتنع حتى تأذن له أمه، فسألها المطلب أن ترسله معه،فامتنعت، فقال ‏:‏ إنما يمضى إلى ملك أبيه وإلى حرم الله فأذنت له، فقدمبه مكة مردفه على بعيره، فقال الناس‏:‏ هذا عبد المطلب، فقال‏:‏ ويحكم،إنما هو ابن أخى هاشم، فأقام عنده حتى ترعرع، ثم إن المطلب هلك ب‏[‏دمان‏]‏ من أرض اليمن، فولى بعده عبد المطلب، فأقام لقومه ما كان آباؤهيقيمون لقومهم،وشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظمخطره فيهم‏.‏

ولما مات المطلب وثب نوفل على أركاح بد المطلب فغصبه إياها، فسأل رجالًامن قريش النصرة على عمه، فقالوا‏:‏ لا ندخل بينك وبين عمك، فكتب إلىأخواله من بني النجار أبياتًا يستنجدهم، فسار خاله أبو سعد بن عدى فيثمانين راكبًا، حتى نزل بالأبطح من مكة، فتلقاه عبد المطلب، فقال‏:‏المنزل يا خال، فقال‏:‏ لا والله حتى ألقى نوفلًا، ثم أقبل فوقف على نوفل،وهو جالس في الحجر مع مشايخ قريش، فسل أبو سعد سيفه وقال‏:‏ ورب البيت،لئن لم ترد على ابن أختى أركاحه لأمكنن منك هذا السيف، فقال‏:‏ رددتهاعليه، فأشهد عليه مشايخ قريش، ثم نزل على عبد المطلب، فأقام عنده ثلاثًا،ثم اعتمر ورجع إلى المدينة‏.‏ فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبدمناف على بني هاشم‏.‏ ولما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب قالوا‏:‏نحن ولدناه كما ولدتموه، فنحن أحق بنصره وذلك أن أم عبد مناف منهم فدخلوادار الندوة وحالفوا بني هاشم على بني عبد شمس ونوفل، وهذا الحلف هو الذيصار سببًا لفتح مكة كما سيأتى‏.‏

ومن أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان‏:‏


حفر بئر زمزم ووقعة الفيل

وخلاصة الأول‏:‏ أنه أمر في المنام بحفر زمزم ووصف له موضعها، فقام يحفر،فوجد فيه الأشياء التي دفنها الجراهمة حين لجأوا إلى الجلاء، أي السيوفوالدروع والغزالين من الذهب، فضرب الأسياف بابًا للكعبة، وضرب في البابالغزالين صفائح من ذهب، وأقام سقاية


زمزم للحجاج‏.‏

ولما بدت بئر زمزم نازعت قريش عبد المطلب، وقالوا له ‏:‏ أشركنا‏.‏قال‏:‏ما أنا بفاعل، هذا أمر خصصت به، فلم يتركوه حتى خرجوا به للمحاكمة إلىكاهنة بني سعد هُذَيْم، وكانت بأشراف الشام، فلما كانوا في الطريق، ونفدالماء سقى الله عبد المطلب مطرًا، م ينزل عليهم قطرة، فعرفوا تخصيص عبدالمطلب بزمزم ورجعوا، وحينئذ نذر عبد المطلب لئن آتاه الله عشرة أبناء،وبلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة‏.‏

وخلاصة الثانى‏:‏ أن أبرهة بن الصباح الحبشى، النائب العام عن النجاشى علىاليمن، لما رأي العرب يحجون الكعبة بني كنيسة كبيرة بصنعاء، وأراد أن يصرفحج العرب إليها، وسمع بذلك رجل من بني كنانة، فدخلها ليلًا فلطخ قبلتهابالعذرة‏.‏ ولما علم أبرهة بذلك ثار غيظه، وسار بجيش عرمرم عدده ستون ألفجندى إلى الكعبة ليهدمها، واختار لنفسه فيلا من أكبر الفيلة، وكان فيالجيش 9 فيلة أو 13 فيلا، وواصل سيره حتى بلغ المُغَمَّس، وهناك عبأ جيشهوهيأ فيله، وتهيأ لدخول مكة، فلما كان في وادى مُحَسِّر بين المزدلفة ومنىبرك الفيل، ولم يقم ليقدم إلى الكعبة، وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أوالشمال أو الشرق يقوم يهرول، وإذا صرفوه إلى الكعبة برك، فبيناهم كذلك إذأرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصفمأكول‏.‏ وكانت الطير أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر ثلاثة أحجار؛حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص، لا تصيب منهم أحدًا إلا صارتتتقطع أعضاؤه وهلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يموج بعضهم في بعض،فتساقطوا بكل طريق وهلكوا على كل منهل، وأما أبرهة فبعث الله عليه داءتساقطت بسببه أنامله، ولم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل الفرخ، وانصدع صدرهعن قلبه ثم هلك‏.‏

وأما قريش فكانوا قد تفرقوا في الشعاب، وتحرزوا في رءوس الجبال خوفًا علىأنفسهم من معرة الجيش، فلما نزل بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوتهم آمنين‏.‏

وكانت هذه الوقعة في شهر المحرم قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسينيومًا أو بخمسة وخمسين يومًا عند الأكثر وهو يطابق أواخر فبراير أو أوائلمارس سنة 571 م، وكانت تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته؛ لأنّا حين ننظر إلىبيت المقدس نرى أن المشركين من أعداء الله استولوا على هذه القبلة مرتينبينما كان أهلها مسلمين، كما وقع لبُخْتُنَصَّر سنة 587 ق‏.‏م، والرومانسنة 70 م، ولكن لم يتم استيلاء نصارى الحبشة على الكعبة وهم المسلمون إذذاك، وأهل الكعبة كانوا مشركين‏.‏

وقد وقعت هذه الوقعة في الظروف التي يبلغ نبؤها إلى معظم المعمورةالمتحضرة إذ ذاك‏.‏ فالحبشة كانت لها صلة قوية بالرومان، والفرس لا يزالونلهم بالمرصاد، يترقبون ما نزل بالرومان وحلفائهم؛ ولذلك سرعان ما جاءتالفرس إلى اليمن بعد هذه الوقعة، وهاتان الدولتان كانتا تمثلان العالمالمتحضر في ذلك الوقت‏.‏ فهذه الوقعة لفتت أنظار العالم ودلته على شرف بيتالله، وأنه هو الذي اصطفاه الله للتقديس، فإذن لو قام أحد من أهله بدعوىالنبوة كان ذلك هو عين ما تقتضيه هذه الوقعة، وكان تفسيرًا للحكمة الخفيةالتي كانت في نصرة الله للمشركين ضد أهل الإيمان بطريق يفوق عالمالأسباب‏.‏

وكان لعبد المطلب عشرة بنين، وهم‏:‏ الحارث، والزبير، وأبو طالب، وعبدالله، وحمزة، وأبو لهب، والغَيْدَاق، والمُقَوِّم، وضِرَار، والعباس‏.‏وقيل‏:‏ كانوا أحد عشر، فزادوا ولدًا اسمه‏:‏ قُثَم، وقيل ‏:‏ كانوا ثلاثةعشر، فزادوا‏:‏ عبد الكعبة وحَجْلًا، وقيل‏:‏ إن عبد الكعبة هو المقوم،وحجلا هو الغيداق، ولم يكن من أولاده رجل اسمه قثم، وأما البنات فست وهن‏:‏ أم الحكيم وهي البيضاء وبَرَّة، وعاتكة، وصفية، وأرْوَى، وأميمة‏.‏


3 عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

أمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يَقَظَة بن مرة، وكانعبد الله أحسن أولاد عبد المطلب وأعفهم وأحبهم إليه، وهو الذبيح؛ وذلك أنعبد المطلب لما تم أبناؤه عشرة، وعرف أنهم يمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه،فقيل ‏:‏ إنه أقرع بينهم أيهم ينحر ‏؟‏ فطارت القرعة على عبد الله، وكانأحب الناس إليه‏.‏فقال‏:‏اللهم هو أو مائة من الإبل‏.‏ثم أقرع بينه وبينالإبل فطارت القرعة على المائة من الإبل، وقيل‏:‏إنه كتب أسماءهم فيالقداح،وأعطاها قيم هبل، فضرب القداح فخرج القدح على عبد الله، فأخذه عبدالمطلب، وأخذ الشفرة،ثم أقبل به إلى الكعبة ليذبحه،فمنعته قريش،ولاسيماأخواله من بني مخزوم وأخوه أبو طالب‏.‏ فقال عبد المطلب ‏:‏ فكيف أصنعبنذري‏؟‏ فأشاروا عليه أن يأتى عرافة فيستأمرها، فأتاها، فأمرت أن يضربالقداح على عبد الله وعلى عشر من الإبل، فإن خرجت على عبد الله يزيد عشرًامن الإبل حتى يرضى ربه، فإن خرجت على الإبل نحرها، فرجع وأقرع بين عبدالله وبين عشر من الإبل، فوقعت القرعة على عبد الله، فلم يزل يزيد منالإبل عشرًا عشرًا ولا تقع القرعة إلا عليه إلى أن بلغت الإبل مائة فوقعتالقرعة عليها، فنحرت ثم تركت، لا يرد عنها إنسان ولا سبع، وكانت الدية فيقريش وفي العرب عشرًا من الإبل، فجرت بعد هذه الوقعة مائة من الإبل،وأقرها الإسلام، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏[‏أنا ابنالذبيحين‏]‏ يعنى إسماعيل، وأباه عبد الله‏.‏

واختار عبد المطلب لولده عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بنكلاب، وهي يومئذ تعد أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا، وأبوها سيد بنيزهرة نسبًا وشرفًا، فزوجه بها، فبني بها عبد الله في مكة، وبعد قليل أرسلهعبد المطلب إلى المدينة يمتار لهم تمرًا، فمات بها، وقيل ‏:‏ بل خرجتاجرًا إلى الشام، فأقبل في عير قريش، فنزل بالمدينة وهو مريض فتوفي بها،ودفن في دار النابغة الجعدى، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، وكانت وفاته قبلأن يولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه يقول أكثر المؤرخين، وقيل ‏:‏بل توفي بعد مولده بشهرين أو أكثر‏.‏ ولما بلغ نعيه إلى مكة رثته آمنةبأروع المراثى، قالت ‏:‏

عَفَا جانبُ البطحاءِ من ابن هاشم ** وجاور لَحْدًا خارجًا في الغَمَاغِم

دَعَتْه المنايا دعوة فأجابها ** وما تركتْ في الناس مثل ابن هاشم

عشية راحوا يحملون سريره ** تَعَاوَرَهُ أصحابه في التزاحم

فإن تك غالته المنايا ورَيْبَها ** فقد كان مِعْطاءً كثير التراحم

وجميع ما خلفه عبد الله خمسة أجمال، وقطعة غنم، وجارية حبشية اسمها بركة وكنيتها أم أيمن، وهي حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 04:37 PM   #3 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
المولد وأربعون عامًا قبل النبوة


*المولد:



ولد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بشعب بني هاشم بمكة في صبيحة يومالاثنين التاسع من شهر ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، ولأربعين سنةخلت من ملك كسرى أنوشروان، ويوافق ذلك عشرين أو اثنين وعشرين من شهر أبريلسنة 571 م حسبما حققه العالم الكبير محمد سليمان المنصورفورى رحمه الله‏.‏


وروى ابن سعد أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ‏:‏ لما ولدته خرجمن فرجى نور أضاءت له قصور الشام‏.‏ وروى أحمد والدارمى وغيرهما قريبًا منذلك‏.‏


وقد روى أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة منإيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرةساوة بعد أن غاضت، روى ذلك الطبرى والبيهقى وغيرهما‏.‏ وليس له إسنادثابت، ولم يشهد له تاريخ تلك الأمم مع قوة دواعى التسجيل‏.‏


ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده،فجاء مستبشرًا ودخلبه الكعبة، ودعا الله وشكر له‏.‏ واختار له اسم محمد وهذا الاسم لم يكنمعروفًا في العرب وخَتَنَه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون‏.‏


وأول من أرضعته من المراضع وذلك بعد أمه صلى الله عليه وسلم بأسبوعثُوَيْبَة مولاة أبي لهب بلبن ابن لها يقال له‏:‏ مَسْرُوح، وكانت قدأرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسدالمخزومي‏.




*في بني سعد :




وكانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ابتعادًالهم عن أمراض الحواضر؛ ولتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم، ويتقنوا اللسانالعربى في مهدهم، فالتمس عبد المطلب لرسول الله صلى الله عليه وسلمالمراضع، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبدالله بن الحارث، وزوجها الحارث ابن عبد العزى المكنى بأبي كبشة من نفسالقبيلة‏.‏


وإخوته صلى الله عليه وسلم هناك من الرضاعة ‏:‏ عبد الله بن الحارث،وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث ‏[‏وهي الشيماء؛ لقب غلبعلى اسمها‏]‏ وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان بنالحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمه حمزةبن عبد المطلب مسترضعًا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمه رسول الله صلى اللهعليه وسلم يومًا وهو عند أمه حليمة،فكان حمزة رضيع رسول الله صلى اللهعليه وسلم من جهتين، من جهة ثويبة ومن جهة السعدية‏.‏


ورأت حليمة من بركته صلى الله عليه وسلم ما قضت منه العجب، ولنتركها تروى ذلك مفصلًا ‏:‏


قال ابن إسحاق ‏:‏ كانت حليمة تحدث ‏:‏ أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابنلها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء‏.‏ قالت ‏:‏وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئًا، قالت ‏:‏ فخرجت على أتان لى قمراء،ومعنا شارف لنا، والله ما تَبِضّ ُبقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبيناالذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديى ما يغنيه، وما في شارفنا مايغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذَمَّتْبالركب حتى شق ذلك عليهم، ضعفًا وعجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فمامنا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذاقيل لها‏:‏ إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنانقول‏:‏ يتيم‏!‏ وما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيتامرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيرى، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى‏:‏والله، إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلىذلك اليتيم فلآخذنه‏.‏ قال ‏:‏ لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنافيه بركة‏.‏ قالت‏:‏ فذهبت إليه وأخذته،وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجدغيره، قالت‏:‏ فلما أخذته رجعت به إلى رحلى، فلما وضعته في حجرى أقبل عليهثديأي بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وماكنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل، فحلب منهاما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة، قالت‏:‏ يقولصاحبى حين أصبحنا‏:‏ تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة، قالت‏:‏فقلت‏:‏ والله إنى لأرجو ذلك‏.‏ قالت‏:‏ ثم خرجنا وركبت أنا أتانى، وحملتهعليها معى، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شىء من حمرهم، حتى إنصواحبى ليقلن لى‏:‏ يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك‏!‏ أرْبِعى علينا، أليست هذهأتانك التي كنت خرجت عليها‏؟‏ فأقول لهن‏:‏ بلى والله، إنها لهي هي،فيقلن‏:‏ والله إن لها شأنًا، قالت‏:‏ ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد،وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمى تروح علىَّ حين قدمنابه معنا شباعًا لُبَّنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولايجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم‏:‏ ويلكم،اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرةلبن، وتروح غنمى شباعًا لبنًا‏.‏ فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخيرحتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيهحتى كان غلامًا جفرًا‏.‏ قالت‏:‏ فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثهفينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها‏:‏ لو تركت ابني عنديحتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت‏:‏ فلم نزل بها حتى ردته معنا‏.‏‏

نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 04:38 PM   #4 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
* شق الصدر :


وهكذا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني سعد، حتى إذا كان بعدهبأشهر على قول ابن إسحاق، وفي السنة الرابعة من مولده على قول المحققينوقع حادث شق صدره، روى مسلم عن أنس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلمأتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرجالقلب، فاستخرج منه علقة، فقال‏:‏ هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طَسْتمن ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ثم أعاده في مكانه،وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعنى ظئره فقالوا‏:‏ إن محمدًا قد قتل،فاستقبلوه وهو مُنْتَقِعُ اللون أي متغير اللون قال أنس‏:‏ وقد كنت أرىأثر ذلك المخيط في صدره‏.


*إلى أمه الحنون :


وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين‏.‏


ورأت آمنة وفاء لذكرى زوجها الراحل أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكةقاطعة رحلة تبلغ نحو خمسمائة كيلو متر ومعها ولدها اليتيم محمد صلى اللهعليه وسلم وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب، فمكثت شهرًا ثم قفلت،وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق، ثم اشتد حتى ماتتبالأبْوَاء بين مكة والمدينة‏.



*إلى جده العطوف :


وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيدهاليتيم الذي أصيب بمصاب جديد نَكَأ الجروح القديمة، فَرَقَّ عليه رقة لميرقها على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يؤثره علىأولاده، قال ابن هشام‏:‏ كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكانبنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيهإجلالًا له، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى وهو غلام جفر حتىيجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأي ذلكمنهم‏:‏ دعوا ابني هذا، فوالله إن له لشأنًا، ثم يجلس معه على فراشه،ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع‏.‏


ولثمانى سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى الله عليه وسلم توفي جده عبدالمطلب بمكة، ورأي قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيقأبيه‏.


*إلى عمه الشفيق :


ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهمواختصه بفضل احترام وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليهحمايته، ويصادق ويخاصم من أجله، وستأتي نبذ من ذلك في مواضعها‏.



* يستسقى الغمام بوجهه :


أخرج ابن عساكر عن جَلْهُمَة بن عُرْفُطَة قال‏:‏ قدمت مكة وهم في قحط،فقالت قريش‏:‏ يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهَلُمَّ فاستسق،فخرج أبو طالب ومعه غلام، كأنه شمس دُجُنَّة، تجلت عنه سحابة قَتْمَاء،حوله أُغَيْلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة،ولاذ بأضبعه الغلام،وما في السماء قَزَعَة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغْدَوْدَق،وانفجر الوادي، وأخصب النادي والبادي، وإلى هذا أشار أبو طالب حين قال‏:‏


وأبيضَ يُستسقى الغَمَام بوجهه ** ثِمالُ اليتامى عِصْمَةٌ للأرامل


*بَحِيرَى الراهب :


ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتى عشرة سنة قيل‏:‏ وشهرينوعشرة أيام ارتحل به أبو طالب تاجرًا إلى الشام، حتى وصل إلى بُصْرَى وهيمعدودة من الشام، وقَصَبَة لحُورَان، وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلادالعربية التي كانت تحت حكم الرومان‏.‏ وكان في هذا البلد راهب عرفبَبحِيرَى، واسمه فيما يقال‏:‏ جرجيس، فلما نزل الركب خرج إليهم، وكان لايخرج إليهم قبل ذلك، فجعل يتخلّلهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى اللهعليه وسلم، وقال‏:‏ هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثهالله رحمة للعالمين‏.‏ فقال له ‏[‏أبو طالب و‏]‏ أشياخ قريش‏:‏ ‏[‏و‏]‏ ماعلمك ‏[‏بذلك‏]‏‏؟‏ فقال‏:‏ إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجرإلا خر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبى، وإنى أعرفه بخاتم النبوة أسفل منغضروف كتفه مثل ال، ‏[‏وإنا نجده في كتبنا‏]‏، ثم أكرمهم بالضيافة، وسألأبا طالب أن يرده، ولا يقدم به إلى الشام؛ خوفًا عليه من الروم واليهود،فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة‏.
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 04:40 PM   #5 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
*حرب الفِجَار :

وفي السنة العشرين من عمره صلى الله عليه وسلم وقعت في سوق عُكاظ حرب بينقريش ومعهم كنانة وبين قَيْس عَيْلان، تعرف بحرب الفِجَار وسببها‏:‏ أنأحد بني كنانة، واسمه البَرَّاض، اغتال ثلاثة رجال من قيس عيلان، ووصلالخبر إلى عكاظ فثار الطرفان، وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية؛لمكانته فيهم سنا وشرفًا، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتىإذا كان في وسط النهار كادت الدائرة تدور على قيس‏.‏ ثم تداعى بعض قريشإلى الصلح على أن يحصوا قتلى الفريقين، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ ديةالزائد‏.‏ فاصطلحوا على ذلك، ووضعوا الحرب، وهدموا ما كان بينهم منالعداوة والشر‏.‏ وسميت بحرب الفجار؛ لانتهاك حرمة الشهر الحرام فيها، وقدحضر هذه الحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ينبل على عمومته؛ أييجهز لهم النبل للرمي‏.

*حلف الفضول :

وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في ذى القعدة في شهر حرام تداعت إليهقبائل من قريش‏:‏ بنو هاشم، وبنو المطلب،وأسد بن عبد العزى، وزهرة بنكلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان التيمى؛ لسنِّهوشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم منسائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهدهذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال بعد أن أكرمه اللهبالرسالة‏:‏ ‏(‏لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لى بهحمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت‏)‏‏.‏

وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها، ويقالفي سبب هذا الحلف‏:‏ إن رجلًا من زُبَيْد قدم مكة ببضاعة، واشتراها منهالعاص بن وائل السهمى، وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدارومخزومًا، وجُمَحًا وسَهْمًا وعَدِيّا فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبيقُبَيْس، ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعًا صوته، فمشى في ذلك الزبيربن عبد المطلب، وقال‏:‏ ما لهذا مترك‏؟‏ حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلفالفضول، فعقدوا الحلف ثم قاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حقالزبيدي‏.

*حياة الكدح :

ولم يكن له صلى الله عليه وسلم عمل معين في أول شبابه، إلا أن الرواياتتوالت أنه كان يرعى غنمًا، رعاها في بني سعد، وفي مكة لأهلها على قراريط،ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين شب،فقد ورد أنه كان يتجر مع السائببن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له، لا يدارى ولا يمارى، وجاءه يومالفتح فرحب به، وقال‏:‏ مرحبًا بأخي وشريكي‏.‏

وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة رضي اللهعنها قال ابن إسحاق‏:‏ كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال،تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًاتجارًا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدقحديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لهاإلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلام لهايقال له‏:‏ ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج فيمالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام‏.

*زواجه بخديجة :

ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبلهذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأي فيه صلى الله عليه وسلم من خلال عذبة،وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودةوكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبي عليهم ذلك فتحدثت بما فينفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه صلى الله عليه وسلمتفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضى بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجةوخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر،وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين بَكْرة‏.‏ وكانت سنها إذذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلًا، وهي أولامرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتىماتت‏.‏

وكل أولاده صلى الله عليه وسلم منها سوى إبراهيم،ولدت له‏:‏ أولًا القاسموبه كان يكنى ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد الله‏.‏ وكان عبدالله يلقب بالطيب والطاهر، ومات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فكلهنأدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن،إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته صلى اللهعليه وسلم سوى فاطمة رضي الله عنها، فقد تأخرت بعده ستة أشهر ثم لحقت به‏.‏

*بناء الكعبة وقضية التحكيم :

ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى الله عليه وسلم قامت قريش ببناء الكعبة؛وذلك لأن الكعبة كانت رَضْمًا فوق القامة، ارتفاعها تسعة أذرع من عهدإسماعيل عليه السلام، ولم يكن لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كانفي جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت باعتبارها أثرًا قديما للعوادى التي أدهتبنيانها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته صلى الله عليه وسلم بخمس سنين جرف مكةسيل عرم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرتقريش إلى تجديد بنائها حرصًا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا فيبنائها إلا طيبًا، فلا يدخلون فيها مهر بغى ولا بيع ربًا ولا مظلمة أحد منالناس، وكانوا يهابون هدمها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومى، فأخذالمعول وقال‏:‏ اللّهم لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لميصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، ولم يزالوا في الهدم حتىوصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزأوا الكعبة،وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها‏.‏ فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوايبنونها، وتولى البناء بناء رومي اسمه‏:‏ باقوم‏.‏ ولما بلغ البنيان موضعالحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربعليال أو خمسًا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إلا أنأبا أمية بن المغيرة المخزومى عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أولداخل عليهم من باب المسجد فارتضوه، وشاء الله أن يكون ذلك رسول الله صلىالله عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا‏:‏ هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد، فلماانتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساءالقبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه،حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضى بهالقوم‏.‏

وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا من ستة أذرع،وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، ورفعوا بابها من الأرض؛ لئلا يدخلها إلا منأرادوا، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعًا سقفوه على ستة أعمدة‏.‏

وصارت الكعبة بعد انتهائها ذات شكل مربع تقريبًا، يبلغ ارتفاعه 15 مترًا،وطول ضلعه الذي فيه الحجر الأسود والمقابل له 10 أمتار، والحجر موضوع علىارتفاع 1‏.‏50متر من أرضية المطاف‏.‏ والضلع الذي فيه الباب والمقابل له12مترًا، وبابها على ارتفاع مترين من الأرض، ويحيط بها من الخارج قصبة منالبناء أسفلها، متوسط ارتفاعها 0‏.‏25مترًا ومتوسط عرضها 0‏.‏30 مترًاوتسمى بالشاذروان، وهي من أصل البيت لكن قريشًا تركتها‏.

*السيرة الإجمالية قبل النبوة :

كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس منميزات، وكان طرازًا رفيعًا من الفكر الصائب، والنظر السديد، ونال حظًاوافرًا من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف، وكان يستعينبصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق، وطالع بعقلهالخصب وفطرته الصافية صحائف الحياة وشئون الناس وأحوال الجماعات، فعاف ماسواها من خرافة، ونأي عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فماوجد حسنًا شارك فيه وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، فكان لا يشرب الخمر، ولايأكل مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالًا، بل كان منأول نشأته نافرا من هذه المعبودات الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليهمنها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى‏.‏

ولا شك أن القدر حاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متعالدنيا، وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد غير المحمودة تتدخل العنايةالربانية للحيلولة بينه وبينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول اللهبيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمنى برسالته، قلت ليلة للغلام الذي يرعىمعي الغنم بأعلى مكة‏:‏ لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمرالشباب، فقال‏:‏ أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفًا،فقلت‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله علىأذنى فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس‏.‏ فعدت إلى صاحبي فسألني، فأخبرته،ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة‏.‏‏.‏‏.‏ ثمما هممت بسوء‏)‏‏.‏

وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلىالله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي صلى الله عليهوسلم‏:‏ اجعل إزارك على رقبتك يقيقك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحتعيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال‏:‏ ‏(‏إزاري، إزاري‏)‏ فشد عليه إزاره‏.‏وفي رواية‏:‏ فما رؤيت له عورة بعد ذلك‏.‏

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز في قومه بخلال عذبة وأخلاق فاضلة،وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا،وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وألينهم عَرِيكة، وأعفهم نفسًا وأكرمهمخيرًا، وأبرهم عملًا، وأوفاهم عهدًا، وآمنهم أمانة حتى سماه قومه‏:‏‏[‏الأمين‏]‏ لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية، وكان كماقالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقرىالضيف، ويعين على نوائب الحق‏.

نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 04:41 PM   #6 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
حياة النبوة و الرسالة والدعوة





*النبوة والدعوة - العهد المكي :




تنقسم حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن شرفه الله بالنبوةوالرسالة إلى عهدين يمتاز أحدهما عن الآخر تمام الامتياز، وهما‏:‏



1 العهد المكي، ثلاث عشرة سنة تقريبًا‏.‏



2 العهد المدني، عشر سنوات كاملة‏.‏



ثم يشتمل كل من العهدين على عدة مراحل، لكل مرحلة منها خصائص تمتاز بها عنغيرها، يظهر ذلك جليًا بعد النظر الدقيق في الظروف التي مرت بها الدعوةخلال العهدين‏.‏



ويمكن تقسيم العهد المكي إلى ثلاث مراحل‏:‏



1 مرحلة الدعوة السرية، ثلاث سنوات‏.‏



2 مرحلة إعلان الدعوة في أهل مكة، من بداية السنة الرابعة من النبوة إلى هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة‏.‏



3 مرحلة الدعوة خارج مكة وفشوها فيهم، من أواخر السنة العاشرة منالنبوة‏.‏ وقد شملت العهد المدني وامتدت إلى آخر حياته صلى الله عليهوسلم‏.‏



أما مراحل العهد المدني فسيجيء تفصيلها في موضعه‏.‏




* في ظلال النبوة والرسالة :




*في غار حراء :



لما تقاربت سنه صلى الله عليه وسلم الأربعين، وكانت تأملاته الماضية قدوسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، حبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السَّوِيقوالماء، ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة وهوغار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديدفيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهدالكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائدالشرك المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهجمحدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه‏.‏



وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له،وليكون انقطاعه عن شواغل الأرض وضَجَّة الحياة وهموم الناس الصغيرة التيتشغل الحياة نقطة تحول لاستعداده لما ينتظره من الأمر العظيم، فيستعد لحملالأمانة الكبرى وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ‏.‏‏.‏‏.‏ دبر الله لههذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًامن الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون،حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله‏.



*جبريل ينزل بالوحي :



ولما تكامل له أربعون سنة وهي رأس الكمال، وقيل‏:‏ ولها تبعث الرسل بدأتطلائع النبوة تلوح وتلمع، فمن ذلك أن حجرًا بمكة كان يسلم عليه، ومنها أنهكان يرى الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتىمضت على ذلك ستة أشهر ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء منستة وأربعين جزءًا من النبوة فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلتهصلى الله عليه وسلم بحراء شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض،فأكرمه بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن‏.‏



وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد ذلك اليوم بأنهكان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلًا، وقد وافق 10 أغسطسسنة 610 م، وكان عمره صلى الله عليه وسلم إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية،وستة أشهر، و12 يومًا، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر وعشرين يومًا‏.‏



ولنستمع إلى عائشة الصديقة رضي الله عنها تروى لنا قصة هذه الوقعة التيكانت نقطة بداية النبوة، وأخذت تفتح دياجير ظلمات الكفر والضلال حتى غيرتمجرى الحياة، وعدلت خط التاريخ، قالت عائشة رضي الله عنها‏.‏



أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة فيالنوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّبَ إليهالخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيَتَحَنَّث فيه وهو التعبد الليالي ذواتالعدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزودلمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال‏:‏ اقرأ‏:‏قال‏:‏ ‏(‏ما أنا بقارئ‏)‏، قال‏:‏ ‏(‏فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثمأرسلنى، فقال‏:‏ اقرأ، قلت‏:‏ ما أنا بقارئ، قال‏:‏ فأخذنى فغطنى الثانيةحتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلني فقال‏:‏ اقرأ، فقلت‏:‏ ما أنا بقارئ، فأخذنيفغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيخَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَالْأَكْرَمُ‏}‏‏[‏العلق‏:‏1‏:‏ 3‏]‏‏)‏، فرجع بها رسول الله صلى الله عليهوسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال‏:‏ ‏(‏زَمِّلُونىزملونى‏)‏، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة‏:‏ ‏(‏ما لي‏؟‏‏)‏فأخبرها الخبر، ‏(‏لقد خشيت على نفسي‏)‏، فقالت خديجة‏:‏ كلا، والله مايخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرىالضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفلابن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتبالكتاب العبرانى، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكانشيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة‏:‏ يابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقالله ورقة‏:‏ يابن أخي، ماذا ترى‏؟‏ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلمخبر ما رأي، فقال له ورقة‏:‏ هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، ياليتني فيها جَذَعا، ليتنى أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أو مخرجيّ هم‏؟‏‏)‏ قال‏:‏نعم، لم يأت رجل قط بمثلما جئت به إلا عُودِىَ، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لميَنْشَبْ ورقة أن توفي، وفَتَر الوحى‏.




*فَتْرَة الوحى :




أما مدة فترة الوحى فاختلفوا فيها على عدة أقوال‏.‏ والصحيح أنها كانتأيامًا، وقد روى ابن سعد عن ابن عباس ما يفيد ذلك‏.‏ وأما ما اشتهر منأنها دامت ثلاث سنوات أو سنتين ونصفًا فليس بصحيح‏.‏



وقد ظهر لى شىء غريب بعد إدارة النظر في الروايات وفي أقوال أهل العلم‏.‏ولم أر من تعرض له منهم، وهو أن هذه الأقوال والروايات تفيد أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم كان يجاور بحراء شهرًا واحدًا، وهو شهر رمضان من كلسنة، وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة،وأن سنة النبوة كانت هي آخر تلكالسنوات الثلاث، وأنه كان يتم جواره بتمام شهر رمضان، فكان ينزل بعده منحراء صباحًا أي لأول يوم من شهر شوال ويعود إلى البيت‏.‏



وقد ورد التنصيص في رواية الصحيحين على أن الوحى الذي نزل عليه صلى اللهعليه وسلم بعد الفترة إنما نزل وهو صلى الله عليه وسلم راجع إلى بيته بعدإتمام جواره بتمام الشهر‏.‏



أقول‏:‏ فهذا يفيد أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترةإنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيهبالنبوة والوحى؛ لأنه كان آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزولالوحى كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان فإن هذا يعنى أنفترة الوحى كانت لعشرة أيام فقط‏.‏ وأن الوحى نزل بعدها صبيحة يوم الخميسلأول شوال من السنة الأولى من النبوة‏.‏ ولعل هذا هو السر في تخصيص العشرالأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيدالسعيد، والله أعلم‏.‏



وقد بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام الفترة كئيبًا محزونًاتعتريه الحيرة والدهشة، فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه‏:‏



وفتر الوحي فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا عدا منهمرارًا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوْفي بذِرْوَة جبل لكى يلقىنفسه منه تَبدَّى له جبريل فقال‏:‏ يا محمد، إنك رسول الله حقًا، فيسكنلذلك جأشه، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك،فإذا أوفي بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك‏.
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 04:43 PM   #7 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
*جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية :

قال ابن حجر‏:‏ وكان ذلك ‏[‏أي انقطاع الوحي أيامًا‏]‏؛ ليذهب ما كان صلىالله عليه وسلم وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود، فلما حصل لهذلك وأخذ يرتقب مجىء الوحى أكرمه الله بالوحي مرة ثانية‏.‏ قال‏:‏ صلىالله عليه وسلم‏:‏

‏(‏جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جوارى هبطت ‏[‏فلما استبطنت الوادي‏]‏فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرتأمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أرشيئًا، فرفعت رأسى فرأيت شيئًا،‏[‏فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض،فَجُئِثْتُ منه رعبًا حتى هويت إلى الأرض‏]‏ فأتيت خديجة فقلت‏:‏‏[‏زملوني، زملوني‏]‏، دثرونى، وصبوا على ماء باردًا‏)‏، قال‏:‏‏(‏فدثرونى وصبوا على ماء باردًا، فنزلت‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُقُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَفَاهْجُرْ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 1‏:‏ 5‏]‏‏)‏ وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ثم حمىالوحى بعد وتتابع‏.‏

وهذه الآيات هي مبدأ رسالته صلى الله عليه وسلم وهي متأخرة عن النبوةبمقدار فترة الوحى‏.‏ وتشتمل على نوعين من التكليف مع بيان ما يترتبعليه‏:‏

النوع الأول‏:‏ تكليفه صلى الله عليه وسلم بالبلاغ والتحذير، وذلك في قولهتعالى‏:‏ ‏{‏قُمْ فَأَنذِرْ‏}‏ فإن معناه‏:‏ حذر الناس من عذاب الله إن لميرجعوا عما هم فيه من الغى والضلال وعبادة غير الله المتعال، والإشراك بهفي الذات والصفات والحقوق و الأفعال‏.‏

النوع الثاني‏:‏ تكليفه صلى الله عليه وسلم بتطبيق أوامر الله سبحانهوتعالى على ذاته، والالتزام بها في نفسه؛ ليحرز بذلك مرضاة الله، ويصيرأسوة حسنة لمن آمن بالله وذلك في بقية الآيات‏.‏ فقوله‏:‏ ‏{‏وَرَبَّكَفَكَبِّرْ‏}‏ معناه‏:‏ خصه بالتعظيم، ولا تشرك به في ذلك أحدًا‏.‏وقوله‏:‏ ‏{‏وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ‏}‏ المقصود الظاهر منه‏:‏ تطهير الثيابوالجسد، إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين يديه أن يكون نجسًا مستقذرًا‏.‏وإذا كان هذا التطهر مطلوبًا فإن التطهر من أدران الشرك وأرجاس الأعمالوالأخلاق أولى بالطلب، وقوله‏:‏ ‏{‏وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ‏}‏ معناه‏:‏ابتعد عن أسباب سخط الله وعذابه، وذلك بالتزام طاعته وترك معصيته‏.‏وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ‏}‏ أي‏:‏ لا تحسن إحسانًا تريدأجره من الناس أو تريد له جزاء أفضل في هذه الدنيا‏.‏

أما الآية الأخيرة ففيها تنبيه على ما يلحقه من أذى قومه حين يفارقهم فيالدين ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده وبتحذيرهم من عذابه وبطشه، فقال‏:‏‏{‏وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ‏}‏، ثم إن مطلع الآيات تضمنت النداء العلوى فيصوت الكبير المتعال بانتداب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر الجلل،وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة‏:‏ ‏{‏يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ‏}‏، كأنه قيل‏:‏ إن الذي يعيشلنفسه قد يعيش مستريحًا، أما أنت الذي تحمل هذا العبء الكبير فما لكوالنوم‏؟‏ وما لك والراحة‏؟‏ وما لك والفراش الدافئ‏؟‏ والعيش الهادئ‏؟‏والمتاع المريح‏!‏ قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك،قم للجهد والنصب، والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، وما عادمنذ اليوم إلا السهر المتواصل، والجهاد الطويل الشاق، قم فتهيأ لهذا الأمرواستعد‏.‏

إنها كلمة عظيمة رهيبة تنزعه صلى الله عليه وسلم من دفء الفراش في البيتالهادئ والحضن الدافئ، لتدفع به في الخضم، بين الزعازع والأنواء، وبينالشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء‏.‏

وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظل قائمًا بعدها أكثر من عشرينعامًا؛ لم يسترح ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله‏.‏ قام وظل قائمًا علىدعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به، عبء الأمانةالكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة كلها، وعبء الكفاحوالجهاد في ميادين شتى، عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرينعامًا؛ لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد منذ أن سمع النداء العلوىالجليل، وتلقى منه التكليف الرهيب‏.‏‏.‏‏.‏ جزاه الله عنا وعن البشريةكلها خير الجزاء‏.‏

وليست الأوراق الآتية إلا صورة مصغرة بسيطة من هذا الجهاد الطويل الشاق الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال هذا الأمد‏.‏

*أقسام الوحى :

وقبل الدخول في موضوع هذا الجهاد أرى من الأحسن أن أستطرد إلى بيان أقسام الوحى ومراتبه‏.‏ قال ابن القيم، وهو يذكر تلك المراتب‏:‏

إحداها‏:‏ الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وسلم‏.‏

الثانية‏:‏ ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قالالنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن روح القدس نفث في روعى أنه لن تموت نفسحتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاءالرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلابطاعته‏)‏‏.‏

الثالثة‏:‏ إنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل له الملك رجلًا فيخاطبه حتىيَعِىَ عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا‏.‏

الرابعة‏:‏ أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، فيلتبس بهالملك، حتى أن جبينه ليتَفَصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى أنراحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحى مرة كذلك وفخذهعلى فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها‏.‏

الخامسة‏:‏ إنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحى إليه ما شاءالله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم‏.‏

السادسة‏:‏ ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها‏.‏

السابعة‏:‏ كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك كما كلم الله موسى بنعمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن‏.‏ وثبوتها لنبيناصلى الله عليه وسلم هو في حديث الإسراء‏.‏

وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة؛ وهي تكليم الله له كفاحًا من غير حجاب، وهيمسألة خلاف بين السلف والخلف‏.‏ انتهي مع تلخيص يسير في بيان المرتبةالأولى والثامنة‏.
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 04:44 PM   #8 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
المرحلة الأولى: من جهاد الدعوة إلي الله


*ثلاث سنوات من الدعوة السرية :

قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول ما تقدم من آيات سورة المدثر،بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ وحيث إن قومه كانوا جفاة لا دين لهم إلاعبادة الأصنام والأوثان، ولا حجة لهم إلا أنهم ألفوا آباءهم على ذلك، ولاأخلاق لهم إلا الأخذ بالعزة والأنفة، ولا سبيل لهم في حل المشاكل إلاالسيف، وكانوا مع ذلك متصدرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلينمركزها الرئيس، ضامنين حفظ كيانها، فقد كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكونالدعوة في بدء أمرها سرية؛ لئلا يفاجئ أهل مكة بما يهيجهم‏.

*الرعيل الأول :

وكان من الطبيعى أن يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام أولًا علىألصق الناس به من أهل بيته، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كلمن توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق والخير، ويعرفونهبتحرى الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمةالرسول صلى الله عليه وسلم وجلالة نفسه وصدق خبره جَمْعٌ عُرِفوا فيالتاريخ الإسلامى بالسابقين الأولين، وفي مقدمتهم زوجة النبي صلى اللهعليه وسلم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة بن شراحيلالxxxي وابن عمه علي بن أبي طالب وكان صبيًا يعيش في كفالة الرسول صلىالله عليه وسلم وصديقه الحميم أبو بكر الصديق‏.‏ أسلم هؤلاء في أول يومالدعوة‏.‏

ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلًا مألفًا محببًا سهلًا ذاخلق ومعروف،وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته،فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعوته عثمان بنعفان الأموى، والزبير بن العوام الأسدى، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبيوقاص الزهريان، وطلحة بن عبيد الله التيمي‏.‏ فكان هؤلاء النفر الثمانيةالذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام‏.‏

ثم تلا هؤلاء أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بنفهر، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومى، وامرأته أم سلمة، والأرقم بن أبيالأرقم المخزومى، وعثمان بن مظعون الجُمَحِىّ وأخواه قدامة وعبد الله،وعبيدة بن الحارث ابن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوى، وامرأتهفاطمة بنت الخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت التميمى،وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عُمَيْس، وخالد بن سعيد بن العاصالأموى، وامرأته أمينة بنت خلف، ثم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص، وحاطب بنالحارث الجمحي، وامرأته فاطمة بنت المُجَلِّل وأخوه الخطاب بن الحارث،وامرأته فُكَيْهَة بنت يسار، وأخوه معمر ابن الحارث، والمطلب بن أزهرالزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف، ونعيم بن عبد الله بن النحام العدوي،وهؤلاء كلهم قرشيون من بطون وأفخاذ شتى من قريش‏.‏

ومن السابقين الأولين إلى الإسلام من غير قريش‏:‏ عبد الله بن مسعودالهذلي، ومسعود بن ربيعة القاري، وعبد الله بن جحش الأسدي وأخوه أبو أحمدبن جحش، وبلال بن رباح الحبشي، صُهَيْب بن سِنان الرومي، وعمار بن ياسرالعنسي، وأبوه ياسر، وأمه سمية، وعامر بن فُهيرة‏.‏

وممن سبق إلى الإسلام من النساء غير من تقدم ذكرهن‏:‏ أم أيمن بركةالحبشية، وأم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبدالمطلب، وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما‏.‏

هؤلاء معروفون بالسابقين الأولين، ويظهر بعد التتبع والاستقراء أن عددالموصوفين بالسبق إلى الإسلام وصل إلى مائة وثلاثين رجلًا وامرأة، ولكن لايعرف بالضبط أنهم كلهم أسلموا قبل الجهر بالدعوة أو تأخر إسلام بعضهم إلىالجهر بها‏.‏

*الصلاة :

ومن أوائل ما نزل من الأحكام الأمر بالصلاة، قال ابن حجر‏:‏ كان صلى اللهعليه وسلم قبل الإسراء يصلى قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل فرض شىءقبل الصلوات الخمس من الصلوات أم لا‏؟‏ فقيل‏:‏ إن الفرض كانت صلاة قبلطلوع الشمس وقبل غروبها‏.‏ انتهي‏.‏ وروى الحارث بن أبي أسامة من طريق ابنلَهِيعَة موصولًا عن زيد ابن حارثة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأول ما أوحى إليه أتاه جبريل، فعلمه الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفةمن ماء فنضح بها فرجه، وقد رواه ابن ماجه بمعناه، وروى نحوه عن البراء بنعازب وابن عباس، وفي حديث ابن عباس‏:‏ وكان ذلك من أول الفريضة‏.‏

وقد ذكر ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا إذا حضرتالصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، وقد رأي أبو طالبالنبي صلى الله عليه وسلم وعليّا يصليان مرة، فكلمهما في ذلك، ولما عرفجلية الأمر أمرهما بالثبات‏.‏

تلك هي العبادة التي أمر بها المؤمنون، ولا تعرف لهم عبادات وأوامر ونواهأخرى غير ما يتعلق بالصلاة، وإنما كان الوحى يبين لهم جوانب شتى منالتوحيد، ويرغبهم في تزكية النفوس، ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويصف لهمالجنة والنار كأنهما رأي عين، ويعظهم بمواعظ بليغة تشرح الصدور وتغذىالأرواح، وتحدو بهم إلى جو آخر غير الذي كان فيه المجتمع البشرى آنذاك‏.‏

وهكذا مرت ثلاثة أعوام، والدعوة لم تزل مقصورة على الأفراد، ولم يجهر بهاالنبي صلى الله عليه وسلم في المجامع والنوادى،إلا أنها عرفت لدى قريش،وفشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدث به الناس، وقد تنكر له بعضهم أحيانًا،واعتدوا على بعض المؤمنين، إلا أنهم لم يهتموا به كثيرًا حيث لم يتعرضرسول الله صلى الله عليه وسلم لدينهم، ولم يتكلم في آلهتهم‏.
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 04:45 PM   #9 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
المرحلة الثانية: الدعوة جهارًا


*أول أمر بإظهار الدعوة :

لما تكونت جماعة من المؤمنين تقوم على الأخوة والتعاون، وتتحمل عبء تبليغالرسالة وتمكينها من مقامها نزل الوحى يكلف رسول الله صلى الله عليه وسلمبمعالنة الدعوة، ومجابهة الباطل بالحسنى‏.‏

وأول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَالْأَقْرَبِينَ ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏214‏]‏، وقد ورد في سياق ذكرت فيه أولًاقصة موسى عليه السلام، من بداية نبوته إلى هجرته مع بني إسرائيل، وقصةنجاتهم من فرعون وقومه، وإغراق آل فرعون معه، وقد اشتملت هذه القصة علىجميع المراحل التي مر بها موسى عليه السلام، خلال دعوة فرعون وقومه إلىالله‏.‏

وكأن هذا التفصيل جىء به مع أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بجهر الدعوةإلى الله؛ ليكون أمامه وأمام أصحابه مثال لما سيلقونه من التكذيبوالاضطهاد حينما يجهرون بالدعوة، وليكونوا على بصيرة من أمرهم منذالبداية‏.‏

ومن ناحية أخرى تشتمل هذه السورة على ذكر مآل المكذبين للرسل، من قوم نوح،وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة عدا ما ذكر من أمرفرعون وقومه ليعلم الذين سيقومون بالتكذيب عاقبة أمرهم وما سيلقونه منمؤاخذة الله إن استمروا عليه، وليعرف المؤمنون أن حسن العاقبة لهم وليسللمكذبين‏.

*الدعوة في الأقربين :

ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيرته بني هاشم بعد نزول هذه الآية،فجاءوا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا نحو خمسة وأربعينرجلًا‏.‏ فلما أراد أن يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بادره أبو لهبوقال‏:‏ هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكلم، ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومكبالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك، فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ماأنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيتأحدًا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به، فسكت رسول الله صلى الله عليهوسلم، ولم يتكلم في ذلك المجلس‏.‏

ثم دعاهم ثانية وقال‏:‏ ‏(‏الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكلعليه‏.‏ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له‏)‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏إنالرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إنى رسول الله إليكم خاصةوإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون،ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا‏)‏‏.‏

فقال أبو طالب‏:‏ ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقًالحديثك‏.‏ وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلىما تحب، فامض لما أمرت به‏.‏ فوالله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسىلا تطاوعنى على فراق دين عبد المطلب‏.‏

فقال أبو لهب‏:‏ هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب‏:‏ والله لنمنعه ما بقينا‏.

*على جبل الصفا :

وبعد تأكد النبي صلى الله عليه وسلم من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عنربه، صعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا، فعلا أعلاها حجرًا،ثم هتف‏:‏ ‏(‏يا صباحاه‏)‏

وكانت كلمة إنذار تخبر عن هجوم جيش أو وقوع أمر عظيم‏.‏

ثم جعل ينادى بطون قريش، ويدعوهم قبائل قبائل‏:‏ ‏(‏يا بني فهر، يا بنيعدى، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب‏)‏‏.‏

فلما سمعوا قالوا‏:‏ من هذا الذي يهتف‏؟‏ قالوا‏:‏ محمد‏.‏ فأسرع الناسإليه، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولًا لينظر ما هو،فجاء أبو لهب وقريش‏.‏

فلما اجتمعوا قال‏:‏ ‏(‏أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادى بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِىَّ‏؟‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ نعم، ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏إنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد، إنما مثلى ومثلكم كمثل رجل رأيالعَدُوّ فانطلق يَرْبَأ أهله‏)‏‏(‏ أي يتطلع وينظر لهم من مكان مرتفعلئلا يدهمهم العدو‏)‏ ‏(‏خشى أن يسبقوه فجعل ينادى‏:‏ يا صباحاه‏)‏

ثم دعاهم إلى الحق، وأنذرهم من عذاب الله، فخص وعم فقال‏:‏

‏(‏يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لاأملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا‏.‏

يا بني كعب بن لؤى، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا‏.‏

يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏

يا معشر بني قصى، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا‏.‏

يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا‏.‏

يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏

يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏

يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أملك لكم ضرًاولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا، سلونى من مالى ماشئتم، لا أملكلكم من الله شيئًا‏.‏

يا عباس بن عبد المطلب، لا أغنى عنك من الله شيئًا‏.‏

يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله، لا أغنى عنك من الله شيئًا‏.‏

يا فاطمة بنت محمد رسول الله، سلينى ما شئت من مالى، أنقذى نفسك من النار،فإنى لا أملك لك ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنك من الله شيئًا‏.‏

غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها بِبلاَلها‏)‏ أي أصلها حسب حقها‏.‏

ولما تم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا، ولا يذكر عنهم أي ردة فعل، سوىأن أبا لهب واجه النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء، وقال‏:‏ تبا لك سائراليوم، ألهذا جمعتنا‏؟‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍوَتَبَّ‏}‏ ‏[‏سورة المسد‏:‏1‏]‏‏.‏

كانت هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ، فقد أوضح الرسول صلى الله عليهوسلم لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلات بينهوبينهم، وأن عصبة القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذاالإنذار الآتى من عند الله‏.‏

ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى‏:‏‏{‏فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏}‏‏[‏الحجر‏:‏94‏]‏، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعوة إلىالإسلام في مجامع المشركين ونواديهم، يتلو عليهم كتاب الله، ويقول لهم ماقالته الرسل لأقوامهم‏:‏ ‏{‏يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُممِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏59‏]‏،وبدء يعبد الله تعالى أمامأعينهم، فكان يصلى بفناء الكعبة نهارًا جهارًا وعلى رءوس الأشهاد‏.‏

وقد نالت دعوته مزيدًا من القبول، ودخل الناس في دين الله واحدًا بعدواحد‏.‏ وحصل بينهم وبين من لم يسلم من أهل بيتهم تباغض وتباعد وعنادواشمأزت قريش من كل ذلك، وساءهم ما كانوا يبصرون‏.

*المجلس الاستشاري لكف الحجاج عن استماع الدعوة

وخلال هذه الأيام أهم قريشًا أمر آخر،وذلك أن الجهر بالدعوة لم يمض عليهإلا أيام أو أشهر معدودة حتى قرب موسم الحج، وعرفت قريش أن وفود العربستقدم عليهم، فرأت أنه لابد من كلمة يقولونها للعرب، في شأن محمد صلى اللهعليه وسلم حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوس العرب، فاجتمعوا إلى الوليد بنالمغيرة يتداولون في تلك الكلمة، فقال لهم الوليد‏:‏ أجمعوا فيه رأيًاواحدًا،ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا، قالوا‏:‏فأنت فقل، وأقم لنا رأيًا نقول به‏.‏ قال‏:‏ بل أنتم فقولوا أسمع‏.‏قالوا‏:‏ نقول‏:‏ كاهن‏.‏ قال‏:‏ لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهانفما هو بزَمْزَمَة الكاهن ولا سجعه‏.‏ قالوا‏:‏ فنقول‏:‏ مجنون، قال‏:‏ ماهو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، ما هو بخَنْقِه ولا تَخَالُجِه ولاوسوسته‏.‏ قالوا‏:‏ فنقول‏:‏ شاعر‏.‏ قال‏:‏ ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعركله رَجَزَه وهَزَجَه وقَرِيضَه ومَقْبُوضه ومَبْسُوطه، فما هو بالشعر،قالوا‏:‏ فنقول‏:‏ ساحر‏.‏ قال‏:‏ ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم،فما هو بنَفْثِهِم ولا عقْدِهِم‏.‏ قالوا‏:‏ فما نقول‏؟‏ قال‏:‏ والله إنلقوله لحلاوة، ‏[‏وإن عليه لطلاوة‏]‏ وإن أصله لعَذَق، وإن فَرْعَهلجَنَاة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القولفيه لأن تقولوا‏:‏ ساحر‏.‏ جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه،وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنهبذلك‏.‏

وتفيد بعض الروايات أن الوليد لما رد عليهم كل ما عرضوا له، قالوا‏:‏ أرنارأيك الذي لا غضاضة فيه، فقال لهم‏:‏ أمهلونى حتى أفكر في ذلك، فظل الوليديفكر ويفكر حتى أبدى لهم رأيه الذي ذكر آنفًا‏.‏

وفي الوليد أنزل الله تعالى ست عشرة آية من سورة المدثر‏{‏ذَرْنِي وَمَنْخَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًاوَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُكَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَوَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّنَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَفَقَالَ إِنْهَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُالْبَشَرِسَأُصْلِيه ِ سَقَرَ‏}‏ ‏[‏من 11 إلى 26‏]‏ وفي خلالها صور كيفيةتفكيره، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّأَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْهَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏18‏:‏ 25‏]‏

وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار أخذوا في تنفيذه، فجلسوا بسبل الناسحين قدموا للموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره‏.‏

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج يتبع الناس في منازلهم وفي عُكَاظومَجَنَّة وذى المَجَاز، يدعوهم إلى الله، وأبو لهب وراءه يقول‏:‏ لاتطيعوه فإنه صابئ كذاب‏.‏

وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها‏.
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 04:47 PM   #10 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
*أساليب شتى لمجابهة الدعوة :

ولما فرغت قريش من الحج فكرت في أساليب تقضى بها على هذه الدعوة في مهدها‏.‏ وتتلخص هذه الأساليب فيما يلي‏:‏


1 السخرية والتxxxx، والاستهزاء والتكذيب والتضحيك‏:‏

قصدوا بها تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي صلى اللهعليه وسلم بتهم هازلة، وشتائم سفيهة، فكانوا ينادونه بالمجنون‏{‏وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَلَمَجْنُونٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏6‏]‏، ويصمونه بالسحر والكذب ‏{‏وَعَجِبُوا أَنجَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌكَذَّابٌ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏4]‏،وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ملتهمة ناقمة،وعواطف منفعلة هائجة ‏{‏وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَبِأَبْصَار ِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُلَمَجْنُونٌ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏51]‏،وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابهاستهزأوا بهم وقالوا‏:‏ هؤلاء جلساؤه ‏{‏مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنبَيْنِنَا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 53‏]‏، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ اللّهُبِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏53]‏،وكانوا كما قص اللهعلينا ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوايَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْإِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّهَؤُلَاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ‏}‏‏[‏المطففين‏:‏ 29‏:‏ 33]‏‏.‏

وقد أكثروا من السخرية والاستهزاء وزادوا من الطعن والتضحيك شيئًا فشيئًاحتى أثر ذلك في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى‏:‏‏{‏وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ‏}‏‏[‏الحجر‏:‏97‏]‏، ثم ثبته الله وأمره بما يذهب بهذا الضيق فقال‏:‏‏{‏فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْرَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏}‏‏[‏الحجر‏:‏98، 99‏]‏، وقد أخبرهمن قبل أنه يكفيه هؤلاء المستهزئين حيث قال‏:‏ ‏{‏إِنَّا كَفَيْنَاكَالْمُسْتَهْزِئ ِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلهًا آخَرَفَسَوْفَ يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 95، 96‏]‏، وأخبره أن فعلهم هذا سوفينقلب وبالًا عليهم فقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّنقَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِيَسْتَهْزِؤُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏10‏]‏‏.‏

2 إثارة الشبهات وتكثيف الدعايات الكاذبة‏:‏

وقد أكثروا من ذلك وتفننوا فيه بحيث لا يبقى لعامة الناس مجال للتدبر فيدعوته والتفكير فيها، فكانوا يقولون عن القرآن‏:‏ ‏{‏أَضْغَاثُأَحْلاَمٍ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏5‏]‏ يراها محمد بالليل ويتلوها بالنهار،ويقولون‏:‏ ‏{‏بَلِ افْتَرَاهُ‏}‏ من عند نفسه ويقولون‏:‏ ‏{‏إِنَّمَايُعَلِّمُهُ بَشَرٌ‏}‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُوَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 4‏]‏ أي اشترك هووزملاؤه في اختلاقه‏.‏ ‏{‏وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَاكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا‏}‏‏[‏الفرقان‏:‏5‏]‏

وأحيانا قالوا‏:‏ إن له جنًا أو شيطانًا يتنزل عليه كما ينزل الجنوالشياطين على الكهان‏.‏ قال تعالى ردًا عليهم‏:‏ ‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْعَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍأَثِيمٍ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏221، 222‏]‏، أي إنها تنزل على الكذاب الفاجرالمتلطخ بالذنوب، وما جرّبتم علىّ كذبًا، وما وجدتم في فسقًا، فكيف تجعلونالقرآن من تنزيل الشيطان‏؟‏

وأحيانًا قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنه مصاب بنوع من الجنون،فهو يتخيل المعانى، ثم يصوغها في كلمات بديعة رائعة كما يصوغ الشعراء، فهوشاعر وكلامه شعر‏.‏ قال تعالى ردًا عليهم‏:‏ ‏{‏وَالشُّعَرَاءيَتَّبِع� �هُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍيَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ‏}‏‏[‏الشعراء‏:‏225‏:‏ 226‏]‏ فهذه ثلاث خصائص يتصف بها الشعراء ليست واحدةمنها في النبي صلى الله عليه وسلم، فالذين اتبعوه هداة مهتدون، متقونصالحون في دينهم وخلقهم وأعمالهم وتصرفاتهم، وليست عليهم مسحة من الغوايةفي أي شأن من شئونهم، ثم النبي صلى الله عليه وسلم لا يهيم في كل واد كمايهيم الشعراء، بل هو يدعو إلى رب واحد، ودين واحد، وصراط واحد، وهو لايقول إلا ما يفعل، ولا يفعل إلا ما يقول، فأين هو من الشعر والشعراء‏؟‏وأين الشعر والشعراء منه‏.‏

هكذا كان يرد عليهم بجواب مقنع حول كل شبهة كانوا يثيرونها ضد النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن والإسلام‏.‏

ومعظم شبهتهم كانت تدور حول التوحيد، ثم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم،ثم بعث الأموات ونشرهم وحشرهم يوم القيامة، وقد رد القرآن على كل شبهة منشبهاتهم حول التوحيد، بل زاد عليها زيادات أوضح بها هذه القضية من كلناحية، وبين عجز آلهتهم عجزًا لا مزيد عليه، ولعل هذا كان مثار غضبهمواستنكارهم الذي أدى إلى ما أدى إليه‏.‏

أما شبهاتهم في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم مع اعترافهم بصدقالنبي صلى الله عليه وسلم وأمانته وغاية صلاحه وتقواه، كانوا يعتقدون أنمنصب النبوة والرسالة أجل وأعظم من أن يعطى لبشر، فالبشر لا يكون رسولًا،والرسول لا يكون بشرًا حسب عقيدتهم‏.‏ فلما أعلن رسول الله صلى الله عليهوسلم عن نبوته، ودعا إلى الإيمان به تحيروا وقالوا‏:‏ ‏{‏مَالِ هَذَاالرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ‏}‏‏[‏الفرقان‏:‏ 7‏]‏، وقالوا‏:‏ إن محمدًا صلى الله عليه وسلم بشر،و ‏{‏مَاأَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 19‏]‏، فقالتعالى ردًا عليهم‏:‏‏{‏قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِمُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ‏}‏، وكانوا يعرفون ويعترفون بأن موسىبشر‏.‏ ورد عليهم أيضًا بأن كل قوم قالوا لرسلهم إنكارًا على رسالتهم‏:‏‏{‏إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏10‏]‏، ف‏{‏قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْوَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ‏}‏‏[‏إبراهيم‏:‏ 11‏]‏‏.‏ فالأنبياء والرسل لا يكونون إلا بشرًا، ولا منافاةبين البشرية والرسالة‏.‏

وحيث إنهم كانوا يعترفون بأن إبراهيم و إسماعيل وموسى عليهم السلام كانوارسلًا وكانوا بشرًا، فإنهم لم يجدوا مجالًا للإصرار على شبهتهمهذه،فقالوا‏:‏ألم يجد الله لحمل رسالته إلا هذا اليتيم المسكين،ما كانالله ليترك كبار أهل مكة والطائف ويتخذ هذا المسكين رسولًا‏{‏وَقَالُوالَوْلَ� � نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِعَظِيمٍ‏}�� � ‏[‏الزخرف‏:‏31‏]‏، قال تعالى ردًا عليهم‏:‏‏{‏أَهُمْيَقْسِم ُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏32‏]‏، يعنى أن الوحىوالرسالة رحمة من الله و‏{‏اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُرِسَالَتَهُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏124‏]‏‏.‏

وانتقلوا بعد ذلك إلى شبهة أخرى، قالوا‏:‏ إن رسل ملوك الدنيا يمشون فيموكب من الخدم والحشم، ويتمتعون بالأبهة والجلال، ويوفر لهم كل أسبابالحياة، فما بال محمد يدفع في الأسواق للقمة عيش وهو يدعى أنه رسولالله‏؟‏ ‏{‏وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَوَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَمَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌيَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًامَّسْحُورًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏7‏:‏ 8‏]‏، ورد على شبهتهم هذه بأن محمدًارسول، يعنى أن مهمته هو إبلاغ رسالة الله إلى كل صغير وكبير، وضعيف وقوى،وشريف ووضيع، وحر وعبد، فلو لبث في الأبهة والجلال والخدم والحشم والحرسوالمواكبين مثل رسل الملوك، لم يكن يصل إليه ضعفاء الناس وصغارهم حتىيستفيدوا به، وهم جمهور البشر، وإذن فاتت مصلحة الرسالة، ولم تعد لهافائدة تذكر‏.‏

أما إنكارهم البعث بعد الموت فلم يكن عندهم في ذلك إلا التعجب والاستغرابوالاستبعاد العقلي، فكانوا يقولون‏:‏ ‏{‏أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّاتُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَاالْأَوَّلُون َ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏16، 17‏]‏،وكانوا يقولون‏:‏ ‏{‏ذَلِكَرَجْعٌ بَعِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏: ‏3‏]‏ وكانوا يقولون على سبيل الاستغراب‏:‏‏{‏هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّمُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِكَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 7، 8‏]‏‏.‏

وقال قائلهم‏:‏

أَموْتٌ ثم بَعْثٌ ثم حَشْرٌ ** حدِيثُ خُرَافة يا أم عمرو

وقد رد عليهم بتبصيرهم ما يجرى في الدنيا، فالظالم يموت دون أن يلقى جزاءظلمه، والمظلوم يموت دون أن يأخذ حقه من ظالمه، والمحسن الصالح يموت قبلأن يلقى جزاء إحسانه وصلاحه، والفاجر المسىء يموت قبل أن يعاقب على سوءعمله، فإن لم يكن بعث ولا حياة ولا جزاء بعد الموت لاستوى الفريقان، بللكان الظالم والفاجر أسعد من المظلوم والصالح، وهذا غير معقول إطلاقا‏.‏ولا يتصور من الله أن يبني نظام خلقه على مثل هذا الفساد‏.‏ قال تعالى‏:‏‏{‏أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَتَحْكُمُونَ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏35، 36‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أَفَنَجْعَلُالْمُسْلِ� �ِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏28‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّننَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءمَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏21‏]‏‏.‏

وأما الاستبعاد العقلى فقال تعالى ردًا عليه‏:‏ ‏{‏أَأَنتُمْ أَشَدُّخَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏27‏]‏، وقال‏:‏‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِوَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَالْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏33‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَاتَذكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏62‏]‏، وبين ما هو معروف عقلًا وعرفًا، وهوأن الإعادة ‏{‏أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏الروم‏: ‏27‏]‏،وقال‏:‏ ‏{‏كَمَابَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏104‏]‏، وقال‏:‏‏{‏أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 15‏]‏‏.‏

وهكذا رد على كل ما أثاروا من الشبهات ردًا مفحمًا يقنع كل ذى عقل ولب،ولكنهم كانوا مشاغبين مستكبرين يريدون عُلوا في الأرض وفرض رأيهم علىالخلق، فبقوا في طغيانهم يعمهون‏.‏


3 الحيلولة بين الناس وبين سماعهم القرآن، ومعارضته بأساطير الأولين‏:‏

كان المشركون بجنب إثارة هذه الشبهات يحولون بين الناس وبين سماعهم القرآنودعوة الإسلام بكل طريق يمكن، فكانوا يطردون الناس ويثيرون الشغب والضوضاءويتغنون ويلعبون، إذا رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يتهيأ للدعوة، أوإذا رأوه يصلى ويتلو القرآن‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَكَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْتَغْلِبُونَ‏}�� � ‏[‏فصلت‏:‏26‏]‏ حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتمكنمن تلاوة القرآن عليهم في مجامعهم ونواديهم إلا في أواخر السنة الخامسة منالنبوة، وذلك أيضًا عن طريق المفاجأة، دون أن يشعروا بقصده قبل بدايةالتلاوة‏.‏

وكان النضر بن الحارث، أحد شياطين قريش قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديثملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى اللهعليه وسلم مجلسًا للتذكير بالله والتحذير من نقمته خلفه النضر ويقول‏:‏أنا و الله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستمواسفنديار، ثم يقول‏:‏ بماذا محمد أحسن حديثًا مني‏.‏

وفي رواية عن ابن عباس أن النضر كان قد اشترى قَيْنَةً، فكان لا يسمع بأحديريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول‏:‏ أطعميه واسقيه وغنيه، هذاخير مما يدعوك إليه محمد، وفيه نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنيَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏‏[‏لقمان‏:‏ 6‏]‏‏.

*الاضطهادات :


أعمل المشركون الأساليب التي ذكرناها شيئًا فشيئًا لإحباط الدعوة بعدظهورها في بداية السنة الرابعة من النبوة، ومضت على ذلك أسابيع وشهور وهممقتصرون على هذه الأساليب لا يتجاوزونها إلى طريق الاضطهاد والتعذيب،ولكنهم لما رأوا أن هذه الأساليب لم تجد نفعًا في إحباط الدعوة الإسلاميةاستشاروا فيما بينهم، فقرروا القيام بتعذيب المسلمين وفتنتهم عن دينهم،فأخذ كل رئيس يعذب من دان من قبيلته بالإسلام، وانقض كل سيد على من اختارمن عبيده طريق الإيمان‏.‏

وكان من الطبيعي أن يهرول الأذناب والأوباش خلف ساداتهم وكبرائهم،ويتحركوا حسب مرضاتهم وأهوائهم، فجروا على المسلمين ولاسيما الضعفاء منهمويلات تقشعر منها الجلود، وأخذوهم بنقمات تتفطر لسماعها القلوب‏.‏

كان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه، وأوعدهبإبلاغ الخسارة الفادحة في المال، والجاه، وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرىبه‏.‏

وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من ورق النخيل ثم يدخنه من تحته‏.‏

ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه منعته الطعام والشراب، وأخرجته منبيته، وكان من أنعم الناس عيشًا، فتَخَشَّفَ جلده تخشف الحية‏.‏

وكان صهيب بن سنان الرومي يُعذَّب حتى يفقد وعيه ولا يدرى ما يقول‏.‏

وكان بلال مولى أمية بن خلف الجمحي، فكان أمية يضع في عنقه حبلًا، ثميسلمه إلى الصبيان، يطوفون به في جبال مكة، ويجرونه حتى كان الحبل يؤثر فيعنقه، وهو يقول‏:‏ أحَدٌ أحَدٌ، وكان أمية يشده شدًا ثم يضربه بالعصا، ويلجئه إلى الجلوس في حر الشمس، كما كان يكرهه على الجوع‏.‏ وأشد من ذلككله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في الرمضاء في بطحاءمكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول‏:‏ لا والله لاتزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو فيذلك‏:‏ أحد،أحد، ويقول‏:‏ لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها‏.‏ ومر بهأبو بكر يوما وهم يصنعون ذلك به فاشتراه بغلام أسود، وقيل‏:‏ بسبع أواق أوبخمس من الفضة، وأعتقه‏.‏

وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه مولى لبني مخزوم، أسلم هو وأبوه وأمه،فكان المشركون وعلى رأسهم أبو جهل يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاءفيعذبونهم بحرها‏.‏ ومر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون فقال‏:‏‏(‏صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة‏)‏، فمات ياسر في العذاب، وطعن أبوجهل سمية أم عمار في قبلها بحربة فماتت، وهي أول شهيدة في الإسلام، وهيسمية بنت خياط مولاة أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم،وكانت عجوزًا كبيرة ضعيفة‏.‏ وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة، وبوضعالصخر الأحمر على صدره أخرى، وبغطه في الماء حتى كان يفقد وعيه‏.‏ وقالواله‏:‏ لا نتركك حتى تسب محمدًا، أو تقول في اللات والعزى خيرًا، فوافقهمعلى ذلك مكرهًا، وجاء باكيًا معتذرًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏فأنزل الله‏:‏ ‏{‏مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْأُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ‏}‏الآية ‏[‏ النحل‏:‏ 106‏]‏‏.‏

وكان أبو فُكَيْهَةَ واسمة أفلح مولى لبني عبد الدار، وكان من الأزد‏.‏فكانوا يخرجونه في نصف النهار في حر شديد، وفي رجليه قيد من حديد،فيجردونه من الثياب، ويبطحونه في الرمضاء، ثم يضعون على ظهره صخرة حتى لايتحرك، فكان يبقى كذلك حتى لا يعقل، فلم يزل يعذب كذلك حتى هاجر إلىالحبشة الهجرة الثانية، وكانوا مرة قد ربطوا رجله بحبل، ثم جروه وألقوه فيالرمضاء وخنقوه حتى ظنوا أنه قد مات، فمر به أبو بكر فاشتراه وأعتقهلله‏.‏

وكان خباب بن الأرت مولى لأم أنمار بنت سِباع الخزاعية، وكان حدادًا، فلماأسلم عذبته مولاته بالنار، كانت تأتى بالحديدة المحماة فتجعلها على ظهرهأو رأسه، ليكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يزيده ذلك إلا إيمانًاوتسليمًا، وكان المشركون أيضًا يعذبونه فيلوون عنقه، ويجذبون شعره، وقدألقوه على النار، ثم سحبوه عليها، فما أطفأها إلا وَدَكَ ظهره‏.‏

وكانت زِنِّيرَةُ أمَةً رومية قد أسلمت فعذبت في الله، وأصيبت في بصرهاحتى عميت، فقيل لها‏:‏ أصابتك اللات والعزى، فقالت‏:‏ لا والله ماأصابتني، وهذا من الله، وإن شاء كشفه، فأصبحت من الغد وقد رد الله بصرها،فقالت قريش‏:‏ هذا بعض سحر محمد‏.‏

وأسلمت أم عُبَيْس، جارية لبني زهرة، فكان يعذبها المشركون، وبخاصة مولاهاالأسود بن عبد يغوث، وكان من أشد أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنالمستهزئين به‏.‏

وأسلمت جارية عمر بن مؤمل من بني عدى، فكان عمر بن الخطاب يعذبها وهويومئذ على الشرك فكان يضربها حتى يفتر، ثم يدعها ويقول‏:‏ والله ما أدعكإلا سآمة، فتقول‏:‏ كذلك يفعل بك ربك‏.‏

وممن أسلمن وعذبن من الجوارى‏:‏ النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار‏.‏

وممن عذب من العبيد‏:‏ عامر بن فُهَيْرَة، كان يعذب حتى يفقد وعيه ولا يدرى ما يقول‏.‏

واشترى أبوبكر رضي الله عنه هؤلاء الإماء والعبيد رضي الله عنهم وعنهنأجمعين، فأعتقهم جميعًا‏.‏ وقد عاتبه في ذلك أبوه أبو قحافة وقال‏:‏ أراكتعتق رقابًا ضعافًا، فلو أعتقت رجالًا جلدًا لمنعوك‏.‏ قال‏:‏ إني أريدوجه الله‏.‏ فأنزل الله قرآنًا مدح فيه أبا بكر، وذم أعداءه‏.‏ قالتعالى‏:‏ ‏{‏فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّاالْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏14‏:‏ 16]‏ وهو أميةبن خلف، ومن كان على شاكلته ‏{‏وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِييُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىإِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى‏}‏‏[‏الليل‏:‏17‏:‏ 21]‏ وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه‏.‏

وأوذى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أيضًا‏.‏ فقد أخذه نوفل بن خويلدالعدوى، وأخذ معه طلحة بن عبيد الله فشدهما في حبل واحد، ليمنعهما عنالصلاة وعن الدين فلم يجيباه، فلم يروعاه إلا وهما مطلقان يصليان؛ ولذلكسميا بالقرينين، وقيل‏:‏ إنما فعل ذلك عثمان بن عبيد الله أخو طلحة بنعبيد الله رضي الله عنه‏.‏

والحاصل أنهم لم يعلموا بأحد دخل في الإسلام إلا وتصدوا له بالأذىوالنكال، وكان ذلك سهلًا ميسورًا بالنسبة لضعفاء المسلمين، ولا سيماالعبيد والإماء منهم، فلم يكن من يغضب لهم ويحميهم، بل كانت السادةوالرؤساء هم أنفسهم يقومون بالتعذيب ويغرون الأوباش، ولكن بالنسبة لمنأسلم من الكبار والأشراف كان ذلك صعبًا جدًا؛ إذ كانوا في عز ومنعة منقومهم، ولذلك قلما كان يجتريء عليهم إلا أشراف قومهم، مع شيء كبير منالحيطة والحذر‏.
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
السيرة النبوية الشريفة -1 عاشق الجنة. تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام 21 01-26-2014 04:05 PM
السيرة النبوية yalah تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام 6 01-04-2014 02:31 AM
السيرة الكاملة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .... السيرة النبوية وكل مايخص نبينا دموع الملائكة تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام 2 01-02-2014 08:09 PM
السيرة النبوية ××ملاك روحي×× يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 68 12-10-2013 02:12 PM
][ السيرة النبوية ][ كتاب بحرجديد يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 32 10-26-2013 04:19 PM

الساعة الآن 02:22 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103