تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام

تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام

السيرة النبوية (( كاملة ))

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2012, 05:18 PM   #21 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 

ADS



*عقد البيعة :

وبعد إقرار بنود البيعة، وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد البيعةبالمصافحة، قال جابر بعد أن حكى قول أسعد بن زرارة قال‏:‏ فقالوا‏:‏ ياأسعد، أمِطْ عنا يدك‏.‏ فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها‏.‏

وحينئذ عرف أسعد مدى استعداد القوم للتضحية في هذا السبيل وتأكد منه وكانهو الداعية الكبير مع مصعب بن عمير فكان هو السابق إلى هذه البيعة‏.‏ قالابن إسحاق‏:‏ فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول منضرب على يده‏.‏ وبعد ذلك بدأت البيعة العامة، قال جابر‏:‏ فقمنا إليهرجلًا رجلًا فأخذ علينا البيعة، يعطينا بذلك الجنة‏.‏

وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قولًا‏.‏ ما صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أجنبية قط‏.



*اثنا عشر نقيبًا :

وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختاروا اثنى عشرزعيمًا يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسئولية عنهم في تنفيذ بنود هذهالبيعة، فقال للقوم‏:‏ أخرجوا إلىّ منكم اثنى عشر نقيبًا ليكونوا علىقومهم بما فيهم‏.‏

فتم اختيارهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس‏.‏وهاك أسماءهم‏:‏


نقباء الخزرج




















نقباء الأوس







ولما تم اختيار هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقًا آخر بصفتهم رؤساء مسئولين‏.‏

قال لهم‏:‏ ‏(‏أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى ابنمريم، وأنا كفيل على قومي‏)‏ يعنى المسلمين قالوا‏:‏ نعم‏.‏


شيطان يكتشف المعاهدة

ولما تم إبرام المعاهدة، وكان القوم على وشك الارفضاض، اكتشفها أحدالشياطين؛ وحيث إن هذا الاكتشاف جاء في اللحظة الأخيرة، ولم يكن يمكنإبلاغ زعماء قريش هذا الخبر سرًا، ليباغتوا المجتمعين وهم في الشعب، قامذلك الشيطان على مرتفع من الأرض،وصاح بأنفذ صوت سمع قط‏:‏ يا أهلالجَبَاجب المنازل هل لكم في مُذَمَّم والصباة معه‏؟‏ قد اجتمعوا علىحربكم‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هذا أزَبُّ العقبة، أما والله ياعدو الله لأتفرغن لك‏.‏ ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم‏)‏‏.

*استعداد الأنصار لضرب قريش :

وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة‏:‏ والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا باسيافنا‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم‏)‏، فرجعوا وناموا حتى أصبحوا‏.



*قريش تقدم الاحتجاج إلى رؤساء يثرب :

لما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة، وساورتهم القلاقل والأحزان؛لأنهم كانوا على معرفة تامة بعواقب مثل هذه البيعة ونتائجها بالنسبة إلىأنفسهم وأموالهم، فما أن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابرمجرميها إلى أهل يثرب؛ ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة، قالالوفد‏:‏

‏(‏يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونهمن بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حى من العرب أبغضإلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم‏)‏‏.‏

ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئًا عن هذه البيعة؛ لأنها تمت في سريةتامة في ظلام الليل، انبعث هؤلاء المشركون يحلفون بالله‏:‏ ما كان من شيءوما علمناه، حتى أتوا عبد الله بن أبي بن سلول، فجعل يقول‏:‏ هذا باطل،وما كان هذا،وما كان قومى ليفتاتوا على بمثل هذا، ولو كنت بيثرب ما صنعقومي هذا حتى يؤامروني‏.‏

أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض، ثم لاذوا بالصمت، فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات‏.‏

ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين، فرجعوا خائبين‏.

*تأكد الخبر لدى قريش ومطاردة المبايعين :

عاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر، لكنهم لم يزالوايَتَنَطَّسُونه يكثرون البحث عنه ويدققون النظر فيه حتى تأكد لديهم أنالخبر صحيح، والبيعة قد تمت فعلًا‏.‏ وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى أوطانهم،فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين، ولكن بعد فوات الأوان، إلا أنهم تمكنوامن رؤية سعد بن عبادة والمنذر ابن عمرو فطاردوهما، فأما المنذر فأعجزالقوم، وأما سعد فألقوا القبض عليه، فربطوا يديه إلى عنقه بنِسْع رَحْلِه،وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدىوالحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم؛ إذ كان سعد يجير لهما قوافلهماالمارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه، فإذا هو قدطلع عليهم، فوصل القوم جميعًا إلى المدينة‏.‏

هذه هي بيعة العقبة الثانية التي تعرف ببيعة العقبة الكبرى وقد تمت في جوتعلوه عواطف الحب والولاء، والتناصر بين أشتات المؤمنين، والثقة والشجاعةوالاستبسال في هذا السبيل‏.‏ فمؤمن من أهل يثرب يحنو على أخيه المستضعف فيمكة، ويتعصب له،ويغضب من ظالمه، وتجيش في حناياه مشاعر الود لهذا الأخالذي أحبه بالغيب في ذات الله‏.‏

ولم تكن هذه المشاعر والعواطف نتيجة نزعة عابرة تزول على مر الأيام، بلكان مصدرها هو الإيمان بالله وبرسوله وبكتابه، إيمان لا يزول أمام أي قوةمن قوات الظلم والعدوان، إيمان إذا هبت ريحه جاءت بالعجائب في العقيدةوالعمل، وبهذا الإيمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على أوراق الدهرأعمالًا، ويتركوا عليها آثارًا خلا عن نظائرها الغابر والحاضر، وسوف يخلوالمستقبل‏.‏‏1 أسعد بن زُرَارَة بن عدس‏.‏ 2 سعد بن الرَّبِيع بن عمرو‏.‏ 3 عبد الله بن رواحة بن ثعلبة‏.‏ 4 رافع بن مالك بن العَجْلان‏.‏ 5 البراء بن مَعْرُور بن صَخْر‏.‏ 6 عبد الله بن عمرو بن حَرَام‏.‏ 7 عبادة بن الصامت بن قيس‏.‏ 8 سعد بن عبادة بن دُلَيْم‏.‏ 9 المنذر بن عمرو بن خُنَيْس‏.‏ 1 أُسَيْد بن حُضَيْر بن سِمَاك‏.‏ 2 سعد بن خَيْثَمَة بن الحارث‏.‏ 3 رفاعة بن عبد المنذر بن زبير‏.‏ ‏




نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 05:23 PM   #22 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
*طلائع الهجرة :

وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراءتموج بالكفر والجهالة وهو أخطر كسب حصل عليه الإسلام منذ بداية دعوته أذنرسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن‏.‏

ولم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح، والتضحية بالأموال، والنجاةبالشخص فحسب، مع الإشعار بأنه مستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أونهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدرى ما يتمخض عنه من قلاقلوأحزان‏.‏

وبدأ المسلمون يهاجرون وهم يعرفون كل ذلك، وأخذ المشركون يحولون بينهموبين خروجهم؛ لما كانوا يحسون به من الخطر، وهاك نماذج من ذلك‏:‏

1 كان من أول المهاجرين أبو سلمة هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة على ما قالهابن إسحاق وزوجته وابنه، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره‏:‏ هذه نفسكغلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه‏؟‏ علام نتركك تسير بها في البلاد‏؟‏فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم،فقالوا‏:‏ لا نترك ابننا معهاإذ نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به‏.‏وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة‏.‏

وكانت أم سلمة رضي الله عنها و بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها تخرج كل غداةبالأبطح تبكى حتى تمسى، ومضى على ذلك نحو سنة، فرق لها أحد ذويها وقال‏:‏ألا تخرجون هذه المسكينة‏؟‏ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها‏:‏الحقى بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة رحلةتبلغ حوالى خمسمائة كيلو متر تمر بين شواهق الجبال ومهالك الأودية وليسمعها أحد من خلق الله‏.‏ حتى إذا كانت بالتَّنْعِيم لقيها عثمان بن طلحةبن أبي طلحة، وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظرإلى قباء، قال‏:‏ زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله، ثم انصرفراجعًا إلى مكة‏.‏

2 وهاجر صُهَيْب بن سِنان الرومى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلماأراد الهجرة قال له كفار قريش‏:‏ أتيتنا صعلوكًا xxxxًا، فكثر مالك عندنا،وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك‏؟‏ والله لا يكون ذلك‏.‏فقال لهم صهيب‏:‏ أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم،قال‏:‏ فأني قد جعلت لكم مالى، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلمفقال‏:‏ ‏(‏ربح صهيب، ربح صهيب‏)‏‏.‏

3 وتواعد عمر بن الخطاب، وعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائلموضعًا اسمه التَّنَاضُب فوق سَرِف يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدينة،فاجتمع عمر وعياش، وحبس عنهما هشام‏.‏

ولما قدما المدينة ونزلا بقباء قدم أبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش وأمالثلاثة واحدة، وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة فقالا له‏:‏ إن أمك قد نذرت ألايمس رأسها مشط، ولا تستظل بشمس حتى تراك، فَرَقَّ لها‏.‏ فقال له عمر‏:‏يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فواللهلو آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فأبي عياشإلا الخروج معهما ليبر قسم أمه، فقال له عمر‏:‏ أما إذ قد فعلت ما فعلتفخذ ناقتى هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القومريب فانج عليها‏.‏

فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل‏:‏ يابن أمي،والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه‏؟‏ قال‏:‏ بلى،فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه،ثم دخلا به مكة نهارًا موثقًا، وقالا‏:‏ يا أهل مكة، هكذا فافعلوابسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا‏.‏

هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة إذا علمواذلك‏.‏ ولكن على رغم ذلك خرج الناس أرسالًا يتبع بعضهم بعضًا‏.‏ وبعدشهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسولالله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلى أقاما بأمره لهما وإلا من احتبسهالمشركون كرهًا، وقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر متىيؤمر بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه‏.‏

روى البخاري عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلمللمسلمين‏:‏ ‏(‏أني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابَتَيْن‏)‏ وهماالحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشةإلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليهوسلم‏:‏ ‏(‏على رِسْلِك، فأني أرجو أن يؤذن لي‏)‏‏.‏ فقال له أبو بكر‏:‏وهل ترجو ذلك بأبي أنت‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏، فحبس أبو بكر نفسه على رسولالله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمَروهو الخَبَطُ أربعة أشهر‏.‏

*في دار الندوة ‏[‏برلمان قريش‏] :

ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزواوخرجوا، وحملوا وساقوا الذرارى والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرجأصابتهم الكآبة والحزن، وساورهم القلق والهم بشكل لم يسبق له مثيل، فقدتجسد أمامهم خطر حقيقى عظيم، أخذ يهدد كيانهم الوثني والاقتصادي‏.‏

فقد كانوا يعلمون ما في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم من غاية قوةالتأثير مع كمال القيادة والإرشاد، وما في أصحابه من العزيمة والاستقامةوالفداء في سبيله، ثم ما في قبائل الأوس والخزرج من القوة والمنعة، وما فيعقلاء هاتين القبيلتين من عواطف السلم والصلاح، والتداعي إلى نبذ الأحقاد،ولاسيما بعد أن ذاقوا مرارة الحروب الأهلية طيلة أعوام من الدهر‏.‏

كما كانوا يعرفون ما للمدينة من الموقع الاستراتيجي بالنسبة إلى المحجةالتجارية التى تمر بساحل البحر الأحمر من اليمن إلى الشام‏.‏ وقد كان أهلمكة يتاجرون إلى الشام بقدر ربع مليون دينار ذهب سنويًا، سوى ما كان لأهلالطائف وغيرها‏.‏ ومعلوم أن مدار هذه التجارة كان على استقرار الأمن فيتلك الطريق‏.‏

فلا يخفي ما كان لقريش من الخطر البالغ في تمركز الدعوة الإسلامية في يثرب، ومجابهة أهلها ضدهم‏.‏

شعر المشركون بتفاقم الخطر الذي كان يهدد كيانهم، فصاروا يبحثون عن أنجحالوسائل لدفع هذا الخطر الذي مبعثه الوحيد هو حامل لواء دعوة الإسلاممحمدصلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، الموافق 12 من شهر سبتمبرسنة 622م أي بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة الكبرى عقد برلمان مكة‏[‏دار الندوة‏]‏ في أوائل النهارأخطر اجتماع له في تاريخه، وتوافد إلىهذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية؛ ليتدارسوا خطة حاسمة تكفل القضاءسريعًا على حامل لواء الدعوة الإسلامية؛ وتقطع تيار نورها عن الوجودنهائيًا‏.‏ وكانت الوجوه البارزة في هذا الاجتماع الخطير من نواب قبائلقريش‏:‏

1 أبو جهل بن هشام، عن قبيلة بني مخزوم‏.‏

2، 3، 4 جبير بن مُطْعِم، وطُعَيْمَة بن عدى، والحارث بن عامر، عن بني نَوْفَل بن عبد مناف‏.‏

5، 6، 7 شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، عن بني عبد شمس بن عبد مناف‏.‏

8 النَّضْر بن الحارث، عن بني عبد الدار‏.‏

9، 10، 11 أبو البَخْتَرِى بن هشام، وزَمْعَة بن الأسود، وحَكِيم بن حِزَام، عن بني أسد بن عبد العزى‏.‏

12، 13 نُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجاج، عن بني سهم‏.‏

14 أمية بن خَلَف، عن بني جُمَح‏.‏

ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الميعاد، اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل،عليه بَتٌّ له، ووقف على الباب، فقالوا‏:‏ من الشيخ‏؟‏ قال‏:‏ شيخ من أهلنجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منهرأيًا ونصحًا‏.‏ قالوا‏:‏ أجل، فادخل، فدخل معهم‏.

*النقاش البرلماني والإجماع على قرار غاشم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم :

وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول، ودار النقاشطويلًا‏.‏ قال أبو الأسود‏:‏ نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولانبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه،وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به‏؟‏ والله لو فعلتم ذلكما أمنتم أن يحل على حى من العرب، ثم يسير بهم إليكم بعد أن يتابعوه حتىيطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيًا غير هذا‏.‏

قال أبو البخترى‏:‏ احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ماأصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرًا والنابغة ومن مضى منهم،من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كماتقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكواأن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم علىأمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره‏.‏

وبعد أن رفض البرلمان هذين الاقتراحين، قدم إليه اقتراح آثم وافق عليهجميع أعضائه، تقدم به كبير مجرمى مكة أبو جهل بن هشام‏.‏ قال أبو جهل‏:‏والله إن لى فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد‏.‏ قالوا‏:‏ وما هو يا أباالحكم‏؟‏ قال‏:‏ أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيباوَسِيطًا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه،فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلكتفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا،فرضوا منا بالعَقْل، فعقلناه لهم‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره‏.‏

ووافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، ورجع النواب إلى بيوتهم وقد صمموا على تنفيذ هذا القرار فورًا‏.

نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 05:29 PM   #23 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم



*بين تدبير قريش وتدبير الله سبحانه وتعالى :

من طبيعة مثل هذا الاجتماع السرية للغاية، وألا يبدو على السطح الظاهر أيحركة تخالف اليوميات، وتغاير العادات المستمرة، حتى لا يشم أحد رائحةالتآمر والخطر، ولا يدور في خلد أحد أن هناك غموضًا ينبئ عن الشر، وكانهذا مكرًا من قريش، ولكنهم ماكروا بذلك الله سبحانه وتعالى، فخيبهم من حيثلا يشعرون‏.‏ فقد نزل جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلمبوحى من ربه تبارك وتعالى فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له فيالخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبين له خطة الرد على قريش فقال‏:‏ لا تبتهذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه‏.‏

وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة حين يستريح الناس في بيوتهم إلىأبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة، قالت عائشة رضي اللهعنها‏:‏ بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبيبكر‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا، في ساعة لم يكن يأتينافيها، فقال أبو بكر‏:‏ فداء له أبي وأمى، والله ما جاء به في هذه الساعةإلا أمر‏.‏

قالت‏:‏ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏، فاستأذن،فأذن له فدخل،فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر‏:‏ ‏(‏أخرج مَنْ عندك‏)‏‏.‏ فقالأبو بكر‏:‏ إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فأني قد أذنلى في الخروج‏)‏، فقال أبو بكر‏:‏ الصحبة بأبي أنت يا رسول الله‏؟‏ قالرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏‏.‏

ثم أبرم معه خطة الهجرة، ورجع إلى بيته ينتظر مجىء الليل‏.‏ وقد استمر فيأعماله اليومية حسب المعتاد حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة، أو لأيأمر آخر اتقاء مما قررته قريش‏.‏

*تطويق منزل الرسول صلى الله عليه وسلم :

أما أكابر مجرمي قريش فقضوا نهارهم في الإعداد سرا لتنفيذ الخطة المرسومةالتى أبرمها برلمان مكة ‏[‏دار الندوة‏]‏ صباحًا، واختير لذلك أحد عشررئيسًا من هؤلاء الأكابر، وهم‏:‏

1 أبو جهل بن هشام‏.‏

2 الحَكَم بن أبي العاص‏.‏

3 عُقْبَة بن أبي مُعَيْط‏.‏

4 النَّضْر بن الحارث‏.‏

5 أُمية بن خَلَف‏.‏

6 زَمْعَة بن الأسود‏.‏

7 طُعَيْمة بن عَدِىّ‏.‏

8 أبو لهب‏.‏

9 أبي بن خلف‏.‏

10 نُبَيْه بن الحجاج‏.‏

11 أخوه مُنَبِّه بن الحجاج‏.‏

وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينام في أوائل الليل بعدصلاة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام، يصلي فيه قيامالليل، فأمر عليًا رضي الله عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجىببرده الحضرمي الأخضر، وأخبره أنه لا يصيبه مكروه‏.‏

فلما كانت عتمة من الليل وساد الهدوء، ونام عامة الناس جاء المذكورون إلىبيته صلى الله عليه وسلم سرًا، واجتمعوا على بابه يرصدونه، وهم يظنونهنائمًا حتى إذا قام وخرج وثبوا عليه، ونفذوا ما قرروا فيه‏.‏

وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح هذه المؤامرة الدنية، حتى وقف أبو جهلوقفة الزهو والخيلاء، وقال مخاطبًا لأصحابه المطوقين في سخرية واستهزاء‏:‏إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثمبعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان لهفيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها‏.‏

وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل في وقت خروجه صلى اللهعليه وسلم من البيت، فباتوا متيقظين ينتظرون ساعة الصفر، ولكن الله غالبعلى أمره، بيده ملكوت السموات والأرض، يفعل ما يشاء، وهو يجير ولا يجارعليه، فقد فعل ما خاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد‏:‏‏{‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْيَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُخَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏30]‏‏.‏

*الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر بيته :

وقد فشلت قريش في خطتهم فشلًا ذريعًا مع غاية التيقظ والتنبه؛ إذ خرج رسولالله صلى الله عليه وسلم من البيت، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاءفجعل يذره على رءوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو‏:‏‏{‏وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّافَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏9‏]‏‏.‏ فلم يبقمنهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا منخوخة في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثَوْر في اتجاه اليمن‏.‏

وبقى المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبةوالفشل، فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم، ورآهم ببابه فقال‏:‏ ماتنتظرون‏؟‏ قالوا‏:‏ محمدًا‏.‏ قال‏:‏ خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم، وذرعلى رءوسكم التراب، وانطلق لحاجته، قالوا‏:‏ والله ما أبصرناه، وقامواينفضون التراب عن رءوسهم‏.‏

ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليًا، فقالوا‏:‏ والله إن هذا لمحمدنائمًا، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا‏.‏ وقام علىٌّ عن الفراش،فسقط في أيديهم، وسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ لا علملي به‏.

*من الدار إلى الغار :

غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته في ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 منالنبوة، الموافق 12/13 سبتمبر سنة 622م‏.‏ وأتى إلى دار رفيقه وأمنّ الناسعليه في صحبته وماله أبي بكر رضي الله عنه‏.‏ ثم غادر منزل الأخير من بابخلفي؛ ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر‏.‏

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشًا سَتَجِدُّ في الطلب،وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسىالمتجه شمالًا، فسلك الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوبمكة، والمتجه نحو اليمن، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبليعرف بجبل ثَوْر وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجاركثيرة، فحفيت قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ بل كان يمشى فيالطريق على أطراف قدميه كى يخفي أثره فحفيت قدماه، وأيا ما كان فقد حملهأبو بكر حين بلغ إلى الجبل، وطفق يشتد به حتى انتهي به إلى غار في قمةالجبل عرف في التاريخ بغار ثور‏.

*إذ هما في الغار :

ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر‏:‏ والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإنكان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزارهوسدها به، وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى اللهعليه وسلم‏:‏ ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في حجرهونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقال‏:‏ ‏(‏ما لك يا أبا بكر‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسولالله صلى الله عليه وسلم، فذهب ما يجده‏.‏

وكَمُنَا في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد‏.‏وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما‏.‏ قالت عائشة‏:‏ وهو غلام شابثَقِف لَقِن، فيُدْلِج من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلايسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و‏[‏كان‏]‏ يرعى عليهما عامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر مِنْحَة من غنم،فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسْل وهو لبنمِنْحَتِهما ورَضيفِهما حتى يَنْعِق بها عامر بن فُهَيْرَة بغَلَس، يفعلذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث، وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثرعبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليُعَفي عليه‏.‏

أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول الله صلى الله عليهوسلم صباح ليلة تنفيذ المؤامرة‏.‏ فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربواعليًا، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما‏.‏

ولما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه،فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها‏:‏ أين أبوك‏؟‏ قالت‏:‏ لاأدرى والله أين أبي‏؟‏ فرفع أبو جهل يده وكان فاحشًا خبيثًا فلطم خدهالطمة طرح منها قرطها‏.‏

وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل التي يمكن بهاالقبض على الرجلين، فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة ‏[‏في جميع الجهات‏]‏تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائةناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، كائنًا منكان‏.‏

وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن من دون جدوى وبغير عائدة‏.‏

وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، روى البخاريعن أنس عن أبي بكر قال‏:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار،فرفعت رأسى فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت‏:‏ يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأبصره رآنا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏اسكت يا أبا بكر، اثنان، الله ثالثهما‏)‏، وفيلفظ‏:‏ ‏(‏ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما‏)‏‏.‏

وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة‏.


في الطريق إلى المدينة :

وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت ثائرات قريش بعداستمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيأ رسول الله صلى اللهعليه وسلم وصاحبه للخروج إلى المدينة‏.‏

وكانا قد استأجرا عبد الله بن أُرَيْقِط الليثى، وكان هاديًا خِرِّيتًاماهرًا بالطريق وكان على دين كفار قريش، وأمناه على ذلك، وسلما إليهراحلتيهما، وواعداه غار ثَوْر بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فلما كانت ليلةالاثنين غرة ربيع الأول سنة 1ه / 16 سبتمبر سنة 622م جاءهما عبد الله بنأريقط بالراحلتين، وكان قد قال أبو بكر للنبى صلى الله عليه وسلم عندمشاورته في البيت‏:‏ بأبي أنت يا رسول الله، خذ إحدى راحلتى هاتين، وقربإليه أفضلهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن‏.‏ وأتتهما أسماءبنت أبي بكر رضي الله عنها بسُفْرَتِهما، ونسيت أن تجعل لها عِصَامًا،فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة، فإذا ليس لها عصام، فشقت نطاقها باثنين،فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر فسميت‏:‏ ذات النطاقين‏.‏

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وارتحلمعهما عامر بن فُهَيْرة، وأخذ بهم الدليل عبد الله بن أريقط على طريقالسواحل‏.‏

وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن،ثم اتجه غربًا نحو الساحل، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس، اتجهشمالًا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وسلك طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلانادرًا‏.‏

وقد ذكر ابن إسحاق المواضع التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهذا الطريق، قال‏:‏ لما خرج بهما الدليل سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهماعلى الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عُسْفَان، ثم سلك بهما على أسفل أمَج،ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن أجاز قُدَيْدًا، ثم أجاز بهمامن مكانه ذلك فسلك بهما الْخَرَّار، ثم سلك بهما ثَنَّية الْمَرَّة، ثمسلك بهما لِقْفًا، ثم أجاز بهما مَدْلَجَة لِقْف، ثم استبطن بهما مَدْلَجةمِجَاج، ثم سلك بهما مَرْجِح مِجَاح، ثم تبطن بهما مَرْجِح من ذىالغُضْوَيْن، ثم بطن ذى كَشْر، ثم أخذ بهما على الْجَدَاجِد، ثم علىالأجرد، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعدا مَدْلَجَة تِعْهِنَ، ثم علىالعَبَابيد، ثم أجاز بهما الفَاجَة، ثم هبط بهما الْعَرْج، ثم سلك بهماثنية العَائِر عن يمين رَكُوبة حتى هبط بهما بطن رِئْم، ثم قدم بهما علىقُباء‏.‏


وهاك بعض ما وقع في الطريق

1 روى البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال‏:‏ أسرينا ليلتنا ومنالغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق، لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرةطويلة، لها ظل لم تأت عليها الشمس، فنزلنا عنده، وسويت للنبي صلى اللهعليه وسلم مكانًا بيدى، ينام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت‏:‏ نم يا رسولالله، وأنا أنفض لك ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعمقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت له‏:‏ لمن أنت ياغلام‏؟‏ فقال‏:‏ لرجل من أهل المدينة أو مكة‏.‏ قلت‏:‏ أفي غنمك لبن‏؟‏قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت‏:‏ أفتحلب‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فأخذ شاة، فقلت‏:‏ انفضالضرع من التراب والشعر والقَذَى، فحلب في قعب كُثْبة من لبن، ومعى إداوةحملتها للنبي صلى الله عليه وسلم، يرتوى منها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبيصلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماءعلى اللبن حتى برد أسفله، فقلت‏:‏ اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثمقال‏:‏ ‏(‏ألم يأن للرحيل‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ بلى، قال‏:‏ فارتحلنا‏.‏

2 وكان من دأب أبي بكر رضي الله عنه أنه كان ردفًا للنبى صلى الله عليهوسلم، وكان شيخًا يعرف، ونبى الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، فيلقىالرجل أبا بكر فيقول‏:‏ من هذا الرجل الذي بين يديك‏؟‏ فيقول‏:‏ هذا الرجليهدينى الطريق، فيحسب الحاسب أنه يعنى به الطريق، وإنما يعنى سبيلالخير‏.‏

3 وفي اليوم الثاني أو الثالث مر بخيمتى أم مَعْبَد الخزاعية، وكانموقعهما بالمُشَلَّل من ناحية قُدَيْد على بعد نحو 130 كيلو مترًا من مكة،وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء الخيمة، ثم تطعم وتسقى من مربها، فسألاها‏:‏ هل عندها شيء‏؟‏ فقالت‏:‏ والله لو كان عندنا شيء ماأعوزكم، القِرَى والشاء عازب، وكانت سَنَةٌ شَهْباء‏.‏

فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال‏:‏ ‏(‏ماهذه الشاة يا أم معبد‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال‏:‏‏(‏هل بها من لبن‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ هي أجهد من ذلك‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أتأذنين لىأن أحلبها‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها‏.‏ فمسحرسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتَفَاجَّتْعليه ودَرَّتْ، فدعا بإناء لها يَرْبِض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة،فسقاها، فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا،حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها فارتحلوا‏.‏

فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلًا، فلما رأياللبن عجب، فقال‏:‏ من أين لك هذا‏؟‏ والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت‏؟‏فقالت‏:‏ لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومنحاله كذا وكذا، قال‏:‏ أني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صِفِيه لى ياأم معبد، فوصفته بصفاته الكريمة وصفًا بديعًا كأن السامع ينظر إليه وهوأمامه وسننقله في بيان صفاته صلى الله عليه وسلم في أواخر الكتاب فقال أبومعبد‏:‏ والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أنأصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا‏.‏ وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعونهولا يرون القائل‏:‏

جزى الله رب العرش خير جزائه ** رفيقين حَلاَّ خيمتى أم مَعْبَدِ

هما نزلا بالبِرِّ وارتحلا به ** وأفلح من أمسى رفيق محمد

فيا لقُصَىّ ما زَوَى الله عنكم ** به من فعال لا يُحَاذى وسُؤْدُد

لِيَهْنِ بني كعب مكان فَتاتِهم ** ومقعدُها للمؤمنين بَمْرصَد

سَلُوا أختكم عن شاتها وإنائها ** فإنكم إن تسألوا الشاة تَشْهَد

قالت أسماء‏:‏ ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبلرجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات، والناس يتبعونه ويسمعون صوتهولا يرونه حتى خرج من أعلاها‏.‏ قالت‏:‏ فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجهرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى المدينة‏.‏

4 وتبعهما في الطريق سُرَاقة بن مالك‏.‏ قال سراقة‏:‏ بينما أنا جالس فيمجلس من مجالس قومى بني مُدْلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس،فقال‏:‏ يا سراقة، أني رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًاوأصحابه‏.‏ قال سراقة‏:‏ فعرفت أنهم هم، فقلت له‏:‏ إنهم ليسوا بهم، ولكنكرأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمتفدخلت، فأمرت جاريتى أن تخرج فرسى، وهي من وراء أكَمَة، فتحبسها عَلَىَّ،وأخذت رمحى، فخرجت به من ظهر البيت، فخَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرض، وخَفَضْتُعاليه، حتى أتيت فرسى فركبتها، فرَفَعْتُها تُقَرِّب بى حتى دنوت منهم،فعَثَرَتْ بى فرسى فخررت عنها، فقمت، فأهويت يدى إلى كنانتى، فاستخرجتمنها الأزلام، فاستقسمت بها، أضُرُّهُمْ أم لا‏؟‏ فخرج الذي أكره، فركبتفرسي وعصيت الأزلام تُقَرّبُ بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى اللهعليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات سَاخَتْ يدا فرسى فيالأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تَكَدْ تخرجيديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان،فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسىحتى جئتهم، ووقع في نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمْرُرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له‏:‏ إن قومك قد جعلوا فيك الدية،وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلميَرْزَأني، ولم يسألأني إلا أن قال‏:‏ ‏(‏أَخْفِ عنا‏)‏، فسألته أن يكتبلى كتاب أمْنٍ، فأمر عامر بن فُهَيْرة، فكتب لى في رقعة من أدم، ثم مضىرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي رواية عن أبي بكر قال‏:‏ ارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا منهمأحد غير سراقة بن مالك بن جُعْشُم، على فرس له، فقلت‏:‏ هذا الطلب قدلحقنا يا رسول الله، فقال‏:‏ ‏{‏لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا‏}‏‏[‏التوبة‏:‏40‏]‏‏.‏

ورجع سراقة فوجد الناس في الطلب فجعل يقول‏:‏ قد استبرأت لكم الخبر، قدكفيتم ما ها هنا‏.‏ وكان أول النهار جاهدًا عليهما، وآخره حارسًا لهما‏.‏

5 وفي الطريق لقى النبي صلى الله عليه وسلم بُريْدَة بن الحُصَيْب الأسلمىومعه نحو ثمانين بيتًا، فأسلم وأسلموا، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلمالعشاء الآخرة فصلوا خلفه، وأقام بريدة بأرض قومه حتى قدم على رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعد أُحُد‏.‏

وعن عبد الله بن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتفاءل ولا يتطير،فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني سهم، فلقى النبي صلى اللهعليه وسلم، فقال له‏:‏ ‏(‏ممن أنت‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ من أسلم، فقال‏:‏ لأبيبكر‏:‏ سلمنا، ثم قال‏:‏ ‏(‏مِنْ بني مَنْ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ من بني سهم‏.‏قال‏:‏ ‏(‏خرج سهمك‏)‏

6 ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي أوْس تميم بن حَجَر أو بأبي تميمأوس بن حجر الأسلمى، بقحداوات بين الجُحْفَة وهَرْشَى بالعرج وكان قد أبطأعليه بعض ظهره، فكان هو وأبو بكر على جمل واحد، فحمله أوس على فحل منإبله، وبعث معهما غلامًا له اسمه مسعود، وقال‏:‏ اسلك بهما حيث تعلم منمحارم الطريق ولا تفارقهما، فسلك بهما الطريق حتى أدخلهما المدينة، ثم ردرسول الله صلى الله عليه وسلم مسعودًا إلى سيده، وأمره أن يأمر أوسًا أنيسم إبله في أعناقها قيد الفرس، وهو حلقتان، ومد بينهما مدًا، فهيسمتهم‏.‏ ولما أتى المشركون يوم أحد أرسل أوس غلامه مسعود بن هُنَيْدَة منالعَرْج على قدميه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بهم‏.‏ ذكرهابن مَاكُولا عن الطبرى، وقد أسلم بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلمالمدينة، وكان يسكن العرج‏.‏

7 وفي الطريق في بطن رِئْم لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير، وهوفي ركب من المسلمين، كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابًا بياضًا‏.‏
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 05:36 PM   #24 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
* النزول بقباء:

وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة وهي السنة الأولى منالهجرة الموافق 23 سبتمبر سنة 622م نزل رسول الله صلى الله عليه وسلمبقباء‏.‏

قال عروة بن الزبير‏:‏ سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى اللهعليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحَرَّة، فينتظرونه حتىيردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلىبيوتهم أَوْفي رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصربرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبَيَّضِين يزول بهم السراب، فلميملك اليهودى أن قال بأعلى صوته‏:‏ يا معاشر العرب، هذا جدكم الذيتنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح‏.‏ وتلقوا رسول الله صلى الله عليهوسلم بظهر الحرة‏.‏

قال ابن القيم‏:‏ وسُمِعت الوَجْبَةُ والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبرالمسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة،فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحى ينزل عليه‏:‏ ‏{‏فَإِنَّاللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَوَالْمَلَائ ِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏4‏]‏‏.‏

قال عروة بن الزبير‏:‏ فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدل بهم ذاتاليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيعالأول‏.‏ فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتًا،فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحىى وفينسخة‏:‏ يجىء أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم،فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليهوسلم عند ذلك‏.‏

وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال، وكان يومًا مشهودًا لم تشهدالمدينة مثله في تاريخها، وقد رأي اليهود صدق بشارة حَبْقُوق النبي‏:‏ إنالله جاء من التيمان، والقدوس من جبال فاران‏.‏

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل‏:‏ بل على سعد بن خَيْثَمَة، والأول أثبت‏.‏

ومكث على بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاثًا حتى أدى عن رسول الله صلىالله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر ماشيًا على قدميهحتى لحقهما بقباء، ونزل على كلثوم بن الهَدْم‏.‏

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام‏:‏ الاثنينوالثلاثاء والأربعاء والخميس‏.‏ وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجدأسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان اليوم الخامس يوم الجمعة ركب بأمرالله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار أخواله فجاءوا متقلدينسيوفهم، فسار نحو المدينة وهم حوله، وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف،فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادى، وكانوا مائة رجل‏.

*الدخول في المدينة :

ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجمعة حتى دخل المدينة ومن ذلكاليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعبر عنهابالمدينة مختصرًا وكان يومًا مشهودًا أغر، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصواتالحمد والتسبيح، وتغنت بنات الأنصار بغاية الفرح والسرور‏:‏

طلع البدر علينا **من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا ** جئت بالأمر المطاع

والأنصار وإن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة إلا أن كل واحد منهم كان يتمنىأن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، فكان لا يمر بدار من دور الأنصارإلا أخذوا خطام راحلته‏:‏ هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكانيقول لهم‏:‏ ‏(‏خلوا سبيلها فإنها مأمورة‏)‏، فلم تزل سائرة به حتى وصلتإلى موضع المسجد النبوى اليوم فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارتقليلًا، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها، وذلك في بنيالنجار أخواله صلى الله عليه وسلم وكان من توفيق الله لها، فإنه أحب أنينزل على أخواله، يكرمهم بذلك، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليهوسلم في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب الأنصارى إلى رحله، فأدخلهبيته،فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏المرء مع رحله‏)‏،وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته، فكانت عنده‏.‏

وفي رواية أنس عند البخاري، قال نبى الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أيبيوت أهلنا أقرب‏؟‏‏)‏ فقال أبو أيوب‏:‏ أنا يا رسول الله، هذه دارى، وهذابأبي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فانطلق فهيئ لنا مقيلًا‏)‏، قال‏:‏ قوما على بركةالله‏.‏

وبعد أيام وصلت إليه زوجته سَوْدَة، وبنتاه فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بنزيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهمعائشة، وبقيت زينب عند أبي العاص، لم يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعدبدر‏.‏

قالت عائشة‏:‏ وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، فكان بُطْحَان يجرى نَجْلًا، أي ماءً آجِنًا‏.‏

وقالت‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكروبلال، فدخلت عليهما فقلت‏:‏ يا أبه كيف تجدك‏؟‏ ويا بلال كيف تجدك‏؟‏قالت‏:‏ فكان أبو بكر إذا أخذته الحُمَّى يقول‏:‏

كل امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ** والموت أدنى من شِرَاك نَعْلِه

وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول‏:‏

ألا ليت شِعْرِى هل أبيتَنَّ ليلة ** بوَادٍ وحولى إذْخِرٌ وجَلِيلُ

وهل أردْن يومًا مياه مِجَنَّة ** وهل يَبْدُوَنْ لى شامة وطَفِيلُ

قالت عائشة‏:‏ فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال‏:‏‏(‏اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونامن أرضنا إلى أرض الوباء‏)‏‏.‏ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك في صاعهاومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجُحْفَة‏)‏‏.‏

وقد استجاب الله دعاءه صلى الله عليه وسلم، فأرى في المنام أن امرأة سوداءثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت بالمَهْيَعَة، وهي الجحفة‏.‏ وكانذلك عبارة عن نقل وباء المدينة إلى الجحفة، وبذلك استراح المهاجرون عماكانوا يعانونه من شدة مناخ المدينة‏.‏

إلى هنا انتهي بيان قسم من حياته صلى الله عليه وسلم بعد النبوة، وهوالعهد المكى‏.‏ وفيما يلى نقدم بالإيجاز عهده المدنى صلى الله عليهوسلم‏.‏ وبالله التوفيق‏.
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 05:43 PM   #25 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
*معاهدة مع اليهود :

بعد أن أرسى رسول الله صلى الله وعليه وسلم قواعد مجتمع جديد وأمة إسلاميةحديدة، بإقامة الوحدة العقدية والسياسية والنظامية بين المسلمين، بدأبتنظيم علاقاته بغير المسلمين، وكان قصده بذلك توفير الأمن والسلاموالسعادة الخير للبشرية جمعاء، مع تنظيم المنطقة في وفاق واحد، فسن في ذلكقوانين السماح والتجاوز التي لم تعهد في ذلك العالم الملئ بالتعصبوالأغراض الفردية والعرقية‏.‏

وأقرب من كان يجاور المدينة من غير المسلمين هم اليهود - كما أسلفنا - وهموإن كانوا يبطنون العداوة للمسلمين، لكن لم يكونوا أظهروا أية مقاومة أوخصومة بعد، فعقد معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدة قرر لهم فيهاالنصح والخير، وترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، ولم يتجه إلىسياسة الإبعاد أو المصادرة والخصام‏.‏

وفيما يلى أهم بنود هذه المعاهدة‏:

*بنود المعاهدة :

- إن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، وكذلك لغير بنى عوف من اليهود‏.‏

2-وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم‏.‏

3- وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة‏.‏

4- وإن بينهم النصح والنصحية، والبر دون الإثم‏.‏

5- وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه‏.‏

6- وإن النصر للمظلوم‏.‏

7- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين‏.‏

8-وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة‏.‏

9- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردهإلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

10- وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها‏.‏

11- وإن بينهم النصر على من دَهَم يثرب‏.‏‏.‏ على كل أناس حصتهم من جابنهم الذي قبلهم‏.‏

12- وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم‏.‏

وبإبرام هذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقية، عاصمتهاالمدينة، ورئيسها إن صح هذا التعبير رسول الله صلى الله عليه وسلم،والكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين‏.‏

ولتوسيع منطقة الأمن والسلام عاهد النبي صلى الله عليه وسلم قبائل أخرى فيالمستقبل بمثل هذه المعاهدة، حسب ما اقتضته الظروف، وسيأتي ذكر شيء عنها‏.

* الكفاح الدامي :

*استفزازات قريش واتصالهم بعبد الله بن أبي :

تقدم ما أدلى به كفار مكة من التنكيلات والويلات على المسلمين في مكة، ثمما أتوا به من الجرائم التي استحقوا لأجلها المصادرة والقتال، عند الهجرة،ثم إنهم لم يفيقوا من غيهم ولا امتنعوا عن عدوانهم بعدها، بل زادهم غيظاًأن فاتهم المسلمون ووجدوا مأمناً ومقراً بالمدنية، فكتبوا إلى عبد الله بنأبي سلول- وكان إذ ذاك مشركاً - بصفته رئيس الأنصار قبل الهجرة - فمعلواأنهم كانوا قد اتفقوا عليه، وكادوا يجعلونه ملكاً على أنفسهم لولا أن هاجررسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وآمنوا به - كتبوا إليه وإلى أصحابهالمشركين، يقولون لهم في كلمات باتة‏:‏

إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم‏.‏

وبمجرد بلوغ هذا الكتاب قام عبد الله بن أبي ليمتثل أوامر إخوانه المشركينمن أهل مكة - وقد كان يحقد على النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لما يراه أنهاستبله ملكه- يقول عبد الرحمن بن كعب‏:‏ فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومنكان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم،فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم، فقال‏:‏ ‏(‏لقد بلغ وعيدقريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر ما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم،تريدون أن تقالوا أبناءكم وإخوانكم‏)‏، فلما سمعوا ذلك من النبي صلى اللهعليه وسلم تفرقوا‏.‏

امتنع عبد الله بن أبي بن سلول عن القتال إذ ذلك، لما رأي خوراً أو رشداًفي أصحابه، ولكن يبدو من تصرفاته أنه كان متواطئاً مع قريش، فكان لا يجدفرصة إلا وينتهزها لإيقاع الشر بين المسلمين والمشركين، وكان يضم معهاليهود، ليعينوه على ذلك، ولكن تلك هي حكمة النبي صلى الله عليه وسلم التيكانت تطفئ نار شرهم حينا بعد حين‏.‏

*إعلان عزيمة الصد عن المسجد الحرام :

ثم أن سعد بن معاذ انطلق إلى مكة معتمراً، فنزل على أمية بن خلف بمكة،فقال لأمية‏:‏ انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف البيت، فخرج به قريباً مننصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال‏:‏ يا أبا صفوان، من هذا معك‏؟‏فقال‏:‏ هذا سعد، فقال له أبو جهل‏:‏ ألا أراك تطوف بمكة آمناً وقد آويتمالصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم، وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبيصفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً، فقال له سعد - ورفع صوته عليه‏:‏ أماوالله لئن منعتني هذا لأمنعك ما هو أشد عليكم منه‏:‏ طريقك على أهلالمدينة‏.


قريش تهدد المهاجرين :



وكأن قريشاً كانت تعتزعلى شر أشد من هذا، وتفكر في القيام بنفهسا للقضاء على المسلمين، وخاصة على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏



ولم يكن هذا مجرد وهم أو خيال، فقد تأكد لدى رسول الله صلى الله عليه وسلممن مكائد قريش وإرادتها على الشر ما كان لأجله لا يبيت إلا ساهراً، أو فيحرس من الصحابة‏.‏ روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضى الله عنهاقالت‏:‏ سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال‏:‏‏(‏ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة‏)‏، قالت‏:‏ فبينما نحن كذلكسمعنا خشخشة سلاح، فقال‏:‏ ‏(‏من هذا ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ سعد بن أبي وقاص، فقالله رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما جاء بك‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ وقع فينفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أحرسه، فدعا له رسولالله صلى الله عليه وسلم، ثم نام‏.‏



ولم تكن هذه الحراسة مختصة ببعض الليالي، بل كان ذلك أمراً مستمراً، فقدروى عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلاً حتىنزل‏:‏ ‏{‏وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏،فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، فقال‏:‏ ‏(‏يا أيهاالناس، انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل‏)‏‏.‏



ولم يكن الخطر مقتصراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان يحدقبالمسلمين كافة، فقد روى أبي بن كعب، قال‏:‏ لما قدم رسول الله صلى اللهعليه وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة،وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه‏.





*الإذان بالقتال :



في هذه الظروف الخطيرة التي كانت تهدد كيان المسلمين بالمدينة، وتنبئ عنقريش أنهم لا يفيقون عن غيهم ولا يمتنعون عن تمردهم بحال، أنزل الله تعالىالإذن بالقتال للمسلمين ولم يفرضه عليهم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أُذِنَلِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىنَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 39‏]‏‏.‏



وأنزل معه آيات بين لهم فيها أن هذا الإذن إنما هو لإزاحة الباطل وإقامةشعائر الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِوَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏41‏]‏‏.‏



وكان الإذن مقتصراً على قتال قريش، ثم تطور فيما بعد مع تغير الظروف حتىوصل إلى مرحلة الوجوب، وجاوز قريشاً إلى غيرهم، ولا بأس أن نذكر تلكالمراحل بإيجاز قبل أن ندخل في ذكر الأحداث‏:‏



1- اعتبار مشركي قريش محاربين؛ لأنهم بدأوا بالعدوان، فحق للمسلمين أن يقاتلوهم ويصادروا أموالهم دون غيرهم من بقية مشركي العرب‏.‏



2- قتال كل من تمالأ من مشركي العرب مع قريش واتحد معهم، وكذلك كل من تفرد بالاعتداء على المسلمين من غير قريش‏.‏



3- قتال من خان أو تحيز للمشركين من اليهود الذين كان لهم عقد وميثاق معرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبذ ميثاقهم إليهم على سواء‏.‏



4- قتال من بادأ بعداوة المسلمين من أهل الكتاب، كالنصارى، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون‏.‏



5- الكف عمن دخل في الإسلام، مشركاً كان أو يهودياً أو نصرانياً أو غيرذلك، فلا يتعرض لنفسه وماله إلا بحق الإسلام، وحسابه على الله‏.‏



ولما نزل الإذن بالقتال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبسط سيطرتهعلى الطريق الرئيس الذي تسلكه قريش من مكة إلى الشام في تجاراتهم، واختارلذلك خطتين‏:‏



الأولى‏:‏ عقد معاهدات الحلف أو عدم الاعتداء مع القبائل التي كانت مجاورةلهذا الطريق، أو كانت تقطن ما بين هذا الطريق وما بين المدينة، وقد عقدصلى الله عليه وسلم معاهدة مع جهينة قبل الأخذ في النشاط العسكري، وكانتمساكنهم على ثلاث مراحل من المدينة، كما عقد معاهدات أخرى أثناء دورياتهالعسكرية، وسيأتي ذكرها‏.‏



الثانية‏:‏ إرسال البعوث واحدة تلو الأخرى إلى هذا الطريق‏.

نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 05:52 PM   #26 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
*الغزوات والسيرايا قبل بدر :


ولتنفيذ هاتين الخطتين بدأ بالتحركات العسكرية فعلاً بعد نزول الإذنبالقتال وكانت أشبه بالدوريات الاستطلاعية، وكان المطلوب منها كماأشرنا‏:‏

الاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة، والمسالك المؤدية إلى مكة‏.‏

عقد المعاهدات مع القبائل التي مساكنها على هذه الطرق‏.‏

إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم‏.‏

إنذار قريش عُقبَى طيشها، حتى تفيق عن غَيها الذي لا يزال يتوغل فيأعماقها، وعلها تشعر بتفاقم الخطر على اقتصادها وأسباب معايشها فتجنح إلىالسلم، وتمتنع عن إرادة قتال المسلمين في عقر دارهم، وعن الصد عن سبيلالله، وعن تعذيب المستضعفين من المؤمنين في مكة، حتى يصير المسلمونأحراراً في إبلاغ رسالة الله في ربوع الجزيرة‏.‏


وفيما يلى أحوال هذه السرايا بالإيجاز‏:‏

1- سرية سيف البحر

في رمضان سنة 1 ه، الموافق مارس سنة 623م، أمر رسول الله صلى الله عليهوسلم على هذه السرية حمزة بن عبد المطلب، وبعثه في ثلاثين رجلاً منالمهاجرين يعترضون عيراً لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام فيثلاثمائة رجل، فلبغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا للقتال،فمشى مجدي بن عمرو الجني وكان حليفاً للفريقين جميعاً بين هؤلاء وهؤلاءحتى جحز بينهم فلم يقتتلوا‏.‏

وكان لواء حمزة أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبيض، وحمله أبو مرثد كَناز بن حصين الغَنَوي‏.‏


2-سرية رابغ‏:‏

في شوال سنة 1 من الهجرة، الموافق أبريل سنة 632م، بعث لها رسول الله صلىالله عليه وسلم عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين رجلاً من المهاجرين،فلقى أبا سفيان - وهو في مائتين - على بطن رابغ، وقد ترامي الفريقانبالنبل، ولم يقع قتال‏.‏

وفي هذه السرية انضم رجلان من جيش مكة إلى المسلمين، وهما المقداد بن عمروالبهراني، وعتبه بن غزوان المارني، وكانا مسلمين خرجا مع الكفار ليكون ذلكوسيلة للوصول إلى المسلمين، وكان لواء عبيدة أبيض، وحامله مسطح بن أثاثةبن المطلب بن عبد مناف‏.‏


3- سرية الخرار

في ذي العقدة سنة 1 ه، الموافق مايو سنة 623م، بعث لها رسول الله صلى اللهعليه وسلم سعد بن أبي وقاص في عشرين رجلا يعترضون عيراً لقريش، وعهد إليهإلا يجاوز الخرار، فخرجوا مشاة يكمنون بالنهار، ويسيرون بالليل، حتى بلغواالخرار صبيحة خمس، فوجدوا العير قد مرت بالأمس‏.‏

كان لواء سعد رضى الله عنه أبيض، وحمله المقداد بن عمرو‏.‏


4-غزة الأبواء أو ودان‏:‏

في صفر سنة 2 ه، الموافق أغسطس سنة 623م، خرج رسول الله صلى الله عليهوسلم فيها بنفسه في سبعين رجلاً من المهاجرين خاصة يعترض عيراً لقريش، حتىبلغ ودان، فلم يلق كيداً، واستخلف فيها على المدينة سعد بن عبادة رضى اللهعنه‏.‏

وفي هذه الغزوة عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشى الضمري، وكان سيد بنى ضمرةفي زمانه، وهذا نص المعاهدة‏:‏ ‏(‏هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمره،فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أنيحاربوا دين الله ن ما بل بحر صوفة وأن النبي إذا دعاهم لنصرهأجابوه‏)‏‏.‏

وهذه أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة، وكان اللواء أبيض وحامله حمزة بن عبد المطلب‏.‏


5- غزوة بواط‏:‏

في شهر ربيع الأول سنة 2 ه الموافق سبتمبر سنة 623م، خرج فيها رسول اللهصلى الله عليه وسلم في مائتين من أصحابه، يعترض عيراً لقريش فيها أمية بنخلف الجمحي ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمئة بعير، فبلغ بواطا من ناحيةرضوى ولم يلق كيدا‏.‏

واستخلف في هذه الغزوة على المدينة سعد بن معاذ، واللواء كان أبيض، وحامله سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه‏.‏


6-غزوة سفوان

في شهر ربيع الول سنة 2 ه، الموافق سبتمبر سنة 623م، أغار كرز بن جابرالفهري في قوات خفيفة من المشركين على مراعي المدينة، ونهب بعض المواشيفخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً من أصحابه لمطارته، حتىبلغ وادياً يقال له‏:‏ سفوان من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك كرزاً وأصحابه،فرجع من دون حرب، وهذه الغزوة تسمى بغزوة بدر الأولى‏.‏

واستخلف في هذه الغزوة على المدينة زيد بن حارثة، وكان اللواء أبيض، وحامله علي بن أبي طالب‏.‏


7- غزوة ذي العشيرة‏:‏

في جمادى الأولى، وجمادى الآخرة سنة 2 ه، الموافق نوفمبر وديسمبر سنة623ه، خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسين ومائة ويقال‏:‏ فيمائتين، من المهاجرين، ولم يكره أحداً على الخروج، وخرجوا على ثلاثينبعيراً يعتقبونها، يعترضون عيراً لقريش، ذاهبة إلى الشام، وقد جاء الخبربفصولها من مكة، فيها أموال لقريش فبلغ ذا العشيرة، فوجد العير قد فاتتهبأيام، وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، فصارت سبباًلغزوة بدر الكبرى‏.‏

وكان خروجه صلى الله عليه وسلم في أواخر جمادى الأولى، ورجوعه في أوائلجمادى الآخرة، على ما قاله ابن إسحاق، ولعل هذه هو سبب اختلاف أهل السيرفي تعيين شهر هذه الغزوة‏.‏

وفي هذه الغزوة عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدة عدم اعتداء مع بنى مدلج وحلفائهم من بنى ضمرة‏.‏

واستخلف على المدينة في هذه الغزوة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكان اللواء أبيض، وحامله حمزة بن عبد الملطب رضي الله عنه‏.‏


8- سرية نخلة‏:‏

في رجب سنة 2 ه، الموافق يناير سنة 624م، بعث رسول الله صلى الله عليهوسلم كتب له كتاباً، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه‏.‏فسار عبد الله ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه‏:‏ ‏(‏إذا نظرت في كتابيهذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكلة والطائف، فترصد بها عير قريش وتعلم لنامن أخبارهم‏)‏‏.‏ فقال‏:‏ سمعاً وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وأنه لايستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض،فنهضوا كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبةبن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه‏.‏

وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيباً وأدماًوتجارة، وفيها عمرو بن الخضرمي، وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة،والحكم ابن كيسان مولى بني المغيرة‏.‏ فتشاور المسلمون وقالوا‏:‏ نحن فيآخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإنتركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على اللقاء، فرمى أحدهم عمرو بنالحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل، ثم قدموا بالعيروالأسيرين إلى المدينة، وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أو خمس كان فيالإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام‏.‏

وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلوه، وقال‏:‏ ‏(‏ما أمرتكم بقتالفي الشهر الحرام‏)‏ وتوقف عن التصرف في العير والأسيرين‏.‏

ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله،وكثر في ذلك القيل والقال، حتى نزل الوحي حاسماً هذه الأقاويل وأن ما عليهالمشروكون أكبر وأعظم مما ارتكبه المسلمون‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِالشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّعَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُأَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَالْقَتْلِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 217‏]‏‏.‏

فقد صرح هذا الوحي بأن الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرةالمقاتلين المسلمين لا مساغ لها، فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها فيمحاربة الإسلام، واضطهاد أهله، ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حينتقرر سلب أموالهم وقتل نبيهم‏؟‏ فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة،فأصبح انتهاكها معرة وشناعة‏؟‏ لا جرم أن الدعاية التي أخذ ينشرهاالمشركون دعاية تبتني على وقاحة ودعارة‏.‏

وبعد ذلك أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سراح الأسيرين، ‏,‏أدى دية المقتول إلى أوليائه‏.‏

تلكم السرايا والغزوات قبل بدر، لم يجر في احد منها سلب الأموال وقتلالرجال إلا بعد ما ارتكبه المشركون في قيادة كرز بن جابر الفهري، فالبدايةإنما هي من المشركين مع ما كانوا قد أتوه قبل ذلك من الأفاعيل‏.‏

وبعد وقوع ما وقع في سرية عبد الله بن جحش تحقق خوف المشركين وتجسد أمامهمالخطر الحقيقي، ووقعوا فيما كانوا يخشون الوقوع فيه، وعلموا أن المدينة فيغاية من التيقظ والتربص، تترقب كل حركة من حركاتهم التجارية، وأن المسلمينيستطيعون أن يزحفوا إلى ثلاثمائة ميل تقريباً، ثم يقلتوا ويأسروا رجالهم،ويأخذوا أموالهم، ويرجعوا سالمين غانمين، وشعر هؤلاء المشركون بأن تجارتهمإلى الشام أمام خطر دائم، لكنهم بدل أن يفيقوا عن غيهم، ويأخذوا طريقالصلاح والموادعة - كما فعلت جهينة وبنو ضمرة ازدادوا حقداً وعيظاً، وصممصناديدهم وكبراؤهم على ما كانوا يوعدون ويهددون به من قبل‏:‏ من إبادةالمسلمين في عقر دارهم، وهذا هو الطيش الذي جاء بهم إلى بدر‏.‏

أما المسلمون فقد فرض الله عليهم القتال بعد وقعة سرية عبد الله بن جحش فيشهر شعبان سنة 2 ه، وأنزل في ذلك آيات بينات‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُواْ فِيسَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّاللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْوَأَخْرِجُ وهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَالْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىيُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءالْكَافِرِينَ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌوَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِفَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏190‏:‏ 193‏]‏‏.‏

ثم لم يلبث أن أنزل الله تعالى عليهم آيات من نوع آخر، يعلمهم فيها طريقةالقتال، ويحثهم عليه، ويبين لهم بعض أحكامه‏:‏ ‏{‏فَإِذا لَقِيتُمُالَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْفَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّىتَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَمِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوافِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْوَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْوَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 4‏:‏ 7‏]‏‏.‏

ثم ذم الله الذين طفقت أفئدتهم ترجف وتخفق حين سمعوا الأمر بالقتال‏:‏‏{‏فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُرَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 20‏]‏‏.‏

وإيجاب القتال والحض عليه، والأمر بالاستعداد له هو عين ما كانت تقتضيهالأحوال، ولو كان هناك قائد يسبر أغوار الظروف لأمر جنده بالاستعداد لجميعالطورائ، فكيف بالرب العليم المتعال، فالظروف كانت تقتضى عراكاً دامياًبين الحق والباطل، وكانت وقعة سرية عبد الله بن جحش ضربة قاسية على غيرةالمشركين وحميتهم، آلمتهم وتركتهم يتقلبون على مثل الجمر‏.‏

وآيات الأمر بالقتال تدل بفحواها على قرب العراك الدامي، وأن النصروالغلبة فيه للمسلمين نهائيا، انظر كيف يأمر الله المسلمين بإخراجالمشركين من حيث أخرجوهم، وكيف يعلمهم أحكام الجند المتغلب في الأساريوالإثخان في الأرض حتى تضع الحرب أوزارها، هذه كلها إشارة إلى غلبةالمسلمين نهائياً‏.‏ ولكن ترك كل ذلك مستوراً حتى يأتي كل رجل بما فيه منالتحمس في سبيل الله‏.‏

وفي هذه الأيام - في شعبان سنة 2 ه / فبراير 624م - أمر الله تعالى بتحويلالقبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، وأفاد ذلك أن الضعفاء والمنافقينمن اليهود الذين كانوا قد خلوا صفوف المسلمين لإثارة البلبلة، انكشفوا عنالمسلمين ورجعوا إلى ما كانوا عليه، وهكذا تطهرت صفوف المسلمين عن كثير منأهل الغدر والخيانة‏.‏

ولعل في تحويل القبلة إشارة لطيفة إلى بداية دور جديد لا ينتهي إلى بعداحتلال المسلمين هذه القبلة، أو ليس من العجب أن تكون قبلة قوم بيدأعدائهم، وإن كانت بأيديهم فعلا فلابد من تخليصها يوما ما إن كانوا علىالحق‏.‏

وبهده الأوامر والإشارات زاد نشاط المسلمين، واشتد شوقهم إلى الجهاد في سبيل الله، ولقاء العدو في معركة فاصلة لإعلاء كلمة الله‏.


غزوة بدر الكبرى أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة



*سبب الغزوة :

سبق في ذكر غرزة العشيرة أن عيراً لقريش أفلتت من النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابها من مكة إلى الشام، فلما
قرب رجوعها من الشام إلى مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة بنعبيد الله وسعيد بن زيد إلى الشمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصلا إلىالحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، فأسرعا إلى المدينة وأخبرارسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر‏.‏

وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها‏:‏ ألف بعير موقرةبأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي‏.‏ ولم يكن معها من الحرب إلا نحوأربعين رجلا‏.‏

إنها فرصة ذهبية للمسلمين ليصيبوا أهل مكة بضربة اقتصادية قاصمة، تتألملها قلوبهم على مر العصور، لذلك أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلمقائلاً‏:‏ ‏(‏هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل اللهينفلكموها‏)‏‏.‏

ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكنيتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة - بدل العير- هذا الاصطدامالعنيف في بدر؛ ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة، وهم يحسبون أن مضىرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السراياوالغزوات الماضية؛ ولذلك لم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغروة‏

*مبلغ قوة الجيش الإسلامي وتوزيع القيادات :

واستعد رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشررجلاً 313، أو 314، أو 317 رجلاً 82 أو 83 أو 86 من المهاجرين و 61 منالأوس و 170 من الخرزج‏.‏ ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفالا بليغا، ولااتخذوا أهبتهم كاملة، فلم يكن معهم إلا فرس أو فرسان‏:‏ فرس للزبير بنالعوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرا يعتقبالرجلان والثلاثة على بعير واحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً واحد‏.‏

واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة ابن عبد المنذر، واستعمله على المدينة‏.‏

ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري، وكان هذا اللواء أبيض‏.‏

وقسم جيشه إلى كتيبتين‏:‏

1- كتيبة المهاجرين‏:‏ وأعطى رايتها علي بن أبي طالب، ويقال لها‏:‏ العقاب‏.‏

2- وكتبية الأنصار‏:‏ وأعطى رايتها سعد بن معاذ‏.‏ وكانت الرايتان سوداوين ‏.‏

وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو-وكانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش - كما سبق - وجعل على الساقة قيس بنأبي صعصعة، وظلت القيادة العامة في يده صلى الله عليه وسلم كقائد أعلىللجيش‏.‏

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الجيش غير المتأهب، فخرج من نقبالمدينة، ومضى على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة، حتى بلغ بئر الروحاء،فلما ارتحل منها ترك طريق مكة إلى اليسار، وانحرف ذات اليمين على النازيةيريد بدراً فسلك في ناحية منه حتى جزع ودياً يقال له‏:‏ رحقان بين النازيةوبين مضيق الصفراء، ثم مر على المضيق ثم انصب منه حتى قرب من الصفراء، ومنهنالك بعث بسبس بن عمرو الجني وعدي بن أبي الزغباء الجهي إلى بدر يتجسسانله أخبار العير‏.

*النذير في مكة :

وأما خبر العير فإن أبا سفيان - وهو المسئول عنها - كان على غاية منالحيطة والحذر، فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالأخطار، وكان يتحسسالأخبار ويسأل من لقى من الركبان، ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته بأنمحمداً صلى الله عليه وسلم قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير، وحينئذ استأجرأبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخاً لقريش بالنفير إلىعيرهم؛ ليمنعوه من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وخرج ضمضم سريعاً حتىأتى مكة، فخرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، وقد جدع أنفه وحول رحله،وشقق قميصه، وهو يقول‏:‏ يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة أموالكم مع أبيسفيان قد عرض لها لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث‏.‏‏.‏‏.‏الغوث‏.‏

*أهل مكة يتجهزون للغزو :

فتحفز الناس سراعًا وقالوا‏:‏ أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابنالحضرمي‏؟‏ كلا والله ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين رجلين‏:‏ إما خارج، وإماباعث مكانه رجلًا، وأوعبوا في الخروج فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبيلهب، فإنه عوض عنه رجلًا كان له عليه دين، وحشدوا من حولهم من قبائلالعرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدى فلم يخرج منهم أحد‏.




*قوام الجيش المكي :

وكان قوام هذا الجيش نحو ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية سيره، وكان معهمائة فرس وستمائة دِرْع، وجمال كثيرة لا يعرف عددها بالضبط، وكان قائدهالعام أبا جهل ابن هشام، وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش،فكانوا ينحرون يومًا تسعًا ويومًا عشرًا من الإبل‏.‏


*مشكلة قبائل بني بكر :

ولما أجمع هذا الجيش على المسير ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر منالعداوة والحرب، فخافوا أن تضربهم هذه القبائل من الخلف، فيكونوا بيننارين، فكاد ذلك يثنيهم، ولكن حينئذ تبدى لهم إبليس في صورة سُرَاقة بنمالك بن جُعْشُم المدلجى سيد بني كنانة فقال لهم‏:‏ أنا لكم جار من أنتأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه‏.




*جيش مكة يتحرك :

وحينئذ خرجوا من ديارهم، كما قال الله‏:‏ ‏{‏بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِوَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏47‏]‏، وأقبلوا كما قالرسول الله صلى الله عليه وسلم بحدهم وحديدهم يحادون الله ويحادون رسوله‏{‏وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ‏}‏ ‏[‏ القلم‏:‏25‏]‏، وعلى حميةوغضب وحنق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لجرأة هؤلاء علىقوافلهم‏.‏

تحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في اتجاه بدر، وسلكوا في طريقهم وادىعُسْفَان، ثم قُدَيْدًا، ثم الجُحْفَة، وهناك تلقوا رسالة جديدة من أبيسفيان يقول لهم فيها‏:‏ إنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم،وقد نجاها الله فارجعوا‏.‏



* العير تفلت :

وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسى، ولكنه لم يزلحذرًا متيقظًا، وضاعف حركاته الاستكشافية، ولما اقترب من بدر تقدم عيرهحتى لقى مَجْدِىَّ بن عمرو، وسأله عن جيش المدينة، فقال‏:‏ ما رأيت أحدًاأنكره إلا إني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنلهما، ثم انطلقا، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما،ففته فإذا فيه النوى، فقال‏:‏ هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى عيرهسريعًا، وضرب وجهها محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا، تاركًا الطريقالرئيسى الذي يمر ببدر على اليسار، وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضةجيش المدينة، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة‏.




* هَمّ الجيش المكي بالرجوع، ووقوع الانشقاق فيه :

ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة هم بالرجوع، ولكن قام طاغية قريش أبو جهلفي كبرياء وغطرسة قائلًا‏:‏ والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بهاثلاثًا، فننحر الجَزُور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف لنا القِيان،وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا‏.‏

ولكن على رغم أبي جهل أشار الأخْنَس بن شَرِيق بالرجوع فعصوه،فرجع هو وبنوزُهْرَة وكان حليفًا لهم، ورئيسًا عليهم في هذا النفير فلم يشهد بدرًازهرى واحد، وكانوا حوالى ثلاثمائة رجل،واغتبطت بنو زهرة بَعْدُ برأيالأخنس بن شريق، فلم يزل فيهم مطاعًا معظمًا‏.‏

وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم أبو جهل، وقال‏:‏ لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع‏.‏

فسار جيش مكة وقوامه ألف مقاتل بعد رجوع بني زهرة وهو يقصد بدرًا فواصلسيره حتى نزل قريبًا من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى على حدود وادىبدر‏.‏


*موقف الجيش الإسلامي في ضيق وحرج :

أما استخبارات جيش المدينة فقد نقلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهولا يزال في الطريق بوادي ذَفِرَان خبر العير والنفير، وتأكد لديه بعدالتدبر في تلك الأخبار أنه لم يبق مجال لاجتناب اللقاء الدامي، وأنه لا بدمن إقدام يبني على الشجاعة والبسالة، والجراءة، والجسارة، فمما لا شك فيهأنه لو ترك جيش مكة يجوس خلال تلك المنطقة يكون ذلك تدعيمًا لمكانة قريشالعسكرية، وامتدادًا لسلطانها السياسي، وإضعافًا لكلمة المسلمين وتوهينًالها،بل ربما تبقى الحركة الإسلامية بعد ذلك جسدًا لا روح فيه، ويجرؤ علىالشر كل من فيه حقد أو غيظ على الإسلام في هذه المنطقة‏.‏

ثم هل هناك ضمان للمسلمين بامتناع جيش مكة عن مواصلة سيره نحو المدينة،حتى ينقل المعركة إلى أسوارها، ويغزو المسلمين في عقر دارهم‏؟‏ كلا‏!‏ فلوحدث من جيش المدينة نكول ما، لكان له أسوأ الأثر على هيبة المسلمينوسمعتهم‏.




* المجلس الاستشاري :

ونظرًا إلى هذا التطور الخطير المفاجيء عقد رسول الله صلى الله عليه وسلممجلسًا عسكريًا استشاريًا أعلى، أشار فيه إلى الوضع الراهن، وتبادل فيهالرأي مع عامة جيشه وقادته‏.‏ وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس،وخافوااللقاء الدامى،وهم الذين قال الله فيهم‏:‏ ‏{‏كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَمِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَلَكَارِهُون َ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَايُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏5، 6‏]‏،وأما قادة الجيش فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن،ثم قام عمر بن الخطابفقال وأحسن،ثم قام المقداد بن عمرو فقال‏:‏ يا رسول الله، امض لما أراكالله،فنحن معك،والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى‏:‏‏{‏فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ‏}‏‏[‏المائدة‏:‏24]‏، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذيبعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد لجالدنا معك من دونه حتىتبلغه‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا له به‏.‏

وهؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين، وهم أقلية في الجيش، فأحب رسولالله صلى الله عليه وسلم أن يعرف رأي قادة الأنصار؛ لأنهم كانوا يمثلونأغلبية الجيش، ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم، مع أن نصوص العقبة لمتكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم، فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادةالثلاثة‏:‏ ‏(‏أشيروا علىّ أيها الناس‏)‏ وإنما يريد الأنصار، وفطن إلىذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ‏.‏

فقال‏:‏ والله، ولكأنك تريدنا يا رسول الله‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏أجل‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فقد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك علىذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت،فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلفمنا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُر في الحرب،صُدَّق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تَقَرَّ به عينك، فسِرْ بنا علىبركة الله‏.‏

وفي رواية أن سعد بن معاذ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لعلك تخشىأن تكون الأنصار ترى حقًا عليها ألا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عنالأنصار وأجيب عنهم‏:‏ فاظعن حيث شئت، وصِلْ حَبْل من شئت، واقطع حبل منشئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينامما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فهو الله لئن سرت حتىتبلغ البرك من غِمْدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحرفخضته لخضناه معك‏.‏

فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال‏:‏‏(‏سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين، والله لكإنيالآن أنظر إلى مصارع القوم‏)‏‏.
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 06:00 PM   #27 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
*الجيش الإسلامي يواصل سيره :

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذَفِرَان، فسلك على ثنايا يقاللها‏:‏ الأصافر، ثم انحط منها إلى بلد يقال له‏:‏ الدَّبَّة، وتركالحَنَّان بيمين وهو كَثِيب عظيم كالجبل ثم نزل قريبًا من بدر‏.‏


*الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم بعملية الاستكشاف :

وهناك قام صلى الله عليه وسلم بنفسه بعملية الاستكشاف مع رفيقه في الغارأبي بكر الصديق رضي الله عنه وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة إذا همابشيخ من العرب، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمدوأصحابه سأل عن الجيشين زيادة في التكتم ولكن الشيخ قال‏:‏ لا أخبركما حتىتخبراني ممن أنتما‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذاأخبرتنا أخبرناك‏)‏، قال‏:‏ أو ذاك بذاك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏‏.‏

قال الشيخ‏:‏ فإنه بلغنى أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كانصدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به جيش المدينة‏.‏وبلغنى أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليومبمكان كذا وكذا للمكان الذي به جيش مكة‏.‏

ولما فرغ من خبره قال‏:‏ ممن أنتما‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليهوسلم‏:‏ ‏(‏نحن من ماء‏)‏، ثم انصرف عنه، وبقى الشيخ يتفوه‏:‏ ما منماء‏؟‏ أمن ماء العراق‏؟‏


*الحصول على أهم المعلومات عن الجيش المكي :

وفي مساء ذلك اليوم بعث صلى الله عليه وسلم استخباراته من جديد ليبحث عنأخبار العدو، وقام لهذه العملية ثلاثة من قادة المهاجرين؛ على بن أبي طالبوالزبير بن العوام وسعد ابن أبي وقاص في نفر من أصحابه، ذهبوا إلى ماء بدرفوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة، فألقوا عليهما القبض، وجاءوا بهما إلىالرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فاستخبرهما القوم، فقالا‏:‏ نحنسقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم، ورجوا أن يكونا لأبيسفيان لاتزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة فضربوهماضربًا موجعًا حتى اضطر الغلامان أن يقولا‏:‏ نحن لأبي سفيان فتركوهما‏.‏

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال لهم كالعاتب‏:‏‏(‏إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، إنهمالقريش‏)‏‏.‏

ثم خاطب الغلامين قائلًا‏:‏ ‏(‏أخبرإني عن قريش‏)‏، قالا‏:‏ هم وراء هذاالكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما‏:‏ ‏(‏كم القوم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏كثير‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ما عدتهم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ لا ندرى، قال‏:‏ ‏(‏كم ينحرونكل يوم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال رسول الله صلى اللهعليه وسلم‏:‏ ‏(‏القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف‏)‏، ثم قال لهما‏:‏‏(‏فمن فيهم من أشراف قريش‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبوالبَخْتَرىّ بن هشام، وحكيم بن حِزام، ونَوْفَل بن خويلد، والحارث بنعامر، وطُعَيْمَة بن عدى، والنضر بن الحارث، وَزمْعَة بن الأسود، وأبو جهلبن هشام، وأمية بن خلف في رجال سمياهم‏.‏

فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال‏:‏ ‏(‏هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها‏)‏‏.‏


* نزول المطر :

وأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًاشديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلا طهرهم به، وأذهب عنهم رجسالشيطان، ووطأ به الأرض، وصلب به الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل،وربط به على قلوبهم
‏.‏



*الجيش الإسلامي يسبق إلى أهم المراكز العسكرية :

وتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر،ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر، وهناقام الحُبَاب بن المنذر كخبير عسكرى وقال‏:‏ يا رسول الله، أرأيت هذاالمنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه‏؟‏ أم هوالرأي والحرب والمكيدة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بل هو الرأي والحرب والمكيدة‏)‏‏.‏

قال‏:‏ يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماءمن القوم قريش فننزله ونغوّر أي نُخَرِّب ما وراءه من القُلُب، ثم نبنيعليه حوضًا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسولالله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لقد أشرت بالرأي‏)‏‏.‏

فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو،فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من القلب‏.




*مقر القيادة :

وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء اقترح سعد بن معاذ على رسول الله صلىالله عليه وسلم أن يبني المسلمون مقرًا لقيادته؛ استعدادًا للطوارئ،وتقديرًا للهزيمة قبل النصر، حيث قال‏:‏

يا نبى الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقىعدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانتالأخرى جلست على ركائبك فلحقت بِمَنْ وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقواميا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفواعنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك‏.‏

فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا له بخير، وبنيالمسلمون عَرِيشًا على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقى لميدان القتال،ويشرف على ساحة المعركة‏.‏

كما تم اختيار فرقة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم حول مقر قيادته‏.




* تعبئة الجيش وقضاء الليل :

ثم عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه‏.‏ ومشى في موضع المعركة، وجعليشير بيده‏:‏ ‏(‏هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إنشاء الله‏)‏‏.‏ ثم بات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع شجرةهنالك، وبات المسلمون ليلهم هادئي الأنفاس منيري الآفاق، غمرت الثقةقلوبهم، وأخذوا من الراحة قسطهم؛ يأملون أن يروا بشائر ربهم بعيونهمصباحًا‏:‏ ‏{‏إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُعَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْرِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِالأَقْدَامَ‏} [‏الأنفال‏:‏11‏]‏‏.‏

كانت هذه الليلة ليلة الجمعة، السابعة عشرة من رمضان في السنة الثانية منالهجرة، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم في 8 أو12 من نفس الشهر‏.




*الجيش المكي في عرصة القتال، ووقوع الانشقاق فيه :

أما قريش فقضت ليلتها هذه في معسكرها بالعدوة القصوى، ولما أصبحت أقبلت فيكتائبها، ونزلت من الكثيب إلى وادي بدر‏.‏ وأقبل نفر منهم إلى حوض رسولالله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏[‏دعوهم‏]‏، فما شرب أحد منهم يومئذ إلاقتل، سوى حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل، وأسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكانإذا اجتهد في اليمين قال‏:‏ لا والذي نجاني من يوم بدر‏.‏

فلما اطمأنت قريش بعثت عُمَيْر بن وهب الجُمَحِى للتعرف على مدى قوة جيشالمدينة، فدار عمير بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال‏:‏ ثلاثمائة رجل،يزيدون قليلًا أو ينقصون، ولكن أمهلونى حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد‏؟‏

فضرب في الوادى حتى أبعد، فلم ير شيئًا، فرجع إليهم فقال‏:‏ ما وجدتشيئًا، ولكنى قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحملالموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أنيقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم،فإذا أصابوا منكم أعدادكم فما خيرالعيش بعد ذلك‏؟‏ فروا رأيكم‏.‏

وحينئذ قامت معارضة أخرى ضد أبي جهل المصمم على المعركة تدعو إلى العودةبالجيش إلى مكة دونما قتال، فقد مشى حكيم بن حزام في الناس، وأتى عتبة ابنربيعة فقال‏:‏ يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، فهل لكإلى خير تذكر به إلى آخر الدهر‏؟‏ قال‏:‏ وما ذاك يا حكيم‏؟‏ قال‏:‏ ترجعبالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمى المقتول في سرية نخلة فقالعتبة‏:‏ قد فعلت‏.‏ أنت ضامن علىّ بذلك‏.‏ إنما هو حليفي، فعلى عقله‏[‏ديته‏]‏ وما أصيب من ماله‏.‏

ثم قال عتبة لحكيم بن حزام‏:‏ فائت ابن الحَنْظَلِيَّةِ أبا جهل، والحنظلية أمه فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره‏.‏

ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبًا فقال‏:‏ يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعونبأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لايزال الرجل ينظر فيوجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلًا من عشيرته،فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإنكان غير ذلك ألْفَاكُمْ ولم تَعَرَّضُوا منه ما تريدون‏.‏

وانطلق حكيم بن حزام إلى أبي جهل وهو يهيئ درعًا له قال‏:‏ يا أبا الحكم،إن عتبة أرسلنى بكذا وكذا، فقال أبو جهل‏:‏ انتفخ والله سَحْرُهُ حين رأيمحمدًا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، ومابعتبة ما قال، ولكنه قد رأي أن محمدًا وأصحابه أكلة جَزُور، وفيهم ابنهوهو أبو حذيفة بن عتبة كان قد أسلم قديمًا وهاجر فَتَخَوَّفَكُمْ عليه‏.‏

ولما بلغ عتبة قول أبي جهل‏:‏ انتفخ والله سحره، قال عتبة‏:‏ سيعلممُصَفِّر اسْتَه من انتفخ سحره، أنا أم هو‏؟‏ وتعجل أبو جهل، مخافة أنتقوى هذه المعارضة، فبعث على إثر هذه المحاورة إلى عامر بن الحضرمى أخيعمرو بن الحضرمى المقتول في سرية عبد الله بن جحش فقال‏:‏ هذا حليفك ‏[‏أيعتبة‏]‏ يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانْشُد خُفْرَتَك، ومَقْتَلَ أخيك، فقام عامر فكشف عن استه، وصرخ‏:‏ واعمراه، واعمراه،فحمى القوم، وحَقِبَ أمرهم، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر، وأفسد علىالناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة‏.‏ وهكذا تغلب الطيش على الحكمة، وذهبتهذه المعارضة دون جدوى‏.
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 06:10 PM   #28 (permalink)
نادية المتاقي
عضو موقوف
آبْتًسَامْـ سَببْ ـسعادتي
 
اكتفي بهذا القدر ساكمل لاحقا
نادية المتاقي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-14-2012, 09:31 PM   #29 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
جزاك ربي خيراً ويعطيك العافيــــــــــــــــــة،،،
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-22-2012, 03:39 PM   #30 (permalink)
Mouslim07
رومانسي مبتديء
 
الصورة الرمزية Mouslim07
 
إرسال رسالة عبر Skype إلى Mouslim07
Mouslim07 غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
السيرة النبوية الشريفة -1 عاشق الجنة. تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام 21 01-26-2014 04:05 PM
السيرة النبوية yalah تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام 6 01-04-2014 02:31 AM
السيرة الكاملة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .... السيرة النبوية وكل مايخص نبينا دموع الملائكة تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام 2 01-02-2014 08:09 PM
السيرة النبوية ××ملاك روحي×× يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 68 12-10-2013 02:12 PM
][ السيرة النبوية ][ كتاب بحرجديد يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 32 10-26-2013 04:19 PM

الساعة الآن 06:12 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103