تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات تعليمية Educational Forums > مشكلتي | أريد حلاً

مشكلتي | أريد حلاً

منتدى مشكلتي يعطيك مساحة بأن تطرح مشكلتك بسرية تامة ومن خلال عضوية خاصة يستخدمها الجميع في طرح مشاكلهم والأخرون يسعون جاهدين في حل مشكلتك , إفتح قلبك و شارك وأطرح مشكلتك من خلال العضوية المجانية أريد حلاً رقم الباسورد 123456


][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][ سلسلة مقالات!!

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-11-2012, 10:24 PM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][ سلسلة مقالات!!





السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية – سورة مريم

د: عثمان قدري مكانسي


( 1 )

هذه بداية تأملات تربوية في كتاب الله تعالى ، ليس فيها من التفسير إلا ما يخدم الفكرة التربوية في القرآن الكريم ،
أجلّي فيها الأسلوب التربوي ، وأشير إليه دون الخوض في المعاني إلا بما يناسب الهدف التربوي نفسه .وقد أشير إلى هدف بلاغيّ أو تعبير لغويّ أو توجيه نحوي يخدم الهدف التربوي الذي أريد تجليته .... والله ولي التوفيق .

1- أسلوب التنبيه : أساليب التنبيه في القرآن الكريم كثيرة كلما مررنا على واحد منها ذكرناه –إن شاء الله تعالى – في موقعه .. وهنا نجد السورة تبدأ مثل كثير من سور القرآن الكريم بالحروف المقطعة ، ك.ه. ي. ع .ص . فالأول والرابع والخامس منها ممدودة والثاني والثالث غيرذلك ، مما يشد انتباه السامع والقارئ على حد سواء بطريقتين مجتمعتين قبل البدء بقراءة الجمل والمعاني ، هما " الحروف المبهمة " و " الأداء الموسيقي "
والمفسرون يوردون تفسير هذه الحروف منسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما وغيره ، فالكاف " كريم " والهاء " هادٍ " والياء " قوي ، ذوالأيدِ " والعين " عليم " والصاد " صادق الوعد " .... إن البدء بحروف متقطعة ذات جرس موسيقيّ مختلف يجعل المتلقي يرهف السمع ، إليها لغرابتها فلا يضيع عليه مابعدها .... ومن ناحية أخرى نجد المتلقي يتساءل في قرارة نفسه عن معناها وطريقة أدائها ليصل إلى تأويلات عدّة ، منها : أن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف وأخواتها ، فإن استطعت أن تأتي بمثلها فافعل . وإلا ثبت أنها من لدن عليم خبير .
2- التأمل والتدبر : إن كلمة " ذكر " في قوله تعالى " ذكر رحمة ربك عبدَه زكريا " توحي بأمور كثيرة يتفاعل بها المتلقي سامعاً وقارئاً . منها :
- إعمال الفكر ، وتقليب المعاني في ذكر الله تعالى عبده الصالح زكريا ، وسبب تخصيصه بهذا الفضل العظيم حين ذكره
- وأن التذكر ليس ضد النسيان دائماً، فالله سبحانه وتعالى منزه عن النقائص ، والنسيان نقيصة . " لا يضل ربي ولا ينسى " " وما كان ربك نسيّا " " أحصاه الله ونسوه " . إنما التذكر هنا رفع لمقام زكريا عليه السلام ، واستجابةٌ لدعوته ، وخصُّه بالرحمة .
- وأن ذكر الله عز وجل يرفع مقام صاحبه في عليين " فاذكروني أذكرْكم " " ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأً ذكرته في ملأٍ خير من ملئه " ...
- وانظر معي إلى هذا الربط الرائع بين النبيين الكريمين ، فهما أخوان كريمان يستقيان من نبع واحد ، ويستضيئان من مشكاة واحدة ، فكلمة " ربك" خطاب لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام تدل على أعلى مراتب الإنسان : العبودية لله تعالى ، فمادام اللهُ ربَّه فهو عليه الصلاة والسلام عبدُه . وزكريا عليه الصلاة والسلام عبده ، فاجتمعا في هذه المكانة العلية . وبما أنهما مثال يُحتذى كانت الدعوة لنا من الله تعالى أن نكون من عباده .
3 - إغاثة الملهوف : فزكريا عليه السلام لجأ إلى الله تعالى ،واتجه إليه في دعائه وسأله من فضله ، " إذ نادى ربه نداء خفيّا " ، فأجابه الله إذ رحمه ووهبه غلاماً زكياً . وهذه لفتة كريمة تحض على مساعدة الآخرين وتقديم العون لهم إن استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
4 – أدب الخطاب : ويتجلى ذلك في أمور عدّة :
أولها : التحبب : من أحب شيئاً أكثر من ذكره . وأنت حين تخاطب من تحب يتكرر اسمه على لسانك . فزكريا عليه السلام ذكر ربه خمس مرات في جمل قليلة : " رب إني وهن العظم مني " " ولم أكن بدعائك رب شقيا " " واجعله رب رضياً " " قال رب أنى يكون لي غلام .." " قال رب اجعل لي آية " . وعلى هذا قبل الله تعالى ربوبيته لعبده زكريا حين قال سبحانه : " إذ نادى ربه نداء خفيّاً " .
ثانيها : النداء الخافت : فالله تعالى يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء . وحين سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً ينادي الله بصوت عالٍ ،قال : له إنك لا تنادي أصمّ بل سميعا بصيراً . وحين سأله رجل : هل ربك قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ نزل قوله تعالى : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ، أجيب دعوة الداعي إذا دعانِ .." . " نداء خفياً " . لأنه معه ، " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " .
ثالثها : التذلل إلى الله قبل الطلب : فقد عرض الحال بتسلسل منطقي ، وأدب جم ، فبدأ بذاته الداخلية " إني وهن العظم مني " ولم يقل وهن عظمي فكان صادقاً فليس كل عظمه واهناً وإلا لم يستطع الحركة ، وإنما أراد أن يقول : إنه ضعف وشاخ . وثنّى بجزء منه لكنه الإطار الخارجي منه " واشتعل الرأس شيباً . فلئن كان شعره منه إلا أن بعضه خارج جسمه ، أما العظم فمختلط بلحمه وشحمه . ثم التمس تقبل الدعاء وإجابة الرجاء مادحاً ربه : " ولم أكن بدعائك رب شقيّاً " فأنت يا رب سميع الدعاء ، ولن تردني خائباً .
رابعها : الحرص عل الدعوة حين خاف على الدعوة إلى الله أن تضعف و لم يجد من حوله من يقوم بأدائها ويحمل عبئها ،" وإني خفت الموالي من ورائي " فلا بد من خلف يكمل عمل السلف . وأمرأته عقيم " وكانت امرأتي عاقراً " فليس لي ذرية يتمون ما أمرتني بالقيام به .
خامسها : البوح بالطلب أن يرزقه الله ولداً صالحاً تقر به عينه حين يراه حاملاً أمانة الرسالة وهم الدعوة إلى الله عز وجل بين اليهود قساة القلوب . " فهب لي من لدنك وليّاً ،وقد لا يكون الولد وليّاً . فالولي الذي يسير على هديك وخطاك ، ويكمل ما بنيته ، لا الذي يهدم ما تعبت في بنائه وإقامته . فهو لن يكون ولياً ولو كان من لحمك ودمك . وكم من شوكة تخلف وردة ! " ما مهمته ؟ " يرثني ، ويرث من آل يعقوب " ... وهنا نجد الدقة في بيان السبب : أن يرثه في كل شيء كان يقوم به ، ويرث الصالحين من آل يعقوب في المهمة نفسها .
سادسها : أن يكمل المنة ، فيجعله رضياً . وهنا نجد الأسلوب البلاغي الرائع في قوله تعالى " رضياً " فالغلام راض بما قسم الله له شاكر لله فضله ، والله راض عنه مكمل عليه نعمته . فـ" رضيٌّ " أدت معنى اسمي الفاعل والمفعول معاً ، ولن تكون " راضٍ " و" مرضِيٌّ " لتغني إحداهما عن الأخرى !.... وكم يتمنى الناس الذرية دون أن يقوموا بواجبهم في تربية النشء ، ويهتمون بجني المال لأولادهم من حل وحرام ، وقد كفل الله لهم الرزق ،وكفاهم مؤونته ويتناسون أن الله أمرهم بحسن التربية ، وسيحاسبهم على ذلك ، أحسنوا أو أساءوا ؟ .
5- الإجابة السريعة : فإن استطعت أخي الحبيب أن تلبي أخاك فلا تتكاسل . إن الله تعالى أجاب عبده المطيع بسرعة فلا نجد حرف عطف ولا حرف استفهام ،ولا الفعل " قال" : ... إنما قرأنا مباشرة : " يازكريا ، إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ، لم نجعل له من قبل سمياً " . وتجلت الإجابة السريعة بما يلي :
أولاً : النداء ، ما إن نادى ربه حتى سمع نداء ربه : " يازكريا " فعرف أنه المقصود لا سواه فأصاخ السمع ، خافق القلب راغب الخير .
ثانياً : البشرى وهذا أسلوب رائع في طمأنة الفؤاد وإراحة النفس قبل زف البشرى نفسها . ولعل الإنسان يظل مستوفز الأعصاب لا يدري أيسمع بشرى أم إنذاراً حتى يقال له ما يُقال . لكنه حين يسمع كلمة البشرى قبل إلقائها ترتاح نفسه ، ويكون أكثر وعياً لتلقّيها . ومما زاد في جمال البشرى أنها جاءت بعد التأكيد " إنا " والفعل المضارع الذي يسمعه، فثبت حصولها .
ثالثاً: تحقيق المطلوب : فهو غلام سيبلغ الحلم وتقر به العينان . وقد نذرت امرأة عمران ما في بطنها محرراً وهي ترغب في الولد ، ففوجئت بأنثى ، خيبت في البدء أملها في الوفاء بالنذرف " قالت رب إني وضعتها أنثى " " وليس الذكر كالأنثى " ، لكنها حزمت أمرها ووفت بنذرها . لكنه هنا ذكر يافع . وزاد في تمام الفضل أن الله سماه يحيى من فوق سبع سماوات . ولم يجعل له من قبل سمياً .
6- الضعف البشري : المخلوق ضعيف.. ضعيف مهما علا شأنه ، ورسخ إيمانه . ولو كان نبياً إلا من عصمه الله تعالى. لكن أخطاء الأنبياء ليست كأخطاء الآخرين ، إنما هي هَنات تدل على بشريتهم . لكنهو يظلون مثال الكمال الإنساني ومما يدل على ذلك في قصة سيدنا زكريا ما يلي :
أولاً : أنه ذكر ضعفه وهرمه ، وعرف أن زوجته لا تنجب لسببين اثنين أحدهما شيخوختها ، وثانيهما عقمها . ومع ذلك فأمله بالله أن يرزقهما ولداً صالحاً كبير. .. فلما أجاب الله سؤله تعجب من ذلك .
ثانياً : انه حين سأل الله تعالى الولد قدّم شيخوخته على عقم زوجته . وكأنه السبب الأول في عدم الإنجاب . فلما تعجب من البشرى نأى بنفسه أن يكون السبب الأول لعدم الإنجاب ، فقدم زوجته عليه . وهنا نلحظ الرغبة في الكمال وتفضيل النفس على الآخرين... . ولعله تعجب أن تلد امرأة عقيم بلغت سن الشيخوخة ، فنبهه المولى سبحانه أنه على كل شيء قدير ، فقد خلقه من العدم .
7- تصحيح الخطأ مع التعليل : إذا ترك الإنسان لنفسه فقد يزل ويقع في المحظور ، فإدراك العقل محدود ، وفهمه قاصر ، ولا بد من تصويب الأخطاء كي يبقى الصحيح فقط ، فيتمثله القلب والعقل . مع التعليل لدواعٍ عديدة . منها : أن يكون الحكم واضحا بيناً ، والدليل ساطعاً فينقطع الشك ، وليكون الجواب شافياً . فلما تساءل زكريا عليه السلام عن إمكانية حمل زوجته ، وبشرى الله لهما بالغلام قيل له : ".. كذلك قال ربك هو علي ّ هين ، وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً ".
فبين له أن الله تعالى خلقه من عدم . وهو سبحانه قادر على كل شيء .
8- الاستيثاق من الأمر : وهو أسلوب تربوي ذو فوائد جمة ، منها : التأكد ، والاطمئنان ، والمتابعة . لكن الله هو الذي وعده بالغلام ، فهل يطلب منه إثباتاً؟ ! وهو سبحانه إن شاء وهب ، ويمنع إن شاء . فهل أخطأ زكريا حين سأل ربه العلامة فـ " قال رب اجعل لي آية " ؟!
لو كان هذا السؤال من قبيل الشك فهو الكفر بعينه ، وهو قلة الأدب ذاتها . لكنه نبي الله فوق الشبهات ، وقد أرادها ليعلم وقت حدوثها . هذا من ناحية . ثم لا بد من الاطمئنان فهذه هي الطبيعة البشرية السوية . والدليل على ذلك ما قاله إبراهيم عليه السلام لربه : " رب أرني كيف تحيي الموتى ! قال : أولم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي " والقصة معروفة . كما أن قصة عزير تسير على هذا النسق حين قال وهو في طريقه إذ رأى القدس هدمها الآشوريون :" أنى يحيي هذه الله بعد موتها ؟! فأماته الله مئة عام ثم بعثه . قال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوماً أو بعض يوم . قال : بل لبثت مئة عام ...."فلما رأى قدرة الله في بديع صنعه قال :" أعلم أن الله على كل شيئ قدير " . ومثله قول مريم : " أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ، ولم أك بغيّا " فهي تتساءل للتأكد والتثبت .
9- الدعوة إلى الله في كل الظروف : فإذا مرض الإنسان أو امتنع أن يقوم بواجبه المعتاد بالطريقة التي اعتادها لأمر طارئ اتخذ ذلك ذريعة للتفلت أو الراحة – ومن حقه أن يرتاح فترة ليشحذ همته – لكن النفس الطموح للنبي الكريم زكريا أبت أن تبتعد عن طريقها المرسوم . فحين حملت زوجته بيحيى و ما عاد يتكلم ثلاثة أيام – كما أعلمه ربه بذلك – لم يتوانَ عن دعوته ، ولم يتخل عن مهمته ، إنما التزم المحراب يصلي ويجتهد في عبادة ربه شاكراً فضله ، معترفاً بنعمته عليه . وأوحى لأتباعه بالإشارة أن " سبحوا بكرة وعشيّاً "
10- اختيار زمان الذكر ومكانه : أما المكان فالمحراب لمقابلة المليك العظيم ، فينبغي أن يكون أفضل مكان في البيت أو المسجد . والمحراب في العربية ( صدر البيت ، أو المسجد ، وأشرف موضع فيه، ومجلس الملوك الذي ينفردون به عن العامة ) . وأما الزمان فالذي يدل على قدرة الله عز وجل في بديع صنعه ، حين يتداخل الليل والنهار في الفجر والمغرب هذا التداخل بين الظلام والضياء ، وبين الموت والحياة " وسبّح بالعشي والإبكار ".
11- الاهتمام بالجوهر والبعد عن الحشو : يختصر القرآن المسافات التي لا يغني ذكرها . فلم يحدثنا عن طفولة يحيى عليه السلام ، إنما فاجأنا باللب والمراد من القصة ، فإذا هو فتى ذكي الفؤاد قويّ العزيمة ، ذو حكمة وفهم، يحمل رسالة ربه بكل ما أوتي من صبر واجتهاد .
12- بر الوالدين : ولن يرضى الله تعالى عن الإنسان ما لم يكن الوالدان راضيين عنه . ولن يستطيع حمل رسالة ربه مالم يحمل في قلبه حباً لهما وتقديراً ووفاءً . ولهذا شمله الله تعالى بالسلام والطمأنينة يوم ولد ، ويوم مات وبالسلام يوم القيامة والنجاة من النار في ذلك اليوم المهول . حين تبعث الخلائق ، فمنهم شقيّ وسعيد ....

يتبـــــــع





التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 05-20-2012 الساعة 05:21 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2012, 10:27 PM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية – سورة مريم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية – سورة مريم

د: عثمان قدري مكانسي


( 2 )

الناظر في هذه السورة الكريمة يجدها تتحدث في التربية الأسرية . وعلاقة أفراد الأسرة بعضهم ببعض :
فالمقطع الأول بتحدث عن سيدنا زكريا وابنه يحيى عليهما السلام ... وهمّ الدعوة ، وحمل الأمانة ، وبر الولد بأبويه .
والمقطع الثاني يتحدث عن العلاقة الحميمة بين الأم وولدها ، الأم الطاهرة النقية مريم العذراء التي وهبت نفسها لدين الله ودعوته ، والولد الصالح عيسى عليه السلام الذي دافع عن طهر أمه وشرفها ، وحمل الدعوة إلى الله عز وجل .
والمقطع الثالث يتحدث عن الصدّيق إبراهيم عليه السلام الذي هداه الله إليه ، وعلاقته بوالده حين دعا الولد أباه بأدب جم إلى عبادة الله الواحد ، ثم اعتزله وقومه إذ أصروا على الكفر ، وتحمل المشاق في سبيل الدعوة إلى ربه ، فأكرمه الله تعالى بالذرية الصالحة التي رباها فأحسن تربيتها . فكان بذلك قدوة للعالمين جميعاً .
والمقطع الرابع يتحدث عن النبي العظيم موسى صاحب العزم القوي في الدعوة إلى الله ،إذ أكرمه ربه فجعله مُخْلَصاً ورسولاً كريماً ، ومنّ عليه في أخيه هارون فوهبه أعلى درجات الإنسان في الوصول إلى ربه " النبوة " . فكان موسى لهارون أكرم منّةٍ لأخ على أخيه مرّ الدهور وكرّ العصور .
والمقطع الخامس يتحدث عن دور رب الأسرة في تربية أهله – زوجةً وأولاداً ومواليَ – فهذا إسماعيل عليه السلام كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة ، وكان عند ربه مرضياً بسبب تربيته إياهم . فكان قدوة لمن بعده في الاعتناء بالأسرة ووصلها بالله .. فمن كان بحبل الله موصولاً سعد وأُكرم ، وحاز القبول .

وقد كنا الأسبوع الماضي نتأمل في رياض المقطع الأول ، في رحاب النبيين الكريمين الأب زكريا وابنه يحيى .. فهلمّ إلى الروضة الغناء في رحاب العذراء البتول وابنها السيد الكريم عيسى عليهما السلام .
1- تقييد العلم : العلم في الصدور ، وتقييده في السطور ، وكلمة " اذكر في الكتاب " ترددت خمس مرات في هذه السورة الكريمة :
" واذكر في الكتاب مريم "
" واذكر في الكتاب إبراهيم "
" واذكر في الكتاب موسى "
" واذكر في الكتاب إسماعيل "
" واذكر في الكتاب إدريس "
والفائدة التربوية الأولى من كلمة " اذكر " العلم : فالعلم بالشيء ومعرفته أمر لا بد منه لأهل الدعوة ( ففاقد الشيء لا يعطيه ) .
والفائدة الثانية الكتابة : إن تقييد العلم في كتاب يحفظه من الضياع ، ويثبته في الذاكرة بين الحين والحين .
والفائدة الثالثة التعليم : وهذه رسالة الأنبياء والدعاة والمعلمين ، لا ينبغي التفريط فيها ، " فمن كتم علماً لجمه الله بلجام من نار" .

2- شفافية التبتل إلى الله : من كان مع الله كان الله معه ، ومن أخلص في عبادته اجتباه الله وأدناه . فقد انقطعت مريم عن اقرب الناس إليها وعن الدنيا، واجتهدت في التقرب إلى مولاها ، فاستقلت عنهم بأدب جم دون أن تسيء إليهم " فانتبذت " منهم ولم يقل : " نبذتهم " ففي الأولى ابتعاد وانقطاع مع احترام وتوقير ، وفي الثانية احتقار واستعلاء . فالانتباذ بالنفس ، والنبذ للآخرين !... أرأيتم جمال التعبير ؟! ...إلى أين ؟ " مكاناً شرقياً " ...إلى مصدر النور عند إشراق الشمس . ومن كان قصده خالق النور والضياء احتجب عن الناس " فاتخذت من دونهم حجاباً" .

3- الجزاء من جنس العمل : حين انقطعت إلى الله تعالى ورغبت فيما عنده ورجت رضاه لم يخيب أملها ... وصلها حين وصلته . وقبلها حين قصدته . " وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . وإن سألني أعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنّه " . لقد أرسل إليها كبير الملائكة " جبريل " عليه السلام . ليكرمها بسيد من سادات البشر .

4- المنطقية في التعامل : لجبريل عليه السلام ست مئة جناح ، كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام . وكان يملأ السماء حين رآه النبي عليه الصلاة والسلام مرتين على هيئته التي خلقه الله تعالى عليها . فلو أنه دخل على مريم بهذه الهيئة لسقطت ميتة أو مغمىً عليها . فلم يكن تباسط ، ولا حديث ، ولما عرفت سبب دخوله عليها ولا ماهيته . إذاً دخل عليها على هيئة رجل " فتمثل لها بشراً سويّاً " لتفهم منه ، فيخاطبها وتخاطبه .. وقد نبه المولى سبحانه وتعالى إلى المثليّة فقال رادّاً على الذين رغبوا أن يكون الرسول ملكاً حتى يؤمنوا به : " وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا : أبعث الله بشراً رسولاً ؟! قل : لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزّلنا عليهم من السماء ملَكاً رسولاً".

5- الحوار : هو أسلوب راق في التربية ، له فوائد كثيرة . منها :
1- أنك تسمع حديثاً فيه آراء وحجج يدلي بها المتحاورون ، ليبرهن كل منهم على صواب ما يرتئيه .
2- ان الحوار يثري السامع والقارئ والرائي بأفكار تطرح أمامهم ، بالحجة والبرهان ، فيعتادون التفكير السليم والأسلوب القويم .
3- أن الحوار أثبت في النفس لأن السامع يُعمل أكثر من حاسّة في تفهّم أ بعاد الحوار ومراميه
وعلى هذا تعال معي إلى متابعة الحوار بين الملَك ومريم :
" قالت : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنتَ تقيّاً "
" قال : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيّاً "
" قالت : أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ، ولم أكُ بغيّاً "
" قال : كذلك قال ربك : هو عليّ هين ، ولنجعله آية للناس ورحمةً منّا ،
وكان أمراً مَقضيّاً".

وفي هذا الحوار فوائد جمة ، نذكر منها :
1- اللجوء إلى الله تعالى في الملمات ، فهو حصن حصين وركن ركين .
2- الرجل التقي لا يقتحم مخادع النساء ، وينأى بنفسه عن الشبهات .
3- لا بد من تعليل يبعد هذه الشبهات ، ولو كان المشبوه به تقيّاً فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لرجلين رأياه مع صفية ليلاً : هذه أمكم صفية . كي لا يبوءا بالكفر حين يظنان السوء بنبيهم ... فقال الملَك : لأهب لك غلاماً زكيّاً .
4- المرأة المسلمة الشريفة لا تزني ، ولا يكون الحمل إلا بالزواج أو الزنا.
5- إذا أراد الله شيئاً قال له : كن فيكون . ومريم تعلم أن الله تعالى قادر على كل شيء لكنها أبدت تعجبها أن يختارها الله لهذا الشرف العظيم
6- توخي الحذر والستر : يعلمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم التستر . فيقول : إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا " ونعى القرآن تساهل اليهود في السكوت عن المنكر " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " ووبخ لوط عليه السلام قومه الذين استحلوا اللواط وجهروا به " إنكم لتأتون الفاحشة ،ما سبقكم بها من أحد من العالمين ، أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ، وتأتون في ناديكم المنكر .." اما الطاهرة العفيفة مريم فقد استترت في مكان قصي وهي لم تفعل المنكر ، فكانت مثالاً للشرف المصون والفتاة التقية .حتى إنها تألمت ألماً شديداً ، وتمنت أنها لم تخلق ، ولم يعرفها أحد . بل لو كانت شيئا لا قيمة له .
7- الدعم والتأييد : إذا كلفت أحدهم بمهمة فلتكن قدر استطاعته " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها " وإذا لم يستطع القيام بها لكونها فوق طاقته أو كانت ثقيلة فأعنه عليها ، وسهّلْ له سبلها وهذا ما وجدناه في قصة مريم فقد :
- سمعت من يكلمها في وحدتها ويشد من أزرها .
- جرى إلى جانبها جدول ماء عذب شربت منه .
- هزت جذع النخلة فتساقط عليها رطب لذيذة سهلت الطلق والولادة .
- الامتناع عن إجابة المتطفلين ..فهي صائمة عن الكلام . ومن الذي سيتكفل بالإجابة ؟ إنه ولدها الذي يدافع عنها بإذن الله .وسينطقه الله بما يبرئ أمه ويرفع قدرها بين الناس .
وعلى هذا استمدّت قوة وشجاعة ، وعادت إلى قومها تحمل وليدها . وكان ما كان من أمر الناس ، وحق لهم أن يسألوها ، فهي ابنة سيدهم المعروف بدينه وخلقه وأمها مثال الصون والعفاف ، كما أنهم يعرفونها شديدة التدين مشهورة بالعفة والطهارة .
8- الرد المفحم : قد يكون الإنسان صاحب حق ، إلا أنه عيي أو أحمق أو غبي ساذج لا يعرف كيف يستخرج حقه أو يحتفظ به أو يدافع عنه ، فيضيع منه كلّه أو جلّه ، وقد يكون أحدهم مبطلاً لكن لسانه طليق وحجته حاضرة وأساليبه ذكية ، فيسلب حق غيره ويحتال على الضعفاء فيغمطهم نصيبهم .
لكن الله تعالى لقّن الوليد حجته ، فكان قوله الفصل وبيانه الفصل
أولاً :عرّف بنفسه . فهو عبد الله . ومن أعلن عبوديته لله فقد عرف ربه وهذه أسمى المراتب
ثانياً : ومن كان عبداً لله تعالى فتح عليه ينابيع العلم وكنوز المعرفة ، وآفاق الحكمة .
ثالثاً : ثم خصه الله بمرتبة النبوة الكريمة ، وهذه قمة الإنعام والفضل .
رابعاً : افاض عليه الخيرات والبركات ، فكان مع الله قلباً وقالباً في حله وترحاله ، ونومه ويقظته ،
خامساً: وأوصاه أن لا يفتر عن ذكر الله وأن يكثر من الصلاة – وهي الصلة بالله – والزكاة – الإحسان إلى عباد الله – وكأنه سبحانه يقول : عبدي أحسنت إليك فأحسن إلى عبادي ، وأحب عباد الله إليه أنفعهم لعياله .
سادساً : والأقربون أولى بالمعروف . وفضل الأم لا يدانى . وقد قرن الله تعالى عبادته بالإحسان إلى الوالدين . ثم يكتمل الإحسان بتعميمه على الناس أجمعين .
سابعاً : ويتوج ذلك كله بسلام الله عليه في حياته وفي موته ، وحين يبعث يوم القيامة .
ومن الطريف أن المفسرين يوردون حواراً بين ابني الخالتين ، عيسى ويحيى .
فيقول عيسى : أنت خير مني يا يحيى .
فيقول يحيى : بل أنت خير مني ، أنت من الخمسة أولي العزم .
فيقول عيسى : بل أنت خير مني ، فقد سلمت على نفسي ، فقلت : والسلام عليّ وأنت سلم الله عليك فقال : وسلام عليه .... صلى الله عليهما وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى سيدنا محمد سيد الخلق أجمعين .

يتبـــــــع


التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 05-20-2012 الساعة 05:23 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2012, 10:28 PM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية – سورة مريم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية – سورة مريم

د: عثمان قدري مكانسي


( 3 )

1- الداعية مؤتمن :
تفيد كلمة " اذكر " ذلك الخطاب – خطاب التكليف – من الله تعالى لنبيه الكريم يأمره أن لا يغفل شيئاً مما أمره الله به ، فالرسول عليه الصلاة والسلام مؤتمن على الدعوة . وعليه أن يبلغها كاملة . فهي أمانة في عنقه. كما أن كل مسلم داعية في محيطه ، كبر هذا المحيط أم صغر ... وبما أنه صلى الله عليه وسلم مخاطب في القرآن الكريم من أوله إلى آخره فهذا دليل على أن القرآن ليس من عنده . فالإنسان لا يأمر نفسه أمام السامعين أو القارئين .. صحيح أنه يفكر أحياناً بصوت عال إلا أن كثرة الأوامر والتعليمات في القرآن تدل على أن الرسول المعلم ينفذ تعليمات خالق سيد آمر.

2 – المديح : أسلوب راق يستعمله المربون :
ا – للتعبير عن الرضا بما يصدر من أعمال أو أقوال تسر وتُحمد .
2 – لدفع الممدوح إلى التزام ما يرفعه في أعين الناس .
3 – يوحون به للآخرين أن يكونوا مثل الممدوحين في شمائلهم .
وقد مدح المولى عبده إبراهيم عليه السلام بصفتين لا يتصف بهما إلا من كان في القمة البشرية " كثرة الصدق والنبوة " . مع تعليل الوصول إلى هاتين المرتبتين العظيمتين . فقد كان داعية مخلصاً لدعوته لا يمالئ فيها أحداً أبداً . وهذا أبوه أقرب الناس إليه يفاتحه بها ويدعوه إليها بأكثر من طريقة تربوية رائعة .
نذكر أولاهما متسلسلة بعد اسلوب المديح :
3- التحبب : يدخلك القلب دون استئذان ، ويبوئك المكانة العالية في صدور السامعين ونفوسهم . أما المتعالى فعلى العكس من ذلك ينفر الناس منه ، ويجدونه ثقيلاً على قلوبهم ... وكرر كلمة " ياأبت " متحبباً إلى أبيه ، محاولاً دخول قلبه :
يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ؟
يا أبت : إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ، فاتبعني أهدك صراطاً سوياً .
يا أبت لا تعبد الشيطان ، إن الشيطان كان للرحمن عصياً .
يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليّاً .
ولعل
4- التكرار : وهو أسلوب أصيل في التربية أفاد هنا بالإضافة إلى التحبب التأكيد والتفصيل والتنبيه غلى خطر عظيم وأمر مهم . إن الطرق يلين الحديد لكن قلب الأب الكافرأقسى من الحديد ،أو قد من صخر فلم ينفع معه الاستعطاف واللطف .
5- الترتيب والتتابع في العرض : ففي الآية الأولى من كلام إبراهيم عليه السلام
لوم لطيف لوالده وعتاب : فكيف يعبد آلهة ضعيفة ليس لها سمع ولا بصر، ولا تنفع؟! ويقدم السمع على البصر لأنه أوسع فجعل له الأولوية ، وهذا شأن القرآن الكريم في تقديم الأهم ويتجلى هذا الترتيب من حيث الأهمية في قوله تعالى " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث " الآية 14 من سورة آل عمران . فالمرء يبذل المال ليتزوج فينجب البنين .. فالنساء أولاً ثم إنجاب البنين ،والمال في خدمتهما فهو الثالث من حيث الأهمية . وقدم من المال الذهب على الفضة ، وتأتي الخيل ثالث المال والأنعام رابعها من إبل وبقر وغنم .. ثم أخيراً دور الزرع ....
وبعد اللوم على الضلال يدعوه إلى اتباعه على علم : وعلى الجاهل مهما كبر أن يتبع العالم مهما صغر . فالحق أحق أن يُتبع والعلم يهدي إلى الصراط السوي - فليس سواء عالم وجهول –
ثم يأتي التحذير من الشيطان : لأنه عدو للرحمن ، يحيد بمن اتبعه عن الحق ويغويه فيغضب الله تعالى عليه ومن عصى الله كان إلى النار نهايته .
ثم يأتي التخويف من الله الذي يعاقب بالنار الشيطان ومن تبعه ، فإبراهيم عليه السلام يخاف على أبيه لأنه يحبه . وقد جاء في تفسير قوله تعالى : " ولا تخزني يوم يبعثون " في سورة الشعراء أن إبراهيم يلقى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة ، فيقول : يارب : إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون . فيقول الله تعالى : إني حرمت الجنة على الكافرين . وفي رواية أخرى : يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجهه قترة وغبرة ، فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك : لا تعصني ؟ ، فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك . فيقول إبراهيم : يارب إن وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون ، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ . فيقول الله تعال : إني حرمت الجنة على الكافرين . ثم يقول : يا إبراهيم ، انظر تحت رجلك . فينظر ، فإذا بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه، فيُلقى في النار . نعوذ بالله من سوء المصير ...
وهذا الأسلوب التدرجي من اللوم إلى الدعوة إلى التحذير إلى التخويف – أسلوب تربوي ينتقل بالمدعوّ خطوة خطوة .
6- الحلم : ولا بد للداعية أن يكون في دعوته للآخرين حليما واسع الصدر يحتوي المدعوين وإن أساءوا إليه . هذا ما نراه من سيدنا إبراهيم حين جبهه أبوه بقوله : " أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ؟ " وهدده بالرجم والطرد : " لئن لم تنته لأرجمنك ، واهجرني مليا " فرد عبه بألطف كلام يدل على الحلم والروية:
" سلام عليك ، سأستغفر لك ربي ، إنه كان بي حفياً"
أسلوب يدل على اهتمام الداعية بدعوته ومن يدعوهم إليها وعلى اهتمام المربي ومن يربيهم . إن الإجابة بالعنف والارتجال القائم على ردة الفعل يضر ولا ينفع ، فهو إن حصل لم يعد للتفاهم مكان ، ولا للنصح قبول ، وضيع الداعية الفرصة في اكتساب الناس .
وهذا ما فعله الصالحون في كل زمان ومكان وقالوه : " سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين " . وهذه صفات عباد الرحمن الذين مدحهم الله عز وجل : " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً "
7- والشفاعة : وهي طلب الخير للغير والوساطة لهم عند من يرجونهم . وهذا ماعناه النبي الكريم إبراهيم حين قال : " سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً " إن المدعو حين يرى من الداعية اهتماماً واعتناءً يلين قلبه ثم يتقبل منه ما يقول ، ثم يؤمن بما يقول ، ثم يعتنق ذلك ويكون منافحاً عن هذه الدعوة " ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك " .. كان الصحابة متحلقين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل رجل من بعيد إلى مجلسه صلى الله عليه وسلم ، فالتفت إليهم صلى الله عليه وسلم ، وقال : " هذا الرجل قادم يريد مني مسألة ، وإني معطيه إياها إن شاء الله ، ولكن إذا سألنيها فاشفعوا له ، والله يُؤجركم على شفاعتكم ، وليقض الله على لسان نبيه ما يشاء " . جاء الرجل وجلس ولم ينبس ببنت شفة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألك حاجة يا رجل؟." قال : نعم يا رسول الله ، صلى الله عليك وسلم . وذكر حاجته . فكان أصحاب رسول الله يقولون :
- هو أهلٌ لفضلك يا رسول الله .
- ما علمنا عنه إلا خيراً يا رسول الله .
أحسن إليه يا رسول الله . فما عهدناك إلا محسناً .
كان الرجل ينظر إليهم مسروراً من شفاعتهم ، وقد أحبهم وشعر أنه منهم وأنهم منه . ... يا لهذا المجتمع المتحاب المتكافل ... وابتسم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد اكتسب إلى المسلمين واحداً آخر ، وعلم أصحابه أن يناصر بعضهم بعضاً .... وقضى للرجل حاجته .
8- اعتزال الجاهلين : المسلم داعية . فكيف يدعو الناس إذا اعتزلهم؟ .. إنه يعيش بينهم ليؤثر فيهم لا ليتأثر ، يعيش بينهم مادة لكنه مع ربه قلباً وروحاً وفكراً . يعاملهم بالحسنى ويتحملهم ، ويشاركهم حياتهم إلا أنه ينأى عن مفاسدهم وكيف يعتزلهم منقطعاً عنهم تماماً والرسول الكريم يقول : " المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " ؟! فإبراهيم عليه السلام قال : " واعتزلكم وما تدعون من دون الله " هو اعتزال المسلم للمنكر والجهالة , إلا أنه حاضر بينهم يعمل على هدايتهم ، يقوم بخدمتهم والسهر على مصالحهم . وتنبيههم إلى الصواب وحضهم عليه
9- ثواب الصالحين : " فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق علياً " وهبه الله تعالى بعد العقم ولداً صالحاً وحفيداً صالحاً ، وزاده نعمة أن جعلهما نبيين كريمين ، وأكرمهم ببقاء ذكرهم مكرما وذريتهم على مر الدهور وكر العصور ، فكل المسلمين وغيرهم من اهل الأديان يكبرونهم ويجلونهم . بل إن الله تعالى أخبرنا أنه أكرم الأولاد بسبب صلاح الآباء ، " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك ." سورة الكهف . وقد قتل الرجل الصالح في سورة الكهف الغلام السيء وأبدله فتاة صالحة لأن الأبوين كانا صالحين . فالله لا يضيع أجر من أحسن عملا .

يتبـــــــع


التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 05-20-2012 الساعة 05:23 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2012, 10:29 PM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية – سورة مريم

د: عثمان قدري مكانسي


(4)

قوله تعالى عن الذكر فيه معان كثيرة منها :
1- التشريف والتكريم : في قوله تعالى " وإنه لذكر لك ولقومك " . إن قدْرَ الإنسان يعلو بانتمائه إلى ربه وإرضائه ، والعمل بما أمر والانتهاء عما نهى . وفي قوله جل شأنه " ص، والقرآن ذي الذكر " فمن عاش في ظلاله وحَيّ به ارتفعت مكانته ، ومن أبى ذل وخاب " بل الذين كفروا في عزة وشقاق " والعزة هنا استكبار وعناد ، يوضحه قوله تعالى " وإذا قيل له : اتق الله أخذته العزة بالإثم " والشقاق : الخلاف والإنكار . ونعود إلى " الذكر في القسم الرابع من تأملاتنا في قوله تعالى " واذكر في الكتاب موسى " .. فبماذا وصف هذا النبيَّ الكريم ؟ .. لو عدنا إلى السورة نفسها في بداية الذكر لرأينا كل نبي ذكر بصفة اختص بها :
زكريا عليه السلام وصف مثل نبينا محمد صلى الله عليه وسل بالعبودية " ذكر رحمة ربك عبده زكريا ".
وعيسى عليه السلام خص بهذه الصفة " قال إني عبد الله "
وإبراهيم وإدريس عليهما السلام خصا بالصدّيقيّة : " واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صدّيقاً نبيا " " واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صدّيقاً نبيا " .
وموسى عليه السلام خُص بالقرب والتكليم " وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً " .
وإسماعيل عليه السلام وُصِف بصدق الوعد والرضا " إنه كان صادق الوعد ..... وكان عند ربه مرضياً "
وداوود عليه السلام وُصف بأنه وُهب القوة وكثرة التوبة " واذكر عبدنا داوود ذا الإيد إنه أواب . كما كرر ذكر الأنبياء مرة بأنهم " أخيار " ومرة بـ " الذكر الحسن " ومرة بـ " الصبر " وكل ذلك تكريم وتشريف لهم ودعوة إلى الاقتداء بهم . فهؤلاء قلوبهم متصلة بربهم ، وحياتهم وقفوها على رضاه " إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجّداً وبكيّا". .. فالله تعالى شرفهم ،وهم شكروه بسجودهم مقرين بفضله عليهم ومنته سبحانه.

2- الترهيب والترغيب: أسلوب تربوي مؤثر. ففي الإنسان بذرة خير . إن تعهدها بالعناية والرعاية زكت ونمت فنال صاحبها الأمن والأمان والسعادة والهناء . وفيه بذرة شر ، إن أهملها ولم يلق لها بالاً زاحمت بذرة الخير ودافعتها ، فإذا ساعدتها نوازع فاسدة كامنة في حنايا الإنسان اشتدت واستفحلت ، وبدا خطرها على صاحبها ومن حوله ، فدبت الفوضى وضربت أطنابها في المجتمع ..... ومن طبع الإنسان أن يفعل الخير . لأن الله فطره على الهدى والصلاح ، ودله على طريقه .... ومن طبعه أيضاً أن يقع في الخطأ والتفلت والتهاون لأن الله تعالى خلقه من عجل . وخلقه ضعيفاً يصيب الذنوب والآثام ... لذلك كانت الجنة للتائبين العائدين إلى ربهم ، والنار للعاصين المتنكبين سبيل الهدى والرشاد .
ونرى القرآن العظيم يستعمل أسلوب الترغيب وأسلوب الترهيب بمقدار ما يقوّم سلوك الإنسان ليمضي على ما يرضي الله تعالى .
وليس في القرآن – على الغالب الأعم- آية ترغيب إلا تبعتها آية ترهيب . ولا آية ترهيب إلا تبعتها آية ترغيب فهما – الترغيب والترهيب - متلازمان .. والحكمة في ذلك : أولاًالتذكير بالثواب والعقاب ليظل الإنسان حريصاً على نيل المثوبة واتقاء العقوبة . وثانياً أن من لا يؤثر فيه الترغيب وثوابه يؤثر فيه الترهيب وعقابه .
ومثال هذين الأسلوبين في هذه السورة الكريمة قوله تعالى " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّاً " فبدأ بالترهيب مبينا السبب ( إضاعة الصلاة واتباع الشهوات ) ثم النتيجة ( فسوف يلقون غياً ) فاختزل التهديد في هذه الآية التي فجأت السامع فارتجف لها قلبه، وتزلزل لها كيانه فأصبح مهيأ لأن يميل نحو الثواب الذي جاء بعد صيغة الاستثناء في الآيات 59- 64 فأراحت القلب وهدّأت الأعصاب بعد تلك الفجأة المخيفة ... فمن تاب وآمن وعمل صالحاً نال حقه كاملاً ودخل الجنة التي وعده الله بها في الحياة الدنيا وفي هذه الجنة الطمأنينة والسلام والرزق الهنيئ ا لرغيد الدائم الذي لا ينقطع ، يناله العبد التقي الصالح . جعلنا الله أتقياء صالحين

3- الحجة المنطقية : ينكر الكافر أن يبعث بعد الموت مرة أخرى :" ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أبعث حيّاً؟! " .. إنه سؤال استنكاري لا يريد صاحبه جواباً لاقتناعه أنْ لا بعث ولا نشور بعد الموت . فيأتي التحدي المنطقي : الذي يدمغ بالحجة البينة والمنطق الساطع : إن الله خلقك ابتداء من لا شيء أفلا يستطيع إعادتك من شيء؟!! فإذا كان المولى سبحانه قد أوجدنا من العدم ولم نك شيئا ؟ أفلا يستطيع سبحانه أن يعيدنا إلى الحياة من وجود؟.. .. بلى إنه قادر على كل شيء بقوله : كن فيكون . والتحدي يجْبَهُ المنكِر، فيخرسه ويوقفه عند حده ، ويكسر حدته ويجرده من قوته الكاذبة . أو قلْ يعريه مما يدّعيه ، ويظهر ضعفه ، ويعيده إلى حجمه الحقيقي . ثم انظر معي إلى مقولة الكافر الجاهل الذي ليس له من الأمر شيء يدعي أنه سيُؤتى من الأولاد والبنين والأموال ما يشاء ، وكأن له قدرة على ذلك، فيهرف بما لا يعرف " أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال : لأوتين مالاً وولداً " فهنا يسأله العليم القدير مَن بيده مقاليد الأمور : " أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهداً " فلا هو اطلع على الغيب فعرف ، ولا هو أخذ من الله سبحانه الوعد والعهد على ذلك . فكيف يدعي من لا يقدر أنه يقدر ومن لا يعلم أنه يعلم؟! حجة منطقية تعلمنا أن على الإنسان أن يلزم حده ، فيقف عنده .

4- التهويل : اسلوب تربوي مخيف ، يزلزل النفوس ، ويحرق الأعصاب ، ويخضد شوكة الخصم، ويزرع الرعب في أوصاله ، فيستسلم صاغراً ذليلاً ، منكسر الفؤاد مستسلما ,وهو أسلوب إذا تمكن منه من يستعمله كما استعمله القرأن فقد كسب الجولة بكل تأكيد . ومثاله قوله تعالى : " وقالوا اتخذ الرحمن ولداً ، لقد جئتم شيئاً إدّاً ( عظيماً ) تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض و وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولداً وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً، " فالله واحد أحد ، فرد صمد ، ليس له زوجة ، ولا شريك ، ولا ولد .
وكثيراً ما يدخل في التهويل :
5- التصوير الحسي المتسلسل :
" فوربك لنحشرنهم والشياطين "
" ثم لنحضرنهم حول جهنم جثياً "
" ثم لننزِعَنّ من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيّا "
" ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليّاً "
" وإن منكم إلا واردها ، كان على ربك حتماً مقضيّاً "
" ثم ننجي الذي اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيّاً "
فتصور معي كيف يُحشَر العتاولة والمجرمون مع الشياطين أذلاء صاغرين ، ومقيدين يسحبهم الزبانية إلى جهنم ، ثم هم يجثون على ركبهم ، لا يملكون من أمرهم شيئاً ، ولا ينتظرون عوناً من أحد . وقد أيقنوا بالهلاك فنكسوا رؤوسهم خوفاً ورعباً . ثم ترى العتاة المتجبرين المتكبرين ُينزعون من بينهم ويُلقَون في جهنم دون حساب ، فليس لهم عند الله تعالى قيمة ، وكان تجبرُهم في الدنيا وبالاً عليهم في الآخرة . فهم أهلها الذين يخلدون في النار أبد الآبدين .
وهناك حقيقة لا بد منها .. فالجميع - صالحين وطالحين - يردون جهنم والعياذ بالله " وإن منكم إلا واردها " . قال أهل العربية : ليس من شرط ورودها الدخول فيها . إن أهل الجنة يجوزونها على الصراط دون أن يشعروا بها بإذن الله وفضله . .. اللهم اجعلنا منهم بفضلك وكرمك ورحمتك ...أما أهلها فيسقطون فيها ، نعوذ بالله منها ومن مصير أهلها ... لقوله تعالى " ثم ننجي الذين اتقوا ، ونذر الظالمين فيها جثيّاً " .. والسورة مليئة بالصور المتحركة التي تخلع القلوب وتزلزل الأوصال

6--.الجمل الموسيقية : انقسمت الفاصلة القرآنية في هذه السورة إلى قسمين :
من أول السورة إلى الآية 74 نجد - غالباً - الياء المشددة بعدها ألف ممدودة تمد الأنفاس راحة وتمنح الصدر والروح هدوءاً في الحديث عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم . فهناك مناجاة ودعاء ورحمَات ( خفياً ولياً رضياً سمياً سوياً عشياً نبياً علياً ...) موسيقا تفتح القلوب وتنشط الأعصاب وتنشر الأنس ونسمات الاسترواح .. ثم هي نفسها تنقلب إلى إصرار وعزم وتهديد حين تتحدث عن مصير المجرمين في جهنم ( جثياً عتياً صلياً مقضياً ) ، فتجد التهديد والوعيد القويين .
ومن الآية 75 إلى آخر السور نجد - غالباً - حرف الدال المشدد الذي يناسب التهديد والوعيد والعقاب أو السكون قبل حرف الدال..( مدّاً مردّاً إدّاً هدّاً ودّاً لدّاً ضدّاً.. عهداً عبداً فرداً )
ونجد الزاي المشددة الدالة على الغضب الشديد ( أزّا عزّا ) .. هذه الفواصل أسلوب تربوي لما فيها من إيحاءات معبرة عن العاطفة الهادئة حينا والمائجة حينا آخر ، العاطفة مرة والعاصفة مرة ثانية . تؤثر في القارئ والسامع على حد سواء . فتراه يلين مع الأنبياء في الحديث عنهم ، وينشط لحديث الجنة ، ويرتجف لذكر النار وأهلها . ويجتهد ليكون ممن يحشر في وفد الرحمن ويهفو لذلك . ويخاف أن يساق مع العصاة العتاة فينأى عنهم . ويرضى لرضاء الله . ويغضب لغضبه سبحانه .

7- مخاطبة الناس بما يناسبهم : لو دعاك أحدهم بلغة جميلة وصوت عذب ، لكنك لا تعرف هذه اللغة فهل تستجيب ؟ طبعا لن تكون هناك استجابة لانك لم تفهم ما يقول ، ولم تتفاعل معه : " ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين " ... أما إذا خاطبك بلغتك ، بل بلهجتك التي اعتدت عليها ، بل بدقائق هذه اللهجة ومفرداتها فسوف تُشد إليه ، وتنزع إلى ما يقول بلهفة .. وهكذا نزل القرآن " فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ، وتنذر به قوما لدّاً " . فتُـفهم هؤلاء وتقيم الحجة على هؤلاء . وعلى هذا أمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الصحابي الشاب زيد بن ثابت أن يتعلم لغة يهود ، وقال : " من تعلم لغة قوم أمن مكرهم " ولن يدخل أحد قلوب الآخرين إذا لم يملك مقاليد اللسان الذي يترجم أحاسيسه وأفكاره .

يتبـــــــع


التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 05-20-2012 الساعة 05:23 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2012, 10:31 PM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة طه

د: عثمان قدري مكانسي



تأملات تربوية في سورة طه (1)

في هذه السورة الكريمة معان تربوية عديدة ورائعة . ولن نستطيع الإحاطة بها . ومن ذا يدّعي ذلك في القرآن – كلام الله سبحانه- الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بروائع الوصف والمعاني فقال : ... وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسن ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ... وحسبنا أن نقتطف منه ثماراً يانعة ووروداً ناضرة .
1- التحبب وإنزال الناس منازلهم : فكلمة " طه " لها معان كثيرة عددها المفسرون ، لكنني سأقف على معنيين اثنين يوضحان المقصود . فقد ذكر القرطبي في تفسيره الكبير " الجامع لأحكام القرآن " أن بعض العرب مثل – عك وطيّء- درجت على مناداة من تحب بكلمة طه ، ذكره عبد الله بن عمرو وقطرب . ودرجت بعض القبائل مثل – عكل – على مناداة الرجل العظيم المحترم بالكلمة نفسها طه ، ذكره الحسن البصري وعكرمة . وكأن الله سبحانه وتعالى –على فهمنا لهذين المعنيين – ينادي رسوله الكريم محمداً عليه الصلاة والسلام يا حبيبي ، فهو حبيبه المصطفى وأيها الرجل الكريم ، فهو الرجل الذي كان النور الهادي إلى الله – وما يزال إلى يوم القيامة – ولو عدنا إلى الآيات التي تذكر كلمة رجل ومثناها وجمعها لرأيناها مدحاً كلها ما خلا سورة الجن في قوله تعالى " وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً " والقرآن على هذا يعلمنا أن يكون خطابنا للآخرين لطيفاً محبباً ، وأن نحفظ لهم مكانتهم ونكرمهم ، فاحترام الناس وإنزالهم منازلهم يعود على الداعية بالحب والود ، ويفسح له في قلوب الناس القبول والطاعة ، وما كان الجفاء في يوم من الأيام سبيلاً إلى الدعوة " فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ..."
2- الإطناب : البلاغة كما يقول أهلها " مراعاة مقتضى الحال " فالإيجاز في الحديث حين يفيد الإيجاز . والإسهاب فيه حين يقتضي الأمر ذلك . وسورة طه مكية ، تهتم كأخواتها من السور المكية بتوضيح عقيدة التوحيد وتثبيتها في قلوب الناس ، فلا بد من الإسهاب الدقيق المركز . ومثاله في هذه السورة الكريمة الآيات الخمس ، من الآية الرابعة إلى الآية الثامنة
فالقرآن الكريم أنزله من أبدع الأرض والسماوات العلا .. من هو وما صفاته؟ إنه الرحمن الذي استوى على العرش فدانت له الخلائق كلها !!... وهو – سبحانه – الذي ملك كل شيء .. ملَك السماوات وملك الأرض وملك مابينهما وملك ما تحت الثرى ، فهل بقي شيء لم يسيطر عليه – سبحانه- ؟ كل ما علا وما سفل وما كان بينهما في قبضته فهل هناك مفرمنه إلا إليه ؟
أفر إليك منك ، وأين إلا *** إليك يفر منك المستجير
ثم إنه سبحانه مطلع على الظواهر والسرائر وعلى ما هو أخفى من السرائر . أتدرون ما أخفى من السرائر؟! ... إنها الخواطر التي تلمع في أذهاننا والأفكار التي تسطع في عقولنا ثم تمضي سريعاً في عالم النسيان ... نعم ننساها ولا نتذكرها ، لكنها في علم الله سبحانه وتعالى لا تغيب.... وكيف يغيب شيء - مهما قل وخفي - عن العليم الخبير !!
فإذا خالط الإيمان بشاشة قلوبنا ، وامتزج بأرواحنا وأنفاسنا نادينا مقرين بـ " الله لا إله إلا هو " وسألناه الخير مترنمين بأسمائه الحسنى وصفاته العليا..... وتعال نقرأ هذه الآيات الكريمة ليكتمل المشهد الحسي الروحي العجيب
" تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلا
الرحمن على العرش استوى
له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى
وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى
الله لا إله إلا هو ، له الأسماء الحسنى "
3- حسن الربط بين المعاني : إ ن سرد الأفكار او الأحداث مسلسلة مرتبة يقيد المتلقّي بأمور عدة منها :
استيعاب الأفكار والأحداث دون انقطاع .
حسن المتابعة لما يُلقى عليه وحُسن التعامل معها .
قدرة المتلقي على الحكم السليم على ما يسمع .
الاستجابة لعدد أكبر من المعلومات والأفكار .
فبعد أن عشنا في جو الآيات السابقة جاءت قصة موسى عليه السلام توضح لقاءه بربه الكريم بإسلوب شائق غير منقطع يوضح العلاقة بين الخالق الرحيم والمخلوق الباحث عن الحق ، بين المعبود والعابد ، والرب الآمرالسيد والعبد المأمور المطيع. ... فكيف يصطفيه الله تعالى ويكلمه دون أن يكون بينهما آخرون ؟ لقد رأى ناراً هم بحاجة إليها عله يأتي منها بقبس أو يجد حولها من يدله على الطريق إلى مصر ، فقد أخطأه في هذا الظلام الشديد . فوجد درب الهداية وسبيل السلام وفتح له باب السعادة على مصراعيه ، فولج منه إلى الكرامة في الدنيا والآخرة ... ذهب إلى النور مقتبساً فعاد نوراً بذاته ، يهتدي بهديه المهتدون ، فقد رأى النور وكلمه . " عرفه بذاته القدسية " إني أنا ربك "
" أني أنا الله لا إله إلا أنا " وعلمه التأدب مع العظيم " فاخلع نعليك " وكأنه يقول له اترك الدنيا وزحرفتها الفانية فأنت مؤهل لأمر جلل " وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى " ولا بد من الاستعداد لهذا التكليف الشاق والاستعانة بالعبادة والتزكية لتكون الصلة بالله قوية تعين على حمل الأمانة " فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " .وكرر موسى هذا حين طلب الاستعانة بأخيه فقال : " كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً " .
4- التسلح بالبراهين والأدلّة : لا بد حين تكلف إنساناً بمهمة أن تجهزه بما يناسب من مستندات ووثائق – إن كان الأمر يتطلب ذلك – وتوضحها له بمعلومات تساعده على إنجازها بشكل صحيح خال من الأخطاء أو بقليل منها ما كان إلى ذلك من سبيل . .. وهذا ما قدمه الله تعالى لأنبيائه في دعوتهم .
فقد كان لصالح الناقة وفصيلها ، ولسليمان الريح تجري بأمره حيث يشاء ، ولداود تليين الحديد ، ولإبراهيم جعل النار المحرقة حديقة غناء ، ولعيسى إحياء الموتى وإخبار الناس بما يدّخرون في بيوتهم ... وأيد الله تعالى موسى " في تسع آيات إلى فرعون وقومه " ذكر منها في سورة طه اثنتين : أولاهما انقلاب العصا حية تسعى ، وثانيهما وضع اليد في جيب الثوب وإخراجها بيضاء تلمع كالشمس في بريقها . وكان لكل نبي من المعجزات الباهرات ما يبهر المدعويين ويعجزهم .
5- التجريب : أسلوب تربوي عملي ، يفيد في أمور عدة نذكر اثنين منها :
الأول : أن تثبت الفكرة في النفس كقصة إبراهيم عليه السلام إذ أراد أن يزداد بصيرة في قلبه وعقله فسأل الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى . مع العلم أنه شديد الإيمان بربه وقدرته سبحانه ، فأجابه إلى ذلك في سورة البقرة الآية 260ولم يشك إبراهيم في قدرة الله ، ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء ، ويدل عليه وروده بصيغة " كيف " وموضوعها السؤال عن الحال . ويؤيد هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " نحن أحق بالشك من إبراهيم " ومعناه : نحن لم نشك ، فلأن لا يشك إبراهيم أولى . والثاني : تعويد المرء على شيء يخافه ليطمئن قلبه ، فيستعد لما قد يستجد، ومثاله ما ورد في هذه السورة حين سأله الله تعالى عما في يده ليجعلها إحدى معجزاته " وما تلك بيمينك يا موسى " فأجابه بما يدل على استعمالاتها الكثيرة . فأمره أن يلقيها ، " فألقاها فإذا هي حية تسعى " وقد جاء في سورة النمل أنه هرب خوفاً منها " فما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقّب " . وتصور معي أنه لم يجربها بين يدي الله تعالى فكيف يكون موقفه وهو داعية يلقيها لأول مرة أمام فرعون وملئه فيكون أول الهاربين مع أنهم- وإن خافوا - تماسكوا فلم يهربوا .... لن يكون الموقف لصالحه . ومع هذا فقد كان الموقف أمام السحرة رهيباً " فاوجس في نفسه خيفة موسى " فهدأه الله تعالى " قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ، إنما صنعوا كيد ساحر ، ولا يفلح الساحر حيث أتى" .
6- الاستعانة بالصالحين : لقد هيأ الله تعالى لنبيه الكريم محمد عليه الصلاة والسلام رجالاً يعتمد عليهم في نشر الدعوة يكونون عوناً له وأزراً . وانظر معي وصفهم في آخر سورة الفتح " محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجّدا ، يبتغون فضلا من الله ورضواناً ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود . ذلك مثلهم في التوراة . ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ، فاستغلظ ، فاستوى على سوقه ليغيظ بهم الكفار . وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً " وهيأ الله تعالى لنبيه الكريم عيسى عليه السلام حواريين يؤازرونه في الدعوة ، ويعينونه في نشرها : " كما قال عيسى بن مريم للحواريين : من أنصاري إلى الله ؟ . قال الحواريون : نحن أنصار الله ، فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ، فأيدنا الذين آمونا على عدوهم ، فأصبحوا ظاهرين " . وهذا موسى عليه السلام حين كلفه ربه أن يذهب إلى فرعون ناصحاً وداعياً سأل ربه أن يعينه بأخيه هارون " واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري ، وأشركه في أمري " . فأعانه به لأنه سبحانه يريد للدعوة أن تؤتي أكلها ، فلا بد من تيسير سبلها والإعداد لها " قال : قد أوتيت سؤلك يا موسى " .
7- ذكر الأفضال : ليشعر من تفضلت عليه أنك هيأت له الأسباب واعتنيت به وقدمت له الخدمات ليكون عند حسن ظنك فيما يفيده ويفيد أسرته ومجتمعه ، كأن يخاطب الأب ولده فيذكره بتربيته له وإيثاره عليه واعتنائه به وتدريسه ووو... ليكون ولداً باراً بوالديه محسناً لإخوته وأخواته وكفعل المحسنين دون منّة ولا تفاخر وتفضل وإلا نفرالمدعوّ ولم يدنُ مرة أخرى . فإجابة الله تعالى دعوة موسى في إرسال أخيه منّة ما بعدها منّة ، وهنا مننٌ كثيرة ذكرها الله تعالى لموسى ليدلل اعتناءه به وتزكيته له وتهيئته ليكون الرسول الداعية إلى الله : " ولقد مننّا عليك مرة أخرى " فحفظه أن يقتله فرعون . بل إنه ربّيَ في قصره وعلى عينه ، وأعاده إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن فلم يقبل إلا حليبها ، وتبعته أخته لتعود به إلى أمه ، وحفظه أن يقتص منه فرعون لقتله القبطي ، فهاجر إلى الشام ليعيش في بيت أحد الصالحين ويتزوج ابنته ويعمل عنده ليخف عنه الطلب ، ويقتبس الخير من الرجل الصالح ، ويعيش من كد يمينه وعرق جبينه لا أن يظل عالة على فرعون يعيش حياة هينة لينة ، ، فحياة الدعة لا تربي الدعاة ، ولن يرفع أحد رأسه ويصدع بكلمة الحق أمام ولي نعمته والمتفضل عليه . ومن أفضل المنّة أنه رباه على عينه واصطنعه لنفسه سبحانه .
8- احترام الكبير : من الآداب التي حض عليه الإسلام توقير الكبير. وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك فقال : " أن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم " . وقال : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف قدر كبيرنا " وقال كذلك صلى الله عليه وسلم : أُراني في المنام أتسوك بسواك ، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر . فناولت السواك الأصغر . فقيل لي : كبر . فدفعته إلى الأكبر منهما ". .. والأحاديث في هذا الباب وافرة . أما في القرآن الكريم فالآيات كثيرة في هذا الباب ، منها :أن يعقوب عليه السلام حين حضرته الوفاة سأل بنيه : " ما تعبدون من بعدي ؟ " فبماذا أجابوا ؟ " قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحداً ونحن له مسلمون "سورة البقرة ، الآية 133 .أبوهم يعقوب وجدهم إسحاق وأبو جدهم إبراهيم . أما إسماعيل فعم أبيهم . ولأدبهم الذي درجوا عليه قدموا إسماعيل على جدهم لأنه أكبر منه واحتسبوه من جملة الآباء . والعم بمقام الأب . واقرأ معي هذا الترتيب الأدبي التربوي الرائع " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتي موسى وعيسى ..." .
وقد أمر الله تعالى موسى وهارون بتبليغ فرعون : لكن خطاب الرب كان لموسى مباشرة ولهارون عن طريق موسى " اذهب أنت وأخوك بآياتي ، ولا تنيا في ذكري " فكان الأمر للاثنين ولكن عن طريق موسى
كما أننا نتعلم الأدب حتى ممن ليسوا مسلمين إن نطقوا بالصواب ، فحين ذهبا إلى فرعون بأمر ربهما يدعوانه، فتكلما كما ورد في القرآن وأحسنا ، وجه فرعون لهما السؤال ولكنه طلب الجواب من موسى " قال : فمن ربكما يا موسى " . فكان موسى هو الذي يحاوره .

يتبـــــــع


التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 05-20-2012 الساعة 05:24 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2012, 10:32 PM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة طه

د: عثمان قدري مكانسي



تأملات في سورة طه (2)

1- الاستعداد والإعداد للمهمة : الإنسان ضعيف بنفسه مهما كان قوياً ، قوي بإخوانه .كما أن عليه أن يجهز نفسه بما يستطيع للقيام بمهمته أفضل القيام . وهذا مانراه في طلب موسى عليه السلام :
- اللجوء إلى الله تعالى والاعتماد عليه . فقد سأله أن يشرح صدره . .. إن المؤمن بقضيته إيماناً عميقاً يبذل في سبيلها كل شيء ، ماله ووقته وصحته . وعلى هذا كان أول ما طلبه موسى " قال : رب اشرح لي صدري . " وهذا مابدأ به الله تعالى مع نبيه الكريم محمد " ألم نشرح لك صدرك " .
- ثم سأله موسى عليه السلام أن يسهل له عمل الدعوة ليحيا فيه الأمل والقدرة على الاستمرار " ويسر لي أمري " . وهذا نجده أيضاً في نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام " ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك " . وما وضع الوزر إلا تسهيل للعمل الدعوي حين يرى الداعية نفسه خالياً من الآثام بعيداً عن السيئات ، مقبلاً على فعل الخير .
- كما أن الفصاحة والقدرة على التعبير عن الأفكار تقلب الباطل حقاً في نظر كثير من الناس ، فما بالك حين تكون هذه الفصاحة وتلك البلاغة أداة في تجلية الحق والدعوة إليه ؟ ألم يقل النبي الكريم " إن من البيان لسحراً " ؟ ولهذا سأل موسى عليه السلام ربه سلاح البيان فقال : " واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي " . وقد كان نبينا الكريم محمد أفصح الناس وأكثرهم بلاغة . روى الطبراني عن أبي سعيد الخدري قوله صلى الله عليه وسلم " أنا أعرب العرب ، ولدت في بني سعد ، فأنّى يأتيني اللحن ؟! " .
- الاستعانة بأولي العزم وأصحاب الهمم من المؤمنين وخاصة إن كانوا من الأقارب والأهل أو الأصدقاء والمعارف ، فهم : أعلم بصدق الداعية ، وأشد رغبة في مؤازرته والذود عنه وعن دعوته ، وهم عون له على الدعوة وأمان من الضعف وحرز من الشيطان . " واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي ". وقد مدح القرآن الكريم أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم " محمد رسول الله .... والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم
تراهم ركعاً سجّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً
سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة .
ومثلهم في الإنجيل : كزرع أخرج شطأه ، فآزره ، فاستغلظ ،
فاستوى على سوقه ، يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار . "
- والجليس الصالح عون لأخيه على ذكر الله ، يذكره إذا نسي ، ويقويه إذا ضعف " كي نسبحك كثيراً ، ونذكرك كثيراً " . وكذلك صحابة رسول الله كما ورد في الآية قبل قليل .

2 - خطوات مدروسة : قبل الذهاب إلى فرعون لدعوته وإقامة الحجة عليه أوصاهما الله تعالى بأمور عدة تكون عوناً لهما في مهمتهما ، منها :
- الشجاعة وعدم الخوف : وهذه أولى الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الداعية ، وإلا لم يستطع تبليغ الدعوة . فحين " قالا : ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى " شجعهما وأوحى إليهما بصريح العبارة أنهما لن يكونا وحدهما " قال لا تخافا ، إنني معكما أسمع وأرى "ومن كان الله معه يسمع ويرى فأنى يخاف ؟. وكانا ثابتي الجنان حين أعلنا بوضوح لا خوف فيه ولا لبس أن الرسالة " من ربك " وهو الذي يدعي الربوبية ويمارس بسيفها كل مفاسده ، فهما ينزعانها عنه دون خوف ولا وجل . بل يعلنان أنهما على هدى ، وهو وأتباعه على باطل . وأن الخير كل الخير في اتباعهما " والسلام على من اتبع الهدى " .

- التلطف في الدعوة من أقوى الأساليب لإنجاحها ، وفيه فوائد عديدة منها :
أ‌- امتصاص الغضب والتخفيف من الرغبة في الانتقام .
ب‌- دفع المدعو إلى الاستماع والتفكير بما يطرح عليه .
ت‌- قطع الطريق على المناوئين الذين يصطادون في الماء العكر .
ث‌- محاولة اكتساب بعض ذوي الأحلام من الحاضرين إلى الدعوة .
ج‌- شق صف المناوئين
وهكذا كان أسلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمصلحين من أصحابه والدعاة إلى يومنا هذا . فالله مدح نبيه بالرحمة واللطف واللين " فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولوكنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك " . دخل رجل على المأمون يعظه ، فأغلظ له القول . فقال المأمون معاتباً : لقدأمر الله موسى وهو خير منك أن يذهب إلى فرعون وهو شر مني يدعوه " فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى " . فانقلب الواعظ موعوظاً والموعوظ واعظاً .

- العمل الجماعي أفضل من العمل الفردي " إذهب أنت وأخوك .. " " واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي ، اشدد به أزري و أشركه في أمري " .
- التسلح بالبراهين والأدلة ، فهي تنفي الشك وتزيل اللبس وتقوي الموقف وتدعم الفكرة " اذهب أنت وأخوك بآياتي ... " . على كل من يريد أن ينجح في مسعاه أن يتجهز بالوثائق والبراهين ، وأن يدعم من ينوب عنه بها .. إن القرائن آيات صدق وعامل إثبات ودليل قوة : " قد جئناك بآية من ربك " .
- الاتصال الدائم بالمرسل لتقديم التقرير بما يستجد من أمور ومواقف ، ولتجديد المعلومات وتلقي التأييد : " ولا تنيا في ذكري " . وحين أبدى النبيان خوفهما من بطش فرعون نبههما الله تعالى إلى أنهما في معيته " قال : لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى "
- معرفة الهدف والتوجه إليه ، وصب الاهتمام عليه : " اذهبا إلى فرعون ...." فهو الرأس ، وهوالهدف الأول فإن دان فمن بعده أسهل منه . ويحضرني قول سعد بن زرارة أحد أوائل من أسلم من الأنصار وقد نزل عنده مصعب بن عمير سفير رسول الله حين قدم المدينة المنورة داعياً إلى الله وسمع به سعد بن معاذ سيد الأوس فجاء ومعه أسيد بن حضير يزجران مصعباً ليطرداه من يثرب .. يقول سعد بن زرارة : هذان سيدا قومهما ، وقد جاءاك فاصدق الله فيهما . فلما وقفا عليه هزسعد حربته وقال : ما جاء بك تسفه ضعفاءنا ؟! اعتزلنا إن كان لك بنفسك حاجة . فقال مصعب : أو تجلسان فتسمعان ، فإن رضيتما أمراً قبلتَماه ، وإن كرهتماه فكففنا عنكما ما تكرهان ؟ فقرأ عليهما آيات من القرآن فاستحسنا دين الإسلام ، وهداهما الله إليه، فكان لهما من الخير على قبيلتهما ما كان إذ أسلم منها خلق كثير .
- معرفة سبب الذهاب إلى المدعو . إنه ادعى الألوهية وقال : " أنا ربكم الأعلى " فكان لا بد من التنبيه إلى أنه تعدّى حدوده ، وادّعى ما ليس له : " اذهبا إلى فرعون إنه طغى " والطغيان مجافاة الحقيقة وقلب الحقائق .
- المواجهة الواعية الحكيمة : إن الدعوة عمل ينبغي دراسة خطواته بإتقان وتخطيط ، وينطبق عليه ما ينطبق على أي عمل يراد له النجاح . وقد أوصى الله سبحانه موسى وهارون أن يقفا وجها لوجه أمام المدعو فرعون " فأتياه فقولا إنا رسولا ربك " وسواء أكان المدعو إنساناً عاديّاً أم كان طاغية حوله الأعوان والحاشية التي تؤزه إلى الشر أزّاً وتزين له فساده وتطاوله على الحق فلا بد من أن يُصدع أمامه بالحق : فاتياه . والمواجهة ليست سلبية إنما هي إيجابية تتجلى في قول الحق والجأر به والدعوة إليه . ولكن بأسلوب حكيم : فقولا له قولاً لينا "
- وضوح الرسالة ، فقد أرسلهما الله تعالى لإنقاذ بني إسرائيل من الذل والاستعباد الذي يعيشونه تحت تسلط الأقباط في مصر وجبروت ملكهم فرعون . فكان قولهما واضحاً " فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم " لقد يئس اليهود من العدل الفرعوني ، فلا بد أن يخرجوا من مصر عائدين إلى فلسطين دون أن يمنعهم من الرحيل . فقد كان الاقباط يستخدمونهم كما يستخدم العبيد ، ويكلفونهم بمهام دونية لا يرضى الأقباط القيام بها .
3- الحوار الهادف : لم يعترف فرعون أن الله تعالى ربه . وقد نبهه النبيان الكريمان إلى ذلك حين قالا " قد جئناك بأية من ربك " فحين سأل فرعون موسى السؤال الأول المتوقع ممن يعاند وينكر ويكابر : " .. فمن ربكما ياموسى " كان الجواب مفحماً " .. ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ..... ثم هدى " . وكأنه يقول له : الخالق الحقيقي الذي يخلق ويبدع فيما يفعل ، فترى كل ما يفعله رائعاً مكتملاً . ومن ثم ييسر لكل مخلوق حياته ... فأين دليل ربوبيتك أنت ؟! وهنا يبتلع فرعون الإهانة في هذا السؤال الذي عرّاه فانتقل إلى سؤال آخر يظن أن يداري فيه جهالته ، فوقع فيما أراد تجنبه فسأل موسى عن أسلافه الذين ماتوا ... وهذا سؤال لا يطرحه "إله" ! لأنه يعرف جوابه . لكن فرعون – لجهله – يظن أن من مات فات . ولا يعتقد أنهم سيبعثون في اليوم الآخر ،فكان في سؤاله خائباً . وكان جواب موسى عبه السلام شافياً مستفيضاً
4- التفصيل " أهناك فائدة من الحديث إن كان مبهماً ؟ أو ملخصاً لا يفي بالغرض ؟ إن السائل سيحتاج مرة أخرى إلى إجابة وإجابة حتى يصل إلى الجواب المريح ... وهذا ما كان من جواب موسى عليه السلام حين سأله فرعون عن القرون الأولى :
- فقد بيّن أن ما مضى هو من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى " علمها عند ربي " وهل يضيع على الله تعالى شيء مهما صغر ؟ إنه " في كتاب " فالأمور تختلط على الإنسان الضعيف ، أما الله تعالى فهو الكامل كمالاً مطلقاً " لا يضل ربي ولا ينسى " .
ومن علامات عظمة الله تعالى أنه حين خلقنا جعل الأرض صالحة لحياتنا
" الذي جعل لكم الأرض مهدا ...
وسلك لكم فيها سبلاً .....
وأنزل من السماء ماءً ...
فأخرجنا به ازواجاً من نبات شتى ... "
ما الفائدة من هذا كله ؟ تيسير الحياة للناس ولحيواناتهم ..أرض منبسطة...وماء... وزروع ...
" كلوا وارعوا أنعامكم ... " فمن أعمل فكره وفتح قلبه عرف أن هذا الترتيب والنظام الكوني لم يكن عبثاً .. ولن يكون ... فمن الأرض خلقنا وإليها نعود وقد عاد فيها أسلافنا .. ثم يشاء الله سبحانه أن يخرجنا منها تارة أخرى للحساب والعقاب أو الثواب .
" إن في ذلك لآيات لأولي النهى ...
منها خلقناكم ، وفيها نعيدكم ....
ومنها نخرجكم تارة اخرى .... " .

يتبـــــــع


التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 05-20-2012 الساعة 05:24 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2012, 10:34 PM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة طه


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة طه

د: عثمان قدري مكانسي



تأملات تربوية في سورة طه (3)

1- التوبيخ والتقريع : هو التعنيف أيضاً ، وهو التعيير مع التهديد . وهذا الأسلوب دواء لمن أخطأ فاصر على الخطأ . يستوي فيه من أخطأ وهو يعرف أنه يخطئ وأصر على خطئه ، ومن أصر على فعلته وهو يظن الصواب فيما يفعل . وإن كان الأول أشد زلة . .... فالتوبيخ والتقريع نتيجة لتكرار الخطأ دون الرغبة في تركه إلى الصحيح من القول والفعل .
وقد يكون هذا الأسلوب :
أ‌- للمصرين على موقفهم فكرة وعملاً ، وأنت تعلم أنهم لا يرعوون ، لإقامة الحجة عليهم ، كي لا يتنصلوا فيما بعد من مواقفهم هذه .
ب‌- لتتخذ العقوبة المناسبة في حقهم معتمداً على القاعدة التي تقول : ( قد أعذر من أنذر ) ، فيكون موقفهم في تذرعهم ضعيفاً .
ج- لتنبه الآخرين ان لا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من الأخطاء والتصرفات الذميمة .
وموسى عليه السلام حذرهم من الافتراء الذي يجر عليهم العذاب " ويلكم لا تفتروا على الله كذباً ، فيسحتكم بعذاب " فمصير الافتراء الخيبة والخسران " وقد خاب من افترى " ونحن نرى أن هذا يصب في خانة التهديد والوعيد بشكل واضح . ونجد التوبيخ العنيف من موسى لهارون وهو في سورة غضبه قبل أن يعرف الحقيقة فيعود ليستغفر لنفسه ولأخيه " ... ياهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألاّ تتبعنِ ؟ أفعصيت أمري ؟ " قاله وهو آخذ بلحيته وبرأسه يعنفه .
ولعل من التهديد الشديد اللهجة قوله تعالى لمن يُعرض عن القرآن ويتناساه " من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً " وليته يحمل وزره فقط ! بل ومن أوزار الذين يضلونهم معهم بغير علم.
2- التحدي والثبات : فالتحدي نوع شديد من المنازعة في أمر يظن كل من الطرفين أنه على صواب أو أنه قادر على المضي فيما أراد . فهذا فرعون وعد السحرة بالخير والقرب إن أثبتوا جدارة في نزالهم السحري ! لموسى .. فحين يرون الحق فيما يدعوهم إليه النبي الكريم ويقرون بألوهية الله وأن موسى على حق يهددهم فرعون " فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ، ولأصلبنكم في جذوع النخل ، ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى " تحداهم أن يصبروا على عذابه إياهم ، فقابلوه بالثبات والاستعلاء على حطام الدنيا وآثروا رضاء الله على رضاه " لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا ، فاقض ما أنت قاض " فرضا الله باق وأما فرعو ن ورضاه فزائلان . " إنما تقضي هذه الحياةَ الدنيا " . إن الإيمان حين يمس شغاف القلوب ويملأ حنايا الأفئدة يستعلي على الدنايا ويتشوف للباقي الخالد .
3- التريث : قديماً قالوا ( العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن ) . وما دام قوم موسى حديثي الإيمان فما ينبغي تركهم يتلاعب بهم الشيطان ويتقاذفهم . فحين اختار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقات الله تعالى تركهم مع أخيه هرون وتعجل يوماً قبلهم للقاء الله تعالى فارتد كثير منهم بفعلة " السامري " . فعاتبه ربه " وما أعجلك عن قومك يا موسى " كان موسى يظن فيهم الخير ، وهاهم يتبعونه " هم أولاء على أثري " وكان استعجاله إلى جبل الطور مدعاة للشيطان أن ينفرد بهم ويغويهم .... ولم يكن هرون من أولي العزم ، فلم يستطع الوقوف أمام عنادهم وارتدادهم حين أصروا " لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى " . فلا بد من متابعة الأتباع وخاصة الجدد منهم ومراقبتهم ، لتثبت فيهم الدعوة الجديدة، وإلا ضاعوا وذهبت الجهود سدى . وهذا ما رأيته بوضوح في الدعوة الأفقية التي تهتم بالكمية دون الكيفية . فيدخل الناس الدعوة ومعهم بعض معتقداتهم السابقة فيحدث الاختلاط في العقيدة والشوائب في التصرفات غير الواعية فيكون هؤلاء عبئاً ثقيلاً على الدعوة لا يقل سوءاً عن أعدائها .
4- الفتنة و الاختبار : هذا الأسلوب يبين قدرة الإنسان على :
أ – الصبر على الشدائد ، والقدرة على تحملها .
ب – فهمِ الدعوة والثبات على المبدأ .
ج – تمحيص أبناء الدعوة وبلورة موقفهم
د – ومن ثم التألق في الدعوة ورفع في الدرجات ، أو سقوط في الهمة وفشل في المهمة
وهنا نذكر النجاح في تصرف السحرة المؤمنين ، والسقوط في من تبع السامري وارتد على عقبه .
أما السحرة الذين عرفوا الحقيقة فالتزموها فإنهم قالوا لفرعون الذي هددهم بالقتل والصلب " فاقض ما أنت قاض ، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ... إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر " ثم نطقوا الجوهرة الحقيقية التي انغرست في جذور قلوبهم وصدورهم فاعتنقوها " والله خير وأبقى " . وسنقف على سبب هذا الموقف الرائع منهم في التأمل السادس لنرى الفهم العجيب للحياة الحقيقية .
وأما قوم موسى فقد سقطوا في الامتحان سريعاً حين انفرد بهم السامري وشيطانه فظنوا العجل ربهم وافتروا على موسى فزعموا أنه ذهب يبحث عن ربه وهو هنا بينهم يعبدونه " فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي " . وما كانت هذه الفتنة إلا لبيان ضعف إيمانهم الهش الذي لم يتعدّ اللسان فكان إضلال السامري لهم سريعاً " فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري " . فقد كان العجل يخور ولا يتكلم وحاشا أن يكون الإله هكذا ، ثم هو لا يتحرك ولا يملك لمن يعبده ضرا ولا نفعاً . فكيف يكون إلها ؟! .
5- المحاكمة العقلية : يدعونا القرآن دائماً إلى التفكير وإعمال الذهن للوصول إلى الحقيقة . والآيات في هذا الصدد كثيرة ... إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون.. لأولي الألباب ... لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ... لقوم يذّكرون ... لأولي الأبصار .. فهذا موسى عليه السلام ينكر عليهم سرعة وقوعهم في الضلال ولم يتركهم إلا يوماً واحداً "
ألم يعدكم ربكم وعداً حسنا ؟
أفطال عليكم العهد؟ ( هل غبت عنكم كثيراً فشككتم )
أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي؟!"
ويظهر القرآن التعجب من عدم تفكيرهم السليم وسقوطهم في عبادة ما صنعوه بأيديهم ...
" أفلا يرون ألآّ يرجع إليهم قولاً ،
ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ؟! " .
" إنما إلهكم الله الذي لا إله إلاّ هو ،
وسع كل شيء علماً . " .
ولو فكروا قليلاً في ماهية هذا الإله ما عبدوه فهو اصم أبكم ضعيف الحيلة لا يتحرك .
6- الموازنة : نحن – معاشر البشر – إذا خيرنا بين أمرين في الدنيا كلاهما جيد نقف متأملين نفاضل بينهما ، ونسأل أنفسنا وغيرنا أيهما أفضل ونكثر الاستشارة لنصل إلى الجواب الأمثل فنطلبه . أفليس ذلك أحرى في التفاضل بين الدنيا الفانية والآخرة الباقية ؟ ... مهما كانت الدنيا رغيدة والإنسان على كفر وضلال فالنهاية الخلود في نار جهنم أبد الآبدين .. ومهما عانى المؤمن من ضنك في الدنيا فجنةالآخرة خالدة ونعيمها لا ينفد .. ومهما طالت الحياة فهي إلى اللا نهاية صفر لا قيمة له . .. وتعال معي إلى هذه الموازنة ، وسمّها إن شئت " المقارنة " .
" أنه من يأتّ ربه مجرماً فإن له جهنم ، لا يموت فيها ولا يحيى
ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا
جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها .
وذلك جزاء من تزكّى " . فأي دار يختار اللبيب العاقل ؟ .
وانظر معي كذلك إلى هذه المقارنة بين الغضب والغفران :
" ولا تطغوا فيه ، فيحل عليكم غضبي
ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى .
وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى " . فايهما يختار
الذكي الأريب؟.
7- تهويل الموقف : ليس في عذاب الآخرة خروج عن الحقيقة إنما هو عذاب شديد أليم نسأل الله تعالى أن يرفعه عنا وأن يجيرنا منه ... والتهويل يزرع الخوف في فؤاد من يعي ويعقل ، فيجتهد ألا يقع في المحظور . وهو أسلوب تربوي فائدته أوقع في النفس من البشرى ... فالبشرى تؤثر تأثيراً عجيباً فقط في نفس من يحمل نفساً شفافة ولا يكاد يظهر فيمن لا يرعوي ... فالقلب القاسي الذي لا يردعه سوى الأخذ بالقوة .. وهنا جاءت فائدة التهويل . " يوم يُنفخ في الصور ... ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً ...
يتخافتون بينهم : إن لبثتم إلا عشراً .....
نحن أعلم بما يقولون . إذ يقول أمثلهم طريقة : إن لبثتم إلا يوماً "
أليس مخيفاً أن يشتدّ العذاب ، ويطول بالكفار حتى إذا سئلوا عن المدة التي لبثوها في الدنيا ضيّعوا فقال أكثرهم – لبعد عهدهم عن الدنيا ولسوء ما يلقون في الآخرة من العذاب – ما عشنا في الدنيا سوى يوم واحد ؟! نعوذ بالله من هذا المصير المرعب .
8- السؤال : ذكر في القرآن الكريم كلمة " يسالونك " أكثر من أربع عشرة مرة منها على سبيل المثال : " يسألونك عن الأنفال .... يسألونك عن المحيض .. ويسألونك عن الجبال .....يسألونك ماذا ينفقون .." فماذا نفهم من هذا السؤال ومن جوابه " قل .." ؟
أ - جاء السؤال بصيغة الجمع يسألونك ... فالمجتمع المسلم ينبغي أن يكثر فيه العلماء والمتعلمون وإلا كان مجتمعا جاهلا .
ب - وجاء بصيغة المضارع للدلالة عل استمرارية السؤال ، فالمسلم متعطش للمعرفة يرغب دائما فيها .
ج - وكاف المخاطب إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو العالم الذي يستقي الجميع منه دينهم .. وهذا تنبيه إلى وجوب سؤال العالم الذي ينصح ويدل على الخير ويشير إلى الصواب . أما الجاهل فيضل ويُضل .
د - يجب تحديد السؤال ليجيب عنه العالم لا عن غيره .. عن الأنفال .. عن المحيض .. عن الجبال .. وهكذا
ه - والكلمة " قل " دليل على وجوب إجابة السائل ، فمن كتم علماً لجمه الله بلجام من نار .
و - الإجابة بشكل واضح لا لبس فيه ولا اختصار يريح السائل فيفهم . ومن ثم لا يحتاج أن يسأل مرة أخرى .. ومثال ذلك ما نحن فيه في هذه السورة :
" ويسألونك عن الجبال : فقل : ينسفها ربي نسفاً
فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً . "
ثم تسهب في الجواب الذي يلازم نسف الجبال في اليوم الآخر
" يومئذ يتبعون الداعي ، لا عوج له
وخشعت الأصوات فلا تسمع إلا همساً ..... " والجواب مستفيض استغرق الآيات 106 -114 وهذا ما نجده في ما ذكرنا من مجيء الفعل " يسألونك " إلا في علم الساعة " يسألونك عن الساعة أيان مرساها " فلا تجد كلمة قل . لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم وقت حدوثها ، فلا ينبغي التقوّل على الله تعالى . أو يأمر الله تعالى نبيه أن يقول " علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو " .

يتبـــــــع


التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 05-20-2012 الساعة 05:25 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2012, 10:35 PM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة طه


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة طه

د: عثمان قدري مكانسي



تأملات تربوية في سورة طه(4)

وأول ما نتحدث عنه من تأملات في الحلقة الرابعة والأخيرة من سورة طه
1- التصوير : وقد يتساءل القارئ : ما علاقة التصوير في التربية ؟ فأقول :
هو من الأساليب الراقية في التربية . فالإنسان روح وفكر وقلب ... وهو كذلك عين وسمع ولمس وشم ... فهو معنوي ومادي بآن واحد . فإذا عجز أحياناً عن الوصول إلى الفكرة ذهناً وصل إليها مادةً وحسّاً ... والمهم أن يصل إلى المعلومة ، وتتركز في ذهنه ، ويتفاعل معها .
وهذا الأسلوب الرفيع يتخذه الأدباء للسموّ ببيانهم ، ويحتاج إليه العاميّ البسيط كما يحتاج إليه المثقف العالم لأغراض عدّة . منها :
- توضيح الفكرة واستجلاء المعنى ، والتأكيد عليه .
- التأثير في النفس ... يقول الجرجاني رحمه الله .... فإن كان – المعنى – مدحاً – كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس ، وأعظم وأهزّ للعطف – سروراً وزهواً- وأسرع للإلف ، وأجلب للفرح ، وأغلب على الممتدَح ، وأسْيَرَ على الألسن وأذْكَرَ ، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدرَ .
- وإن كان حِجاجاً كان برهانه أنْوَر، وسلطانه أقهرَ ، وبيانُه أبْهر.
- وإن كان افتخاراً كان شأوُه - أمدُه - أبْعَد ، وشرفُه أجدَّ ، ولسانه ألَدَّ – أشدّ - .
- وإن كان اعتذاراً كان إلى القبول أقرب ، ، وللقلوب أخْلب ، وللسخائم أسَلّ- والسخيمة ( الغل والضغينة . وسلَّ السخيمة انتزعها وأخرجها )، ولغَرب الغضب أفلّ . ( العضب حدّ السيف . وفلّهُ: ثلمه ).
- وإن كان واعظاً كان أشفى للصدر ، وأدعى للفكْر ، وأبلغَ في التنبيه والزجر ....
وقد أطلت عن الوصف للتصوير كي لا أعود إليه مرة أخرى حين أعرّفه . بل أحيل إليه .
وانظر معي إلى التصوير المخيف في تدمير الجبال يوم القيامة وتسويتها بالأرض كأنها لم تكن ، وهي الممتدة جذورها في الأرض ، الآخذة سموّاً في السماء : " ويسألونك عن الجبال : فقل : ينسفها ربي نسفاً ، فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عِوَجاً ولا أمْتاً " فلم يعد هناك علوّ ولا سفول ، فهي مستوية كمياه البحر في اليوم الساكن الرياح ، وكالمرمر المصقول ... ثم انظر معي إلى خروج الناس من الأرض يوم البعث ، يتبعون الصوت الصادر عن بوق النشور مسرعين إلى مصدر النداء دون جلبة ولا صوت سوى الهمس " يومئذ يتبعون الداعيَ لا عِوَج له ، وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً " وتأمل الوجوم وخضوع الناس الذليل التام لعظمة الله تعالى " وعنت الوجوه للحي القيوم " ... وتصور الظالم يحمل ما اقترفته يداه كما يحمل العتال الحمل الثقيل " وقد خاب من حمل ظلماً " . ولعل الصورة الممتدة تتجلى في اجتماع الناس على صعيد واحد.... وتأمل الحوار الذي جرى بين موسى عليه السلام والسحَرَة وتصور إلقائهم حبالهم وعصيهم وسحرهم الناس ثم إلقاء موسى عصاه لتبطل هذا السحر العظيم ، وانقلاب السحرة إلى الإيمان بالله تعالى وغيظ فرعون وتهديده إياهم بالصلب وتقطيع الأيدي والارجل ، واستعلائهم على الدنيا حين عرفوا الحق وآمنوا به ... كانت الصورة متحركة فرأينا ما فعله السحرة ثم ما فعله موسى ، ورأينا السحر الكبير يتحول فجأة هباء منثوراُ ، وسمعنا الحوار بين السحرة وفرعون ، ثم بينهم وبين موسى ، وسمعنا التهديد والوعيد من فرعون بالبطش والتنكيل ، وإصرارهم على الإيمان بعد أن ذاقوه ودخل أفئدتهم ولامس شغاف قلوبهم ... إن التصوير حين يمر أمامنا كأنه فيلم سينمائي شاغلاً حواسنا السمعية والبصرية يرسخ الفكرة والمعنى في الأذهان والنفوس فتنطبع في ذاكرتنا فلا ننساهما ... ونجد هذا التصوير البديع من الآية السادسة والخمسين إلى إلى الثالثة والسبعين .. والصور تملأ السورة فتموج فيها الحركة ، وتبعث في القصة الروح والحياة . فتشد انتباه القارئ أو السامع وكأنه يعيش معها واحداً من شخوصها .
2- الوضوح في التعامل : يجلي الفكرة ، ويزيل اللبس ، ويضع النقاط على الحروف . وهذا واضح في السورة الكريمة . من ذلك قول السحرة لموسى عليه السلام " قالوا يا موسى : إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى ، قال : بل ألقوا " فكان التنافس أن يبدأ السحرة برضى من موسى .... فقد تركوا له الخيار ، فاختار أن يكونوا هم البادئين ، وكانت خطتهم أن يبهروه بسحرهم فيشلّوه من الخوف ، فيربحوا في الجولة الأولى دون عناء فيستسلم لهم دون مقاومة ولو كان أمر موسى من عمله لنجحوا في خطتهم ، لقد خاف موسى لأنه بشر" فأوجس في نفسه خيفة موسى " .... وكانت خطته التي أمره الله بتنفيذها أن يتركهم يظنون ما يظنون منتشين بما فعلوا ثم يفجأهم بالضربة القاضية فيزلزل أركانهم فيستسلموا ابتداءً ... هكذا كان . والله غالب على أمره فقد طمأنه المولى تعالى حين أوحى إليه " قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ، وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ، إنما صنعوا كيد ساحر ، ولا يفلح الساحر حيث أتى " فماذا حصل؟ " فألقي السحرة سجداً قالوا آمنا برب هارون وموسى " .
ونجد الوضوح في موقف آخر ،إذ أمر الله تعالى موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون بمهمة محددة " اذهبا إلى فرعون إنه طغى ، فقولا له قولاً ليّناً لعله يتذكر أو يخشى " " فقولا : إنا رسولا ربك أن أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم .... إنا قد أوحي أن العذاب على من كذب وتولّى " لقد طغى، فوجب تذكيره ليعود إلى الصواب ويسرح اليهود الذين استعبدهم وإلا وقع العذاب عليه .. وليكن التهديد بأسلوب هيّن ليّن ، إن الرفق أدعى إلى الاستجابة . هذا ما طلب إليهم ، وهو أمر واضح لا لبس فيه .
3- التحذير : أسلوب يتبعه المحب لمن يريد تهذيبه ، والمبغض لمن يود تنبيهه ، والمربي لمن يريد تعليمه . ليكون الطرف الثاني على بينة مما قد يكون ، فلا يقع في الخطأ .
وقد يكون التحذير مبطّناً بالنصيحة. فالخاسر من يلقى ربه آثماً فيكون خالداً في النار " إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا " وكذلك في قوله سبحانه محذراً من الإعراض عن القرآن تلاوة وفهماً وتطبيقاً " وقد آتيناك من لدنّا ذكراً من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملاً " . أما الإعراض عن ذكر الله في الدنيا فله عقوبتان : الأولى دنيوية " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً " والثانية أخروية " ونحشره يوم القيامة أعمى " .
وقد يكون التحذير من العدو الأول للإنسان : الشيطان وأحابيله .. فقد أعلن هذا المخلوق عداوته لآدم وذريته :" فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين " وذلك حين رأى نفسه أعلى مرتبة من آدم وذريته ، فكيف يسجد له ؟ " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى " فكان التحذير منه فضلاً من الله تعالى علينا وتنبيهاً " فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك ، فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى " ولكن لأمر أراده الله تعالى سقط آدم عليه السلام في شرك إبليس فغوى ، وأنزله الله إلى الأرض بعد أن تاب عليه ليختبره وذريته وليكون الامتحان .. ففيه يُكرم المرء أو يُهان .
4- الأمر والنهي : فالأمر بالشيء : تكليف به وحث عليه ، وهو الأصل ،لأن فيه دفعاً إلى العمل . ولا حياة بلا عمل ينشئ سعادة للإنسان ... والنهي عنه : منعه وتحريمه ، لأنه ينقي الحياة من الشوائب التي تعترض سبيل الإنسان وتنغص عليه . والحياة تجري بين الأمر المباح والنهي الممنوع . فمن أمثلتهما في هذه السورة :" ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيُه ، وقل ربِّ زدني علماً " ومن الأمر كذلك " فاصبر على ما يقولون ، وسبح بحمد ربك ... ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى " ومن النهي :" قال لا تخافا ، إنني معكما أسمع وأرى " وقوله سبحانه " فلا يصدّنّك عنها من لا يؤمن بها " .
5- الحوار : مر معنا في مقالة سابقة أن الحوار يثري المخاطب سامعاً وقارئاً ، ببراهينه وأدلته وطريقته ، ويثبت الفكرة بإشغال أكثر من حاسة . وفي هذه السورة الكريمة نجد أطرافاً عدة من المتحاورين ..
ففي أول السورة حوار بين الله تعالى وموسى عليه السلام إلى الآية الثالثة والأربعين ....... ونجد حواراً آخر عند جبل الطور ...
ثم هناك حوار قصير بينه تعالى وبين نبييه الكريمين موسى وهارون إذ أمرهما أن يذهبا إلى فرعون .
ثم حوار بين موسى وفرعون من الآية 49 إلى الآية 59
ثم حوار بين موسى والسّحّرة من الآية 61 إلى الآية 65
ثم حوار بين السحرة المؤمنين وفرعون من الآية 71 إلى الآية 76 على أرجح الأقوال .
وحوار قصير بين هارون وقومه .
ثم حوار بين موسى وهارون حين رجع إلى قومه بعد ما أضلهم السامري .
ثم حوار بين موسى والسامريّ .

ثم جمل قصيرة فيها حوار بين الله تعالى وآدم .. ثم وسوسة الشيطان لآدم .................... وأخيراً الحوار بين الله تعال والذي صار أعمى في الآخرة لعمايته عن الحق في الدنيا .......... وهكذا يثري الحوار الموضوع بالصوت والصورة ولا سيما حين تدخل " إذ " على الحوار فتنقلنا إلى مكانه وزمانه
" إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا ........
إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى ...
إذ تمشي أختك فتقول ...
وإذ قلنا للملائكة اسجدوا للآدم ....... " .
6- العرض المنطقي : لا يترك الله تعالى للكافرين حجة يوم القيامة يحاجونه بها. فأرسل لهم في الدنيا رسولاً كريماً يذكرهم بالله تعالى ويدلهم عليه ويعرفهم به ، فلا يبقى لهم ما يتعللون به إذا سألهم يوم القيامة ... " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا : ربنا لولا أرسلت رسولاً إلينا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ؟ " ولأنه سبحانه وتعالى لا يظلم أحداً جلّى الأمور، فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين . بل إنه سبحانه يرد ابتداء على من طلب من أهل مكة المعجزات من النبي عليه الصلاة والسلام : حيث سبقتهم الأمم فطلبت المعجزات من أنبيائهم فكانت الناقة والعصا وإبراء المرضى وإحياء الموتى فما زادهم إلا ضلالاً وكفراً ... ولئن اقترح هؤلاء الدليل على نبوته فقد جاءت الكتب السابقة مبشرة بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام بصفاته واضحة : " وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه ؟ او لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى "
ثم انظر إلى الجواب المنطقي لسؤال الكافر الذي كان في الدنيا مبصراً ، وحشر يوم القيامة أعمى " قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً ؟ قال : كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ، وكذلك اليوم تنسى " .
7- التقعيد : كل بناء له أساس يقوم عليه ، وقاعدة يرتكز عليها . ولن تجد بناء متيناً إذا لم يقم على أسس صلبة وقاعد ثابتة . وأولى القواعد المتينة وحدانية الله تعالى
" قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد " .
ومن هذه القواعد الرئيسة في هذه السورة أن الرزق من عند الله تعالى " لا نسألك رزقاً ،
نحن نرزقك " والقاعدة الثانية : أن الغلبة لمن اتقى :" والعاقبة للتقوى " والقاعدة الثالثة " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً " . والقاعدة الرابعة " ولولا كلمة سبقت من ربك " وهذه الكلمة التي سبقت " أن الساعة آتية لا ريب فيها " وإلا حل العذاب على الكافرين بمجرد كفرهم . ونظرة متأنية في هذه السورة ترينا كثيراً من القواعد الثابتة في الحياة والكون أدعها للقارئ الكريم .
8- البداية والنهاية الموفقتان : براعة الاستهلال تستقطب المخاطب سامعاً وقارئاً .. وهذا ما نراه واضحاً في أول السورة " طه .. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى ..." فـ " طه " كما قدّمنا أ- تحبّبٌ للرسول الكريم ومدحٌ له وتعظيم لشأنه ثم نجد
ب-أن القرآن تنزيل من الله تعالى ذي الصفات المجيدة . مما يجذب المخاطب إلى قراءة السورة بشغف وحب واطمئنان .
ونجد النهاية تقسم الناس إلى قسمين .. مؤمن وكافر .. وكل منهما يتربص بالنهاية وينظر إليها ..فمن الفائز ياترى؟ أهم المؤمنون الأتقياء أم هم الكافرون الأشقياء ؟ ومن على الصراط المستقيم ؟ .. أهم الذين رضي الله تعالى عنهم ؟ أم من غضب عليهم ؟! ... إن عداً لناظره قريب ." قل كل متربص فتربصوا ، فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ".

يتبـــــــع


التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 05-20-2012 الساعة 05:25 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2012, 10:39 PM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة طه


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة طه

د: عثمان قدري مكانسي



في هذه السورة المباركة معان تربوية رائعة كأخواتها من السور الكريمة منها :

1- الإقرار بفضل الله تعالى : فهو سبحانه أ- هيـّأ سبل الهداية ، فأنزل كتاباً هادياً للبشرية ، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم يحمل هذا المشعل الوضاء يدلهم على الطريق الصحيح إلى الخالق العظيم " تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً " . .. فتبارك تحمل معاني الزيادة والفيض والرفعة التي تليق بمقام الربوبية والألوهية العظيم . وسمى القرآن فرقاناً لأنه يفصل بين الحق والباطل ، ويعرّف بهما ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حيّ عن بينة . ورفع أنبياءه إلى مقام العبودية لله ، وهو أعلى مقام يناله الإنسان ، فمحمد رسول الله عبد لله " سبحان الذي أسرى بعبده " و " تبارك الذي نزل على عبده الكتاب " و" ذكر رحمة ربك عبده زكريا " ووصف أنبياءه نوحاً وهوداً وصالحاً بالعباد الصالحين " إنا كذلك نجزي المحسنين ، إنه من عبادنا المؤمنين " . ومن فضله سبحانه أنْ يكون رسوله صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً للعالمين إنسهم وجنّهم ، منذ أن بُعث إلى يوم القيامة ، وتوّج برسالته الشرائع السابقة كلها .

2- توضيح الفكرة وتجليتها : فالله تعالى في الآيتين الثانية والثالثة في هذه السورة المباركة مالك السموات والأرض ، الواحد الأحد، ليس له ولد ، ولا يشاركه في ملكه أحد ، الخالق العظيم ، والعليم بكل شيء ، والقديرعلى كل شيء ، هو الصمد الذي لا يحتاج أحداً ، وكل المخلوقات تحتاجه سبحانه . فهو الله الكامل كمالاً مطلقاً ، لا إله إلا هو . فإذا أراد سبحانه أن نعبده حق عبادته فقد وضـّح لنا بعض صفاته القدسية لنعرفه بها ونقدم له الطاعة التي يرضاها . ونجد في ثنايا السورة المباركة آيات كثيرة تعرفنا بالله تعالى ، فهو المتصرف في الكون ويسير الشمس والأرض :

أ - فإذا بالظل يتحرك بانتظام دالاً على النظام الكوني البديع " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ، ولو شاء لجعله ساكناً ، ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ، ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً "

ب- وإذا من من علائم تصرفه سبحانه بالكون أن يتتابع الليل والنهار ليكون الأول هدوءاً والثاني حركة وعملاً " وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً ، وجعل النهار نشوراً "

ج- وإذا حركة الرياح ، مقدمة للخير والماء وإنبات الزرع ونشر الحياة في الأرض " وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدَيْ رحمته ، وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ، لنحيي به بلدة ميتاً ، ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسيّ كثيراً "

ومن عظيم خلقه أن في الأرض تجاويف ينتقل فيها الماءان المالح والحلو عشرات الآلاف من الكيلومترات متجاورة متوازية وفوق بعضها بمسارب ضخمة متقاربة إلا أنها بفضل الله لا تختلط ، كي لا تفسد حياة المخلوقات . أليس هذا الصانع المدبر إله عظيم رائع ؟ " وهو الذي مرج البحرين ، هذا عذب فرات ، وهذا ملح أجاج ، وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً ؟

كل ذلك دليل على عظمة الله وقدرته ، والبرهان الأكيد على أنه إله عظيم يستحق العبادة والطاعة . وأن على الجميع أن يتوجهوا إليه وحده بالحب والعرفان .

3- المنطقية في الدعوة : إن التفكير المنطقي في الرد على تخرصات الأفاكين تستدعي طرح هذه التقولات وتلك الأكاذيب ، ثم الرد عليها واحدة واحدة ودحضها بروية وعقلانية ، فلا تقوم لها قائمة .

أ ـ فهؤلاء الكفار ينكرون أن يكون القرآن من عند الله ويقولون هو تأليف رسول الله !! وأعانه عليه قوم آخرون . ولئن كان كذلك فبوسعهم أن يفعلوا مثله إن كانوا صادقين ! وإذا ثبت ضعفهم وعدم قدرتهم على ذلك والقرآن نزل بلغتهم فهم كذابون مفترون " وقال الذين كفروا إنْ هذا إلا افك افتراه ، وأعانه عليه قوم آخرون ، فقد جاءوا ظلماً وزوراً "

ب - وقائل يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استكتبها من قوم اعتمدوا الخرافات والأوهام وقالوا : أساطير الأولين اكتتبها ، فهي تُملى عليه بكرة وأصيلاً "

ج - وما ينبغي أن يكون الرسول بشراً ، ولئن كان كذلك فالأولى أن يؤيده ملَك في دعوته . والمنطقية أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم فهو مثلهم يعيش كما يعيشون ، ويأكل مما يأكلون ، ويشعر بما يشعرون " قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملَكاً رسولاً " ولو نزل الله على البشر رسولاً ملَكاً لجعله على هيئة البشر كي يكون الإيمان نابعاً من القلب ثابتاُ في الضمير عن يقين لا قهر وتخويف " ولو جعلناه ملَكاً لجعلناه رجلاً ، وللبسنا عليهم ما يلبسون " . كما أن الملائكة حين تنزل فلمعاقبة المستكبرين الذين ظلموا أنفسهم " يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ، ويقولون : حجراً محجوراً " .

د - وينبغي – حسب رأي الكفار - أن يكون الرسول غنياً يؤثر بثروته وغناه في الناس " أو يُلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها " إن ضعفاء النفوس يظنون أن النبي يجب أن يكون غنياً يفرض بغناه وثروته مبادئه وأفكاره ، أو يجمع المنتفعين حوله ، ولذلك قالوا " لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " فأجابهم تعالى " أهم يقسمون رحمة ربك ؟ " فالقناعة في القلب والعقل لا الجيب والمحفظة !

هـ ـ ومن قائل إن محمداً مسحور مكشوفٌ أمره واضح وقد قالوا إنه ساحر مراراً " وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً

4- التصوير الحسي : استحضار الأفكار المعنوية في قالب حسي ملموس يزيد الفكرة وضوحاً في العقل وتأثيراً في النفس ونبضات حية في القلب . فالكفار حين اقترحوا ما سبق ذكره من ضرورة غنى النبي وامتلاكه الجنات والقصور والكنوز لم يطلب المصطفى عليه الصلاة والسلام هذه الأمور لأنه يعلم أن الخير الحقيقي الدائم في الآخرة التي يكفر بها هؤلاء ، فوعده الله تعالى بكل ذلك في الآخرة " تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك : جنات تجري من تحتها الأنهار ، ويجعل لك قصوراً " أما هؤلاء الكفار فلم يقترحوا ما اقترحوه إلا للاستهزاء والتكذيب ، فسوف يلقون غياً لكذبهم وسخريتهم واستكبارهم . ويصور الله تعالى مشاهد البؤس التي تحيط بالكافرين المجرمين كأننا نراها رأي العين ونستعيذ بالله أن نراها ، فكيف السقوط في أتونها والخلود فيها ؟ نسأل الله العافية. وتصور النار ترى المجرمين ، فتغتاظ منهم ، وتزفر زفرات قوية طويلة تتقعقع لها نفوسهم وتنخلع منها قلوبهم " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيـّظاً وزفيراً " ثم تلقيهم الزبانية في زنازين الجحيم الضيقة مقيدين بالسلاسل وهم يصرخون من هول العذاب يدعون على أنفسهم بالموت ، ولا موت " وإذا أُلقوا منها مكاناً ضيـّقاً مقرّنين دعوا هنالك ثبوراً " فتجيبهم ملائكة العذاب : أئن دعوتم بالهلاك قليلاً أو كثيراً فلن يفيدكم فيما أنتم فيه " لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً ، وادعوا ثبوراً كثيراً " يتمنون الموت وليس بآتيهم . يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار ، فيقال : يا أهل الجنة ! هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون : نعم . هذا الموت . قال ويقال : يا أهل النار ! هل تعرفون هذا ؟ قال فيشرئبون وينظرون ويقولون : نعم . هذا الموت . قال فيؤمر به ، فيذبح . قال ثم يقال : يا أهل الجنة ! خلود فلا موت . ويا أهل النار ! خلود فلا موت . قال ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون } [ 19 / مريم / 39 ] وأشار بيده إلى الدنياا" .

وكلمة " يوم " في قوله تعالى " ويوم تشقق السماء بالغمام ، ونزّل الملائكة تنزيلاً

5- الحوار : طريقة رائعة في إثبات الفكرة في ذاكرة السامع والرائي والقارئ ، وقد استعملها القرآن كثيراً في الوصول إلى الهدف ، وقد ذكرنا أمثلة لها في تأملاتنا التربوية في القرآن وعودة إلى الحوار الطويل الذي أثبتناه بين موسى عليه السلام وفرعون في سورة الشعراء يوضح الفائدة ، ونثبت هنا حواراً قصيراً ماتعاً ... يوم الحشر يقف الكفار في ساحة العرض خزايا مطأطئي الرؤوس ، قد علموا ما اجترحوا ، ومعهم ما عبدوه من بشر وحيوانات وأصنام و..و.. ويجري هذا الحوار المفحم بين رب العزة والآلهة المزعومة وعبـّادها

" ... أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ؟

قالوا ( الآلهة المزعومة ) : سبحانك ، ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من

أولياء ( وهذا الجواب إقرار من المتألهين أنهم عبيد ) . ولكن متعتهم وآباءهم

حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً ..."

ويكون التعليق الأخيربخطاب موجه للكافرين يوبخهم ويوضح لهم أن آلهتهم

التي كانوا يعبدونها تخلت عنهم " فقد كذبوكم بما تقولون ، فما تستطيعون

صرفاً ولا نصراً .... "

6- الندم في غير وقته لا يفيد : يروي المفسرون أن عقبة بن أَبِي مُعَيْط , وَكَانَ صَدِيقًا لأبيّ بن خَلَف الْجُمَحِيّ, وكَان قَد صَنَعَ وَلِيمَة فدعا إليها قريشاً , وَدَعَا رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأبى أن يأتيه إلا أن يسلم . وَكَرِهَ عُقْبَة أَنْ يَتَأَخَّر عَنْ طَعَامه مِنْ أَشْرَاف قُرَيْش أَحَد فأسلم ونطق بالشهادتين , فأكل رسول الله من طعامه , فعاتبه خليله أبيّ بن خلف , وَكَانَ غَائِبًا . فَقَالَ عقبة : رَأَيْت عَظِيمًا ألاّ يَحْضُر طَعَامِي رَجُل مِنْ أَشرَاف قُرَيْش . فَقَالَ لَهُ خَلِيله : لا أَرْضَى حَتَّى تَرْجِع وَتَبْصُق فِي وَجْهه وَتطَأ عُنُقه وتقول كَيْت وَكَيْت . فَفَعَلَ عَدُوّ اللَّه مَا أَمَرَهُ بِهِ خَلِيله ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَيَوْم يَعَضّ الظَّالِم عَلَى يَدَيْهِ " . ولَمَّا بَصَقَ عقبة فِي وجه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ بُصَاقه فِي وَجْهه وَشَوَى وَجْهه وشفتيه , حَتَّى أثـّر فِي وَجْهه وَأَحْرَقَ خَدَّيْهِ , فَلَمْ يَزَل أثر ذَلِكَ فِي وَجْهه حَتَّى قتل بعد بدر وهو أسير. ويعضّ يديه أسفاً – بعد موته حين يرى الحقيقة - لأنه أطاع خليله . يندم ويتمنى لو أطاع رسول الله وكان من المسلمين ، ولات حين مندم ، فالآخرة دار حساب لا دار عمل . " ويوم يعض الظالم على يديه ، يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً ، يا ويلتى ؛ ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً ، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ، وكان الشيطان للإنسان خذولاً " . فالندم والتوبة في الدنيا ، وإلا لم ينفعا صاحبهما . وعلى هذا حين قال المشركون : إنهم صبروا على آلهتهم ولم يتركوها ويدخلوا في الإسلام " إنْ كاد ليُضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها " أفادهم القرآن أنهم سيعلمون حين لا ينفع العلم أنهم كانوا ضالين . وسينالون العذاب الشديد " وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلاً

7- لماذا نزل القرآن منجّماً ؟ : حين رأى اليهود والمشركون القرآن ينزل على ثلاثة وعشرين سنة أنكروا ذلك ، فالتوراة والإنجيل والزبور نزلت دفعة واحدة ." وقال الذين كفروا : لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة " . فما الفائدة في نزول القرآن منجماً : والجواب يتجلى في أمور عدة ، منها :

أ – تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم حين يرى جبريل ينزل كل فترة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويُشعره أنه معه " كذلك لنثبت به فؤادك "

ب- ولأن الكتب المتقدمة نزلت على أنبياء يقرؤون ويكتبون , والقرآن أنزل علَى نَبِيّ أُمِّيّ ;

ج- ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ , وَمِنهُ مَا هو جَوَاب لِمَن سَأَل عَنْ أُمُور , فيكون الجواب لأمور تحدث في عالم المسلمين وتواكب حياتهم ،

د- ونزوله مفرقاً أسهل لحفظه والعمل به ، وتقسيم الأمور أدعى لتثبيتها في النفس وحفظها والثبات عليها .

وروي عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقَدْر " قَالَ : أُنْزِلَ الْقُرْآن جُمْلَة وَاحِدَة من عند الله عز وجل وَجَلَّ فِي الللوح المحفوظ إِلَى السفرة الْكِرَام الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاء , فَنَجَّمَهُ السفرة الكرام عَلَى جِبريل عشرين ليلة , وَنَجَّمَهُ جِبْرِيل عليه السلام عَلَى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ثلاثاًوعشرين سنة

نهاية تأملات تربوية في سورة طه


التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 05-20-2012 الساعة 05:26 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-11-2012, 10:46 PM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فنون تربوية في خمس آيات من سورة مريم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





فنون تربوية في سورة مريم
د. مصطفى رجب

قال تعالى:
" واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً إذ قال لأبيه يا أبتِ لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً يا أبتِ إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً يا أبتِ لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً. يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً." [ مريم / 41- 45]
إنها خمس آيات تضمنت إحدى وخمسين كلمة !! تخشع أمامها قلوب العارفين، وتقشعر لسماعها جلود المخبتين، والآيات الخمس تضم فنوناً من التربية متنوعة، وأساليب للدعوة بديعة باهرة.

إنه الإعجاز التربوي للقرآن الكريم في صورة من صوره : صورة الحوار بين مرب وجهول، عالم وعنيد، نبي وكافر. إعجاز يقوم على أسس من الإقناع والتبصير ومحاولة تعديل السلوك الخاطئ مستعيناً في سبيل ذلك بكل ما آتاه الله تعالى من حكمة وحسن تقدير.
وفيما يلي تحليل لبعض جوانب هذا الإعجاز التربوي الفذ في مجال من أهم مجالات التربية وهو ذلك المجال المتصل بأدوار المعلم :

أولاً : استثارة الدافعية :
من المسلم به عند التربويين أنه ( لا تعلم بدون دافعية ) فالمعلم مهما يبلغ من النبوغ والبراعة، لا يمكنه دفع طلابه إلى التعلم إذا ما كانوا عنه معرضين، وفي علمه زاهدين، أما إذا توفر لديهم دافع داخلي يحفزهم فانهم يقبلون على التعليم بعقول متفتحة، وقلوب واعية. لأن الدافعية تبعث في النفوس طاقة انفعالية وتتحول هذه الطاقة إلى نشاط محسوس ويرتهن نجاح المعلم في عمله بقدرته على استغلال دوافع تلاميذه من أجل تحريك نشاطهم وتعديل سلوكهم من أجل تحقيق أهداف يحددها لهم.
وقد بدأ سيدنا إبراهيم – عليه السلام- حواره مع أبيه بأن وضع له هدفاً يمس حياته مسًّا مباشراً، وهو النفع أو المصلحة المبتغاة من عبادة الآلهة. فإذا كان الإله الذي يعبده المرء لا يسمع ولا يبصر فكيف يمكنه أن يساعد من يعبدونه؟ أو يحقق لهم نفعاً؟ أو يدفع عنهم ضرراً؟ بدأ إبراهيم حواره بإثارة النشاط العقلي عند أبيه لكي يحرك عنده طاقة انفعالية تجعله يفكر بالصورة الصحيحة في تلك الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر.

ثانياً: استعمال الحوافز:
ينجح المعلم بقدر تمكنه من استعمال الحوافز مع طلابه، فإذا آنس فيهم شرودًا، أو عنادًا، أو خروجاً على المألوف، أو صدوفاً عن التعليم، احتال لذلك بما يتوفر لديهم ولديه من حوافز مادية أو معنوية كأن يعدهم بمكافأة أو نزهة أو حفل أو ما شابه ذلك مما تتوق إليه النفوس، وتنشط له الأبدان.
وسيدنا إبراهيم عليه السلام، بعد أن سعى إلى تنشيط عقل أبيه بالتفكير في جدوى عبادة الأصنام، أدرك أن هذا التفكير عملية عقلية معقدة بالنسبة لإنسان جامد الفكر، خامد الهمة ، فأراد أن يقدم له حافزاً يشجعه به على المضيّ في عملية التفكير، فأخبره بأن ما منَّ الله به عليه من العلم سوف يجعله في خدمة أبيه، وأن أباه لو أطاعه، وأعمل عقله فيما يعبد، لوصل إلى الحقيقة التي يتهرب منها: وهي أن هذه الأصنام التي ورث عبادتها عن آبائه وجدوده لا تنفع ولا تضر، ولابد أن لهذا الوجود خالقاً يجل عن التجسيم. وهذا الخالق – جل وعلا – هو الذي رزق إبراهيم العلم.
فإبراهيم في هذا النداء الثاني ( ياأبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سويّا ) يحفز أباه على الدخول معه في دنيا الإيمان الصافي بالخالق القادر.

ثالثاً: بسط الحقائق والتبصير بها :
ومن مهمات المعلم أن ببسط أمام طلابه حقائق الموقف التعليمي، ويبصَّرهم بما لتلك الحقائق من أبعاد مختلفة تتصل بهم، وبحياتهم، واهتماماتهم، ومصالحهم. حتى يحقق لهم بذلك البسط والتبصير القانون الذي يسميه التربويون [ قانون التعرف] بمعنى أن المتعلم إذا كان ذا معرفة بعناصر الموقف المراد تعلمه، فان هذا يسهل عليه استيعاب هذا الموقف الجديد والتكيف معه . وهذا ما فعله سيدنا إبراهيم – عليه السلام – حين ربط لأبيه بين عبادة الأصنام، وعبادة الشيطان. وهذا أمر قد يغيب عن ذهن ذلك الأب الذي أعماه التقليد عن إدراك حقائق الموقف الجامد الذي يقفه من دعوة ابنه. فهو لا يدرك أن عبادته للأصنام ماهي إلا عبادة للشيطان في الحقيقة. لأن الأصنام حجارة لا قدرة لها على التأثير في نفسها ولا في غيرها. أما الشيطان فله سلطان على النفوس الضعيفة فهو الذي يسوَّل لها، ويزين لها، ويوسوس لها. وقد عصى ربه سبحانه وتعالى، فمن أطاعه فقد أطاع عاصياً لله، فهو عاصٍ بالتبعية.

رابعاً: التهديد بالعقاب:
ومن شأن المعلم إذا أخفق أسلوب التنشيط العقلي، واستعمال الحوافز، وبسط الحقائق، أن يلجاً إلى ما ترتدع به النفوس الشاردة، وترعوي به القلوب الجاحدة، وهو أسلوب العقاب، أو التهديد باستخدام العقاب.
وهذا ما فعله إبراهيم عليه السلام في نهاية حواره، حين لم يلمح في وجه أبيه اطمئناناً إلى حديثه، ولا ثقةً بحججه، ولا رغبةً في اتباعه، بادر بتخويفه من عذاب الله تعالى، ومن موالاة الشيطان الذي هو عدو لله وعدو للمؤمنين.
وقد أوضحت الآيات التالية من الحوار، ما ردّ به الأب الجهول على ابنه النبي العالم الصالح القانت الراغب في إنقاذ أبيه، من براثن الجهل، ووهاد الضلال، ودركات التبعية العمياء. " قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً "[ مريم / 46 ] وهكذا.. كانت عماية الجهل، وغواية الانقياد والأعمى للموروث الثقافي المتهافت، غشاوةً على عقل الرجل، فلم يستجب لنداء الحق والإيمان، وختم الله على سمعه وبصره وبصيرته فلم يتبين أنوار الهداية التي تذرعت بكل أساليب الإقناع:
- بالدعوة إلى أعمال العقل
- وبالتحفيز على اتباع العلم
- وبشرح أسباب الغواية
- وبالتخويف من العقاب!!
وبالرغم من هذا الجفاء، وتلك الغلظة، لم يفقد إبراهيم عليه السلام حلمه، ولا أساء الأدب في حواره مع أبيه.
وقال له في محاولة أخيرة لا ستدرار عاطفته وإنذار عقله : سلام عليك سأستغفر لك ربي!!

أين هذا المستوى الرفيع من الخلق النبيل ؟ إننا نرى في المجتمعات المعاصرة شباباً يتنكرون لآبائهم وأمهاتهم، وفيما تنشره الصحف وتذيعه الإذاعات من قضايا الأسرة ما يشيب لهوله الوِلْدان : فهذا شاب أوتي قسطاً من التعليم يستكبر على أبيه، لان أباه رجل بسيط فقير الحال، فكأنه يتنكر لأصله. وهذا شاب أبوه غني ولكن الأجل يمتد به، والابن يتعجل الميراث فإذا به يقاضي أباه أمام المحاكم ويطلب الحجر عليه !! والأكثر بشاعة حين تمتد أيدي الشباب الفاسد إلى الوالدين بالضرب والإهانة..
إن أبا إبراهيم هنا يهدده بالرجم والطرد من المنزل.. والابن يرد في حلم العالم وعلم الحليم: سلام عليك سأستغفر لك ربي!!


يتبـــــع


التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 05-20-2012 الساعة 05:26 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
روائع القرآن الكريم ... من اجمل الاشياء في القرآن الكريم . اجمل مافي القرأن دموع الملائكة يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 18 03-09-2014 06:34 AM
تحميل خط القرآن الكريم-رابط مباشر خط القرآن الكريم وجدنا يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 11 08-03-2013 05:20 PM
برنامج حصن المسلم + القرآن الكريم + تفسير القرآن الكريم بصيغة جافا jar سلامه82 اخبار التقنية والتكنولوجيا 1 10-31-2009 07:18 PM
برنامج حصن المسلم + القرآن الكريم + تفسير القرآن الكريم سلطان23 اخبار التقنية والتكنولوجيا 0 08-24-2009 11:14 PM
سكريبت تفسير القرآن الكريم و سكربت القرآن الكريم memo_design برامج كمبيوتر 2016 - 2015 جديدة 2 12-29-2007 09:57 AM

الساعة الآن 07:32 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103