تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات تعليمية Educational Forums > مشكلتي | أريد حلاً

مشكلتي | أريد حلاً

منتدى مشكلتي يعطيك مساحة بأن تطرح مشكلتك بسرية تامة ومن خلال عضوية خاصة يستخدمها الجميع في طرح مشاكلهم والأخرون يسعون جاهدين في حل مشكلتك , إفتح قلبك و شارك وأطرح مشكلتك من خلال العضوية المجانية أريد حلاً رقم الباسورد 123456


][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][ سلسلة مقالات!!

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-11-2012, 11:20 PM   #11 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

فنون تربوية في سورة مريم





السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تابع فنون تربوية في سورة مريم
د. مصطفى رجب


آليات عمل المعلم التربوية كما تظهر من الحوار:
إن الآيات الخمس على وجازتها تتضمن معالم تربوية يحسن إبرازها في صورة نقاط تتعلق بمهام المعلم وأدواره وآليات عمله كما تظهر في حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه. ومنها:

1- استدرار عاطفة المتعلم :
إن تكرار كلمة ( يا أبت ) أربع مرات في الآيات الأربع التي توجه فيها إبراهيم – عليه السلام – بالخطاب إلى أبيه يدل على أهمية أن يكون تركيز المعلم في أسلوبه التربوي على ما يثير عواطف المتعلمين ويحرك مشاعرهم الانفعالية الإيجابية نحو الموقف التعليمي. فهو بهذا النداء المتكرر، يستدر عاطفة الأبوة، ويمد جسراً من الثقة بينه – وهو النبي العالم- وبين أبيه الجاهل الكافر العنيد وكأن علاقة الأبوة والبنوة – في تقديره – ستسهم في تحريك مشاعر الرجل ومن ثم تحريك عقله.

2- أسلوب الاستفهام منشط للفكر:
يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ؟ هكذا بدأ إبراهيم عليه السلام حواره مع أبيه، إدراكاً منه أن ما يسميه التربويون بـ " الإثارة " أو " التمهيد " للدرس – عنصر جوهري من عناصر العملية التعليمية، إنه بدأ الحوار الهادئ بسؤالٍ لا هدوء فيه على الإطلاق. سؤال يتصادم مع معتقدات موروثة تشبه بحيرة آسنة ساكنة ، ران عليها السكون قروناً وآمادًا طوالاً. فهو يلقي فيها بحجر من الحجم الثقيل ليحرك سكونها. وهكذا.. من واجب المعلم أن يكون بدء تدريسه قوياً مثيرًا فعَّالاً: بأسئلة تهز الوجدان وتزلزل العقول وتدفع المتعلم دفعاً إلى التفكير المستقل الحر.

3- ثقة المعلم بنفسه ضرورية:
إن قوة شخصية المعلم تقوم بالدرجة الأولى على مدى ثقته بنفسه، وبمادته العلمية، ورسالته الإنسانية.فإذا ما توفرت له ثقة بنفسه، وأحسن إعداد مادته العلمية، وآمن بنقل رسالته وصدقه مع نفسه في أدائها. كان ذلك أدعى إلى تحقيق أهدافه، وإنجاح عمله التربوي. ونحن نلمس هذا واضحاً في حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه من خلال:
أ‌- التصريح بأن ما عنده من العلم يفوق ما عند أبيه.
ب‌- استعمال أسلوب التوكيد الذي يعكس ثقته بنفسه من جهة ويسعى إلى كسب ثقة الطرف الآخر بما يقوله من جهة أخرى " يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك"
ج- تنويع أساليب الخطاب من سؤال، إلى تحفيز، إلى تهديد بالعقاب.

4- الحلم وسعة الصدر:
لا ينجح المعلم في أداء مهمته إذا كان عجولاً، يؤوساً، مقهورًا. وإنما ينجح بقدر ما يتحلى به من صبر ومصابرة، وقدرةٍ على التحمل فان المتعلمين قد يصدر منهم سوء أدب، أو فظاظة في الحوار، أو غلظة في الرد، أو تعدٍ على المعلم باليد أو اللسان. وعلى المعلم أن يكون قادرًا على امتصاص ذلك كله وإحسان التعامل معه.وتدلنا الآيات على أن إبراهيم عليه السلام بعد أن استنفد كل وسائل الإقناع والتأثير، لم يجد من أبيه آذاناً صاغية ولا قلباً مفتوحاً. بل وجد إصرارًا على الكفر، وسوء رد ، وغلظة في الحديث ، فهو يقول أربع مرات (يا أبت ) وهو أسلوب نداء ترغيبي لأن ياء المتكلم في قوله ( يا أبي ) أبدلت تاءً. والمقام بينهما لا يحتاج إلى نداء. لأن الحوار مباشر وهما متقابلان وجهاً لوجه لكن تكرار النداء بالأبوة فيه تحنين للقلب الجامد، ومحاولة متكررة لاستحضار ملكات السمع والذهن الشاردة. ومع ذلك فان الأب الجهول يستكثر أن ينادي ابنه بقوله [ يا بنَّي ] مسايرة لخطابه إياه بقوله [ يا أبت ]. بل انه يقول له : يا إبراهيم ليؤكد إن بينهما أمدًاَ بعيداً من الانفصال العقلي والوجداني.

5- التنويع في أساليب التعليم :
على المعلم لكي ينجح في عمله أن ينوَّع أساليبه التدريسية حتى يصل إلى أهدافه. وإبراهيم عليه السلام في هذا الحوار، سعى إلى استمالة والده وكسب ثقته بالسؤال، والتحفيز، والبسط والشرح، والتهديد بالعقاب ونستفيد من هذه الأساليب وتقديرها أنها هي الأسلوب الأمثل لما يجب إن يكون عليه المعلم من سعة أفق ، وقدرةٍ على التكيف، ومرونةٍ في الأداء.


يتبــــــــــع



التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 05-20-2012 الساعة 05:28 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-20-2012, 03:28 PM   #12 (permalink)
aboihssan
عضو موقوف
 
machkourrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrr
aboihssan غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-20-2012, 05:37 PM   #13 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة الشعراء


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة الشعراء

د: عثمان قدري مكانسي

( 1 )

في هذه السورة الكريمة – كبقية أخواتها - مواقف تربوية جمة تنير الفكر ، وتنشط القلب والعقل ، وتضيف كنوزاً من فيض التربية القرآنية يظهر فيها واضحاً جلياً .
من أهمها :
التكرار . فما فائدة التكرار هنا ؟
ذكرت في كتابي " صور من التربية في القرآن الكريم " قريباً من اثني عشر هدفاً للتكرار . وقلت فيما سبق من تأملات : إن التكرار ظاهرة تربوية وأسلوب تعليمي أصيلان ... يدخل إلى النفوس والقلوب من أبواب متعددة ، تفتحها بطرق مختلفة ، قوية حيناً وبسيطة حيناً آخر ، مخيفة تارة ومحبِّبة تارة أخرى . فتحقق الأهداف التربوية والأخلاقية والتعليمية . فأين التكرار في هذه السورة ؟
جاءت السورة في أقسام تسعة تؤصل في قلب الإنسان التوحيد وإفرادَ المولى عز وجل بالعبادة ، وتنبه إلى اتباع الرسل والأنبياء ، وتدعو إلى تقوى الله ومراقبته سبحانه وتعالى ، وتخوّف من نتائج الكفر والعصيان .
ففي القسم الأول والأخير يخاطب الله تعالى رسوله الكريم محمداً عليه الصلاة والسلام . وفي الأقسام الأخرى يحدثنا عن الأنبياء الكرام موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم صلوات الله وسلامه بشكل متتابع ، وما لاقَوْه من عنت أقوامهم ، وتكذيبهم إياهم حين دعَوهم إلى عبادة الله وحده والعملِ الصالح ، مع ذكر العقوبة التي كانت فيها نهاياتهم .

وفي نهاية الحديث عن كل نبي نجد الخاتمة في قوله تعالى " إن في ذلك لآية ، وما كان أكثرهم مؤمنين ، وإن ربك لهو العزيز الحكيم " تكررت سبع مرات توضح :
1- أن الله تعالى أيد رسله بأدلة وبراهين . ولا بد لإنجاح المَهمة أن تزود المكلَّف بأية مهمة تريد إنجاحها بآيات واضحة وبراهين دامغة .
2- وأن أكثر الناس يتبعون أهواءهم ، ويتنكبون طريق الهداية . فالشيطان والهوى يميلان بالنفس إلى التخفف من الأعباء ، ونبذ التكاليف ، والانحراف عن الحق .
3- وأن الله تعالى قوي عزيز يفعل ما يشاء ، وهذه قمة التهديد . ولأنه سبحانه عزيز قادر على كل شيء فسيعاقبهم إن شاء وقت ما شاء ، كيفما شاء .
4- وأن الله تعالى يقبل توبة من تاب وأناب مهما فعل . فهو الرحيم بعباده ، يُقبل عليهم إن أقبلوا ، ويتجاوز عن سيئاتهم إن عادوا إليه ولاذوا بحماه .
5- كما كانت هذه الآية إيذاناً بانتهاء قصة وبدء أخرى كلاهما متشابه يؤدي إلى المعنى الذي تريده السورة والهدفِ المنشود منها ، وبمعنىً آخر إن هذه الآية الكريمة تعالى " إن في ذلك لآية ، وما كان أكثرهم مؤمنين ، وإن ربك لهو العزيز الحكيم " رابط يجمع عمل الأنبياء في عمل واحد وهدف واحد هو الدعوة إلى توحيد الله تعالى .

ونجد في بداية قصص الأنبياء الخمسة الكرام " نوح وهود وصالح ولوط وشعيب " تكراراً في الدعوة إلى التقوى والتعريف بالمهمة " كذّبت ... المرسلين إذ قال لهم أخوهم .... ألا تتقون ؟ إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون ، وما أسألكم عليه من أجر ، إن أجريَ إلا على رب العالمين " تكررت خمس مرات تؤكد فيها
1- وجوب التبليغ " إذ قال.... " وذلك ليقيم عليهم الحجة وهذا مصداق قوله تعالى " يا أيها الرسول : بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته "
2- وأنه " أخوهم " يحب لهم الخير ، ويودّه لهم ، إلا في الحديث عن شعيب فلم تُذكر كلمة الأخ لأن المفسرين قالوا : إن أصحاب الأيكة لم يكونوا من قوم شعيب ، وإن كان قد أرسل إليهم بعد أن دعا قومه . أما قومه الذين أرسل إليهم أولاً فهم أهل مدين . وعلى هذا ذَكر القرآن الكريم في سورة هود أنه أخوهم – أي منهم – " وإلى مدين أخاهم شعيبا ".
3- ولو تتبعنا قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب لوجدنا أنهم أُرسلوا إلى أقوامهم فقط . فكل نبي إرسل إلى قومه وليس معه رسول آخر. فكل قوم كذّبوا نبيّهم وحده !! فلماذا أكد الله سبحانه وتعالى أنهم كذبوا المرسلين ؟ الجواب : أنه من يكذّبْ نبيا فقد كذّب الأنبياء كلهم ،ومن صدّق نبياً فقد صدّق الأنبياء جميعهم . فالأنبياء يصدرون عن مشكاة واحدة .ومن هذا نفهم قوله تعالى يمدح المسلمين أتباع محمد عليه الصلاة والسلام " والمؤمنون .. كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله ، وقالوا سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا ، وإليك المصير "
4- وطلب إليهم أن يتقوا الله ، فالتقوى طريق الإيمان ودعامته. ولا تكون التقوى إلا بطاعة الرسول ، فالرسل كل الرسل مؤتمنون على الرسالة وصادقون في تبليغها. ولذلك أعلن الرسل جميعهم مقولة واحدة " إني لكم رسول أمين " والأنبياء رمز الأمانة ، ألم يأمر الله تعالى موسى وهارون حين يأتيان فرعون " فقولا إنا رسول رب العالمين ، أن أرسل معنا بني إسرائيل " ؟ لو لم يكونا أمينين ما اختارهما الله تعالى لقيادة بني إسرائيل إلى بر الأمان .
5- وأمروهم بالتقوى بأسلوبين يقوّي أحدهما الآخر أما الأول " ألا تتقون ؟ " فقد جاء باسلوب الاستفهام التحضيضي . وهذا أدعى إلى التفكير واتخاذ القرار دون ضغط ولا إكراه . وأما الثاني " فاتقوا الله .." فقد جاء بصيغة الأمر بعد التفكير و التعليل وتقرير أمانة الرسل وأنه قد اتضح الأمر وظهر الحق لذي عينين .أما موسى فقد أرسله الله تعالى إلى فرعون وقومه فهم
- ظالمون
- لا يتقون
" وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين ، قوم فرعون ألا يتقون ؟ !!
6- وقد يأمرك أحدهم بأمر لك فيه مصلحة وله فيه – منك – مصلحة دنيوية . أما الرسل الكرام فهم يدعون لوجه الله لا يريدون منا جزاء ولا شكوراً " وما أسألكم عليه من أجر ، إن أجري إلا على رب العالمين " وثواب الأنبياء على دعوتهم كبير جداً وعظيم جداً لا يقدر عليه البشر ، ويؤديه إليهم رب البشر واهبُ النعم ، وجزاؤه خير الجزاء ، ألم يعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نقول لمن أدى إلينا معروفاً ونريدُ له المكافأة الكبيرة " جزاك الله عنا كل خير "؟
أما الآية " فاتقوا الله وأطيعون " فقد وردت في الحديث عن نوح وهود وصالح مرتين وذلك لطغيان قوم نوح وقوم هود وقوم صالح فقد مكث نوح عليه السلام بينهم الف سنة إلا خمسين عاماً يحاجّونه ويؤلبون عليه سفهاءهم ويكذبونه .. وطال عليهم الأمد حتى مل منهم ..ويظهر ألمه هذا في سورة القمر " فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر. وأما قوم هود فلأنهم تجبروا وبطشوا بالمؤمنين وبمن حولهم من القرى ، واعتمادِهم على قوة أجسادهم وضخامتها ، ولبطرهم وغناهم وما أمدهم به الله تعالى من مال وبنين وأنعام وجنات وعيون فكانوا لنعمه جاحدين . وأما قوم صالح فلأن الله تعالى هيّأ لهم حياة هنية وغنى فاحشاً وقوةً جسدية مكنتهم من حفر الجبال واتخاذها بيوتاً، ثم طلبوا آية فأرسل الله لهم الناقة فظلموا بها وعتَوا عن أمر ربهم
أما في الحديث عن قوم لوط وعن شعيب مع أصحاب الأيكة فقد وردت الآية " فاتقوا الله وأطيعون " مرة واحدة ولعل المتتبع للسورة يجد أن مفاسدهم كانت فيما بينهم ، وأن مكوث النبيّيْن الكريمين بينهم كان أقل – والله أعلم -.

وثاني التأملات في هذه السورة الكريمة التعليــل وذكر السبب :
والتعليل لأسباب كثيرة أيضاً منها :
البراءة والإعذار .
توضيح الأمور وتبيانها .
أن يتحمل المعنيّ مسؤولية قوله وفعله .
أن يكون صاحبَ القرار الأخير فيما يتصرف.
وسأذكر بعض الأمثلة :
- فسيدنا إبراهيم أعلن عداوته للأصنام ورفض عبادتها ، وأكد عبوديته لله رب العالمين للأسباب التالية :" الذي خلقني ، فهو يهدين .
والذي هو يطعمني ويسقين .
وإذا مرضت فهو يشفين .
والذي يميتني ثم يحيين .
والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين . "
ولأن الله تعالى صاحبُ الأمر والنهي الذي يستحق العبادة فأنا أدعوه وحده فهو المجيب الذي يلجأ إليه كل المخلوقات في الدعاء وهو الذي أسأله " وإذا سألتَ فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله " فقال : "رب هب لي حكماً ، وألحقني بالصالحين .
واجعل لي لسان صدق في الآخِرين .
واجعلني من ورثة جنة النعيم .......................
ولا تخزني يوم يُبعثون ، يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى اللهَ بقلب سليم "
- والشياطين لا يمكنهم أن يسترقوا السمع " وما تنزلت به الشياطين ، وما ينبغي لهم ، وما يستطيعون " فلماذا ؟ وما السبب؟ " إنهم عن السمع لمعزولون "
- وأمر الله تعالى رسوله الكريم أن يتوكل عليه " وتوكل على العزيز الرحيم " فلماذا؟ السبب: أنه تعالى هو " العزيز الرحيم
الذي يراك حين تقوم ، وتقلبك في الساجدين
إنه هو السميع العليم . "
- ويقول الله تعالى " والشعراء يتبعهم الغاوون " فلم يارب ؟ الجواب :
" ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ؟!
وأنهم يقولون ما لا يفعلون ؟! ................ "

وثالث هذه التأملات الاعتبار بمصائر الآخرين
فمن كان ذا قلب حي وبصيرة نافذة ادّكر ووعى ، وعمل صالحاً ونأى عن مواطن الخطأ ، وأقبل على الله تعالى بقلب منيب ... والله تعالى حين يقص علينا مصارع الظالمين ونهايتَهم المخيفة يحذرنا أن نسير سيرتهم وأن نسير على منوالهم كي لا ننتهي نهايتهم .
- فكيف كانت نهاية فرعون وملئه؟ " قال سبحانه " فأخرجناهم من جنات وعيون ، وكنوز ومقام كريم " كانوا يتمتعون بها في مصر ثم استدرجهم إلى خليج السويس لينجي المؤمنين بقيادة النبيين موسى وهارون وليقضي عليهم غرقاً " وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين " .
- وكيف قُضي على قوم نوح ؟ أغرقهم الله تعالى بالطوفان العظيم فلم يُبقِ منهم أحداً ، ونجّى نوحاً والمؤمنين معه في السفينة التي صنعها النبي الكريم " فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ، ثم أغرقنا بعدُ الباقين "
- أما قوم هود فقد استأصل الله تعالى شأفتهم " فأهلكناهم " وذلك بالريح الشديدة التي دمرتهم يقول تعالى في سورة الذاريات مصوراً نهايتهم المفجعة : " وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ، فترى القوم فيها صرعى ، كأنهم أعجاز نخل خاوية ، فهل ترى لهم من باقية ؟ "
- وقوم صالح أبيدوا كذلك " فأخذهم العذاب " وذلك بالصيحة التي صعقتهم فماتوا لساعتهم . يقول الله تعالى في سورة القمر " إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر " .
- وأما قوم لوط فأنهاهم عن بكرة أبيهم ، وكأنهم ما كانوا " ثم دمرنا الآخرين " وكان عقابهم على شقين كما ورد في سورة هود " فلما جاء أمرنا جعلنا عاليَها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ، مسومة عند ربك ... "
- وأما أصحاب الأيكة فقد أحرقوا بنارٍ انبعثت من سحابة حسبوها تُظلهم من حر الشمس " فكذبوه ، فأخذهم عذاب يوم الظلة ، إنه كان عذاب يوم عظيم "

ورابع هذه التأملات الاستكبار يمنع الإيمان :
فقوم نوح وجدوا ضعاف القوم هم الذين يؤمنون ، فهل يتنازلون ليكونوا مثل عبيدهم ، وفي مصافهم ! لا خاصة أن هؤلاء الضعفاء سبقوهم إلى هذا الدين الجديد ، فهل يرضى السادة أن يكونوا في الصف الثاني ؟! لا وألفُ لا " قالوا : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ؟!! " فنبههم النبي الكريم نوحٌ إلى أن مكانة الإنسان بعمله لا بنسبه وغناه . والداعية لا يفرق بين غني وفقير ، ولانسيب وغير نسيب ألم يضحك الصحابة رضوان الله تعالى من دقة ساق عبد الله بن مسعود – الذي قطع أبو جهل أذنه ودعاه رويعيّ الغنم - فأخبرهم النبي الكريم عليه الصلاة والسلام " أن ساقه عند الله تعالى أثقل من جبل أحد " ؟ فأجابهم نوح عليه السلام ".. وما علمي بما كانوا يعملون ؟ إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون " بل قربهم إليه واعتنى بهم واحتفى بهم لأنهم لبوا دعوته حين أنذر وبشر " وما أنا بطارد المؤمنين ، إن أنا إلا نذير مبين " ويتكرر الأمر بشكل أوضح في سورة هود حين يشتد الجدال بين نوح عليه السلام وبين قومه في الآيات/ 25- 31 / ولقد فعل المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم الشيء نفسه حين قالوا له مثل ما قال أسلافهم لنوح فأمره الله تعالى أن يحافظ عليهم ويقربهم ، ويُدنيَهم من مجلسه وأن يترك الغافلين الذين اتبعوا أهواءهم " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، يريدون وجهه.
ولا تعْدُ عيناك عنهم تريد زهرة الحياة الدنيا .
ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ، واتبع هواه ، وكان أمره فرطاً " بل حذره من طردهم فهم عباد الله الذين يذكرونه في كل وقت يبغون رضاه سبحانه فقال في سورة الأنعام : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ما عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء ، فتطردهم فتكون من الظالمين " . وكان صلى الله عليه وسلم يحتفي بابن أم مكتوم فيقول له : أهلا بمن عاتبني فيه ربي .
كما أن قوم نوح هددوه بالرجم " قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكوننّ من المرجومين "
ومن صيغ الاستكبار الإعراض والتكذيب والاستهزاء : " وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين . فقد كذّبوا ، فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون "
ومن صيغ الاستكبار وصف فرعون النبي موسى بالسحر والجنون " قال : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون " . وقوله للملأ حوله " إن هذا لساحر عليم " ثم تهديدُه بالسجن وتهديدُ السحرة بالصلب والتقطيع " لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين " " لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ، ولأصلبنّكم أجمعين "
كما أن قوم هود استهجنوا الدعوة واعتبروه مخرّفاً فقالوا مستهجنين العذاب الذي هددهم به إن كفروا " أنْ هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين " .
وهؤلاء قوم صالح اعتبروه مسحوراً ، وتحدوه بعقر الناقة " قالوا : إنما أنت من المسحَّرين ...... فعقروها "
وقوم لوط هددوه في هذه السورة بطرده من القرية " لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين "
وأما شعيب فقد نعته أصحاب الأيكة بأنه مسحور ، وأنه كاذب " قالوا : إنما أنت من المسحَّرين ..... وإنْ نظنك لمن الكاذبين " .

وخامس هذه التأملات : مخاطبة المدعوين بلغتهم :
يخاطب الله تعالى العرب أنفسهم حين يخاطب نبيه الكريم بلسان عربي واضح لا لبس فيه " ... لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين " وهذا له فوائد جمة ، منها:
أنه منهم ، يتكلم بلغتهم ، ويخاطبهم بما يفقهون .
وأنه يعرف أساليبهم ولهجاتهم فيجيبهم بأفصح لغة وأعذب بيان.
فيقيم بذلك الحجة عليهم فلا يبقى لهم عذر للإنكار .
وقد جاء هذا المعنى في آيات كثيرة ، منها في سورة يوسف :
" إنا أنزلناه قرآناً عربياً ، لعلكم تعقلون "
وفي سورة الزمر " قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون "
وفي سورة الزخرف " إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون "
وعلى هذا فينبغي أن يتعلم المسلمون اللغات الأخرى ليوصلوا القرآن الكريم والدين الكامل للأمم كلها بما يفهمون ليقيموا الحجة علي الناس .وليَعذروا إلى ربهم .
كما أن تعلم اللغات يفيد في التعرف إلى الآخرين في أفكارهم ، والدخولِ إلى قلوبهم ، وأمن مكرهم . فقد أمر النبي الكريم زيد بن ثابت وغيره أن يتعلم العبرية ففعلوا . وقال صلى الله عليه وسلم : " من تعلم لغة قوم أمن مكرهم " .




يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-20-2012, 05:42 PM   #14 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة الشعراء


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة الشعراء

د: عثمان قدري مكانسي



( 2 )

وحديثنا هنا إن لم يكن كله عن موسى عليه السلام فجلّه عنه .. وأول ما نقف عليه :
1- تجسيد الفكرة وذلك بالعودة إلى زمان القصة ليعيش المتلقي في أجوائها ، ويتصوّرها أمامه ، وكأنه يراها . وأداة ُالانتقال الظرفُ الماضي المتحرك " إذ " الذي ينقلك إلى الحدث فتتصورُه أمامك بصراً وسمعاً فإذا بك تسمع صوت الله تعالى من أعماق قلبك " وإذ نادى ربك موسى " فتصيخ السمع .. وأنت لا تملك إلا أن تسمع ، فهو الصوت الحق الذي يمتلك الوجودَ زمانَه ومكانَه ... كيف لا وهو خالق الزمان والمكان !!! والنداء الحق لا بد أن يطرُق شغاف قلوب المؤمنين ماذا يقول الله تعالى لموسى ؟
إنه يأمره أن:
2- يدعو الناس إلى تقوى الله عز وجل ، فالتقوى مِلاك الحياة وسبيل السالكين إلى مرضاة رب العالمين وعلى المرء السويّ أن ينحو في دعوته إلى تحقيق هدفين اثنين
أولهما أن يدعو نفسه التي بين جنبيه إلى البعد عن الهوى وسبل الغواية .
وثانيهما أن يدعو الآخرين إلى ما اعتقده من الحق ليحيَوا نقاء الحياة التي
يحياها ، وليكونوا عونه في نشر دعوته التي ارتضاها .
وعلى الدعاة أن يكونوا بين الناس ، وفي حقل الدعوة ، وما أفلح داعية يطل على المدعويين من برجه العاجي ! وكيف يصل إلى قلوبهم فينتزعُها من وهدة الضلال وينتشلها من حفر الفساد إذا لم يكن بينهم يقاسمهم هموم حياتهم ؟!.. ومن هنا نفهم قوله تعالى " أن ائت القوم ... " فلا غرو أن الاندماج في الوسط الذي ندعوه أول طريق النجاح .... وقد يسأل سائل : فأين التمايز ؟ وأين المفاصلة ؟ فالجواب : إنهما في القلب ففيه يتجذر الإيمان ، وفي التصرف الذي يدل على صدق التوجه في الدعوة . وهذا كان دأبَ الأنبياء والمصلحين .
3- معرفة الهدف : فمن هم هؤلاء الذين على موسى أن يدعوهم ؟ وما صفاتهم ؟
إنهم " ... القومَ الظالمين .. قومَ فرعون ..." وتصور معي أخي الحبيب أنهم لفسادهم وشدة كفرهم ذُكِر وصفهم قبل التعريف بهم فعرّفهم بالظلم قبل البوح بهم ليتعرف شِرّتهم فيعدّ العُدّة للتعامل معهم ، وليطلب من البراهين والأدلة ما يعينه عليهم ، وهنا نقول – كما ذكرنا مراراً – لا بد من التعريف بالهدف ليكون الأمر واضحاً لا لبس فيه ، وليتخذ المنفذ له كل احتياطاته ، ويستعدَّ للقيام به على أكمل وجه . والقرآن بهذا يعلمنا أن على المسؤول أن يكشف الهدف تماماً ، ويقدم الوسائل المعينة على إدائه على الوجه الأفضل ، كما أن على المنفّذ أن يطلب ما يراه مناسباً لنجاح المهمة .
وقد عرفنا الهدف : قوم فرعون . فما المهمة ؟ إنها التقوى " ألا يتقون ؟!... " إن التقوى سبيل الحياة الطيبة ، ومدعاة إلى مرضاة المولى سبحانه .. وعودة إلى عشرات الآيات في القرآن الكريم توضح ثمرات التقوى .. الرحمة ، الغفران ، الفلاح ، الرزق ، النجاة من المهالك ......وقد جاءت التقوى أمراً ونصيحة مشوبين بأسلوب التهديد والوعيد ، وهذا الأسلوب أمضى من الأمر والنصيحة متفرقَين .
4- التوثـّقُ للأمر :5- والاستعانة بالموثوقين : موسى عليه السلام بشر :
- يخاف : " قال ربِّ إني أخاف أن يكذّبون " .
- يضيق صدره : " ويضيق صدري .." .
- يتلعثم في الحديث : " ولا ينطلق لساني ... " .
فيطلب أخاه هارون ليكون معه يؤازره ويعينه في دعوته فهو يثق به ، ومن التوثيق للأمر أن يكون الصاحب أميناً موثوقاً . وهو يعرف أخاه معرفة تامة فطلب إشراكه في مهمته :" فأرسل إلى هارون " .
فهارون تتوافر في الفصاحة ، وسيتولى عنه توضيح الفكرة -إن ضعف - ودخولهما معاً على فرعون يخفف من وطأة الموقف ، ويخفف من الحرج وضيق الصدر ، وما ينتج عنهما .
ولا ننسَ أن الخوف يؤدي إلى ضيق الصدر ..كذلك يفعل التكذيب .. وضيق الصدر يؤدي إلى ضعف البيان وتهاوي الحجة ، واستهزاء المدعويين به ....
– يخاف من القِصاص ، فقد قتل القبطي : " ولهم عليّ
ذنب ، فأخاف أن يقتلون... " .
قد يستغل فرعون مقتل القبطي والرغبةَ في القصاص – لا للقصاص ففرعون يقتل وقت ما يشاء دون رادع أو سبب- ويرى الفرصة مناسبة لوأد كلمة الحق ، فيقتلُ الرسولَ موسى عليه السلام .. إذاً كيف يدخل عرين الأسد برجليه ؟ ويمكّنه من نفسه، وهو الذي هرب منذ سنوات طويلة خوف القِصاص ؟صحيحٌ أنه عليه السلام تاب لفعلة لم يكن يقصِدها فتاب الله عليه واجتباه ...لكن فرعون سيقتله ليتخلص من دعوته .
6- تلبية المطالب المنطقية : مادامت المهمة صعبة لا يقوم بها إلا المخلـَصون الذين اُعدّوا لها ، والله تعالى أعدّ موسى لها فرباه في رعايته " ولتُصنعَ على عيني " أجاب الله تعالى مطالبَ موسى ،
- فأرسل إلى هارون ، فجعله نبياً – والله تعالى يعلم منذ الأزل أن موسى سيطلب أخاه مساعداً ومعيناً فكان لهارون من الرعاية والعناية ما لموسى فكان يُضرب المثل بعفة هارون عليه السلام وأخلاقه ، وجَمِّ أدبه " يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء ، وما كانت أمك بغيّاً "
- وزودهما بالأدلة والبراهين " ... فاذهبا بآياتنا ...." . إن الأدلة عنوان القوة ، وداعية إلى الأمان ، وبرهان على صدق المقال والفعال .
- وثبّتهما بالمعية ، " إنا معكم مستمعون فمن كان الله تعالى معه كان راضياً مطمئن النفس ثابتَ القدم ، ومضى في مهمته جريئاً لا يخاف إلا الله .
7- التصريح بالأمر دون لبس : دخل النبيان الكريمان على فرعون ثابتَي الجأش واثقَيْن بالله ، وقالا كلمة الحق التي جاءا لها فذكرا : 1- المرسِلَ والمُرسَلَ: " إنا رسول رب العالمين " .
2- الغاية من الرسالة : " أن أرسل معنا بني إسرائيل " .
إن الوضوح يزيل اللبس ويقوّي الموقف ويمهد للحوار وهنا يبدأ الحوار بين النبي موسى عليه السلام وفرعون فماذا كان في الحوار ؟
8- الحوار : فصلت في أسلوب الحوار في مواقف متعددة وأعيده هنا مختصراً :
فهو أسلوب راق في التربية له فوائد جمة منها :
سماع الحجج والبراهين من الطرفين المتحاورين ، وإثراءُ الأفكار ، واعتياد التفكير الصحيح ، وإشغال أكثر من حاسة في الحوار ، واعتمادُ الدقة في الاستنتاج والطرح ....
وهنا نجد فرعون يلقي التهم جزافاً وبشكل متتابع ليضعف موقف الخصم ويوهن من عزيمته ويزرع فيه الخوف ويجرئ عليه الآخرين ، ويشكك في دعوته ، ويوحي للسامعين أنه كذاب لا يؤبه له وأن له ماضياً أسود من قتل وإجرام يمنعه أن يكون داعية صالحاً :
" ألم نربك فينا وليداً ؟!
ولبثت فينا من عمرك سنين ؟!
وفعلت فَعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ؟! "
وكانت معية الله تعالى تحرس موسى أن يضعف أو يهتز ، فقال ينقض من هذه الاتهامات ما يستحق النقض والنوضيح :
" فعلتها إذاً وأنا من الضالين " فلم يكن كافراً كما يزعم فرعون ، ولم يعبده لحظة من اللحظات ، إنما كان تائهاً عن الحق يبحث عنه فوجده ، والفرق بين الكافر والتائه كبير كبير : ......................." ففررت منكم لما خفتكم " وهذا أكبر دليل على أنه كان منهم بعيداً ، قد صنعه الله على عينه . فلما لا حقوه هرب منهم إلى بلاد الشام ، وهناك أكرمه الله بالنبوة :
" فوهب لي ربي حكماً ، وجعلني من المرسلين "
ثم رد على اتهام فرعون له بقتل القبطي بأسلوب الهجوم فالهجوم خير وسيلة للدفاع" وتلك نعمة تمنّها علي أن عبّدت بني إسرائيل ؟! " وتدبّر معي أيها الأخ الكريم كلمة " عبَّدْتَ بني إسرائيل " تجدِ التجبّر والظلم الشديد وفرض الهيمنة العاتية .
لئن قتل موسى القبطي خطاً ، وما كان يريد ذلك فاستغفر الله تعالى فغفر له إن فرعون كان يقتّل أبناء بني إسرائيل ويستبقي النساء لخدمته وخدمة قومه ، واستعبدهم يفعل بهم ما يشاء دون رادع ... وانظر معي إلى التهويل في كيل الاتهام " وفعلت فعلتك التي فعلت "
والعجيب أن فرعون وهو القاتل بالجملة عمداً دون رحمة ولا رأفة يرى أن موت القبطي بضربة موسى ذنبٌ عظيم يلام فيه سيدنا موسى ويحاسب عليه ! وهنا يحضرنا قول الشاعر :
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر
وقتل شـعب آمـن مسألة فيها نظر
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول : " يرى أحدكم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه " .
هذا دأب المجرمين في كل مكان وزمان ، يرون لأنفسهم من الحق ما يحرّمونه على غيرهم ...
طرح موسى الكليم حجته الدامغة " وتلك منة تمنها عليّ أن عبّدْتَ بني إسرائيل " فأسكتت فرعون وألقمته حجراً ، لقد قابل السخرية بسخرية أشد منها، فانطلق فرعون إلى سؤال آخر يحوّل فيه مسار الحوار، لكنني أراه قد حُصِر حين ألجأه موسى أن يسأل السؤال الذي ينبغي أن يصل إليه : " قال فرعون : وما رب العالمين ؟! " فأجاب النبي الكريم الإجابة الشافية التي عصفت بفرعون فألجمته : " قال : رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين " فإذا كان الله تعالى ربَ السموات والأرض وما بينهما فما الذي بقي لفرعون؟ وازداد الجواب إحكاماً حين جاءت الفاصلة المحكمةُ " إن كنتم موقنين " لتدفع الحاضرين أن يوقنوا بذلك وكأنه يقول لهم : إن فكرتم التفكير الصحيح عرفتم الإله الحقيق ، وهذا لا شك تعريض بفرعون الذي شعر بمقصد موسى فحرّض الغوغاء وإثارة النعرات والتهييج يستعديهم عليه " قال لمن حوله : ألا تستمعون ؟ " وهنا نبّه موسى الحاضرين إلى أن الله تعالى خلق آباءهم قبل أن يكون فرعون موجوداً وخلقهم كذلك كما خلق فرعونَ نفسه " قال : ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين : فما فرعون إلا واحد ممن خلقهم الله . وهنا يطيش صواب فرعون فيصف موسى عليه السلام بالجنون ، ويصعـّد الموقف :
" قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون " فما الذي نستشف في هذه الآية مما يدل على غضبه الشديد ؟
1- بدأ بحرف التوكيد إن .
2- استهزأ به حين ذكر إرساله إليهم " رسولكم الذي أرسل إليكم" وأراد إهانته ، فهو يرفض أن يكون مرسلاً إليه وانتبهوا إلى كلمة "الذي " الدالة على الاستبعاد.. مع الفعل المبني للمجهول أُرسِل إليكم وهو بهذا ينكر الله تعالى .
3- اللام المزحلقة زيادة في تأكيد غضبه وسخريته .
4- وصرح باتهامه موسى بالجنون .

ونرى موسى عليه السلام يصعّد الموقف أيضاً بجوابه المفحم ليلجم غوغائية الحاضرين وليرد على السخرية بمثلها :" قال : رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون "
1- في الآية السابقة اخبرهم أن الله تعالى ربهم ورب آبائهم الأولين وهنا زاد حين أكد أنه رب المشرق والمغرب وما بينهما.
2- وكما صرح فرعون بجنون موسى صرح موسى عليه السلام أن من لا يعمل عقله ويتفكرُ ويتدبّر هو المجنون الحقيقي .
وهنا يستعمل المتكبر الجبار سلاح البطش والإرهاب ، سلاح التخويف " لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين " ونجد أن هذا التهديد بالسجن سلاح المفلسين ممن لا دليل لديهم ولا برهان ،
وهذا مافعله فرعون حين عرف السحرة ُالحقيقة وفضلوا النعيم الدائم على الدنيا الفانية ، فهددهم بالقتل والصلب فثبتوا ثبات الجبال الرواسي " قالوا لا ضير ، إنا إلى ربنا لمنقلبون ، إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين "
1- وهذا التجبر الفرعوني دأب التافهين الفارغين الذين يعتمدون على القوة والجبروت في وأد الحق وفرض الهوى وما أكثرهم في كل زمان ومكان ، كأنهم اتعدوا على ذلك ، وأوصى به بعضهم بعضاً ....
2- ونراه يحقر النبي الكريم موسى ويريد أن يجعله من جملة المساجين الكثر التي تزخر بهم سجونه ، وهذا ما يفعله الطغاة حين يضعون كرام القوم في السجون مع المجرمين والفسقة ليزيدوا عليهم آلامهم .
3- وهنا دليل على أن الباطل يعتمد الإرهاب واعتقال الرأي وطمس الحقيقة دون اعتبار لبشرية المفكرين وإنسانية الإنسان.
9- إظهار المعجزة آخر المطاف : فموسى عليه السلام أراد أن يؤمنوا بالعقل والدليل المنطقي ، فلم يظهر العصا أول اللقاء فالأولوية للنقاش وإقامة الحجة ، لكن حين يعمى القلب وتظهر الغوغائية وينسدُّ الطريق ، ويتنادى الظلمة إلى التهديد والوعيد واستعمال القوة بدل الفكر تأتي المعجزة الباهرة ." أوَلوْ جئتك بشيء مبين ؟.......... فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين " وهنا يبلس المجرمون فآيته التي جاء بها باهرة عقلت ألسن الجميع وفي مقدمتهم إلههم الدجال .
تهييج الرعاع واستعانة فرعون – الإلهِ المزيف – بهم - والإله لا يحتاج إلى عباده إلا إذا كان ضعيفاً -جاء ملفتاً للنظر فمن ذلك قول فرعون للملأ حوله " إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ، فماذا تأمرون ؟! "
إله ديموقراطي !، يستشيرهم " فماذا تأمرون "
ويشيرون عليه : " أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحّار عليم " ...... وهل يخاف الإله سحر الساحرين ؟!
ومن ديموقراطيته أنه قال للملأ حوله في سورة أخرى " إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد " .........
ثم هو إله يترك لعبيده أن يساعدوه بسحرهم ، ويبذل لهم المال والمناصب إن هم نصروه وثبتوا ملكه :
" فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين ؟ "
فهم سينصرونه لمكاسب يحرزونها ،ليس لأنه إلههم، وأن عليهم أن يبذلوا الغالي والنفيس لأجله ! ويجيبهم بلهفة المستجير الغارق المتورط :
"قال : نعم وإنكم إذاً لمن المقربين "
والعجيب أنهم يرجون انتصار السحرة الذين سيثبتون - بانتصارهم إن فعلوا – ألوهية فرعون !
" لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين " وهذا من وهن العقول وسذاجة التفكير .

10- الله أعلى وأجل : قال أبو سفيان بعد معركة أحد : اعلُ هبلْ أعلُ هبلْ فرحاً بانتصار قريش على المسلمين ، فيعلّم النبي الكريمُ المسلمين أن يقولوا : الله أعلى وأجل ، ويقول أبو سفيان : لنا عزّى ولا عزّى لكم ، فيأمر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام المسلمين أن يقولوا : الله مولانا ولا مولى لكم . أما سحرة فرعون فقد قالوا حين ألقَوا حبالهم وعصيّهم :" بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون " وألقى موسى عصاه بتدبير الإله العظيم " فإذا هي تلقف ما يأفكون " ... وكانت النتيجة أن انقلب السحر على الساحر " فألقي السحرة ساجدين ، قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون " .
11- نهاية الظلم والظلام : وحين ينطلق ركب المؤمنين نحو بلاد الشام بعيداً عن فرعون وجبروته يحشد فرعون أعوانه وجنوده ليتابعوهم ويستأصلوهم :
" فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون " . ...
والعجيب أنه يكذب ويكذب ويكذب .. وهذه طبيعة الطغاة الذين يريدون استئصال الدين والإيمان ، ويخافون من المؤمنين الصادقين ويتآمرون عليهم .. فلم الحذر كله ولم حشد القوى كلها للقضاء على الصفوة المؤمنة وأنت تدّعي أنهم قليلون ؟؟!! إن صوت الحق قوي يؤرق ليل الظالمين وترتجف له فرائص المتغطرسين فلا بد لهؤلاء أن يبيدوهم حتى يصفو لهم الجو ولكن الله تعالى يجعل في ملاحقة الظالمين المؤمنين الفرج والنصر ، فلا بد بعد الصبر من الظفر ، ولا بد بعد المجاهدة من بلوغ الأرب .. أصحاب موسى يقولون خائفين حين تراءى لهم فرعون بجنوده يجدّون السير نحوهم : " إنا لمدركون " .
فيقول بلهجة المؤمن بربه المعتمد عليه : " كلا ، إن معي ربي سيهدين " ...
كذلك قال إبراهيم عليه السلام : " إني ذاهب إلى ربي سيهدين "
وكذلك قال سيد البشر محمد عليه الصلاة والسلام حين خوفه المنافقون من المشركين بعد أحد : " الذين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء "
ومن كان مع الله كان الله معه ، فنجى الله موسى ومن معه كما نجى إبراهيم ومحمداً عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه .." وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين " ...



نلتقي قريباً ان شاء الله مع سورة اخرى!!
حتى ذلك الحين وكل حين دمتم في رعاية الله وحفظــــه،،

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-20-2012, 11:45 PM   #15 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة هــود


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة هــود

د: عثمان قدري مكانسي

( 1 )



سُورَة هُود : مَكِّيَّة إِلَّا الْآيَات 114 - 17 - 12 فَمَدَنِيَّة وَآيَاتهَا 123 نَزَلَتْ بَعْد يُونُس
مَكِّيَّة فِي قَوْل الْحَسَن وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَجَابِر . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة :إلا الآية الرابعة عشرة ; وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : " وَأَقِمْ الصلاة طَرَفَيْ النَّهَار. وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : يَا رَسُول اللَّه قَدْ شِبْت. قَالَ :" شَيَّبَتْنِي هُود وَالْوَاقِعَة وَالْمُرْسلاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ ". وفي حديث آخر رواه سفيان بن وكيع : قَالُوا يَا رَسُول اللَّه نَرَاك قَدْ شِبْت ! قَالَ : ( شَيَّبَتْنِي هُود وَأَخَوَاتهَا ) .
فَالْفَزَع يُورِث الشَّيْب وَذَلِكَ أَنَّ الْفَزَع يُذْهِل النَّفْس فَيُنَشِّف رُطُوبَة الْجَسَد , وَتَحْت كُلّ شَعْرَة مَنْبَع , وَمِنْهُ يَعْرَق , فَإِذَا اِنْتَشَفَ الْفَزَع رُطُوبَته يَبِسَتْ الْمَنَابِع فَيَبِسَ الشَّعْر وَابْيَضَّ ; كَمَا تَرَى الزَّرْع الأخْضَر بِسِقَائِهِ , فَإِذَا ذَهَبَ سِقَاؤُهُ يَبِسَ فَابْيَضَّ ;
وَإِنَّمَا يَبْيَضّ شَعْر الشَّيْخ لِذَهَابِ رُطُوبَته وَيُبْس جِلْده , فَالنَّفْس تَذْهَل بِوَعِيدِ اللَّه , وَأَهْوَال مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَر عَنْ اللَّه , فَتَذْبُل , وَيُنَشِّف مَاءَهَا ذَلِكَ الْوَعِيدُ وَالْهَوْل الَّذِي جَاءَ بِهِ ; فَمِنْهُ تَشِيب . وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَوْمًا يَجْعَل الْوِلْدَان شِيبًا " [ الْمُزَّمِّل : 17 ] فَإِنَّمَا شَابُوا مِنْ الْفَزَع . وَأَمَّا سُورَة " هُود " وقد شيبت هودٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل بالأمم من عَاجِل بَأْس اللَّه تَعَالَى , فَأَهْل الْيَقِين إِذَا تَلَوْهَا تَرَاءَى عَلَى قُلُوبهمْ مِنْ مُلْكه وَسُلْطَانه قوة ُبطشه بِأَعْدَائِهِ , فَلَوْ مَاتُوا مِنْ الْفَزَع لَحَقَّ لَهُمْ ; وَلَكِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَلْطُف بِهِمْ. وَأَمَّا أَخَوَاتهَا فَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ السُّوَر ; مِثْل " الْحَاقَّة " و " الْمَعَارِج : " و " التَّكْوِير " و " الْقَارِعَة ", فَفِي تلاوة هَذِهِ السُّوَر مَا يَكْشِف لِقُلُوبِ الْعَارِفِينَ سُلْطَانه وَبَطْشه فَتَذْهَل مِنْهُ النُّفُوس , وَتَشِيب مِنْهُ الرُّءُوس .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الَّذِي شَيَّبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سُورَة " هُود " قَوْله في الآية الثانية عشرة منها: " فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت " فهو أمر بالاستقامة والثبات على ذلك ، ولا يصبر على الالستقامة إلا عظماء الرجال .
- وانظر معي إلى الأسلوب التربوي الأول في هذه السورة الذي نجده في الآية الأولى : التعظيم للقرآن ، فهو " كتاب " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، نزل به الروح الأمين بأمر الله تعالى على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قد " أحكمت آياته " كلّها ، فلا خلل فيها ولا باطل ، نظمت نظماً محكماً في اللوح المحفوظ ، فلا تناقض فيها ولا خطل ، جمعت الأمر والنهي ، فأحكمت المطلوب ، " ثم فُصّلت " بما فيها من الدلائل على وحدانية الله تعالى والنبوة والبعث وما إلى ذلك من الإيمانيات ، وذكرت الوعد والوعيد والثواب والعقاب . فليكن القرآن عظيماً في قلوبنا ، عظيماً في نفوسنا ، عظيماً في أعمالنا فنلتزمه فهماً وعملاً ، فنعظم عند الله تعالى وعند الناس كما كان السلف الصالح رضوان الله عليهم .
- أما الأسلوب الثاني فهو التسلسل المنطقي ، فالإحكام والترتيب والتنظيم أولاً ، والتفصيل والتوضيح والبيان ثانياً . .. ولا يكون العمل سليماً وناجحاً إلا بهذين الأمرين .
فما المطلوب بعد ذلك يا رب؟ إنه
إنه : 1- عبادة الله وحده فهو الخالق البارئ المستحق للعبادة .

2- الإيمان بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، فهو البشير النذير.
3- استغفار الله والتوبة إليه والعبودية له وحده .
4- الاعتقاد بيوم القيامة ، والعمل للقاء الله تعالى ، فلا بد منه " إلى الله مرجعكم "
فإذا تم هذا كان العيشُ الهانئ في الدنيا " يمتعْكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمّى " والتكريم في الآخرة " ويُؤتِ كل ذي فضل فضله " وإلا كان التهديد والوعيد بعذاب الآخرة الدائم " وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير " . وأسلوب الترغيب والترهيب واضح في تفاعل النفس الإنسانية الواعية مع الأمور . وهذا هو الأسلوب الثالث الذي يدق على الوتر الحساس في الإنسان ويعيش معه في كل آن ... فبعد الحياة حساب ، فإما ثواب وإما عقاب .وما يلتزم الصراط السويّ إلا ذوو الألباب.
- الإنكار والصلف والعتو سبيل الجاهلين الذي يظلمون أنفسهم أولاً وآخراً ،
1- إنهم ينكرون البعث ويسخرون منه ابتداءً " ولئن قلتَ : إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا : إن هذا إلا سحر مبين ! "
2- يتحدّون بكبرياء كل تهديد ووعيد وينكرون العذاب الذي ينتظرهم هازئين " ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ، ليقولنّ : ما يحبسه!! " .
3- الإنسان سريع اليأس إن لم ينل بغيته ، أو نزعت منه النعمة . والبعدُ عن الصبر مقتل يقع فيه الكثرة الكاثرة – فالإنسان خلق من عجل – ولا بد من التحلي بالصبر وعمل الصالحات كي يزداد المؤمن إيماناً ، ويتجاوز ضعفه . وعلى رأس هذه السمات : اللجوء إلى الله والاتكال عليه :" ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إن ليؤوس كفور ، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن : ذهب السيئات عني ، إنه لفرح فخور" فتراه ينسى مشاقه ويرفع رأسه خيلاء ، وينسب الفضل لنفسه " لفرحٌ فخور " وينسى الخالق المنعم ، ويتجبر على أمثاله من البشر ، وكأنه من طينة أخرى غير طينتهم . " إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ، أولئك لهم مغفرة وأجر كبير"... إن الإنسان العاقل من يعرف قدر نفسه، ويأرز إلى الحق، ويقر به . وهذا هو التأمل الرابع الذي ينبغي أن نقف عند نتائجه وآثاره وقوف المتأملين المتدبرين ليكونوا من المفلحين . إن هؤلاء الصابرين العاملين خيراً نماذجُ راقية من البشر ، وجودهم نادر ندرة َالمعدن النفيس بين المعادن الأخرى



يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-20-2012, 11:47 PM   #16 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة هــود


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة هــود

د: عثمان قدري مكانسي

( 1 )



- أما التامل الخامس فوقفة متأنية أمام الآية الكريمة " فلعلك تاركٌ بعضَ ما يوحى إليك ، وضائق به صدرك أن يقولوا : لولا أُنزل عليه كنز أو جاء معه ملَك! إنما أنت نذير ، والله على كل شيء وكيل " .. ترينا الداعية يجد في سبيل دعوته الكثير من المتاعب ، والكثير من السخرية والاستهزاء ، والكثير من المثبطات فهل تفتر همته ويتكاسل عن أدائها ؟! وهل يتنازل عن بعض ما فيها ويتخفف منه لإرضاء أهل الأمزجة والأهواء ؟! وهل تضيق نفسه فيقول : لِمَ أتحمل هذا العبء وأسير عكس التيار ؟! .. عقبات كثيرة ومعوقات عديدة تعترض مسيرة الدعوة والدعاة . فما ينبغي لحامل الدعوة المؤمن بها أن يعتريه ضعف ، أو تضيق نفسه بشرف حملها والنفحِ عنها وبذلِ ما يستطيع في سبيل الوصول إلى نجاحها. ..عليه فقط أن يبذل جهده وأن يخلص نيته ،فهوالأداة البشرية التي اختارها الله تعالى للتعامل مع أمثاله من الناس ، أما الهداية وقلوب البشر فبيد الله يهديها إليه سبحانه إن شاء ، ويضلها حين تستكبر وتجحد وتُعرض عن منهجـه القويـم . " والله على كل شيء وكيل " .
- والتأمل السادس يتجلى في نفسية الكفارالواحدة التي لا تتغير في الأزمنة والأمكنة وإن تغيرت الأزمنة والأمكنة نفسها... إن أول الأنبياء نوح ، وآخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام يلقـَون من المشركين " سيمفونية واحدة " هي التكذيب بالأنبياء وما جاءوا به ، فهذا الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام يتهمه كفار العرب ومشركوهم أنه افترى القرآن الكريم ، مع أن دعواهم ساقطة من أساسها . فهم قومه ولغته لغتهم ، فلو كان القرآن تأليفه لاستطاعوا المجيء بمثله ، ولكنهم لن يستطيعوا ذلك ، ولن يستطيعوا المجيء بعشر سور مثله ، ولا بسورة واحدة ، وإن جهدوا ، وإذا عجزوا عن ذلك فالقرآن –إذاً- من عند الله تعالى" فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أُنزل بعلم الله ، وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ؟ ..." .. نعم يا رب : نحن بفضلك مسلمون . ..وهذا النبي الكريم نوح يلقى من قومه اتهاماً بأنه يفتري على الله هذا الدين " أم يقولون افتراه ؟! قل : إن افتريته فعليّ إجرامي ، وأنا بريء مما تجرمون " .. وهذا الاتهام لأول الأنبياء وآخرهم يندرج تحته وصم الكفار للأنبياء جميعاً بهذه الفرية ... وهذا هود عليه السلام الذي سميت السورة باسمه يرد على الكفار بأنه ليس مفترياً بل إنهمم هم المفترون " ... إن أنتم إلا مفترون.." . وقوم صالح يعزفون اللحن التكفيريّ نفسه فيقولون : " وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب " . فهم بهذا يتهمونه بالافتراء ... وهؤلاء قوم لوط لما دعاهم إلى العفة ، والزواج الحلال من الفتيات الطاهرات كشفوا جانب الفجور، وأظهروا المستور دون رادع من أخلاق " قالو : لقد علمت مالنا في بناتك من حق ، وإنك لتعلم ما نريد " وتراهم يرفضون مع شعيب التعامل بالمال الحلال ، ولا ينتهون عن تطفيف الكيل والميزان ، ويهددونه بالقتل لولا رهطه الذين يمنعونه ...
فإذا أطل التأمل السابع – وهو مقولة الأنبياء الواحدة على مر الدهور – الدعوة ُ إلى الله وإفراده بالعبادة والتوبة والإنابة إليه وجدنا المقولة عند نوح عليه السلام " أن لا تعبدوا إلا الله ، إن أخاف عليكم عذاب يوم أليم " ورأيناها نفسها عند هود عليه السلام " قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ، إن أنتم إلا مفترون " وألفيناها نفسها عند صالح عليه السلام " قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها " وكذلك نجد المقولة نفسها عند شعيب عليه السلام " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .." .
كما أن الجميع يرددون الطلب إلى قومهم أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه " فالله تعالى أمر محمداً عليه الصلاة والسلام في الآية الثالثة أن يذكر قومه بالاستغفار والتوبة " وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه .. " وكذلك يقول النبي هود عليه السلام في الآية الثانية والحمسين ، والنبي صالح عليه السلام في الآية الواحدة والستين ، والنبي شعيب عليه السلام في الآية التسعين ،
ونتيجة الاستغفار والتوبة في الآية الثالثة الحياة الطيبة في الدنيا والفضل العميم في الآخرة ، ونتيجته في الآية الثانية والخمسين الحياة الرغيدة والقوة العظيمة . ونتيجته في الآية الواحدة والستين التمكن في الأرض ورضاء الله تعالى ، ونتيجته في قصة شعيب الخير والنماء ، والرحمة والود ، والأمان من العذاب .
ونجد مقولة الأنبياء واحدة في تطمين الناس أنهم لا يريدون منهم جزاء ولا شكوراً وأنهم لا يبتغون من ذلك الكسب الدنيوي ولن يكلفوا الناس شيئاً ،وهم ينتظرون الأجر العظيم من الله تعالى ، فنوح عليه السلام يقول لهم في الآية التاسعة والعشرين : " ويا قوم لا أسألكم عليه مالاُ إن أجري إلا على الله .." ويكرر هود عليه السلام المقولة ذاتها في الآية الواحدة والخمسين " يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الذي فطرني .." كما أن المشركين عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم المال الكثير والزعامة والسيادة والنساء والطب ، فأخبرهم أنه لا يريد منهم إلا أن يشهدوا لله بالوحدانية .
- فإذا توقفنا عند التأمل الثامن- وهو مقارنة بين خاتمة المجرمين والمؤمنين - وجدنا الكافرين – والعياذ بالله – في النار، 1- ليس لهم أولياء يدفعون عنهم العقاب الأليم ، بل إن العذاب يضاعف ، فيزداد بلاؤهم .
2- خسروا أنفسهم في جهنم خالدين ، فلم ينفعهم آلهتهم
المزعومة .
3- قد يخسر الإنسان ماله فيعوضه ، وقد يخسر أهله ، فيجد
غيرهم .. ، لكنه إن خسر نفسه فقد خسر كل شيء.
أما المؤمنون الذين عملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ، وكانوا عباداً مرضيين فـ " أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " . نسأل الله تعالى أن نكون منهم . فالفريق الأول – الكفار – مثلهم كمثل الأعمى الأصم ، والفريق الثاني – المؤمنون – كالبصير السميع ، وشتان شتان بين هؤلاء وهؤلاء :" .. هل يستويان مثلاً ؟ أفلا تَذَكّرون ؟ " .
- ونصل إلى التأمل التاسع فنرى الكبر عند الكفار الذين يأنفون أن يؤمنوا بما آمن به الضعفاء من الناس " وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي .." ويطلبون إليه أن يطردهم ، ولن يؤمنوا بالله الواحد ولا نبوة نوح ولو طرد الضعفاء والفقراء . وهذا يذكرنا بالشيء نفسه الذي احتج به كفار قريش ، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد البسطاء من ضعفاء المسلمين فكان رد القرآن سريعاً وحاسماً في سورة الكهف : " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ولا تعْدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً " فاحتفى بهم النبي صلى الله عليه وسلم وبالغ في إكرامهم . وكذلك فعل النبي نوح عليه السلام حين قال للملأ الكافرين من قومه : " وما أنا بطارد الذين آمنوا ، إنهم ملاقوا ربهم ، " ثم أنحى على الكافرين باللائمة ، ونعتهم بما يستحقون من توبيخ فقال : " ولكني أراكم قوماً تجهلون " .
- التأمل العاشر القدوة الصالحة . فشعيب عليه السلام حين دعا قومه إلى إيفاء المكيال والميزان ، وإعطاء الناس حقوقهم والبعد عن أكل الباطل قال : " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه " فهو يأمر بالمعروف ويبدأ بنفسه ، وينهاهم عن المنكر ، وينتهي عنه أولاً .. وهكذا الداعية الصدوق ، ورحم الله الشاعر القائل :
يا أيها الرجل المعلم غيره هلاّ لنفسك كـان ذا التعليـم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فانت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم القدوة في كل شيء ، ففي المعركة كان المقدّم ، فقد روى الإمام علي رضي الله عنه قال : " كنا إذا حمي الوطيس واحمرّت الحِدق نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما يكون أحد أقربَ إلى العدو منه " وحين نهى عن الربا نهى عمه العباس أول الناس ، وحين نهى عن الثأر في الدماء الجاهلية بدأ بدم ابن عمه .. وكان تلميذه النجيب عمر الفاروق رضي الله عنه حين يأمر أو ينهى يجمع أهل بيته فيأمرهم وينهاهم أولاً ، ويلوّح بالعقوبة المضاعفة لهم إن خالفوا .. ومن هنا نجد قوله تعالى في الآية الثانية عشرة بعد المئة أمراً للنبي صلى الله عليه وسلم – وهو قدوتنا – بالاستقامة " فاستقم كما أمرت ، ومن تاب معك ، ولا تطغَوا إنه بما تعملون بصير " فإذا استقام الرأس استقام ما بعده ، وإن فسد الرأس فسد ما دونه . ولن يتبع أحد أحداً ولن يصدقه مالم يره يبدأ بنفسه قبل الآخرين في كل شيء ، وما لم يكن صادقاً في نفسه يتعهدها بالصلاح والتزكية قبل إصلاح الآخرين وتزكيتهم ، ولن يثبت على الاستقامة إلا عظماء الرجال .



يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-20-2012, 11:49 PM   #17 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة هــود


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة هــود

د: عثمان قدري مكانسي

( 2 )



طوفان نوح
- لا تكون العقوبة إلاّ بعد الإنذار والتحذير ، والله سبحانه وتعالى يرسل الرسل يعلمون الناس السبيل المستقيم ، وينذرونهم الخروج عن الحق واتباع الأهواء " ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين " فيرشدونهم إلى عبادة الله ورضاه ، وإلا كان الهلاك مصيرهم ، وحلت العقوبة بساحتهم في الدنيا والآخرة " ألا تعبدوا إلا الله ، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم " .
- ومضت السنون العجاف - المئات التسعُ والخمسون- قاسية على النبي نوح عليه السلام وعلى من آمن به – وعادة ماتُذكر السنة للجدب والتعب والنصب ، ويُذكر العام للخصب والنماء ، والدليل على ذلك في لغة العرب " فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً " فلم يشعر نوح بالراحة إلا بعد القضاء على القوم الكافرين في الخمسين عاماً الباقية من عمره بعد الطوفان ، كما يروي المفسرون .
- وتحق العقوبة حين يغلق الكافرون قلوبهم ، ويستكبرون على الحق ، ويصرون على العصيان ، فقد روي أن الرجل كان يأتي بابنه إلى حيث نوحٌ عليه السلام ، ويشير إليه ويقول لابنه : هذا كذاب أشر ، نبهَني منه جدك وحذرني ، وأنا أحذرك من اتباعه وتصديقه ، فيتألم النبي الكريم عليه السلام ، ويرفع يديه إلى السماء " فدعا ربه : أني مغلوب فانتصر" ، ثم يدعو عليهم ، فقد طفح الكيل ، وازدادوا عتـُوّاً وفساداً " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً ، إنك إن تذرهم يُضلوا عبادك ، ولا يلدوا إلا فاجراً كفـّاراً "
- ويوحي الله تعالى إلى نوح أن القوم استغلقت قلوبهم وتبلدت أحاسيسهم ، ولن يصدقه إلا من كان قد آمن به فقط " وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " فتنتهي مهمته في الدعوة بينهم ، وينصرف عن دعوتهم ، فلا زراعة في الصخور ، ولا إنبات في الأرض المالحة ، ولا يجوز لنبي داعية أن يجتهد في ترك قومه دون إذن من الله كما فعل يونس عليه السلام ، فعوقب ، ثم تاب الله عليه ونجّاه من الغم .
- لا شك أن الداعية يُسَرُّ حين يستجيب له قومه ، ويتألم حين ينصرفون عن دعوته .ونشعر بعميق ألم نوح عليه السلام إذ عاداه قومه ، وكذبوه " رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ، فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ، وأصرّوا ، واستكبروا استكباراً " وسورة نوح في الجزء التاسع والعشرين تصور حزنه الشديد وحسرته أنْ لم يكونوا مؤمنين ،وفي سورة هود يخفف الله تعالى عنه كي لا يحزن ويغتم : " فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " ونوحٌ ليس بدعاً من الرسل ، فرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يحزن لتكذيب قريش له ، فيخفف الله تعالى عنه قائلاً " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " وينبهه إلى تحمل ذلك " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً " وموسى عليه السلام يكاد يحس بالإحباط ، فيعبر عن ذلك بقوله " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "
- والأنبياء – ومن بعدهم الدعاة ُ – رحماء بقومهم ، لا يريدون الهلاك لهم ، ولو آذَوهم . ولئن نذّ عن الدعاة في لحظة ضعف وألمٍ غضبٌ ودعاء بهلاك الكافرين منهم ، فدعوا عليهم ، إنهم سرعان ما تتحرك الشفقة والعطف ، فتظهر فيهم الرحمة ، فنوح عليه السلام يدعو عليهم في سورة غضب من سوئهم وتكذيبهم وشدة كفرهم : " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديـّاراً " إلا أننا نلمح رحمته بهم في قول الله تعالى له " ولا تخاطبني في الذين ظلموا ، إنهم مغرقون " فلولا علم ُالله تعالى رحمة َ نوح بقومه ما نبهه ابتداءً في عدم الشفاعة بهم . كما أن جواب الرسول صلى الله عليه وسلم حين سأله أصحابه أن يدعو على أهل الطائف وهو يحاصرهم " اللهم اهدِ ثقيفاً وائتِ بهم " وحين ينزل عليه ملَك الجبال بأمر الله تعالى – وقد طردته قريش وثقيف - ويقول له : يار سول الله لو شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبَين يقول الرحيم بقومه " اللهم اهد قومي ، فإنهم لا يعلمون " أما آخر آية من سورة التوبة ، فإنها وسام في جبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم " لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتـّم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رؤوف رحيم .. "
- هلاك الكفار بيد الله تعالى – أمر لا شك فيه – وهو القدير يقرر الطريقة التي يعاقبهم بها حين يتمردون ، ويجترئون " فكُلاّ أخذنا بذنبه ، فمنهم مَن أرسلنا عليه حاصباً ، ومنهم من أخذتـْه الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا " وكان في الغرق هلاك قوم نوح . ولن يُجمعوا فيساقوا إلى البحر ، ولكنّ المياه بإذن الله ستجتاحهم ولا تبقي منهم أحداً ، ولا بدّ من نجاة نوح والمؤمنين ، ومع أن الله تعالى رب الأسباب يفعل مايشاء إلا أنه يعلمنا أن نتخذ الأسباب ، ونعتمد عليه بعد اتخاذ الأسباب ، فلا بد – إذاً - من سبب للنجاة ... فلتكن السفينة التي تقل المؤمنين جاهزة ، وسيصنعها النبي نوح والمؤمنون معه بإذن الله تعالى . " فاصنع الفلك بأعيننا ووحينا " .
- ويبدأ نوح عليه السلام والمؤمنون معه يصنعون سفينة النجاة بتوفيق من الله ، يدل على هذا التوفيق تلكما الكلمتان( الأعين والوحي) فرعاية الله تحفظهم ، ووحيه يرشدهم ، ومن كان الله معه فهو الفائز الراشد أبداً . ألم يبدأ الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بناء المسجد النبوي وتبعه المسلمون يعملون بجد ونشاط قائلين :
لئن جلسنا والنبي يعمل لَذاك من العمل المضلل
وكان صلى الله عليه وسلم يحفر الخندق مع المسلمين .. ويشارك في صنع طعام أصحابه ، وهو القائل حين أزمع أصحابه الطبخ في سفرهم وقالوا استرح يا رسول الله ، فنحن نكفيك : " وعليّ جمع الحطب " .. صلى الله عليه وسلم .
- الثقة بالنفس والإيمان بالدعوة يبث القوة في الداعية ، ويدعّم موقفه أمام اللآخرين . فهؤلاء الكفار يسخرون من نوح عليه السلام وأصحابه حين يرونهم يصنعون السفينة ، فيرد عليهم نبي الله نوح إن كنتم الآن منا تسخرون ، فنحن نسخر منكم الآن وحين تقع الواقعة ، ويحين هلاككم ، ومن يضحك أخيراً فهو الفائز في الدنيا والآخرة ...
" ويصنع الفلك ......
وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ........
قال : إن تسخروا منا ، فإنا نسخر منكم كما تسخرون ....
فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ، ويحل عليه عذاب مقيم "
- وقد كان نوح عليه السلام ينتظر انفجار الماء من الأرض ونزوله العظيم من السماء ، وينبه أهله وأتباعه أن يكونوا لأمره يقظين ، ولإشارته منتبهين ، فإذا ما بدأت لحظة الصفر جاء الأمر بركوب السفينة ، ولن يركبها إلا السعيد بالإيمان من أهله وأتباعه . أما الكفار - مهما كانت قرابتهم منه عليه السلام - فهم من الهالكين . وقد يكون للأنساب في الدنيا مكان وتمكين ، أما في الآخرة فالعمل الصالح والإيمان بالله يرفع صاحبه . ولا تنفع الأنساب مالم يكن هناك إيمان وتقوى" فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " . وقد كان أصحاب نوح قليلين ، بضعاً وثمانين ، والعبرة بالنوع والكيف لا بالعدد والكمية . منهم تعود البشرية إلى التكاثر والنماء " ذريـّة من حملنا مع نوح ، إنه كان عبداً شكوراً " .
- ويركبون السفينة وعين الله ترعاها ، والمؤمن تكلؤه عناية المولى سبحانه وتحميه وتنقذه من البلاء وتسمو به إلى النجاة والهناء " بسم الله مجريها ومرساها ، إن ربي لغفور رحيم " .. بدأت المياه تتفجروتندفع من كل شبر من الأرض بقوة ، ونزلت أنهار السماء وبحارها تتدفق تدفقاً لا يوصف ، والماء يعلو بسرعة متناهية .. وهرب الناس بأنفسهم إلى الروابي والجبال ظانين أنهم بذلك ينجون من الغرق !!.. ولكن قدر الله يحيط بهم وهم حتى اللحظة الأخيرة من حياتهم سادرون في الضلالة لا يرعوون ... سقط الضعفاء في السهول والوديان ، وتركت الأمهات أطفالهن ينجون بأنفسهن وانطلق الرجال دون المال والأطفال والنساء لا يلوون على شيء ، كلهم يسأل النجاة لنفسه فقط .كما يفعل الناس يوم القيامة " يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ،وصاحبته وبنيه ،لكل منهم يومئذ شأن يغنيه "
- ويرى الأب الرحيم نوح أحد أولاده – وكان كافراً كأمه - يغالب الموج والماء منطلقاُ إلى جبل قريب يعتصم به من الموت المحقق ، فتتحرك الرأفة والرحمة الأبوية ، فيناديه: " يا بني ؛ اركب معنا ، ولا تكن مع الكافرين " .. أقول : : لو أنه قال له اركب معنا لركب – ربما – ولكن نوحاً اشترط الهادية والإيمان لركوب السفينة والنجاة من الغرق حين قال " ولا تكن مع الكافرين " فأخذت الولدَ العزةُ بالإثم وانطلق مبتعداً إلى الجبل ، فلم يمهله الموج أن لطمه وجرّه إلى حيث الموتُ والهلاك السريع .. كيف ينجو ؟! والموج كالجبال علوا وحجماً وارتفاعاً وقوة ، وكالريح الشديدة سرعة وحركة وأخذاً ؟! .. إنّ من غالب الله هُزم ، ومن عاداه قـُصِم ، ومن اجترأ عليه ندم .. ندم حيث لا ينفع الندم ، ولا يجدي الألم ...
- كل عمل لا يُبدأ فيه ببسم الله أبتر كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكرُ الله عنوانُ الإيمان وسِمَة المسلم لعلمِه أن كل شيء بيده سبحانه ، يصرف الأمور كيف يشاء . فمن لجأ إلى الله تعالى فقد لاذ بالأمن والنجاة ، (وتصور أخي الحبيب السفينة مهما كانت كبيرة تمشي بين موج كالجبال لا يحفظها من هذا الموج سوى الله ) وفي تفسير القرطبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله الرحمن الرحيم : "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضتُه يوم القيامة ، والسماوات مطويات بيمينه ، سبحانه وتعالى عما يشركون ." " بسم الله مجريها ومرساها ، إن ربي لغفور رحيم " "
- لو أمعنا النظر في قوله تعالى يخاطب الأرض والسماء " وقيل يا أرض : ابلعي ماءك ، ويا سماء أقلعي " بهذا الجمال والوضوح مع الاختصار ما وجدنا أجمل منه ولا أوضح تعبيراً .. جملتان قصيرتان خضعت لهما السماء والأرض ، فقد التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدر ، فأمَر اللهُ تعالى الماءَ النازلَ من السماء بالإقلاع ، فلم تمتص الارض منه قطرة ، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط ، فما جاوزت ذلك . وانتهى الأمر بجملتين صغيرتين أُخريين " وغيض الماء ، وقُضي الأمر " فعاد كل شيء كما كان .... وأماكن السفن في البحر، ترسو على الشطآن ، أما سفينة الإيمان فقد رست أعلى الجبل ، وبقيت آية تدل على عظمة الله وقدرته سبحانه .
- ألم يقل الله تعالى لنوح عليه السلام " قلنا احمل فيها زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ، ومن آمن "؟ وظن نوح عليه السلام أن ابنه من أهله . فقال بعد أن نزل من السفينة وهدأت نفسه ونفوس المؤمنين معه من صعوبة هذه الرحلة الشاقة وحنّ إلى البنه الغارق " ربِّ إن ابني من أهلي ، وإن وعدك الحق ، وأنت أحكم الحاكمين " فهو يستنجز وعد الله الحق أن ينجي ابنه فهو من أهله !. فينبهه الله تعالى أن الإيمان والكفر لا يجتمعان ، وأن الصلة الحقيقية بين الناس صلة الإيمان بالله تعالى فلئن كان الغارقُ ابنـَه ومن صلبه – نعم من صلبه ، فنساء الأنبياء لا يزنين فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما " ما بغتْ امرأة نبي قط " أما قوله تعالى في زوجتي نوح ولوط " ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط ، كانتا تحت عبدين من عبادنا فخانتاهما .." إن خيانتهما في أنهما لم تؤمنا بهما وكانتا مع قومهما عليهما - إلا أنه لم يؤمن ولم يعمل صالحاً ، فلـْتنقطعِ العلاقة ُ إذاً! " قال : يا نوح ؛ إنه ليس من أهلك ، إنه عملٌ غيرُ صالح " . من هذا نفهم كيف كان قتال بين أبي عبيدة رضي الله عنه وبين أبيه الجراح في معركة بدر فقتل عامر أباه . وكيف كان رأي الفاروق رضي الله عنه أن يُقتل الأسرى من أهل بدر ولو كان بعضهم لبعض رحِماً وقريباً وخالفه بعضهم فنزلت الآية من سورة الأنفال تؤيد رأي الفاروق عمر " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ، تريدون عرض الدنيا ، والله يريد الآخرة ، والله عزيز حكيم " .
- ونوح عليه السلام مثال المؤمن الذي يمتثل لأمر الله ، ويعترف بخطئه ، ويستغفر الله إن أخطأ ،ويسرع إلى مرضاة الله والرغبة في عفوه ورحمته . فلما حذره الله تعالى أن يكون من الجاهلين فيسأل ما ليس له به علم استعاذ بالله أن يزل أو يقع في الخطأ وتذلل لله وخضع له ، " قال ربّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ، وإن لم تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين " فشكر الله له هذا التذلل والخضوع ، وأكرمه بالسلامة على الأرض مع قومه والبركات منه سبحانه للجميع " " قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك .." وكانت العاقبة للمؤمنين الصادقين ..
اللهم إنا نسألك الهداية ونسألك النجاة من كل سوء لنا وللمسلمين جميعاً .. يا رب العالمين . اللهم آمين آمين



يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-20-2012, 11:51 PM   #18 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة هــود


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة هــود

د: عثمان قدري مكانسي

( 3 )



السلام سنة ، ورده واجب ، هذا ما كان من ضيوف إبراهيم عليه السلام حين دخلوا فسلموا ورد عليهم السلام ، فكان ما فعله سنة للمسلمين إلى يوم القيامة :" ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ، قالوا سلاماً . قال : سلام " ومن السنة أيضاً أن من حياك بتحية كان عليك أن ترد عليه بأحسن منها ، فإن لم تفعل فبمثلها " وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " .. فهل أجاب إبراهيم عليه السلام التحية بمثلها أو بأحسن منها؟ والجواب أنه ردها بأحسن منها ، فقد حيـَّوه بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ، ورد عليهم بالجملة الاسمية التي تفيد الثبوت . والثبوت أقوى من الحدوث ، فكان رد النبي إبراهيم عليه السلام بأحسن من تحيتهم .
- وتحية المسلمين " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما " صباح الخير ، أو أو مساؤه ، وما تلقفناه عن الغرب هذه الأيام من " هاي ، باي ، مورننج " فليس من تحية المسلمين ، لقد دخل عمرو بن وهب الجمحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له ولأصحابه " أنعموا صباحاً " - وكانت تحية أهل الجاهلية – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد أكرمنا الله بتحية خيرٍ من تحيتك يا عمير ، تحية أهل الجنة "
- ومن حسن الاستقبال : أ- أن تكرم الضيف بالطعام أو الفاكهة ،
ب - وأن تقرب لهم الطعام أو الضيافة ، فقد رأينا أن إبراهيم عليه السلام بعد أن سلم عليه الملائكة – وهو لا يدري أنهم ملائكة قدم بين أيديهم لحماً مشوياً " فما لبث أن جاء بحجل حنيذ " وفي سورة الذاريات " فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين " وكلمة راغ توحي بأنه كان حريصاً على قـِراهم ، فلم يسألهم : أتأكلون فآتي بالطعام ، بل إن على صاحب البيت أن يأتي بالطعام دون أن يسألهم حتى لا يستحيوا فيجيبوا بالنفي .
ج - كما أن على صاحب الدار أن يكون قراه طيباً وكثيراً " فالعجل مشوي سمين " وهذا من مكارم الأخلاق وآداب الضيافة ، وليست بواجبة عند عامة أهل العلم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : "الضيافة ثلاثة أيام ، وجائزته يوم وليلة ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة " .والمقصود بالجائزة : الهبة والعطيّة ، وقال صلى الله عليه وسلم : " :: ومن كان يمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " فـ" ليلة الضيف حق " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .
د – ثم التلطف في الدعوة إلى الطعام ، فلم يقل لهم : " كلوا " إنما قال لهم بصيغة السؤال متلطفاً " ألا تأكلون ؟"
هـ - ومن الإكرام أن يقدم الطعام للضيفان من صنع أهل البيت ما أمكن ، فالتكلف غير مرغوب
- ومن جمال التعبير في الآية " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه " أنهم لم يتحركوا ولم يهتموا بالطعام . وعملهم هذا في العرف الاجتماعي أنهم أعداء يستهينون بمن دخلوا عليه داره . ويخيف صاحب الدار أن عدوه يتحداه في عقر داره ، ويرفض الصلح ، وكأنه ما جاء إلا عن قوة ليفرض ما يريد " فنَكِرهم وأوجس منهم خيفة " وهنا يفصحون عن أنفسهم . فهم ملائكة الله جاءوه مبشرين بإسحاق نبياً من الصالحين وبحفيده من إسحاق يعقوب عليهم جميعاً الصلاة والسلام ، فيرتاح قلبه وتهدأ نفسه " قالوا : لا تخف ." ... " فبشرناه بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب " .
وقد يمتنع الضيف عن قبول الضيافة إلا أن يطلب حاجة من ضائفه ، ويجيبه هذا إليها ، فيمد يده إلى قراه . وهذا معروف عند أهل البدو والأرياف .
- من سمات المسلم اهتمامه بسلامة إخوانه ،وسيدنا إبراهيم قدوتنا وخير مثال على ذلك . فإنه حين علم أنهم سيهلكون قوم لوط – ولوط ابن أخيه - فزع أن يصيبه مكروه فبدأ يجادل الملائكة في أمر لوط عليه السلام : وَهَذِهِ الْمُجَادَلَة رَوَاهَا حُمَيْد بْن هلال عَنْ جُنـْدُب عَنْ حُذَيْفَة ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا : " إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة " قَالَ لَهُـمْ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أتُهلكونهم ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فَأَرْبَعُونَ ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فثلاثون ؟ قَالُوا :لا . قَالَ : فَعِشْرُونَ ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فَإِنْ كَانَ فِيهَا عَشَرَة - أَوْ خَمْسَة " شَكَّ حُمَيْد " - قَالُوا : لا . وَقـيلَ إِنَّ إِبْرَاهِيم قَالَ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُل مُسْلِم أتـُهلكونها ؟ قَالُوا : لا . فَقَالَ إِبْرَاهِيم عِنْد ذَلِكَ : " إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَم بِمَنْ فِيهَا لـَنـُنـَجـّينـّه وَأَهْله إلا اِمْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ " الْعَنْكَبُوت : 32 . وهذا النبي لوط عليه السلام ينصح قومه بزواج الفتيات الطاهرات ويأمرهم بتقوى الله تعالى وعدم معصيته " قال : يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله " ويرشدهم إلى احترام الضيف وحفظ مروءته وعدم التعرض له بما يسيء له ولمن ضافه " ولا تُخزونِ في ضيفي ، أليس منكم رجل رشيد؟ " .
- من سمات الفاسقين المنحرفين قومِ لوط أنهم كانوا :
أ – سفهاء ، يهرعون حيث تقودهم شهواتهم ، فإنهم لما علموا بوجود شباب صِباح الوجوه أسرعوا إلى بيت لوط عليه السلام يريدون عمل الفحشاء بهم " وجاءه قومه يُهرعون إليه ..." .
ب – منغمسين في الفحشاء مَردوا عليها ، ومن كان منقاداً لهواه غارقاً بفساده ضاع الحياء منه وجاهر بالمعصية " ومن قبلُ كانوا يعملون السيئات "
ج – اختلـّتْ مفاهيمهم وفسدتْ أذواقهم ، فرأوا الخبيث طيباً والطيب خبيثاً " قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق ، وإنك لتعلم ما نريد " بل زجروه في سورة الحجر وكأنه المخطئ وهم أصحاب الحق والسداد بأن لا يتدخل فيما لا يعنين ، ولا يدافع عن أحد " أولم ننهَك عن العالمين ؟ ؟ وهذا وهدة السفالة والانحطاط حين يرى الفاجر نفسه على صواب وغيره على خطأ فيعلو عليه ويهدده .
- قد يضعف المرء لحظة مهما كان حازماً وحكيماً حين يرى الخطب يشتد عليه " وخلق الإنسان ضعيفاً " فهذا لوط عليه السلام حين رأى من جواب قومه التعنت واندفاعهم إلى ضيوفه ، ولم يستطع ردهم قال : " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " فقد خاف على ضيوفه أن يفحش الفسقة فيهم وهو لا يعرف كنههم ، وَمُرَاد لُوط بِالرُّكْنِ الْعَشِيرَة , وَالْمَنَعَة بالكثرة - وهو المهاجر إلى بلدتهم من العراق مع عمه إبراهيم ، وما صاروا قومه إلا لأنه عاش فيهم وتزوج منهم - . وَبَلَغَ بِهِمْ قَبِيح فِعْلهمْ إِلَى قَوْله هَذَا مَعَ عِلْمه بِمَا عِنْد اللَّه تَعَالَى ; فَيُرْوَى أَنَّ الْمَلائِكَة وَجَدَتْ عَلَيْهِ حين قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَات , وَقَالُوا بعد أن عرّفوه بانفسهم : إِنَّ رُكْنك لَشَدِيد . وَإنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذاب غَيْر مَرْدُود , وَإِنَّا رُسُل رَبّك ; فَافْتَح الْبَاب وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ ; فَفَتَحَ الْبَاب فَضَرَبَهُمْ جبْرِيل بِجَنَاحِهِ . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَرْحَم اللَّه لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْن شَدِيد " .
- الله تعالى القوي يفعل ما يشاء ، فيرشد ، وينبه ، ويحذر ، ثم يهدد وينفذ .. هذا ما وجدناه في قوله تعالى يهدد قوم لوط ويتوعدهم " إن موعدهم الصبح ، أليس الصبح بقريب؟ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود ، مسوّمة عند ربك " ووجدنا ذلك في عقوبة قوم صالح حين عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم " فعقروها ، فقال : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ، ذلك وعد غير مكذوب " وأخذتهم الصيحة فقطعت أوصالهم وجففت أجسادهم فماتوا لفورهم . وأخذت الصيحة – كذلك قوم شعيب ، فكانت نهايتهم عيرة لمن يعتبر. .. وأغرق الله فرعون وقومه ، فلم تقم لهم قائمة . وإذا أهلك الله تعالى الناس بكفرهم فهم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم واستكبارهم فلن ينفعهم أحد فعذاب الله الشديد إن وقع لا مردّ له " وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك ، وما زادوهم غير تتبيب." .. لكنّ العاقل من يتعظ
- يطلب مشركو قريش آيات تدل على نبوة الحبيب المصطفى ، مع أن القرآن كان أقوى آية أوتيها المصطفى صلى الله عليه وسلم وكان الدليل العظيم على نبوّته صلى الله عليه وسلم فهم لا يستطيعون الإتيان بمثله ولا بعشر سور من مثله ولا بسورة واحدة " وقالوا : لولا أنزل عليه آيات من ربه " فلما قال صلى الله عليه وسلم " سبحان ربي ؛ هل كنت إلا بشراً رسولاً " طلبوا آية واحدة " ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه؟" فكانت آية انشقاق القمر : ،" اقتربت الساعة وانشق القمر ، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر . " .. طلبوا منه الآية فلما جاءت كذبوه كما طلب قوم صالح عليه السلام منه آية فأرسل الله تعالى الناقة ، فظلموا بها ، وازدادوا عتواً وكفراً فعقروها . وما دام هذا دأبهم فلا آيات بعد ذلك . لماذا ؟ لأنهم أحفاد قوم صالح ، وملة الكفر سبيلها معروف " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ، وآتينا ثمود الناقة فظلموا بها " ومهمة الآيات الإنذار والتخويف من الكفر والتحذير من العناد ، وما لم تفلح في قلوب قدت من صخر فلِمَ تكرارُها ؟ " وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً " .


يتبــــــــــع

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-20-2012, 11:54 PM   #19 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تأملات تربوية في سورة هــود


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][تأملات تربويــــــــة في القرآن الكريم][





تأملات تربوية في سورة هــود

د: عثمان قدري مكانسي

( 3 )



- وفي آخر مطافنا السريع في سورة هود نقف على بعض الأركان التي فيها صلاح المجتمع أولها الاستقامة في الحياة على الدين ،والسير على الصراط المستقيم فهو ملاك الأمر، والهادي إلى الخاتمة السعيدة . " فاستقم كما أمرتَ ومن تاب معك ...." وحين يسير المجتمع على تقوى من الله تستقيم الحياة باستقامته . وقد روى سفيان بن عبد الله الثقفيّ أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ؛ قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك . قال " قل آمنت بالله ، ثم استقم " . فإن استقام الإنسان عرف حده فلم يتجاوزه وابتعد عن الطغيان ، فلم يظلم أحداً ، جاء دور القسم الثاني من الآية السابقة " ... ولا تطغَوا إنه بما تعملون بصير " . وثانيها الانصراف عن الظالمين وعدم إطاعتهم وصحبتهم وعدم الميل إليهم والرضا بأعمالهم ، بل يجب الإنكارُ عليهم ظلمَهم وفسادَهم ، فمن ركن إليهم كان منهم ، وناله ما ينالهم من السخط والعذاب ، وهذا أمر خطير لا ينتبه إليه كثير من النابهين فضلاً عن العوام والدهماء . " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ، فتمسّكم النار ، وما لكم من دون الله من أولياء ، ثم لا تُنصَرون " . وثالثها الاجتهاد في عبادة الله تعالى وأداء الصلاة المكتوبة على أتم وجه ، فإن ذلك يورث الحسنات ويمحو السيئات " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين "
إضاءة أولى : هذه الآية ( وأقم الصلاة ...) من الآيات الدالة على الصلوات الخمس صلاة الفريضة طرف النهار الأول صلاة الفجر . وفي طرف النهار الثاني صلاتا الظهر والعصر . أما صلاتا زلف الليل ( ساعات الليل الأولى) فالمغرب والعشاء .
إضاءة ثانية : ومثلها قوله تعالى " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ، وقرآن الفجر ، إن قرآن الفجر كان مشهوداً " والدلوك ( زوال الشمس عن كبد السماء ) وهنا تبدأ صلاة الظهر ثم العصر ، وفي غسق الليل ( ساعاته الأولى) صلاتا المغرب والعشاء ، ولمقصود بقرآن الفجر صلاة الفجر نفسها .
إضاءة ثالثة : ومثلها قوله تعالى " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ، وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون " فصلاتا المساء المغربُ والعشاء ، وصلاة الفجر عند الصباح ، والإظهارُ صلاة الظهر ، أما العشيّ (فساعات ما قبل الغروب ) صلاة العصر .
والصلاة جماعة ً هُوية المسلم الاجتماعي المندمج بإخوانه المسلمين . الحريص على وصالهم . ورابعها الصبر على العبادات والصبر في مرضاة الله تعالى والصبر عن المفاسد المؤدي إلى درجة الإحسان " واصبر فإن الله لا يُضيع أجر المحسنين " ومن صبر على الناس فخالطهم وتحمل أذاهم ، ثم أمسك بأيديهم يسير معهم في درب الحب في الله ، وأحسن إليهم فقد شهد الرسول صلى الله عليه وسلم له بالخيرية " المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ." وخامسها إيجابية المسلم الذي يصلح ويأمر بالإصلاح ، وينهى عن الفساد وهذا دأب المسلم الغيور على دينه الذي يقوّم الاعوجاج ويدعو إلى الاستقامة " فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض " " ونتيجة الإصلاح عمار الأرض وكسب رضاء الله تعالى " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون " . ألم يهلك الله تعالى القرى التي كثر الفساد فيها وحكم القائمون عليها بغير ما أنزل الله ؟ " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ، ففسقوا فيها ، فحق عليها القول ، فدمّرناها تدميراً "
اللهم أحينا سعداء ، واجعلنا إخوة متحابين وارزقنا رضاك والجنة واجعلنا من أهل التقوى والرشاد :
إن الإنـسـان بـتـقـــواهُ *** يعـلـو ويُـبـارَكُ مسـعـاهُ
والعملُ الصالح يرفعـهُ *** في النـاس ويُكـرمـه اللهُ
فاعملْ خيراً تلقَ الأجرا *** تـُرفـع عند المولى ذكـرا
وتعـاهدْ إخوانـَك دومـاً *** فإذا عُسرُك يصبح يسرا


نلتقي قريباً ان شاء الله مع سورة اخرى!!
حتى ذلك الحين وكل حين دمتم في رعاية الله وحفظــــه،،،


بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-20-2012, 11:55 PM   #20 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
اقتباس:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة aboihssan
machkourrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrrr


شكــــــــــــــراً على حضورك الرائع، وربي يعطيك العافيـــــــــــــــــة،،،،
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
روائع القرآن الكريم ... من اجمل الاشياء في القرآن الكريم . اجمل مافي القرأن دموع الملائكة يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 18 03-09-2014 06:34 AM
تحميل خط القرآن الكريم-رابط مباشر خط القرآن الكريم وجدنا يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 11 08-03-2013 05:20 PM
برنامج حصن المسلم + القرآن الكريم + تفسير القرآن الكريم بصيغة جافا jar سلامه82 اخبار التقنية والتكنولوجيا 1 10-31-2009 07:18 PM
برنامج حصن المسلم + القرآن الكريم + تفسير القرآن الكريم سلطان23 اخبار التقنية والتكنولوجيا 0 08-24-2009 11:14 PM
سكريبت تفسير القرآن الكريم و سكربت القرآن الكريم memo_design برامج كمبيوتر 2016 - 2015 جديدة 2 12-29-2007 09:57 AM

الساعة الآن 12:18 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103