تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-29-2012, 12:56 AM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][





السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][


( 1 ) الأمانــــــــــة،،

محمد مختار الشنقيطي،،



ملخص الخطبة
1- الترغيب في أداء الأمانات إلى أصحابها. 2- الأمانة في عرصات يوم القيامة. 3- الأمانة من خصال الإيمان. 4- صور من خيانة الأمانة. 5- خيانة الجار جاره.



الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورًا رحيمًا][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ [الأحزاب:72-73].
إنها الأمانات التي عرضت على الأرض والسموات فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً. حملتها على ظهرك ووضعتها أمانة في عنقك لكي ترهن بها بين يدي الله ربك.
إنها الأمانات التي وصى الله بها من فوق سبع سموات ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ [النساء: 58].
أمرنا بحفظها ورعايتها والقيام بها وأدائها إلى أصحابها, وأخبر سبحانه وتعالى أن القيام بها والعناية بها شيمة من شيم المؤمنين وخصلة من خصال الأخيار الصالحين فقال في كتابه المبين وهو يُثني على عباده المفلحين: ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ [المؤمنون: 8].
إذا رأيت الرجل يحفظ الأمانة، ورأيته يؤديها إلى أصحابها على أتم الوجوه وأكملها فاعلم أن وراء ذلك قلبًا يخاف الله جل جلاله ويتقيه, وأن هذا العبد يعلمُ عِلمَ اليقين أن الله محاسبُهُ وسائِلُه ومجازيه.
الأمانة ـ عباد الله ـ التي عظم الله أمرها حتى أخبرَ النبي ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ أنه يؤتى يوم القيامة بجهنم والناس في عرصاتها ـ أي في عرصات يوم القيامة ـ حفاة عراة غرلاً في ذلك الموقف العظيم يؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه، ثم يضرب الصراط على متن جهنم, وينادي الله جل جلاله بأن يسير العبادُ عليه وعندها تكون دعوة الأنبياء: اللهم سلم سلم. فإذا ضُرب الصراط على متن جهنم قال ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ كما في الصحيح: ((قامت الأمانة والرحم على جنبتي الصراط)) أما الأمانة فإنها تكبكب في نار جهنم كل من خانها، وأما الرحم فإنها تزل قدم من قطعها وظلمها.
إنها الأمانة ـ عباد الله ـ التي أقضت مضاجع الصالحين، وهان على الإنسان أن يُسفك دمه ولا يخون أمانتهُ, وهان على العبد الصالح أن يَلقى شدائد الدنيا ولا يخون الأمانة.
إنها الأمانة ـ عباد الله ـ التي أخبر النبي ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ أن أداءها والقيام بها إيمان، وأن تضييعَها والاستهتار بها وخيانتها نفاق وعصيان. قال ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][: ((لا إيمان لمن لا أمانة له)). فمن حرم الأمانة فقد حرم كمَال الإيمان, ومن تلبس بالخيانة فبئسَ ـ والله ـ البطانة؛ فإن فيه خصلة من خصال المنافقين قال ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان)) .
الخيانة دليل على سوء البطانة، دليل على ذهاب الإيمان بالله جل جلاله ـ أي كماله ـ فالإنسان إذا كمل إيمانه كملت أمانته، وأداها على أتم الوجوه، وخاف من الله جل جلاله، من تبعتها ومسئوليتها. إذا ضاعت الأمانة سفكت الدماء, وانتهكت الأعراض, وأكلت أموال المسلمين بالباطل. إذا ضاعت الأمانة وتفشت الخيانة فباطن الأرض خير من ظهرها. إذا ضاعت الأمانة ضاعت الحياة الطيبة السعيدة, وأصبح الإنسان لا يأمن حتى على نفسه التي بين جنبيه.
أعظم ما تكون به خيانة الأمانات إذا كانت خيانة لله والرسول ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ [الأنفال: 27]. نزلت في أبي لبابة ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ وأرضاه وقف والنبي ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ محاصرًا لبني قريظة فأشار إليهم أنهم يُقتلون. فبهذه الإشارة عَظُم ذنبه, وأنزل الله فيه من فوق سبع سموات قرآنًا يُتلى فبقي في المسجد، وحبس نفسه يبكي حتى أخبره النبي ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ بتوبة الله عليه .
أعظم ما تكون الخيانة إذا كانت لله والرسول بالكذب على الله والكذب على رسول الله ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][. الكذب على الله بتحليل الحرام, وتحريم الحلال والفتوى في الشريعة والأحكام دون حُجة من الله جل جلاله.
أعظم ما تكون الخيانة إذا كانت بالكذب على رسول الله ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ والتحديث بالأحاديث الباطلة المكذوبة على النبي ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][.
أعظم ما تكون الخيانة إذا كان فيها ظلم للقرابات كالأبناء والبنات تضييع حقوقهم، والاستهتار في واجباتهم خيانة للأمانة. تركُ الأبناء والبنات والحبل على الغارب يسهرون ويعبثون دون حسيب ولا رقيب خيانة للأمانة. ترك تربيتهم وتوجيههم وتعليمهم وإرشادهم خيانة للأمانة, والله يوقفك بين يديه ويسألك عن أمانتهم إذا تركتهم نائمين والصلاة ينادى بها منادي الله فقد ضيعت الأمانة، إن لم توقظهم، وليتعلقن بك الصغيرة والكبيرة بين يدي الله، إذا كان الصغير ممن يؤمر بالصلاة فيقول: يا رب سل أبي رآني نائمًا ولم يوقظني للصلاة.
تضييع الأمانات ـ عباد الله ـ خسارة وحسرة يوم القيامة وندامة.
أعظم ما تكون به الخيانة إذا كانت ظلمًا للقرابات وأذية لهم في أعراضهم, وكذلك أموالهم. كذلك ـ عباد الله ـ أعظم ما تكون الخيانة إذا كانت بالكذب والزور والشهادات والمستندات والعبث فيها قال ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك بالله, وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت)) .
كررها؛ لأن شهادة الزور من أعظم الخيانات بها تسفك الدماء البريئة، وبها تُنتهك أعراض المسلمين بدون حق، وبها تؤكل أموالهم بالباطل، فشاهد الزور خان الله ورسوله وعباده المؤمنين خان القاضي حينما ائتَمَنَه أن يكون صادقًا في شهادته فكان من الكاذبين، وخان من شهد له؛ لأنه أدخل عليه المال الحرام، وأدخل عليه السحت والآثام، وخان المظلوم الذي شهد عليه حينما أضره وآذاه وتسبب في البلية التي كانت بسبب شهادته بالعبث.
أعظم ما تكون الخيانات إذا كانت بالعبث بالمستندات ونحوها من الشهادات إذا أؤتمن الإنسان على السجلات ونحوها أمانة عليك أن تتقي الله وأن تؤديها كما أخذتها، دون زيادة أو نقص فيها بدون حق، أن تتقي الله جل جلاله في كل ما يوضع بين يديك من السجلات والوثائق والشهادات، تخاف الله جل جلاله وتجعله نصب عينيك دون محاباة للقريب أو الحبيب، إن فعلت ذلك كنت من الأمناء، وإن غيَّرت أو بدلت غير الله عليك وبدل.
أعظم ما تكون الخيانات ـ عباد الله ـ إذا كانت بهتك عورات المسلمين، وتتبع ما فيهم من العيوب ونشرها بين الناس، وأشد ما يكون ذلك بين الأرحام. نعم ولنأخذ مثالاً على ذلك الزوجين. الزوجان بينهما أسرار وعيوب كثيرة لا يعلمها إلا الله جل جلاله، ثم الزوج إذا أخذ امرأةً فإنه يطلع على عيوبها وعيوب أهلها وقرابتها، والزوجة كذلك تطلع على عيوب زوجها وعيوب أقربائه. إفشاء هذه الأسرار خيانة للمؤمنين والمؤمنات, واعتداء على حدود الله جل جلاله خاصة إذا وقعت الخصومات والنزاعات، فيذهب الزوج إلى قرابته يُحدثهم بما يكون من زوجته ولربما حدثهم عن أدق الأمور وأخفاها.
كذلك الزوجة لا تخاف الله جل جلاله فبمجرد أن تكون الخطيئة من زوجها تذهب إلى أهلها وقرابتها؛ لكي تخون الله في أماناتها فتهتك العورات وتكشف السوءات دون خوف من الله جل جلاله.
الأمانات حقوق وواجبات ومسئوليات وتَبِعَات شَمِلَت الصغير والكبير والجليل والحقير ولن يضيع فيها مثال حبة من خردل أو قطمير فاتقوا الله يا عباد الله ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ [البقرة:281].
اللهم سلمنا وسلم منا وخذ بنواصينا إلى ما يُرضيك عنا.
اللهم وفقنا لأداء الأمانات وحفظ الحدود والمحارم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.





الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو أرحم الراحمين, وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المصطفى الأمين. صلى الله عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين, وعلى جميع أصحابه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل.
عباد الله: من أعظم ما تكون عليه الخيانة الجار، فخيانة الجار يا عباد الله عظيمة، قال عبد الله ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ وأرضاه: سألت النبي ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][: ((أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك)) .
الزنى بحليلة الجار من أعظم الخيانات وأشدها عند الله جل جلاله.
الزنى بزوجته أو ببنته أو بأخته أو بشي من عرضه وقرابته. فتلك حدود الله فلا تعتدوها ][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][ [الطلاق:1].
اشتد غضب الله على من هتك ستر جاره، فالجار له حقوق على جاره تَعلم أخباره تعلم مدخله ومخرجه وصدقه وكذبه وما يكون منه من الأمور فاتق الله جل جلاله.
واعلموا عباد الله أن الأمانة كل شيء رأته عيناك أو سمعته أذناك من عورات المسلمين فإنه أمانة في عنقك فاتق الله جل جلاله، ومن ستر مسلمًا ستره الله, ومن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه في الدنيا والآخرة.
ألا وصلوا وسلموا على خير الأنبياء وإمام الأتقياء فقد أمركم الله بذلك....






التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 03-29-2012 الساعة 01:09 AM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2012, 01:04 AM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][


( 2 ) الأمانــــــــــة،،

عبد المحسن القاضي


ملخص الخطبة
1- ضياع الأمانة من علامات الساعة. 2- الأمانة : قيام المرء بمسؤولية في كل ما يوكل إليه. 3- تحذير رسول الله من ضياع الأمانة. 4-الإمارة أمانة ، ولا ينبغي أن تعطى لغير مستحقيها. 5- تحذير العمال من الغلول وأخذ الأعطيات. 6- ما يقال في المجالس أمانة. 7- عقوبة الغادر يوم القيامة.

الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى.
في مجلس من المجالس الطيبة العطرة بحضور النبي
في المدينة ذات يوم يروي لنا أبو هريرة : أنه بينما كان رسول الله في مجلسه يحدِّث القوم جاءه أعرابي فقال يا رسول الله متى الساعة؟ فمضى رسول الله يحدث فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: ((أين السائل عن الساعة؟)) قال: ها أنا يا رسول الله، قال: ((فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة))، قال، كيف إضاعتها؟ قال: ((إذا وُسَّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) رواه البخاري .
رسل الله عليهم الصلاة والسلام يُختارون من أشرف الناس طباعًا، وأزكاهم معادنًا. والنفس التي تظل محافظة على الفضيلة مع شدة الفقر ووحشة الغربة، هي نفس رجل قوي أمين. والمحافظة على حقوق الله وحقوق العباد تتطلب خُلُقا لا يتغير بتغير الأيام، وذلك هو جوهر الأمانة.
وكان رسول الله
قبل البعثة يلقب بين قومه بالأمين، وكذلك شوهدت مخايل الأمانة على موسى عليه السلام حين سقى لابنتي الصالح ورفق بهما، وكان معهما عفيفًا شريفًا: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَـجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلامِينُ [القصص:26].
إخوة الإيمان، الإسلام يرقب من معتنقه أن يكون ذا ضمير حي، تصان به حقوق الله وحقوق الناس، ومن ثم أوجب على المسلم أن يكون أمينًا.
الأمانة في نظر الشرع صفة واسعة الدلالة، وهي تدل على معان شتى، هي بإيجاز: شعور المرء بمسؤوليته في كل أمر يوكل إليه.
وبعض الناس يقصرون فهم الأمانة في أضيق معانيها، وهو حفظ الودائع، وحقيقتها في دين الله أضخم وأجل.
إن الأمانة هي الفريضة التي يتواصى المسلمون برعايتها ويستعينون بالله على حفظها، كما ورد في الدعاء للمسافر:
((استودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك)) .
وعن أنس قال: ما خطبنا رسول الله
إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) رواه أحمد .
بل كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ من ضياعها، كما روى أبو داود أنه كان يقول:
((اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة)) .
تلكم أهمية الأمانة، فتعالوا إخوتي نتأمل بعضًا من معانيها.
فمن معاني الأمانة وضع الشيء في المكان الجدير به واللائق له، فلا يسند منصب إلا لصاحبه الحقيق به، ولا تملأ وظيفة إلا بالرجل الذي ترفعه كفايته إليها، فلا اعتبار للمجاملات والمحسوبيات، حتى الصحبة لا ينظر إليها انظروا إلى أبي ذر حين قال في الحديث الذي رواه مسلم: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب يده على منكبي، ثم قال:
((يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)) .
إن الكفاية العلمية والعملية ليست لازمة لصلاح المرء لحمل الأمانة، فقد يكون الرجل حسن السيرة حسن الإيمان، لكنه ليس أهلاً للمنصب ألا ترون إلى يوسف الصديق عليه السلام حين رشح نفسه لإدارة المال، لم يذكر نبوته وتقواه، بل طلبها بحفظه وعلمه
قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] فالأمانة تعني أن نختار للأعمال أحسن الناس قيامًا بها فإذا مِلنا عنه إلى غيره لِهوىً أو رشوة أو قرابة، فقد ارتكبنا بتنحية القادر وتولية العاجز خيانة فادحة.
إن الأمة التي لا أمانة فيها هي من تعبث فيها الشفاعات بالمصالح وتطيش بأقدار الرجال الأكفاء لتهملهم، وتقدم من دونهم.
ومن معاني الأمانة أن يحرص المرء على أداء واجبه كاملاً في العمل المنوط به وأن يحسن فيه تمام الإحسان.
إنها الأمانة التي يمجدها الإسلام بأن يخلص الرجل لعمله ويُعنى بإجادته، ويسهر على حقوق الناس التي وضعت بين يديه. واستهانة الفرد بما كلف به هو من استشراء الفساد في كيان الأمة وسبب لتداعيه.
وخيانة الواجبات تتفاوت إثمًا ونكرًا وأشدها شناعة ما أصاب الدين وجمهور المسلمين وتعرضت البلاد لأذاه،
قال عليه الصلاة والسلام:
((إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء يعرف به فيقال: هذه غدرة فلان)) وفي رواية ((لكل غادر لواء يرفع له بقدر غدرته، ألا ولاغادر أعظم من أمير عامة)) رواه البخاري .
أي ليس أعظم خيانة ولا أسوأ عاقبة من رجل تولى أمور الناس فنام عنها حتى أضاعها .
ومن معاني الأمانة أيضًا أن يستغل الرجل منصبه الذي عين فيه لجر منفعة إلى شخصية أو قرابته، فإن التشبع من المال العام جريمة قال
:((من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول)) رواه أبو داود .
أما الذي يلتزم حدود الله في وظيفته، ويأنف من خيانة الواجب الذي طوقه، فهو عند الله من المجاهدين لنصرة دينه وإعلاء كلمته قال
: ((العامل إذا اسْتُعْمِل فأخذ الحق وأعطى الحق لم يزل كالمجاهد في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته)) رواه الطبراني .
وقد شدد الإسلام في ضرورة التعفف عن استغلال المنصب وشدد في رفض المكاسب المشبوهة، فعن عدي بن عمير قال سمعت رسول الله
يقول: ((من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوق كان غلولاً يأتي به يوم القيامة)) رواه مسلم .
واستعمل النبي
رجلاً من الأزد على الصدقة فلما قدم بها قال: هذا لكم وهذا أُهدي إليَّ. فقام رسول الله فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هديته، إن كان صادقا والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تعير)) ثم رفع عليه الصلاة والسلام يديه حتى رؤي بياض إبطيه يقول: ((اللهم بلغت)) .
الله أكبر! إنها الأمانة في أسمى معانيها التي ينبغي تحقيقها يا عباد الله.
ومن معاني الأمانة أيضًا أن يتأمل المؤمن ما حباه الله من مواهب خصه بها، أو أموال وأولاد رُزقها، ويدرك أنها ودائع الله الغالية عنده، فيجب تسخيرها في قرباته، واستخدامها في مرضاته، وإن ابتلي بنقص شيء منها فلا يستخفنّه الجزع، فإن لله ما أخذ وله ما أعطى،
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:27، 28].
ومن معاني الأمانة: أن تحفظ حقوق المجالس التي تحضرها، فلا تدع لسانك يفشي أسرارها، وينشر أخبارها، فكم من حبال تقطعت ومصالح تعطلت لاستهانة بعض الناس بأمانة المجلس، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله:
((إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة)) .
إن حرمات المجالس تصان، مالم يكن ما فيها محرمًا، حتى العلاقات الزوجية في نظر الإسلام مجالسها تصان، فما يحوي البيت من شؤون العشرة بين الرجل وامرأته يجب أن يطوى في أستار مسبلة، لا يطلع عليها أحد مهما قرب، روى أحمد في مسنده عن أسماء بنت يزيد أنها كانت عند رسول الله والرجال والنساء قعود عنده فقال:
((لعل رجلاً يقول ما فعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها))، فأرم القوم أي سكتوا وَجِلِيْن فقلت: إي والله يا رسول الله، إنهم ليفعلون، وإنهن ليفعلن، قال: ((فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل شيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون)) . وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)) .
إخوة الدين والعقيدة، وإن من الأمانة أن يحفظ الإنسان الودائع التي توضع عنده، ويردها إلى ذويها إذا طلبوها. انظروا إلى رسول الله كيف استخلف ابن عمه علي بن أبي طالب ليسلم إلى المشركين الودائع التي حفظوها عنده ، مع أنهم كانوا من الأمة التي استفزّته من الأرض واضطرته إلى ترك وطنه في سبيل عقيدته، قال ميمون بن مهران: "ثلاثة يُؤَدِّين إلى الأمانة والعقد وصلة الرحم" رواه أحمد.
وعن عبد الله بن مسعود قال: "القتل في سبيل الله يُكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله فيقال: أدّ أمانتك، فيقول: أي رب، كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها فيهوي في أثرها حتى يدركها فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبيه فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والكيل أمانة، وأشد ذلك الودائع؛ قال راوي الحديث فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى ما قال ابن مسعود؟! قال البراء: صدق أما سمعت الله يقول:
إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلامَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ [النساء:58].
ومن معاني الأمانة أنها تدعو إلى رعاية الحقوق وتعظيم النفس عن الدنايا، ولا تكون إلا إذا استقرت في وجدان المرء وحافظ عليها، روى مسلم عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله أنه قال:
((إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة)) فالأمانة إذاً هي تمثل الكتاب والسنة في عمل الإنسان صاحب الضمير الحق، فإذا ذهب إيمانه انتزعت الأمانة، فما يغنيه ترديد الآيات ولا دراسة السنن، وأدعياء الإسلام يزعمون للناس ولأنفسهم أنهم أمناء على الأمة، ولكن هيهات أن تستقر الأمانة في قلب تنكر للحق وأهله.
ويقول حذيفة: "ينام الرجل النومة فتنقبض الأمانة من قلبهـ فيظل أثرها مثل الوكت ، ثم ينام الرجل النومة فتنقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل ، أي أقل ثم قال فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، وحتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان...".
إن الأمانة ـ إخوة الإيمان ـ فضيلة ضخمة، لا يستطيع حملها الرجال المهازيل، وقد ضرب الله المثل لضخامتها، فأبان أنها تثقل كاهل الوجود كله، فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بها أو يفرط في حقها ومع كل ذلك فقد تحمل الإنسان الأمانة بظلمه وجهله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
إِنَّا عَرَضْنَا ٱلاْمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72].


التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 03-29-2012 الساعة 01:08 AM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2012, 01:07 AM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][


( 3 ) الأمانــــــــــة،،

سالم الغميز


ملخص الخطبة
1- عظم مسئولية الأمانة. 2- حصر الأمانة في بعض صورها، والذهول من الصور الأخرى. 3- صور مختلفة من الأمانة. 4- الأمانة والاختبارات المدرسية، نصيحة للطلاب والمعلمين.

الخطبة الأولى

أما بعد:
أيها الناس، اتقوا الله حق تقواه وراقبوه ولا تعصوه.
أيها المسلمون، فقد قال عز من قائل: إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلامَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء:58].
وقال عز من قائل: إِنَّا عَرَضْنَا ٱلاْمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72].
أيها المسلمون، إن الأمانة مسئولية عظيمة وعبء ثقيل على سوى من خففه الله عليه.
أيها المسلمون، لقد أصاب مفهوم الأمانة ما أصاب غيره من المفاهيم من حيث سوء الفهم فانحصر مفهوم الأمانة عند كثير من الناس في حدود ضيقة، فأكثر الناس اليوم لا يعرف عن الأمانة إلا أنها أداء الودائع التي استودع إياها من قبل الناس، وهذا المفهوم هو جزء من مفهوم الأمانة الحقيقية، فالأمانة التزام الإنسان بالقيام بحق الله وعبادته على الوجه الذي شرعه الله مخلصاً له الدين.
إن الأمانة كذلك التزام الإنسان بالقيام بحقوق الناس من غير تقصير كما يجب أن يقوموا بحقوقه من غير تقصير.
أيها المسلمون، ليست الأمانة مقصورة على حفظ الودائع وردها إلى أصحابها كاملة بل ذلك أحد مظاهرها، والله تعالى قد أمرنا برد الأمانات وأداء الودائع إلى أصحابها.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)).
فالأمانة ـ أيها المسلمون ـ مفهوم واسع ينطبق على كل عمل يوكل إلى المرء، فإنه مؤتمن عليه.
فالموظف وظيفته أمانة في عنقه يجب عليه أن يتقي الله عز وجل في ذلك، وأن يقوم بأداء ما أسند إليه من عمل على أكمل وجه وأتمه، فحرص الإنسان على أداء واجبه كاملاً في العمل الذي يوكل إليه مظهر من مظاهر الأمانة.
ومن الأمانة .. ألا يستغل الرجل منصبه الذي عين فيه لجر منافع شخصية له وألا يستخدم نفوذه لنفع قرابته وأصدقائه دون بقية الناس، فإن المساس بالمال العام جريمة.
أيها المسلمون، ومن الأمانة أيضاً حفظ العبد جوارحه وحواسه ومعرفته نعم الله عليه في نفسه وأهله وماله، ومن أدى هذه الأمانة فإنه لا يختار لنفسه إلا الأنفع، ومن الخيانة أن يستسلم المرء لشهواته ويخضع لكل رغباته ويقصر في شئون آخرته.
وأحوال البيت وأمور الأسرة أمانات محفوظة وحرمات مصونة يجب أن تحفظ بستر الله، والمرأة إذا حفظت نفسها وبرت زوجها وأدت حق ربها لم يكن بينها وبين الجنة إلا الأجل.
ومن الأمانة أيضاً: التجارة في البيع والشراء فلا يغش المسلمين في بيعه ولا يبخس منه شيئاً ولا يتاجر بما يضر المسلمين في دينهم ودنياهم.
فأين الأمانة ـ أيها المسلمون ـ من كثير من التجار اليوم، فكثير من التجار يتاجرون فيما يضر المسلمين في دينهم ودنياهم كالذي يبيع الدخان وغيره، مما يضر المسلمين ويفسد عليهم أخلاقهم كالمجلات الفاضحة والأفلام وأجهزة الاستقبال الفضائي.
ومن الأمانة أيضاً .. المحافظة على الأبناء وتربيتهم تربية سليمة وتنشئتهم على الأخلاق الفاضلة وتذكيرهم بثواب الله وتخويفهم من عقاب الله حتى ينشأ الفتى دائم المراقبة لله عز وجل.
فأين الأمانة من كثير من الأولياء اليوم.
أين الأمانة ممن ينصب في بيته أجهزة الاستقبال الفضائي التي تفسد الشيوخ فضلاً عن الشباب والتي تبث من البرامج ما يغضب الله عز وجل، ويسعى جاهداً لنقض عرى الإسلام عروة عروة، وغرس تقاليد الكفار وعاداتهم ومحاربة الفضائل الشرعية.
أين هذا من أمانة الأولاد، فليتق الله من هذا شأنه، ولينظر إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى البخاري ومسلم من حديثه معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت، هو غاش الرعية إلا حرم الله عليه الجنة)).
وأي غش أيها المسلمون أكبر من نصب الدش في المنزل وجعله متاحاً للقاصرين من الأطفال والنساء والمراهقين.
أيها الأولياء، إن الأبناء لا يعقلون شيئاً وإنك أيها الولي مسئول عنهم، إن الذي يجلب لهم ما يفسد عليهم أخلاقهم ويؤثر في فطرتهم وعباداتهم، إن من هذا شأنه فإنه غاش لرعيته خائن لأمانة الله فيهم.
فليتق الله من هذا شأنه، وليتق الله ذلك الولي الذي يخرج من بيته إلى الصلاة ولا يأمر أولاده بذلك. فليتق الله ذلك الولي الذي يعضل موليته فيرد عنها الخطاب الأكفاء، إن المرأة أمانة في يد الرجل فلا ينبغي له إذا أتاه من يرضى دينه وخلقه وكان كفأً لها، لا ينبغي له أن يرده لأجل المصالح الشخصية.
فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ وأدوا الأمانات إلى أهلها ولا تخونوا الله وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون، وقد أخبر نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم بأنه لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له.
بارك الله لي ولكم..
أقول ما تسمعون...



الخطبة الثانية

الحمد لله العليم بما كان وما يكون، أحمده سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وإليه النشور.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الهادي إلى الصراط المستقيم، صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون، إن الله أمرنا أن نؤدي الأمانات إلى أهلها، وأمرنا إذا حكمنا بين الناس أن نحكم بالعدل، هذان أمران لا تقوم الأمانة إلا بهما.
وإننا بمناسبة اختبارات الطلاب فإني أذكر المعلمين والمتعلمين بالقيام بالأمانة، فوضع الأسئلة أمانة، والتصحيح أمانة، والمراقبة في اللجان أمانة.
إن وضع الأسئلة أمانة بحيث لا تكون سهلة لأنها حينئذ لا تكشف عن مدى التحصيل، ولا تكون صعبة، الهدف منها التعجيز.
والمراقبة أمانة .. فإن تمكين الطالب من الغش ظلم لزملائه الآخرين الحريصين على العلم، ثم إن الطالب الذي ينجح عن طريق الغش لا يمكن أن يستفيد منه المجتمع بأي حال من الأحوال .. فتصور إذا كان هذا الذي نجح بالغش قد أصبح طبيباً لا يعرف مبادئ الطب فهو سيكون فاشلاً في عمله حتماً، سواء كان طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو غيره، وبالتالي فإن الغش ظلم للطالب نفسه وظلم لمجتمعه.
ثم إن تمكين الطالب من الغش هو في الحقيقة خيانة للأمانة وغش لمجتمع المسلمين ودولة المسلمين.
وكذلك الحال فإن التصحيح أمانة، فإن المعلم الذي يقدر درجات أجوبة الطلاب هو حاكم بينهم لأن أجوبتهم بيد يديه بمنزلة حجج الخصوم بين يدي القاضي.
إن العدل أيها الأخوة لا يجوز أن يضيع بين عاطفة الحب وعاطفة البغض.
ثم بعد ذلك إنك أيها المراقب أو المصحح أو واضع الأسئلة تأخذ أجراً على ذلك فاحرص أن يكون أجرك حلالاً طيباً ولا تغذي أولادك من الحرام، فإن أيما جسم نبت من سحت فالنار أولى به.
فاتقوا الله أيها المسلمون وقوموا بما أوجب الله عليكم من الواجبات، وكل مؤتمن أمانته بحسب ما عليه من المسئولية، من أصغر مسئول إلى رب الأسرة إلى سائر المسئوليات.
اللهم يا سميع يا قريب هب لنا فضيلة الأمانة وجنبنا رذيلة الخيانة فإنك رؤوف رحيم.
ألا وصلوا عباد الله على خير خلق الله، اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشيداً، اللهم فك أسر عبادك المأسورين، اللهم عليك باليهود...

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2012, 01:10 AM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][


( 4 ) الأمانــــــــــة،،

مرزوق الغامدي


ملخص الخطبة
1- خصال النفاق. 2- صور متنوعة لأداء الأمانة. 3- واجبات الحاكم المسلم.

الخطبة الأولى
قال الله تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً.
وقال تعالى:
إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.
وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:
((لا إيمان لمن لا أمانة له)).
وحديث آية المنافق ثلاث:
((إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان)).
أيها الإخوة: إن شأن الأمانة عظيم، أشفقت منها السموات والأرض والجبال وخافت من تحملها، وتحملتها قلوب بني آدم مخاطرة ليعلو من أداها إلى درجة المؤمنين المتقين، ولينزل من ضيعها إلى أسفل السافلين.
أيها الإخوة: إن الأمانة تكون في العبادات وفي المعاملات، فالأمانة في العبادات أن تقوم أيها المسلم بما أوجب الله عليك بإخلاص لله واتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم دون زيادة أو نقص، ممتثلاً للأوامر، مجتنباً للنواهي، تخشى الله في السر والعلن، تخشاه أمام الناس وفي خلوتك فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، تحقق الشهادتين وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت وتعتمر، وتؤدي ما عليك تجاه ربك ومولاك رغبة في رضـاه ورهبـة من سخطـه ومقته فمن كان كذلك فقد أدى الأمانة تجاه ربه وحظي بالنعيـم المقيم بإذن الله تعالى، وأما الأمانة في المعاملات فمجالاتها كثيرة، منها أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من النصح والبيان، وأن تكون حافظاً لحقوقهم المالية وغير المالية من كل ما استؤمنت عليه لفظاً وعرفاً.
وتكون الأمانة بين الرجل وزوجته، فيجب على كل منهما أن يحفظ الآخر في ماله وسره، فلا يحدث أحداً بذلك، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه)).
وتكون الأمانة بين الرجل وصاحبه يحدثه بحديث سر يعلم أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد ثم يخونه ولا يفي بما أؤتمن عليه ويفشي سره ويحدث به الناس.
وتكون الأمانة في البيع والشراء والإجارة والاستئجار فلا يجوز للبائع أن يخون المشتري بنقص في الكيل أو الوزن أو زيادة في الثمن أو كتمان العيب أو تدليس في الصفقة، ولا يجوز للمشتري أن يخون البائع بنقص في الثمن أو إنكار أو مماطلة مع القدرة على الوفاء.
ولا يجوز للمؤجر أن يخون المستأجر بنقص الأجرة أو إنكارها أو تصرف يضر المستأجر من دار أو مكان أو آلة أو مركوب.
وتكون الأمانة في الوكالات والولايات، فيجب على الوكيل أن يتصرف بما هو أحسن ولا يجوز أن يخون موكله فيبيع السلعة الموكل في بيعها بأقل من قيمتها محاباة للمشتري، أو يشتري السلعة الموكل في شرائها بأكثر من قيمتها محاباةً للبائع.
وفي الولايات كل من كان والياً على شيء خاص أو عام فهو أمين عليه يجب أن يؤدي الأمانة فيه، فالقاضي أمين، والأمير أمين، ورؤساء الدوائر ومديروها أمناء، يجب عليهم أن يتصرفوا فيما يتعلق بولايتهم بالتي هي أحسن في ولايتهم وفيما ولوا عليه حسبما يستطيعون، وأولياء اليتامى وناظروا الأوقاف وأوصياء الوصايا كل هؤلاء أمناء يجب عليهم أن يقوموا بالأمانة بالتي هي أحسن.
ألا وإن من الأمانة ما يتصل بالثقافة والإرشاد والتعليم، فعلى القائمين على ذلك من مخططي المناهج ومديري الأقسام والمشرفين عليها أن يراعوا الأمانة في ذلك، باختيار المناهج الصالحة والمدرسين الصالحين المصلحين، وتثقيف الطلبة علمياً وعملياً، ديناً ودنيا، عبادة وخلقاً.
وإن من الأمانة في ذلك حفظ الاختبار من التلاعب والتهاون، حفظه في وضع الأسئلة بحيث تكون في مستوى الطلبة عقلياً وفكرياً وعلمياً، لأنها إن كانت فوق مستواهم أضرت بهم وحطمتهم وأضاعت كل عامهم الدراسي، وإن كانت الأسئلة دون مستواهم أضرت بمستوى الثقافة العـامة في البلاد.
ومن حفظ الاختبار وقت الإجابة على الأسئلة بحيث يكون المراقب فطناً حازماً لا يدع فرصة للتلاعب ولا يحابي ابناً لقريب ولا لصديق لأنهم هنا على درجة واحدة، كلهم في ذمة المراقب وعهدته سواء.
وحفظ الاختبار وقت تصحيح الأجوبة بحيث يكون التصحيح دقيقاً لا يتجاوز فيه ما يسمح به النظـام حتى لا يظلم أحد على حساب الآخر ولا ينزل طالب إلا في المنزلة التي يستحقها.
إننا إذا حافظنا على هذه الأمانة في الاختبار في مواضعــه الثلاثــة فهو من مصلحة الأمة كلها ومن مصلحة العلم، وهو من مصلحة القائمين على الاختبارات بأداء الواجب عليهم وإبراء ذممهم، ومن مصلحة الطلبة حيث يحصلون على مستوى علمي رفيع ولا يكون حظهم من العلم بطاقة يحملونها أو لقباً لا يستحقون معناه، وهو من مصلحة العلم حيث يقوى ويزداد حقيقة ولا يهمنا عند ضبط الاختبار أن يكون الناجحون قليلاً لأن العبرة بالكيفية ولا بالكمية، وإذا كانوا قليلاً في عام كانوا كثيراً في العام الذي يليه حيث يتعودون على الجد ويستعدون له.
وفقني الله وإياكم لأداء الأمانة وإبراء الذمة وحفظنا من إضاعتها والتساهل فيها إنه جواد كريم.



الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
إن كُلاً منّا مسؤول عما تحت يديه من رعية، وكلاً منا قد تحمل أمانة هذه الرعية، فالأبوان راعيان، والأولاد أمانة في أعناقهما من ناحية الغذاء والكساء والتربية والعدل في المعاملة والعطية،
يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً. والزوجات أمانة في أعناق أزواجهن ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف والخادم في عنقه أمانة بحفظ المال وأداء العمل، والمدير في عنقه أمانة ((وكلكم راع وكلٌ مسؤول عن رعيته)).
وتكون الأمانة في الإمامة الصغرى والإمامة العظمى، فالإمامة الصغرى وهي إمامة الناس في الصلاة، أمانة عظيمة يجب على من يقوم بها أن يخلص النية لله وأن يتبع السنة ويقتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ويعلم الناس الخير ويدلهم عليه.
وأما الإمامة العظمى وهي الخلافة وولاية أمر المسلمين. فهي أمانة عظيمة سيسأل عنها كل من تولى أمر المسلمين، فنشر الدين والدعوة إليه وتعليم الناس الخير من أهم مسؤوليات الخلفاء والحكام وفي حقه آكد الواجبات والفروض، لأنّ لديه القدرة والسلطة أكثر من غيره من أفراد الأمة، ولا بد من الاستعداد المـادي والعسكري لهـذه الدعوة، فهذا منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بأن يقوم بالدعوة إلى الله وترغيب الناس إلى الدخول في الإسلام، فإن أبوا دفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا فالسيف، فالجهاد في سبيل الله، لأن الدين جاء للناس كافة، فهذه من أهم المسؤوليات وأعظمها على الحاكم المسلم، وهي أمانة في عنقه، وسيسأل عنها يوم القيامة إذا ضيعها، وكذلك عليه أن يدافع عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويحافظ عليها ويرد على أهل البدع والمحدثات والأباطيل، ويحمي الدين والشرع من كل محدثة ويحمي ديار المسلمين من الغزاة سواء كان غزواً فكرياً أو غزواً عسكرياً ويقيم الحدود وينفذ الأحكام على الكبير والصغير دون محاباة ولا مداهنة، فيقطع يد السارق أيا كان مركزه ويقتص في الجروح ويرجم الزاني ويقوم بكل ما أمره الله به بالعدل بين الناس.
ومن الأمانة أن يقوم من تولى أمر المسلمين بحفظ مال المسلمين وجبايته من وجوهه الشرعية سواء عن طريق الغنائم أو الزكاة أو الجزية أو كنوز الأرض الظاهرة والباطنة، وأن يحرص على أن لا يدخل بيت مال المسلمين مالاً حراماً عن طريق المكوس أو الرسوم أو الضرائب، ثم ينفقها في وجوهها الشرعية مبتدئاً بالأهم فالأهم لتحقيق مصالح الإسلام والمسلمين.
ومن الأمانة أن يقوم الإمام باختيار الأكفاء للمناصب القيادية من المشهود لهم بالصلاح والتقوى ورجاحة العقل، وكذلك اختيار المستشارين والبطانة تكون على أساس الدين والخلق القويم، وأما من اختار رجلاً لقرابته أو لغير ذلك وهناك من هو أصلح منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.
ولقد مدح الله المؤمنين بأنهم لأماناتهم وعهدهم راعون، قال تعالى:
يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون.
لقد استمعت قبل أشهر لأحد المسؤولين بإحدى بلاد المسلمين وهو يتكلم عن سيرته الذاتية فيقول عن نفسه أنه حينما سافر إلى الخارج للدراسة مكث أكثر من عشر سنوات حتى حصل على الشهادات العالية ثم عاد لخدمة هذه البلد وهو ما زال يترقى في المناصب حتى وصل إلى ما وصل إليه، فسأله المذيع عن الكتب التي قرأها أو يقرأها فقال: إنه منذ ابتعاثه وحتى الآن لم يقرأ إلا الكتب الإنجليزية فقط وأنه (لا يقرأ الكتب العربية) أي ما يقرب من 30 سنة لا يقرأ أي كتاب عربي، وكنت أتوقع وأنا استمع إليه أن يستثنى القرآن أو شيئاً من السيرة النبوية، ولكن للأسف لم يفعل.
وحينما سئل عن مشاهداته في وسائل الإعلام؟ قال أنه لا يشاهد إلا الأخبار الأمريكية فقط. فقلت: كيف يولى هذا وأمثاله؟ تنكر للغته ولبلده، تنكرا لقرآنه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، بل هو يتعالى حتى على الوسائل الإعلامية التي تتكلم بلغتـه وتطبل له ولأمثاله وتزمر بغير حق، فيستنكف أن يستمع لها؟ فكيف يؤمن مثل هذا على أن يتولى المناصب؟ إن تولية المناصب أمانة وهي تكليف ولا تكون إلا للمتقين. جاء في صحيح الجامع عن النبي صلى الله عليـه وسلم أنه قال:
((ليودن رجل أنه خر من عند الثريا وأنه لم يل من أمر الناس شيئاً)).
إن أساس الولاية العدل، ولا يكون العدل إلا من المتقين الصالحين، وجاء في صحيح الجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي؟ أولها: ملامة، وثانيها: ندامةٌ، وثالثها: عذابٌ يوم القيامة إلا من عدل)).
ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة تضييع الأمانة، وأن من ضياع الأمانة أن يوسد الأمر إلى غير أهله.
أيها الإخوة: إن والياً صالحاً من ولاة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال شعراً فيه مدح وتمنٍ بالخمر، فحينما سمع عمر بذلك أحضره إليه ووبخه وعزله قال: يا أمير المؤمنين والله ما شربت الخمر يوماً، وإنما هو شعر قلته فقط، فقال: بما أنك قلته فلن تلي لي ولاية بعد اليوم.


بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2012, 01:14 AM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][


( 5 ) عظم الأمانــــــــــة،،

علي عبد الرحمن الحذيفي


ملخص الخطبة
1- إشفاق السموات والأرض والجبال من حمل الأمانة. 2- بيان الأمانة. 3- أهمية الأمانة والتحذير من تضييعها. 4- عظم ثواب المحافظ على الأمانة. 5- مفاسد تضييع الأمانة. 6- أمانة الوظيفة والعمل. 7- أمانة الودائع.

الخطبة الأولى
أما بعد: فيقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً لّيُعَذّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب:72، 73].
إن حِملاً ثقيلاً وواجبًا كبيرا وأمرا خطيرا عُرض على الكون سمائه وأرضه وجباله، فوجلت من حمله، وأبت من القيام به، خوفاً من عذاب الله تعالى، وعُرضت هذه الأمانة على آدم عليه السلام، فحملها واستقلّ بها، إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً أي: الإنسان المفرّط المضيّع للأمانة هو الظلوم الجهول، لا آدم عليه السلام، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الأمانة الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدَّوها أثابهم، وإن ضيّعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا منه من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله تعالى) ، وقال الحسن البصري رحمه الله: "عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زُينت بالنجوم وحملةِ العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنتِ جُزيتِ، وإن أسأتِ عُوقبتِ، قالت: لا، ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد التي شُدّت بالأوتاد وذُلِّلت بالمهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنتِ جُزيتِ، وإن أسأتِ عوقبتِ، قالت: لا، ثم عرضها على الجبال فأبت" .
الأمانة ـ يا عباد الله ـ هي التكاليف الشرعية، هي حقوق الله وحقوق العباد، فمن أداها فله الثواب، ومن ضيَّعها فعليه العقاب، كما قال تعالى في آخر الآية: لّيُعَذّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً، فقد روى أحمد والبيهقي وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة) وأشياء عدّدها، (وأشدّ من ذلك الودائع) ، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (والغسل من الجنابة أمانة) .
فمن اتَّصف بكمال الأمانة فقد استكمل الدين، ومن فقد صفة الأمانة فقد نبذ الدين كلَّه، كما روى الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((لا إيمان لمن لا أمانة له)) ، وروى الإمام أحمد والبزار والطبراني من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) ، ولهذا كانت الأمانة صفةَ المرسلين والمقربين، قال تعالى عن نوح وهود وصالح عليهم السلام: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء 7، 108].
وكلما انتُقصت الأمانة نقصت شعب الإيمان لما روى مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ـ أي: في وسطها ـ، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ((ينام الرجل النومة، فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل الوكت، ثم ينام الرجل، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء))، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله، ((فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، وحتى يقال للرجل: ما أظرفه، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) ، والظاهر أن الرجل إذا تعمّد تضييع الأمانة بالتساهل في الفرائض وواجبات الدين وبالخيانة في حقوق العباد يعاقب بعد ذلك بقبض الأمانة من قلبه، وينزّه الله تعالى أن يقبض الأمانة من قلب أحد من غير سبب من العبد، ومن غير استخفاف منه بواجبات الدين وحقوق العباد، كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ [الصف:5]. وآخر الحديث يدل على أن الأمانة هي الإيمان، وهي الدين وواجباته، فالتوحيد أمانة، والصلاة أمانة، والزكاة أمانة، والصيام أمانة، والحج أمانة، وصلة الرحم أمانة، والأمر بالمعروف أمانة، والنهي عن المنكر أمانة، والمال أمانة فلا تستعن به على المعصية، والعين أمانة فلا تنظر بها إلى ما حرّم الله، واليد أمانة، والفرج أمانة، والبطن أمانة فلا تأكل ما لا يحل لك، والأولاد عندك أمانة فلا تضيّع تربيتهم الصالحة، والزوجات عند الرجال أمانة فلا تضيّع حقوقهن، وحقوق الأزواج على النساء أمانة، وحقوق العباد المادية والمعنوية أمانة فلا تُنتقَص.
وقد وعد الله على أداء الأمانات والقيام بحقوقها أعظمَ الثواب فقال تعالى: وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوٰتِهِمْ يُحَـٰفِظُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ [المؤمنون-11]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال: ((اكفلوا لي بستٍّ أكفل لكم الجنة))، قلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: ((الصلاة والزكاة والأمانة والفرج والبطن واللسان)) رواه الطبراني ، قال المنذري: "بإسناد لا بأس به" .
والتفريط في الأمانات والتضييع لواجبات الدين يورث الخلل والفساد في أحوال الناس، ويجعل الحياة مرّة المذاق، ويقطّع أواصر المجتمع، ويعرّض المصالح الخاصة والعامة للخطر والهدر، ويُفسد المفاهيمَ والموازين، ويؤذن بخراب الكون، قال وقد سُئل: متى الساعة؟ قال: ((إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة)) .
فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا على الأمانات والواجبات، واحذروا المحرمات، قال الله تعالى: وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَـٰدٰتِهِم قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَـئِكَ فِى جَنَّـٰتٍ مُّكْرَمُونَ [المعارج:32-35].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه من الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، والعزّة التي لا تُضام، أحمد ربي وأشكره على آلائه العظام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى، وأطيعوه بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، تفوزوا بجنته ورضاه.
قال الله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء:58]، وهذه الآية المباركة عمّت جميع الأمانات.
ومن أعظم الأمانات الوظائف والأعمال والمناصب وحقوقها، فمن أدى ما يجب لله تعالى عليه فيها وحقَّق بها مصالحَ المسلمين التي أنيطَت بها والتي وُجدت لأجلها فقد نصح نفسه، وعمل خيراً لآخرته، ومن قصّر في واجبات وحقوق الوظائف والمناصب ولم يؤدِّ ما أُنيط بها من منافع العباد أو أخذ بها رشوة أو اختلس بها مالاً للمسلمين فقد غشّ نفسه وقدّم لها زادا يرديها، وغدر بنفسه وظلمها، وفي صحيح مسلم أن رسول الله قال: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان)) .
ومن أعظم الأمانات الودائع والحقوق التي أمنك الناس عليها، وقد روى أحمد والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلّها إلا الأمانة)، قال: (يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول: أي ربِّ، كيف وقد ذهبت الدنيا؟! فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فيُنطلَق به إلى الهاوية، وتُمثّل له الأمانة كهيئتها يوم دُفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج اخْلولت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبدَ الآبدين) .
عباد الله، إن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه المصطفى وخليله المجتبى، فقال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
فصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد...

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2012, 01:18 AM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][


( 6 ) إنا عرضنــا الأمانــــــــــة،،

علي عبد الرحمن الحذيفي


ملخص الخطبة
1- إشفاق السموات والأرض والجبال من حمل الأمانة. 2- بيان الأمانة. 3- أهمية الأمانة والتحذير من تضييعها. 4- عظم ثواب المحافظ على الأمانة. 5- مفاسد تضييع الأمانة. 6- أمانة الوظيفة والعمل. 7- أمانة الودائع.

الخطبة الأولى
أما بعد: فيقول الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً لّيُعَذّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب:72، 73].
إن حِملاً ثقيلاً وواجبًا كبيرا وأمرًا خطيرا عُرِض على الكون سمائه وأرضه وجباله، فوجلت من حمله، وأبت من القيام به، خوفاً من عذاب الله تعالى، وعُرضت هذه الأمانة على آدم عليه السلام، فحمَلها واستقلّ بها، إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً أي: الإنسان المفرّط المضيّع للأمانة هو الظلومُ الجهول، لا آدم عليه السلام، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الأمانة الفرائضُ، عرضها الله على السمواتِ والأرض والجبال، إن أدَّوْها أثابهم، وإن ضيّعوها عذبهم، فكرِهوا ذلك وأشفقوا منه من غير معصية لله، ولكن تعظيماً لدين الله تعالى) ، وقال الحسن البصري رحمه الله: "عرضها على السَّبع الطباق الطرائق التي زُيِّنت بالنجوم وحملةِ العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنتِ جُزيتِ، وإن أسأتِ عُوقبتِ، قالت: لا، ثم عرَضها على الأرضين السبع الشداد التي شُدّت بالأوتاد وذُلِّلت بالمِهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنتِ جُزيتِ، وإن أسأتِ عوقبتِ، قالت: لا، ثمَّ عرضها على الجبال فأبت" .
الأمانة ـ يا عباد الله ـ هي التكاليفُ الشرعية، هي حقوقُ الله وحقوق العباد، فمن أدَّاها فله الثواب، ومن ضيَّعها فعليه العقاب، فقد روى أحمد والبيهقي وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (الصلاةُ أمانة، والوضوءُ أمانة، والوزن أمانةٌ، والكيل أمانة) وأشياء عدّدها، (وأشدُّ ذلك الودائع) ، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (والغسل من الجنابة أمانة) .
فمن اتَّصفَ بكمَال الأمانة فقد استكمَل الدينَ، ومن فقد صفةَ الأمانة فقد نبذ الدينَ، كما روى الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له)) ، وروى الإمام أحمد والبزار والطبراني من حديث أنَس رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له)) ، ولهذا كانت الأمانة صفةَ المرسلين والمقرَّبين وعباد الله الصالحين، قال تعالى عن نوح وهود وصالحٍ وغيرهم عليهم الصلاة والسلام: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء 7، 108].
وكلَّما انتُقصت الأمانة نقصت شعبُ الإيمان لما روى مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله أن الأمانةَ نزلت في جذر قلوبِ الرجال ـ أي: في وسطها ـ، ثم نزلَ القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنَّة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ((ينام الرجل النومةَ، فتُقبَض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل الوَكت، ثم ينام الرجل، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء))، ثم أخذَ حصاةً فدحرجها على رجله، ((فيصبح الناس يتبايَعون، لا يكاد أحدٌ يؤدِّي الأمانة، حتى يقال: إنَّ في بني فلان رجلا أمينا، وحتى يقال للرَّجل: ما أظرفَه ما أعقله، وما في قلبه مثقالُ حبة من خردل من إيمان)) ، والظاهر أنَّ الرجل إذا تعمّد تضييعَ الأمانة بالتساهل في الفرائض وواجبات الدّين وبالخيانة في حقوق العباد يعاقَب بعد ذلك بقبض الأمانة من قلبه، وينزَّه الله تعالى أن يقبِض الأمانة من قلب أحدٍ من غير سبب من العبد، ومن غير استخفافٍ منه بواجبات الدين وحقوق العباد، كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ [الصف:5]. وآخرُ الحديث يدل على أن الأمانةَ هي الإيمان، وهي الدين وواجباته. فالتوحيد وهو عبادة الله وعدمُ إشراكِ أحدٍ معه في العبادة أمانةٌ، والصلاة أمانة، والزكاة أمانة، والصيام أمانة، والحج أمانة، وصلة الرحم أمانة، والأمرُ بالمعروف أمانة، والنهيُ عن المنكر أمانة، والمال أمانة فلا تستعن به على المعصية، والعين أمانة فلا تنظر بها إلى ما حرّم الله، واليدُ أمانة، والفرج أمانةٌ، والبطن أمانة فلا تأكل ما لا يحلّ لك، والأولادُ عندك أمانة فلا تُضيّع تربيتَهم الصالحة، والزوجات عند الرجال أمانة فلا تُضيّع حقوقهن، وحقوق الأزواج على النساء أمانةٌ، وحقوق العباد الماديَة والمعنوية أمانة فلا تُنتقَص.
وقد وعد الله على أداء الأمانات والقيامِ بحقوقها أعظمَ الثواب فقال تعالى: وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوٰتِهِمْ يُحَـٰفِظُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ [المؤمنون-11]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال: ((اكفلوا بستٍّ أكفل لكم بالجنة))، قلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: ((الصلاة والزكاةُ والأمانة والفرجُ والبطن واللسان)) رواه الطبراني ، قال المنذري: "بإسناد لا بأس به" ، وفي الحديث: ((أوَّلُ ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخرُ ما تفقِدون من دينكم الصلاةُ)) .
والتفريطُ في الأمانات والتضييعُ لواجباتِ الدين يورثُ الخللَ والفسادَ في أحوال الناس، ويُحيل الحياة مرّةَ المذاق، ويقطَع أواصرَ المجتمع، ويعرّض المصالح الخاصة والعامة للخطر والهدر، ويُفسد المفاهيمَ والموازين، ويؤذِن بخرابِ الكون، قال وقد سُئل: متى الساعة؟ قال: ((إذا ضُيِّعتِ الأمانة فانتظر الساعة)) .
فاتقوا الله عبادَ الله، وحافظوا على الأماناتِ والواجبات، واحذروا المحرَّمات، قال الله تعالى: وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَـٰدٰتِهِم قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَـئِكَ فِى جَنَّـٰتٍ مُّكْرَمُونَ [المعارج:32-35].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه من الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، والعزّةِ التي لا تُضام، أحمد ربي وأشكره على آلائه العِظام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله حقَّ تقواه، وأطيعوه بفعل ما أمَر واجتناب ما نهى عنه وزَجر، تفوزوا بجنته ورضاه.
قال الله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء:58]، وهذه الآية المباركة عمّت جميعَ الأماناتِ.
ومن أعظم الأمانات الوظائفُ والأعمال والمناصبُ وحقوقها، فمن أدَّى ما يجب لله تعالى عليه فيها وحقَّق بها مصالحَ المسلمين التي أنيطَت بها والتي وُجدت لأجلها فقد نصح لنفسِه، وعمل خيراً لآخرته، ومن قصّرَ في واجباتِ وحقوق الوظائف والمناصب ولم يؤدِّ ما أُنيط بها من منافع العباد أو أخذَ بها رشوةً أو اختلس بها مالاً للمسلمين فقد غشّ نفسَه وقدّم لها زادا يرديها، وغدر بنفسه وظلمها، وفي صحيح مسلم أن رسول الله قال: ((إذا جمعَ الله الأوَّلين والآخرين يوم القيامة يُرفَع لكل غادر لواء ويقال: هذه غَدرة فلان بن فلان)) .
ومن أعظَم الأمانات الودائعُ والحقوق التي أمنك الناس عليها، فقد روى أحمد والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (القتلُ في سبيل الله يكفّر الذنوبَ كلّها إلا الأمانة)، قال: (يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول: أي ربِّ، كيف وقد ذهبتِ الدنيا؟! فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فيُنطلَق به إلى الهاوية، وتُمثّل له الأمانة كهيئتها يوم دُفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظنَّ أنه خارج اخْلولت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبدَ الآبدين) ، وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي قال: ((أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك، ولا تخُن من خانك)) ، وفي الحديث الآخر عن النبي : ((يُنصَب الصراط على متن جهنَّم، ويكون على جنبتيه ـ أي: في جانبيه ـ الأمانة والرحم)) ، فمن ضيَّع الأمانةَ أو ضيَّع صلةَ الرحم فإنهما لا يتركانِه يجوز الصراط.
عباد الله، إن الله أمركم بالصلاة والسلام على مصطفاه من خلقه وخليله من عباده نبينا وسيدنا محمد فقال: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد...


بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2012, 01:28 AM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][


( 7 ) مفهوم الأمانــــــــــة،،

عبد العزيز آل الشيــــخ


ملخص الخطبة
1- عناية القرآن الكريم ببيان صفات المؤمنين وصفات غيرهم. 2- خلق رعاية الأمانة. 3- أداء أمانة التوحيد. 4- أداء الأمانة في العبادات الشرعية. 5- أداء الأمانة فيما بينك وبين الخلق. 6- أداء أمانة العمل والوظيفة. 7- أداء أمانة الزوجة والأولاد. 8- أمانة الشهادة والقضاء والتحقيق والولاية. 9- أمانة الأبوين. 10- الخيانة من صفات المنافقين. 11- أمانة التعليم. 12- أمانة المال. 13- أمانة أداء حقوق العمال.

الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها النّاس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عباد الله، في كتاب ربِّنا بيانٌ لأخلاق المؤمنين، بيانٌ لصفاتِهم الحميدة وأخلاقِهم الكريمة، وذاك دعوةٌ للأمّة المؤمنة أن تأخذَ بتلكم الأخلاق وتتَّصف بتلكم الصفات. فيذكر الله أهلَ الإيمان، يذكر أخلاقَهم وأعمالهم، وهو حثٌّ لنا جميعًا على الأخذ بها والعمل بمقتضاها، كما يذكر أخلاقَ المنافقين وصفاتِهم وأخلاقَ الكافرين، ليكونَ المسلم على علمٍ بتلكم الصفات والأخلاق، فيبتعد كلَّ البُعد عنها.
أيّها المسلم، وأنت تقرأ كتابَ الله تمرُّ بك آية، وهي قول الله جلّ جلاله في صفات المؤمنين: وَٱلَّذِينَ هُمْ لأمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ [المؤمنون]. فوصف الله أهلَ الإيمان بأنّهم راعون لأماناتهم، حافظون لأماناتهم، وَٱلَّذِينَ هُمْ لأمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ، فهم يرعَون الأمانَة حقَّ الرعاية، ويقومون بمقتضاها حقَّ القيام، تلكم الأمانةُ التي عرضها الله على السموات السَّبع والأرضين السّبع والجبال، عرضها عليهم لا عرضَ إلزام، فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا، لا عصيانًا لله، ولكن إشفاقًا من حملها، إلا أنَّ الإنسان حَملها لظلمِه وجهله، وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72].
أيّها المسلم، فالأمانةُ التي كُلِّفتَ بها والتي طُولبَ منك رعايتُها أمانةٌ عامّة فيما بينك وبين الله، وفيما بينك وبين نفسك، وفيما بينك وبين عباد الله، أمانةٌ شاملةٌ لخيرَي الدنيا والآخرة، شاملة لمصالح الدين والدنيا معًا، فالمؤمن في هذه الحياة يحمِل أعباءَ هذه الأمانة، ويرعاها حقَّ الرّعاية، ويقوم بها خيرَ قيام، طاعةً لله وتقرّبًا إلى الله.
أيّها المسلم، فالعباداتُ الشرعيّة أمانةٌ عندك بأن تؤدِّيها إخلاصًا لله، وموافقةً لشرع الله، لا تبتدِعُ فيها، لا تزيدُ فيها، ولا تنقصُ منها، وإنما تؤدّيها على وفقِِ ما شرع الله ورسوله، فأنت مخلِصٌ لله في عبادتك، في توحيدِك لله مخلصٌ في ذلك، معتقد حقًا أنّ الله المعبودُ بحقّ، وأنّ ما سواه معبودٌ بالباطل، معتقدٌ اتباعَ سنّة محمّد ، وأنّه عبد الله ورسوله الذي أرسله الله ليقيمَ حجَّته على العباد، وأنَّ الواجبَ اتباعُه والعمل بشريعته.
فأنت مؤتَمَنٌ على هذا الأصل العظيم، فأنت تؤمِن بذلك إيمانًا ظاهرًا وباطنًا، تنطِق بكلمةِ التوحيد "لا إله إلا الله"، تنطق بها بلسانك، معتقِدًا معناها بقلبك، عاملاً بمقتضى ما دلَّت عليه، تنطِق شهادةَ أنَّ محمدًا رسول الله مخلِصًا لله في ذلك، قولاً وعملاً واعتقادًا، تعتقِد أنّه رسول الله حقًا، فتتبع سنّتَه، وتسير على نهجه ظاهرًا وباطنًا، تؤدِّي عبادةَ الله من صلاةٍ وزكاةٍ وصوم وحجٍّ وبرّ وصِلة، وكلّ الواجبات الشرعيّة تؤدّيها بإخلاصٍ لله، واتّباع لشريعة محمّد ، فإنّ الله لا يقبَل العملَ إلا إذا كان خالصًا له وكان على وفق ما شرع الله، فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا [الكهف 0].
أيّها المسلم، ففيما بينك وبين الله في عبادتِه الإخلاصُ والاتّباع.
إنّك تتوضّأ للصلاة، والوضوء الذي هو شرطٌ لصحّة الصلاة أنتَ مؤتمنٌ عليه في إسباغ الوضوء وإتمامِه وعدمِ الإخلال بشيء منه، رأى النبيّ بعضَ أصحابه وقد تركُوا غسلَ بعض القدم، فنادى فيهم: ((ويلٌ للأعقاب من النار)) ، وقال: ((أسبغ الوضوءَ، وخلِّل بين الأصابع، وبالِغ في الاستنشاق إلا أن تكونَ صائمًا)) . فالوضوء أمانةٌ تؤدِّيه كما أمرَ الله صادقًا مخلصًا، وما ائتمَن الله عبدًا على شيء ما ائتمنَه على غسل الجنابة.
تؤدّي الصلواتِ الخمس بأمانة، بأن تؤدِّيَها في الوقت الذي عيَّنه الله لأدائها، تؤدّيها في وقتِها، فأنت مؤتمنٌ على وقتِها، فلا تؤخِّرها عن وقتها بلا عذر شرعيّ، فإنّ الله وقَّتها بأوقات، طالبنا بأن نوقعَها فيها، إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً [النساء 3]. تؤدّيها بأمانة، فلا تخِلُّ بأركانها ولا بواجباتها ولا بشيء مطلوبٍ فيها، ولذا لمّا رأى النبيّ المسيءَ في صلاته الذي لا يُتمّ الركوعَ والسجود قال له: ((صلِّ فإنّك لم تصلِّ))، فلمّا قال الرّجل ثلاثَ مرّات: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقّ نبيًّا ما أحسنُ غيرَ هذا فعلِّمني، فعلّمه رسول الله صفةَ أداء الصلاة، وأمره بالطّمأنينة في كلِّ أركانها وواجباتها .
أيّها المسلم، وأنت مؤتمَنٌ على زكاةِ مالك، فالله سيحاسبك على ذلك، فاتّق الله في أدائها وإخراجها على وفق ما شرع الله، على وفق ما أمرك الله به، وأحصِها وأخرِج زكاتها طيِّبة بذلك نفسُك، فإنّك أمين، والله يعلم خائنةَ الأعين وما تخفي الصدور، أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ [الملك:14].
أيّها المسلم، والصومُ أمانةٌ والحجّ أمانة، كلّ هذه الأركان الإسلاميّة أمانةٌ عند المسلم، يؤدّيها كما شرع الله.
البرّ والصّلة والواجبات الشرعيّة كلّها يؤدّيها المسلم؛ لأنّه مؤتمنٌ على أدائها، فلا بدّ من الأداء.
أيّها المسلم، واعلم أنّ الله مطَّلع عليك وعالم بسرِّك وعلانيتك، أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوٰهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف0].
تتركُ المحرّمَات طاعةً لله في موضع لا يراك إلا الله، إنّما ذلك خشية من الله، إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:13].
وإنَّ أمانتك فيما بينك وبين الخلق تعاملُهم بما تحبّ أن يعاملوكَ به، تعاملهم بالصِّدق والأمانة كما تحبُّ أن يعاملوك به، فلا يؤمِن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه. فلا تكن غاشًا لهم، ولا خائنًا لهم، ولا ساعيًا في المكائد لهم، وإنما تعاملهم بمثل ما تحبُّ أن يعاملوك به، فتلك الأمانة في التعامل مع العِباد.
أيّها المسلم، وإنّك مؤتمنٌ في أحوالك كلِّها، ففي البَيع والشّراء مؤتمنٌ على بيعك، بأن يكون بيعك بيعًا صادقًا، لا غشَّ ولا خيانة، لا تدليسَ ولا خِداع، ولكن بيعُ المؤمن الصادِق، يعرض سلعتَه فلا كذب ولا أيمان فاجِرة يروّج بها سلعتَه، ولكن الصدق والبرّ خلقُ المؤمن. وأنت ـ أيّها المشتري ـ أمين أيضًا في إعطاء الناس حقوقَهم وعدم المماطلة وعدم الكذب والغشّ والخداع. وأنت ـ أيّها المؤمن ـ مؤتمنٌ في بيعك وشرائك، مؤتمنٌ فيما تعامِل به النّاس، فيما اؤتمِنتَ عليه، فأنت ـ أيها المستأجِر للدّور ـ مؤتَمن على ما استأجرتَه بأن تسلِّم ما استأجرتَه من غير إخلال ولا إلحاق ضرَر بما استلمتَه من ذلك العقار، استأجرتَ مسكنا تسكنه فأدِّ أمانتَه بأن تسلِّمه لمؤجِّره من غير نقصٍ لحِق به، من غير إخلال بذلك.
أيّها المسلم، أنتَ مؤتمنٌ على ما وُكِل إليك من أعمال، فيا من هو وكيلٌ على أموال الأيتام، اعلم أنَّ الله سائلك عمّا ائتمنك عليه، ويناقشك الحسابَ يوم القيامة، إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء ]. المسؤول عن قِسمة المواريث مؤتمنٌ في الإحصاء وضبطِ الأمور وإعطاء كلِّ ذي حقّ حقَّه. المسلم مؤتمنٌ إن كان مسؤولاً عن وصايا وأوقاف أن يتّقي الله فيما اؤتُمن عليه، فلا يخون ولا يكذب ولا يلبِّس، وإنّما يُظهر الصدقَ ويؤدِّي الأمانة فيما اؤتُمن عليه.
أيّها المسلم، أنت مُؤتمنٌ على زوجتِك من حيث النصيحة، من حيث التوجيهُ والقيام بالواجب وإعطاؤها حقَّها المشروع وعدم الإضرار والمماطلة بذلك، كما أنتَ مؤتمنٌ على أخلاقِها وأعمالِها لأنّك راعٍ والله سائلك عن رعيّتك، كما أنَّ المرأةَ المؤمنةَ مؤتمنةٌ على بيتها ومال زوجها وفراش زوجها، فتؤدِّي أمانتَها على الوجه المرضيّ.
أيّها المسلم، أمانتُك تصحبُك أيضًا في أولادك من بنين وبنات، أنت مؤتمنٌ على الأولاد من بنين وبنات، تربيةً وتعليمًا وتوجيهًا وحملاً على الخير وتحذيرًا من أسبابِ الشّرّ، يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ [التحريم:6]، فإنّك مؤتمَن على أولادك، أن تربِّيَهم التربية الإسلامية، أن تكون قدوةً لهم في الخير وأسوةً لهم في الهدى ليقتدوا بك ويتأسَّوا بك في أعمالِك الطيّبة، فما مِن مولود إلا يولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه.
أنت مؤتمنٌ عليهم في تأليف قلوبِهم وإصلاح ذاتِ بينهم، فلا تفضِّل أحدًا على أحد، ولا تجعَل لأحدٍ فضلاً على أحَد، بل اتَّق الله واعدِل في أولادك في العطاء والهبات، حتى يكونوا لك قلبًا واحدًا، واحذَر أن توقِد بينهم نارَ العداوة والبغضاء بأن تفضِّل بعضًا على بعض، تقرِّب ذا وتُقصي ذا، وتترك النّار تشتعل في نفوسهم، فتكون سببًا للقطيعة بينهم والعياذ بالله.
أنت مؤتمنٌ فيما توصي به من وصايا، فلا تكُن وصيتُك وصية جَور وظلم، بل تكون وصيةً عادلة، متَّقيًا الله فيها، إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا [النساء:135]، لا تحابِ ولا تجُر ولا تفضِّل أحدًا بأيّ طريقة سلكتَ، فإنّ الله مطّلع عليك وعالم بسرّك ونجواك.
أنت مؤتمَن على البنات فتختار لهنّ مَن فيه خير لهنّ في أمرِ الدين والدنيا، لا تردَّ كُفئًا تقدَّم إليك تعلم خيرَه وصلاحَه، ((إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)) . وكم من معوِّق لزواج الفتيات لمصالحَ يريدها منهم، إمّا اكتسابٌ من راتبهنَ أو طمعًا في خدمتهنَ أو نحو ذلك، ويردّ الكفءَ في الصلاح والدين لمصلحة دنيويّة حقيرة، فتلك خيانة لأمانتِك أيها المسلم.
أيّها المسلم، إنَّ الشهادةَ التي تؤدّيها أنت مؤتمن عليها، فتتَّقي الله، وتصدق في شهادتك، وتؤدِّي الشهادةَ على علم وبصيرة، لا على ظنٍّ ومجاملة، قال الله جلّ وعلا في كتابه العزيز: إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف6]، وحذَّرنا من كتمان الشهادة، وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة:283]. فلا تشهَد إلا بما تعلم، ولا تشهَد بلا علم ولا لمجاملة، فإنّ الشهادة أمانة عند الشاهد، أن ينطق بالحقّ لا يخاف في الله لومةَ لائم.
أيّها المسلم، القاضي في محكمته مؤتمنٌ على القضايا، ومؤتمنٌ على ما يسمعه من الخصوم، فإن اتَّقى الله في أمانته وسمع من الجميع وأدَّى الحقَّ الذي أوجب الله عليه كان من الناجين يوم القيامة.
المسؤولون عن التّحقيق في كلِّ المجالات، سواء مروريّة أو غيرها، هم مسؤولون أمام الله، إن اتَّقوا الله فيما حقَّقوا وفيما كتبوا كانوا أمناء، وإن خانوا وخدَعوا وجاملوا كانوا من الخائِنين.
كلّ صاحب وِلايةٍ ما من ولايات الأمّة المسلمة قلَّت تلك الولاية أو كثرت صغُرت أم كبرة، فكلُّ مسؤول مؤتمَنٌ على مسؤوليّته، والله سائله يوم القيامة، إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ [النساء:58]. وحذَّرنا الله من خيانة الأمانة فقال: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].
السرُّ بينك وبين من ائتمنك على سرِّه أمانةٌ فلا تفشِ ذلك، ما بين الرّجل وبين امرأتِه فيما يجري بينهما أمانة، حرامٌ عليها أن تفضيَ للناس ما بينها وبين زوجها، أو أن يفضيَ هو الناسَ ما بينه وبين امرأته.
الأبوان أمانة عند الأولاد لا سيّما في كبر سنِّهما وضعفِهما، فالأبناء مسؤولون جميعًا عن آبائهم وأمّهاتهم، البرّ والإحسان والقيام بالواجب، فإنّ الأبوين أمانةٌ عند الأبناء.
فليتَّق المسلم ربَّه، وليراقِب اللهَ فيما اؤتُمن عليه، فإنّ المسلمَ إذا أدَّى الأمانةَ كان من المؤمنين حقًا، ولا دينَ لمن لا أمانة له، فالأمانةُ من الإيمان، تكون أمينًا على حقوق الناس بَرِّهم وفاجرهم، فاتّق الله فيما اؤتمنتَ عليه، واعلم أنّ الأمة المسلمة اللهُ كلّفها وأوجب عليها حفظَ هذا الدين، والقيام بواجب هذا الدين، دعوة إلى الله ونصيحة للأمة والأخذ على أيدي السفهاء وأطرهم على الحقّ أطرًا، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانةٌ في أعناق الأمّة، ((لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، ولتأخذُنّ على يد الظالم، ولتأطرنَّه عن الحقّ أطرًا، أو ليوشكنَّ الله أن يضربَ قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنُكم كما لعنهم)) ، لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَـٰهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة:78، 79].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: أيّها المسلمون، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عباد الله، إنّ من خصال المنافق خيانةَ الأمانة، ولذا يقول : ((آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتُمن خان)) ، فلمّا فقد الإيمانَ كان خائنًا لأمانته فيما بينَه وبين الله، وفيما بينه وبين عباد الله. كم خان المنافقون أماناتِهم، وكم شمَتوا بالمسلمين، وكم أرجفوا برسول الله وصحابتِه الكرام، وكم قالوا وافترَوا، ولكنّ الله لهم بالمرصاد؛ لأنّهم أظهَروا الإيمانَ وأبطنوا الكفرَ المحض، فالخيانة من أخلاقهم، أمّا المؤمنُ فبعكس ذلكَ، الأمانة خلقُه، والخيانة بعيدٌ عنها كلَّ البعد، فلنتّق الله فيما اؤتمنَّا عليه.
أيّها المعلّم، إنّك أمين على ما تقول، وعلى ما تلقِي من دروس، وعلى ما توجِّه به النشء، فالمعلم والمعلّمة أمناء على التلاميذ جميعًا بالتّوجيه والقيام بالواجب والدّعوة إلى الخير والطّريق المستقيم، ليكن المعلّم ولتكن المعلّمة كلّ منهما حريصًا على الخير وساعيًا في تثقيف الأمّة وتوجيهها وإبعادها عن كلِّ ما يخالِف شرعَ الله، من غلوّ غالٍ وجفاء جافٍ وإفراط مفرّط وبعدِ من بَعُدَ عن الهدى.
أيّها المسلم، إنّ نبيّنا قال: ((الخازنُ المسلم الأمين الذي يؤدِّي ما أُمر بأدائه موفَّرا طيّبةً بها نفسه أحدُ المتصدّقَين)) ، فجعل الأمانة مع القيام بالواجب نوعٌ من الصّدقة وإن كان ذلك عملَه، وتلك وظيفته، لكن لمّا اتقى الله وأدّى الأمانة التي حُمِّلها ودفع ما أُمِر بدفعِه طيّبةً بذلك نفسه صار أحدَ المتصدّقَين، فالحمد لله على فضله. فاتّق الله فيما اؤتُمنت عليه من قليل أو كثير، اتّق الله في أمورك كلّها، فإنّك حامل لتلك الأمانة، فاسعَ في حفظِها، لتلقى الله وأنت من المحافظين عليها، لتلقى الله وأنت من أهل الأمانة الصّادقة.
جعلني الله وإياكم ممّن أدّى الأمانة التي أُمر بأدائها، إنّه على كلّ شيء قدير.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.
أيّها المسلم، إنَّ مِن الأمانة إعطاءَ العمّال الضعفاء حقوقَهم، وعدمَ التلاعب والتهاون بذلك، فالعمّال الأجراء عندك هم [أمانة] تحت يدك، أنت مسؤول عن حقوقهم وواجباتِهم، فإن أخللتَ بشيء أو ماطلت بشيء أو حاولتَ التهرُّب أو النقص أو الإساءة فاعلم أن يد الله فوق يدك، واتق الله، ولا تبخَس الناسَ أشياءهم، وأعطِ الناسَ حقوقَهم، أعطِ العامل أجرَه، أعطه حقوقه وإيّاك والتهاونَ وعدم المبالاة بحجّة ضعفهم وقدرتِك على التهرّب وقدرتك على الروغان، اتّق الله في نفسك، وأعطِ الناس حقوقهم، فتلك أمانة اللهُ سائلك عنها، إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58].
اللهمَ أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحّدين، واجعل اللهمّ هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين يا ربّ العالمين.
اللهمّ ارضَ عن خلفاء نبيك الطيّبين الطاهرين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيّك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على نبيّكم محمّد كما أمركم بذلك ربكم: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد...

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2012, 01:32 AM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][


( 8 ) الأمانــــــــــة،،

عبد العزيز آل الشيــــخ


ملخص الخطبة
1- تكريم الله تعالى لبني آدم. 2- أصناف الناس تجاه الأمانة. 3- عموم معنى الأمانة. 4- الأمر برعاية الأمانة. 5- الأمانة الواجبة على العبد تجاه ربه. 6- الأمانة الواجبة على العبد تجاه غيره. 7- الأمانة الواجبة على العبد تجاه نفسه. 8- مسؤولية أمن الأمة.

الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقّ التقوى.
عبادَ الله، إنّ الله جلّ جلاله كرَّم بني آدمَ وفضَّلهم علَى كثيرٍ ممَّن خَلقَ تفضِيلاً، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70].
إنَّ مِن تكريمِ اللهِ لابنِ آدمَ أن جعَله مؤهَّلاً لحَمل تِلكمُ الأمانةِ العظمى التي أبَت عن حملِها عظيمُ المخلوقاتِ السمواتُ السّبع والأرض والجِبال، إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً [الأحزاب:72]. لم تمتنِع تلك المخلوقاتُ معصيةً لله، ولكن خوفًا مِن أن لا يقُمنَ بواجب تِلكم الأمانة. حَمَلها الإنسان على ظُلمِه وجهلِه وضَعفِه وعجزِه، ولكن تنوَّع بنو آدمَ في حملِ تلكمُ الأمانة، فالمؤمِنون حمَلوا الأمانةَ ظاهِرًا وباطِنًا، آمنَت قلوبهم وصَدّقت ألسِنتُهم وعمِلت جوارِحهم، والمنافِقون تظاهَروا بحملِها، لكن يعلَم الله أنّ المنافقين لكاذِبون. حملوها ظاهِرًا وهم منكِرون لها في باطِنِ الأمر، وغيرُهم من سائرِ الكَفَرة لم يَقوموا بحقِّ هذِه الأمانة لا ظاهِرًا ولا باطنًا، لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:73].
أيّها المسلِم، إنّ مَعنى الأمانَةِ في شريعةِ الإسلام معنًى عَامّ يتضمَّن التكاليفَ الشرعيّة والواجباتِ الإسلاميّة، فالأمانة جزءٌ من إيمانِك، فلا إيمانَ لمن لا أمانةَ له. هذهِ الأمانةُ تكون معَ المسلمِ في معاملَتِه معَ ربِّه، وفي تعامُله مع نفسه، وفي سائرِ التّعامُل مع عبادِ الله.
إنّ اللهَ جلّ وعلا ائتمَنَه على هذا الدّينِ الذي فطَره عليه، وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172]، أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:60، 61]. تلكمُ الفِطرةُ التي فطَر الله الخَلقَ عليها، ((مَا مِن مولودٍ إلاَّ يولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه)). إنَّ توحيدَ الله أمِرَ به العبادُ كلُّهم: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5].
أيّها المسلم، الأمانةُ تحمِلُها إن كنتَ مؤمنًا صادقًا، فكلّما قُمتَ بِواجبِ هذهِ الأمانةِ دلَّ على صفاءِ قلبِك وتمكُّنِ الإيمانِ مِنك، وكلّما ضعُف أداؤك للأمانةِ دلّ على ضَعفِ الإيمان في القلبِ. يقول أنسٌ رضي الله عنه: إنَّ النبيَّ كثيرًا ما يَقول: ((لا إيمانَ لمن لا أَمانةَ له، ولا عَهدَ لمن لا دِينَ له))،فلا أمانةَ لمن لا إيمانَ له، فاقدُ الإيمان لا يمكِن أن يؤدِّيَ أمانة، فاقدُ الدّين لا يلتزِم عهدًا ولا يفِي بميثاق.
أيّها المسلم، أُمِرنا برعايةِ الأمانةِ وجُعَل المحافظةُ عليها من أخلاق المؤمنين: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون]، ونبيُّنا يجعَل مِن صفاتِ المنافقِ خيانتَه للأمانةِ فيقول: ((آيةُ المنافقين إذا حدّث كذب، وإذا وعَد أخلف، وإذا ائتُمِن خان)).
أيّها المسلِم، هذه الأمانةُ مسؤوليّة كلِّ فردٍ منَّا نحوَ نفِسه وتعامُله مع ربِّه وتعامُله مع عِبادِ الله. أمانةُ الفَرد مع الفردِ، أمانةُ الفردِ مع المجتمَع، أمانة ملقاةٌ على المجتمَع عمومًا؛ لأنّ هذا الدّينَ أمانةٌ في أعناقِ الأمّة، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران 0].
أيّها المسلِم، فأمانتُك فيمَا بينَك وبينَ اللهِ إخلاصُك التَّوحيدَ للهِ، إفرادُك اللهَ بالعبادةِ، قَصدُك التقرُّبَ إلى الله، عِلمُك الحقّ أنه لا ينفعُك عمَل إلاّ إذا ابتغيتَ به وجهَ الله والدارَ الآخرة، فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف 0]. أمانةٌ بينَك وبينَ اللهِ فيما أمَرك به مِن الأوامِر وفيما نهاك عنه مِنَ النواهي، فترعَى لتلكم الأمانةِ حقَّها.
الصلوات الخمس ائتمِنتَ على طهارتها، كما ائتمِنتَ على أدائها، فطهارتها أمانةٌ في عنقك، إن أخللتَ بشيءٍ منها كنتَ خائنًا لشيءٍ من أمانتِك. رأَى النبيّ بَعضَ أَصحابه تَلوح أعقابهم لم يصِبها الماء فنادى: ((ويلٌ للأعقاب من النار)).
أنتَ مؤتمَنٌ على صلواتِك الخمس مِن حيث الوقتُ، فتؤدّيها في الوقتِ الذي شَرعَ الله فيه أداءها، ولا تؤخّرها تكاسُلاً وتهاوُنًا فتكونَ من الخاسرين، مؤتمَنٌ على أركانها وواجباتها وجميعِ متطلَّباتها لتكونَ ممن أدّى الصلاةَ على الحقيقة.
زكاةُ مالك أمانةٌ في عنُقك، واللهُ سائلك عن ذلكِ يومَ لِقاه، فإن أَحصيتَ المالَ وعَرفتَ قدرَ الزّكاة وراقبتَ الله في ذلكَ فأخرجتَ زكاةَ أموالكَ كاملةً تامّة ثمّ أوصَلتها إلى مستحقّيها دِيانةً وأمانةً كنتَ ممن أدّى أمانةَ هذه الزكاة.
صومُك لرمضانَ أمانة وسرٌّ بينك وبين ربّك، لا يطَّلع عليه إلاّ الله، فالسّعيد من حفِظَ صومَه في سِرِّه وعلانيته، ولذا عظُم فضلُ الصيام وقال الله فيه: ((كلُّ عمَل ابن آدم له؛ الحسنةُ بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به)).
أمانةُ الحجِّ بأن تؤدّيَ شعائرَه كما أمَرك ربّك، وكما شرَع لك نبيّك .
أيّها المسلم، الأبَوان أمانةٌ في أعناقِ الأبناء والبنات، لا سيّما بعد كِبَر سنّهما وضَعف قوّتهما وعجزهما عن القيام بشؤونهما، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23، 24]. فإن أدّيتَ الأمانةَ ورعيتَ البرَّ والإحسانَ كنتَ من المؤمنين، وإن خُنتَ تلك الأمانة وأعرضتَ عن الأبوين أو أهملتهما أو ضيَّعتهما أو عهِدتَ بهما إلى غيرك تخلُّصًا منهما وزُهدًا فيهما لم تؤدِّ تلك الأمانة الصّادقة.
رحمُك أمانةٌ في عنُقك، في الصّلةِ التي أمرك الله بها وحذّرك من قطيعةِ رحمك. جارُك أمانة عندك و((لا إيمان لمن لم يأمَن جاره بوائقَه)).
أخي المسلم، الأبناءُ والبَناتُ أمانةٌ في أعناقِ الآباء من حيث التربيةُ ومن حيثُ النفَقَة ومن حيث الرعايةُ ومن حيث القيام بالواجب وحِفظُ إيمانهما وكرامتِهما، فالأبناء والبناتُ أمانة في أعناقِ الآباء والأمّهات، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6]. فمن ضيَّع الأبناء والبناتِ فقد خان أمانتَه، إن فضَّل بعضهم على بعض، إن أهمل التربيةَ، إن لم يقبلِ الكفء للفتيات، إن ردَّ الأكفاء ولم يقبلها أو زوَّج من لا كفاءةَ له كان من الخائنِين في تلكم الأمانة.
أيّها المسلم، نفسُك بين جنبَيك أنت مؤتمَن عليها، قد حذّرك الله من قتلِ نفسك: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، وفي الحديث: ((من قتَل نفسَه بشيءٍ عذِّب به يومَ القيامة)).
أنت مؤتمَن في تعامُلك مع عبادِ الله، أمانة تتعلَّق بالبيع والشّراء، فأربابُ البَيعِ وتجّارُ السِّلَع أمَناء على ما يعرِضونه من سِلَع، فإن كانوا أهلَ أمانةٍ صَدَقوا فيما يقولون وصدَقوا فيما يعرِضون، وإن كانوا أهلَ خِيانة غَشّوا ودلَّسوا وافترَوا الأباطيلَ والأكاذيبَ، وكلّ هذه من الخيانةِ، ((ومن غشنا فليس منَّا)).
أيّها المسلم، أنت مؤتمن على ما عُهِد إليك من مسؤوليّة وما ائتُمنتَ عليه من واجباتِ، لتؤدّيَ واجبَ المسؤولية أداءً صادِقًا بِصِدقٍ وأمانة وبُعد عن التفريطِ والخيانة.
أنت مؤتمَنٌ على ما ائتُمنتَ عليه من أسرارٍ وأمور لا بدَّ من إخفائها، فإن أفشيتَ شيئًا منها كنتَ من الخائنين.
وأعظمُ الخيانة الكذبُ على الله الكذبُ على رسول الله في تحليلِ الحرام أو تحريم حلال أو الفُتيا بغير وجهٍ شرعي، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].
المحقِّقون في القضايا على اختلافِها هم أمناءُ فيما يحقِّقون وفيما يرفَعون من تقاريرَ، فإن كانوا أهلَ صِدق وأمانة كانت تقاريرُهم وكتاباتهم واضحةَ المعالم اتّقَوا الله فيما يقولون، وإن كانوا أهلَ خيانة مالت بهمُ الأهواء وافتروُا الكذبَ وأخفَوا الحقائق.
كلّ مسلم على عمَل وعلى مسؤولية فالله سائِله عما استرعَاه، ((ما مِن عبدٍ يسترعيه الله رعيّةً فيموت وهو غاشٌّ لرعيّته إلاَّ حرّم الله عليه الجنّة)).
إنّ أداءَ الأمانةِ مسؤوليّة كبيرةٌ تقوم بها النفوس الطيّبة النفوسُ الأبيّة النفوسُ التي تخاف اللهَ وتتّقيه، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58].
الحقوقُ في ذمّتك أنت مؤتَمَن عليها ولو خفِيَت على أهلِ الحقوق والله يقول: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:283]. وإنّ الأمّةَ إذا أدّتِ الأمانةَ حقًّا وقامتِ بواجِبِها حقًّا دلَّ على صَلاحِ الأمّة وسموّ أخلاقها وعلوّ كرامَتها.
نسأل الله أن يجعلنا وإيّاكم منَ المحافظين على الأمانة ِالمؤدِّين لها كمَا يرضَى الربّ عنّا جلّ وعلا.
أقول قولي هذا، وأستغفِر اللهَ العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفورُ الرّحيم.



الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدّين.
أمّا بعدُ: فيا أيّها الناس، اتّقوا الله حقَّ التقوى.
عبادَ الله، المجتمَعُ المسلم مسؤوليّتُه ومسؤوليّة أمنِه ومسؤوليّة استقرارِه وطمأنينتِه مسؤوليّةٌ مُناطَة بكلّ فردٍ منَّا على قدر مكانِه ومسؤوليّته، لكنها مسؤوليّة الكلّ وإن تفاوت حملُ هذه المسؤولية من شخصٍ أو جهةٍ أخرى، لكنها في الجملة مسؤوليّة المجتمَع المسلم بأَسره. فأمنُ الأمة وسلامتُها وطمأنينتُها واستقرارها واستمرارُ خيراتها أمرٌ مُناط بكلّ فرد منَّا، من ضيّع شيئا مِن هذا الواجبِ أو أخلَّ بشيءٍ من هذا الواجب كان له نصيبٌ من خيانةِ أمانته. فالخيانةُ العظمى إذا ضيّعتَ الدينَ وخنتَ الأمة في أعظمِ مقوِّمات حياتها، خنتَها في أمنِها، خنتها في اطمئنانها وخيراتها، خنتهَا بأن تكونَ آلةَ تنفيذٍ يسخِّرك الأعداء ويدبِّرك الأعداء الألدّاء لتفعلَ ما يريدون وما يهوَون دونَ أن يكون عندك بصيرة وانتباه لما يُراد منك.
أيّها المسلم، إنّ المسلمَ أمين على هذهِ الأمة على قدرِ حاله، كلٌّ مسؤول، ((وكلّكم راعٍ، وكلّكم مسؤول عن رعيته)).
يا أيّها المسلم، هل مِنَ الإيمانِ أن نسعَى في إِضعافِ الأمة؟! وهل منَ الإيمان أن نكيدَ للأمةِ المكائِد؟! وهل من الإيمانِ أن نكونَ رَصدًا لأعداءِ ديننا؟! وهل مِن الإيمانِ أن نسعى في إضعافِ كيانِ أمّتنا؟! وهل من الإيمانِ أن نرضَى بأن نكون جنودًا لأعدائِنا؛ نقاوِم أهلَ ديننا ونقتُل المسلمين منّا ونسعى في إرعابِ الأمة وإخافتها؟! من المستفيدُ من هذه الجرائم؟! مَنِ المستفيد؟! المستفيدُ واللهِ الأعداءُ الذين يتربَّصون بنا الدَّوائرَ ويفرَحون أن يكونَ منَّا مَن هو يخدِم أهدافَهم ويحقِّق مقاصِدَهم ويسعَى في جلبِه للأمّة وإذلالِ الأمّة أمامَهم، لكن العقولُ التي سيطر عليها الهوَى واستحوَذ عليها الشيطان تعمَل أعمالاً هي لا تَدرِي نتائجَها ولا يدري أولئك ماذا يعملون، قد يخدعهم خادِع ويغرِّر بهم مغرِّر ويغشّهم غاشّ بأنّ هذا دين، أو أنّ هذا غَيرة على المحارم، أو أنّ هذا وسيلة إصلاح، أو أن هذا طرُق إصلاح، كلا وربِّي ليس هذا إصلاحًا وليس هذا دينًا، وليس هذا عملاً صالحًا، إنما هذا ضَلال وفسادُ تصوّر وانعكاسُ فِطَر، أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا [فاطر].
فيا أيّها المسلم، اتَّق الله، وترفع عن هذه الدنايا والجرائم، وإن كنتَ تريد الإصلاح ودعوةَ الخير فإنّ طرقَ الإصلاح واضِحة ووسائل الدعوة إلى الله جليّة، أمّا سفكُ الدماء ونهبُ الأموال وتهديد الآمِنين فوربِّي إنها ليست إصلاحًا، ولكنه الفساد بعينِه، واحذَر أن تكونَ ممن قال الله فيهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة ، 12]، ويقول جل وعلا: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206].
فيا من ضلَّ سعيه، ويا من ساءَت سبيلُه، اتَّق الله، وراجِع نفسك، وحاسِب نفسَك، قِف مع نفسك قليلاً، هذه الجرائمُ التي ترتكِبها ما هي غايتك منها وهدفك منها؟! أأمرًا من تلقاءِ نفسك أم أمرًا غشَّك به من غشَّك وغرَّك به من غرَّك وتخلّى عنك لأنه يريد السوءَ بك وبأمّتك؟!
فلنكن ـ إخوتي ـ على حذرٍ من هذا الباطل، ولتكن يدُنا واحدةً في سبيل المحافظة على دينِنا وأمنِنا واستقرارنا، ولنرتقِ بأنفسِنا إلى معالي الأمورِ، ولنبتعِد عن تلك الرّدايا والرّزايا والأمورِ المشينة، ولنتّجِه جميعًا يدًا واحدة لحِفظ أمنِ هذا البلدِ الذي يحسِده الكثير على دينِه، ويحسدونه على أمنِه، ويحسدونه على قيادتِه، ويحسدونه على ما حباه الله من الخيرِ الكثير والنِّعمة العظيمة.
أسأل الله أن يهديَ ضالّ المسلمين ويردَّ ضالَّهم إلى الهدى ويبصِّر من غَوى ويرزقهم جميعًا العودةَ إلى الحقّ والصواب، إنه على كل شيء قدير.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديثِ كتاب الله، وخير الهديِ هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.
وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبدِ الله ورسوله محمّد كما أمَركم بذلك ربّكم، قال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدِك ورسولِك محمد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الراشدين...


بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2012, 01:36 AM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][


( 9 ) الأمانــــــــــة،،

حسن بن عبد العزيز آل الشيــــخ


ملخص الخطبة
1- الأمانة من أخلاق الأنبياء. 2- أمر الله تعالى بحفظ الأمانة. 3- جريمة تضييع الأمانة. 4- مجالات الأمانة. 5- أمانة النصيحة. 6- أمانة الوظائف. 7- أمانة الأموال العامة. 8- أمانة الولاية. 9- خطورة ضياع الأمانة. 10- أمانة الدعوة. 11- الشباب أمانة. 12- أمانة الفتوى. 13- بدعة الاحتفال بالمولد النبوي.

الخطبة الأولى
معاشر المسلمين، الأمانةُ خلُقٌ مِن أخلاق الأنبياءِ والمرسَلين، وفضيلةٌ من فضائل المؤمنين، عظَّم الله أمرَها ورفع شأنها وأعلى قدرَها، يقول جلّ وعلا: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِوَالأَرْضِوَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَاوَأَشْفَقْنَ مِنْهَاوَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً [الأحزاب:72]، ويقول سبحانه في وَصفِ عبادِه المفلحين المؤمِنين: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْوَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المعارج:32].
الأمانةُ أمر الله بحفظِها ورِعايَتِها، وفرَض أداءَها والقِيامَ بحقِّها: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ
أَمَانَتَهُ [البقرة:283]، ويقول جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، ونبيُّنا يقول: ((أدِّ الأمانةَ إلى من ائتَمَنك، ولا تخُن من خانك)) رواه أبو داودَ والترمذيّ وسنده صحيح . وفي قصّة هرقل مع أبي سفيان رضي الله عنه قال هِرَقل: سألتُك عن ماذا يأمركم ـ أي: النبي ـ فزعمتَ أنه يأمُر بالصلاة والصِّدق والعفاف والوفاءِ بالعهد وأداء الأمانة، وهذه صِفَة نبيّ. متّفق عليه .
معاشرَ المسلِمين، تضييعُ الأمانة ذنبٌ عظيم وجُرم جسيم، يَقول ربُّنا جل وعلا ناهيًا عن الخيانة في الأمانةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ
وَالرَّسُولَوَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ [الأنفال:27]، ورسولنا يبيِّن لنا أنَّ الخيانةَ في الأمانة علامة من علاماتِ المنافق، فيقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعَد أخلف، وإذا اؤتُمِن خان)) متّفق عليه .
إخوة الإسلام، والأمانة المطلوبة تشمَل عِفّةَ الأمين عمّا ليس له بحقٍّ، وتتضمَّن تأدِيَةَ الأمين ما يجِب عليه من حقٍّ لغيره سواء لله أو لخلقِه، وتشمَل كذلك اهتمامَه بحفظِ ما استُؤمِن عليه من ودائعَ وأموال وحُرَمٍ وأسرار. وقال العلماء: "والمجالات التي تدخل فيها الأمانةُ كثيرةٌ، قاعدتها وأصلُها التكاليف والحقوقُ التي أمر الله جل وعلا بِرعايتها وصِيانتها، ممّا هو متعلِّق بالدِّين أو النّفوس أو العقول أو الأموال أو الأعراض".

إخوةَ الإيمان، ومِن الأمانة الواجِب مراعاتُها والقِيام بحقِّها إسداءُ النصيحةِ لمن استَنصَح وإبداءُ الرأيِ السديد المتجرِّدِ من كلِّ غَرَض لمن استشار، فنبيُّنا يقول: ((المستَشار مؤتَمَن)) حديث حسن ، ويقول : ((ومَن استشارَه أخوه المسلمُ فأشار عليهِ بغيرِ رشدٍ فقد خانَه)) رواه أحمد وأبو داود بسند حسن .

ومن الأمانات العامّةِ التي يجب تقوَى الله عزّ وجلّ فيها الوظائفُ بشتَّى أنواعها والمسؤوليَّات بمختَلفِ صوَرِها، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسولَ الله، ألا تستعمِلُني؟! قال: فضَرَب بيدِهِ على منكِبي ثم قال: ((يا أبا ذرّ، إنّك ضعيف، وإنها أمانةٌ، وإنها يومَ القيامة خِزيٌ وندامة، إلاّ من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها)) رواه مسلم ، وروى مسلم أيضًا عن النبي أنه قال: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيّةً يموت يومَ يموت وهو غاشٌّ لرعيَّته إلاّ حرَّمَ الله عليه الجنة)) .

إخوةَ الإسلام، ومِن أعظمِ ما يُؤتمَن عليه الإنسانُ الأموالُ العامّة التي تعود للمسلِمين قاطِبَة، فرَضَ الله رعايَتَها وعدَمَ إهدارِها، وأوجَبَ حفظَها كما يحفظ الإنسان مالَه وأشدّ، قال في حديث طويلٍ: ((ومَن استعمَلناه منكم على عمَلٍ فكتمَنا مخيطًا فما فوقه كان غُلولاً يومَ القيامة)) ، وفي الحديث أيضًا: ((ومن استعملنا منكم على عملٍ فليجِئ بقليله وكثيره)) الحديث رواه مسلم . وقد مدَح الأمينَ على أموال المسلمين فقال: ((الخازن الأمين الذي يؤدِّي ما أمِر به طيِّبةً نفسُه أحَدُ المتصدِّقين)) متّفق عليه .

أيّها المسلمون، ومِنَ الأمانات العظيمةِ أن لاَ يوسَدَ أمرٌ من أمور المسلمين إلاّ فيمن يُتَوخَّى فيه خوفُ الله جل وعلا وممّن توفَّرت فيهم شروطُ الصلاحيّة العلميّة والعملية والأمانةُ على تأديَة الواجب الملقَى، فربُّنا جلّ وعلا يقول حكايةً عن عفريتِ الجن: قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل:39]، وقال حكايةً عن بنت شعيبٍ عليه السلام: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، ويقول عن يوسف عليه السلام: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، وفي حديث حذيفةَ أنَّ النبيَّ قال لأهلِ نجران: ((لأبعثَنّ إليكم رَجلاً أمينًا حقَّ أمين))، فاستشرَفَ لها أصحابُ رسول الله ، فبَعث أبا عبيدةَ. متّفق عليه .
وإنَّ من علامات سوء الزمان وفسادِ المجتمع وخُبث السّرائر ضياعَ الأمانة والتّفريطَ في الرِّعاية والتّهاوُن في المسؤولية واتِّخاذَ المصالح الخاصّة الهدفَ والغاية ونبذَ المصالح العامّةِ من أجل المصالحِ الخاصّة والمنافع الذاتيّة، ففي مقامِ الذمّ يقول الحبي المصطفى : ((إنَّ الله يبغِض الفحشَ والتفحُّش. والذي نفسُ محمّد بيدِه، لا تقوم الساعة حتى يُخوَّنَ الأمين ويؤتَمَن الخائن، حتى يظهَر الفُحش والتفحُّش وقطيعةُ الأرحام وسوءُ الجوار)) والحديثُ رواه أحمد وغيره وإسناده صحيح ، وفي صحيح البخاريّ قولُه : ((فإذا ضيِّعَت الأمانة فانتظِرِ الساعةَ))، قال: كيف إضاعتُها؟ قال: ((إذا وُسد الأمرُ إلى غير أهلِه فانتظرِ الساعة)) .

فيا من تحمَّلَ مسؤوليّةً من مسؤوليات المسلمين مِن الوظائف والأعمال والمهامِّ والمسؤوليّات، لقد استرعَاكم ربُّكم جل وعلا ثمّ وليُّ الأمر مسؤوليّاتٍ جسامًا ومهامَّ عِظامًا، واجبٌ عليكم تقوَى الله جل وعلا فيها ورِعايةُ هذِه المسؤوليّات، عليكم فَرضٌ عظيم بالقِيام بهذه المسؤوليّات بما يُرضِي الله ثم يرضِي وليَّ الأمر [وعامّةَ المسلمين]، إيّاكم وتسخيرَ هذه المسؤوليات في مصالحَ خاصّةٍ أو منافع ذاتيّة، واحذَروا من التهاونِ في مقاصِدِ هذه المسؤوليّات وأهدافِها، فلقد ائتَمَنكم وليُّ الأمر ثمّ المسلمون من بعده على هذهِ المسؤوليّات لتسخِّروها في النفعِ العامّ وتحرصُوا على الدقيقِ والكبير فيما يعودُ بالمصلَحة والمنفعةِ لكلّ مسلم، ارفقُوا بالمسلمين، اقضُوا حاجاتِهم، سهِّلوا عليهم، احذَروا من إعنَاتِهم والمشقَّة عليهم، يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا، كونوا عونًا في إفشاءِ المحبّة بين أفرادِ المجتمع، كونوا مِرآةً صادقة صالحَة في تحبيب الناس للنظامِ وللبلادِ ولوليِّ الأمر، فإنَّ من أعظم الخيانة أن تكونوا عونًا للشيطانِ على النّاس؛ لإحباطِهِم وإزعاجِهم ومضرَّتهم وتنفيرِهم عن طاعةِ وليِّ الأمر وعن محبَّته، فإنَّ صاحبَ الحاجة أعمى لا يبصِر إلا حاجتَه، والناسُ متعلِّقون بأمورِ دنياهم، ولقد قال : ((لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامة، يُرفَع له بقدر غَدرِه، ألا ولا غادرَ أعظم غَدرًا من أميرِ عامّة)) متّفق عليه . قال العلماءُ: "لأنَّ أميرَ العامّة ـ وهو صاحبُ الوِلايةِ العامّة من حاكمٍ عامّ أو وزيرٍ ونحوِه ـ لأنّ غدرَه يتعدّى ضرره إلى خلقٍ كثير".

أمّة الإسلام، ومِن الأمانةِ العظيمةِ على كلِّ مسلم في هذه الأرض حملُ هذا الدينِ، وإبراز محاسنِه العِظام وفضائِله الجسام، وإفهامُ العالم كلِّه بالعِلم والعمَل بالسلوك والمظهر أنَّ هذا الدينَ خير ورحمةٌ عامّة للبشرية وصلاحٌ للعالَم يحمِل السعادة والسّلام والفوزَ والنجاة في الدنيا والآخرة.

ومِن الأمانة العظيمةِ شبابُ الإسلام. فيا علماءَ المسلمين ويا مفكِّريهم، يا دعاةَ الإسلام، يا رجالَ الإعلام والتربيّة، اتقوا الله جل وعلا في الشباب، وجِّهوهم لما فيه خيرُهم وخير بلدانهم وما فيه مصالِحُهم ومصالِح أمَّتهم، فقِّهوهم مقاصدَ الإسلام، وجِّهوهم لمضامين العقيدة الصحيحة ومبادئ الأخلاق المستقيمَة والأفكار السليمةِ، بصِّروهم بخطورَةِ الآراءِ المنحرِفة مثل الغلوّ والأفكارِ المتطرّفة وتبنِّي التكفير والتّبديع والتفسيق بدون حجّةٍ قرآنيّة وسنّة نبويّة وفهمٍ سديد على منهَج علماء الأمّة، كلّكم راع، وكلٌّ مسؤول عن رعيّتِه.

حذّروا الشبابَ من المعاصِي بأنواعها ومن الآثامِ بشتَّى أشكالها، وعلَى رجالِ الأعلام خَطرٌ عظيمٌ مما يقَع في قنواتٍ كثيرة من برامجَ تحمِل السُّمّ الزُّعاف والشرَّ المستطير لإفساد أخلاقِ شبابِ الإسلام وشابّاتهم، حتى وصَلَ الأمر ـ أيها المسلمون ـ إلى جمع الشّبابِ والشابّات في مكانٍ واحد لغسلِ الأدمِغة وتعليم الأغاني الماجِنَة والأخلاقِ الرَّديَّة، فليتذكَّر أولئك المالِكون لهذه القنواتِ عِظَمَ الموقف بين يدَيِ الله جل وعلا، وليتذكَّروا أن الدّنيا دارُ ممرّ والآخرة هي المستقرّ، وليتفكّروا في هذهِ الآيةِ العظيمة: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا
وَالآخِرَةِ [النور:19].
بارَك الله لي ولكم في القرآنِ، ونفعَنا بما فيه من الآيات والبيان، أقول هذا القولَ، وأستغفِر الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنب فاستغفِروه، إنّه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية
الحمدُ لله كثيرًا، وأشهَد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له في الآخرة والأولى، وأشهَد أنَّ سيّدَنا ونبيّنا محمَّدًا عبده ورسوله النبيّ المجتبى، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آلِه وأصحابه.
أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، أوصيكم ونفسي بوصيّة الله جلّ وعلا لخلقه، وهو تقوى الله وطاعته ولزوم أمره سرًّا وجهرًا ليلاً ونهارًا.

أيها المسلمون، ومن الأمانة العظيمة التي يتحمّلها العلماء أمانةُ الفتوى، فالواجب على من صدَّر نفسه للفتوى أن يعلم عِظمَ الأمانة وأن الأمر جِدُّ خطير، فالفتوى الصادرة عن عدم علمٍ دقيق وفقه عميق بالحكم وعن عدم فهمٍ شامل للوقائع المطروحة والنوازل الواقعة المراد تنزيل الشريعة عليها يُعدُّ من عظائم الأمور، فما حصلت الانحرافات في الأمّة إلاّ بسبب التصدّر للفتوى بلا علم بالأمرين المذكورين، وقد حذّر ربنا جل وعلا من القول عليه بلا علم، ونبيُّنا يقول فيما صحَّ عنه: ((ومن أفتيَ بفُتيا بغير علمٍ كان إثمه على من أفتاه)) .

وليُعلَم أنَّ أشدّ الأمور إثمًا وأعظمها خطرًا تلك الفتاوى التي تصدر بلا علمٍ بالحكم أو بلا علمٍ بالواقع، ويترتّب عليها حينئذٍ ما لا يمكن أن يُتدارَك خطره ولا يستدرك ضرره.

ومن أخطر هذه الفتاوى التي تصدر بالتكفير ونحوه، فليتّق الله العلماء، وليتذكّروا سيرةَ سلف هذه الأمة، فلقد كان واقع حالهم ما ذكره أبو حصين قال: إنَّ أحدكم يقول هذا القول وهو في عصر العلم الصحيح، إنَّ أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر ـ وهو من هو في العلم والعمل ـ لجمع لها أهل بدر.

وأنّ جميعَ الغيورِين على هذا الدِّين ليُنادون المجامعَ العلمية في العالم كلِّه بالمسارعة إلى تبنِّي الفتاوى الإجماعية في كلِّ مسألة نازلةٍ مهما كان نوعها؛ لقطع الطريق على الفتاوى الأحاديّة التي تصدر في قنوات فضائية وغيرها، في مشاكل دينية أو دنيوية، حتى لا يُفتح المجال لمن قلَّ فقهه وانعدم ورعه، قال ابن أبي ليلى: لقد أدركتُ عشرين ومائةً من أصحاب رسول الله ، ما مِنهم مفتٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا .

وإنّ من الأمانة العظيمةِ على العلماء تبصيرَ المسلمين بسنّةِ نبيِّنا محمّد وهديِ صحابته في الجليلِ والحقير، ففي ربيعٍ الأول ينتَشِر بين الناس ما يسمَّى بالمولد النبويّ، في حفلاتٍ تعبّديّة، وإنّ محبّةَ سيّدِنا ونبيّنا وحبيبِنا محمّد لرُكنٌ من أركان الدّين وأساس من أسُسِه المتينة، لا يستقيم إيمانٌ إلاّ بالمحبّة لشخصِه وسنّته عليه أفضل الصلاة والسلام، ولكن لا يجوز التقرُّب بشيءٍ لم يشرَعه لنا سيّدنا وحبيبُنا ولم يعمَله صحابته المهديّون الطّاهرون، فمن زعَم إحداثَ قربةٍ ليس فيها برهانٌ من القرآن أو حجّة من السنّة أو هدي من الخلفاء الراشدِين أو إجماع مِن الصحابة المهديِّين فقد زعم أن محمَّدًا قد خانَ الرسالةَ كما قاله الإمامُ مالك ، نعوذ بالله من الخذلان.

وإنَّ من أفضل الأعمال وأزكاها عند ربنا الإكثار من الصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمّد.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وأنعم على سيّدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...


بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2012, 01:39 AM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][الأمــــــانة ،، خطب مختـــــــارة][


( 10 ) الأمانــــــــــة،،

ناصر الأحمـــــد


ملخص الخطبة
1- الأمانة معنى كلي أكبر من حفظ المال. 2- صور من الأمانة مطلوبة من الإنسان.

الخطبة الأولى
أما بعد: من الأخلاق الاجتماعية التي تدل على سمو المجتمع وتماسك بنيانه، أن ينتشر بين أفراده: خلق الأمانة، ومن بواعث الشكوى والقلق وازدياد الخصومات والجرائم أن تكثر الخيانة في الناس، فلا يأمن صديق صديقه، ولا زوج زوجه، ولا أب ولده.
ولا أحد ينازع في أن الأمانة من ألزم الأخلاق للفرد والجماعة على السواء، وليست هذه الأمانة قياماً بحفظ المال الذي في نودعه عند الإنسان فحسب، فإن هذا أضيق معاني الأمانة، يقول الله: إِنَّا عَرَضْنَا ٱلاْمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72]. وبديهي أن الأمانة هنا ليست حفظ المال فقط، فذلك ما لا يفيده نص الآية الكريمة، وإنما نستشعر أن المراد بالأمانة هنا شيء تأباه طبيعة العوالم كلها إلا الإنسان الذي أهّله الله لحمل هذه الأمانة والاتصاف بها، فأصح تحديد لهذه الأمانة في الآية هو: التزام الواجبات الاجتماعية وأداؤها خير أداء كما شرعها الله سبحانه وتعالى للناس.
والإنسان وحده من بين هذه العوالم كلها هو الذي يستطيع أن يتحكم في ميوله وغرائزه، فيخضعها لمقاييس الحق ويكون بين الناس وفياً بما التزم نحوهم من عهود، عاملاً على بث الطمأنينة في أوساطهم، فإن نكل بعد ذلك الواجب كان خائناً للأمانة عاملاً على الأذى، ظالماً لنفسه ولمجتمعه، جاهلاً بما تجره الخيانة عليه وعلى الناس من شر وفساد.
وعلى هذا.. أيها المؤمنون تكون الأمانة شاملة القيام بجميع التكاليف والالتزامات الاجتماعية والأخلاقية:
فالعقل لدى الإنسان أمانة إن عمل بمقتضاه ونظمه والمعرفة وعمل فيه بطاعة الله كان مؤدياً للأمانة خير أداء.
والجسم أمانة لديك فإن أنت غذيته وصححته ورفقت به ولم ترهقه كنت محسناً محافظاً على الأمانة.
وزوجك وولدك ووالداك وكل من تشترك معهم في أواصر القربى ويلزمك حفظهم والنصح لهم هم أمانة عندك، فإن رعيت حقوقهم وأسديت لهم الخير وأبعدت عنهم الأذى كنت قائماً بالأمانة أحسن قيام: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً.
وحق المجتمع عليك في نشر الخير فيه وإشاعة الطمأنينة أمانة تلزم بالوفاء بها، فإن لم تفعل كنت مسيئاً إلى الناس خائناً للأمانة.
الأمة في أيدي المسؤولين والحاكمين أمانة، فإن قاموا بما يجب عليهم نحوها من نصح ورعاية وصيانة لكرامتها وحريتها أو أقاموها على شريعة الله: كانوا أمناء أوفياء، ((الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته)) وإلا كانوا من أكثر الناس غشاً وخيانة ((من بات غاشاً لرعيته لم يجد رائحة الجنة)).
والدين أمانة في عنق علمائه، إن بينوه للناس وصانوه من التحريف والتلاعب كانوا أوفياء لأقدس ما في الحياة من معنى كريم، وإن لم يفعلوا كانوا مرتكبين لأبشع صور الخيانة: وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187].
والعلم أمانة في نفوس العلماء، إن استعملوه في خير الإنسانية وكشفوا عن أسراره في هذا الكون بما يدل على قدرة الله كانوا أمناء أوفياء، وإن استعملوه فيما يشيع الذعر ويشقي الأمم ويشجع الطغاة على العدوان والإجرام ونشر الفاحشة بين الناس، كانوا خونة أشبه بالمجرمين، يلحق بهم العار وتحيق عليهم اللعنة: فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ [المائدة:13].
والمال في أيدي الناس أمانة، فإن أحسنوا التصرف فيه والقيام عليه وأداء الحقوق الاجتماعية فيه كانوا أمناء أوفياء، لهم الذكر الجميل في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وإلا كانوا خونة ظالمين وسفهاء مبذرين: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]، إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ [الإسراء:27]،وهكذا.
أيها المؤمنون، نجد الأمانة تنظم شؤون الحياة كلها: من عقيدة وعبادة وأدب ومعاملة وتكافل اجتماعي وسياسة حكيمة رشيدة وخلق حسن كريم.
والأمانة بهذا المعنى وهذه الحدود، سر سعادة الأمم، ويوم كانت أمتنا من أصدق الشعوب والأمم في حمل هذه الأمانة والوفاء بها كانت أمتنا خير أمة أخرجت للناس.
سرقت امرأة عربية في عهد الرسول فجاء أهلها يتشفعون لدى الرسول ليسقط عنها العقوبة ووسطوا في ذلك أسامة ابن زيد، فغضب عليه الصلاة السلام وقال: ((أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد، أما والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)) فهذه هي أمانة الحاكم في تنفيذ القانون على الناس جميعاً.
واستدان ابن عمر بن الخطاب من أبي موسى الأشعري حين كان والياً على الكوفة أموالاً من خزينة الدولة ليتاجر بها على أن يردها بعد ذلك كاملة غير منقوصة، واتجر ولد عمر فربح، فبلغ ذلك عمر فقال له: إنك حين اشتريت أنقص لك البائعون في الثمن لأنك ولد أمير المؤمنين، ولما بعت زاد لك المشترون في الثمن لأنك ولد أمير المؤمنين، فلا جرم أن كان للمسلمين نصيب فيما ربحت، فقاسمه نصف الربح، واسترد منه القرض وعنفه على ما فعل، واشتد في العقاب على أبي موسى لأنه أسرف من أموال الدولة ما لا يصح أن يقع مثله، وهذه أمانة الحاكم الذي يسهر على مال الأمة فلا يحابي فيه صديقاً ولا قريباً.
ويذكر التاريخ أن القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله كان من أكثر ملوك عصره توفيقاً في الفتوح والنصر وكان نصيبه من الغنائم كبيراً جداً وقفه كله مدارس ومستشفيات ومساجد مما لا يزال بعض آثاره باقياً حتى اليوم، ولم يترك لنفسه ولأولاده شيئاً من ذلك حتى قالوا: إنه حين مات، مات وهو من أفقر الناس رحمه الله، وهذه هي أمانة القائد الذي يأبى أن يتاجر بجهاده، ويرضى بالله وجنته وثوابه بديلاً.
ومر علي بن أبي طالب في المسجد فرأى واعظاً يعظ الناس، فقال له: أتعرف أحكام القرآن وناسخه ومنسوخه، فقال: لا، فقال علي، هلكت وأهلكت، ثم منعه من التحدث إلى العامة لئلا يفسد عليهم دينهم بجهله، وهذه أمانة في صيانة العلم وحفظ عقائد الناس من أن يفسدها الجاهلون.
أيها الأخوة المؤمنون، هذه بعض أحاديث الأمانة في مجتمع كانت فيه الأمانة خلقاً بارزاً يتعامل به الناس بعضهم مع بعض، واليوم وقد ارتفعت الشكوى من انحسار هذا الخلق الكريم، تخلى كثيرون عن أداء الأمانة التي كلفهم الله تعالى القيام بها، فهل تجدون علاجاً لذلك إلا أن يعود كل منا فيما جعله الله قيماً عليه ومسؤولاً عنه، يعود إلى القيام بهذه الأمانة كاملة، فيفيء كل منا إلى ربه ويرجع إلى ضميره ويذكر الجنة وما أعده الله للأولياء في أمانتهم من ثواب مقيم، وما أعده الله للخائنين في عهودهم من عذاب مقيم، وإن ذلك ليسير على الله أحيى قلبه بتعاليم دينه السمحة واستمع إلى رسوله: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)).
فاللهم أحيي قلوبنا بنور معرفتك وأيقظ ضمائرنا بتعاليم شريعتك . نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.


بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأمــــــانة ... الشيخ / محـــــمد حسان وردة111 يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 6 12-07-2013 02:14 AM

الساعة الآن 08:10 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103