تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

][خطب مختارة في الرجولة الحقة][

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-09-2012, 05:13 PM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

][خطب مختارة في الرجولة الحقة][





السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][خطب مختارة في الرجولة الحقة][


يخلط كثيرون بين مفهومي الذكورة والرجولة، فيعتقدون أن الأولى معبرة عن الآخرة، وهذا خلط واضح في كلا المفهومين؛ فالذكورة هي فقط ضد الأنوثة، وهي اللفظة التي تبين جنس الإنسان دون التعرض لما يعتنقه من مبادئ أو أخلاق أو قيم، أما الرجولة فشيء مختلف تمامًا، حيث تتجلى فيها أخلاقيات ومبادئ الشخص ومدى استعداده لتحمل المسؤوليات المختلفة ومدى التزامه بشريعة الله -عز وجل- والتضحية والبذل من أجلها وفي سبيلها.

لذلك وبسبب هذا الخلط الواضح بتنا نرى أشباه رجال يوصفون بالبطولة والرجولة وهم على العكس من ذلك، إلا أن القيم التي في النفوس نفسها قد تزعزعت وحلت بدلاً منها قيم أخرى تدعم سلوكيات شائنة، وصارت البطولة والرجولة مسخًا مشوهًا، تطلق على من ليس لها بأهل، في حين تُزال معاني الرجولة الحق من رجال بلغوا الجوزاء حرصًا على أوطانهم ودينهم، وضحوا في سبيلهما بكل غالٍ ورخيص، فيوصفون بالتشدد تارة وبعدم المسؤولية تارة وبالإرهاب والتزمت تارة أخرى، وما هذا إلا لاختلال المفاهيم لدى الناس، وزرع وسائل الإعلام والفضائيات لمفاهيم منحلَّة تقلب الحق باطلاً والباطل حقًّا.


وعندما نتأمل الرجولة في النصوص الشرعية نجدها لصيقة الصلة بالمسؤولية والتضحية والفداء، وذلك لما بينهما من صلة وثيقة، ولصيقة الصلة كذلك باتباع أمر الله وأمر رسوله وتقديمه على محببات النفس ونوازعها الداخلية من تجارة وأموال وغيره، بل ونفيها عمن فرط في اتباع الشريعة أو تعدى حدود الله عز وجل، لذا كان هذا هو المعيار الحقيقي للرجولة في نظر الشريعة؛ يقول الله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) [النور: 36، 37]، وقال (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: 108]، وقال: (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) [الأحزاب: 23]، (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) [النساء: 34]، وقال: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) [يس: 20]، وقال: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ) [القصص: 20].


فالآيات ألزمت من يبتغي الاتصاف بالرجولة بصفات تبني فيه شخصيته بالإقدام والإقبال على الطاعة ومعرفة حق الله تعالى وحق رسوله والإحجام عن معصيته وما قد يهدم مروءته وأخلاقه ومبادئه من جانب، ومعرفة حق أمته وعظم المسؤولية الملقاة على كاهله والتصرف إزاءها بنوع من السؤولية والكفاءة والتضحية من جانب آخر.


لذا لم يكن معيار الرجولة عند سلفنا الصالحين ومصلحينا وأصحاب البصيرة النافذة لم يكن السن أو الحجم، وإنما كان ما وقر في الفؤاد من معاني الغيرة على الدين والبذل له، فكم من صبي كان رجلاً في قلبه ولسانه، وكم من صغير حيّر عقول الكبار بفهمه الدقيق وبذله العميق، وكم من ضئيل الحجم وَزَنَ بقوة قلبه وسعه علمه وعقله ملء الأرض من أصحاب الأحجام، وكم ممن يبهر الناس بحسن منظره وقوة جسده وعلو مقامه وهو لا يزن عند الله جناح بعوضة:


أعيذها نظرات منك صادقة *** أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورمُ


فكان اهتمام أصحاب البصيرة النافذة بالجوهر لا بالمظهر، وبالكيف لا بالكم، وبتربية العقول والأفهام قبل تربية البطون والأجسام، لما طلب عمرو بن العاص -رضي الله عنه- المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في فتح مصر كتب إليه: "أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد".


ومع هذا الحث الدائم والمستمر على التحلي بصفات الرجولة ونبذ صفات التخنث التي لا تزيد صاحبها إلا بعدًا من الفضيلة والمروءة والشهامة، إلا أن الرجال الحقيقيين في الدنيا قليل، حتى أصبح وجودهم أمنية تمناها الصالحون وحاملو قضية نصرة الدين على أكتافهم، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تمنى وجودها حينما قال لأصحابه يومًا: تمنوا؛ فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةٌ ذهبًا أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟! فقال عمر: "ولكني أتمنى رجالاً مثلَ أبي عبيدة بنِ الجراح، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله".


فهكذا يفكر الرجال، ولمثل هذا يتطلع الرجال، يتطلعون إلى ملاقاة رجال من أمثالهم يفتحون بهم الدنيا وينشرون بهم دين الله عز وجل، وينشرون بهم القيم والأخلاق والمبادئ بين الناس، ولقد أعياهم هذا الطلب، وأضنتهم رحلة البحث، فالناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة، وليست مهمة البحث عن رجل مهمة سهلة، بل إنها شاقة شقاء استخراج اللؤلؤ من قاع البحار بل أشد، وشاقة شقاء زرع النباتات الاستوائية في أعماق الصحراء، وشاقة شقاء حرث البحر أو زرع الهواء، وقد يقضي المصلح عمره كله في رحلة البحث عن رجال، فقد يجد واحدًا يعينه على غايته وقد لا يجد، وكما قال الشاعر:


مازلت أبحث في وجوه الناس عن بعض الرجال


عن عصبة يقفون في الأزمات كالشم الجبال


فإذا تكلمت الشفاه سمعت ميزان المقال


وإذا تحركت الرجال رأيت أفعال الرجال


أما إذا سكتوا فأنظار لها وقع النبال


يسعون جهدًا للعلا بل دائمًا نحو الكمال


يصلون للغايات لو كانت على بعد المحال


ويحققون مفاخرًا كانت خيالاً في خيال


يتعشقون الموت في أوساط ساحات القتال


ويرون أن الحر عبد إن توجه للضلال


من لي بفرد منهم ثقة ومحمود الخصال


من لي به يا قوم إن هموم وجداني ثقال


سيطول بحثي إن سؤلي نادر صعب المآل


فمن الذي تحوي معًا أوصافه هذي الخصال


لكن عذري أن في الدنيا قليلاً من رجال


وفي مختاراتنا لهذا الأسبوع آثرنا الحديث عن الرجولة ومعانيها وسبل تحقيقها، في مجموعة من الخطب العذبة الرقراقة، التي نأمل من خلالها أن يركز خطباؤنا وأئمتنا وعلماؤنا ومصلحونا على تربية روح الرجولة في نفوس الطلاب والملتزمين بدين الله عز وجل، وذلك لما لها من أثر كبير في تصحيح مسار الدعوة إلى الله تعالى وترشيد الكثير من سلوكيات الدعاة إلى الله تعالى، سائلين الله تعالى أن يرزقنا الأخلاق الصالحة وأن نكون حريين بالاتصاف بالرجولة والمسؤولية في أداء الأعمال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


الخطبة الأولى: الرجولة أمنية عمرية؛ للشيخ ماجد بن عبد الرحمن الفريان

الخطبة الثانية: الرجولة؛ للشيخ عبد الله بن محمد البصري


الخطبة الثالثة: معالم الرجولة الحقة؛ للشيخ عبد الباري بن عوض الثبيتي


الخطبة الرابعة: الرجولة؛ للشيخ هاشم محمد علي المشهداني


الخطبة الخامسة: الرجولة في زمن العولمة؛ للشيخ سعد بن مليك

الخطبة السادسة:
صناعة الرجال؛ للشيخ سامي بن خالد الحمود





التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 03-09-2012 الساعة 05:28 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2012, 05:16 PM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الرجولة أمنية عمرية؛ للشيخ ماجد بن عبد الرحمن الفريان


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الرجولة أمنية عمرية؛ للشيخ ماجد بن عبد الرحمن الفريان


أما بعد:

فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى.

معاشر المسلمين: في دار من دور المدينة المباركة جلس عمر إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا؛ فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةٌ ذهبًا أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟! فقال عمر: "ولكني أتمنى رجالاً مثلَ أبي عبيدة بنِ الجراح، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله".

رحم الله عمر الملهم، لقد كان خبيرًا بما تقوم به الحضارات الحقة، وتنهض به الرسالات الكبيرة، وتحيا به الأمم الهامدة.

إن الأمم والرسالات تحتاج إلى المعادن المذخورة، والثروات المنشورة، ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى الرؤوس المفكرة التي تستغلها، والقلوب الكبيرة التي ترعاها، والعزائم القوية التي تنفذها؛ إنها تحتاج إلى الرجال.

أيها المسلمون: لرجل أعزّ من كل معدن نفيس، وأغلى من كل جوهر ثمين، ولذلك كان وجودُه عزيزًا في دنيا الناس، حتى قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "إنما الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة". رواه البخاري.

الرجل الكفء الصالح هو عماد الرسالات، وروح النهضات، ومحور الإصلاح.

أعدَّ ما شئت من معامل السلاح والذخيرة، فلن تقتل الأسلحةُ إلا بالرجل المحارب، وضع ما شئت من مناهج للتعليم والتربية، فلن يقوم المنهج إلا بالرجل الذي يقوم بتدريسه، وأنشئ ما شئت من لجان فلن تنجز مشروعًا إذا حُرمتَ الرجل الغيور!!

ذلك ما يقوله الواقع الذي لا ريب فيه.

إن القوة ليست بحد السلاح بقدر ما هي في قلب الجندي، والتربية ليست في صفحات الكتاب بقدر ما هي في روح المعلم، وإنجاز المشروعات ليس في تكوين اللجان بقدر ما هو في حماسة القائمين عليها.

فلله ما أحكم عمر حين لم يتمنَّ فضة ولا ذهبًا، ولا لؤلؤًا ولا جوهرًا، ولكنه تمنى رجالاً من الطراز الممتاز الذين تتفتح على أيديهم كنوز الأرض، وأبواب السماء.

معاشر المسلمين: إن رجلاً واحدًا قد يساوي مائة، ورجلاً قد يوازي ألفًا، ورجلاً قد يزن شعبًا بأسره، وقد قيل: رجل ذو همة يحيي أمة.

يعد بألف من رجال زمانه *** لكنه في الألمعية واحد

حاصر خالد بن الوليد "الحيرة"، فطلب من أبي بكر مددًا، فما أمده إلا برجل واحد هو القعقاع بن عمرو التميمي، وقال: "لا يهزم جيش فيه مثله"، وكان يقول: "لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل"!!

ولما طلب عمرو بن العاص -رضي الله عنه- المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في فتح مصر كتب إليه: "أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد".

معاشر المسلمين: ولكن ما الرجل الذي نريد؟!

هل هو كل من طَرَّ شاربه، ونبتت لحيته من بني الإنسان؟! إذن فما أكثر الرجال!

إن الرجولة ليست بالسن المتقدمة، فكم من شيخ في سن السبعين وقلبه في سن السابعة، يفرح بالتافه، ويبكي على الحقير، ويتطلع إلى ما ليس له، ويقبض على ما في يده قبض الشحيح حتى لا يشركه غيره، فهو طفل صغير، ولكنه ذو لحية وشارب.

وكم من غلام في مقتبل العمر، ولكنك ترى الرجولة المبكرة في قوله وعمله وتفكيره وخلقه.

مر عمر -رضي الله عنه- على ثلة من الصبيان يلعبون فهرولوا، وبقي صبي مفرد في مكانه -هو عبد الله بن الزبير- فسأله عمر: لِمَ لَمْ تعدُ مع أصحابك؟! فقال: "يا أمير المؤمنين: لم أقترف ذنبًا فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقةً فأوسعها لك!".

ودخل غلام عربي على خليفة أموي يتحدث باسم قومه، فقال له: ليتقدم من هو أسن منك، فقال: "يا أمير المؤمنين: لو كان التقدم بالسن لكان في الأمة من هو أولى منك بالخلافة".

أولئك لعمري هم الصغار الكبار، وفي دنيانا ما أكثر الكبار الصغار؟! وليست الرجولة ببسطة الجسم، وطولِ القامة، وقوةِ البنية، فقد قال الله عن طائفة من المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـامُهُمْ) [المنافقون:4] ومع هذا فهم (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) [المنافقون: 4]، وفي الحديث الصحيح: "يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة"، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: (فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ وَزْناً) [الكهف: 105].

كان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- نحيفًا نحيلاً، فانكشفت ساقاه يوماً -وهما دقيقتان هزيلتان- فضحك بعض الصحابة: فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "أتضحكون من دقة ساقيه؟! والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد".

ليست الرجولة بالسن ولا بالجسم ولا بالمال ولا بالجاه، وإنما الرجولة قوة نفسية تحمل صاحبها على معالي الأمور، وتبعده عن سفسافها، قوةٌ تجعله كبيرًا في صغره، غنيًا في فقره، قويًا في ضعفه، قوةٌ تحمله على أن يعطي قبل أن يأخذ، وأن يؤدي واجبه قبل أن يطلب حقه: يعرف واجبه نحو نفسه، ونحو ربه، ونحو بيته، ودينه، وأمته.

الرجولة بإيجاز هي قوة الخُلُق وخُلُق القوة.

إن خير ما تقوم به دولة لشعبها، وأعظم ما يقوم عليه منهج تعليمي، وأفضل ما تتعاون عليه أدوات التوجيه كلها من صحافة وإذاعة، ومسجد ومدرسة، هو صناعة هذه الرجولة، وتربية هذا الطراز من الرجال.

ولن تترعرع الرجولة الفارعة، ويتربى الرجال الصالحون، إلا في ظلال العقائد الراسخة، والفضائل الثابتة، والمعايير الأصيلة، والتقاليد المرعية، والحقوق المكفولة. أما في ظلام الشك المحطم، والإلحاد الكافر والانحلال السافر، والحرمان القاتل، فلن توجد رجولة صحيحة، كما لا ينمو الغرس إذا حُرِم الماء والهواء والضياء.

ولم تر الدنيا الرجولة في أجلى صورها وأكمل معانيها كما رأتها في تلك النماذج الكريمة التي صنعها الإسلام على يد رسوله العظيم، من رجال يكثرون عند الفزع، ويقلون عند الطمع، لا يغريهم الوعد، ولا يلينهم الوعيد، لا يغرهم النصر، ولا تحطمهم الهزيمة.

أما اليوم، وقد أفسد الاستعمار جو المسلمين بغازاته السامة الخانقة من إلحاد وإباحية، فقلما ترى إلا أشباه الرجال، ولا رجال.

تعجبنا وتؤلمنا كلمة لرجل درس تعاليم الإسلام السمحة الشاملة فقال في إعجاب مرير: "يا له من دين لو كان له رجال!!".

وهذا الدين الذي يشكو قلة الرجال يضم ما يزيد على ألف مليار مسلم، ينتسبون إليه، ويحسبون عليه، ولكنهم كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "غثاء كغثاء السيل"، أو كما قال الشاعر:

يثقلون الأرض من كثرتهم *** ثم لا يغنون في أمر جلل

أيها المسلمون: وماذا يغني عن الإسلام رجال أهمتهم أنفسهم، وحكمتهم شهواتهم، وسيرتهم مصالحهم، فلا وثقوا بأنفسهم، ولا اعتمدوا على ربهم، رجال يجمعهم الطمع، ويفرقهم الخوف، أو كما قيل: يجمعهم مزمار وتفرقهم عصا!

أما والله لو ظفر الإسلام في كل ألف من أبنائه برجل واحد فيه خصائص الرجولة، لكان ذلك خيرًا له وأجدى عليه من هذه الجماهير المكدسة التي لا يهابها عدو، ولا ينتصر بها صديق:

فليت لي بهمُ قومًا إذا ركبـوا *** شنوا الإغارة فرسانًا وركبانًا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانًا

أيها المسلمون: إن الرجل الواحد قد ينقذ الموقف بمفرده بما حباه الله من الخصائص الإيمانية والمواقف الرجولية التي ربما عملها بمفرده، وفي القرآن الكريم في قصة موسى حين قتل القبطي، تجد قول الله تعالى: (وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) [القصص: 20]، وفي سورة يس في قصة أصحاب القرية إذ جـاءها المرسـلون تجـد قـوله تعالى: (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) [يس: 20].

وفي سياق هاتين القصتين تجد أن النص يبرز كلمة "رجل"، وهي تعني شخصًا مفردًا، فهو رجل واحد ينقذ الموقف بخصائصه الذاتية والإيمانية، ولا يستـوحش من غربته بين أهله أو تفرده في طبقـته، فيحيط موسى علمًا بالمؤامرة الدنيئة التي يحيكها القصر الفرعوني للقضاء عليه وعلى دعوته، ويقترح عليه الحل، وهو الخروج من قريته والفرار بنفسه.

وفي قصـة "يـس" يعلن أمام الملأ نصرة المرسلين ويدعو إلى اتباعهم، متحديًا بذلك رؤوس الضلالة، صارخًا به في وجه الجمهور التابع.

معاشر المسلمين: وعلى رغم أهمية العمل الجماعي والعمل المؤسسي، وأهمية التعاون على البر والتقوى، والتناوب في أداء فروض من الكفايات، إلا أن الواقع كثـيرًا ما يفتـقر إلى الفردية، خاصة في مثل فترات الضياع التي تمر بها الأمم وتوشك أن تأتي على وجودها وتميزها، حيث لا يبقى ثَمَّ جهة مسؤولة بعينها عن اكتـشاف المواهب أو عن تحديد الأدوار، وهذا هو الحال الذي يعيشه المسلمون الآن في كـثير من بلادهم، هنا تبرز الحاجة إلى تكثيف المبادرات الفردية من الداعية، والتي لا بد أن تسد بعض النقص، وأن تتلاقى يومًا ما على خطة راشدة يكون فيها للمسلمين فرج ومخرج.

ليس هذا تقليلاً من أهمية تضافر الجهود وتكاتفها، ولا تهوينًا من شأن المبادرات الجماعية التي آتت وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولكنه تأكيد على الدور الفردي المساهم في إيجادها، وعلى الدور الفردي الذي لا يقف عندها.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة وعصيان فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.





الخطبة الثانية:




الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلاة الله وسلامه على أشرف المرسلين.

أما بعد:

فيا عباد الله: فإنّ مما يعاني منه كثير من الناس ظهور الميوعة وآثار التّرف في شخصيات أولادهم، ولمعرفة حلِّ هذه المشكلة وتداركِ الأجيال القادمة التي تعقد الأمة عليهم خناصرها لابد من الإجابة عن السّؤال التالي: كيف ننمي عوامل الرّجولة في شخصيات أولادنا؟!

إن موضوع هذا السؤال هو من المشكلات التّربوية الكبيرة في هذا العصر، وهناك عدد من الحلول الإسلامية والعوامل الشرعية لتنمية الرّجولة في شخصية الطّفل، ومن ذلك ما يلي:

التكنية: أي: مناداة الصغير بأبي فلان أو الصغيرةِ بأمّ فلان، فهذا ينمّي الإحساس بالمسؤولية، ويُشعر الطّفل بأنّه أكبر من سنّه فيزداد نضجه، ويرتقي بشعوره عن مستوى الطفولة المعتاد، ويحسّ بمشابهته للكبار، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكنّي الصّغار؛ فعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَال: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ -رضي الله عنه- قَالَ: أَحسبُهُ فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ: مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟!"، وهو طائر صغير كان يلعب به. رواه البخاري.

وعَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ قالت: أُتِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ -الخميصة ثوب من حرير- فَقَالَ: مَنْ تَرَوْنَ أَنْ نَكْسُوَ هَذِهِ؟! فَسَكَتَ الْقَوْمُ، قَالَ: "ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ". فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ -وفيه إشارة إلى صغر سنّها-، فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ فَأَلْبَسَهَا وَقَالَ: "أَبْلِي وَأَخْلِقِي"، وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ فَقَالَ: "يَا أُمَّ خَالِدٍ: هَذَا سَنَاه". وَسَنَاه بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنٌ. رواه البخاري.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الطفل: أخذه للمجامع العامة وإجلاسُه مع الكبار؛ وهذا مما يلقّح فهمه ويزيد في عقله، ويحمله على محاكاة الكبار، ويرفعه عن الاستغراق في اللهو واللعب، وكذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يصحبون أولادهم إلى مجلس النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن القصص في ذلك: ما جاء عن مُعَاوِيَةَ بن قُرَّة عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ يَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ...". الحديث. رواه النسائي، وصححه الألباني في أحكام الجنائز.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الأطفال: تحديثهم عن بطولات السابقين واللاحقين والمعارك الإسلامية وانتصارات المسلمين؛ لتعظم الشجاعة في نفوسهم، وهي من أهم صفات الرجولة، وكان للزبير بن العوام طفلان أشهد أحدهما بعضَ المعارك، وكان الآخر يلعب بآثار الجروح القديمة في كتف أبيه كما جاءت الرواية عن عروة بن الزبير.

وروى ابن المبارك في الجهاد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير: "أنه كان مع أبيه يوم اليرموك، فلما انهزم المشركون حمل فجعل يجهز على جرحاهم". وقوله: "يُجهز"، أي يُكمل قتل من وجده مجروحًا، وهذا مما يدل على قوة قلبه وشجاعته من صغره.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الطفل: تعليمه الأدب مع الكبار، ومن جملة ذلك ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "يُسلِّمُ الصَّغِيرُ على الكبِير، والمارُّ على القاعِدِ، والقليلُ على الكثِيرِ". رواه البخاري.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الطفل: إعطاء الصغير قدره وقيمته في المجالس، ومما يوضّح ذلك الحديث التالي: عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارهِ فَقَالَ: "يَا غُلامُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأشْيَاخَ؟!"، قَال: مَا كُنْتُ لأوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. رواه البخاري.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الأطفال: تعليمهم الرياضات الرجولية؛ كالرماية والسباحة وركوب الخيل، وجاء عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: "كَتَبَ عُمَر -رضي الله عنه- إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنْ عَلِّمُوا غِلْمَانَكُمْ الْعَوْمَ". رواه الإمام أحمد في أول مسند عمر بن الخطاب.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الطفل: تجنيبه أسباب الميوعة والتخنث؛ فيمنعه وليّه من رقص كرقص النساء، وتمايل كتمايلهن، ومشطة كمشطتهن، ويمنعه من لبس الحرير والذّهب ونحو ذلك مما يخص النساء.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الطفل:

تجنب إهانته خاصة أمام الآخرين، وعدم احتقار أفكاره، وتشجيعه على المشاركة، وإعطاؤه قدره وإشعاره بأهميته، وذلك يكون بأمور مثل:

إلقاء السّلام عليه، وقد جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِم". رواه مسلم.

ومثل استشارته وأخذ رأيه، وأيضًا توليته مسؤوليات تناسب سنّه وقدراته، وكذلك استكتامه الأسرار، ويصلح مثالاً لذلك حديث أَنَسٍ –رضي الله عنه- قَالَ: "أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّه وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟! قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّه لِحَاجَةٍ. قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟! قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ. قَالَتْ: لا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- أَحَدًا". رواه مسلم. وفي رواية عن أَنَس قال: انْتَهَى إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَا غُلامٌ فِي الْغِلْمَانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَرْسَلَنِي بِرِسَالَةٍ وَقَعَدَ فِي ظِلِّ جِدَار -أَوْ قَالَ إِلَى جِدَار- حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْهِ". رواه أبو داود.

وعن ابْن عَبَّاسٍ –رضي الله عنه- قال: كُنْتُ غُلامًا أَسْعَى مَعَ الْغِلْمَانِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِنَبِيِّ اللَّه –صلى الله عليه وسلم- خَلْفِي مُقْبِلاً، فَقُلْتُ: مَا جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- إِلا إِلَيَّ، قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَخْتَبِئَ وَرَاءَ بَابِ دَار، قَالَ: فَلَمْ أَشْعُرْ حَتَّى تَنَاوَلَنِي فَأَخَذَ بِقَفَايَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً -ضربه بكفّه ضربة ملاطفة ومداعبة-، فَقَالَ: "اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ". قَالَ: وَكَانَ كَاتِبَهُ، فَسَعَيْتُ فَأَتَيْتُ مُعَاوِيَةَ فَقُلْتُ: أَجِبْ نَبِيَّ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- فَإِنَّهُ عَلَى حَاجَةٍ". رواه الإمام أحمد في مسند بني هاشم.

وهناك وسائل أخرى لتنمية الرجولة لدى الأطفال، منها:

تعليمه الجرأة في مواضعها، ويدخل في ذلك تدريبه على الخطابة.

الاهتمام بالحشمة في ملابسه، وتجنيبه الميوعة في الأزياء وقصّات الشّعر والحركات والمشي، وتجنيبه لبس الحرير الذي هو من طبائع النساء.

إبعاده عن التّرف وحياة الدّعة والكسل والرّاحة والبطالة، وقد قال عمر -رضي الله عنه-: "اخشوشنوا؛ فإنّ النِّعَم لا تدوم".

تجنيبه مجالس اللهو والباطل والغناء والموسيقى؛ فإنها منافية للرّجولة ومناقضة لصفة الجِدّ.

هذه طائفة من الوسائل والسّبل التي تزيد الرّجولة وتنميها في نفوس الأطفال، ذكرها فضيلة الشيخ محمد المنجد -حفظه الله- في مطوية خاصة بذلك.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل الطاعة، ويعافُ فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وتقال فيه كلمة الحق، يا سميع الدعاء.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2012, 05:18 PM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الرجولة؛ للشيخ عبد الله بن محمد البصري


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الرجولة؛ للشيخ عبد الله بن محمد البصري


أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119].

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: يُروَى عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أَنَّهُ قَالَ لأَصحَابِهِ يَومًا: تَمَنَّوا، فَتَمَنَّوا مِلءَ البَيتِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ مَالاً وَجَوَاهِرَ يُنفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-: "لَكِنِّي أَتَمَنَّى رِجَالاً مِثلَ أَبي عُبَيدَةَ وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ وَحُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ، فَأَستَعمِلُهُم في طَاعَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-".

رَضِيَ اللهُ عَن عُمَرَ، مَا كَانَ أَصوَبَ رَأيَهُ وَأَدَقَّ فَهمَهُ! فَلَقَد تَمَنَّى حِينَ تَمَنَّى وَبَلَغَ الغَايَةَ في ذَلِكَ، وَلِمَ لا وَهُوَ المُلهَمُ المُوَفَّقُ الَّذِي يَعلَمُ المُقَوِّمَاتِ الَّتي تَنهَضُ بها الدُّوَلُ وَالحَضَارَاتُ وَالأُسُسَ التي تَحيَا بِوُجُودِهَا الأُمَمُ وَالمُجتَمَعَاتُ؟! إِذْ مَا قِيمَةُ المَعَادِنِ وَالثَّرَوَاتِ، وَما تُغني الأَموَالُ وَالتِّجَارَاتُ، مَا لم يَكُنْ ثَمَّةَ رِجَالٌ يَحفَظُونَهَا وَيَرعَونَهَا وَيَستَثمِرُونَهَا الاستِثمَارَ الصَّحِيحَ الأَمثَلَ؟! مَا قِيمَتُهَا مَا لم تَتَوَافَرْ عُقُولٌ زَاكِيَةٌ تُخَطِّطُ وَأَيدٍ عَامِلَةٌ تُنَفِّذُ؟!

إِنَّ رَجُلاً وَاحِدًا تَتَحَقَّقُ فِيهِ الرُّجُولَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَهُوَ أَعَزُّ مِن كُلِّ مَعدِنٍ نَفِيسٍ، وَأَغلَى مِن كُلِّ جَوهَرٍ ثَمِينٍ، وَإِنَّ الرَّجُلَ الصَّالحَ التَّامَّ الرَّجُولَةِ الَّذِي يَعلَمُ مَا عَلَيهِ فَيُؤَدِّيهِ وَمَا لَهُ فَيَقِفُ عِندَهُ لَهُوَ عِمَادُ الأُمَّةِ وَرُوحُ نَهضَتِهَا وَمِحوَرُ التَّغيِيرِ فِيهَا وَمُنطَلَقُ إِصلاحِهَا.

لا يَهُولَنَّكُم مَا في البِلادِ مِن مَكَاتِبَ وَإِدَارَاتٍ وَمُؤَسَّسَاتٍ، وَلا يَغُرَّنَّكُم مَا يُفتَتَحُ فِيهَا مِن مَرَاكِزَ وَمَصَانِعَ وَشَرِكَاتٍ، وَلا مَا يُوَفَّرُ لهَا مِن أَجهِزَةٍ حَدِيثَةٍ وَوَسَائِلَ وَأَدَوَاتٍ، وَلا تَفرَحُوا بِكَثرَةِ التَّغيِيرِ في مَنَاهِجِ التَّعلِيمِ وَالتَّنوِيعِ في طُرُقِ التَّدرِيسِ، وَلا بِمَا يُقَامُ هُنَا وَهُنَاكَ مِن دَورَاتٍ تَدرِيبِيَّةٍ، وَلا مَا يُوفَّرُ فِيهَا مِن وَسَائِلِ تَوصِيلِ المَعلُومَةِ، فَلَن تَنفَعَ المَنَاهِجُ وَلا المُقَرَّرَاتُ وَلا الدَّورَاتُ، وَلَن تُغنِِيَ الوَسَائِلُ وَلا الطُّرُقُ وَلا الأَدوَاتُ، وَلَن تُنَفَّذَ خِطَطٌ وَلَن تُقَامَ مَشرُوعَاتٌ إِلاَّ عَلَى أَيدِي رِجَالٍ أَشِدَّاءَ أَقوِيَاءَ، صَادِقِينَ مُخلِصِينَ أُمَنَاءَ، تُستَخرَجُ عَلَى أَيدِيهِم الكُنُوزُ وَتُفتَحُ بِسَبَبِهِمُ البَرَكَاتُ، وَتَنمُو بِعُقُولِهِم البِلادُ وَتَقُومُ عَلَى سَوَاعِدِهِم الحَضَارَاتُ.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: مَا في الدُّنيَا مِن ذَكَرٍ إِلاَّ وَهُوَ يَدَّعِي الرُّجُولَةَ، وَمَا ذُكِرَتِ الرُّجُولَةُ في مَجلِسٍ إِلاَّ اشرَأَبَّتِ الأَعنَاقُ وَاتَّسَعَتِ الأَحدَاقُ مُعَبِّرَةً عَنِ حَملِهَا وَالاتِّصَافِ بها، غَيرَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ العَظِيمَةَ وَالسِّمَةَ الكَرِيمَةَ -وَإِن حَاوَلَ كُلُّ فَردٍ أَن يَنسِبَهَا إِلى نَفسِهِ أَو يَنسِبَ نَفسَهُ إِلَيهَا- قَد ضَاعَت مَضَامِينُهَا وَفُقِدَت أَركَانُهَا عِندَ فِئَامٍ مِنَ المُدَّعِينَ لها، فَصَارُوا أَشبَاهَ رِجَالٍ وَلا رِجَالَ؛ ذَلِكَ أَنَّ لِلرُّجُولَةِ خَصَائِصَ وَصِفَاتٍ، مَدَحَهَا الشَّرعُ وَأَثنى عَلَى أَهلِهَا، وَأَشَادَ بِذِكرِهِم وَرَفَعَ مَكَانَتَهُم، وَمَعَ هَذَا أَضَاعَهَا كَثِيرُونَ وَافتَقَدُوا الحَدَّ الأَدنى مِنهَا.

وَإِنَّ نَظرَةً في كِتَابِ اللهِ بِتَدَبُّرٍ وَتَأَمُّلٍ لَتُثبِتُ قِلَّةَ الرِّجَالِ في هَذَا الزَّمَانِ، وَاقرَؤُوا إِن شِئتُم قَولَهُ تَعَالى: (لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ) [التوبة: 108]، وَقَولَهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلهِيهِم تِجَارَةٌ وَلا بَيعٌ عَن ذِكرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَومًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبصَارُ * لِيَجزِيَهُمُ اللهُ أَحسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِن فَضلِهِ وَاللهُ يَرزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ) [النور: 36-38].

فَفِي هَذِينِ المَوضِعَينِ نَجِدُ أَنَّ مَكَانَ الرِّجَالِ هُوَ المَسَاجِدُ، يَأتُونَ إِلَيهَا طَاهِرَةً أَعضَاؤُهُم، صَافِيَةً قُلُوبُهُم، خَاشِعَةً أَفئِدَتُهُم، سَاكِنَةً جَوَارِحُهُم، خَائِفِينَ وَجِلِينَ مُخبِتِينَ، يَذكُرُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ، وَيُقَوُّونَ صِلَتَهُم بِهِ في كُلِّ وَقتٍ، فَأَينَ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ مَن تَهَاوَنُوا بِصَلاةِ الجَمَاعَةِ وَتَشَاغَلُوا؟! أَينَ مِنهَا مَن نَامُوا عَنهَا وَتَكَاسَلُوا؟! هَل عَرَفَ أُولَئِكَ مَعنى الرُّجُولَةِ أَو ذَاقُوا طَعمَهَا؟! هَل عَرَفَ الرُّجُولَةَ مَن شَغَلَهُ الفِرَاشُ الوَثِيرُ عَن صَلاةِ الفَجرِ؟! هَل عَرَفَ الرُّجُولَةَ مَن لا يَأتي الصَّلاةَ إِلاَّ دُبُرًا؟! هَل عَرَفَ الرُّجُولَةَ مَن لا يُؤَدِّي نَافِلَةً وَلا يَحرِصُ عَلَى التَّزَوُّدِ بِسُنَّةٍ؟! وَأَينَ مِنَ الرُّجُولَةِ مَن لا يَسعَى إِلى ذِكرِ اللهِ يَومَ الجُمُعَةِ، تَفُوتُهُ الخُطبَةُ وَلا يَكَادُ يُدرِكُ الصَّلاةَ؟!

إِنَّ ممَّن يَتَسَمَّونَ بِالرُّجُولَةِ اليَومَ أَفرَادًا تَشغَلُهُم عَنِ الصَّلاةِ قَنَاةٌ مَاجِنَةٌ، وَتُلهِيهِم عَن المَسَاجِدِ مَسرَحِيَّةٌ فَاجِرَةٌ، وَيُنسِيهِمُ الذِّكرَ مَجلِسُ لَعِبٍ وَلَهوٍ، فَمَا أَبعدَهُم عَن أُولَئِكَ الرِّجَالِ المُتَطَهِّرِينَ الذَّاكِرِينَ، الرَّاكِعِينَ السَّاجِدِينَ القَائِمِينَ، الَّذِينَ لا تَشغَلُهُم عَن صَلاتِهِم تِجَارَةٌ، وَلا يُلهِيهِم عَن طَاعَةِ رَبِّهِم بَيعٌ وَلا شِرَاءٌ.

وَإِنَّ مَن لم يَحرِصْ عَلَى مَا يَنفَعُهُ في آخِرَتِهِ وَفَرَّطَ في سَبَبِ نَجَاتِهِ -وَهِيَ الصَّلاةُ-، وَزَهِدَ في مَوَاضِعِ إِقَامَتِهَا -وَهِيَ المَسَاجِدُ-، لَهُوَ لِمَا سِوَاهَا مِن أَمرِ دِينِهِ وَدُنيَاهُ أَضيَعُ، وَلَهُوَ في أَمَاكِنِ العَمَلِ وَالإِنتَاجِ أَزهَدُ، وَكَيفَ يُؤتَمَنُ تَارِكُ صَلاةٍ عَلَى أَدَاءِ عَمَلٍ أَو إِنجَازِ مُهِمَّةٍ، فَضلاً عَن أَن يَكُونَ صَاحِبَ قَضِيَّةٍ أَو حَامِلَ رِسَالَةٍ؟!

إِنَّ تَارِكَ الصَّلاةِ المُتَهَاوِنَ في أَدَائِهَا مَعَ الجَمَاعَةِ لم يُفلِحْ في قِيَادَةِ نَفسِهِ فَيَحمِلَهَا عَلَى مَا يُنجِيهَا، فَكَيفَ يَقُودُ مُجتَمَعًا أَو تَسِيرُ وَرَاءَهُ أُمَّةٌ؟! كَيفَ يُدِيرُ مَصنَعًا أَو شَرِكَةً أَو مَركَزًا؟! كَيفَ يُوصِلُ رِسَالَةَ مَدرَسَةٍ أَو مَعهَدٍ أَو جَمعِيَّةٍ؟! بَلْ كَيفَ يَرعَى زَوجَةً وَيُكَوِّنُ أُسرَةً، أَو يُرَبِّي أَبنَاءًَ وَيَحفَظُ إِخوَةً، أَو يَكُونُ قُدوَةً لِطُلاَّبٍ وأُسوَةً لِمُوَظَّفِينَ؟! إِنَّ شَيئًا مِن ذَلِكَ لا يَكُونُ وَلَن يَكُونَ.

وَمِن صِفَاتِ الرِّجَالِ المَذكُورَةِ في القُرآنِ صِدقُ العَهدِ وَالثَّبَاتُ عَلَى المَنهَجِ وَعَدَمُ المُرَاوَغَةِ وَالتَّقَلُّبِ وَالنُّكُوصِ، قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- مَادِحًا صِنفًا عَزِيزًا مِنَ الرِّجَالِ: (مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلاً)، لم يُبَدِّلُوا وَلم يُغَيِّرُوا، وَلم يَنحَرِفُوا أَو يَمِيلُوا، بَلِ استَقَامُوا عَلَى المَنهَجِ وَثَبَتُوا عَلَى الصِّرَاطِ، فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ وَهُوَ عَلَى عَهدِهِ، وَمِنهُم مَن هُوَ سَائِرٌ عَلَى أَمرِ رَبِّهِ لا يَلتَفِتُ عَلَى شَيءٍ إِلاَّ عَلَى مَا يُرضِيهِ، يَنتَظِرُ أَن يَتَوَفَّاهُ رَبُّهُ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ.

إِنَّهُ الثَّبَاتُ عَلَى المَنهَجِ الَّذِي افتَقَدَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُسلِمِينَ اليَومَ حَتى ممَّنِ اشتَغَلُوا بِالعَمَلِ لِلإِسلامِ، فَنَشَأَ عِندَهُم قُصُورٌ في التَّصَوُّرِ، وَانحِرَافٌ في السُّلُوكِ، وَبُلُوا بِكَثرَةِ التَّغَيُّرَاتِ وَتَعَدُّدِ الاتِّجَاهَاتِ، وَمَالُوا عَن مَنهَجِ اللهِ في عَدَدٍ مِنَ القَضَايَا إِلى مَنَاهِجَ مُستَورَدَةٍ أَو آرَاءٍ مُلَفَّقَةٍ، وَأَضَاعُوا أَهدَافَهُمُ السَّامِيَةَ وَغَايَاتِهِمُ النَّبِيلَةَ، في خِضَمِّ طَلَبِهِم أَهدَافًا قَرِيبَةً، وَابتِغَائِهِم مَتَاعًا زَائِلاً، أَلا فَمَا أَجمَلَهُ بِالمُسلِمِ إِذْ عَرَفَ أَن يَلزَمَ! مَا أَجمَلَهُ بِهِ إِذْ آمَنَ أَن يَستَقِيمَ! وَمَا أَحرَاهُ وَقَد عَمِلَ أَن يُدِيمَ العَمَلَ! قَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ- لِمَنِ استَوصَاهُ: "قُلْ: آمَنتُ بِاللهِ ثم استَقِمْ"، وَقَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: "أَحَبُّ العَمَلِ إِلى اللهِ أَدوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ". وَكَانَ مِن أَخلاقِهِ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ- إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَن يُثبِتَهُ.

وَقَد دَلَّتِ الدَّلائِلُ وَأَثبَتَتِ التَّجَارِبُ في مَنَاحِي الحَيَاةِ المُختَلِفَةِ أَنَّهُ لا يُنتِجُ إِنتَاجًا نَافِعًا إِلاَّ الثَّابِتُونَ في طَرِيقِهِم، فَلَم تَكُنْ كَثرَةُ العَمَلِ يَومًا بِمُغنِيَةٍ عَمَّنِ انقَطَعَ، وَلم تَكُنْ قِلَّتُهُ بِضَارَّةٍ مَن ثَبَتَ وَدَاوَمَ، وَلَكَم يُحسِنُ إِلى نَفسِهِ وَمُجتَمَعِهِ وَأُمَّتِهِ مَن لَزِمَ طَرِيقًا مِن طُرُقِ الخَيرِ وَبَابًا مِن أَبوَابِ البِرِّ، فَفَرَّغَ لَهُ مِن نَفسِهِ وَوَقتِهِ وَجُهدِهِ جُزءًا، وَثَبَتَ فِيهِ وَصَبَّ عَلَيهِ جُلَّ اهتِمَامِهِ، إِمَّا في جَمعِيَّةِ بِرٍّ أَو جَمعِيَّةٍ تَحفِيظٍ، أَو في مَكتَبِ دَعوَةٍ أَو شُعبَةِ تَوعِيَةٍ، أَو إِمَامَةٍ أَو خَطَابَةٍ، أو في غَيرِهَا ممَّا يَنفَعُ في دِينٍ أَو دُنيا، أَمَّا المُتَرَدِّدُونَ المُتَلَوِّنُونَ المُتَذَوِّقُونَ، الَّذِينَ يُشَرِّقُونَ وَيُغَرِّبُونَ، فَإِنَّهُم لا وَقتًا حَفِظُوا، وَلا بِفَائِدَةٍ خَرَجُوا، وَلا جِيلاً رَبَّوا، فَمَا أَحرَاهُم أَن يَندَمُوا إِذَا رَأَوا مَا وَصَلَ إِلَيهِ غَيرُهُم ممَّن هُدُوا وَاستَقَامُوا وَثَبَتُوا وَدَامُوا.

وَمِن صِفَاتِ الرِّجَالِ في القُرآنِ مَا وَرَدَ في قَولِهِ تَعَالى: (وَجَاءَ مِن أَقصَى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسعَى قَالَ يَا قَومِ اتَّبِعُوا المُرسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لا يَسأَلُكُم أَجرًا وَهُم مُهتَدُونَ) [يس: 20، 21]، فَهُوَ رَجُلٌ وَاحِدٌ لم يُعرَفِ اسمُهُ، تَكَبَّدَ عَنَاءَ المَجِيءِ مِن أَقصَى المَدِينَةِ، وَسَارَعَ إِلى مَقصُودِهِ وَلم يَتَبَاطَأْ، فَعَلَ ذَلِكَ لِتَأيِيدِ الرُّسلِ وَنَصِيحَةِ قَومِهِ لِيَتَّبِعُوهُم، أَلا فَمَا أَكبَرَ الفَرقَ بَينَهُ وَبَينَ كَثِيرٍ مِنَ المَفتُونِينَ اليَومَ، ممَّن دَرَسُوا في الغَربِ أَو أُعجِبُوا بِأَهلِهِ، أَو رَضعُوا مِن ثُدُيِّ شُبُهَاتِهِ وَتَشَرَّبُوا سُمُومَ شَهوَاتِهِ، فَصَارُوا لا يَتَحَمَّلُونَ عِبَادَةً وَلا يَستَقِيمُونَ في طَاعَةٍ، وَلا يَثبُتُونَ عَلَى فَضِيلَةٍ وَلا يَصبِرُونَ عَن شَهَوَةٍ، ثم لم يَكتَفُوا بِضَلالِهِم في أَنفُسِهِم حَتى عَمِلُوا عَلَى إِضلالِ الآخَرِينَ. وَإِنَّكَ لَتَجِدُ هَؤُلاءِ -لا كَثَّرَهُمُ اللهُ- كُتَّابًا في الصُّحُفِ، أَو مُتَحَدِّثِينَ عَلَى القَنَوَاتِ، أَو مَسؤُولِينَ يَستَغِلُّونَ مَنَاصِبَهُم لِبَثِّ سُمُومِهِم، يَفعَلُونَ كُلَّ ذَلِكَ طَلَبًا لِلشُّهرَةِ وَالشَّهوَةِ، فَأَينَ هُوَ الرَّجُلُ التَّقِيُّ الخَفِيُّ الَّذِي يُدَافِعُ عَنِ الحَقِّ وَيُنَافِحُ وَيَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ؟! أَينَ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَتحَرَّكُ سَرِيعًا لِنَصرِ الخَيرِ وَبَذلِ النَّصِيحَةِ لأَهلِهِ وَلَو كَانَ وَحدَهُ، فَيَكُونَ كَمُؤمِنِ آلِ فِرعَونَ الَّذِي قَالَ اللهُ عَنهُ: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِن آلِ فِرعَونَ يَكتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ) [غافر: 28]، أَو كَذَلِكَ الَّذِي قَالَ اللهُ عَنهُ: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِن أَقصَى المَدِينَةِ يَسعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ المَلأَ يَأتَمِرُونَ بِكَ لِيَقتُلُوكَ فَاخرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) [القصص: 20].

وَمِن صِفَاتِ الرِّجَالِ في القُرآنِ: القِيَامُ عَلَى مَن وَلاَّهُمُ اللهُ أَمرَهُ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ، وَحُسنُ تَوجِيهِهِم وَالاجتِهَادُ في تَربِيَتِهِم، قَالَ سُبحَانَهُ: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِن أَموَالِهِم) [النساء: 34].

وَإِنَّ اطِّلاعًا عَلَى حَالِ بَعضِ البُيُوتِ، وَجَولَةً في كَثِيرٍ مِنَ الأَسوَاقِ، لَتُرِيكَ كَم تُقتَلُ الرُّجُولَةُ وَتُذبَحُ عَلَى أَيدِي أُنَاسٍ أَسلَمُوا لِنِسَائِهِمُ القِيَادَ، وَتَرَكُوا لَهُنَّ الحَبلَ عَلَى الغَارِبِ، يَطُفنَ في الأَسوَاقِ كَالهَمَلِ، يَلبَسنَ مَلابِسَ الفِتنَةِ، وَيَظهَرنَ بِمَظَاهِرِ التَّبَرُّجِ، لا يَترُكنَ دُكَّانًا إِلاَّ دَخَلنَهُ، وَلا بَائِعًا إِلاَّ فَتَنَّهُ، وَتَرَى الشَّبَابَ وَرَاءَهُنَّ يُلِينُونَ لَهُنَّ الكَلامَ وَيَرمُونَ عَلَيهِنَّ الأَرقَامَ، وَذَلِكَ الأَبُ أَوِ الزَّوجُ في سَيَّارَتِهِ يُقَلِّبُ جَوَّالَهُ، أَو في سُوقِهِ يُمَارِسُ أَعمَالَهُ، وَقَد يَكُونُ أَرسَلَ أُولَئِكَ النِّسَاءَ مَعَ السَّائِقِ أَو مَعَ طِفلٍ أَو مُرَاهِقٍ.

وَفي صُورَةٍ أُخرَى مِن فُقدَانِ الرُّجُولَةِ وَمَوتِ الغَيرَةِ تَرَى مَن لا يَستَنكُِر دُخُولَ العُمَّالِ وَالسَّائِقِينَ في بَيتِهِ، بَل تَرَى بَعضَ أُولَئِكَ العُمَّالِ وَالسَّائِقِينَ وَكَأَنَّهُ وَاحِدٌ مِن أَهلِ البَيتِ، يَأمُرُ فِيهِ وَيَنهَى، وَيُضَاحِكُ النِّسَاءَ وَيُمَازِحُهُنَّ، وَيَنظُرُ مِنهُنَّ إِلى مَا لا يَحِلُّ، فَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، يَكثُرُ الذُّكُور وَيَقِلُّ الرِّجَالُ، فَتُذبَحُ الفَضِيلَةُ وَتُقتَلُ الرُّجُولَةُ، وَتُغتَالُ المَبَادِئُ وَتُطعَنُ القِيَمُ، وَتُهتَكُ الأَعرَاضُ وَيُعتَدَى عَلَى الشَّرَفِ.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد جَعَلَت بَعضُ المُجتَمَعَاتِ لِلرُّجُولَةِ مَقَايِيسَ كَاذِبَةً وَمَعَايِيرَ فَاسِدَةً، ثم قَاسَتِ النَّاسَ عَلَيهَا أَو خَدَعَتهُم بها، فَتَرَاهُم يَعُدُّونَ في الرِّجَالِ كُلَّ مَن طَالَ شَارِبُهُ أَو وَفَرَت لِحيَتُهُ، أَو مَن تَقَدَّمَت سِنُّهُ وَشَابَ عَارِضَاهُ، أَو مَن بُسِطَ لَهُ في جِسمِهِ وَطالَت قَامَتُهُ، أَو مَن فُتِلَت عَضَلاتُهُ وَقَوِيَت بُنيَتُهُ، أَو مَن بَرَعَ في جَمعِ المَالِ وَعَدَّدَهُ، وَلَعَمرُ اللهِ لَو كَانَتِ الرُّجُولَةُ بِهَذِهِ المَقَايِيسِ وَحدَهَا لامتَلأَت بِالرِّجَالِ المَيَادِينُ، وَلَضَاقَت بِهِمُ البُيُوتُ، وَلَكِنَّ الرُّجُولَةَ أَعلَى مِن تِلكَ الصِّفَاتِ وَأَسمَى، فَكَم مِن شَابٍّ في سِنِّ الثَّلاثِينَ، أَو كَهلٍ في سِنِّ الأَربَعِينَ، أَو شَيخٍ في سِنِّ السَّبعِينَ، فَإِذَا فَتَّشتَ قُلُوبَهُم وَجَدتَ قُلُوبَ أَطفالٍ وَأَفئِدَةَ مُرَاهِقِينَ، تَفرَحُ بِالتَّوَافِهِ وَتَبكِي عَلَى الحَقِيرِ، وَتَتَطَلَّعُ إِلى مَا لَيسَ لها وَتَشِحُّ بِمَا في أَيدِيهَا.

وَكَم مِن غُلامٍ في مُقتَبَلِ العُمُرِ دُونَ العِشرِينَ، وَلَكِنَّكَ تَرَى فِيهِ لِلرُّجُولَةِ عَلامَاتٍ وَتَلمَحُ مِنهَا أَمَارَاتٍ، تَلمَسُهَا في قَولِهِ الرَّصِينِ، وَتَرَاهَا في عَمَلِهِ المَتِينِ، وَتَجِدُهَا في تَفكِيرِهِ الرَّزِينِ، وَيُصَدِّقُهَا خُلُقُهُ العَالي وَتَعَامُلُهُ النَّاضِجُ.

أَلا فَاتَّقُوا اللهَ -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- وَاعلَمُوا أَنَّ الرُّجُولَةَ لَن تَنمُوَ وَلَن تَتَرَعرَعَ وَلَن تَطُولَ شَجَرَتُهَا وَلَن تَتَفَرَّعَ وَلَن يَتَرَبى الرِّجَالُ الصَّالِحُونَ المُصلِحُونَ إِلاَّ في ظِلِّ عَقَائِدَ رَاسِخَةٍ، تَقُومُ عَلَى أُصُولٍ ثَابِتَةٍ، وَتَحفَظُهَا مَبَادِئُ مُتَمَكِّنَةٌ، أَسَاسُهَا التَّوحِيدُ الخَالِصُ، وَبِنَاؤُهَا العَمَلُ الصَّالِحُ، وَتَضبِطُهَا القِيَمُ وَتَرعَاهَا الفَضَائِلُ، أَمَّا في ظَلامِ الشَّكِّ المُزَعزِعِ لِلقُلُوبِ، وَالإِلحَادِ المُحَيِّرِ لِلعُقُولِ، وَمَهَاوِي الشُّبُهَاتِ المُضِلَّةِ، أَمَّا في مُستَنقَعَاتِ الرَّذِيلَةِ وَالانحِلالِ وَالسُّفُورِ الَّتي تَحفِرُهَا وَسَائِلُ الإِعلامِ وَالقَنَوَاتُ وَالفَضَائِيَّاتُ، وَتُغَذِّيهَا الجَرَائِدُ وَتُؤَيِّدُهَا المَجَلاَّتُ، وَتَنقُلُ عَفَنَهَا الجَوَّالاتُ وَالشَّبَكَاتُ، فَلَن يَتَخَرَّجَ لِلأُمَّةِ رِجَالٌ.

وَإِنَّ الدُّنيَا لم تَرَ الرُّجُولَةَ في أَجلَى صُوَرِهَا وَأَكمَلِ مَعَانِيهَا كَمَا رَأَتهَا في تِلكَ النَّمَاذِجِ الكَرِيمَةِ الَّتي صَنَعَهَا الإِسلامُ عَلَى يَدِ رَسُولِهِ العَظِيمِ مِن رِجَالٍ يَكثُرُونَ عِندَ الفَزَعِ وَيقِلُّونَ عِندَ الطَّمَعِ، لا يُغرِيهِمُ الوَعدُ وَلا يُلَيِّنُهُم الوَعِيدُ، وَلا يَغُرُّهُمُ النَّصرُ وَلا تُحَطِّمُهُمُ الهَزِيمَةُ، وَلَن تَستَعِيدَ الدُّنيَا الرُّجُولَةَ إِلاَّ بِإِحيَاءِ تِلكَ النَّمَاذِجِ العَظِيمَةِ في الوَاقِعِ وَعَرضِ سِيَرِهِم عَلَى النَّاشِئَةِ.

فَاتَّقُوا اللهَ أُمَّةَ الإِسلامِ، وَسِيرُوا سِيرَةَ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللهِ، وَتَرَسَّمُوا خُطَاهُ، وَأُحيُوا سُنَّتَهُ، وَاهتَدُوا بِهَديِهِ؛ تَفُوزُوا وَتُفلِحُوا.





الخطبة الثانية:




أَمَّا بَعدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعلَمُوا أَنَّكُم مُلاقُوهُ، وَقِفُوا عِندَ حُدُودِهِ، وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد قَالَ تَعَالى عَنِ المُنَافِقِينَ: (وَإِذَا رَأَيتَهُم تُعجِبُكَ أَجسَامُهُم وَإِنْ يَقُولُوا تَسمَعْ لِقَولِهِم) [المنافقون: 4]، وَمَعَ هَذَا فَهم كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، يَحسَبُونَ كُلَّ صَيحَةٍ عَلَيهِم، وَفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إِنَّهُ لَيَأتي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَومَ القِيَامَةِ فَلا يَزِنُ عِندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَاقرَؤُوا إِنْ شِئتُم قَولَهُ تَعَالى: (فَلاَ نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزنًا)"، وَكَانَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- نَحِيفًا دَقِيقَ السَّاقِينَ، انكَشَفَت سَاقَاهُ يَومًا فَضَحِكَ بَعضُ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ –صلى الله عليه وسلم-: "وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثقَلُ في المِيزَانِ مِن أُحُدٍ"، وَعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبيِّ –صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لِرَجُلٍ عِندَهُ جَالِسٍ: "مَا رَأيُكَ في هَذَا؟!"، قَالَ: رَجُلٌ مِن أَشرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِن خَطَبَ أَن يُنكَحَ وَإِن شَفَعَ أَن يُشَفَّعَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم-، ثم مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم-: "مَا رَأيُكَ في هَذَا؟!"، فََقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: هَذَا رَجُلٌ مِن فُقَرَاءِ المُسلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِن خَطَبَ أَن لاَّ يُنكَحَ وَإِن شَفَعَ أَن لاَّ يُشَفَّعَ وَإِن قَالَ أَن لاَّ يُسمَعَ لِقَولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم-: "هَذَا خَيرٌ مِن مِلءِ الأَرضِ مِن مِثلِ هَذَا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

وَفِيهِمَا أَنَّهُ -عَلَيهِ السَّلامُ- قَالَ: "لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الغَضَبِ".

إِنَّهَا صُوَرٌ لِمَا قَد يَسِيرُ عَلَيهِ النَّاسُ في قِيَاسِ الرُّجُولَةِ، وَتَوجِيهٌ لَهُم إِلى مَا يَجِبُ أَن يَكُونُوا عَلَيهِ وَيَعتَبِرُوهُ في ذَلِكَ، فَلَيسَت صُورَةُ اللَّحمِ وَالدَّمِ هِيَ المِقيَاسَ، وَمَا كَانَ المِقيَاسُ الجَمَالَ أَو حُسنَ الشَّارَةِ وَالهَيئَةِ، وَمَا هُوَ في القُوَّةِ وَلا الفُتُوَّةِ، وَلا في كِبَرِ البُطُونِ وَلا طُولِ الأَجسَامِ، وَإِنَّمَا هُوَ في الإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.

فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَاعمَلُوا عَلَى التَّحلِّي بِأَخلاقِ الرِّجَالِ المَذكُورَةِ في كِتَابِ اللهِ، أَو المُجمَعِ عَلَى حُسنِهَا عِندَ عِبَادِ اللهِ.
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2012, 05:20 PM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
معالم الرجولة الحقة؛ للشيخ عبد الباري بن عوض الثبيتي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


معالم الرجولة الحقة؛ للشيخ عبد الباري بن عوض الثبيتي


أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، قال تعالى: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

قال تعالى: (منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: 23]، وقال تعالى: (رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاء الزَّكَـوةِ يَخَـافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَلأَبْصَـارُ) [النور: 37].

مادة "رجل" تدل بأصل وضعها في اللغة على طائفة كبيرة من المعاني، غير الذكورة المقابلة للأنوثة في بني الإنسان، تقول العرب في المفاضلة بين الاثنين وتفوُّق أحدهما على صاحبه: أرجل الرجلين، وللدلالة على القدرة على التصدي للأحداث: رجل الساعة، وفي ختام المباهاة بالشرف والثناء تقول: هو من رجالات قومه.

وعند ورودها في القرآن تضيف مع دلالتها على النوع معاني أخرى تسمو بالنوع إلى السمو والامتياز. استعمل القرآن (رِجَالاً) وصفًا للمصطفَيْن الأخيار فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ) [يوسف: 109]، والوصف بالرجولة في بعض المواطن تعريفٌ مقصودٌ يُوحي بمقومات هذه الصفة من جرأة على الحق ومناصرة للقائمين عليه، قال تعالى: (وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يامُوسَى إِنَّ الْمَلاَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَخْرُجْ إِنّى لَكَ مِنَ النَّـاصِحِينَ) [القصص: 20]، وقال سبحانه: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ اللَّهُ) [غافر: 28].

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتطلع إلى الرجولة التي تناصره وتعتز بها دعوته، ويسألها ربه فيقول: "اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب"، قال الراوي: وكان أحبهما إليه عمر. أخرجه الترمذي.

يتطلع إلى معالم الرجولة التي تؤثر في نشر الدعوة وإعزاز الإسلام، كان إسلام عمر حدثًا كبيرًا، وُجدت رجولته في اللحظة الأولى من إسلامه، فبعد أن كان المسلمون لا يجرؤون على الجهر بدينهم جهروا به، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر". أخرجه البخاري.

لم تكن رجولة عمر في قوة بدنه، ولا في فروسيته، ففي قريش من هو أقوى منه، ولكن رجولته كانت في إيمانه القوي، ونفسه الكبيرة التي تبعث على التقدير والإكبار.

هاجر الصحابة خفية، أما عمر فقد تقلد سيفه ومضى إلى الكعبة فطاف وصلى في المقام، وأعلن هجرته على الملأ وقال لهم: "من أراد أن تثكله أمه، ويُيتِّم ولدَه، ويُرمل زوجته، فليتبعني وراء هذا الوادي"، فما تبعه منهم أحد.

يضع عمر البرامج لتعليم الرجولة فيقول: "علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل، وروُّوهم ما يُجَمِّل من الشِّعر".

الرجولة مطلب يسعى للتجمل بخصائصها أصحاب الهمم، ويسمو بمعانيها الرجال الجادون، وهي صفة أساسية، فالناس إذا فقدوا أخلاق الرجولة صاروا أشباه الرجال، غثاءً كغثاء السيل.

الرجولة تُرسَّخ بعقيدة قوية، وتهذَّب بتربية صحيحة، وتنمَّى بقدوة حسنة. ميزان الرجولة عند عامة الناس هو ميزان مادي فقط، فمن كان جميل المظهر مكتمل القوى كثير المال فهو الرجل الطيب، ولكن ميزان الرجال في شريعة الإسلام من كانت أعماله فاضلة، وأخلاقه حسنة، مرَّ رجل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما تقولون في هذا؟!"، قالوا: حري إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يشفَّع، وإن قال أن يُستمع، قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: "ما تقولون في هذا؟!"، قالوا: حري إن خطب أن لا يُنكح، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإن قال أن لا يستمع، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا". أخرجه البخاري.

الرجال -عباد الله- لا يقاسون بضخامة أجسادهم، وبهاء صورهم، فعن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- قال: أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- ابن مسعود، فصعد على شجرة، أمره أن يأتيه منها بشيء، فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله بن مسعود حين صعد الشجرة، فضحكوا من حموشة ساقيه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما تضحكون؟! لرجل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أُحُد". أخرجه أحمد.

الرجولة الحقة رأيٌ سديد، وكلمة طيبة، ومروءة وشهامة، وتعاون وتضامن، الرجولة تحمل المسؤولية في الذب عن التوحيد والنصح في الله، قال تعالى: (وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يامُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَخْرُجْ إِنّى لَكَ مِنَ النَّـاصِحِينَ) [القصص: 20].

الرجولة قوة في القول، وصدع بالحق، وتحذير من المخالفة من أمر الله مع حرص وفطنة، قال تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُمْ بِلْبَيّنَـاتِ مِن رَّبّكُمْ) [غافر: 28].

الرجولة صمود أمام الملهيات، واستعلاء على المغريات حذرًا من يوم عصيب، قال تعالى: (رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاء الزَّكَـوةِ يَخَـافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَلأَبْصَـارُ) [النور: 37].

الرجل الحق يصدق في عهده، ويفي بوعده، ويثبت على الطريق، قال تعالى: (منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً) [الأحزاب: 23]، ليس من الرجال الذين نعنيهم أولئك الذين يعبُّون من الشهوات، أو الغارقون في الملذات، الذين قعدوا عن معاني الغايات، وأعرضوا عن خالق الأرض والسموات، وليسوا أولئك الذين ضخمت أجسادهم وقد خلت من قول الحكمة ألسنتهم، وسداد الرأي عقولهم، هؤلاء الرجال أشباه رجال لا ننشدهم، بل نبغي الذين عناهم القرآن في قوله: (لَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـاماً * وَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * وَلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان: 59 - 63].

ليس من الرجولة -عباد الله- أن يكون الشاب كالإمعة: إن أحسن الناس أحسن، وإن أساؤوا أساء، وإذا ولغ أصحابه في مستنقعات السوء جرى في ركابهم لكي يكون رجلاً كما يزعمون.

هل من معالم الرجولة الحقة أن تكون غاية مراد الشاب شهوة قريبة، ولذة محرمة في ليلة عابثة بلا رقيب ولا حسيب؟! أين هذا من رجل قلبه مُعلق بالمساجد؟! وأين هذا من رجل دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله؟! وأين هذا من رجل تصدق بصدقة فأخفاها؟! ورجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه؟! أولئك يمقتهم الرحمن، وهؤلاء يدنيهم، ويظلهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

قلم الأديب المسلم تام الرجولة، شعْرٌ يهذب الأخلاق، ويسمو بالمعاني، وينبذ الإسفاف، وروايات تحكي قصص الخيرين من الأسلاف، وحوارات ترفع طموحات الأمة، وتحقق جليل الأهداف، أدبٌ لا ميوعة فيه ولا تخنّث، وقد ابتليت الأمة في أعقاب الزمن في بعض نواحيها بأدب لا يمتّ إلى الرجولة بصلة، ألفاظ خانعة، وترانيم ساقطة، وتخنث فاضح، إن شر ما تُصاب به الحياة هو الخروج على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وذلك بتخنث الرجال واسترجال المرأة، أين الرجولة فيمن يتمايل في حركاته، ويطيل شعره، ويضع القلادة على رقبته، ويتأطّر في مشيته، بل قد يرقص كما ترقص النساء؟! إن هذه السلوكيات نواة شر ونذير فساد لكل المجتمع؛ لأنها تحكي مسخًا وانحرافًا عن الفطرة، وانهزامية وانحطاطًا على حساب أخلاق الأمة، ولهذا "لعن الرسول -صلى الله عليه وسلم- المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال". أخرجه البخاري. ولعن النبي -صلى الله عليه وسلم- المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، وقال: "أخرجوهم من بيوتكم". أخرجه البخاري من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.

بعض وسائل التربية العقيمة المستوردة جعلت بعض أبناء المسلمين لا يعرفون تكاليف الرجولة، وإذا عرفوها لا يطيقونها، ولا يقومون كما ينبغي بأعبائها، وهذا نتاج المخطط المدروس الذي يعمل على دمج النساء بالرجال لتعطيل التكاليف الشرعية الخاصة بكل منهما، وليجعل من لباس المرأة والرجل شيئًا واحد، والتشابه في الظاهر يورث التشابه في الباطن. حين تضمر خصائص الرجولة بجناية الرجال أنفسهم يحل بالمجتمع العطب، وبالبيت الضياع، وبالأمة الضعف والهوان، تضيع القوامة، وتضعف الغيرة، فتتسع رقعة الفساد الخلقي.

قال تعالى: (لرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء: 34].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية:




الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

أما بعد:

فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى.

والحديث عن الرجولة في العصر الحاضر يذكِّرُك أطفال الحجارة، هم أطفال في أجسامهم، أبطال في أفعالهم، رجال في مواقفهم، هم بحق يصدق فيهم وصف الرجولة، فقد تربوا على مائدة القرآن، يجاهدون في سبيل الله، وغيرهم يجاهد بالخطب الرنانة، والعبارات المخدِّرة، إن كثيرًا من هؤلاء لم يصلوا إلى مستوى الرجل الطفل طفل الحجارة، رجولة تأبى الطغيان والاستسلام للمعتدين، لا يهابون طلقات القذائف، بل يتصدون لها بصدورهم وقلوبهم حتى يحرَّر القدس الشريف، إنها همم رجال ترفض المهانة والذل.

هؤلاء الأطفال اعتُقل آباؤهم نصب أعينهم، وهدِّمت منازلهم وهم يشهدون ذلك بناظريهم، إن هذا الطفل لا يملك سوى حجر، لكنه يرى نفسه شامخًا، يتحدى دبابة الاحتلال دون خوف أو وجل، والأمهات يباركن خطوات فلذات أكبادهن نحو الموت والشهادة.

صبر هذا الشعب طويلاً، وقدم تضحيات جسيمة، ودماؤه تراق على أرض فلسطين، وهم بأحجارهم وعصيهم وقفوا ضد اعتداء الغاصبين الذين نهبوا الأموال، وقتلوا الأبرياء، ونقضوا العهود والمواثيق.

سجَّل أبناء تلك الأرض بطولات وتضحيات لا تتوقف أمام ذلك الصَلَف اليهودي الذي أقدم -وما زال- على أبشع ما عرفت البشرية من وحشية.

لماذا يُحجم العالم الذي يزعم أنه متحضر عن ردع المعتدي، والأخذ على يديه؟! أين المعاهدات؟! أين المواثيق التي تنص على ضمان السلام والتقليل من الجرائم؟! أين الأخذ على يد المعتدي ونصرة المظلوم؟! أين دعاة السلام والداعون له؟! أين المنظرون لثقافته؟! وهذه المذابح والبنادق والصواريخ تخرب الديار، وتحرق القلوب والأجساد، أجساد الشيوخ الركع والأطفال الرضع.

إن هذه الدماء لن تثمر بإذن الله إلا نفوسًا أبية، لن ترضى الدنية في دينها، ولْتسقط تلك الدعاوى الساقطة، ولتنكسر تلك الأقلام الهزيلة التي ما زالت تزين السلام غير العادل بزينة كالحة، لقد عاهدت الأمة الإسلامية ربها أن تظل القدس جوهر عقيدتها، هي في قلوبنا وعقولنا ومشاعرنا، بل هي فوق كل الاعتبارات الآنية والمصالح الدنيوية، لن نفرط في ذرة من ترابها، ولا سلام ولا استقرار بدونها، وكل الممارسات التي يمارسها العدو من استيطان وتهويد هي أمور غير شرعية، نرفضها وترفضها الأمة كما ترفض الاحتلال ذاته.

إن أرض فلسطين إسلامية، وستبقى كذلك مهما تكالبت عليها الخطوب، (ولاَ يَيْـئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَـافِرُونَ) [يوسف: 87]، وسيبقى الكفاح وتدوم التضحية حتى تعود الأرض إلى أصحابها الشرعيين.

إن واجب المسلمين نحو القدس استند إلى القرآن والسنة النبوية، وربطت رحلة الإسراء والمعراج مشاعر المسلمين بهذه الأرض، فقضية القدس ليست قضية تتعلق بالأرض، بل يجب أن تبقى قضية إسلامية تعني الأمة كل الأمة، وذمة المسلمين لن تبرأ إلا إذا عملت على تطهير المدينة التي تشرَّفت برحلة الإسراء والمعراج، وإعادتها إلى سيادة المسلمينَ: (وَللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَـافِرُونَ) [الصف: 8].

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2012, 05:23 PM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الرجولة؛ للشيخ هاشم محمد علي المشهداني


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الرجولة؛ للشيخ هاشم محمد علي المشهداني



يقول الحق -جلا وعلا-: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23].

إن بين الله وبين المؤمنين بيعة، مفادها قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [التوبة: 111]، المشتري هو الله، والبائع فيها هو المؤمن، والسلعة هي الأنفس والأموال، والثمن هو الجنة.

الله تعالى يعلمنا أن الرجال من المؤمنين هم الذين يصدقون الله في بيعتهم، وليس كل المؤمنين رجالاً.

فمن هو الرجل؟! وما سمات الرجولة؟! وما أسباب ضياعها؟!

الرجل: عكس المرأة أو ضدها، ونعني بالرجل: الذي أخضع ذاته ونفسه لمنهج الله -عز وجل-، فهمًا وسلوكًا.

قال العلماء: الزمن يحوي الليل والنهار، وجنس الإنسان يحوي الذكر والأنثى، ولكل منهما مهمته، فكما أن الليل للسكنى والهدوء والنهار للكدح والعمل، فالرجل بمنزلة النهار، والمرأة بمنزلة الليل.

لذا جمع بينهما رب العزة سبحانه فقال: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) [الليل :1-4].

ولا ينبغي أن يتمنى الرجل أن يكون امرأة، ولا المرأة أن تكون رجلاً، وصدق الله العظيم: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء:32]. يقول ابن كثير: "نزلت في نسوة قالوا: ليتنا كنا رجالاً فنغزو كما يغزون، ونجاهد كما يجاهدون، جاءت امرأة إلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام- تقول: يا رسول الله: إن الله كتب الجهاد على الرجال، فإن يصيبوا أجروا وإن قتلوا فهم أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن نقوم على شؤونهم، فما لنا في ذلك؟! فقال -عليه الصلاة والسلام-: "أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج واعترافًا بحقه يعدل ذلك وقليل منكن يفعله".

أما سمات الرجولة، فمنها: الذكر الدائم لله -عز وجل-، الرجولة أن لا تشغلك الدنيا عن الآخرة، بنص قول الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [النور:36، 37].

كان رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يخطب على المنبر، فجاءت عير، فخرج الأصحاب ولم يبق إلا اثني عشر، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "والله لو تتابعتم فلم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادي نارًا"، وأنزل الله قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [الجمعة].

أن تقدم طاعة الله على المال وعلى الولد، الله تعالى يقول: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف:46]، يقول -عليه الصلاة والسلام-: "استكثروا من الباقيات الصالحات"، قالوا: وما هن يا رسول الله؟! قال: "التكبير والتحميد والتهليل والتسبيح ولا حول ولا قوة إلا بالله هي الباقيات الصالحات".

الإمام الآلوسي يقول في تفسير هذه الآية: "الأموال والأولاد سريعا الزوال، وذكر الله ليس كذلك، والمال قد يكون وبالاً على صاحبه لكثرة أصحاب الحقوق فيه، والولد قد يعق وقد يفسد ولا تنتفع به في الدنيا ولا في الآخرة".

القوامة على الأسرة: قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ) [النساء:34]. ابن كثير يقول: "القيم أي الرئيس، الذي يحكم أهله ويقوم اعوجاجهم إذا اعوجوا، وهو المسؤول عنهم يوم القيامة"، "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته".

ولا يقدح في رجولة الرجل أن يعين أهله، فعائشة -رضي الله عنها- سئلت عن فعل رسول الله -عليه الصلاة والسلام- في بيته، قالت: "كان يكون في مهنة أهله، يحمل هذا ويحط هذا، يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب شاته"، وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولا يقدح في رجولة الرجل أن يلاطفهن أو أن يمازحهن، تقول عائشة -رضي الله عنها-: سابقني رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فسبقته، فلما حملت اللحم أي بدت علي السمنة، سابقني رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فسبقني، فقال: "هذه بتلك".

الذي يقدح في رجولة الرجل في مجال الأسرة هو: انعدام غيرته على أهله: في أمر لباسها، فلا يعنيه أن تخرج وأن تكشف عورتها للناس، والرسول -عليه الصلاة والسلام- أعلمنا أن من أهل النار: "نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة -كسنام البعير- لا يَرِدن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام".

أو لا تعنيه الجلسات المختلطة، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: "إياكم والدخول على النساء"، قالوا: يا رسول الله: أرأيت الحمو؟! قال: "الحمو الموت"، وتركهما منفردين.

يقدح في رجولة الرجل أيضًا أن يلقي للزوجة الحبل على الغارب، تخرج متى تشاء، وتعود متى تشاء، ولا يعرف الوجهة التي خرجت إليها، أو أن تسافر بغير محرم، أو عدم وجود الصحبة الطيبة التي تحفظ لها دينها وعفتها في الطريق.

هذه الأمور وعدم انشغال الرجل بها يدل على فقدان الغيرة، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: "لا يدخل الجنة ديوث". والديوث هو الذي لا غيرة له على عرضه.

أيضًا مما يقدح في رجولة الرجل هو أن يسلم قيادة أمره إلى أهله، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: "إذا كان أمراؤكم فساقكم، وأغنياؤكم شراركم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير من ظهرها". وفي الأثر: "تعس عبد الزوجة".

الذي يقدح في رجولة الرجل أن يقدم محبة أهله على محبة الله ورسوله، عبد الله بن أبي بكر تزوج امرأة يقال لها: عاتكة، وكانت ذات حسب ونسب وجمال وأدب، خرج أبو بكر يومًا إلى صلاة الجمعة، فسمع عبد الله يناغي زوجته وتناغيه بما يكون بين الرجل وأهله، فلما عاد من صلاة الجمعة ورآهما على الحال الذي تركهما عليه قال: يا عبد الله: ألم تصلّ معنا؟! قال: أأجمعتم؟! قال أبو بكر: لقد شغلتك عاتكة عن ربك، طلِّقها. فطلقها، ومضت ستة أشهر علم بعدها أبو بكر ندم عبد الله وندم عاتكة أنهما انشغلا بما يكون بين الرجل وأهله عن طاعتهما لله -عز وجل-، ثم قال له: أرجعها. فأرجعها.

حسن الخلق، الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: "إن المؤمن ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم".

التواضع، لا التكبر، جاء ضيف إلى عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه-، فكاد السراج أن ينطفئ، فقال الضيف: يا أمير المؤمنين: أقوم فأصلحه؟! فقال عمر بن عبد العزيز: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه، قال: أوقظ الغلام؟! قال: إنها أول نومته، ثم قام عمر بن عبد العزيز وأصلح السراج ثم عاد، فقال الضيف: أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يصلح سراجه!! قال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، وعدت وأنا عمر بن عبد العزيز. أي لم ينقص هذا الأمر من قدري، بل ازداد قدرًا عند الله -عز وجل-، ومن تواضع لله رفعه.

الرجولة في العفو لا في الانتقام، مسطح بن أثاثة كان ممن تكلم في أمر عائشة في حادثة الإفك، وحادثة الإفك ملخصها: أن رسول الله كان إذا خرج في غزوة أقرع بين نسائه، فإذا خرجت القرعة على إحداهن يأخذها معه في سفره تخدمه، وخرجت القرعة على عائشة.

لما قفل الجيش وعاد، خرجت عائشة بعد أن نزل الجيش في مكان لبعض شأنها، فلما عادت إذا بالجيش قد ارتحل، فجلست في مكانها تنتظر، وكان هناك صحابي يقال له: صفوان بن المعطل كان ينتظر آخر الجيش، فإذا كان الجيش قد نسي متاعًا مثلاً يأخذه معه، لما رأى عائشة رضي الله عنها -وكان قد رآها قبل فرض الحجاب- قال: أم المؤمنين هنا، فأناخ بجمله فركبت ولحق بالجيش، فلما وصل الجيش تفقدوا الهودج الذي فيه عائشة فلم يجدوها، فلم يمض وقت قليل إلا وصفوان بن المعطل جاء وهو يسوق الجمل وعليه عائشة، فتكلم رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول وطعن في عرض رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أن هناك صلة ما بين عائشة وصفوان.

وممن وقع في هذا الأمر مسطح، وكان فقيرًا، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- ينفق عليه وهو يطعن في بنت أبي بكر –رضي الله عنه-، وبعد أن نزلت آيات البراءة في سورة النور، أقسم أبو بكر -رضي الله عنه- أن لا ينفق على مسطح بعد ذلك أبدًا. فأنزل الله تعالى قوله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: 22]، فقال أبو بكر –رضي الله عنه-: بلى يا رب نحب أن تغفر لنا. فأعاد نفقته على مسطح.

أما أسباب ضياع الرجولة فنضع سببًا واحدًا هو انقلاب المقاييس، ورسول الله -عليه الصلاة والسلام- أعلمنا بانقلاب المقاييس فقال: "يأتي على الناس زمان، يصدق فيه الكاذب ويكذب فيه الصادق، ويؤتمن فيه الخائن، ويخون فيه الأمين، ويكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع، لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر"، وقد جاء في الأثر: "لا تقوم الساعة حتى يعيّر الرجل بصلاته كما تعير الزانية بزناها".

فانقلاب الموازين في مجال الرجولة هو: أن تكون الاستطالة على الضعفاء مثلاً: رأى رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أبا مسعود يضرب عبدًا له، فقال: "اتَّقِ من هو أقدر عليك، منك عليه"، فالتفت فإذا هو رسول الله قد تملكه الغضب، فقال: هو حر لوجه الله يا رسول الله، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "والله لو لم تقلها لمستك النار".

أصبحت الرجولة في عدم الوفاء بالعهد، أو الالتزام بالشرط، أو إذا وجد مجالاً يستطيع به أن يحقق ربحًا فلا شرط ولا عهد ولا التزام، وأن هذه هي الرجولة، الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان".

أو أن يكون الكذب هو الرجولة، للتخلص من المواقف المحرجة مثلاً، لكن في إسلامنا الرجولة أن تكون صادقًا، وتظهر العيب الذي كان، إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- مرّ على رجل يبيع طعامًا، فوضع أصبعه فيه فأصابه بلل، قال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟!"، قال: أصابته السماء يا رسول الله. فقلبه فجعل الجيد فوق والرديء تحت، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "ألا أظهرته، من غشنا فليس منا".

ويقول -عليه الصلاة والسلام-: "إياكم وكثرة الحلف، فإنه منفق للسلعة منفق للبركة".

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2012, 05:25 PM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الرجولة في زمن العولمة؛ للشيخ سعد بن مليك


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الرجولة في زمن العولمة؛ للشيخ سعد بن مليك



عباد الله: الرجولة خصلة نبيلة، وصفة جميلة، قد أجمع العقلاء على مدحها والدعوة إليها في قديم الزمان وحديثه، إنها أمر يتفق عليه الجميع؛ مؤمنهم وكافرهم، تقيهم وفاجرهم، عاقلهم وسفيههم، بل إنك ترى كثيرًا من الحمقى والسفهاء يبرّرون حماقتهم بأنها مقتضى الرجولة، ومع هذا كله فالمسافة بين واقع الناس وبين الرجولة ليست بالمسافة القريبة، فالبون بين الواقع والدعوى شاسع، وواقع الناس يكذب ادعاءهم.

كانت الرجولة في عصر العرب الأوائل إرثًا، كانت مفخرة وممدحة، فقد كان لديهم سمو في الأخلاق ونبل في المعدن، ولذا بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم، وأخبر أنه بعث في خير الناس، فقد خلق الله الخلق عربًا وعجمًا، وجعل الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- من العرب وهم خيرهم.

بعث نبينا -صلوات الله وسلامه عليه- ليتمّم مكارم الأخلاق، ليعمق الأخلاق الكريمة في النفوس ويستأصل الأخلاق المرذولة منها، أتى بالدين السمح والأخلاق النبيلة، وكان في ذلك كله قدوة حية ماثلة أمام الأعين، تتجسد فيه معاني الرجولة الحقة في أجلى معانيها وأبهى صورها، حتى إن أصحابه -رضوان الله عليهم أجمعين- كانوا بحقّ مثالاً لتلك الرجولة، فأبو بكر يصدّقه وقد كذبه الناس، وعمر يسلم فيعلن إسلامه ويقارع به صناديد قريش، وعلي يفديه بجسده فينام مكانه إذ هاجر إلى المدينة رجال صدق، (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ)، فإن أردنا تتبع مقاماتهم في الرجولة -رضوان الله عليهم- فإنه يطول بنا المقام.

وتراثنا الإسلامي يحفل بنماذج من الرجال المؤمنين الذين صمدوا أمام عواصف الباطل برباطة جأش وقوة نفس، فوقفوا على قمة الرفعة شامخين بإيمانهم، معتزين بدينهم وشرفهم، يعيشون بأجسادهم بين الناس وقلوبهم وأرواحهم معلقة بخالقها، فهذا فتح بن شحرف يحكي عنه أحدهم فيقول: صحبت فتح بن شحرف ثلاثين سنة فلم أره يرفع رأسه إلى السماء، ثم رفع رأسه إلى السماء وفتح عينيه ونظر إلى السماء ثم قال: "قد طال شوقي إليك فعجِّل قدومي عليك".

فإذا بمصطلح الرجولة اليوم لا يرد في صحفنا، وربما مجالسنا، إلا في مقابلته مع العجز عن النكاح، فلا تراه يرد بمعانيه المتميزة القوية إلا لمامًا. إنَّ لدينا اليوم أزمة رجولة حقيقية، فبعد أن كان نقص الرجولة شيئًا كالموت أصبحت ترى النقص هو الغالب على أكثر الرجال، ففي عصر الحضارة والمدنية المعاصرة في عصر غزو الفضاء وحرب النجوم، في عصر التقنية والاتصال تحوَّل العالم إلى قرية صغيرة، فارتقى الناس في عالم المادة، وانحطوا في عالم الأخلاق والقيم، صعدوا إلى الفضاء وأقدامهم في الحضيض، تطلعوا إلى الإنجاز المادي وهمهم حول شهواتهم وأهوائهم، وورث المسلمون وأحفاد العرب الأوائل ورثوا من هؤلاء العفن والفساد، ورثوا منهم مساوئ الأخلاق، وساروا وراءهم في لهاث وسعار، فلا للمدنية والحضارة أدركوا، ولا لأخلاقهم ورجولتهم أبقوا، فاندثرت الأخلاق والشيم مع عالم المادة، وصرت بحاجة إلى أن تذكر الكثير من الرجال بسمات الرجولة، وتطالب الشباب أن يكونوا رجالاً لا صغارًا، بل حتى أن تذكر بعضهم بأن يكونوا ذكورًا لا إناثًا، فترى بعضهم يجتهد في محو معالم الرجولة حتى من وجهه، وكأنه يمحو العار عنه، فلا تفرق بينه وبين الأنثى إلا بعسر، إن اللباس وقصة الشعر وطريقة التحدّث كلّها لها تأثير على النفس، فلباس الرجولة يورث في النفس الرجولة، ولباس الميوعة يهدم النفس ويورث الضعف، ألا ترى كيف غيّر مصطفى كمال أتاتورك ذلك البائس لباس الأتراك فألبسهم القبعة الغربية؛ لا يقصد من إلباسهم إياها إلا تغيير ما تحت القبعة، إنه تغيير المبادئ والأفكار والأخلاق والقيم، تغيير الانتماء السلوكي إلى أمة اللباس وإن لم يشعر اللابس، أصبحنا نراقب بحزن عميق الكثير من أحفاد الصحابة قد نبذوا الرجولة وتنكّروا للشيم النبيلة، فما يزال الكثيرون منهم يتغرّبون بلباسهم حتى تغرّبوا بطباعهم، فلا يرى بعضهم بأسًا أن يُرى على حال سوء في خلق أو دين، وحجّة أحدهم: إنني شاب فدعني أمتّع نفسي بالشباب. وهل عامة سكان القبور إلا من الشباب؟! ثم ما هذه المتعة المقدسة؟! هل هي ممدوحة على كل حال؟! فقد أزرى الله -عز وجل- على الكفار في تمتعهم حين قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمد: 12]، أوليس في نفس الشاب توق إلى تسنّم الرجولة وتحمل المسؤوليات دون أن نهمل جانب الترويح عن النفس، فذاك حق مشروع لكل أحد.

إن الرجل بحق يشعر بذاته ويثق بنفسه ويميز بين الأخلاق الساقطة والأخلاق العلية السامقة، في حين أن ذلك العابث اللاهي يشعر بأنه ذرة مهملة لا تشعر بنفسها إن شعرت إلا عند أذية الناس بأعراضهم وأنفسهم وممتلكاتهم، ولسنا نعفي المربين من عبء إعداد الرجال، فمن الناس من يظن الشارع مدرسة للرجال فيسلم القياد لعالمه الهلامي غير المحدود، فلا عجب إن اجتمعت في الولد أنواع من الفساد، فيخرج مشوَّه القلب متآكل الوجدان، عقله خاوٍ من العلم، وجوارحه متسخة بالآثام، كما أن الدلال الزائد والحماية المتواصلة يخرجان لنا طفلاً كبيرًا يريد أن يعيش مدلّلاً حياته كلّها.

إن أمتنا -يا كرام- بحاجة ماسّة إلى الرجال الصادقين الذين هم على استعداد أن يتحمّلوا المشاق في سبيل النهوض بالأمة، كل في مجاله الذي هيأه الله له، بحاجة إلى ذلك الرجل صاحب المروءة والشهامة والنخوة، صاحب السريرة النقية والقلب الحي المتوقد، بحاجة إلى ذلك الرجل الذي يتمعر وجهه من فعل ما يشينه، نريد رجلاً يثب لمساعدة الآخرين ونفعهم وثبًا لا يريد منهم جزاءً ولا شكورًا، شيمته التواضع وعادته الكرم، ليس غبيًا مغفّلاً ولا منغلقًا أو غير واعٍ.

إن الرجولة -يا كرام- لقب لا يستحقه كل أحد، بل إن من المؤمنين من لا يستحقه، يقول تعالى: (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: 23]، وللأم دور عظيم في إعداد أصحاب هذا اللقب الكريم، فأنى لأم متهالكة على الأزياء أن تخرج لنا رجلاً يعتدّ به عند الشدائد؟! ولكن الأم التي تعدّ الرجال أمٌّ تقية واعية، كما أننا نريد لبناتنا رجلاً تقيًّا لا كبشًا غنيًّا، الحمد لله على إحسانه.

عباد الله: الرجولة ثبات على الحق، ومحافظة على العبودية لله، وصمود أمام مغريات الدنيا وشهواتها، وتعالٍ على كل ما يشغل الناس ويلهيهم عن ذكر الله تعالى وطاعته والتقرب إليه، يفهم هذا من وصفه -سبحانه وتعالى- لهذا النوع من المؤمنين بالرجولة في قوله -عز وجل-: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) [النور: 37].

الرجولة قوامة على النساء، ومن لا يملك هذه القوامة ويرضى بأن تكون المرأة قوامة عليه حاكمة له ويدعها تنحرف وتتبرج وتفعل ما تمليه عليها أهواؤها فهو لا يستحق وصف الرجولة؛ لأن الله -جل وعلا- أكد أن الذي يملك القوامة هم أصحاب الرجولة حيث قال: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ).

وبالجملة فإن الرجولة ضرورة يجب أن تتحقق في الذكور جميعهم، وأن يعد الناس عدتهم للتحلي بها، فعاقبتها جميلة، وثمرتها عاجلة وآجلة، فاملأ حياتك بالرجولة، وأعقب الذكر الحسن تبقَ وإن فنيت.

ثم صلوا وسلموا على خير البرية...

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2012, 05:27 PM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
صناعة الرجال؛ للشيخ سامي بن خالد الحمود


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


صناعة الرجال؛ للشيخ سامي بن خالد الحمود



أما بعد: في دار من دور المدينة، جلس عمر–رضي الله عنه- إلى جماعةٍ من أصحابه فقال لهم: "تمنوا"؛ فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةٌ ذهبًا أنفقه في سبيل الله, ثم قال آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله وأتصدق به, فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثلَ أبي عبيدة بنِ الجراح، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله.

رحم الله عمر الملهم، إنه لم يتمن فضة ولا ذهبًا، ولا لؤلؤًا ولا جوهرًا، ولكنه تمنى رجالاً من الطراز الممتاز، تُفتح على أيديهم كنوز الأرض، وأبواب السماء.

لقد كان عمر خبيرًا، بأن الحضارات العظيمة، والرسالات الحقة، لا تحتاج إلى المعادن المذخورة، والثروات المنشورة، ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى الرؤوس المفكِّرة التي تستغلها، والقلوب الكبيرة التي ترعاها، والعزائم القوية التي تنفِّذها، وباختصار: إنها تحتاج إلى رجال، وليس أيّ رجال.

كم من رجلٍ أعزُّ من المعدن النفيس، وأغلى من الجوهر الثمين، حتى قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "إنما الناس كإبلٍ مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة" رواه البخاري.

إن الرجل الواحد قد ينصر الله به الدين، ويقلب به الموازين، وفي القرآن الكريم في قصة موسى حين قتل القبطيَّ: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) [يـس:20], وفي سورة يس في قصة أصحاب القرية: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) [يـس:20].

الرجل الأول أنقذ الله به وبرأيه نبيَّه وكليمَه موسى، حينما أحاطه علمًا بالمؤامرة الدنيئة التي يحيكها القصر الفرعوني للقضاء عليه وعلى دعوته, وأما الثاني، فرجل مؤمن يعلن أمام الملأ نصرة المرسلين، ويدعو إلى اتباعهم، متحدياً رؤوس الضلالة، صارخًا به في وجه الجماهير.

إن رجلاً واحدًا قد يساوي شعبًا بأسره، وقد قيل: رجل ذو همةٍ يحيي أمة.

يُعد بألفٍ من رجال زمانه *** لكنه في الألمعية واحدُ

لما حاصر خالد بن الوليد –رضي الله عنه- الحِيرة طلب من أبي بكر المدد، فما أمده إلا برجل واحد هو القعقاع بن عمرو –رضي الله عنه-، وقال: "لا يهزم جيش فيه مثله" وكان يقول: "لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل".

ولما طلب عمرو بن العاص –رضي الله عنه- المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- في فتح مصر كتب إليه: "أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد".

وما أحوج الأمة اليوم إلى صناعة الرجال.

عباد الله: لما كنا أطفالا، كنا نتساءل حينها متى ننتقل إلى عالم الرجال؟ وبعد طول انتظار، بدأالمشوار، ووصلنا مرحلة البلوغ وسن التكليف، ونحن نلقي نظرة الوداع على عالم الطفولة.

ولحكمة يريدها الله –سبحانه- حدثت التحولات الجسدية والتغيرات النفسية، فاخشوشن الصوت، وازداد نمو الجسم، وتغيرت طريقة التفكير؛ إنها بداية حياة جديدة، ومسؤولية خطيرة، يصبح الإنسان عندها مخاطبًا بالتكاليف الشرعية، مطالبًا بالفرائض، مسؤولاً ومحاسبًا على أعماله، يجري عليه قلم التكليف بعد أن كان مرفوعًا عنه، وتسجل عليه مثاقيل الذر من الخطايا التي يقترفها , إن ارتكب جريمة توجب الحد؛ كالسرقة والقتل والزنا، فإنه يقام عليه الحد, وإن كان يتيمًا ثم بلغ وأحسن التصرف في المال فإنه يستحق القبض والتصرف في ماله, وتقبل شهادته في الحقوق والحدود ويبنى عليها، فلو شهد برؤية هلال رمضان عمل بشهادته وصام الناس بها.

كل هذه الأحكام تثبت بالبلوغ.

وللبلوغ علامات واضحة، فبلوغ الفتى يحصل بواحدة من ثلاث علامات:

الأولى: إنزال المني، سواء كان ذلك يقظة أم مناماً.

والثانية: إنبات شعر العانة؛ وهو الشعر الذي ينبت حول الذكر.

والثالثة: بلوغ سن الخامسة عشرة بالسنين القمرية الهجرية.

وتزيد الفتاة علامة رابعة: وهي نزول دم الحيض.

ولعل في هذا الحكم الشرعي إشارة تربوية إلى أن المعتبر في التعامل مع الأطفال معاملة الرجال هو البلوغ، وهذا هو هدي النبي –صلى الله عليه وسلم- وهو خير الناس تربية وتعليمًا، فقد كان يعامل الشباب البالغين كما يعامل سائر الرجال, كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: "عرضني رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني".

عباد الله: من هو الرجل الذي نفتش عنه، ونطلب صنعه؟.

هل هو كل رجل طَرَّ شاربه، ونبتت لحيته؟ إذن فما أكثر الرجال!.

ليست الرجولة الحقة -يا عباد الله- بالسن، فكم من شيخ في سن السبعين وقلبه في سن السبع سنين!، فهو طفل صغير، ذو لحية وشارب.

وكم من غلام في مقتبل العمر، ترى الرجولة في قوله وعمله وتفكيره وخلقه.

مر عمر –رضي الله عنه- على ثُلَّةٍ من الصبيان يلعبون فهرولوا، وبقي صبيٌّ في مكانه، هو عبد الله بن الزبير، فسأله عمر: لِمَ لَمْ تعدُ مع أصحابك؟ فقال: "يا أمير المؤمنين لم أقترف ذنبًا فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقةً فأوسعها لك".

ودخل غلام عربي على أحد الخلفاء، يتحدث باسم قومه، فقال له: "ليتقدم من هو أسن منك"، فقال: "يا أمير المؤمنين: لو كان التقدم بالسن لكان في الأمة من هو أولى منك بالخلافة".

وليست الرجولة -يا عباد الله- ببسطة الجسم، وطولِ القامة، وقوةِ البنية، فقد قال الله عن طائفة من المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ), [المنافقون:4].

وفي المقابل، كان عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- نحيفًا نحيلاً، فانكشفت ساقاه يومًا وهما دقيقتان هزيلتان، فضحك بعض الصحابة: فقال الرسول –صلى الله عليه وسلم-: "أتضحكون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد" رواه احمد وحسنه الألباني.

إن الرجولة قوة نفسية تحمل صاحبها على معالي الأمور، وتبعده عن سفسافها، يعرف واجبه نحو نفسه، ونحو ربه، ونحو بيته ودينه وأمته.

أيها الأحبة. إنّ مما يعاني منه كثير من الناس ظهور الميوعة وآثار التّرف في شخصيات أولادهم، فكيف نصنع الرجال؟ كيف نبني عوامل الرّجولة في شخصيات أولادنا؟.

لعلي أذكر بعض الوسائل مستفيداً مما ذكره الشيخ المبارك محمد المنجد في كتيب "أطفالنا ومعاني الرجولة".

1/ أخذه للمجامع العامة وإجلاسه مع الكبار:

وهذا مما يلقّح فهمه ويزيد في عقله، ويحمله على محاكاة الكبار، كما كان الصحابة يصحبون أولادهم إلى مجلس النبي –صلى الله عليه وسلم-، فعن قُرَّة بن إياس –رضي الله عنه- قَال: "كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ يَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ", رواه النسائي وصححه الألباني.

2/ تعليمه الأدب مع الكبار:

ومن جملة ذلك ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ –صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "يُسلِّمُ الصَّغِيرُ على الكبِيرِ، والمارُّ على القاعِدِ، والقليلُ على الكثِير", رواه البخاري.

3/ إعطاء الصغير قدره وقيمته في المجالس:

ومما يوضّح ذلك ما رواه البخاري عن سَهْلِ بْنِ سَعْد -رضي الله عنه- قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ –صلى الله عليه وسلم- بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارهِ فَقَالَ:"يَا غُلامُ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأشْيَاخَ؟" قَالَ: "مَا كُنْتُ لأوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّه", فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.

4/ تجنب إهانته أو احتقار أفكاره خاصة أمام الآخرين، بل يجب تشجيعه على المشاركة، ورفع قدره وإشعاره بأهميته.

5/ إلقاء السّلام عليه، كما كانت سنته صلى الله عليه وسلم، فقد روى مسلم عن أَنَسِ –رضي الله عنه- "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ".

6/ تعليمه الجرأة في مواضعها، وتدريبه على الخطابة وفن التواصل مع الآخرين.

7/ التكنية: وهي مناداة الصغير بأبي فلان أو الصغيرة بأمّ فلان، وهو ينمّي الإحساس بالمسئولية، ويُشعر الطّفل بقيمته وأهميته، وقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يكنّي الصّغار؛ كما روى البخاري عَنْ أَنَسٍ –رضي الله عنه- قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ، قَالَ: أَحسبُهُ فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟", -ائر صغير كان يلعب به-.

وروى البخاري عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ قالت: "أُتِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَة -ثوب من حرير- فَقَالَ: "مَنْ تَرَوْنَ أَنْ نَكْسُوَ هَذِهِ؟" فَسَكَتَ الْقَوْمُ، قَالَ: "ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ", فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ -أي أنها طفلة صغيرة- فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ فَأَلْبَسَهَا وَقَالَ: "أَبْلِي وَأَخْلِقِي، يَا أُمَّ خَالِدٍ، هَذَا سَنَاه", -يعني حسن بِالْحَبَشِيَّةِ-.

8/ تربية الطفل على العزَّة والشجاعة، وتحديثه عن أمجاد المسلمين، ومواطن عزتهم وانتصاراتهم.

جاء في البخاري أن الزبير بن العوام –رضي الله عنه- خرج بابنه عَبْد اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ وَوَكَّلَ بِهِ رَجُلاً.

9/ تعليمه الرياضات الرجولية, كالرماية والسباحة وركوب الخيل، وقد جاء عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنْ عَلِّمُوا غِلْمَانَكُمْ الْعَوْمَ.

10/ تجنيب الطفل أسباب الفساد والميوعة, مثل مجالس اللهو والباطل والغناء والموسيقى، ورقص النساء وتمايلهن، والميوعة في اللباس وقصّات الشّعر والحركات والمشي، فإنها منافية للرّجولة ومناقضة للجِد.

11/ منعه من الكسل والبطالة، والتقليل أحيانًا من حياة التّرف، وقد قال عمر: "اخشوشنوا فإنّ النِّعَم لا تدوم".

12/ استشارته وأخذ رأيه، وتوليته بعض المسئوليات التي تناسب سنّه وقدراته.

13/ استكتامه الأسرار، كما روى مسلم عن أنس –رضي الله عنه- قَال: "أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ قَالَ: "فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: "مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّه –صلى الله عليه وسلم- لِحَاجَةٍ", قَالَتْ: "مَا حَاجَتُهُ؟" قُلْتُ: "إِنَّهَا سِرٌّ", قَالَتْ: "لا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّه –صلى الله عليه وسلم- أَحَدًا".

نسأل الله لنا ولكم صلاح النية والذرية، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين.


الخطبة الثانية

ونحن نتحدث عن الرجولة، أوجه رسالة إلى شبابنا وأبنائنا، إلى كل ابن كريم، بلغ سن التكليف أو قارب البلوغ: يا بني، لقد أصبحت الآن رجلاً مسؤولاً عن نفسك، فعليك أولاً بتقوى الله.

إن من كمال رجولتك، أن تكون مستقيمًا صادقًا مع ربك، فقد قال الله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً), [الأحزاب:23].

إن من كمال رجولتك، أن تحافظ على صلاتك جماعة في المسجد، فقد قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ...) [النور:36-37].

إن من كمال رجولتك يا بني، أن تبر بوالديك، وأن تحسن اختيار أصدقائك، وأن تهتم بنفسك وتبني شخصيتك، وتعلي همتك, إياك أن تعيش آمال الأطفال، أو تفكر تفكيرهم، بل اجعل همتك عالية، وإلى معالي الأمور ساعية، وتذكر يا بني أن المرء حيث يضع نفسه (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس:9-10), فاختر لنفسك اليوم ما يسرك أن تراه غدًا في حياتك وبعد مماتك.

ورسالتي لكل الآباء والمربين، أنها لن تنبت الرجولة، ولن يتربى الرجال، إلا في ظلال عقيدة راسخة، وفضيلة ثابتة، كما ظهرت في أحلى صورها وأكمل معانيها في تلك النماذج الكريمة التي صنعها محمد –صلى الله عليه وسلم-، وأصحابه وأولو الصلاح من بعدهم، الذين ربوا الرجال، وصنعوا الأبطال.

وصنـاعة الأبطال علمٌ *** قد دراه أولو الصـلاح
لا يصنـع الأبطال إلا *** في مساجدنا الفسـاح
في روضة القـرآن في *** ظل الأحاديث الصحاح
من خان حيّ على الصلاة *** يخون حيّ على الكفاح

أين هذا من زمن تجاوز فيه المسلمون المليار، ينتسبون إليه، ويحسبون عليه.

يثقلون الأرض من كثرتهم *** ثم لا يغنون في أمر جلل

هم كما قال صلى الله عليه وسلم: "غثاء كغثاء السيل", حتى قال بعضهم عن الإسلام: "يا له من دين لو كان له رجال".

ومع هذا، فلا يزال في الأمة بقية خير، بل إننا رأينا ورأى العالم أطفالاً في أجسامهم، لكنهم رجالٌ في أفعالهم، أبطالٌ في مواقفهم، إنهم أطفالُ بل أبطالُ فلسطين الحبيبة، قتل آباؤهم وهم ينظرون، وهدِّمت منازلهم وهم يشهدون، ومع هذا، وقفوا بأحجارهم وعصيهم ضد دبابات وصواريخ اليهود الغاصبين، في رجولة ترفض الاستسلام والطغيان، وتأبى الذل والامتهان.

إن أمل الأمة بعد الله –تعالى-، في هؤلاء الرجال من الناس، وليس في عباس ولا دباس.

إن دماء الشهداء، ودموع الأبرياء، لن تثمر بإذن الله إلا نفوسًا أبية، لا ترضى في دينها الدنية, وستسقط بإذن الله كل الدعاوى الهابطة، وستنكسر كل الأقلام الساقطة، التي تزين السلام غير العادل بزينة كالحة، وستظل القدس في قلوب المسلمين، وفوق كل مصالح المرتزقين، (فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً), [الإسراء: 51].
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-10-2012, 11:11 PM   #8 (permalink)
روانة
مشرف متميز سابقاً
غريبة من دون الناس
 
الصورة الرمزية روانة
بحر جزاك الله كل خير

بارك الله فيك وفي طرحك

لا عدمتك ولا جديدك

ودي لك ولشخصك
روانة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2012, 02:58 AM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
روانــــــــــــــة

شكــــــــــراً على حضورك الرائع، وربي يعطيك العافيـــــــــــــــــة،،
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-24-2012, 02:32 PM   #10 (permalink)
حمزة31
أمير الرومانسية
حمزة31 غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صور للذئاب والثعالب - عالية الدقة الجواد الايطالي عالم الحيوان والطيور 1 10-22-2010 11:04 PM
حمامات عالية الدقة وبتصميم خشبي ♥(。ṀṜ.ĄβỡỠỡĐЎ。)♥ ديكورات 2017 4 02-26-2010 02:37 AM
معنى الرجولة .. الرجولة الحقيقة دموع الملائكة منتدى الرجل العصري 2 11-12-2009 03:48 AM
رحــلتي إلى دبي في عيد الفطر المبارك ( صور عالية الدقة ) جذآآآب القلوووب سياحة اسيا و فنادق اسيا و عروض سفر اسيا 4 12-10-2007 10:19 PM
الرجولة الحقة غاردينا المنتدى العام - نقاشات و حوارات جادة هادفة 5 12-27-2004 09:54 PM

الساعة الآن 08:25 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103