تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

][خطب مختارة في الباطنيــــــة][

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-09-2012, 04:48 PM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

][خطب مختارة في الباطنيــــــة][





السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


][خطب مختارة في الباطنيــــــة][


يطفو على سطح الأحداث من جديد الحديث عن الفرق الباطنية التي اتخذت بلاد الشام -غالبًا- مسكنًا ومنطلقًا رئيسًا لخلخلة نظام الأمة الإسلامية وتخدير أفرادها وتكريس العمالة للنظام الصهيوصليبي العالمي، وذلك في ظل الأحداث الجسام التي يتعرض لها المسلمون في سوريا المروّج الأول للحركة النصيرية الباطنية في بلاد الإسلام، والتي لم يتورع نظامها عن سفك دماء أبرياء خرجوا للمطالبة بحقوقهم التي سلبهم إياها النظام الباطني السوري.

لقد عانت بلاد الإسلام -ولا تزال- من وطأة ونفاق الباطنيين أزمنة كثيرة، كانوا خلالها يلبسون عمامة الإسلام ويتكئون على عصاه في ظاهر حالهم، في حين ينخرون في جسده ويمزعون أوصاله ويفتتون وحدته، تنفيذًا لمخططات صهيونية عالمية تسعى حثيثًا لتدب الفُرقة بين المسلمين؛ لإضعافهم والسيطرة على مقدَّراتهم، وذلك بتأسيس فرق تدعي الإسلام ظاهرًا ولكنها تبشر بدين جديد يهدم دعائم الإسلام ويتلاعب بثوابته وأصوله.


إن الخلفية التاريخية للنظام النصيري الباطني السوري ترسم صورة باهتة لحالة من العداء للإسلام متأصلة في المذهب الباطني منذ أيام تأسيسه الأولى، تلك الحالة التي قد يفوق خطرها خطر الكفر البيِّن الصراح؛ وذلك لما تنطوي عليه من غموض الحال وخداع لمن لا يحسنون قراءة الأحداث بشكل متعمق، فالمذاهب الباطنية بشكل عام أكبر معول هدم للإسلام وشعائره رغم أن معتنقيها يشار إليهم بأنهم مسلمون محبون لآل البيت!!


والعلاقة بين مؤسسي هذه الطوائف جميعًا وبين اليهود أرسخ قدمًا من علاقتهم بالإسلام والمسلمين أنفسهم، فأول من مهَّد لمثل هذه الجماعات والطوائف الخارجة عن الإسلام جملة وتفصيلاً كان عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أدخل في الإسلام ما ليس منه، ودعا الناس لعصبيات ما أنزل الله بها من سلطان، فكانت حجر عثرة كبيرًا أمام تقدم المسلمين، وفتحت أبوابًا من الفتن لا نزال نكتوي بنارها حتى اللحظة، التي بات فيها معتنقو مثل تلك المذاهب رؤساء دول وواضعين لمخططات استعمارية وتخريبية لا سيما في منطقة الخليج وما حولها.


والمتأمل في أنظمة هذه الدول الباطنية الخبيثة كإيران وحلفائها في سوريا ولبنان وبعض البؤر الخبيثة والخلايا النائمة في الخليج يجد تعاونًا ملحوظًا بين قادتهم وبين اليهود، فعلى الرغم من العداء الظاهر الذي يتعمد قادة هذه البلاد إظهاره لليهود والصهيونية العالمية والذي لا يتجاوز كونه مجرد جعجعة فارغة، إلا أن بينهم تعاونًا موسعًا عبر البوابات الخلفية، يتمثل في نوع من الدعم المعلوماتي والمخابراتي للكيان الصهيوني، والمهادنة الحربية، والعلاقات الاقتصادية استيرادًا وتصديرًا، بل وقد تصل أحيانًا إلى تأمين حدود الدولة الصهيونية المحتلة وكبح جماح المجاهدين الصادقين وتخذيلهم عن تنفيذ عملياتهم أو اتخاذ مواقف حقيقية على الأرض.


إن أغلب الحركات الباطنية الموجودة حاليًا خرجت من عباءة الحركة الرافضية التي تتخذ من الدولة الإيرانية مركزًا لها، تبث منها أفكارها، وتصدِّر منها ثورتها الخمينية الشيعية، ومن يتأمل الأصول العقدية لتلك الحركات، كالإسماعيلية والقرامطة والدروز والنصيرية والصوفية الغلاة والبهائية، يجد توافقًا كبيرًا فيما بينها، إضافة إلى أن سبب النشأة يكاد يكون واحدًا وهو القضاء على الإسلام والاستيلاء على أراضي المسلمين وبلادهم، وعمل غطاء شرعي لعمليات الاستعمار الغربية في الأراضي الإسلامية.


وانطلاقًا من هذه الأخطار الباطنية المحدقة ببلاد الإسلام، والتي ينخدع بها -مع الأسف- كثير من البسطاء الذين تغرهم المظاهر ولا يبحثون في خلفيات الأحداث، انطلاقًا من هذا اخترنا لكم في ملتقى الخطباء مجموعة من الخطب المختارة التي نتحدث فيها عن العقائد الباطنية الباطلة التي تصطدم اصطدامًا بينًا مع الإسلام روحًا ومنهجًا، مشيرين كذلك إلى مدى تعاون معتنقي هذه المبادئ والمذاهب الهدامة مع الاحتلال الصهيوني تخطيطًا وتنفيذًا، ومخططاتهم للإساءة للإسلام وأعلامه وفقهائه وعلمائه، ومساعيهم الدؤوبة لاحتلال بلاد الإسلام وتخليصها مما يسمونه "احتلال الوهابية" له، سائلين الله تعالى أن يرد كيدهم في نحورهم، وأن يجعل تدبيرهم تدميرًا لهم..




الخطبة الأولى: فضل بلاد الشام وكفر النصيرية الطغام؛ للشيخ إبراهيم البصري


الخطبة الثانية: تاريخ الدولة الباطنية؛ للشيخ ناصر بن محمد الأحمد


الخطبة الثالثة: حقيقة الدولة العبيدية؛ للشيخ محمد صالح المنجد


الخطبة الرابعة: كيف تمكن النصيريون من حكم سوريا؛ للشيخ إبراهم الحقيل


الخطبة الخامسة: الرافضة الباطنيين والشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ للشيخ محمد الشعراني






بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2012, 04:52 PM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فضل بلاد الشام وكفر النصيرية الطغام؛ للشيخ إبراهيم البصري


فضل بلاد الشام وكفر النصيرية الطغام؛ للشيخ إبراهيم البصري


أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَاتَّقُوا اللهَ
(وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ) [البقرة: 194].

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: الأُمَّةُ الإِسلامِيَّةُ اليَومَ جَسَدٌ مُثخَنٌ بِالجِرَاحِ، تَوَالَت عَلَيهِ الطَّعَنَاتُ مِنَ الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ، وَتَتَابَعَت عَلَيهِ النَّكََبَاتُ مِن قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ، وَبَينَمَا يَشتَكِي بَعضُ أَجزَائِهِ عَدَاوَةَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالمُلحِدِينَ، تَتَحَمَّلُ أَجزَاءٌ أُخرَى مَا تَتَحَمَّلُ مِن غَدرِ البَّاطِنِيَّةِ والمُنَافِقِينَ.


وَإِنَّ لِبِلادِ الشَّامِ مِن ذَلِكَ نَصِيبًا كَبِيرًا؛ إِذْ مَا زَالَت تَشكُو إِلى اللهِ يَهُودًا في فِلِسطِينَ يُدَنِّسُونَ مَسرَى رَسُولِهِ، وَرَافِضَةً وَنُصَيرِيَّةً وَدُرُوزًا في سُورِيَّةَ وَلُبنَانَ يُحَارِبُونَ أَولِيَاءَهُ، وَآخَرِينَ مِن دُونِهِم يَتَرَبَّصُونَ بِالمُسلِمِينَ الدَّوَائِرَ وَيَبغُونَهُمُ الفِتنَةَ لا يَعلَمُهُم إِلاَّ اللهُ، وَبَينَ هَذَا وَفي ثَنَايَاهُ ممَّا يَزِيدُ الأَمرَ سُوءًا تَنَازُلُ بَعضِ الشَّامِيِّينَ عَن مَبَادِئِهِم، وَغَفلَتُهُم عَن مَصدَرِ عِزِّهِم، وَاشتِغَالُهُم بِالشَّهَوَاتِ عَلَى اختِلافِ أَنوَاعِهَا، في أُمُورٍ قَد تَقذِفُ بِاليَأسِ في قُلُوبِ بَعضِ المُؤمِنِينَ، فَيَظُنُّونَ أَنَّ دَولَةَ البَاطِلِ في تِلكَ البِلادِ سَتَظَلُّ أَمَدًا طَوَيلاً، في حِينِ أَنَّ العَكسَ مِن ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ بِإِذنِ اللهِ؛ إِذْ صَحَّتِ الأَحَادِيثُ وَالآثَارُ في فَضلِ الشَّامِ وَأَهلِهِ، بما يَدفَعُ المُؤمِنِينَ لِلتَّفَاؤُلِ وَيَزِيدُهُم ثِقَةً بِنَصرِ اللهِ، فَالشَّامُ أَرضٌ مُبَارَكَةٌ، وَفِيهَا أَجزَاءٌ مُقَدَّسَةٌ، وَصَفَهَا بِذَلِكَ اللهُ الَّذِي يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ، وَدَعَا لَهَا بِالبَرَكَةِ مُحَمَّدٌ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-، وَأَخبَرَ أَنَّ فِيهَا صَفوَةَ بِلادِ اللهِ وَمُهَاجَرَ خِيرَةِ عِبَادِهِ، قَالَ سُبحَانَهُ عَلَى لِسَانِ مُوسَى -عَلَيهِ السَّلامُ-:
(يَا قَومِ ادخُلُوا الأَرضَ المُقَدَّسَةَ الَّتي كَتَبَ اللهُ لَكُم) [المائدة: 21].

وَقَالَ تَعَالى عن إِبرَاهِيمَ وَلُوطٍ -عَلَيهِمَا السَّلامُ-:
(وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا إِلى الأَرضِ الَّتي بَارَكنَا فِيهَا لِلعَالمِينَ) [الأنبياء: 71].

وَقَالَ سُبحَانَهُ:
(وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجرِي بِأَمرِهِ إِلى الأَرضِ الَّتي بَارَكنَا فِيهَا) [الأنبياء: 81].

وَقَالَ تَعَالى:
(سُبحَانَ الَّذِي أَسرَى بِعَبدِهِ لَيلاً مِنَ المَسجِدِ الحَرَامِ إِلى المَسجِدِ الأَقصَى الَّذِي بَارَكنَا حَولَهُ) [الإسراء: 1].

وَرَوَى البُخَارِيُّ عَنهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ:
"اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَامِنَا".

وَعَن وَاثِلَةَ بنِ الأَسقَعِ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
"عَلَيكُم بِالشَّامِ؛ فَإِنَّهَا صَفوَةُ بِلادِ اللهِ، يُسكِنُهَا خِيرَتَهُ مِن خَلقِهِ". رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَفي الشَّامِ خَيرُ جُندِ اللهِ، صَحَّ بِذَلِكَ الخَبَرُ عَن عَبدِ اللهِ بنِ حَوَالَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-:
"سَتُجَنَّدُونَ أَجنَادًا، جُندًا بِالشَّامِ وَجُندًا بِالعِرَاقِ وَجُندًا بِاليَمَنِ"، قَالَ عَبدُ اللهِ: فَقُمتُ فَقُلتُ: خِرْ لي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "عَلَيكُم بِالشَّامِ، فَمَن أَبى فَلْيَلْحَقْ بِيَمَنِهِ وَليَسْقِ مِن غُدُرِهِ، فَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَد تَكَفَّلَ لي بِالشَّامِ وَأَهلِهِ". رَوَاهُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيرُهُمَا، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَفي الشَّامِ العِلمُ وَالإِيمَانُ، فَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-:
"إِنِّي رَأَيتُ كَأَنَّ عَمُودَ الكِتَابِ انتُزِعَ مِن تَحتِ وِسَادَتي، فَأَتبَعتُهُ بَصَرِي فَإِذَا هُوَ نُورٌ سَاطِعٌ عُمِدَ بِهِ إِلى الشَّامِ، أَلا وَإِنَّ الإِيمَانَ إِذَا وَقَعَتِ الفِتَنُ بِالشَّامِ". أَخرَجَهُ الطَّبَرَانيُّ وَالحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَقَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-:
"وَعُقرُ دَارِ المُؤمِنِينَ الشَّامُ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَالشَّامُ أَرضُ غَنِيمَةٍ وَرِزقٍ، فَعَن أَبي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
"إِنَّ اللهَ استَقبَلَ بِيَ الشَّامَ وَوَلىَّ ظَهرِيَ اليَمَنَ، وَقَالَ لي: يَا مُحَمَّدُ: إِنِّي جَعَلتُ لَكَ مَا تُجَاهَكَ غَنِيمَةً وَرِزقًا، وَمَا خَلفَ ظَهرِكَ مَدَدًا". رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَفي الشَّامِ تَكُونُ قَاعِدَةُ المُسلِمِينَ في زَمَنِ المَلاحِمِ، وَفِيهَا يَكُونُ نُزُولُ عِيسَى -عَلَيهِ السَّلامُ- في آخِرِ الزَّمَانِ وَمَهلِكُ الدَّجَّالِ، الَّذِي مَا وُجِدَت وَلَن تُوجَدَ عَلَى الأَرضِ فِتنَةٌ هِيَ أَشَدُّ مِنَ فِتنَتِهِ، فَعَن أَبي الدَّردَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
"فسطَاطُ المُسلِمِينَ يَومَ المَلحَمَةِ بِالغُوطَةِ، إِلى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشق، مِن خَيرِ مَدَائِنِ الشَّامِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحمَدُ وَالحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-:
"يَنزِلُ عِيسَى ابنُ مَريَمَ -عَلَيهِ السَّلامُ- عِندَ المَنَارَةِ البَيضَاءِ شَرقِيَّ دِمَشقَ". رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ.

وَقَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-:
"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنزِلَ الرُّومُ بِالأَعمَاقِ أَو بِدَابِقَ، فَيَخرُجُ إِلَيهِم جَيشٌ مِنَ المَدِينَةِ مِن خِيَارِ أَهلِ الأَرضِ يَومَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَينَنَا وَبَينَ الَّذِينَ سَبَوا مِنَّا نُقَاتِلْهُم، فَيَقُولُ المُسلِمُونَ: لا وَاللهِ، لا نُخَلِّي بَينَكُم وَبَينَ إِخوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُم، فَيَنهَزِمُ ثُلُثٌ لا يَتُوبُ اللهُ عَلَيهِم أَبَدًا، وَيُقتَلُ ثُلُثٌ هُم أَفضَلُ الشُّهَدَاءِ عِندَ اللهِ، وَيَفتَتِحُ الثُّلُثُ، لا يُفتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفتَتِحُونَ قُسطَنطِينِيَّةَ، فَبَينَمَا هُم يَقتَسِمُونَ الغَنَائِمَ قَد عَلَّقُوا سُيُوفَهُم بِالزَّيتُونِ، إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيطَانُ: إِنَّ المَسِيحَ قَد خَلَفَكُم في أَهلِيكُم، فَيَخرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاؤُوا الشَّامَ خَرَجَ، فَبَينَمَا هُم يُعِدُّونَ لِلقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَيَنزِلُ عِيسَى ابنُ مَريَمَ فَأَمَّهُم، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ المِلحُ في المَاءِ، فَلَو تَرَكَهُ لانذَابَ حَتَّى يَهلِكَ، وَلَكِنْ يَقتُلُهُ اللهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِم دَمَهُ في حَربَتِهِ". رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-:
"يَأتي المَسِيحُ مِن قِبَلِ المَشرِقِ هِمَّتُهُ المَدِينَةُ، حَتَّى يَنزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَصرِفُ المَلاَئِكَةُ وَجهَهُ قِبَلَ الشَّامِ، وَهُنَالِكَ يَهلِكُ". رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَالشَّامُ -كَمَا لا يَجهَلُ أَيُّ مُسلِمٍ- هِيَ أَرضُ المَحشَرِ وَالمَنشَرِ، فَعَن أَبي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-:
"الشَّامُ أَرضُ المَحشَرِ وَالمَنشَرِ". رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّهُ وَإِنْ تَكُنِ الشَّامُ في أَعقَابِ الزَّمَنِ وَمُتَأَخِّرِ السَّنَوَاتِ قَد نَالَهَا مِنَ الفَسَادِ مَا نَالَ غَيرَهَا، إِلاَّ أَنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَد مَدَحَهَا بِخَيرِ مَا يُمدَحُ بِهِ حَيثُ قَالَ:
"طُوبى لِلشَّامِ"، قِيلَ: وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: "إِنَّ مَلائِكَةَ الرَّحمَنِ بَاسِطَةٌ أَجنِحَتَهَا عَلَيهَا". رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

وَقَد يَسأَلُ سَائِلٌ فَيَقُولُ: إِذَا كَانَت كُلُّ هَذِهِ الفَضَائِلِ لِلشَّامِ، فَأَينَ كَانَتِ الشَّامُ طِيلَةَ العُقُودِ المَاضِيَةِ؟! وَلِمَاذَا نَامَ أَهلُهَا؟! وَكَيفَ لم يَنصُرُوا قَضَايَاهُم وَيَطرُدُوا العَدُوَّ مِن دِيَارِهِم؟!


وَالجَوَابُ أَنَّ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وَنَطَقَ بِهِ حَقَّ لا شَكَّ فِيهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِن فَضَائِلِ الشَّامِ وَأَهلِهَا صِدقٌ لا مِريَةَ فِيهِ، نُؤمِنُ بِهِ تَمَامَ الإِيمَانِ، كَمَا نُؤمِنُ أَنَّ مِن سُنَنِ الحَقِّ الَّتي تُفَسِّرُ وَاقِعَ أَهلِ الشَّامِ وَغَيرِهِم مِنَ المُسلِمِينَ مِمَّن ضَعُفُوا اليَومَ وَاستَكَانُوا، مَا جَاءَ في كِتَابِ اللهِ -جَلَّ وَعَلا- حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ:
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لم يَكُ مُغَيِّرًا نِعمَةً أَنعَمَهَا عَلَى قَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: 53].

وَقَالَ تَعَالى:
(أَوَلَمَّا أَصَابَتكُم مُصِيبَةٌ قَد أَصَبتُم مِثلَيهَا قُلتُم أَنىَّ هَذَا قُل هُوَ مِن عِندِ أَنفُسِكُم إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 165].

نَعَم -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- لَمَّا عَدَلَتِ الشَّامُ عَن عَقِيدَةِ الإِسلامِ الصَّافِيَةِ، وَاختَارَتِ الشِّعَارَاتِ الجَاهِلِيَّةَ الكُفرِيَّةَ بَعثِيَّةً وَاشتِرَاكِيَّةً، وَجَعَلَت مَكَانَ الهُوِيَّةِ الإِسلامِيَّةِ قَومِيَّاتٍ مُتَعَصِّبَةً وَحِزبِيَّاتٍ ضَيِّقَةً، واستَبدَلَت بِرَايَةِ الجِهَادِ المُقَاومَاتِ الوَطَنِيَّةَ، وَاشتَغَلَ أَهلُهَا بِالدُّنيَا وَانهَمَكُوا في الشَّهَوَاتِ كَغَيرِهِم، إِذْ ذَاكَ ضَعُفَت كَمَا ضَعُفَ غَيرُهَا، وَكَانَ الجَزَاءُ أَنْ سَلَبَ اللهُ تَعَالى ذَلِكَ الجِيلَ الخَيرِيَّةَ، وَسَلَّطَ عَلَيهِ شَرَّ البَرِيَّةِ، مِن يَهُودٍ وَنَصَارَى وَرَافِضَةٍ وَنُصَيرِيَّةٍ، فَذَاقُوا بَعدَ العِزَّةِ ذُلاًّ وَمَهَانَةً، مِصدَاقًا لِقَولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-:
"إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرهَمِ، وَتَبَايَعُوا بِالعِينَةِ، وَتَبِعُوا أَذنَابَ البَقَرِ، وَتَرَكُوا الجِهَادَ في سَبِيلِ اللهِ، أَدخَلَ اللهُ تَعَالى عَلَيهِم ذُلاًّ لا يَرفَعُهُ عَنهُم حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُم". رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

ثُمَّ إِنَّ مَا جَاءَ مِن فَضَائِلَ لِلشَّامِ وَأَهلِهَا لَيسَت قَطعًا لِلقَومِيِّينَ وَلا لِلبَعثِيِّينَ وَلا الاشتِرَاكِيِّينَ، وَلا لِلبَاطِنِيَّةِ النُصَيرِيَّةِ وَلا لِلرَّافِضَةِ وَالدُّرُوزِ، بَل هِيَ لأَولِيَاءِ اللهِ الصَّالِحِينَ وَأَهلِ الإِيمَانِ الخَالِصِ، مِنَ المُقِيمِي الصَّلاةِ المُؤتِينَ الزَّكَاةَ، المُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ، المُنَاصِرِينَ لِلحَقِّ القَائِمِينَ بِهِ، الذَّابِّينَ عَن حِيَاضِ الدِّينِ، الَّذِينَ لا يَبتَغُونَ العِزَّةَ مِن عِندِ غَيرِ اللهِ وَلا يَرضَونَ رَبًّا سِوَاهُ، وَمَا أَكثَرَهُم في الشَّامِ الآنَ، يَعلَمُ بِذَلِكَ مَن زَارَهَا وَاطَّلَعَ عَلَى حَالِ أَهلِهَا!


وَإِنَّ أَرضًا عَاشَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ، وَثُغُورًا رَابَطَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الأَبطَالِ وَالمُجَاهِدِينَ، وَمُدُنًا أَخرَجَت أَفذَاذًا من العُلَمَاءِ وَالمُصلِحِينَ، كَابنِ تَيمِيَّةَ وَابنِ القَيِّمِ وَابنِ كَثِيرٍ، وَبِلادًا عَاشَ فِيهَا كِبَارٌ كَالأَوزَاعِيِّ وَابنِ قُدَامَةَ والذَّهَبيِّ، وَاحتَوَت مَا لا يُحصَى مِن أَربِطَةِ العُلَمَاءِ وَأَوقَافِ المُحسِنِينَ، وَازدَهَرَت بها مَكتَبَاتُ العِلمِ وَحُفِظَت فِيهَا المَخطُوطَاتُ، إِنَّهَا لَن تَعجَزَ أَن تَلِدَ رِجَالاً يُعِيدُونَ لها سَابِقَ مَجدِهَا وَغَابِرَ عِزِّهَا، والأَحَادِيثُ تُبَشِّرُ بِزَوَالِ البَاطِلِ وَظُهُورِ الحَقِّ، وَالأَيَّامُ دُوَلٌ
(وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُم في الأَرضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) [الحج: 40، 41].





الخطبة الثانية:





أَمَّا بَعدُ:


فَأُوصِيكُم -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ.


أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد تَاهَ أَهلُ الشَّامِ في أَرضِهِم أَربَعَةَ عُقُودٍ بَينَ القَومِيَّةِ وَالبَعثِيَّةِ وَالوَطَنِيَّةِ وَالاشتِرَاكِيَّةِ، تَجلِدُ ظُهُورَهُم سِيَاطُ النُصَيرِيَّةِ البَاطِنِيَّةِ، تِلكَ الشِّرذِمَةُ القَلِيلَةُ مِن أَهلِ الكُفرِ وَالضَّلالِ، الَّذِينَ رَكِبُوا ظُهُورَ أَهلِ الشَّامِ في وَقتِ غَفلَةٍ، وَمَا زَالُوا إِلى اليَومِ يَسُومُونَ أَهلَ السُّنَّةِ العَذَابَ، يُقَتِّلُونَ رِجَالَهُم وَيَزُجُّونَ بهم في السُّجُونِ، وَيَعِيثُونَ فَسَادًا في أَرضِهِم وَيَستَضعِفُونَ نِساءَهُم.


وَلِسَائِلٍ أَن يَتَسَاءَلَ: وَمَنِ النُّصَيرِيَّةُ؟! وَمَا مُعتَقَدُهُم؟! فَيُقَالُ: إِنَّهَا فِرقَةٍ بَاطِنِيَّةٌ خَبِيثَةٌ، ظَهَرَت في القَرنِ الثَّالِثِ عَلى يَدِ رَجُلٍ يُدعَى مُحَمَّدَ بنَ نُصَيرٍ البَصرِيِّ النُّمَيرِيِّ، ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَأَلَّهَ عَلَيَّ بنَ أَبي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- وَغلا في الأَئِمَّةِ فَنَسَبَهُم إِلى مَقَامِ الأُلُوهِيَّةِ.


وَالنُصَيرِيَّةُ -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- يَقُولُونَ بِأَنَّ ظُهُورَ عَلَيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- الرُّوحَانيَّ بِالجَسَدِ الجِسمَانيِّ الفَاني، كَظُهُورِ جِبرِيلَ في صُورَةِ بَعضِ الأَشخَاصِ، وَأَنَّ ظُهُورَهُ في صُورَةِ النَّاسُوتِ لم يَكُنْ إِلاَّ إِينَاسًا لِخَلقِهِ وَعَبِيدِهِ، وَلِذَلِكَ فَهُم يُحِبُّونَ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ مُلجِمٍ قَاتِلَ الإِمَامِ عَلَيٍّ وَيَتَرَضَّونَ عَنهُ لِزَعمِهِم أَنَّهُ خَلَّصَ اللاَّهُوتَ مِنَ النَّاسُوتِ، وَيَعتَقِدُ بَعضُهُم أَنَّ عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- يَسكُنُ السَّحَابَ بَعدَ تَخَلُّصِهِ مِنَ الجَسَدِ الَّذِي كَانَ يُقَيِّدُهُ، وَإِذَا مَرَّ بِهِمُ السَّحَابُ قَالُوا: السَّلامُ عَلَيكَ يَا أَبَا الحَسَنِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الرَّعدَ صَوتُهُ، وَالبَرقَ سَوطُهُ، وَيَعتَقِدُونَ أَنَّ عَلِيًّا خَلَقَ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَأَنَّ مُحَمَّدًا خَلَقَ سَلمَانَ الفَارِسِيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-، وَأَنَّ سَلمَانَ قَد خَلَقَ الأَيتَامَ الخَمسَةَ الَّذِينَ هُم: المِقدَادُ بنُ الأَسوَدِ -وَيَعُدُّونَه رَبَّ النَّاسِ وَخَالِقَهُم وَالمُوَكَّلَ بِالرُّعُودِ-، وَأَبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ -وَهُوَ المُوَكَّلُ عِندَهُم بِدَوَرَانِ الكَواكِبِ وَالنُّجُومِ-، وَعَبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ -وَهُوَ المُوَكَّلُ في زَعمِهِم بِالرِّيَاحِ وَقَبضِ أَروَاحِ البَشَرِ-، وَعُثمَانُ بنُ مَظعُونٍ -وَهُوَ المُوَكَّلُ في خُزَعبِلاتِهِم بِالمَعِدَةِ وَحَرَارَةِ الجَسَدِ وَأَمرَاضِ الإِنسَانِ-، وَقَنبَرُ بنُ كَادَانَ، وَهُوَ المُوَكَّلُ في كَذِبِهِم بِنَفخِ الأَروَاحِ في الأَجسَامِ.


وَالنُّصَيرِيَّةُ يُبغِضُونَ الصَّحَابَةَ بُغضًا شَدِيدًا، وَيَلعَنُونَ أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِينَ-، وَيُحَرِّمُونَ زِيَارَةَ قَبرِ النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- لأَنَّ في جِوَارِهِ أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا-، وَيَزعُمُونَ أَنَّ لِلعَقِيدَةِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَأَنَّهُم وَحدَهُم العَالِمُونَ بِبَوَاطِنِ الأَسرَارِ، وَلَهُم أَعيَادٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى مُجمَلِ عَقِيدَتِهِم، الَّتي هِيَ خَلِيطٌ مِن عَقَائِدِ الفُرسِ المَجُوسِ وَالنَّصَارَى وَالوَثَنِيَّةِ القَدِيمَةِ، وَقَد تَأَثَّرُوا بِالأَفلاطُونِيَّةِ الحَدِيثَةِ وَنَقَلُوا عَنِ الهِندُوسِيَّةِ البُوذِيَّةِ فِكرَةَ التَّنَاسُخِ وَالحُلُولِ.


وَلِهَؤُلاءِ الفَجَرَةِ لَيلَةٌ يَختَلِطُ فِيهَا الحَابِلُ بِالنَّابِلِ، وَهُم يُعَظِّمُونَ الخَمرَ وَيَحتَسُونَهَا، وَلا يَتَمَسَّكُونَ بِطَهَارَةٍ وَلا يَتَرَفَّعُونَ عَن جَنَابَةٍ، وَيُصَلُّونَ صَلاةً تَختَلِفُ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَلا تَشتَمِلُ عَلَى سُجُودٍ وَإِنْ كَانَ فِيهَا نَوعٌ مِن رُكُوعٍ أَحيَانًا، وَلا يُصَلُّونَ الجُمُعَةَ وَلَيسَ لَهُم مَسَاجِدُ عَامَّةٌ، بَل يُصَلُّونَ في بُيُوتِهِم صَلاةً مَصحُوبَةً بِتِلاوَةِ الخُرَافَاتِ، وَلا يَعتَرِفُونَ بِالزَّكَاةِ الشَّرعِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَدفَعُونَ ضَرِيبَةً إِلى مَشَايِخِهِم زَاعِمِينَ بِأَنَّ مِقدَارَهَا خُمسُ مَا يَملِكُونَ، وَالصِّيَامُ لَدَيهِم هُوَ الامتِنَاعُ عَن مُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ طِيلَةَ شَهرِ رَمَضَانَ، وَلا يَعتَرِفُونَ بِالحَجِّ، بَلْ يَعُدُّونَهُ كُفرًا وَعِبَادَةَ أَصنَامٍ.


وَقَد سُئِلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ عَنِ ‏الدُّرزِيَّةِ وَالنُّصَيرِيَّةِ‏: مَا حُكمُهُم‏؟! ‏فَأَجَابَ‏ -رَحِمَهُ اللهُ-:‏
"هَؤُلاءِ ‏‏الدُّرزِيَّةُ‏ وَ‏النُصَيرِيَّةُ‏ كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ المُسلِمِينَ، لا يَحِلُّ أَكلُ ذَبَائِحِهِم وَلا نِكَاحُ نِسَائِهِم، بَلْ وَلا يُقَرُّونَ بِالجِزيَةِ؛ فَإِنَّهُم مُرتَدُّونَ عَن دِينِ الإِسلامِ، لَيسُوا مُسلِمِينَ وَلا يَهُودًا وَلا نَصَارَى، لا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ، وَلا وُجُوبِ صَومِ رَمَضَانَ، وَلا وُجُوبِ الحَجِّ، وَلا تَحرِيمِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنَ المَيتَةِ وَالخَمرِ وَغَيرِهِمَا‏. ‏وَإِن أَظهَرُوا الشَّهَادَتَينِ مَعَ هَذِهِ العَقَائِدِ، فَهُم كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ المُسلِمِينَ".

وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-:
"هَؤُلاءِ القَومُ المُسَمَّونَ بِالنُصَيرِيَّةِ هُم وَسَائِرُ أَصنَافِ القَرَامِطَةِ البَاطِنِيَّةِ أَكفَرُ مِن اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، بَل وَأَكفَرُ مِن كَثِيرٍ مِنَ المُشرِكِينَ، وَضَرَرُهُم عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أَعظَمُ مِن ضَرَرِ الكُفَّارِ المُحَارِبِينَ، مِثلِ كُفَّارِ التَّتَارِ وَالفِرِنجِ وَغَيرِهِم؛ فَإِنَّ هَؤُلاءِ يَتَظَاهَرُونَ عِندَ جُهَّالِ المُسلِمِينَ بِالتَّشَيُّعِ وَمُوَالاةِ أَهلِ البَيتِ، وَهُم في الحَقِيقَةِ لا يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِرَسُولِهِ وَلا بِكِتَابِهِ، وَلا بِأَمرٍ وَلا نَهيٍ، وَلا ثَوَابٍ وَلا عِقَابٍ وَلا جَنَّةٍ وَلا نَارٍ، وَلا بِأَحَدٍ مِنَ المُرسَلِينَ قَبلَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَلا بِمِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ السَّالِفَةِ، بَل يَأخُذُونَ كَلامَ اللهِ وَرَسُولِهِ المَعرُوفَ عِندَ عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى أُمُورٍ يَفتَرُونَهَا، يَدَّعُونَ أَنَّهَا عِلمُ البَاطِنِ...". انتَهَى كَلامُهُ -رَحِمَهُ اللهُ- وَهُوَ الكَلامُ الفَصلُ الجَزلُ، الَّذِي حُصِرَت بِهِ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الخَبِيثَةُ في مَكَانٍ ضَيِّقٍ في بِلادِ الشَّامِ عِدَّةَ قُرُونٍ، لا يُمَكَّنُونَ مِنَ الوَظَائِفِ وَلا مِنَ التَّعلِيمِ، حَتَّى احتَلَّت فَرَنسَا بِلادَ الشَّامِ، فَأَخرَجَتهُم وَأَبرَزَتهُم ولَمَّعَتهُم، وَلَقَّبَتهُم بِالعَلَوِيِّينَ وَمَكَّنَتهُم مِنَ المَنَاصِبِ المُهِمَّةِ في الدَّولَةِ.

هَذِهِ هِيَ النُصَيرِيَّةُ الكَافِرَةُ المُرتَدَّةُ، الَّتي سُلِّطَت عَلَى أَهلِ الشَّامِ لَمَّا زَاغُوا عَنِ الحَقِّ وَاتَّبَعُوا نَاعِقَ القَومِيَّةِ، وَأَرخُوا السَّمعَ لَنَابِحِ الوَطَنِيَّةِ، وَطَأطَؤُوا الرُّؤُوسَ لِكُفرِ البَعثِيَّةِ وَسَفَاهَةِ الاشتِرَاكِيَّةِ، وَتَرَكُوا المَنهَجَ القَوِيمَ وَحَادُوا عَنِ الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، وَلَن تَرجِعَ لَهُم عِزَّتُهُم وَلَن يَنَالُوا الفَضلَ الَّذِي جَاءَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِم إِلاَّ بِالرُّجُوعِ إِلى دِينِهِمُ الحَقِّ وَتَمَسُّكِهِم بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَنَسأَلُ اللهَ أَن يُهَيِّئَ لَهُم مِن أَمرِهِم رَشَدًا، وَأَن يَحقِنَ دِمَاءَهُم وَيَحفَظَ رِجَالَهُم وَنِسَاءَهُم.


بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2012, 04:54 PM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
تاريخ الدولة الباطنية؛ للشيخ ناصر بن محمد الأحمد


تاريخ الدولة الباطنية؛ للشيخ ناصر بن محمد الأحمد


أيها المسلمون: صدر الشهر الماضي، بتاريخ العشرين من الشهر الثالث من السنة الثامنة والعشرين والأربعمائة بعد الألف من الهجرة، بيان مُهمٌّ جداً من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، عن خطورة بعض الفرق الباطنية، بسبب ما تفوَّه به حاكم ليبيا عندما ادعى بأن الدولة المسماة بالدولة الفاطمية هي دولة الإسلام التي يكمن فيها الحل المناسب في الحاضر، كما كان بها الحل في الماضي.

ومما جاء في البيان اللجنة: "الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ وبعد: فإن الله عز وجل قد أمر باجتماع هذه الأمة، ونهى عن التنازع، قال تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: 46]، ولن يحصل اجتماع الأمة إلا بالتمسك بالكتاب والسنة، ولذا أمر الله بالاعتصام بحبل الله المتين، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) [آل عمران: 103].


وأمتنا الإسلامية، وهي تواجه ما يحف بها من مخاطرَ متنوعةٍ، في أمسِّ الحاجة إلى التمسك بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، متوخية في ذلك نهج صحبه الكرام -رضي الله عنهم-، ولقد وجَّهَنا اللهُ، سبحانه وتعالى، إلى هذا المنهج القويم، في كتابه الكريم، حيث قال: (وأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعوهُ، ولا تتَّبعوا السُّبُلَ فتَفَرَّقَ بكُمْ عنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام:153].


وحيث إن النصح من الواجبات الشرعية، وكان من النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم كتابة بيان حول ما تناقلته بعض وسائل الإعلام عن بعض المحسوبين على الأمة، نوضح فيه حقيقة دعواه التي حاول فيها أن يلبس على عموم المسلمين، ويخدع بها من لا يبصر الأمور، فقد ادعى ذلك المتكلم أن الدولة المسماة بالدولة الفاطمية، هي دولة الإسلام التي يكمن فيها الحل المناسب في الحاضر، كما كان حلا في الماضي، وهذا من التلبيس، ومن الدعاوى الباطلة، وذلك لعدة أمور، منها:


أولا: إن تسمية تلك الدولة بالفاطمية تسمية كاذبة، أراد بها أصحابها خداع المسلمين بالتسمي باسم بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد بين العلماء والمؤرخون في ذلك الزمان كذب تلك الدعوى، وأن مؤسسها أصله مجوسي، يدعى سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبدالله بن ميمون القداح، وسعيد هذا تسمى بعبيد الله عندما أراد إظهار دعوته ونشرها، ولقب نفسه بالمهدي، فالنسبة الصحيحة لدولته أن يقال"العبيدية" كما ذكر ذلك جملة من العلماء المحققين، ويظهر من نَسَب مؤسسها الذي ذُكر آنفاً أن انتسابهم إلى آل البيت كذب وزور، وإنما أظهروا ذلك الانتساب لاستمالة قلوب الناس إليهم.


قال الذهبي -رحمه الله-: "المهدي عبيد الله والد الخلفاء الباطنية العبيدية الفاطمية، افترى أنه من ولد جعفر الصادق، وقد ذكر غيرهما من المؤرخين أنه في ربيع الآخر من عام 402هـ كتب جماعة من العلماء والقضاة والأشراف والعدول والصالحين المحدثين، وشهدوا جميعاً أن الحاكم بمصر، وهو منصور الذي يرجع نسبه إلى سعيد مؤسس الدولة العبيدية، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب، وأن الذي ادعوه إليه باطل وزور، وأنهم لا يعلمون أحدا من أهل بيوتات علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- توقف عن إطلاق القول في أنهم خوارج كذبة، وأن هذا الحاكم بمصر، هو وسلفه، كفار فساق فجار ملحدون، زنادقة معطلون، للإسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والثنوية معتنقون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمر، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية".


ثانيا:إظهارهم التشيع لآل البيت: هذه الدعوى أظهروها حيلة نزعوا إليها استغلالاً لعواطف المسلمين، لعلمهم بمحبة أهل الإسلام لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآل بيته.


ثالثا: حال تلك الدولة وما كانوا عليه: أجمل العلماء حالهم في جملة مشهورة قالها الإمام أبو بكر الباقلاني والغزالي وابن تيمية، وهي أنهم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض. قال الباقلاني، عن القداح، جد عبيد الله: وكان باطنيا خبيثا حريصا على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه، أباحوا الخمور والفروج، وأفسدوا عقائد الخلق. وقد قَتل عبيد الله وبنوه أربعة آلاف رجل، ما بين عالم وعابد، ليردوهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت. قال السيوطي: ومن جملة ذلك ابتداء الدولة العبيدية، وناهيك بهم إفسادا وكفرا وقتلا للعلماء والصلحاء.


رابعا: موقف العلماء من تلك الحقبة: كان العلماء يظهرون الشناعة على العبيديين وعلى أفعالهم المشينة، ومما يبين لنا موقف العلماء ويجمله، ما صنعه السيوطي في تاريخه، حيث قال: ولم أورد أحداً من الخلفاء العبيديين، لأن خلافتهم غير صحيحة، وذكر أن جدهم مجوسي، وإنما سماهم بالفاطميين جهلة العوام.


خامسا: إن مما يتبين لكل أحد بعد الاطلاع على أقوال العلماء والمؤرخين أن هذه الدولة الفاطمية كان لها من الضرر والإضرار بالمسلمين ما يكفي في دفع كل من يرفع لواءها، ويدعو بدعوتها، لذا نجد أن المسلمين في الماضي فرحوا بزوالها على يد الملك الصالح صلاح الدين الأيوبي، رحمه الله تعالى، في عام 567هـ ، فلا يجوز بعد هذا كله أن ندعو الناس إلى الانتساب إلى تلك الدولة العبيدية الضالة، ومثل هذه الدعوة غش وخيانة للإسلام وأهله، ونصيحتنا لأئمة المسلمين وعامتهم بالاعتصام بالكتاب والسنة، وجمع القلوب عليهما.


وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين). انتهى بيان اللجنة الدائمة.


أيها المسلمون: إن أشدَّ أعداء الإسلام هم الباطنيُّون، ولا يزالون مستمرِّين في الكيد والتَّخطيط للنَّيْل من أهل السُّنَّة، يحملهم على ذلك الكرْهُ والحسد والحقد الدفين؛ فتنوَّعَتْ أساليب كيدهم ومَكرهم، فلم يَسْلَم من شَرِّهم صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا المسلمون في القرون المفضَّلة، ولم يسلم منهم حُجَّاج بيت الله الحرام في الشهر الحرام، فضلاً عن أن يسلم منهم غيرُهم من المسلمين.


إن تاريخ الدول الباطنية تاريخٌ أسودُ قديمٌ ومعروف، كالدولة العبيدية والفاطمية ودولة البويهيين ودولة القرامطة والدولة الصفوية وغيرهم، فتاريخ هؤلاء تاريخ أسود، خصوصاً مع أهل السنة، وخياناتهم مع اليهود والنصارى أمر معلوم منذ القديم.

لقد كان مقتل عمر -رضي الله عنه- انتقاماً لما فعله بدولة كسرى؛ أوَليس الذي قتل عمر هو أبو لؤلؤة فيروز الفارسي المجوسي الباطني؟! ولذلك صنع له الشيعة مشهداً فيه قبر وهمي في مدينة كاشان بإيران، وأطلقوا عليه (مرقد بابا شجاع الدين)، وهذا المشهد يُزار، وتلقى فيه الأموال والتبرعات نظير ما قدم لهم.


حارب صلاح الدين الأيوبي الرافضة الباطنيين قبل النصارى، بل قضى على الدولة العبيدية الفاطمية الباطنية قبل حربه للصليبيين، ولولا ذلك لاستحال عليه تحرير القدس.


وفي عهد العثمانيين الذين جددوا حركة الجهاد الإسلامي، وبدؤوا يجتاحون العالم حتى وصلوا إلى قلب أوربا، مستعيدين بذلك البلاد الإسلامية التي خسرها المسلمون أثناء الغزو الصليبي، قامت يد الغدر والخيانة الرافضية الفكر والمنهج، اليهودية الأصل والمنشأ، التي اعتادت أن تطعن ظهر الأمة لتحول بين المسلمين وبين جهادهم ضد الكفر والكفار، امتدت من جديد لتستغل انشغال العثمانيين أثناء توغلهم في قلب أوربا مجاهدين، ليقوموا بحركات انفصالية، خارجين عن الخلافة الإسلامية العثمانية براءة، ومتحالفين مع أعداء الإسلام ولاءً، فتعاونوا مع البريطانيين والبرتغاليين والفرنسيين والروس، حتى أضعفوا الخلافة العثمانية وأنهكوها، فكانوا من أكبر أسباب سقوطها، حيث شكلوا عدة جبهات وعدة حركات انفصالية، فكان الصفويون في شروان والعراق وفارس، والبهائيون في بلاد فارس، ولهم نشاطات في مناطق متفرقة، والقاديانية في الهند، والنصيرية والدروز في بلاد الشام.


أما القاديانيون الباطنية فقد تعاونوا مع الإنجليز، بل إن الإنجليز هم الذين ساهموا في نشأتهم، فخرج زعيمهم غلام أحمد يَدّعي أنه هو المهدي المنتظر، ثم استمر حتى ادعى النبوة، وأمر بتعطيل الجهاد حتى يخذّل أتباعه عن جهاد الإنجليز الذي كان على أشده، الأمر الذي يدل على أنهم ما أُنشئوا إلا من أجل تعطيل الجهاد، لذا نجد أتباعهم اليوم ينشطون أكثر في فلسطين، حتى يخذّلوا عن الجهاد ضد اليهود المحتلين.


وأما النصيريون الباطنيون فكذلك تعاونوا مع الصليبيين أثناء الغزو الصليبي، وكانوا سبباً في سقوط بلاد الشام وبيت المقدس، كما تعاونوا من قبل مع التتار ضد المسلمين، وكانوا سببًا في اجتياح بلاد الشام.


أما الدروز الباطنيون فقد تطوع عدد كبير من أبنائهم في جيش الدفاع الصهيوني طمعا في إنشاء دولة مستقلة لهم في كل من سوريا ولبنان، وفي حرب عام سبعة وستين ذاق المسلمون في الجولان والأردن الويلات من الدروز العاملين في جيش الدفاع الإسرائيلي، الذين لم يرحموا شيخًا كبيراً، ولا طفلاً صغيراً.


وفي دولة بني بويه الشيعية الباطنية، في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، ألزم معز الدولة بن بويه يوم عاشوراء أهل بغداد بالنوح على الحسين -رضي الله عنه- وأمر بغلق الأسواق، ومنع الطباخين من عمل الأطعمة، وخرجت نساء الشيعة منشرات الشعور يلطمن ويفتن الناس، وهذا أول ما نيح عليه.


كما اتخذت الدولة العبيدية الفاطمية على كثرة أعيادها ومناسباتها يوم عاشوراء يوم حزن ونياحة، فكانت تتعطل فيه الأسواق، ويخرج فيه المنشدون في الطرقات، وكان الخليفة يجلس في ذلك اليوم متلثماً يرى به الحزن، كما كان القضاة والدعاة والأشراف والأمراء يظهرون وهم ملثمون حفاة، فيأخذ الشعراء بالإنشاد ورثاء أهل البيت، وسرد الروايات والقصص التي اختلقوها في مقتل الحسين -رضي الله عنه-.


ومن مظاهرهم في تلك الأيام خروج المواكب العزائية في الطرقات والشوارع، مظهرين اللطم بالأيدي على الخدود والصدور، والضرب بالسلاسل والحديد على الأكتاف، حتى تسيل الدماء.


وقد وصف ابن كثير، رحمه الله، ما يفعل الشيعة من تعدٍّ لحدود الكتاب والسنة في دولة بني بويه في حدود الأربعمائة وما حولها، فقال: "فكانت الدَّبادب تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء، ويُذَرُّ الرماد والتبن في الطرقات والأسواق، وتعلق المسوح على الدكاكين، ويظهر الناس الحزن والبكاء، وكثير منهم لا يشرب الماء ليلتئذ موافقة للحسين، لأنه قتل عطشان، ثم تخرج النساء حاسرات عن وجوههنّ، ينحن ويلطمن وجوههنّ وصدورهنّ حافيات في الأسواق، إلى غير ذلك من البدع الشنيعة، والأهواء الفظيعة، والهتائك المخترعة، وإنما يريدون بهذا وأشباهه أن يُشنِّعوا على دولة بني أمية، لأنه قتل في أيامهم" اه.


أما القرامطة الباطنيون فقد تسلطوا على حُجَّاج بيت الله الحرام، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وسرقوا الحجر الأسود، وبقي معهم في منطقتهم هجر قرابة عشرين سنة؛ وكان الحجاج بعدها يحجون البيت ويعتمرون والحجر غير موجود، حتى أعان الله، جل وتعالى، على رده.


وفي حملة الروم الكبرى على الشرق الإسلامي، والمعروفة في التاريخ بالحروب الصليبية، والتي بدأت عام ثمانية وثمانين وأربعمائة بعد الهجرة، كانت الشام ومصر خاضعتين لحكم العبيديين الشيعة، المعروفين بالفاطميين، وكان بين الروافض وبين أمراء السلاجقة الأتراك السنة صراع وتنافس، ولهذا شجع الروافض قدوم الصليبيين إلى الشام أملاً في تدمير إمارات السلاجقة، وبدأ هؤلاء الروافض يسهِّلون للصليبيين، ويرحبون بقدومهم.


وعندما غزا المغول الشرق الإسلامي بعد غزوهم للصين، كانت إيران من أوائل المناطق التي اجتاحوها، ثم واصلوا الزحف حتى العراق، فأسقطوا دولة الخلافة العباسية، وكان مقدم المغول إلى عاصمة الخلافة غير بعيد عن إغراءات الشيعة لهم بذلك، حيث أرادوا إحلال خليفة شيعي بدلاً من الخلفاء السنة، رغـم تقريب بعض هؤلاء السنة لهم، عن غفلة أو تغافل؛ وقد كان لنصير الدين الطوسي الفارسي، ومؤيد الدين بن العلقمي، وأشباههما وحلفائهما من الفرس، دور كبير في التغرير بالمسلمين في العراق، وإغراء الأعداء التتار الوثنيين بهم.


وبعد العراق، استباح التتار بلاد الشام، وطفقوا يستعدون لغزو مصر، إلا أن شوكتهم كُسِرَتْ عند عين جالوت، وارتدوا على أدبارهم، فغادروا الشام ثم العراق، وأنشؤوا لهم دولة في الشمال الغربي لإيران، اتخذت تبريز عاصمة لها.


أسس إسماعيل ميرزا شاه الـدولة الصفوية عام أربعة عشر وتسعمائة بعد الهجرة، وأعلن المذهب الشيعي مذهباً رسمياً في إيران، وسميت تلك الدولة بالصفوية نسبة إلى صفي الدين الأردبيلي، وتحولت الصفوية من دعوة إلى دولة، وتوسعت من العراق إلى أفغانستان.


ولقد ناصبت الدولة الصفوية دولة الخلافة العثمانية العداء، وحاول الصفويون الاستعانة بغرمائهم القدامى من الروم الصليبيين على العثمانيين المسلمين السنة، بل كان لهم دور كبير في إيقاف المد الإسلامي داخل أوروبا، فقد كانت مؤامراتهم سبباً في إيقاف جيوش العثمانيين عند أبواب عاصمة النمسا فيينا؛ لكن السلطان العثماني سليمان الأول ألحق بالصفويين هزيمة موجعة عام عشرين وتسعمائة بعد الهجرة، لكنهم ظلوا على عهد الشقاق والمحاربة لجيرانهم من المسلمين السنة، حتى سقطت دولتهم على يد الأفغان، بقيادة محمود خان، الذي غزا أرض فارس واستولى على العاصمة أصفهان، وقامت بعد الدولة الصفوية الشيعية عدة دول.


ثم تحالفوا بعد ذلك مع الإنجليز في عهد الشاة عباس الصفوي، ومكنوا لهم في البلاد، وجعلوا لهم فيها أوكاراً يتم الاجتماع فيها معهم للتآمر ضد الخلافة العثمانية، لدرجة أن مستشاريه كانوا من الإنجليز.


أما جرائمهم في ما يتعلق بجانب الدين والعقيدة، فمنها صرفهم الحُجَّاج الإيرانيين من الحج إلى مشهد بدل أن يحجوا إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة؛ حيث قام الشاه عباس الصفوي بالحج إلى مشهد مبتدئاً بنفسه، سيرا على الأقدام، ليصرف الناس عن الحج إلى مكة، ومن ذلك الحين أصبحت مشهد مدينة مقدسة لدى الرافضة.


وفتح الصفوي شاه عباس بلاده للمبشرين الغربيين حتى سمحوا لهم ببناء الكنائس، ومدِّ بناء جسورٍ من التعاون الاقتصادي والعسكري والسياسي.


أيها المسلمون: هذه لمحة سريعة مختصرة عن بعض جرائم الباطنيين على شتى مللهم ونحلهم إذا وصلوا للحكم، وتمكنوا من رقاب المسلمين.


نسأل الله تعالى أن يكفينا شرهم، وأن يهلكهم، وأن يمزقهم شر ممزق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.





الخطبة الثانية:



أيها المسلمون: بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في الحرب الأخيرة، تدفقت الكتائب الباطنية الرافضية وعلى رأسها ما يسمى"فيلق بدر" مباشرة إلى العراق، على مرأى ومسمع من الجيش الأمريكي الذي اصطفوا وراءه لهدم المدن السنية على رءوس أهلها.


ولتغطية الخداع الرافضي الأمريكي المعتدِي على أهل السنة في العراق، رفعت أمريكا وإيران عنوان الخلاف والشقاق بينهما، وكانت أمريكا تصرح بأن إيران ترسل السلاح والمقاتلين إلى العراق، وتشكو من اجتياز المقاتلين الرافضة الحدود الشرقية للعراق، وتجمع جيشها و"فيلق بدر" للهجوم على أهل السنة في الغرب والوسط.


ها هي فضائياتهم في كل من إيران والعراق ولبنان، بل وفي بعض الدول الغربية، تبث لكل تلك الفئات عقائدهم وأفكارهم وسياساتهم؛ وموضوعاتُهم موجهة توجيهاً ذكياً ونشيطاً إلى شبابنا، منطلقين في ذلك من أساس يدعونه، وهو منهم براء، ونحن أولى به منهم، وهو الولاء لأهل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يرفعون رايته، مع إهانة لصفوة صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهدفهم من ذلك تكثير سوادهم، لينقضّوا على أهل السنة في العالم، وليس في العراق فقط؛ وإن أول البلدان التي ستنال قسطها من عدوانهم، إذا تمكنوا، هي الدول المجاورة، وبالأخص دول الخليج، التي بها من المغريات الدينية والاقتصادية ما لا يوجد في غيرها.


أيها المسلمون: إن الأمريكان واليهود والبريطانيين، وكل الدول الغربية، يعلمون علم اليقين أن العقبة الكأداء أمام تحقيق أهدافهم هم أهل السنة، وليس الرافضة الباطنية، لأن الرافضة قد تعاونوا مع المعتدين على البلدان الإسلامية من قديم الزمن، كما ذكرتُ صوراً منها في الخطبة الأولى، وهم اليوم قد تعاونوا معهم في أفغانستان، وركبوا دباباتهم عندما احتلوا العراق، ولا تخدعنا تصريحات خلافاتهم المعلنة، فالنار تحت الرماد.


أما حزب الشيطان الباطني في لبنان فمهمته، بالتنسيق مع اليهود، هي حماية حدود اليهود من تسلل أي مجاهدين، ومنع أي عمليات تهدد أمن إسرائيل.



بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2012, 04:57 PM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
حقيقة الدولة العبيدية؛ للشيخ محمد صالح المنجد


حقيقة الدولة العبيدية؛ للشيخ محمد صالح المنجد


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد: فإن الله تعالى قضى بالابتلاء، وابتلاء هذه الأمة بأمور متعددة تمحيصًا واختبارًا وتمييزًا لأهل الجنة عن أهل النار، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ببعض هذه الابتلاءات، ومن ذلك التغيّر الكبير الذي سيطرأ عليها بعد وفاة نبيها، وأخبرهم أنه من يعيش منهم من بعده فسيرى اختلافًا كثيرًا، وكذلك أخبر بالتفرق الذي سيحصل في الأمة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، وأخبر أنها جميعًا في النار إلا واحدة"، وهي التي تتبع ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم وأصحابه-، حذّرنا من محدثات الأمور في مواجهة هذا الابتلاء وقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"، أوصانا أن نعضّ عليها بالنواجذ، وأخبرنا بأن كل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبيّن الله لنا سبيل الحق في كتابه، وقال: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام: 55]، ومن هؤلاء أهل البدع.

من الدين كشف الستر عن كل كاذب وعن كل بدعي أتى بالعجائب، فقيّض الله لهذه الأمة من يكشف الحق ويبينه للناس: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: 187]، وكان من الفرق الخطيرة جدًا -إن لم تكن هي أخطر الفرق على الإطلاق التي ابتليت بها هذه الأمة ولا تزال ترزح تحت الابتلاء بها- فرقة الباطنية بشتّى أنواعها، سُمّوا بذلك لأنهم يظهرون شيئًا ويبطنون آخر، ويزعمون أن لنصوص الكتاب والسنة ظاهرًا وباطنًا، دينهم مختلفٌ عن دين الإسلام، بل هو متناقضات، فهي طائفةٌ مخذولة، وفئة مرذولة، ومأوى لكل من أراد هدم الإسلام، وكانوا أعوان اليهود والنصارى والمشركين والذين جاؤوا لغزو المسلمين، وكذلك فإنهم في عددٍ من بلدان العالم الإسلامي قد أقاموا لهم كياناتٍ في القديم والحديث، وينادي بعض الضُّلاَّل في هذا الزمن بإعادة مجد العبيديين والدولة الفاطمية.

وقد أصدرت اللجنة الدائمة للإفتاء بيانًا حول هذا الموضوع يتعلق بهذه الدولة العبيدية الفاطمية وما تتصل به من المذهب الباطني الخبيث، قالت اللجنة في بيانها: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإن الله -عز وجل- قد أمر باجتماع هذه الأمة ونهى عن التنازع؛ قال تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [لأنفال: 46]، ولن يحصل اجتماع الأمة إلا بالتمسك بالكتاب والسنة، ولهذا أمر الله بالاعتصام بحبل الله المتين؛ قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: 103].

وأمتنا الإسلامية -وهي تواجه ما يحفّ بها من مخاطر متنوعة- في أمس الحاجة إلى التمسّك بكتاب الله -عز وجل- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، متوخيةً في ذلك نهج صحبه الكرام -رضي الله عنهم-، ولقد وجّهنا الله -سبحانه وتعالى- إلى هذا المنهج القويم في كتابه الكريم حيث قال سبحانه: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام: 153]، فاجتماع الأمة ووحدتها وعزها في التزام ذلك الصراط المستقيم الذي سلكه نبينا -صلى الله عليه وسلم- الذي قال: "تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي".

وحيث إن النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم من الواجبات الشرعية، وكان من النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم كتابة بيانٍ حول ما تنوقل من دعوى المتكلّم أن الدولة المسماة بالدولة الفاطمية هي دولة الإسلام، التي يكمن فيها الحل المناسب في الحاضر كما كان حلاً في الماضي، وهذا من التلبيس ومن الدعاوى الباطلة؛ وذلك لعدة أمورٍ، منها:

أولاً: أن تسمية تلك الدولة بالفاطمية تسميةٌ كاذبة، أراد بها أصحابها خداع المسلمين بالتسمي باسم بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد بيّن العلماء والمؤرخون في ذلك الزمان كذب تلك الدعوة، وأن مؤسسها أصله مجوسي يدعى سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح ابن ديصان الدنوي الأهوادي، وسعيدٌ هذا تسمَّى بعبيد الله عندما أراد إظهار دعوته ونشرها، ولقب نفسه بالمهدي، فالنسبة الصحيحة لدولته أن يقال: العبيدية، كما ذكر ذلك جملةٌ من العلماء المحققين، ويظهر من نسب مؤسسها الذي ذكر آنفًا أن انتسابهم إلى آل البيت كذب وزور، وإنما أظهروا ذلك الانتساب لاستمالة قلوب الناس إليهم.

قال العلاّمة ابن خلكان في وفيات الأعيان: "والجمهور على عدم صحة نسبهم، وأنهم كذبة أدعياء، لا حظ لهم في النسبة المحمدية أصلاً". وقال الذهبي في العبر في خبر من غبر: "المهدي عبيد الله والد الخلفاء الباطنية العبيدية الفاطمية، افترى أنه من ولد جعفر الصادق".

وقد ذكر غيرهما من المؤرخين أنه في ربيع الآخر من عام أربعمائة واثنين للهجرة كتب جماعةٌ من العلماء والقضاة والأشراف والعدول والمحدثين وشهدوا جميعًا بأن الحاكم بمصر -وهو منصور الذي يرجع نسبه إلى سعيد مؤسس الدولة العبيدية- لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب، وأن الذي ادعوه إليه باطلٌ وزور، وأنهم لا يعلمون أحدًا من بيوتات علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- توقف عن إطلاق القول في أنهم خوارج كذبة، وأن هذا -أي الحاكم بأمره الذي يزعم أنه فاطميٌ- هو وسلفه كفّارٌ فسّاقٌ فجارٌ ملحدون وزنادقة، معطلون للإسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والثنوية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمرة، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية، وكُتب هذا سنة اثنتين وأربعمائة.

وقد ذكر ابن كثيرٍ -رحمه الله- في كتاب البداية والنهاية بعد أن نقل هذا: "وقد كتب خطه في المحضر خلقٌ كثير".

ثانيًا: أنهم يظهرون مناصرة لآل البيت، وهذه الدعوة أظهروها حيلةً نزعوا إليها استغلالاً لعواطف المسلمين لعلمهم بمحبة أهل الإسلام لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآل بيته. وقال النويري: "وحكى الشريف وأبو الحسين محمد بن علي المعروف بأخي محسن في كتابه أن عبد الله بن ميمون كان قد سكن بسباط أبي نوح، وكان يتستّر بالعلم، فلما ظهر أمره وما كان يضمره ويستره من التعطيل والإباحة والمكر والخديعة ثار عليه الناس.

ثالثًا: أن حال تلك الدولة العبيدية الفاطمية أنهم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض؛ قال الباقلاني -رحمه الله- عن القداح جد عبيد الله: "وكان باطنيًا خبيثًا حريصًا على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمور والفروج، وأفسدوا عقائد الخلق".

وقال أبو الحسن القابسي صاحب الملخص الذي قتله عبيد الله: "وبنوه بعده أربعة آلاف رجل في دار النحر في العذاب، ما بين عالمٍ وعابد، ليردّهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت". يعني أن هؤلاء العبيديين قد نحروا أربعة آلافٍ من المسلمين الموحدين ما بين عالمٍ وعابد؛ من أجل أنهم يترضون عن الصحابة -رضوان الله عليهم-.

وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء: "ومن جملة ذلك ابتداء الدولة العبيدية، وناهيك بهم إفسادًا وكفرًا وقتلاً للعلماء والصلحاء".

وقال الشاطبي المالكي في كتاب الاعتصام: "العبيدية الذين ملكوا مصر وإفريقية زعمت أن الأحكام الشرعية إنما هي خاصة بالعوام، وأن الخواص منهم قد ترقوا عن تلك المرتبة، فالنساء بإطلاق حلالٌ لهم، كما أن جميع ما في الكون من رطبٍ ويابس حلالٌ لهم أيضًا، مستدلين على ذلك بخرافات عجائز لا يرضاها ذو عقل".

رابعًا: موقف العلماء من تلك الحقبة: كان العلماء يظهرون الشناعة على العبيديين وعلى أفعالهم المشينة، وقد تقدم ذكر عدد منهم، وقال السيوطي في تاريخه: "ولم أورد أحدًا من الخلفاء العبيديين؛ لأن خلافتهم غير صحيحة". وذكر أن جدهم مجوسي، وإنما سماهم بالفاطميين جهلة العوام.

خامسًا: إن مما يتبين لكل أحد بعد الاطلاع على أقوال العلماء والمؤرخين أن هذه الدولة الفاطمية كان لها من الضرر والإضرار بالمسلمين ما يكفي في دفع كل من يرفع لواءها ويدعو بدعوتها؛ لذلك نجد أن المسلمين في الماضي فرحوا بزوالها على يد الملك الصالح صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- في عام خمسمائة وسبع وستين، فلا يجوز بعد هذا كله أن ندعو الناس إلى الانتساب إلى تلك الدولة العبيديّة الضالة، ومثل هذه الدعوة غشٌّ وخيانة للإسلام وأهله، ونصيحتنا لأهل المسلمين وعامتهم بالاعتصام بالكتاب والسنة وجمع القلوب عليهما. وفّق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

عباد الله: لقد كان هؤلاء الباطنية في تاريخ الإسلام عيبًا وشنارًا وعارًا على أهل الإسلام، لقد كانوا نصراء لكل ملحدٍ ويهودي ونصراني صليبي ممن غزوا بلاد الإسلام أو طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.

وقد بدأ هؤلاء العبيديون -الذين تسموا بالفاطميين زورًا- دعوتهم في بلاد المغرب، واعتنق ذلك كثيرٌ من البربر، حتى إن كثيرًا من وزراء الأغالبة في شمال إفريقية كانوا على مذهبهم، فقد تسللوا إلى دولة الأغالبة، وكان من أبرز دعاتهم رجلٌ من بلاد اليمن في الأصل له من ضروب الحيل ما لا يحصى، بدأ بنشر دعوتهم في بلاد المغرب، ثم بسط نفوذهم في بلاد إفريقية، فوقعت في يده بلاد عديدة، وأعلن الفاطميون قيام دولتهم سنة مائتين وست وتسعين للهجرة إثر تغلبهم على الأغالبة في موقعة الأربذ، ثم اتجهت أنظارهم إلى مصر لوفرة ثرواتها وقربها من بلاد المشرق، وأرادوا إقامة دولةٍ مستقلةٍ تنافس الخلافة السنّية العباسية في بغداد، فوجهوا أكثر من حملة للاستيلاء على مصر، وفي سنة ثلاثمائة وثمان وخمسين عاد الخليفة العبيدي إلى جوهر الصقلّي كتابًا بالأمان، وفيه أن يظل المصريون على مذهبهم ولا يلزموا بالتحول للمذهب الباطني، وأن يجري الأذان والصلاة وصيام رمضان وفطر رمضان والزكاة والحج والجهاد على ما ورد في كتاب الله ورسوله.

ولم يكن كتاب جوهر لأهل مصر إلا مجرد مهادنة، وعندما وصل المعز الفاطمي إلى القاهرة سنة ثلاثمائة واثنين وستين ركز اهتمامه على تحويل أهلها إلى المذهب الباطني، واتبع الباطنيون العبدييون في ذلك طرقًا منها: إسناد المناصب العليا -وخاصة القضاء- لأهل مذهبهم، واتخاذ المساجد الكبيرة مراكز للدعاية لهم، كالأزهر وجامع عمرو ومسجد أحمد بن طولون، وأمعنوا في إظهار شعائرهم المخالفة لأهل السنة في الأذان والاحتفال بالعاشر من محرم، وهم أول من ابتدع عيد المولد النبوي، وقد صنف العلماء في بيان حقيقتهم كما تقدم وصنف الباقلاني كتابه "كشف الأسرار وهتك الأستار" في بيان فضائحهم، فما هي إنجازات هؤلاء العبيديين الذين تسموا بالفاطميين؟!

لما غزى الصليبيون بلاد الشام وكان فيها أصلاً من أهل ملتهم من فيها من أهل الصليب، وكذلك الحشيشية، وتغلّب الفرنج على سواحل الشام حتى أخذوا القدس ونابلس وعجلون والغور وبلاد غزة وعسقلان وطبرية وبانياس وصور وعكة وصيدة وبيروت وصفد وطرابلس وأنطاكية، إلى ما وراء ذلك من البلاد حتى آمد والرها ورأس العين، وقتلوا من المسلمين خلقًا وأممًا لا يحصيهم إلا الله، وسبوا ذراري المسلمين من النساء والولدان؛ في هذه البلاد التي فتحها الصحابة، من الذين كانوا يمدونهم ويعينونهم؟! إنهم الباطنية الخبثاء.

ولمّا قبض الحاكم بأمره زمام الأمور عمد إلى إصدار كثير من الأوامر والقوانين المبنية على مذهب الباطنية، ومن ذلك نقش سب الصحابة في جدران المساجد والأسواق والشوارع والدروب، وصدرت الأوامر إلى العمال بمراعاة ذلك، وكذلك فعلوا لما ظهروا بتونس وأظهروا الباطنية القبيحة وسب الصحابة، وكان أهل السنة بالقيروان أيام بني عبيد -يعني في زمن هذه الدولة الفاطمية- في حالٍ شديدةٍ من الهضم والتستر والاستضعاف كأنهم أهل ذمة، ولما أظهر بنو عبيد أمرهم ونصبوا حسين بن الأعمى السباب في الأسواق للسب بأسجاعٍ لُقنها، ومنها: "العنوا الغار وما وعى، والكساء وما حوى". ولا شك أن الغار كان فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكرٍ. وعُلِّقت رؤوس الأكباش والحمير في أبواب الحوانيت وعليها قراطيس معلقة مكتوب عليها أسماء الصحابة. واشتدَّ الأمر على أهل السنة جدًّا.

ثم غلا بعض دعاتهم في عبيد الله المهدي حتى أنزله منزلة الإله، وأنه يعلم الغيب وأنه نبيٌ مرسل، وهكذا قام من هؤلاء العبيديين من ادعى الألوهية، وقال ابن كثير -رحمه الله- في سنة 411هـ مات الحاكم ابن المعز الفاطمي صاحب مصر، فاستبشر المؤمنون والمسلمون بذلك لأنه كان جبارًا عنيدًا وشيطانًا مريدًا، كثير التلون في أفعاله وأحكامه، وكان يدعي الألوهية كما ادعاها فرعون، فأمر الرعية إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه أن يقوم الناس أثناء الخطبة على أقدامهم صبوبًا، إعظامًا لذكره واحترامًا له، وبلغ شرّه الحرمين الشريفين، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا على ذكره خروا سجدًا له، حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم، وكذلك أمر في وقتٍ لأهل الكتابين بالدخول في الإسلام ثم أذن لهم بالعودة إلى دينهم، وابتنى مدارس لليهود، وازداد ظلمه حتى عنَّ له أن يدعي الربوبية وأمر الناس أن يقولوا إذا رأوه: يا واحد يا أحد، يا محيي يا مميت.

وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان: "وكان ابن سينا -الذي يجهل كثير من المسلمين أنه من الملاحدة الباطنية- يقول ابن سينا كما أخبر عن نفسه: أنا وأبي من أهل دعوة الحاكم. فكان من القرامطة الباطنية الذين لا يؤمنون بمبدأٍ ولا معاد ولا بربٍ خالق ولا رسولٍ مبعوث جاء من عند الله. وهؤلاء زنادقة يتسترون بالرفض ويبطنون الإلحاد المحض وينتسبون إلى آل البيت زورًا وعدوانًا".

قال ابن كثير في اعتدائهم على الحجر الأسود في حوادث سنة 413هـ: "جرت كائنةٌ غريبةٌ عظيمة، ومصيبةٌ كبيرة، فقد جاؤوا مع الحجيج من مصر، فلما طافوا -وكان اليوم النفر الأول- انتهى أحدهم إلى الحجر الأسود وقد أخفى آلةً في يده، فضرب الحجر بدبوسٍ عظيمٍ كان معه -وهذه حديدةٌ كبيرةٌ- ثلاث ضربات متوالية. وقال: إلى متى نعبد هذا الحجر، ولا أحد يمنعني، فإني أهدم البيت اليوم. حتى استطاع الحجاج التغلب عليه، وسقط من الحجر ثلاث فلقٍ مثل الأظفار. وبدا ما تحتها أسمر، يضرب إلى صفرة، محببًا مثل الخشخاش. فأخذ بنو شيبة تلك الفلق، فعجنوها بالمسك، وحشوا بها تلك الشقوق التي بدت، فاستمسك الحجر واستمر على ما هو عليه الآن، وهو ظاهرٌ لمن تأمله". يعني أثر هذه الخدوش فيه.

وكذلك لما قامت الفرنجة الصليبية بغزو ديار الإسلام كانوا قد اتّفقوا معهم ودعوهم إلى مصر، وفعلاً جاء الفرنجة وحاصروا دمياط في سنة 565هـ، وضيّقوا على أهلها، وقتلوا أممًا كثيرة، وجاؤوا من البر والبحر، وكان من فضل الله أن ردّ كيد الفرنجة والعبيديين الذين كاتبوهم، ففشلت تلك الحملة.

ومن خياناتهم أنه لما أقبلت جحافل الفرنج إلى الديار المصرية، وبلغ ذلك أسد الدين شيركوه، فاستأذن الملك نور الدين محمود من أهل السنّة في الذهاب إليها للتصدي لهم، فلما بلغه أنهم قد اجتمعوا واستشار من معه خافوا وهموا بالرجوع إلا واحدًا من المسلمين في جيش أسد الدين شيركوه، قال: "أما من خاف القتل والأسر فليقعد في بيته وأسرته، وأما من أكل أموال الناس فلا يسلم بلادهم على العدو". وقال مثل ذلك صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله-، فعزموا فعزم الله لهم، فساروا نحو الفرنج فاقتتلوا اقتتالاً عظيمًا، فانتصر المسلمون والحمد لله.

وكان العبيديون أصحاب تسلطٍ وجورٍ، وقد سجنوا من المسلمين من سجنوا، وحرموا الإفتاء بمذهب مالكٍ -رحمه الله-، ومن يتجرأ على ذلك يُضرب ويسجن ويُقتل أحيانًا، وأجبروا الناس على الفطر قبل رؤية الهلال، ومن القصص التي حدثت قصة الإمام الشهيد قاضي مدينة برقة محمد بن الحبلة، أتاه أمير برقة من جهة العبيديين فقال: غدًا العيد. قال القاضي: نرى الهلال ولا أفطر الناس وأتقلّد إثمهم. قال: بهذا جاء كتاب الخليفة -يعني العبيدي- وكان ممن يفطر بالحساب ولا يعتبر الرؤية. فلم يُرَ هلال ثاني يوم. لم ير الهلال. فأصبح الأمير بالطبول والبنود وأهبة العيد، فقال القاضي: لا أخرج ولا أصلي. فأمر الأمير رجلاً خطب، وكتب إلى العبيدي بما حصل فطلب القاضي إليه. وقال: تنصّل وأعفو عنك. فامتنع. فعُلِّق في الشمس إلى أن مات، وكان يستغيث من العطش فلا يسقى، وصلبوه على خشبة، فلعنة الله على الظالمين. فهذا بعض من جرائمهم. نسأل الله أن يرد كيد الحاقدين على أهل الإسلام. ونسأله سبحانه أن يعلي السنة وأهلها، وأن ينصر الموحدين، وأن يعز الدين، إنه قويٌ متين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.





الخطبة الثانية:




الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، والشافع المشفع يوم الدين، وحامل لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وذريته وخلفائه الطيبين وزوجاته. اللهم ارض عنهم وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

عباد الله: لقد أزال أولئك العبيديون آثار الخلافة في كثير من الأنحاء، وأصدروا الأوامر بإزالة أسماء مَن بنى الحصون والمساجد من المسلمين وجعلوا أسماء بديلة، ودخلت خيولهم المساجد، فلما أُنكر عليهم قال قائلهم مستهزئًا: إن رواثها وأبوالها طاهرة. وهذا إن كان صحيحًا من الناحية الفقهية إلا أن تقذير المساجد حرام، ودخول الدواب إلى مكان الصلاة إهانة لمكان الصلاة.

وكانوا يعتمدون على اليهود في التوزير وجباية الضرائب والزكاة، وكانوا يستشيرونهم في شؤون الاقتصاد والعلم والطب، ولما تولّى العزيز الفاطمي الخلافة جعل وزيره اليهودي يعقوب بن كلف، جعل له أمر تعليم الناس فقه الطائفة الباطنية البغيضة التي ينتمون إليها، حتى ألّف اليهودي هذا كتابًا في فقه هذه الطائفة.

ولا عجب أن يثيروا المؤامرات والفتن والدسائس في طول البلاد وعرضها، فهكذا ديدنهم دائمًا.

وقد ابتلوا أهل السنة ابتلاءً عظيمًا، وكانت جرائمهم عبر التاريخ شاهدة على مذهبهم من الضلال وسوء الاعتقاد واتباع خطوات الشيطان والشرك الجلي والخفي واستحلال الدماء، وكذلك فقد انطووا على الضغينة والكراهية، وكانت لهم دولٌ عبر التاريخ الإسلامي ساموا فيها المسلمين أشد العذاب، كدولة بني بويه، وكذلك دولة العبيديين، وكذلك الدولة الحمدانية على تفاوتٍ فيما بينهم في الاضطهاد. وكانت فرق الحشّاشين والقرامطة تقوم بأنواع الغارات والسلب والنهب.

ضلوا السبيل أضل الله سعيهم *** بئس العصابة إن قلوا وإن كثروا
لا يؤمنون وكل الناس قد أمنوا *** ولا أمـان لهم ما أورق الشجر
لا بارك الله فيهم لا ولا بـقيت*** مـنهم بحضرتنا أنثى ولا ذكر

قال شيخ الإسلام في منهاج السنة: "إنهم أصل كل فتنةٍ وبلية، ومن انضوى إليهم، وكثيرٌ من السيوف التي في الإسلام -يعني إراقة الدماء- إنما كانت من جهتهم، وبهم تسترت الزنادقة، وكانوا يعظمون القبور والمشاهد والأضرحة، وكانوا يتلبّسون بآل البيت تلبسًا، كما أظهر ذلك جدهم وكبيرهم ومؤسس مذهبهم الكلبي السبئي الذي أعلن عقيدته بعد ذلك، وكان يتخفّى فيما شرع لهم من التخفي والتستر ويقول: إن عليًا لم يمت، وإنه راجعٌ إلى الدنيا".

وقد نشروا الإباحية والتحلل، وجعلوا الصحابة شرًّا من إبليس؛ قال في المنهاج: "إنهم أقرب الطوائف إلى النفاق، وأبعدهم عن الإيمان، وإذا تمكنوا لا يرقبون في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمة، ومن ذلك أنهم أعانوا التتر على ما أوقعوه من المذابح في المسلمين، ومنهم ابن العلقمي الباطني الذي قضى على خلافة المسلمين، وكان جيش المسلمين قرابة مائة ألف، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف، فكاتب التتر، وأطمعهم في أخذ بلاد المسلمين، فنزل هولاكو على بغداد في الجانب الشرقي منها، وهكذا جعل يتواصل مع ابن العلقمي الخبيث حتى أقنع الخليفة المستعصم أن يخرج إليه بمن معه من الأماثل والأفاضل والفقهاء وأشراف الناس ووجوههم على أن يعطى الأمان، فلما وصلوا إليه واستكملوا قتلوهم جميعًا -رحمهم الله-. وقال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة، فقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس"، والقتلى في الطرقات كأنها التلال، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم، وأنتنت من جيفهم البلد، وتغيّر الهواء، فحصل بسبب ذلك الوباء حتى وصل إلى بلاد الشام، واجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ثم استمر حقدهم إلى أن وصل إلى بيت الله العتيق، فقام عدو الله أبو طاهر القرمطي بالإغارة على مكة، وقتل الحجيج في فجاج مكة، وعرّى البيت وقلع بابه، واقتلع الحجر الأسود وأخذه، وطرح القتلى في بئر زمزم، وفعل أفعالاً لا يفعلها اليهود ولا النصارى أبدًا، وبقي الحجر عندهم، أخذوه إلى هجر حتى أعاده الله إلى المسلمين.

وأبو طاهر هذا الباطني القرمطي كان يقف على باب الكعبة والمسلمون يُقتَلون أمامه في المسجد الحرام وهو يقول يوم التروية:

أنـا لله وبالله أنـا *** أخلق الخلق وأفنيهم أنا

قال ابن كثير -رحمه الله-: "فكان الناس يفرون منهم ويتعلقون بأستار الكعبة، فلا يجدي ذلك شيئًا".

وأمر بقلع كسوتها وشقّقها بين أصحابه، وكذلك فإنه جعل يستهزئ بالناس وهو يقتلهم ويقول: أين الطير الأبابيل؟! أين الحجارة من سجيل؟!

لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ *** إن كان في القلب إسلامٌ وإيمان

وهكذا اعتدوا على قوافل الحجاج، وكانوا يعطونهم الأمان ثم يقتلونهم، ومن فتنهم العظيمة التي قتلت فتنة البساتيري، وكان واحدًا من رؤوسهم.

وهكذا صاروا يغيرون على أهل السنة ويفتنونهم، ومن ضحاياهم الإمام أبو بكر النابلسي -رحمه الله-، فإن العبيدي أحضره بين يديه المعز وقال له: بلغني عنك أنك قلت: لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميتنا بالعاشر. قال: ما قلت هذا، فظن العبيدي أن الإمام أبا بكر النابلسي قد رجع عن قوله. قال: إذًا كيف قلت؟! قال: قلت: ينبغي أن نرميكم بتسعة ونرميهم بالعاشر. قال: ولم؟! قال: لأنكم غيرتم دين الأمة، وقتلتم الصالحين، وأطفأتم نور الإلهية، وادعيتم ما ليس لكم. فأمر بأن يُضرب ضربًا مبرحًا بالسياط، ثم أمر بسلخه، وجاء بيهودي ليسلخه، وجعل الإمام أبو بكر يقرأ القرآن. قال اليهودي: فأخذتني رقة عليه. فلما بلغت في سلخي تلقاء قلبه طعنته بالسكين. وهذا شهيد نابلس -عليه رحمه الله تعالى-.

فهذا بعض ما فعلوه، وهذه طوائف الباطنية من العبيدية والبويهية والصفوية والحمدانية وغيرهم والقرامطة، ممن عاثوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، ثم يقوم اليوم من يدعو إلى إعادة الخلافة الفاطمية ودولة العبيديين!!

عباد الله: هذه أمةٌ مرحومة، جعلت عافيتها في أولاها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وفتنة، ولذلك فإن المسلم يسأل الله العافية ويتمسك بالكتاب والسنة، ويسأل الله أن يحييه على التوحيد، وأن يميته عليه، وأن يجعله مستمسكًا بالسنة طيلة حياته، وهذا رأس مالنا، إذا فقدناه فماذا بقي؟!

وفي التاريخ عبرٌ وعظات، وكثيرٌ من الناس لا يعرفون من شأن هؤلاء الباطنية شيئًا، أو نزرًا قليلاً، والمسألة كما قلنا أخطر من اليهود وعباد الصليب، ولذلك فإن الابتلاء القائم في هذه الأمة يدفع المسلم إلى الاستمساك بالكتاب والسنة، وأن يربي نفسه وأهله عليها.

اللهم إنا نسألك الأمن في البلاد، والنجاة يوم المعاد، أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضنا إليك غير مفتونين.

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2012, 05:00 PM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
كيف تمكن النصيريون من حكم سوريا؛ للشيخ إبراهم الحقيل


كيف تمكن النصيريون من حكم سوريا؛ للشيخ إبراهم الحقيل


الحمد لله رب العالمين؛ خلق الخلق فأحصاهم عددًا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا، نحمده على نعمٍ تترى، ونشكره على إحسان لا يعد ولا يحصى؛ خلقنا ولم نك شيئًا، وهدانا ولولاه ما اهتدينا، أطعمنا من جوع، وآمننا من خوف، وكسانا من عري، وأعطانا ما سألنا وما لم نسأل، فله الحمد كما ينبغي له أن يحمد.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جعل الاختلاف في البشر من سنن خلقه؛ ابتلاء لعباده (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [التغابن:2]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ لا خير إلا دلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا منه، تركنا على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتمسكوا بدينه، والزموا شريعته، وأيقنوا بوعده، وثقوا بنصره: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ) [الرُّوم:47]، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ) [الصَّفات: 171-173].

أيها الناس: للنفاق والمنافقين أثر كبير في الصد عن دين الله تعالى، وأذية المؤمنين، والغدر بهم، وإظهار الولاء لهم، وإبطان عداواتهم، حتى حذّر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- منهم مخاطبًا إياه بقوله سبحانه: (هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [المنافقون:4].

والنفاق في هذه الأمة ظهر بعد غزوة بدر؛ كما في حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: "فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَدْرًا، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَي ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبَايَعُوا الرَّسُولَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الإِسْلاَمِ فَأَسْلَمُوا". رواه البخاري.

أي أظهروا إسلامهم وأبطنوا كفرهم، ومن يومها والمنافقون يكيدون للإسلام أعظم كيد وأشده، وغاية هذا النوع من النفاق هدم الإسلام لما يعارضه من أهوائهم؛ لأن رأس المنافقين ابن سلول فقد زعامته على الأنصار بسبب الإسلام، فأضمر الحقد والانتقام منه وممن دعا إليه.

وفي عهد الخليفة عثمان -رضي الله عنه- نَجَم نوع آخر من النفاق يهدف إلى هدم الإسلام من داخله، وإحلال عقائد فاسدة مكانه جمعوها من الفلسفة اليونانية والمجوسية والوثنية واليهودية والنصرانية، وسربلوها بحب آل البيت؛ لئلا تكشف، وأخذوا من الإسلام بعض شعائره لإيهام الناس أنهم مسلمون، وهو النفاق الذي أحدثه في الإسلام عبد الله بن سبأ اليهودي، ومن أفكاره نشأ المذهب الباطني وتشظى إلى فرق كثيرة من أشهرها الإمامية والإسماعلية والنصيرية والدرزية وغيرها.

ومن أكثرها غموضًا وباطنية، وانحرافًا عن الملة الحنيفية، وأشدها حقدًا على الأمة المحمدية: طائفة النصيرية، وسميت في العصور المتأخرة بالطائفة العلوية، ويقال: إن الفرنسيين هم الذين أطلقوا عليها هذا الاسم حتى عرفوا به. وهي في الأصل فرقة ظهرت في القرن الثالث الهجري على يد محمد بن نصير البصري الذي ادعى النبوة والرسالة، وغلا في أئمة الشيعة فنسبهم إلى مقام الألوهية، وانتشرت مقولاته في الشام، وتكاثر أتباعه، وزاد المتنفذون في مذهبه من الشعائر والاعتقادات ما كونوا به دينًا غير دين الإسلام، وأتباعه يعتقدون أن عليًا خلق محمدًا -صلى الله عليه وسلم-.

ولقد كان من أعرف الناس بهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-؛ لأنه خالطهم بالشام، وتعرف على أحوالهم، وخبر مقولاتهم ومعتقداتهم، وقرأ كتبهم ومنشوراتهم، وكشف للأمة حقيقتهم وخياناتهم في سؤال وجه إليه عنهم فأجاب جوابا مطولاً يُنصح بقراءته لمن أراد معرفة حقيقتهم. ومما ذكره من أمرهم أنهم: "لا يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَلا يَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَلَا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ، وَلا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ، وَلا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ، وَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ. وذكر أنهم أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ بَلْ وَأَكْفَرُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَضَرَرُهُمْ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ... لإنهم يَتَظَاهَرُونَ عِنْدَ جُهَّالِ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّشَيُّعِ، وَمُوَالاةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ، وَلا بِرَسُولِهِ وَلا بِكِتَابِهِ، وَلا بِأَمْرٍ وَلا نَهْيٍ، وَلا ثَوَابٍ وَلا عِقَابٍ، وَلا جَنَّةٍ وَلا نَارٍ وَلا بِأَحَدٍ مِنْ الْمُرْسَلِينَ... وَلا بِشَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ، لا التَّوْرَاةِ وَلا الْإِنْجِيلِ وَلا الْقُرْآنِ. وَلا يُقِرُّونَ بِأَنَّ لِلْعَالَمِ خَالِقًا خَلَقَهُ، وَلا بِأَنَّ لَهُ دِينًا أَمَرَ بِهِ، وَلا أَنَّ لَهُ دَارًا يَجْزِي النَّاسَ فِيهَا عَلَى أَعْمَالِهِمْ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ.

وذكر أنهم خانوا المسلمين، وأعانوا الصليبيين في الشام، كما أعانوا التتار في العراق على المسلمين، وأنهم مِنْ أَغَشِّ النَّاسِ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِوُلَاةِ أُمُورِهِمْ، وَهُمْ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى فَسَادِ الْمَمْلَكَةِ وَالدَّوْلَةِ.

وما ذكره شيخ الإسلام من خيانتهم وغدرهم بالمسلمين، واستحلال دمائهم رأيناه في سوريا منذ أن قام لهم فيها دولة، ونراه هذه الأيام على شاشات التلفزة.

إن النصيريين تسللوا إلى الحكم في سوريا التي هي دار الإسلام وحصنه، وعاصمة الأمراء الأمويين، ولها تاريخ مجيد في الفتوح الإسلامية، وفي جهاد الصليبيين والتتر، حتى إن أعظم الفتوح الإسلامية عقدت ألويتها، وسيّرت جيوشها من بلاد الشام المباركة، التي باركها الله تعالى بنص في القرآن.

والحقيقة أن تسلمهم لحكم سوريا في عصرنا كان بمعونة الاستعمار الفرنسي الذي مكّن لهم فيها حين أسقط ولاتها من أهل السنة، وبترها عن الدولة العثمانية، وجعلها تحت سلطته، فلما جاهد أهل الشام الاستعمار الفرنسي وأثخنوا فيه لم يخرج منها حتى مكن للطوائف الباطنية؛ لأنهم كانوا أعوانًا له على احتلال سوريا؛ ولأجل إضعاف المسلمين بهم.

وما أذكره من معلومات في وصول النصيريين للحكم في سوريا مستقى من أطروحة للدكتوراه كتبها غربي نصراني معجب بالطائفة النصيرية، ويدافع عنها كثيرًا؛ وذلك حتى أنفي تهمة التحيز لو نقلت عن مسلمين وعن أهل السنة خاصة.

فقد ذكر ذلك الغربي أن الاستعمار الفرنسي هو الذي حرّض الطوائف الباطنية على أهل السنة في سوريا، وأظهرهم وقوى شوكتهم، ومكّن لهم في أهم المؤسسات العسكرية، حتى سادت فترة أغلقت الكليات والمعاهد العسكرية في وجه أبناء السنة، وفتحت للطوائف الأخرى، وصار القادة العسكريون من النصيريين في أهم المواقع ومحاطين بضباط وجنود من أبناء طائفتهم؛ لتقوية مراكزهم.

ثم كانت الخطة الخبيثة لإذابة أهل السنة، وإخفاء طائفية النصيريين بصهر الجميع في حزب البعث الذي أسسوه مع النصارى؛ ليكون مبدأ الحزب الإيمان بالعروبة، وجعلها بديلاً للإسلام، وخداع أبناء أهل السنة بمبادئ الحرية والاشتراكية التي يعلنها هذا الحزب، وكان لها آنذاك وهج كبير، وحولوا الناس من الولاء للدين إلى الولاء للحزب، وهم متمكنون من قيادته، ويخدعون العامة بمبادئه، حتى بلغوا سدة السلطة بالانقلاب قبل أربعين سنة تحت شعار الحزب وهم يخفون طائفيتهم، فلما سادوا حيدوا أهل السنة من المراكز المهمة، وبدأت سلسلة من التصفيات والقتل المبرمج لكل رموز أهل السنة، وتوجوا ذلك بمذبحة حماة بعد مذبحتي تدمر وحلب التي راح ضحيتها الآلاف من الأسر السنية برجالها ونسائها وأطفالها، وأذلوا أهل السنة ذلاً عظيمًا، وآذوهم أذى شديدًا، ولا يكاد يوجد بيت من أهل السنة إلا وفيه مصيبة بسبب النصيريين، حتى كانت النساء النصيريات يمارسن الإذلال والقهر للناس على أنهن الحكومة وممثلاتها.

وهم في كل هذه الأحوال يخفون دين طائفتهم، ورئيسهم يتمسح بالإسلام، ويتلو القرآن، وربما حضر الصلاة مع المسلمين؛ لخداع العامة بأن هذه المذابح هي لمتطرفين ولأعداء للوطن أو للحزب مندسين بين الناس. انتهى الاقتباس من أطروحة الكاتب الغربي.

ولقد ظل أهل السنة في سوريا وهم الأكثرية أربعين سنة تحت استعباد النصيريين الباطنيين وهم أقلية لا يبلغون عشر السكان، وكان ذلك بسبب غفلة أهل الرأي والحل والعقد من أهل السنة، وبسبب بعدهم عن دينهم، وركوب رموزهم موجة حزب البعث العلماني الكافر التي خدعهم الباطنيون بها، وجعلوها سلمًا لبلوغ السلطة، فكانت نتيجة تفريط أهل السنة في دينهم ومكاسبهم ذلاً وعذابًا وهوانًا وتشريدًا وقهرًا وتجهيلاً وتهميشًا زاد على أربعين سنة، حتى ضاق الناس ذرعًا وثاروا على ذلك، وهم الآن يذبحون ويعذب شبابهم وأطفالهم في السجون النصيرية، فعسى الله تعالى أن يكشف غمتهم، ويزيل كربهم، ويمكّن لهم، ويجعل مصابهم خيرًا لهم وللإسلام والمسلمين.

اللهم تقبل قتلاهم في الشهداء، واشف جرحاهم، وفك أسراهم، وأنزل عليهم سحائب نصرك، وأمدهم بجندك، واربط على قلوب ضعفائهم ونسائهم، وارحم أطفالهم، واهزم أعداءهم، إنك سميع الدعاء، (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) [آل عمران6]

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.





الخطبة الثانية:




الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله تعالى وأطيعوه: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة: 281].

أيها الناس: إن من الأسباب العظيمة لخذلان المسلمين وخيانتهم، وتسليط الأعداء عليهم، وتمكينهم من ديارهم ورقابهم: اتخاذ المنافقين بطانة من دون المؤمنين؛ لأنهم يخونونهم في الساعة الحرجة، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ) [آل عمران8-119].

ولو تأملنا سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- لوجدناه لم يظلم المنافقين، وعاملهم بما يظهرون، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، لكنه في الوقت ذاته لم يمكّن لأحد منهم في قيادة، ولم يستعمله في ولاية، ولم يتخذه بطانة، رغم أن في المنافقين سادة كبارًا في قومهم كابن سلول وعامر الراهب، حتى إن ابن سلول كان قبيل الهجرة سيتوج رئيسًا للأنصار، وحرم من أي قيادة أو ولاية ولو صغرت لما علم النبي -صلى الله عليه وسلم- نفاقه. ولست أعلم في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه استعمل أحدًا من المنافقين على شيء، ولا ولاّه قيادة سرية، ولا حمل لواءً، ولا أقل من ذلك؛ لأنهم يخونون المؤمنين في الأزمات كما فعل ابن سلول في أحد، فكان هذا منهجًا نبويًا، وسياسة شرعية في التعامل مع المنافقين والباطنيين.

وخيانات المنافقين من الفرق الباطنية مشهورة في تاريخ المسلمين؛ فبغداد سقطت في القديم والحديث بخيانتهم وممالأتهم للكفار على المسلمين، واحتل الصليبيون بيت المقدس بخيانتهم؛ إذ كانوا هم حكامه في الدولة العبيدية، وسقطت حديثًا في يد اليهود بخيانتهم أيضًا لما كان الدروز عيونًا وجنودًا لجيش الاحتلال.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن النصيرية أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى تَسْلِيمِ الْحُصُونِ إلَى عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى إفْسَادِ الْجُنْدِ عَلَى وَلِيِّ الأَمْرِ، وَإِخْرَاجِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ.

وما قاله قبل قرون وقع قبل أربعين سنة حين حرّض النصيريون الدهماء من أهل السنة على قياداتهم باسم حزب البعث، وحين سلموا هضبة الجولان، وأعلن رئيس النصيريين آنذاك سقوط القنيطرة في أيدي اليهود وهي لم تسقط، بل باعها لهم، وقد كشف حقيقة ذلك وزراء وقادة في النظام السوري في مذكراتهم ومقابلاتهم.

فعلى عموم المسلمين -حكامًا ومحكومين- الحذر من التمكين للمنافقين والباطنيين، وعدم الوثوق بهم، ولا اتخاذهم بطانة، وبيان خطرهم؛ فإن ذلك من أعظم النصيحة لولاة أمور المسلمين، ولكافة أهل الحل والعقد والرأي، وأن يكون تعاملهم معهم كتعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدم ظلمهم، وعدم توليهم أو التمكين لهم، مع شدة الحذر منهم، فوالله الذي لا يحلف بغيره إنهم ما تمكنوا من المسلمين في بلد إلا نكّلوا بهم، واستحلوا دماءهم وحريمهم وأموالهم، وأذاقوهم الذل والهوان، وتاريخ النصيريين في سوريا ينضح بالمآسي لأهل البلاد المباركة لمن يقرأ التاريخ ويستفيد من أحداثه.

حفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين كافة من شر الباطنيين، وكيد المنافقين، وهتك سترهم، وكشف للناس أمرهم، وأزال خطرهم، وأذهب ريحهم، ومكّن المسلمين منهم، إنه سميع مجيب.


بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2012, 05:02 PM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الرافضة الباطنيين والشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ للشيخ محمد الشعراني


الرافضة الباطنيين والشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ للشيخ محمد الشعراني


أما بعد:

أيها المسلمون: مصداقًا لقول ربكم: (لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) [التوبة ]، وكما لا يخفى عليكم، لقد تعرض العالم الإسلامي في الماضي لثماني حملات صليبية عسكرية حربية، شنت منطلقة من مبدأ الدين ومحاربة أتباع سيد المرسلين، وكشفت تلك الضغائن الخفية التي لا يتصورها عاقل، والتي يبطنها لنا عباد الصليب، والتي تمثلت جلية في تلك المجازر الوحشية، وبرك الدماء التي صنعتها تلك القوات بالمسلمين، بلا تفريق بين مدني أو عسكري، بل ذبح الأطفال والنساء الشيوخ وبقرت بطون الحوامل، وداست مراكبهم المرضى في الشوارع، هدمت المساجد، وسرقت مقتنياتها، وأتلفت الكتب ونهبت المنازل، واستباحت المحرمات، أحرقت الدور على من فيها، لقد صنعوا بالمسلمين بمصطلح اليوم أفظع أنواع جرائم الحرب.

ثم تلتها الحملة التاسعة المغولية الهولاكية، فأقبلت بالهلاك والذبح الجماعي، وزادت على صنيع الصليبيين بتدمير معالم الحضارة في عاصمة الخلافة بغداد، وإحراق الكتب العظيمة، ثروة الأمة التي لا تقدر بثمن، وتحويل أنهار العراق إلى لون الحبر والمداد، من ألوف الكتب والوثائق التي سطرها علماء الإسلام، عبر قرون دفعوا فيها راحتهم، وسلامة عيونهم، وأعمارهم ثمنًا، ثم هذه نهايتها؟!!

واليوم هذه الحملة العاشرة مرة أخرى على العالم الإسلامي، ابتدأت بالاستعمار ثم احتلال فلسطين وانتهاك حرمة بيت المقدس، من قبل إخوان القردة والخنازير، والدعم اللا محدود وحتى هذه الساعة من كل الدول الصليبية بلا استثناء، للسرطان المسمى بإسرائيل، وانتهت باحتلال لم يسبق له مثيل للعراق، مرورًا بحروب التصفية الجماعية لمسلمي البوسنة وكوسوفا والشيشان وأفغانستان، وحتى هذه الحملة على العراق مرة أخرى، والتي تدير رحاها أقوى دولتين تتبجحان بأكذوبة حقوق الإنسان، والمحافظة على التراث وحماية الآثار، تعيد إلى أذهان المسلمين نفس المشاهد، بقصف غير مسبوق للمدنيين، وقتل للأبرياء والأطفال، وهدم للبيوت، وتدمير للبنى التحتية، بل ولم يكتفوا بهذا فحسب، فتحت أعينهم وبمباركتهم تُرك آلاف المرضى والجرحى في المستشفيات بلا أطباء وبلا دواء، وترك آلاف المساجين بلا طعام أو شراب، بسبب خلو السجون من السجانين.

بل وفي نفس الوقت الذي شنوا فيها حربًا على حكومة طالبان المسلمة، وأحد أهم مبرراتها تدمير صنم بوذا، بدعوى أنه تراث أثري يجب المحافظة عليه، نراهم في نفس الوقت يشرفون على سلبٍ كامل، ونهب لم يسبق له نظير لمئات الآلاف من الآثار والتراثيات، التي هي بقايا لما يزيد على سبعة آلاف سنة من حضارات متعاقبة في بلاد العراق، وعلى مرأى العالم ومسمعه، حتى رأينا بكاء علماء الآثار على هذه الكارثة الإنسانية التي لا توصف.

واليوم نقف مع حال الباطنيين ودورهم في هذه الحملات العشر، والتاريخ يعيد نفسه في ذلك الدعم والوقوف العجيب من قبل الباطنيين، وخيانتهم العظمى لأمة الإسلام، بالترحيب بالقوى الصليبية، بل بدلاً من الاحتجاج عليها، تؤجج الأحقاد على أتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، في مسيرة مليونية تعيد شعار "يا لثارات الحسين"؛ إتمامًا لحديثنا عن الدور الذي تلعبه القوى الصليبية في المنطقة، لكي تثبت أقدامها على تراب العالم الإسلامي في اللعب بورقة الباطنية، الذين أجادوا الدور وبرعوا فيه، تواطؤًا مع كل حملة صليبية، بل وكل حملة مغولية، بل وكل مهاجم لبلاد الإسلام.

ها نحن نواصل رفع الستائر المسدلة:

هذي الحقائق أرويها وأسردهـا *** وأسـأل الله عونًا كي أجليها
وأكشف الستر عـن شر يراد بنا *** فافهم هديت لما أوردته فيهـا

أخي المسلم: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عدو الباطنية اللدود، والسيف الذي سله الله على كل عدو لسلف الأمة -رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته- عن الباطنية: "...واعلم أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأن أصل كل فتنة وبلية هم الباطنية، ومن انضوى إليهم، وكثير من السيوف التي سُلَّت في الإسلام إنما كانت من جهتهم، واعلم أن أصلهم ومادتهم منافقون، اختلقوا الأكاذيب، وابتدعوا آراء فاسدة، ليفسدوا بها دين الإسلام، ويستزلوا بها من ليس من أولي الأحلام"، "فإنهم أعظم ذوي الأهواء جهلاً وظلمًا، يعادون خيار أولياء الله تعالى بعد النبيين، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ويوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين، وأصناف الملحدين، كالنصيرية، والإسماعيلية، وغيرهم من الضالين".

وقال: "كانوا من أعظم الناس عداوة للمسلمين، ومعاونة للكافرين، وهكذا معاونتهم لليهود أمر شهير، حتى جعلهم الناس لهم كالحمير، يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه، وهذا هو الكذب والنفاق، ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة، ويصفون السابقين الأولين بالردة والنفاق، فهم في ذلك كما قيل: "رمتني بدائها وانسلت"، إذ ليس في المظاهرين للإسلام أقرب إلى النفاق والردة منهم، ولا يوجد المرتدون والمنافقون في طائفة أكثر مما يوجد فيهم".

وقد قال الإمام مالك -رحمه الله-: "الذي يشتم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس لهم سهم، أو قال: نصيب في الإسلام". بل لكم أن تتصوروا هذه الهجمة حتى على رسول الله بالهجوم والتعرض لحبيبته وقرة عينه أم المؤمنين، ليعيدوا إلينا فرية معلمهم الأول الذي علمهم النفاق ابن سلول، باتهام عائشة بالفاحشة مرة أخرى.

الله أكبر!! ما أعظم المشابهة؛ اليهود اتهموا مريم الطاهرة المطهرة عليها السلام بالزنا، وأحفادهم هؤلاء اتهموا عائشة الصديقة الطاهرة المطهرة أم المؤمنين بنص القرآن بهذه التهمة، ألا لعنة الله على الكافرين، وصدق الله العظيم: (النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوجُهُ أُمَّهَـاتُهُمْ) [الأحزاب:6].

أيها المسلمون: إن الإنسان لا يستطيع أن يتصور كيف يقود الحقد والضغينة هؤلاء القوم، لدرجة أنهم حتى أقبح أنواع الدناءة لا يتورعون عنها، وربما تورع عنها عباد الصليب والأحجار، أليس قد بلغ من حنقهم أنهم يحقنون الفاكهة بالبول، ثم يبيعونها؟! ويضعون أذكارهم -أعزكم الله- في الأواني والأكواب قبل تقديمها لمن يخالفهم؟!! فكيف يتقى شرهم؟! لم يفُتْ علماء التاريخ وغيرهم أن يذكروا طرفًا من أذى الباطنية، أليس شيخ الإسلام هو الذي قال: "...وقد علم أنه كان بساحل الشام جبل كبير، فيه ألوف من الباطنية، يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم، وقتلوا خلقًا عظيمًا وأخذوا أموالهم، ولما انكسر المسلمون سنة غازان، أخذوا الخيل والسلاح والأسرى، وباعوهم للكفار النصارى بقبرص، وأخذوا من مرّ بهم من الجند، وكانوا أضرّ على المسلمين من جميع الأعداء...".

فلم أر ودهم إلا خداعًا *** ولم أر دينهـم إلا نفاقًا

أخي المسلم: إن الباطنيين: "حين يعيشون في دول لا تدين بمعتقدهم، يتجه جهدهم إلى العمل والتخطيط للتمكين لمذهبهم وبني جنسهم، وإلحاق الضرر بغيرهم، ومن يقرأ ما فعله ابن يقطين الباطني بالمساجين المساكين، ويرى محاولات الباطنيين الدائبة في التسلل إلى أجهزة الأمن، وكذلك التغلغل في جيوش الدول الإسلامية، يعرف أن هدفهم من ذلك ليس خدمة الدولة ولا الدفاع عنها ضد أعدائها، ولكن استغلال هذه الأجهزة في العدوان على المسلمين، ونصرة الباطنية ومذهبهم كلما لاحت لهم الفرصة...".

نعم، فالباطنية كعادتهم: "وفي سبيل الوصول لأغراضهم، سيحاولون الدخول ليتمكنوا بواسطة ذلك من التسلط على عباد الله الصالحين، وإلحاق الضرر والأذى بمخالفيهم، بل هم يثبتون هذا في كتبهم، فهذا نعمة الله الجزائري في كتابه الأنوار النعمانية يقول: إن علي بن يقطين وصل إلى منصب وزارة في عهد هارون الرشيد، وأنه قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين -أي أهل السنة- فأمر غلمانه وهدموا أسقف المحبس على المحبوسين، فماتوا كلهم، وكانوا خمسمائة رجل تقريبًا".

وقد أثنى الزعيم الباطني في كتابه "الحكومة الإسلامية" على هذا الرجل لدخوله الشكلي، كما يعبر في الدولة الإسلامية لنصرة الإسلام والمسلمين -يعني الباطنية ومذهبهم-.

وكثير منا يعلم قصة ابن العلقمي الباطني، الذي جعله المستعصم وزيرًا أربع عشرة سنة، وكيف كان هذا الباطني من أهم أسباب سقوط دولة الخلافة في بغداد، واستيلاء التتار عليها، وارتكبت بواسطته أعظم جريمة حرب في التاريخ، ذهب ضحيتها في شهر واحد مليون وثمانمائة نفس، ثم ترى أحفاده الباطنيين المعاصرين يثنون على صنيعه هذا، بل وعدُّوه من أعظم مناقبه.

ولعلنا لا نتعجب من حقد الباطنية على أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، إذا نظرنا للروايات الأثيمة التي حشا بها القوم كتبهم، كما في كتاب الشرائع للباطني ابن بابويه، بروايته عن داود بن فرقد أنه سأل شيخه عن قتل مخالفهم من أهل التوحيد؟! فقال: حلال الدم، ولكني أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطًا أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل.

وقال آخر مجيبًا لمن سأله، وناصحًا له: "أشفق إن قتلته ظاهرًا أن تُسأل: لم قتلته؟! ولا تجد السبيل إلى تثبيت حجة، ولا يمكنك إدلاء الحجة، فتدفع ذلك عن نفسك، فيسفك دم مؤمن من أوليائنا بدم كافر، وعليكم بالاغتيال".

فيا أيها المسلم: قد أعطاك الله فطنة فاحذرهم أن يغتالوك، فلقد ذكر في كتاب رجال الكشي للباطنية، أن باطنيًا رفع تقريرًا إلى أحد رؤوس الباطنية، يخبره أنه تمكن -وحتى ذلك الوقت- من قتل ثلاثة عشر مسلمًا لا ذنب لهم إلا أنهم من أهل السنة، ويعتز هذا الباطني ويفتخر، ويصف كيف استطاع أن يقضي عليهم فيقول: "منهم من كنت أصعد سطحه بسلم حتى أقتله، ومنهم من دعوته بالليل على بابه، فإذا خرج عليّ قتلته".

ألا يجدر بنا بعدُ كأمة واعية، أمة تقتفي هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتبع سنته، أن نأخذ حذرنا، وأن لا نغتر بظواهر الأمور، فالمؤمن كيس فطن، ليس بالخب ولا الخب يخدعه، ونصيحتي التي أذكّر نفسي وإخواني بها: لا ننسَ التاريخ، لا ننسَ التاريخ؟!

فانظر كيف يعيشون في وسط المسلمين، ويتسمون باسم الإسلام، وهم يتحينون أدنى فرصة للقتل، وهذه اعترافاتهم تشهد بآثارهم السوداء.

وفي وقتنا المعاصر التاريخ يعيد نفسه، أصبحت لهم دول كما كانت الدولة العبيدية والبويهية والحمدانية والصليحية، وهاهم قد نكلوا بأتباع سنة محمد -صلى الله عليه وسلم- أيما تنكيل، وأقاموا لهم المذابح والمجازر، وصب عليهم العذاب صبًّا، وكثر فيهم القتل، فلم تكن تمضي ليلة واحدة بغير إعدام، وأيضًا فقد امتلأت سجونهم بأهل التوحيد رجالاً ونساءً.

بل -يا عبد الله- لقد وصل حقدهم البغيض، وإجرامهم الرهيب، إلى أن حراس ثوراتهم الشيطانية، كانوا يغتصبون البنت العذراء البكر قبل إعدامها، وليس لها ولمثيلاتها ذنب سوى أنهن من بني أتباع سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ولك أن تشعر بمشاعر من يرى أخاه الإنسان... يقتل ظلمًا، أو يرى أختًا يُعتدى على عرضها، وتهتك حرمتها، ثم تقتل مظلومة، وهو لا يملك أن يدافع عنه أو عنها، وأما عن الحرية الدينية فهناك أكثر من ثلاثمائة ألف من أهل السنة والجماعة، وحتى اليوم لا يوجد لهم مسجد واحد يصلون فيه جماعة على أرض أحفاد ابن العلقمي!!

أخي المسلم: هذا قليل من كثير، ولكن اعلم أن الباطنية إذا كانوا ضعفاء أخلدوا إلى الأمن، وأظهروا المودة والمحبة لأهل التوحيد، فإذا قويت شوكتهم عاثوا فيهم قتلاً واضطهادًا، واغتصابًا وإجرامًا، وإن شئت فقلّب صفحات التاريخ وانظر إلى الواقع، وسيتضح لك خذلانهم للمسلمين، وتآمرهم عليهم كلما حدثت لهم حادثه ووقعت لهم كارثة، وحلت بهم نائبة، وما أمر بغداد عنا ببعيد، أعرفت الآن معنى أن ترى حاقدًا يلبس جلد الثعلب؟! (إِنَّ فِى ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق: 37].

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والمواعظ والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو البر الغفور الرحيم.





الخطبة الثانية:




الحمد لله الذي أظهر دينه المبين، ومنعه بسياج متين، فحاطه من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سخَّر لدينه رجالاً قام بهم وبه قاموا، واعتزَّ بدعوتهم وجهادهم وبه اعتزوا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، كان يربّي ويعلّم ويدعو، ويصوم ويقوم ويغزو، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:

إن القوم الضالين، وكل فرق الباطنية المنافقين، أعلنوا حملة شعواء لا هوادة فيها على الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وعلى أتباعه، الذين لا ينفك الباطنيون عن نعتهم بالوهابية والوهابيين، وكأنهم طائفة من غير أهل السنة!

وكما عادى هؤلاء بكل وسيلة شيخ الإسلام علم الدنيا والأعلام، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، فهم يسلكون مع الشيخ ابن عبد الوهاب الطريقة نفسها، من التشهير ومناصبته وأتباعه العداء، فهذا زعيم الباطنية الهالك في كتابه: "الحكومة الإسلامية" يصف حركة المجدد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بشتى الأوصاف المقذعة، فتارة يسميهم: "وحوش نجد"، وتارة: "وحداة البعران في الرياض"، وتارة يقول: "ممن يعدون من أسوأ المخلوقات البشرية"، وتارة يقول: "الوهابيين، الذين هم مجموعة من رعاة الإبل المجردين من أي علم ومدنية..."، فما هو السبب؟!

أولاً: الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب (1115- 1206هـ) ولد ببلدة العيينة القريبة من الرياض، وتلقى علومه على والده دارسًا شيئًا من الفقه الحنبلي والتفسير والحديث، حافظًا للقرآن الكريم وعمره عشر سنين.

لقد سلك الإمام -رحمه الله تعالى- في بحثه عن فرق الباطنية مسلك الباحث الموضوعي، الذي اعتمد في كل جزئية تناولها على مراجعهم ومصادرهم، شأنه شأن المنصفين المقسطين، ولا غرو في ذلك فهو -رحمه الله تعالى- سلك مسلك أئمة السلف في الرد على المخالفين، لا سيما وأن الإمام قد تأثر إلى حد كبير بمنهج الإمامين العظيمين: ابن تيمية وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله تعالى-، فجاءت كتابته عن الرافضة سديدة وموثقة.

إن الشيخ بسبب تصديه ومحاربته العظيمة لعباد القبور والأضرحة، وقيامه بأهم الواجبات وهو تصفية التوحيد من أدران الشرك، وهدمه للقباب والأضرحة، وإبطاله أن يكون هناك عتبات أو مراقد مقدسة لأي أحد كان، ومنعه من الطواف بها، والاستغاثة، وطلب كشف الكربات، وتفريج المهمات، وتطبيق ذلك عمليًا، بهدم قبة قبر زيد بن الخطاب، وجميع أضرحة ومزارات نجد، وبسبب فضحه للباطنيين على نفس طريقة الإمامين العظيمين: ابن تيمية وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله تعالى-، وقيامه بالرد عليهم وتبيين دجلهم ونفاقهم، وحتى اليوم أتباعه يدعون بدعوته، فإن القوم يعادونه عداءً ليس له نظير، فإنه أكبر فاضح لهم.

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وبسبب الباطنية حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد".

إن الباطنية يعبدون ويتقربون لقبور الصالحين، فإذا كان حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". رواه البخاري ومسلم في قبور الأنبياء، فكيف من اتخذ المشاهد لمن هم أدنى من الأنبياء؟!!

وهو الذي منع النبي من الأمر بإبراز قبره للناس، كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، قالت: "لولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خشي أن يُتخذ مسجدًا"، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". رواه أحمد.

وهذا الذي يفعله هؤلاء الباطنيون -بالله عليكم- أليس من أعظم الشرك؟! وجعل قبور الصالحين أوثانًا تدعى وتعبد ويركع لها ويسجد، إن الله تعالى في عليائه أمر بإقامة الوجوه عند كل مسجد، ولم يأمر أن نقيمها عند كل مشهد، ثم إذا كان الغلو مهلكة لأمم السابقة، فهل أعظم منهم غلوًا؟!!

وعن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله". أخرجاه. وقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين". رواه النسائي وابن ماجه.

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-10-2012, 11:08 PM   #7 (permalink)
روانة
مشرف متميز سابقاً
غريبة من دون الناس
 
الصورة الرمزية روانة
بحر جزاك الله كل خير

بارك الله فيك وفي طرحك

لا عدمتك ولا جديدك

ودي لك ولشخصك
روانة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-11-2012, 12:19 AM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
روانـــــــة

شكــــــــــراً على حضورك الرائع، وربي يعطيك العافيـــــــــــــــة،،،،،
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-24-2012, 02:33 PM   #9 (permalink)
حمزة31
أمير الرومانسية
حمزة31 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-24-2012, 10:01 PM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
حمــــــــزة

شكـــــــــراً على حضورك الرائع، وربي يعطيك العافيــــــــة
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أدعية مختارة ولد حربـ مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 1 08-09-2008 07:00 AM
ساعدوني أنا محتارة al ghamda مشكلتي | أريد حلاً 5 07-19-2008 10:07 PM
صور مختارة صابر وراضي صور 2017 4 07-17-2004 01:02 AM
قصيدة مختارة mur الشعر و همس القوافي 1 03-03-2004 02:38 AM

الساعة الآن 07:53 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103