تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

مجموع فتاوى ابن تيمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-07-2011, 07:06 AM   #1 (permalink)
××ملاك روحي××
عضو موقوف
ويــــسر أمري يارب
 

Question مجموع فتاوى ابن تيمية




» مجموع فتاوى ابن تيمية » العقيدة » كتاب توحيد الألوهية » قاعدة في الجماعة والفرقة وسبب ذلك ونتيجته



- الجزء الأول - - ص 12 - وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قاعدة في الجماعة والفرقة وسبب ذلك ونتيجته قال الله تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } . أخبر سبحانه أنه شرع لنا ما وصى به نوحا ، والذي أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم وما وصى به الثلاثة المذكورين .
وهؤلاء هم المأخوذ عليهم الميثاق في قوله : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } . وقوله : { ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به } فجاء في حق محمد باسم الذي وبلفظ الإيحاء ، وفي سائر الرسل بلفظ [ الوصية ] . ثم قال : { أن أقيموا الدين } وهذا تفسير الوصية ، و ( أن : المفسرة التي تأتي بعد فعل من معنى القول لا من لفظه . كما في قوله : { ثم أوحينا إليك أن اتبع } . { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله } والمعنى قلنا لهم : اتقوا الله .
فكذلك قوله : { أن أقيموا الدين } في معنى قال : لكم من الدين ما وصى به رسلا قلنا أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، فالمشروع لنا هو الموصى به ، والموحى ، وهو : { أقيموا الدين } فأقيموا الدين مفسر - ص 13 - للمشروع لنا الموصى به الرسل ، والموحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقد يقال : الضمير في أقيموا عائد إلينا . ويقال هو عائد إلى المرسل .
ويقال هو عائد إلى الجميع . وهذا أحسن ونظيره . أمرتك بما أمرت به زيدا . أن أطع الله ، ووصيتكم بما وصيت بني فلان : أن افعلوا . فعلى الأول : يكون بدلا من ( ما ) أي شرع لكم أن أقيموا وعلى الثاني : شرع ( ما خاطبهم . أقيموا فهو بدل أيضا ، وذكر ما قيل للأولين . وعلى الثالث : شرع الموصى به ( أقيموا ) فلما خاطب بهذه الجماعة بعد الإخبار بأنها مقولة لنا ، ومقولة لهم : علم أن الضمير عائد إلى الطائفتين جميعا .
وهذا أصح إن شاء الله . والمعنى على التقديرين الأولين يرجع إلى هذا ، فإن الذي شرع لنا : هو الذي وصى به الرسل ، وهو الأمر بإقامة الدين والنهي عن التفرق فيه ; ولكن التردد في أن الضمير تناولهم لفظه ; وقد علم أنه قيل لنا مثله ; أو بالعكس ; أو تناولنا جميعا . وإذا كان الله قد أمر الأولين والآخرين بأن يقيموا الدين ، ولا يتفرقوا فيه ، وقد أخبر أنه شرع لنا ما وصى به نوحا ، والذي أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم . فيحتمل شيئين : أحدهما : أن يكون ما أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم يدخل فيه شريعته التي تختص بنا ; فإن جميع ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم قد أوحاه إليه من الأصول والفروع بخلاف نوح وغيره من الرسل ; فإنما شرع لنا من الدين ما وصوا به ; من إقامة الدين ، وترك التفرق فيه .
والدين الذي اتفقوا عليه : هو الأصول . فتضمن الكلام أشياء : - - ص 14 - أحدها : أنه شرع لنا الدين المشترك وهو الإسلام والإيمان العام والدين المختص بنا ; وهو الإسلام والإيمان الخاص . الثاني : أنه أمرنا بإقامة هذا الدين كله المشترك والمختص ونهانا عن التفرق فيه . الثالث : أنه أمر المرسلين بإقامة الدين المشترك ، ونهاهم عن التفرق فيه . الرابع : أنه لما فصل بقوله : { والذي أوحينا إليك } بين قوله : { ما وصى به نوحا } وقوله : { وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } أفاد ذلك .
ثم قال بعد ذلك : { وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } فأخبر أن تفرقهم إنما كان بعد مجيء العلم الذي بين لهم ما يتقون ; فإن الله ما كان ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون . وأخبر أنهم ما تفرقوا إلا بغيا ، والبغي مجاوزة الحد ، كما قال ابن عمر : الكبر والحسد ; وهذا بخلاف التفرق عن اجتهاد ليس في علم ، ولا قصد به البغي كتنازع العلماء السائغ ، والبغي إما تضييع للحق ، وإما تعد للحد ; فهو إما ترك واجب ، وإما فعل محرم ; فعلم أن موجب التفرق هو ذلك .
وهذا كما قال عن أهل الكتاب : { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } فأخبر أن نسيانهم حظا مما ذكروا به - وهو ترك العمل ببعض ما أمروا به - كان سببا لإغراء العداوة والبغضاء بينهم ، وهكذا هو الواقع في أهل ملتنا مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة في أصول دينها ، وكثير من فروعه من أهل - ص 15 - الأصول والفروع ومثلما نجده بين العلماء وبين العباد ; ممن يغلب عليه الموسوية أو العيسوية حتى يبقى فيهم شبه من الأمتين اللتين قالت كل واحدة : ليست الأخرى على شيء . كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة والمتصوف المتمسك منه بأعمال باطنة كل منهما ينفي طريقة الآخر ويدعي أنه ليس من أهل الدين ، أو يعرض عنه إعراض من لا يعده من الدين ; فتقع بينهما العداوة والبغضاء .
وذلك : أن الله أمر بطهارة القلب ، وأمر بطهارة البدن ، وكلا الطهارتين من الدين الذي أمر الله به وأوجبه . قال تعالى : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم } وقال : { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } وقال : { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } وقال : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } وقال : { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } وقال : { إنما المشركون نجس } وقال : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } .
فنجد كثيرا من المتفقهة والمتعبدة ، إنما همته طهارة البدن فقط ، ويزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا . ويترك من طهارة القلب ما أمر به ; إيجابا ، أو استحبابا ، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك .
ونجد كثيرا من المتصوفة والمتفقرة ، إنما همته طهارة القلب فقط ; حتى يزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا ; ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابا ، أو استحبابا . فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صب الماء ، وتنجيس ما ليس بنجس ، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه مع اشتمال قلوبهم على أنواع من - ص 16 - الحسد والكبر والغل لإخوانهم ، وفي ذلك مشابهة بينة لليهود . والآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة ، فيبالغون في سلامة الباطن حتى يجعلون الجهل بما تجب معرفته من الشر - الذي يجب اتقاؤه - من سلامة الباطن ، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهي عنه ، وبين سلامة القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات ، ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى .
وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به والبغي الذي هو مجاوزة الحد إما تفريطا وتضييعا للحق ، وإما عدوانا وفعلا للظلم . والبغي تارة يكون من بعضهم على بعض وتارة يكون في حقوق الله ، وهما متلازمان ولهذا قال : { بغيا بينهم } فإن كل طائفة بغت على الأخرى ، فلم تعرف حقها الذي بأيديها ولم تكف عن العدوان عليها .
وقال تعالى : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } وقال تعالى : { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم } . وقال تعالى : { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة } الآية وقال تعالى في موسى بن عمران مثل ذلك وقال : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } وقال : { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء } وقال : { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } { منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين } { من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون } لأن المشركين كل منهم يعبد إلها يهواه .
كما قال في الآية الأولى : { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } وقال : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } { وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون } . فظهر أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، كما أمر به باطنا ، وظاهرا . وسبب الفرقة : ترك حظ مما أمر العبد به ، والبغي بينهم . ونتيجة الجماعة : رحمة الله ، ورضوانه ، وصلواته ، وسعادة الدنيا والآخرة ، وبياض الوجوه . ونتيجة الفرقة : عذاب الله ، ولعنته ، وسواد الوجوه ، وبراءة الرسول صلى الله عليه وسلم منهم . وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة ، فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين ، فلا تكون طاعة الله ورحمته : بفعل لم يأمر الله به من اعتقاد ، أو قول ، أو عمل ، فلو كان القول ، أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به لم يكن ذلك طاعة لله ، ولا سببا لرحمته ، وقد احتج بذلك أبو بكر عبد العزيز في أول " التنبيه " نبه على هذه النكتة . - ص 18 -
وقال : فصل قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور في السنن من رواية فقيهي الصحابة : عبد الله بن مسعود ، وزيد بن ثابت { ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين ; فإن دعوتهم تحيط من ورائهم } وفي حديث أبي هريرة المحفوظ : { إن الله يرضى لكم ثلاثا : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم } . فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث ; إخلاص العمل لله ومناصحة أولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين ، وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده وتجمع الحقوق التي لله ولعباده ، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة .
وبيان ذلك أن الحقوق قسمان : حق لله وحق لعباده ، فحق الله أن نعبده ولا نشرك به شيئا ، كما جاء لفظه في أحد الحديثين ; وهذا معنى إخلاص العمل لله ، كما جاء في الحديث الآخر . وحقوق العباد قسمان : خاص وعام ; أما الخاص فمثل بر كل إنسان والديه ، وحق زوجته وجاره ; فهذه من فروع الدين ; لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه ; ولأن مصلحتها خاصة فردية .
وأما الحقوق العامة فالناس نوعان : رعاة ورعية ; فحقوق الرعاة مناصحتهم ; وحقوق الرعية لزوم جماعتهم ; فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم ، وهم لا يجتمعون - ص 19 - على ضلالة ; بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله جميعا ; فهذه الخصال تجمع أصول الدين . وقد جاءت مفسرة في الحديث الذي رواه مسلم عن تميم الداري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم } .
فالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله تدخل في حق الله وعبادته وحده لا شريك له ، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم هي مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم ، فإن لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة ، وأما النصيحة الخاصة لكل واحد منهم بعينه ، فهذه يمكن بعضها ويتعذر استيعابها على سبيل التعيين .






التعديل الأخير تم بواسطة ××ملاك روحي×× ; 07-07-2011 الساعة 07:24 AM
××ملاك روحي×× غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2011, 07:11 AM   #2 (permalink)
××ملاك روحي××
عضو موقوف
ويــــسر أمري يارب
 
- الجزء الأول - - ص 20 - وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما . وبعد : فهذه قاعدة جليلة في توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له ، عبادة واستعانة قال الله تعالى : { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء } الآية .
وقال تعالى : { وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } . وقال تعالى : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير } . وقال تعالى في الآية الأخرى : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله } . وقال تعالى : { إياك نعبد وإياك نستعين } .
وقال تعالى : { فاعبده وتوكل عليه } . وقال تعالى : { عليه توكلت وإليه أنيب } . وقال تعالى : { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير } .
وقال تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } . وقال تعالى : { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته } الآية . - ص 21 -
وقال تعالى : { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير } { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } وقال تعالى : { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا } { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } وقال تعالى : { ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } وقال تعالى : { وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا } { الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما } الآية .
وقال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة } الآية . ونظائر هذا في القرآن كثير ، وكذلك في الأحاديث ، وكذلك في إجماع الأمة لا سيما أهل العلم والإيمان منهم ، فإن هذا عندهم قطب رحى الدين كما هو الواقع .
ونبين هذا بوجوه نقدم قبلها مقدمة . وذلك أن العبد بل كل حي بل وكل مخلوق سوى الله هو فقير محتاج إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ، والمنفعة للحي هي من جنس النعيم واللذة ; والمضرة هي من جنس الألم والعذاب ; فلا بد له من أمرين : - أحدهما : هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع ويلتذ به . والثاني : هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع من دفع المكروه .
وهذان هما الشيئان المنفصلان الفاعل والغاية فهنا أربعة أشياء : - أحدها : أمر هو محبوب مطلوب الوجود . - ص 22 - والثاني : أمر مكروه مبغض مطلوب العدم . والثالث : الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب . والرابع : الوسيلة إلى دفع المكروه ، فهذه الأربعة الأمور ضرورية للعبد بل ولكل حي لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها ; وأما ما ليس بحي فالكلام فيه على وجه آخر . إذا تبين ذلك فبيان ما ذكرته من وجوه : - أحدها : أن الله تعالى هو الذي يحب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب ، وهو المعين على المطلوب وما سواه هو المكروه ، وهو المعين على دفع المكروه ; فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه ، وهذا معنى قوله : { إياك نعبد وإياك نستعين } فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب ; لكن على أكمل الوجوه ، والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب ; فالأول من معنى الألوهية .
والثاني من معنى الربوبية ; إذ الإله : هو الذي يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالا وإكراما والرب : هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها ; وكذلك قوله تعالى : { عليه توكلت وإليه أنيب } .
وقوله : { فاعبده وتوكل عليه } . وقوله : { عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير } . وقوله تعالى { وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده } . وقوله تعالى : { عليه توكلت وإليه متاب } وقوله : { وتبتل إليه تبتيلا } { رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا } فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين .
- ص 23 - الوجه الثاني : أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له فبذكره تطمئن قلوبهم ; وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه ; ولا شيء يعطيهم في الدنيا أعظم من الإيمان به . وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألههم كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم وربوبيته إياهم ; فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم ; وبذلك يصيرون عاملين متحركين ، ولا صلاح لهم ولا فلاح ; ولا نعيم ولا لذة ; بدون ذلك بحال . بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى . ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ولهذا كانت لا إله إلا الله أحسن الحسنات ، وكان التوحيد بقول : لا إله إلا الله ; رأس الأمر .
فأما توحيد الربوبية الذي أقر به الخلق ، وقرره أهل الكلام ; فلا يكفي وحده ، بل هو من الحجة عليهم ، وهذا معنى ما يروى : { يا ابن آدم خلقت كل شيء لك ، وخلقتك لي ، فبحقي عليك أن لا تشتغل بما خلقته لك ، عما خلقتك له } . واعلم أن هذا حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أتدري ما حق الله على عباده ؟ قال قلت : الله ورسوله أعلم . قال : حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قال قلت : الله ورسوله أعلم . قال : حقهم أن لا يعذبهم } . - ص 24 - وهو يحب ذلك ، ويرضى به ; ويرضى عن أهله ، ويفرح بتوبة من عاد إليه ; كما أن في ذلك لذة العبد وسعادته ونعيمه ; وقد بينت بعض معنى محبة الله لذلك وفرحه به في غير هذا الموضع .
فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به ، ويتنعم بالتوجه إليه ; إلا الله سبحانه ; ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل طعام المسموم { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون } فإن قوامهما بأن تأله الإله الحق فلو كان فيهما آلهة غير الله لم يكن إلها حقا ; إذ الله لا سمي له ولا مثل له ; فكانت تفسد لانتفاء ما به صلاحها ، هذا من جهة الإلهية .
وأما من جهة الربوبية فشيء آخر ; كما نقرره في موضعه . واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئا ، ليس له نظير فيقاس به ; لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب ; وبينهما فروق كثيرة . فإن حقيقة العبد قلبه وروحه ، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو : فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره : وهي كادحة إليه كدحا فملاقيته ولا بد لها من لقائه ، ولا صلاح لها إلا بلقائه .
ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك ، بل ينتقل من نوع إلى نوع ، ومن شخص إلى شخص ، ويتنعم بهذا في وقت وفي بعض الأحوال ، وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له ، بل قد - ص 25 - يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ، ويضره ذلك .
وأما إلهه فلا بد له منه في كل حال وكل وقت ، وأينما كان فهو معه ; ولهذا قال إمامنا ( إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم { لا أحب الآفلين } . وكان أعظم آية في القرآن الكريم : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } . وقد بسطت الكلام في معنى القيوم في موضع آخر ، وبينا أنه الدائم الباقي الذي لا يزول ولا يعدم ، ولا يفنى بوجه من الوجوه .
واعلم أن هذا الوجه مبني على أصلين : أحدهما : على أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان ، وكما دل عليه القرآن ; لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم : أن عبادته تكليف ومشقة . وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار ; أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم ; فإنه وإن كان في الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس - والله سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة ، كما قال تعالى : { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب } الآية ، وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة : { أجرك على قدر نصبك } - فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعي ، وإنما وقع ضمنا وتبعا لأسباب ليس هذا موضعها ، وهذا يفسر في موضعه .
ولهذا لم يجئ في الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح أنه تكليف كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة ; وإنما جاء ذكر التكليف في موضع النفي ; كقوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } . - ص 26 - { لا تكلف إلا نفسك } { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } أي وإن وقع في الأمر تكليف ; فلا يكلف إلا قدر الوسع ، لا أنه يسمي جميع الشريعة تكليفا ، مع أن غالبها قرة العيون وسرور القلوب ; ولذات الأرواح وكمال النعيم ، وذلك لإرادة وجه الله والإنابة إليه ، وذكره وتوجه الوجه إليه ، فهو الإله الحق الذي تطمئن إليه القلوب ، ولا يقوم غيره مقامه في ذلك أبدا .
قال الله تعالى : { فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا } فهذا أصل . ( الأصل الثاني : النعيم في الدار الآخرة أيضا مثل النظر إليه لا كما يزعم طائفة من أهل الكلام ونحوهم أنه لا نعيم ولا لذة إلا بالمخلوق : من المأكول والمشروب والمنكوح ونحو ذلك ، بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق سبحانه وتعالى ، كما في الدعاء المأثور : { اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة } . رواه النسائي وغيره وفي صحيح " مسلم " وغيره عن " صهيب " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة ; إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه . فيقولون : ما هو ألم يبيض وجوهنا ، ويدخلنا الجنة ، ويجرنا من النار قال : فيكشف الحجاب ; فينظرون إليه - سبحانه . فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه ، وهو الزيادة } .
فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم الله في الجنة لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه ; وإنما يكون أحب إليهم لأن تنعمهم وتلذذهم به أعظم من التنعم والتلذذ بغيره . فإن اللذة تتبع الشعور بالمحبوب ، فكلما كان الشيء أحب إلى الإنسان كان حصوله ألذ له ، وتنعمه به أعظم . - ص 27 -
وروي أن يوم الجمعة يوم المزيد ، وهو يوم الجمعة من أيام الآخرة ، وفي الأحاديث والآثار ما يصدق هذا ، قال الله تعالى في حق الكفار : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } { ثم إنهم لصالو الجحيم } . فعذاب الحجاب أعظم أنواع العذاب . ولذة النظر إلى وجهه أعلى اللذات ; ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم منه تعالى .
وهذان الأصلان ثابتان في الكتاب والسنة ; وعليهما أهل العلم والإيمان ويتكلم فيهما مشايخ الصوفية العارفون ; وعليهما أهل السنة والجماعة ; وعوام الأمة ; وذلك من فطرة الله التي فطر الناس عليها . وقد يحتجون على من ينكرها بالنصوص والآثار تارة ; وبالذوق والوجد أخرى - إذا أنكر اللذة - فإن ذوقها ووجدها ينفي إنكارها . وقد يحتجون بالقياس في الأمثال تارة ; وهي الأقيسة العقلية .
الوجه الثالث : أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرر ; ولا عطاء ولا منع ; ولا هدى ولا ضلال ; ولا نصر ولا خذلان ; ولا خفض ولا رفع ; ولا عز ولا ذل ; بل ربه هو الذي خلقه ورزقه ; وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمه ; فإذا مسه الله بضر فلا يكشفه عنه غيره ; وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه ; وأما العبد فلا ينفعه ولا يضره إلا بإذن الله ; وهذا الوجه أظهر للعامة من الأول ; ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول ; لكن إذا تدبر اللبيب طريقة القرآن ; وجد أن الله يدعو عباده بهذا الوجه إلى الأول . فهذا الوجه يقتضي ; التوكل على الله والاستعانة به . ودعاءه . ومسألته ، دون ما سواه .
ويقتضي أيضا محبة الله وعبادته لإحسانه إلى عبده ، وإسباغ - ص 28 - نعمه عليه ; وحاجة العبد إليه في هذه النعم ، ولكن إذا عبدوه وأحبوه ; وتوكلوا عليه من هذا الوجه ; دخلوا في الوجه الأول ; ونظيره في الدنيا من نزل به بلاء عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق ; فجعل يدعو الله ويتضرع إليه حتى فتح له من لذة مناجاته ما كان أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا ; ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه .
والقرآن مملوء من ذكر حاجة العباد إلى الله دون ما سواه ، ومن ذكر نعمائه عليهم ; ومن ذكر ما وعدهم في الآخرة من صنوف النعيم واللذات ، وليس عند المخلوق شيء من هذا ; فهذا الوجه يحقق التوكل على الله والشكر له ومحبته على إحسانه . الوجه الرابع : إن تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه ; إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته في عبادة الله ; فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته ; ضره وأهلكه ; وكذلك من النكاح واللباس ; وإن أحب شيئا حبا تاما بحيث يخالله فلا بد أن يسأمه ; أو يفارقه . وفي الأثر المأثور : { أحبب ما شئت فإنك مفارقه . واعمل ما شئت فإنك ملاقيه . وكن كما شئت فكما تدين تدان } . واعلم أن كل من أحب شيئا لغير الله فلا بد أن يضره محبوبه ; ويكون ذلك سببا لعذابه ; ولهذا كان الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ; يمثل لأحدهم كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يأخذ بلهزمته . يقول : أنا كنزك . أنا مالك . وكذلك نظائر هذا في الحديث : يقول الله يوم القيامة : { يا ابن آدم ; أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولاه في الدنيا ؟ } وأصل التولي - ص 29 - الحب ; فكل من أحب شيئا دون الله ولاه الله يوم القيامة ما تولاه ; وأصلاه جهنم وساءت مصيرا ; فمن أحب شيئا لغير الله فالضرر حاصل له إن وجد ; أو فقد ; فإن فقد عذب بالفراق وتألم ; وإن وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة ; وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء ; وكل من أحب شيئا دون الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته ; فصارت المخلوقات وبالا عليه إلا ما كان لله وفي الله ; فإنه كمال وجمال للعبد ; وهذا معنى ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { الدنيا ملعونة ملعون ما فيها ; إلا ذكر الله وما والاه } . رواه الترمذي ; وغيره .
الوجه الخامس : أن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب الضرر من جهته ; فإنه يخذل من تلك الجهة ; وهو أيضا معلوم بالاعتبار والاستقراء ; ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة ; ولا استنصر بغير الله إلا خذل . وقد قال الله تعالى : { واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا } { كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا } . وهذان الوجهان في المخلوقات نظير العبادة والاستعانة في المخلوق ; فلما قال : { إياك نعبد وإياك نستعين } كان صلاح العبد في عبادة الله واستعانته .
وكان في عبادة ما سواه ; والاستعانة بما سواه ; مضرته وهلاكه وفساده . الوجه السادس : إن الله سبحانه غني . حميد . كريم . واجد . رحيم ، فهو سبحانه محسن إلى عبده مع غناه عنه ; يريد به الخير ويكشف عنه الضر ; لا لجلب منفعة إليه من العبد ; ولا لدفع مضرة ; بل رحمة وإحسانا ; والعباد لا يتصور أن يعملوا إلا لحظوظهم ; فأكثر ما عندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه ; ويجلبوا - ص 30 - له منفعة ويدفعوا عنه مضرة ما . وإن كان ذلك أيضا من تيسير الله تعالى فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد إذا لم يكن العمل لله .
فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر فإذا أحبوا الأنبياء والأولياء طلبوا لقاءهم فهم يحبون التمتع برؤيتهم ; وسماع كلامهم ; ونحو ذلك . وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو رياسته ; أو جماله أو كرمه ; فهو يجب أن ينال حظه من تلك المحبة ; ولولا التذاذه بها لما أحبه ; وإن جلبوا له منفعة كخدمة أو مال ; أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو - ولو بالدعاء أو الثناء - فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله ; فأجناد الملوك ; وعبيد المالك ; وأجراء الصانع ; وأعوان الرئيس ; كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به ; لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم ; إلا أن يكون قد علم وأدب من جهة أخرى ; فيدخل ذلك في الجهة الدينية ; أو يكون فيها طبع عدل ; وإحسان من باب المكافأة والرحمة ; وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه ; وهذا من حكمة الله التي أقام بها مصالح خلقه ; وقسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ; ورفع بعضهم فوق بعض درجات ; : ليتخذ بعضهم بعضا سخريا . إذا تبين هذا ظهر أن المخلوق لا يقصد منفعتك . بالقصد الأول ; بل إنما يقصد منفعته بك وإن كان ذلك قد يكون عليك فيه ضرر إذا لم يراع العدل ; فإذا دعوته ; فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه .
والرب سبحانه يريد لك ; ولمنفعتك بك ; لا لينتفع بك . وذلك منفعة عليك بلا مضرة . فتدبر هذا ; فملاحظة هذا الوجه يمنعك أن ترجو المخلوق أو - ص 31 - تطلب منه منفعة لك ، فإنه لا يريد ذلك بالقصد الأول ; كما أنه لا يقدر عليه . ولا يحملنك هذا على جفوة الناس ; وترك الإحسان إليهم ; واحتمال الأذى منهم ; بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم ; وكما لا تخفهم فلا ترجهم ; وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله ; وارج الله في الناس ولا ترج الناس في الله ; وكن ممن قال الله فيه : { وسيجنبها الأتقى } { الذي يؤتي ماله يتزكى } { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } .
وقال فيه : { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } . الوجه السابع : أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجاتهم بك وإن كان ذلك ضررا عليك ; فإن صاحب الحاجة أعمى لا يعرف إلا قضاءها . الوجه الثامن : إنه إذا أصابك مضرة كالخوف والجوع والمرض ; فإن الخلق لا يقدرون على دفعها إلا بإذن الله ; ولا يقصدون دفعها إلا لغرض لهم في ذلك . الوجه التاسع : أن الخلق لو اجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه الله لك ; ولو اجتهدوا أن يضروك لم يضروك إلا بأمر قد كتبه الله عليك ; فهم لا ينفعونك إلا بإذن الله ; ولا يضرونك إلا بإذن الله ; فلا تعلق بهم رجاءك . قال الله تعالى : { أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور } .
والنصر يتضمن دفع الضرر ; والرزق يتضمن حصول المنفعة - ص 32 - قال الله تعالى : { فليعبدوا رب هذا البيت } { الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } وقال تعالى : { أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا } وقال الخليل عليه السلام { رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات } الآية . وقال النبي صلى الله عليه وسلم { هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم } بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم .

التعديل الأخير تم بواسطة ××ملاك روحي×× ; 07-07-2011 الساعة 07:26 AM
××ملاك روحي×× غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2011, 07:15 AM   #3 (permalink)
××ملاك روحي××
عضو موقوف
ويــــسر أمري يارب
 
- الجزء الأول - - ص 33 - فصل جماع هذا أنك أنت إذا كنت غير عالم بمصلحتك ; ولا قادر عليها ; ولا مريد لها كما ينبغي ; فغيرك من الناس أولى أن لا يكون عالما بمصلحتك ; ولا قادرا عليها ; ولا مريدا لها ; والله - سبحانه - هو الذي يعلم ولا تعلم ; ويقدر ولا تقدر ; ويعطيك من فضله العظيم ; كما في حديث الاستخارة : { اللهم إني أستخيرك بعلمك ; وأستقدرك بقدرتك ; وأسألك من فضلك العظيم ; فإنك تقدر ولا أقدر ; وتعلم ولا أعلم ; وأنت علام الغيوب } .
- ص 34 - فصل وهو مثل المقدمة لهذا الذي أمامه ، وهو أن كل إنسان فهو همام حارث حساس متحرك بالإرادة ، بل كل حي فهو كذلك له علم وعمل بإرادته . والإرادة هي المشيئة والاختيار ، ولا بد في العمل الإرادي الاختياري من مراد وهو المطلوب ، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ووسائل تحصله ، فإن حصل بفعل العبد فلا بد من قدرة وقوة ; وإن كان من خارج فلا بد من فاعل غيره ; وإن كان منه ومن الخارج فلا بد من الأسباب كالآلات ونحو ذلك ، فلا بد لكل حي من إرادة ، ولا بد لكل مريد من عون يحصل به مراده . فصار العبد مجبولا على أن يقصد شيئا ويريده ; ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده هذا أمر حتم لازم ضروري في حق كل إنسان يجده في نفسه .
لكن المراد والمستعان على قسمين : منه ما يراد لغيره ، ومنه ما يراد لنفسه . والمستعان : منه ما هو المستعان لنفسه ، ومنه ما هو تبع للمستعان وآلة له ، فمن المراد ما يكون هو الغاية المطلوب ، فهو الذي يذل له الطالب ويحبه ، وهو الإله المقصود ، ومنه ما يراد لغيره ، وهو بحيث يكون المراد هو ذلك الغير ، فهذا مراد بالعرض .
ومن المستعان ما يكون هو الغاية التي يعتمد عليه العبد ; ويتوكل عليه ; ويعتضد به ; ليس عنده فوقه غاية في الاستعانة ومنه ما يكون تبعا لغيره ، بمنزلة الأعضاء مع القلب ; والمال مع المالك ; والآلات مع الصانع . - ص 35 -
فإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال جميع الناس ; وجدهم لا ينفكون عن هذين الأمرين : لا بد للنفس من شيء تطمئن إليه وتنتهي إليه محبتها ; وهو إلهها . ولا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها هو مستعانها ; سواء كان ذلك هو الله أو غيره وإذا فقد يكون عاما وهو الكفر ، كمن عبد غير الله مطلقا ، وسأل غير الله مطلقا ، مثل عباد الشمس والقمر وغير ذلك الذين يطلبون منهم الحاجات ، ويفزعون إليهم في النوائب .
وقد يكون خاصا في المسلمين ، مثل من غلب عليه حب المال ، أو حب شخص ، أو حب الرياسة ، حتى صار عبد ذلك ، كما قال صلى الله عليه وسلم { تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة : إن أعطي رضي ، وإن منع سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش } وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله ، بحيث يكون عنده مخدومه من الرؤساء ونحوهم ، أو خادمه من الأعوان والأجناد ونحوهم ، أو أصدقائه أو أمواله هي التي تجلب المنفعة الفلانية وتدفع المضرة الفلانية ، فهو معتمد عليها ومستعين بها والمستعان هو مدعو ومسئول . وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة ، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره ; خضع له وذل ; وانقاد وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته ، وينسى مقصوده منه ; كما يصيب كثيرا ممن يحب المال أو يحب من يحصل له به العز والسلطان .
وأما من أحبه القلب وأراده وقصده ; فقد لا يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه ; كاستشعار المحب قدرة المحبوب على وصله - ص 36 - فإذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه استعانه ; وإلا فلا ; فالأقسام ثلاثة فقد يكون محبوبا غير مستعان ، وقد يكون مستعانا غير محبوب ; وقد يجتمع فيه الأمران .
فإذا علم أن العبد لا بد له في كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو إلهه ، ومنتهى يطلب منه هو مستعانه ; - وذلك هو صمده الذي يصمد إليه في استعانته وعبادته - تبين أن قوله : { إياك نعبد وإياك نستعين } كلام جامع محيط أولا وآخرا ، لا يخرج عنه شيء ، فصارت الأقسام أربعة . إما أن يعبد غير الله ويستعينه - وإن كان مسلما - فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل .
وإما أن يعبده ويستعين غيره ، مثل كثير من أهل الدين ، يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته وحده لا شريك له ; وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم ; ورزقهم ، وهدايتهم ، من جهته : من الملوك والأغنياء والمشايخ . وإما أن يستعينه - وإن عبد غيره - مثل كثير من ذوي الأحوال ; وذوي القدرة وذوي السلطان الباطن أو الظاهر ، وأهل الكشف والتأثير ; الذين يستعينونه ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجئون إليه ; لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله ; وغير اتباع دينه وشريعته التي بعث الله بها رسوله .
والقسم الرابع : الذين لا يعبدون إلا إياه ; ولا يستعينون إلا به ; وهذا القسم الرباعي قد ذكر فيما بعد أيضا ; لكنه تارة يكون بحسب العبادة والاستعانة وتارة يكون بحسب المستعان ; فهنا هو بحسب المعبود والمستعان ; لبيان أنه لا بد لكل عبد من معبود مستعان ، وفيما بعد بحسب عبادة الله واستعانته ; فإن الناس فيها على أربعة أقسام . - ص 37 -

التعديل الأخير تم بواسطة ××ملاك روحي×× ; 07-07-2011 الساعة 07:27 AM
××ملاك روحي×× غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2011, 07:30 AM   #4 (permalink)
××ملاك روحي××
عضو موقوف
ويــــسر أمري يارب
 
- الجزء الأول - وقال شيخ الإسلام : فصل في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه : فلا يعمل إلا له ، ولا يرجى إلا هو ، هو سبحانه الذي ابتدأك بخلقك والإنعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلا ; وما فعل بك لا يقدر عليه غيره . ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضرر : فهو الذي يأتي بالرزق لا يأتي به غيره ، وهو الذي يدفع الضرر لا يدفعه غيره .
كما قال تعالى : { أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور } { أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور } . وهو سبحانه ينعم عليك ، ويحسن إليك بنفسه ; فإن ذلك موجب ما تسمى به ، ووصف به نفسه ; إذ هو الرحمن الرحيم ; الودود المجيد ; وهو قادر بنفسه ، وقدرته من لوازم ذاته ، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته : لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه ; بل هو الغني عن العالمين { ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم } { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد } .
وفي الحديث الصحيح الإلهي : { يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم - ص 38 - وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ; ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ; ولو قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئا } إلى آخر الحديث .
فالرب سبحانه غني بنفسه ، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه ، واجب له من لوازم نفسه ، لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره ; بل أفعاله من كماله : كمل ففعل ; وإحسانه وجوده من كماله لا يفعل شيئا لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه ; بل كلما يريده فعله ; فإنه فعال لما يريد .
وهو سبحانه بالغ أمره ; فكل ما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد ، ولا يعوقه أحد ، لا يحتاج في شيء من أموره إلى معين ، وما له من المخلوقين ظهير ; وليس له ولي من الذل . - ص 39 -
فصل والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارا إليه وخضوعا له : كان أقرب إليه ، وأعز له ، وأعظم لقدره ، فأسعد الخلق : أعظمهم عبودية لله . وأما المخلوق فكما قيل : احتج إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره ، ولقد صدق القائل : -

بين التذلل والتدلل نقطة في رفعها تتحير الأفهام
ذاك التذلل شرك فافهم يا فتى بالخلف

فأعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق : إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه ، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم : كنت أعظم ما يكون عندهم ، ومتى احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم ، وهذا من حكمة الله ورحمته ، ليكون الدين كله لله ، ولا يشرك به شيء .
ولهذا قال حاتم الأصم ، لما سئل فيم السلامة من الناس ؟ قال : أن يكون شيؤك لهم مبذولا وتكون من شيئهم آيسا ، لكن إن كنت معوضا لهم عن ذلك وكانوا محتاجين ، فإن تعادلت الحاجتان تساويتم كالمتبايعين ليس لأحدهما فضل على الآخر وإن كانوا إليك أحوج خضعوا لك . فالرب سبحانه : أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه . وأفقر ما تكون - ص 40 - إليه .
والخلق : أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم ، لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم ، فهم لا يعلمون حوائجك ، ولا يهتدون إلى مصلحتك ، بل هم جهلة بمصالح أنفسهم ، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم فإنهم لا يقدرون عليها ، ولا يريدون من جهة أنفسهم ، فلا علم ولا قدرة ولا إرادة . والرب تعالى يعلم مصالحك ويقدر عليها ، ويريدها رحمة منه وفضلا ، وذلك صفته من جهة نفسه ، لا شيء آخر جعله مريدا راحما ، بل رحمته من لوازم نفسه ، فإنه كتب على نفسه الرحمة ، ورحمته وسعت كل شيء ، والخلق كلهم محتاجون ، لا يفعلون شيئا إلا لحاجتهم ومصلحتهم ، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة ، ولا ينبغي لهم إلا ذلك ، لكن السعيد منهم الذي يعمل لمصلحته التي هي مصلحة ، لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك . فهم ثلاثة أصناف : ظالم . وعادل . ومحسن . فالظالم : الذي يأخذ منك مالا أو نفعا ولا يعطيك عوضه ، أو ينفع نفسه بضررك . والعادل : المكافئ . كالبايع لا لك ولا عليك كل به يقوم الوجود ، وكل منهما محتاج إلى صاحبه كالزوجين والمتبايعين والشريكين . والمحسن الذي يحسن لا لعوض يناله منك .
فهذا إنما عمل لحاجته ومصلحته ، وهو انتفاعه بالإحسان ، وما يحصل له بذلك مما تحبه نفسه من الأجر ، أو طلب مدح - الخلق وتعظيمهم ، أو التقرب إليك ، إلى غير ذلك . وبكل حال : ما أحسن إليك إلا لما يرجو من الانتفاع . وسائر الخلق إنما يكرمونك ويعظمونك لحاجتهم إليك ، وانتفاعهم بك ، إما بطريق - ص 41 - المعاوضة ; لأن كل واحد من المتبايعين والمتشاركين والزوجين محتاج إلى الآخر ، والسيد محتاج إلى مماليكه وهم محتاجون إليه ، والملوك محتاجون إلى الجند والجند محتاجون إليهم ، وعلى هذا بني أمر العالم ، وأما بطريق الإحسان منك إليهم . فأقرباؤك وأصدقاؤك وغيرهم إذا أكرموك لنفسك ، فهم إنما يحبونك ويكرمونك لما يحصل لهم بنفسك من الكرامة ، فلو قد وليت ولوا عنك وتركوك فهم في الحقيقة إنما يحبون أنفسهم ، وأغراضهم . فهؤلاء كلهم من الملوك إلى من دونهم تجد أحدهم سيدا مطاعا وهو في الحقيقة عبد مطيع وإذا أوذي أحدهم بسبب سيده أو من يطيعه تغير الأمر بحسب الأحوال ، ومتى كنت محتاجا إليهم نقص الحب والإكرام والتعظيم بحسب ذلك وإن قضوا حاجتك .
والرب تعالى : يمتنع أن يكون المخلوق الآخرين له أو متفضلا عليه ; ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفعت مائدته : { الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا } رواه البخاري من حديث أبي أمامة بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده لا شريك له في ذلك ; بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله ; وسعادة العبد في كمال افتقاره إلى الله ، واحتياجه إليه ، وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه ، أي بموجب علمه ذلك . فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم مثل أن يذهب ماله ولا يعلم ، بل يظنه باقيا فإذا علم بذهابه صار له حال آخر ، فكذلك الخلق كلهم فقراء إلى الله ، لكن أهل الكفر والنفاق في جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره والعمل به ، والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره ، وهؤلاء هم عباد الله . - ص 42 -
فالإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات ، وفقره من لوازم ذاته ، يمتنع أن يكون إلا فقيرا إلى خالقه ، وليس أحد غنيا بنفسه إلا الله وحده ، فهو الصمد الغني عما سواه ، وكل ما سواه فقير إليه ، فالعبد فقير إلى الله من جهة ربوبيته ومن جهة إلهيته ، كما قد بسط هذا في مواضع . والإنسان يذنب دائما فهو فقير مذنب ، وربه تعالى يرحمه ويغفر له ، وهو الغفور الرحيم ، فلولا رحمته وإحسانه : لما وجد خير أصلا ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه ، وهو محتاج دائما إلى حصول النعمة ، ودفع الضر والشر ولا تحصل النعمة إلا برحمته ، ولا يندفع الشر إلا بمغفرته ، فإنه لا سبب للشر إلا ذنوب العباد . كما قال تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } والمراد بالسيئات : ما يسوء العبد من المصائب وبالحسنات : ما يسره من النعم . كما قال : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } فالنعم والرحمة والخير كله من الله فضلا وجودا من غير أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق ، وإن كان تعالى عليه حق لعباده ، فذلك الحق هو أحقه على نفسه ، وليس ذلك من جهة المخلوق ، بل من جهة الله ، كما قد بسط هذا في مواضع . والمصائب : بسبب ذنوب العباد وكسبهم . كما قال : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } .
والنعم وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها : فهو سبحانه المنعم . بالعبد وبطاعته وثوابه عليها ، فإنه سبحانه هو الذي خلق العبد وجعله مسلما طائعا ، كما قال الخليل : { الذي خلقني فهو يهدين } وقال : { واجعلنا مسلمين لك } وقال : { اجعلني مقيم الصلاة } وقال : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } فسأل ربه أن يجعله مسلما وأن يجعله مقيم الصلاة . وقال : { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم } الآية : قال في آخرها : { فضلا من الله ونعمة } .
وفي صحيح أبي داود وابن حبان : { اهدنا سبل السلام ، ونجنا من الظلمات إلى النور ، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك ، قابليها ، وأتممها علينا } وفي الفاتحة : { اهدنا الصراط المستقيم } وفي الدعاء الذي رواه الطبراني عن ابن عباس قال : مما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة : { اللهم إنك تسمع كلامي ، وترى مكاني ، وتعلم سري وعلانيتي ، ولا يخفى عليك شيء من أمري ، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق ، المقر بذنبه ، أسألك مسألة المسكين ، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل ، وأدعوك دعاء الخائف الضرير ، من خضعت لك رقبته ، وذل لك جسده ، ورغم لك أنفه ، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا وكن بي رءوفا رحيما يا خير المسئولين ، ويا خير المعطين } . ولفظ العبد في القرآن : يتناول من عبد الله ، فأما عبد لا يعبده فلا يطلق عليه لفظ عبده . كما قال : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } وأما قوله { إلا من اتبعك من الغاوين } فالاستثناء فيه منقطع ، كما قاله أكثر المفسرين والعلماء ، وقوله : { عينا يشرب بها عباد الله } { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } { واذكر عبدنا داود } و { نعم العبد إنه أواب } { واذكر عبدنا أيوب } { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب } { فوجدا عبدا من عبادنا } { سبحان الذي أسرى بعبده } { إنه كان عبدا شكورا } { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } { فأوحى إلى عبده ما أوحى } { وأنه لما قام عبد الله يدعوه } { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } . ونحو هذا كثير . وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها ، كقوله : { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم } { أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء } قد يقال في هذا : إن المراد به الملائكة والأنبياء إذا كان قد نهى عن اتخاذهم أولياء فغيرهم بطريق الأولى . فقد قال : { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } .
وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في الدجال : { فيوحي الله إلى المسيح أن لي عبادا لا يدان لأحد بقتالهم } وهذا كقوله : { بعثنا عليكم عبادا لنا } فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله ، لكنهم معبدون مذللون مقهورون يجري عليهم قدره . وقد يكون كونهم عبيدا : هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفارا كقوله : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } وقوله : { إلا آتي الرحمن عبدا } أي ذليلا خاضعا .
ومعلوم أنهم لا يأتون يوم القيامة إلا كذلك ، وإنما الاستكبار عن عبادة الله كان في الدنيا ، ثم قال : { لقد أحصاهم وعدهم عدا } { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } فذكر بعدها أنه يأتي منفردا كقوله { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } وقال : { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون } { ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها } الآية . وقال : { بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون } فليس المراد بذلك مجرد كونهم مخلوقين مدبرين مقهورين تحت المشيئة والقدرة فإن هذا - ص 45 - لا يقال طوعا وكرها فإن الطوع والكره إنما يكون لما يفعله الفاعل طوعا وكرها ، فأما ما لا فعل له فيه : فلا يقال له ساجد أو قانت ، بل ولا مسلم ، بل الجميع مقرون بالصانع بفطرتهم ، وهم خاضعون مستسلمون قانتون مضطرون من وجوه . منها : علمهم بحاجتهم وضرورتهم إليه . ومنها : دعاؤهم إياه عند الاضطرار . ومنها : خضوعهم واستسلامهم لما يجري عليهم من أقداره ومشيئته . ومنها : انقيادهم لكثير مما أمر به في كل شيء ، فإن سائر البشر لا يمكنون العبد من مراده بل يقهرونه ويلزمونه بالعدل الذي يكرهه ، وهو مما أمر الله به ، وعصيانهم له في بعض ما أمر به - وإن كان هو التوحيد - لا يمنع كونهم قانتين خاضعين مستسلمين كرها كالعصاة من أهل القبلة وأهل الذمة وغيرهم ، فإنهم خاضعون للدين الذي بعث به رسله ، وإن كانوا يعصونه في أمور .
والمؤمن يخضع لأمر ربه طوعا ، وكذلك لما يقدره من المصائب ، فإنه يفعل عندها ما أمر به من الصبر وغيره طوعا ، فهو مسلم لله طوعا خاضع له طوعا ، والسجود مقصوده الخضوع ، وسجود كل شيء بحسبه سجودا يناسبها ويتضمن الخضوع للرب . وأما فقر المخلوقات إلى الله : بمعنى حاجتها كلها إليه ، وأنه لا وجود لها ولا شيء من صفاتها وأفعالها إلا به . فهذا : أول درجات الافتقار ، وهو افتقارها إلى ربوبيته لها ، وخلقه وإتقانه ، وبهذا الاعتبار كانت مملوكة له ، وله سبحانه الملك والحمد .
وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب ، فالحدوث - ص 46 - دليل افتقار الأنبياء إلى محدثها ، وكذلك حاجتها إلى محدثها بعد إحداثه لها دليل افتقارها فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق الرازق . والصواب أن الأشياء مفتقرة إلى الخالق لذواتها لا لأمر آخر جعلها مفتقرة إليه ، بل فقرها لازم لها ; لا يمكن أن تكون غير مفتقرة إليه ، كما أن غنى الرب وصف لازم له لا يمكن أن يكون غير غني ، فهو غني بنفسه لا بوصف جعله غنيا ، وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها ، وهي معدومة وهي موجودة فإذا كانت معدومة فقيل عن مطر ينتظر نزوله وهو مفتقر إلى الخالق كان معناه : أنه لا يوجد إلا بالخالق هذا قول الجمهور من نظار المسلمين وغيرهم ، وهذا الافتقار أمر معلوم بالعقل ، وما أثبته القرآن من استسلام المخلوقات وسجودها وتسبيحها وقنوتها أمر زائد على هذا عند عامة المسلمين من السلف وجمهور الخلف . ولكن طائفة تدعي أن افتقارها وخضوعها وخلقها وجريان المشيئة عليها هو تسبيحها وقنوتها ، وإن كان ذلك بلسان الحال ولكونها دلالة شاهدة للخالق جل جلاله . وقل للأرض من فجر أنهارها ، وغرس أشجارها ، وأخرج نباتها وثمارها ، فإن لم تجبك حوارا وإلا أجابتك اعتبارا ، وهذا يقوله الغزالي وغيره ، وهو أحد الوجوه التي ذكرها أبو بكر بن الأنباري في قوله : { كل له قانتون } قال : كل مخلوق قانت له باشر صنعته فيه وأجرى أحكامه عليه ، فذلك دليل على ذله لربه ، وهو الذي ذكره الزجاج في قوله : { وله أسلم من في السماوات والأرض } قال : إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في جبلهم لا يقدر أحد يمتنع من جبلة جبله الله عليها ، وهذا المعنى صحيح لكن الصواب - ص 47 - الذي عليه جمهور علماء السلف والخلف : أن القنوت والاستلام والتسبيح أمر زائد على ذلك ، وهذا كقول بعضهم : إن سجود الكاره وذله وانقياده لما يريده الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر ، وكما قال بعضهم في قوله : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } . قال : تسبيحه دلالته على صانعه فتوجب بذلك تسبيحا من غيره ، والصواب أن لها تسبيحا وسجودا بحسبها .
والمقصود أن فقر المخلوقات إلى الخالق ودلالتها عليه وشهادتها له أمر فطري فطر الله عليه عباده ، كما أنه فطرهم على الإقرار به بدون هذه الآيات ، كما قد بسط الكلام على هذا في مواضع ، وبين الفرق بين دلالة الآيات ودلالة القياس الشمولي والتمثيلي فإن القياس البرهاني العقلي سواء صيغ بلفظ الشمول كالأشكال المنطقية ، أو صيغ بلفظ التمثيل ، وبين أن الجامع هو علة الحكم ويلزم ثبوت الحكم أينما وجد ، وقد بسطنا الكلام على صورة القياسين في غير هذا الموضع .
والتحقيق : أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث هو علم فطري ضروري في المعينات الجزئية ، وأبلغ مما هو في القضية الكلية ، فإن الكليات إنما تصير كليات في العقل بعد استقرار جزئياتها في الوجود ، وكذلك عامة القضايا الكلية التي يجعلها كثير من النظار المتكلمة والمتفلسفة أصول علمهم ، كقولهم ، الكل أعظم من الجزء أو النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك ، فإنه أي كلي تصوره الإنسان علم أنه أعظم من جزئيه ، وإن لم تخطر له القضية الكلية كما يعلم أن بدن الإنسان بعضه أكثر من بعض وأن الدرهم أكبر من بعضه ، وأن المدينة أكثر من بعضها - ص 48 - وأن الجبل أكبر من بعضه وكذلك النقيضان وهما : الوجود والعدم ، فإن العبد إذا تصور وجود أي شيء كان وعدمه علم أن ذلك الشيء لا يكون موجودا معدوما في حالة واحدة وأنه لا يخلو من الوجود والعدم ، وهو يقضي بالجزئيات المعينة ، وإن لم يستحضر القضية الكلية ، وهكذا أمثال ذلك .
ولما كان القياس الكلي فائدته أمر مطلق لا معين : كان إثبات الصانع بطريق الآيات هو الواجب . كما نزل به القرآن ، وفطر الله عليه عباده ، وإن كانت الطريقة القياسية صحيحة ، لكن فائدتها ناقصة ، والقرآن إذا استعمل في الآيات الإلهيات استعمل قياس الأولى لا القياس الذي يدل على المشترك ، فإنه ما وجب تنزيه مخلوق عنه من النقائص والعيوب التي لا كمال فيها .
فالباري تعالى أولى بتنزيهه عن ذلك ، وما ثبت للمخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه كالحياة والعلم والقدرة : فالخالق أولى بذلك منه ، فالمخلوقات كلها آيات للخالق ، والفرق بين الآية وبين القياس : أن الآية تدل على عين المطلوب الذي هي آية وعلامة عليه ، فكل مخلوق فهو دليل وآية على الخالق نفسه ، كما قد بسطناه في مواضع . ثم الفطر تعرف الخالق بدون هذه الآيات ، فإنها قد فطرت على ذلك ، ولو لم تكن تعرفه بدون هذه الآيات لم تعلم أن هذه الآية له ، فإن كونها آية له ودلالة عليه : مثل كون الاسم يدل على المسمى فلا بد أن يكون قد تصور المسمى قبل ذلك ، وعرف أن هذا اسم له ، فكذلك كون هذا دليلا على هذا يقتضي تصور المدلول عليه وتصور أن ذلك الدليل مستلزم له ، فلا بد في ذلك أن يعلم أنه مستلزم للمدلول ، فلو لم يكن المدلول متصورا لم يعلم أنه دليل عليه ، - ص 49 - فمعرفة الإضافة متوقفة على تصور المضاف والمضاف إليه ; لكن قد لا يكون الإنسان عالما بالإضافة ولا كونه دليلا ، فإذا تصوره عرف المدلول إذا عرف أنه مستلزم له ، والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق ، فلا بد أن يكونوا يعرفونه ; حتى يعلمون أن هذه دلائل مستلزمة له .
والمقصود أن هذه الطرق العقلية الفطرية هي التي جاء بها القرآن ، واتفق العقل والشرع ، وتلازم الرأي والسمع . والمتفلسفة كابن سينا الرازي ومن اتبعهما ، قالوا : إن طريق إثباته الاستدلال عليه بالممكنات ، وإن الممكن لا بد له من واجب ، قالوا : والوجود إما واجب وإما ممكن ، والممكن لا بد له من واجب ، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين ; وهذه المقالة أحدثها ابن سينا ، وركبها من كلام المتكلمين وكلام سلفه ; فإن المتكلمين قسموا الوجود إلى قديم ومحدث ، وقسمه هو إلى واجب وممكن ، وذلك أن الفلك عنده ليس محدثا ; بل زعم أنه ممكن . وهذا التقسيم لم يسبقه إليه أحد من الفلاسفة ، بل حذاقهم عرفوا أنه خطأ ، وأنه خالف سلفه وجمهور العقلاء وغيرهم ، وقد بينا في مواضع أن القدم ووجوب الوجود ، متلازمان عند عامة العقلاء ، الأولين والآخرين ، ولم يعرف عن طائفة منهم نزاع في ذلك ، إلا ما أحدثه هؤلاء فإنا نشهد حدوث موجودات كثيرة ، حدثت بعد أن لم تكن ، ونشهد عدمها بعد أن كانت ، وما كان معدوما أو سيكون معدوما لا يكون واجب الوجود ، ولا قديما أزليا .
ثم إن هؤلاء إذا قدر أنهم أثبتوا واجب الوجود فليس في دليلهم أنه مغاير للسموات والأفلاك ، وهذا مما بين تهافتهم فيه الغزالي وغيره ، لكن - ص 50 - عمدتهم أن الجسم لا يكون واجبا ، ; لأنه مركب ، والواجب لا يكون مركبا ، هذا عمدتهم . وقد بينا بطلان هذا من وجوه كثيرة ، وما زال النظار يبينون فساد هذا القول كل بحسبه ، كما بين الغزالي فساده بحسبه . وذلك أن لفظ الواجب صار فيه اشتراك بين عدة معان : فيقال للموجود بنفسه الذي لا يقبل العدم فتكون الذات واجبة والصفات واجبة ، ويقال للموجود بنفسه والقائم بنفسه ، فتكون الذات واجبة دون الصفات ، ويقال لمبدع الممكنات ، وهي المخلوقات ، والمبدع لها هو الخالق ، فيكون الواجب هو الذات المتصفة بتلك الصفات ، والذات مجردة عن الصفات لم تخلق ، والصفات مجردة عن الذات لم تخلق ، ولهذا صار من سار خلفهم ممن يدعي التحقيق والعرفان ، إلى أن جعل الواجب هو الوجود المطلق كما قد بسط القول عليه في مواضع .
والمقصود هنا الكلام أولا : في أن سعادة العبد في كمال افتقاره إلى ربه واحتياجه إليه ، أي في أن يشهد ذلك ويعرفه ، ويتصف معه بموجب ذلك من الذل والخضوع والخشوع ، وإلا فالخلق كلهم محتاجون ، لكن يظن أحدهم نوع استغناء فيطغى . كما قال تعالى : { كلا إن الإنسان ليطغى } { أن رآه استغنى } وقال : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } وفي الآية الأخرى : { كان يئوسا }
××ملاك روحي×× غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2011, 09:15 AM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
جزاك ربي خيراً ويعطيك العافية
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2011, 03:54 PM   #6 (permalink)
××ملاك روحي××
عضو موقوف
ويــــسر أمري يارب
 
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله، تقي الدين أبو العباس النميري العامري، ولقبه «شيخ الإسلام» ولد يوم الإثنين 10 ربيع الأول 661هـ أحد علماء الحنابلة[3] . ولد في حران وهي بلدة تقع حاليا في الجزيرة الفراتية بين دجلة والفرات. وحين استولى المغول على بلاد حران وجاروا على أهلها، انتقل مع والده وأهله إلى دمشق سنة 667هـ فنشأ فيها وتلقى على أبيه وعلماء عصره العلوم المعروفة في تلك الأيام. كانت جدته لوالده تسمى تيمية وعرف بها. وقدم مع والده إلى دمشق وهو صغير. قرأ الحديث والتفسير واللغة وشرع في التأليف من ذلك الحين. بَعُدَ صيته في تفسير القرآن واستحق الإمامة في العلم والعمل وكان من مذهبه التوفيق بين المعقول والمنقول. يقال عنه أنه كان مقترحا متحمسا للجهاد والحكم الشرعي, وقد كان أيضا شخصا مؤثرا في نمو حركة الإسلام السياسي.[4][5].
كثر مناظروه ومخالفوه من علماء عصره، ومن جاء بعدهم، (ذكر منهم ابن حجر الهيتمي: تقي الدين السبكي، وتاج الدين السبكي، وابن جماعة، وابن حجر الهيتمي نفسه، وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية[6])وانتقدوا عليه أمورا يعتقدون أنه قد خرج بها على إجماع علماء عصره، منها: القول بقدم العالم بالنوع، والنهي عن زيارة قبور الأنبياء، وشد الرحال لزيارة القبور والتوسل بأصحابها، ومسألة في الطلاق بالثلاثة هل يقع ثلاثة[7]. حتى اشتكوا عليه في مصر فطُلِبَ هناك وعُقِدَ مجلس لمناظرته ومحاكمته حضره القضاة وأكابر رجال الدولة والعلماء فحكموا عليه وحبسوه في قلعة الجبل سنة ونصفا مع أخويه وعاد إلى دمشق ثم أعيد إلى مصر وحبس في برج الإسكندرية ثمانية أشهر وأُخرج بعدها واجتمع بالسلطان في مجلس حافل بالقضاة والأعيان والأمراء وتقررت براءته وأقام في القاهرة مدة ثم عاد إلى دمشق وعاد فقهاء دمشق إلى مناظرته في ما يخالفهم فيه وتقرر حبسه في قلعة دمشق ثم أفرج عنه بأمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون واستمر في التدريس والتأليف إلى أن توفي في سجن قلعة دمشق عن 67 عاما.
صنف كثيرا من الكتب منها ما كان أثناء اعتقاله. من تصانيفه: (فتاوى ابن تيمية) و(الجمع بين العقل والنقل) و(منهاج السنة النبويه في نقض الشيعة والقدرية) و(الفرقان بين أولياء الله والشيطان). حضّ على جهاد المغول وحرّض الأمراء على قتالهم، وكان له دور بارز في انتصار المسلمين في معركة شقحب.
محتويات [أخف]
1 حياته الخاصة
1.1 عائلته
1.2 طفولته وشبابه
2 بداية عمله بالتدريس
3 حروب المغول
3.1 لقاء غازان مع ابن تيمية
3.2 ابن تيمية المجاهد
4 وفاته
5 بعض شيوخه
6 بعض تلامذته
7 من مؤلفات ابن تيمية
7.1 في التفسير
7.2 في العقيدة
7.3 في الفقه
7.4 قصائده
8 مؤلفاته
9 مصادر
10 أنظر أيضا
11 روابط
[عدل]حياته الخاصة

[عدل]عائلته


أعلام ومشاهير آل تيمية من القرن السادس إلى التاسع الهجري
ترجع نسب اسرته إلى جده الأكبر محمد بن الخضر، ولم يذكر الؤرخون اسم قبيلته بل ينسبونه إلى حران والبعض ينسبه إلى قبيلة نمير[1]، أما سبب شهرة الأسرة بإبن تيمية؛ فهو أن جده محمد بن الخضر حج وله امرأة حامل ومر في طريقه على درب تيماء فرأى هناك جارية طفلة قد خرجت من خبائها فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد ولدت بنتا فلما رآها قال: ياتيمية فلقب بذلك. وقيل أن جده محمدا هذا كانت أمه تسمى تيمية، وكانت واعظة فنسب إليها هو وبنوه[1].
وأسرة الإمام تقي الدين أحمد عريقة في التدين والمعرفة والعلم، وقد عرفوا بذلك من زمن طويل، ويعتبرون من حماة المذهب الحنبلي[1]. فجده أبو البركات مجد الدين من أئمة المذهب الحنبلي وسمي بالمجتهد المطلق، وقال عنه الإمام الذهبي:"حكي لي شيخ الإسلام ابن تيمية بنفسه أن الشيخ ابن مالك كان يقول: لقد ألان الله الفقه لمجد الدين ابن تيمية كما ألان الحديد لداود عليه السلام."[8] وقد توفي سنة 652هـ[1]
ووالده هو عبد الحليم بن مجد الدين عبد الله بن عبد الله ابن أبي القاسم ابن تيمية الحراني، وكان له كرسي بجامع دمشق، وولى مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين، وبها كان سكنه[2]، وقد توفي سنة 682هـ بدمشق ودفن في مقابر الصوفية.
ولعبد الحليم العديد من الأبناء منهم: تقي الدين صاحبنا الذي ولد سنة 661هـ، وزين الدين الذي كان تاجرا وعاش بعد وفاة أخيه تقي الدين، وشرف الدين المولود بحران سنة 666هـ[1].
[عدل]طفولته وشبابه
ولد تقي الدين أحمد بن تيمية يوم الإثنين 10 ربيع الأول 661 هـ الموافق 22 يناير 1263م في حران وهي بلدة تقع حاليا في الجزيرة الفراتية بين دجلة والفرات. وعاش فيها إلى أن اتم السن السابعة في سنة 667هـ، حيث بدأت التهديدات المغولية على تلك المناطق والفظائع التي ارتكبتها تلك الجيوش بالظهور بشكل ألزم العديد من الأهالي بالنزوح إلى مناطق أكثر أمنا، فهاجرت أسرة ابن تيمية حاملة متاعها إلى دمشق. فما أن وصلوا إليها حتى بدأ عبد الحليم والد تقي الدين بالتدريس في الجامع الأموي في دار الحديث السكرية[9] بالقصاعين ولم يفارقها إلا أن تُوفى [1].
[عدل]بداية عمله بالتدريس

بدأ تقي الدين حياته بتعلم القرآن، فحفظه صغيرا وتعلم التفسير والفقه، وقد افتى وله تسع عشرة سنة، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت[10][11]. وماكاد أن يبلغ من العمر الحادية والعشرين حتى توفي والده عبد الحليم فقيه الحنابلة سنة 682 هـ / 1283 م فخلفه فيها ابنه تقي الدين أبو العباس وقد كان عمره إذ ذاك 22 سنة. وقد كان يجلس بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيء له لتفسير القرآن العزيز[12].
[عدل]حروب المغول

مقال تفصيلي :غزوات المغول للشام
بدأ سلطان مغول الإلخانات محمود غازان بالمسير مع جيوشه إلى الشام في محرم 699 هـ / أكتوبر 1299م. وتمكن جيشه من الاستيلاء على حلب، وقد هزم المغول وحلفائهم المماليك في معركة وادي الخزندار بتاريخ 27 ربيع الأول 699هـ / 23 أو 24 ديسمبر من عام 1299، ونهب المغول الأغوار حتى بلغوا القدس، ووصلوا إلى غزة حيث قتلوا بعض الرجال في جامعها[13]. وتقدمت جيوش غازان ودخلت دمشق في الفترة ما بين 30 ديسمبر 1299 و6 يناير 1300 ونهبوها، ولكن صمدت امامهم قلعتها، ورفض الأمير علم الدين سنجر المنصوري نائب قلعة دمشق المعروف بأرجواش الخضوع لغازان وتحصن في القلعة.
[عدل]لقاء غازان مع ابن تيمية
طالع أيضا : دخول المغول دمشق سنة 699
بعد انتصار جيش غازان عاث جنوده في البلاد، فدبت الفوضى فيها خاصة بعد أن فر والي دمشق ومحتسبها إلى مصر، لذا فقد اجتمع ابن تيمية بأعيان دمشق يوم الإثنين 3 ربيع الآخر 699هـ / 28 ديسمبر 1299م واتفقوا على السير إلى السلطان غازان الموجود في بلدة النبك المجاورة والتحدث إليه[1]. فلما وصلوا إلى غازان ودخلوا عليه أخذ ابن تيمية يحث السلطان بقول الله ورسوله بالعدل ويرفع صوته ويقرب منه في أثناء حديثه حتى قرب ان تلاصق ركبته ركبة السلطان، والسلطان مع ذلك مقبل عليه ومصغ لما يقوله. وقال ابن تيمية للترجمان: "قل لغازان انك تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على مابدا لنا فغزوتنا وأبوك وجدك كانا كافرين وماعملا الذي عملت، عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت"[1]. ومع أنه حصل على وثيقة أمان من غازان إلا أنهم نقضوها واستمروا في نهب المدينة عدا القلعة التي أرسل قبجق إلى نائبها ليسلمها إلى التتار فرفض ارجواش تسليمها وامتنع أشد الامتناع، فجمع له قبجق أعيان البلد فكلموه أيضا فلم يجبهم إلى ذلك، وصمم على عدم تسليمها إليهم وبها عين تطرف. وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية قد أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك: لو لم يبق فيها إلا حجر واحد، فلا تسلمهم ذلك إن استطعت[14].
ولما نكب دير الحنابلة في ثاني جمادى الأولى قتلوا خلقاً من الرجال وأسروا من النساء كثيراً، ونال قاضي القضاة تقي الدين أذى كثير، ويقال إنهم قتلوا من أهل الصالحية قريباً من أربعمائة، وأسروا نحواً من أربعة آلاف أسير، ونهبت كتب كثيرة من الرباط الناصري والضيائية، وخزانة ابن البزوري، وكانت تباع وهي مكتوب عليها الوقفية، وفعلوا بالمزة مثل ما فعلوا بالصالحية‏.‏ مما حدا بابن تيمية ومعه جماعة من أصحابه يوم الخميس، 20 ربيع الآخر لمقابلة محمود غازان ليشكو إليه ما جرى من المغول بعد زمان الأمان الذي منحه لأهل الشام، غير أنه لم يتمكن من مقابلة غازان، فاجتمع بوزيره سعد الدين محمد الساوجي ورشيد الدين الهمذاني فذكروا له: "أن جماعة من المقدمين الأكابر -أي المغول- لم يصل إليهم من مال دمشق شيء، ولابد من إرضائهم"[14].
[عدل]ابن تيمية المجاهد
مع اقتراب المغول لغزو دمشق من جديد عام 1303 بعهد المماليك بدأ ابن تيمية تحريض أهل الشام في دمشق وحلب وانتدبه الناس للسفر إلى مصر لملاقاة سلطانها الناصر محمد بن قلاوون، وحثه على الجهاد وأعاد نشر فتاويه في حكم جهاد الدفع ورد الصائل ثم سافر إلى أمير العرب مهنا بن عيسى الطائي فلبى دعوة ابن تيمية لملاقاة التتار.
وبعد استكمال الاستعدادات اجتمعت جيوش المسلمين من الشام ومصر وبادية العرب في شقحب أو مرج الصفر جنوبي دمشق في شهر رمضان فأفتى ابن تيمية بالإفطار وأنه خير من الصيام وأخذ يلف على الجند يأكل من طعام في يده يشجعهم على الأكل, واندلعت الحرب بقياد السلطان الناصر والخليفة المستكفي بالله الذي كان يقيم في القاهرة فدامت يومين انتهت بانتصار المسلمين وبانتهاء معركة شقحب لم يدخل التتار الشام والعراق ومصر والحجاز. وتعتبر معركة شقحب من المعارك الفاصلة بالتاريخ الإسلامي ضد المغول بعد عين جالوت وهي الوحيدة التي شارك فيها الشيخ ابن تيمية وكان له الفضل في تشجيع الناس والشد على عزيمة الحكام وجمع الأموال من تجار دمشق لتمويل جيش الدفاع عن دمشق وكان على رأس جيش دمشق الذي حارب وهزم المغول وطاردهم شرقاً في داخل سورية حتى نهر الفرات. كان ابن تيمية أول الواصلين إلى دمشق يبشر الناس بنصر المسلمين ولما أحس بخوف السلطان من أن يستغل ابن تيمية حب الناس له فيثور عليه قال: "أنا رجل ملة لا رجل دولة".
[عدل]وفاته

دخل السجن في شهر شعبان سنة 726هـ ومكث فيه حتى مرض الشيخ أياما يسيرة، فاستأذن الكاتب شمس الدين الوزير بالدخول عليه فأذن له في ذلك فلما جلس عنده اخذ يعتذر له ويلتمس منه أن يحله مما وقع منه في حقه من تقصير أو غيره، فأجابه ابن تيمية بأني قد أحللتك وجميع من عاداني. وقد مات في 26 من ذي القعدة سنة 728هـ، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه حتى فوجئوا بموته. ذكر خبر وفاته مؤذن القلعة على منارة الجامع وتكلم به الحرس على الأبراج فتسامع الناس بذالك واجتمعوا حول القلعة حتى أهل الغوطة والمرج وفتح باب القلعة فامتلأت بالرجال والنساء، وكانت جنازته عظيمة جدا وأقل ما قيل في عددهم خمسون ألفا والأكثر أنهم يزيدون على خمسمائة ألف[15]. وقال العارفون بالنقل والتاريخ لم يسمع بجنازة بمثل هذا الجمع إلا جنازة الامام احمد بن حنبل.
[عدل]بعض شيوخه

الشيخ زين الدين ابن المنجا ومجد الدين ابن عساكر وغيرهم.
[عدل]بعض تلامذته

شمس الدين ابن قيم الجوزية.
أبو عبد الله محمد الذهبي صاحب (ميزان الاعتدال).
إسماعيل بن عمر بن كثير.
محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي.
أبو العباس أحمد بن الحسن الفارسي المشهور بقاضي الجبل.
زين الدين عمر الشهير بابن الوردي.
وغيرهم
[عدل]من مؤلفات ابن تيمية

[عدل]في التفسير
رسالة في منهاج التفسير وكيف يكون.
كيفية الخلاص في تفسير سورة الإخلاص.
جواب أهل العلم والايمان بتحقيق ما أخبر به رسول الرحمن من أن {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القران.
تفسير المعوذتين.
[عدل]في العقيدة
الايمان الكبير: تكلم فيه ابن تيمية عن مسائل الإيمان.
الإيمان الأوسط.
الاستقامة.
بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول (طبع في 11 مجلدا).
السبعينية لابن تيمية وله اسم آخر هو : (بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد) يرد فيه على ابن سبعين أحد أعلام الصوفية وأمثاله من الفلاسفة القائلين بالجمع بين الفلسفة والشريعة، ويحتوي الكتاب على حكاية مذاهب الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام والمقارنة بينها ومناقشتها والرد عليها.
اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: تكلم فيه عن مسائل التشبه باليهود والنصارى وأعيادهم وهو شرح لحديث الرسول صلى الله عليه وعلى اله وسلم "من تشبه بقوم فهو منهم"
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
رسالة في علم الباطن والظاهر
قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة.
الفتوى الحموية.
الرسالة التدمرية.
العقيدة الواسطية
رسالة مراتب الإدارة.
الاحتجاج بالقدر.
بيان الهدى من الضلال.
الجواب الصحيح فيمن بدل دين المسيح.
معتقدات اهل الضلال.
معارج الوصول.
السؤال عن العرش.
بيان الفرقة الناجية.
درء تعارض العقل والنقل: هو كتاب من أشهر كتب ابن تيمية في مناقشة الفلاسفة وأهل الكلام وقد ألفه في الرد على القانون الكلي لفخر الدين الرازي.
العبودية
السياسة الشرعية لأصلاح الراعي والرعية
الصارم المسلول لشاتم الرسول
منهاج السنة النبوية: كتاب ألفه للرد على الإمامية وهو أشهر كتاب في الرد على الشيعة، وقد ألفه ابن تيمية في الرد على ابن المطهر الحلي - أحد أشهر علماء الشيعة الإمامية الإثنى عشرية - وكتابه (منهاج الكرامة).
بيان تلبيس الجهمية: كتاب لابن تيمية في الرد الفلاسفة وأهل الكلام وكافة الطوائف المنتسبة للإسلام المخالفة للسلفية ومناقشة مذاهبهم والمقارنة بينها، وهو من أعظم كتب ابن تيمية وأوسعها، وقد ناقش فيها على الكثير من علماء الكلام والفلاسفة إبطال قول الفلاسفة باثبات الجواهر العقلية.
مجموع فتاوى ابن تيمية : جمعها عبد الرحمن بن قاسم وتقع في (37) مجلدا.
شرح حديث النزول.
نقض المنطق.
الرد على المنطقيين: كتاب لابن تيمية في رد المنطق الأرسطي وبيان أنه ليس ضروريا ولا كليا.
رفع الملام عن الأئمة الأعلام يدافع فيها على المذاهب الأربعة
الواسطة بين الحق والخلق.
فتوي ابن تيمية عن كتاب فصوص الحكم
الوصية الصغرى
[عدل]في الفقه
رسالة القياس.
القواعد.
رسالة الحسبة.
الأمر بالمعروف.
العقود.
المظالم المشتركة.
حقيقة الصيام.
النهي عن المنكر
××ملاك روحي×× غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2011, 03:55 PM   #7 (permalink)
××ملاك روحي××
عضو موقوف
ويــــسر أمري يارب
 
الاسم: ابن تيمية‎
تاريخ الميلاد: الإثنين 10 ربيع الأول[1][2]‏ 661 هـ 1263
تاريخ الوفاة: 728 هـ 1328
المذهب: المذهب الحنبلي
العقيدة: أهل السنة، سلفية
الاهتمامات: الفقه، عقيدة
أثر في: الذهبي
ابن قيم الجوزية
المزي
ابن كثير
ابن أبي العز
ابن مفلح
ابن عبد الهادي
××ملاك روحي×× غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2011, 04:09 PM   #8 (permalink)
××ملاك روحي××
عضو موقوف
ويــــسر أمري يارب
 
مجموع فتاوى ابن تيمية – 12 – المجلد الثاني عشر
(التفسير)
شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
• كتــــاب القرآن كلام الله حقيقة
o قاعدة في القرآن وكلام الله
o فصــل في الإيمان بالرسل
o فصــل التفريق والتبعيض في القدر
o فصــل السبب في الكفر
o فصــل البدع مشتقة من الكفر
o فصــل في أول من أظهر إنكار التكليم
o فصــل في متكلمي الصفاتية
 سئل عن الأحرف التي نزلت على آدم
o فصــل التنازع في الحروف الموجودة في كلام الآدميين
o فصــل في التنازع في قدم الأحرف وشكلها
 تابع فصــل في التنازع في قدم الأحرف وشكلها
o فصــل في المراد بلفظ الحروف
o فصــل في بيان أن القرآن العظيم كلام الله
o فصــل في منشأء النزاع والاشتباه
o فصــل في معرفة الأصل الذي تفرع منه النزاع
 سئل عمن قال اختلاف المسلمين في كلام الله على ثلاثة أنحاء
 تابع مسألة أختلاف الناس على ثلاثة أنحاء
 سئل عن ما يجب على الإنسان أن يعتقده
o فصل في نزول القرآن
o فصــل وأما قوله تعالى {إنه لقول رسول كريم}
o فصــل وأما قول القائل أنتم تعتقدون أن موسى سمع كلام الله منه
o فصــل وأما قول القائل تقولون أن القرآن صفة الله
o فصــل في قوله تعالى {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره}
 سئل عمن يقول كلام الناس قديم
o فصــل مسألة اللفظ بالقرآن
o فصــل فيما قاله الكفار في القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم
o فصــل في الذين يقولون بأن حروف القرآن ليست من كلام الله
o فصــل في الذين غلطوا مذهب اللفظية
o فَصــل في ذكر بعض جهالات اللفظية
o فصــل رد الإمام أحمد على اللفظية
o فصــل فيمن أدرك من درجات الكلام بعض الحق
o فصــل في ذكر نصوص الإمام أحمد في الرد على اللفظية
o فصــل في العلة من ذكر ابن تيمية لنصوص الإمام أحمد
o فصــل في ذكر المواضع التي نص فيها الإمام أحمد على هذه المسألة
o فصــل في ذكر من قال إن الإمام أحمد قال ذلك خوفا من الناس
o فصــل في ذكر شبهة هؤلاء
o فصــل في سؤال السائل هل يجب على ولي الأمر زجرهم وردعهم؟
o فصــل في تكفير قائل هذا القول
o فصــل مسألة التكفير والتفسيق من مسا~ل الأسماء والأحكام.
o فصل في معرفة مسألة الأحكام
o فصل في مسألة تكفير أهل البدع والأهواء
 سئل عن رجل قال إن الله لم يكلم موسى تكليما
××ملاك روحي×× غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2011, 04:10 PM   #9 (permalink)
××ملاك روحي××
عضو موقوف
ويــــسر أمري يارب
 
سئل عن رجل قال إن الله لم يكلم موسى تكليما فقال له آخر بل كلمه تكليما
 سُئِل عمن قال إن موسى كلم الله تكليما
 سئل عن هذا القرآن الذي نتلوه هو كلام الله الذي تكلم به
o فصــل في أن القرآن الذي نقرأه هو كلام الله
 سئل عن رجلين قال أحدهما القرآن كلام الله وقال الآخر هو كلام جبريل
 سئل عمن يقول الكلام غير المتكلم
 سئل‏ عن المصحف هل هو نفس القرآن
o فصــل في أن القرآن الذي بين دفتي المصحف متواتر
 هل الحروف مخلوقة أو غير مخلوقة
 سئل عمن يقول إن الشكل والنقط من كلام الله تعالى
o فصــل في الكلام في القرآن هل هو حرف وصوت
 سئل عن رجلين تباحثا في موضوع الحروف والصوت
 سئل عن المصحف العتيق إذا تمزق ما يصنع به

كتــــاب القرآن كلام الله حقيقة
/بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
قال الشيخ الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية ـ رضي الله عنه‏:‏
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ‏{‏لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏28‏]‏ صلى الله عليه وسلم تسليمًا‏.‏
/ قاعدة في القرآن وكلام الله‏:‏
فإن الأمة اضطربت في هذا اضطرابًا عظيمًا، وتفرقوا واختلفوا بالظنون والأهواء بعد مضي القرون الثلاثة، لما حدثت فيهم الجهمية المشتقة من الصابئة، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏176‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏231‏]‏‏.‏
والاختلاف نوعان‏:‏ اختلاف في تنزيله، واختلاف في تأويله‏.‏
والمختلفون الذين ذمهم الله هم المختلفون في الحق؛ بأن ينكر هؤلاء الحق الذي مع هؤلاء، أو بالعكس؛ فإن الواجب الإيمان بجميع الحق المنزل، فأما من آمن بذلك وكفر به غيره فهذا اختلاف يذم فيه أحد الصنفين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ‏}‏ إلى قوله‏:‏ / ‏{‏وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏253‏]‏، والاختلاف في تنزيله أعظم، وهو الذي قصدنا هنا، فنقول‏:‏
الاختلاف في تنزيله هو بين المؤمنين والكافرين؛ فإن المؤمنين يؤمنون بما أنزل، والكافرون كفروا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله فسوف يعلمون، فالمؤمنون بجنس الكتاب والرسل من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين يؤمنون بذلك، والكافرون بجنس الكتاب والرسل من المشركين والمجوس والصابئين يكفرون بذلك‏.‏
وذلك أن الله أرسل الرسل إلى الناس لتبلغهم كلام الله الذي أنزله إليهم، فمن آمن بالرسل آمن بما بلغوه عن الله، ومن كذب بالرسل كذب بذلك، فالإيمان بكلام الله داخل في الإيمان برسالة الله إلى عباده، والكفر بذلك هو الكفر بهذا، فتدبر هذا الأصل، فإنه فرقان هذا الاشتباه؛ ولهذا كان من يكفر بالرسل تارة يكفر بأن الله له كلام أنزله على بشر، كما أنه قد يكفر برب العالمين؛ مثل فرعون وقومه، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ‏}‏ الآية ‏[‏يونس‏:‏2‏]‏، وقال تعالى ـ عن نوح وهود ـ‏:‏‏{‏أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏63‏]‏ وقال‏:‏‏{‏وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏91‏]‏ إلى آخر الكلام، / فإن في هذه الآيات تقرير قواعد، وقال عن الوحيد ‏[‏هو الوليد بن المغيرة‏]‏‏:‏ ‏{‏إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏25‏]‏‏.‏
ولهذا كان أصل ‏[‏الإيمان‏]‏ الإيمان بما أنزله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏1 ـ 4‏]‏ وفي وسط السورة‏:‏‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ‏}‏ الآية ‏[‏البقرة‏:‏136‏]‏، وفي آخرها‏:‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏285 ،286‏]‏ الآيتين‏.‏ وفي السورة التي تليها‏:‏ ‏{‏الم اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏1 ـ 4‏]‏‏.‏ وذكر في أثناء السورة الإيمان بما أنزل، وكذلك في آخرها‏:‏ ‏{‏رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ‏}‏ الآية ‏[‏آل عمران‏:‏ 193ـ 199‏]‏‏.‏
ولهذا عظم تقرير هـذا الأصل في القرآن، فتارة يفتتح به السورة إما إخبارًا كقوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ الْكِتَابُ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏1‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ‏}‏ الآيــة ‏[‏هــود‏:‏1‏]‏‏.‏ وكـذلك الـ ‏{‏طـس‏}‏ والـ ‏{‏حـم‏}‏‏.‏ فعـامـة الـ ‏{‏الــم‏}‏ والـ ‏{‏الـر‏}‏، والـ ‏{‏طس‏}‏، والـ ‏{‏حم‏}‏ كذلك‏.‏
/وإما ثناء بإنزاله كقوله‏:‏‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏1‏]‏، ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ‏}‏ الآية ‏[‏الفرقان‏:‏1‏]‏‏.‏
وأما في أثناء السور فكثير جدًا، وثنى قصة موسى مع فرعون؛ لأنهما في طرفي نقيض في الحق والباطل؛ فإن فرعون في غاية الكفر والباطل حيث كفر بالربوبية وبالرسالة، وموسى في غاية الحق والإيمان من جهة أن الله كلمه تكليما لم يجعل الله بينه وبينه واسطة من خلقه، فهو مثبت لكمال الرسالة وكمال التكلم، ومثبت لرب العالمين بما استحقه من النعوت، وهذا بخلاف أكثر الأنبياء مع الكفار؛ فإن الكفار أكثرهم لا يجحدون وجود الله ولم يكن - أيضًا - للرسل من التكليم ما لموسى، فصارت قصة موسى وفرعون أعظم القصص وأعظمها اعتبارًا لأهل الإيمان ولأهل الكفر؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص على أمته عامة ليله عن بني إسرائيل، وكان يتأسى بموسى في أمور كثيرة، ولما بشر بقتل أبي جهل يوم بَدْر قال‏:‏ ‏(‏هذا فرعون هذه الأمة‏)‏، وكان فرعون وقومه من الصابئة المشركين الكفار؛ ولهذا كان يعبد آلهة من دون الله،كما أخبر الله عنه بقوله‏:‏ ‏{‏وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏127‏]‏ وإن كان عالما بما جاء به موسى مستيقنا له، لكنه كان جاحدًا مثبورًا، كما أخبر الله بذلك في قوله‏:‏‏{‏فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا‏}‏ الآية ‏[‏النمل‏:‏13 ،14‏]‏ وقال تعالى‏:‏ / ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ‏}‏ الآية ‏[‏الإسراء‏:‏101 ،102‏]‏‏.‏
والكفار بالرسل من قوم نوح وعاد، وثمود وقوم لوط، وشعيب وقوم إبراهيم، وموسى ومشركي العرب، والهند والروم والبربر، والترك واليونان والكشدانيين، وسائر الأمم المتقدمين والمستأخرين، يتبعون ظنونهم وأهواءهم، ويعرضون عن ذكر الله، الذي آتاهم من عنده، كما قال لهم ـ لما أهبط آدم من الجنة ـ‏:‏ ‏{‏قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏38، 39‏]‏ وفي موضع آخر‏:‏ ‏{‏قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا‏}‏ الآية ‏[‏طه‏:‏ 123، 124‏]‏‏.‏ وفي أخرى‏:‏ ‏{‏يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 35‏]‏‏.‏
ثم إنهم مع أنهم ما نزل الله بما هم عليه من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، يزعمون أن لهم العقل والرأي والقياس العقلي والأمثال المضروبة، ويسمون أنفسهم الحكماء والفلاسفة، ويدعون الجدل والكلام، والقوة والسلطان والمال، ويصفون أتباع المرسلين بأنهم سُفَهاء، وأراذل وضُلاَّل، ويسخرون منهم، قال الله تعالى‏:‏‏{‏فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏83‏]‏ وقال‏:‏‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏13‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏29 ـ 33‏]‏ وقال تعالى ـ عن قوم نوح ـ‏:‏ ‏{‏قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏111‏]‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏72‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏212‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏38‏]‏، بل هم يصفون الأنبياء بالجنون والسَّفَه والضلال وغير ذلك، كما قالوا عن نوح‏:‏ ‏{‏مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏9‏]‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏60‏]‏ ولهود‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏66‏]‏‏.‏

فصــل
والإيمان بالرسل يجب أن يكون جامعًا عاما، مؤتلفًا لا تفريق فيه، ولا تبعيض ولا اختلاف؛ بأن يؤمن بجميع الرسل وبجميع ما أنزل إليهم‏.‏ فمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض، أو آمن ببعض ما أنزل الله وكفر ببعض فهو كافر، وهذا حال من بَدَّلَ وكفر من اليهود والنصارى والصابئين؛ فإن / هؤلاء في أصلهم قد يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحًا، فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون،كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏62‏]‏ ونحوه في المائدة‏.‏
ومنهم من فرَّقَ فآمن ببعض وكفر ببعض، كما قال تعالى ـ عن اليهود ـ‏:‏‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏91‏]‏ الآيات، وقال تعالى‏:‏‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ‏أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا‏}‏ الآية ‏[‏النساء‏:‏150، 151‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ‏}‏ الآيتين ‏[‏البقرة‏:‏136، 137‏]‏، وقال ـ عن المؤمنين ـ‏:‏‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏258‏]‏ وقال‏:‏‏{‏شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏13‏]‏‏.‏
وذَمَّ الذين تفرقوا واختلفوا في الكتب، وهم الذين يؤمنون ببعض دون بعض، فيكون مع هؤلاء بَعْضٌ ومع هؤلاء بَعْضٌ، كقوله‏:‏ / ‏{‏وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏176‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏123‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏4‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏159‏]‏‏.‏

فصــل
التفريق والتبعيض قد يكون في القَدْر تارة،وقد يكون في الوصف؛ إما في الكَمِّ وإما في الكَيْف، كما قد يكون في التنزيل تارة، وفي التأويل أخرى؛ فإن الموجود له حقيقة موصوفة، وله مقدار محدود، فما أنزل الله على رسله قد يقع التفريق والتبعيض في قدره، وقد يقع في وصفه‏.‏
فالأول مثل قول اليهود‏:‏ نؤمن بما أنزل علي موسى دون ما أنزل على عيسى ومحمد، وهكذا النصارى في إيمانهم بالمسيح دون محمد، فمن آمن ببعض الرسل والكتب دون بعض فقد دخل في هذا؛ فإنه لم يؤمن بجميع المنزل، وكذلك من كان من المنتسبين إلى هذه الأمة يؤمن / ببعض نصوص الكتاب والسنة دون بعض؛ فإن البدع مشتقة من الكفر‏.‏
وأما الوصف، فمثل اختلاف اليهود والنصارى في المسيح‏:‏ هؤلاء قالوا‏:‏ إنه عبد مخلوق، لكن جحدوا نبوته وقدحوا في نسبه، وهؤلاء أقروا بنبوته ورسالته، ولكن قالوا‏:‏ هو الله، فاختلف الطائفتان في وصفه وصفته، كل طائفة بحق وباطل‏.‏
ومثل الصابئة الفلاسفة؛ الذين يصفون إنزال الله على رسله بوصف، بعضه حق وبعضه باطل؛ مثل أن يقولوا‏:‏ إن الرسل تجب طاعتهم، ويجوز أن يسمى ما أتوا به كلام الله، لكنه إنما أنزل على قلوبهم من الروح ـ الذي هو العقل الفعال في السماء الدنيا ـ لا من عند الله، وهكذا ما ينزل على قلوب غيرهم هو أيضًا كذلك، وليس بكلام الله في الحقيقة، وإنما هذا في الحقيقة كلام النبى صلى الله عليه وسلم، وأنه سمى كلام الله مجازًا‏.‏ فهؤلاء ـ أيضًا ـ مبعضين مفرقين؛ حيث صدقوا ببعض صفات ما أنزل الله وبعض صفات رسله دون بعض، وربما كان ما كفروا به من الصفات أكثر مما آمنوا به، كما أن ما كفر به اليهود من الكتاب أكثر وأعظم مما آمنوا به، لكن هؤلاء أكفر من اليهود من وجه، وإن كان اليهود أكفر منهم من وجه آخر‏.‏
/فإن من كان من هؤلاء يهوديا أو نصرانيًا فهو كافر من الجهتين، ومن كان منهم لايوجب اتباع خاتم الرسل، بل يجوز التدين باليهودية والنصرانية فهو أيضًا كافر من الجهتين، فقد يكون أحدهم أكفر من اليهود والنصارى الكافرين بمحمد والقرآن، وقد يكون اليهود والنصارى أكفر ممن آمن منهم بأكثر صفات ما بعث الله به محمدًا صلى الله عليه
××ملاك روحي×× غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2011, 04:11 PM   #10 (permalink)
××ملاك روحي××
عضو موقوف
ويــــسر أمري يارب
 
وسلم، لكنهم في الأصل أكفر من جنس اليهود والنصارى؛ فإن أولئك مقرُّون في الأصل بكمال الرسالة والنبوة، وهؤلاء ليسوا مقرين بكمال الرسالة والنبوة‏.‏ كما أن من كان قديمًا مؤمنًا من اليهود والنصارى صالحًا فهو أفضل ممن كان منهم مؤمنًا صالحًا،وكذلك من كان من المنتسبين إلى الإسلام مؤمنًا ببعض صفات القرآن، وكلام الله وتنزيله على رسله، وصفات رسله دون بعض، فنسبته إلى هؤلاء كنسبة من آمن ببعض نصوص الكتاب والسنة دون بعض إلى اليهود والنصارى‏.‏
ومن هنا تتبين الضلالات المبتدعة في هذه الأمة، حيث هي من الإيمان ببعض ما جاء به الرسول دون بعض، وإما ببعض صفات التكليم والرسالة والنبوة دون بعض، وكلاهما إما في التنزيل وإما في التأويل‏.‏
/ فصــل
والسبب الذي أوقع هؤلاء في الكفر ببعض ما أنزله هو من جنس ما أوقع الأوَّلين في الكفر بجميع ما أنزل الله في كثير من المواضع؛ فإن مـن تأمَّل وَجَدَ شُبَه اليهـود والنصارى ومن تبعهم من الصابئين في الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم هي من جنس شُبَه المشركين والمجوس، ومن معهم من الصابئين في الكفر بجنس الكتاب، وبما أنزل الله على رسله في كثير من المواضع؛ فإنهم يعترضون على آياته، وعلى الكتاب الذي أنزل معه، وعلى الشريعة التي بعث بها، وعلى سيرته، بنحو مما اعترض به على سائر الرسل؛ مثل موسى وعيسى، كما قال الله تعالى ـ في جميعهم ـ‏:‏ ‏{‏مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ‏كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏4، 5‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏34 ،53‏]‏ وفي الآية الأخرى‏:‏‏{‏إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏56‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏69 ،70‏]‏‏.‏
/هذا مع أن السلطان الذي أيد الله به رسوله من أنواع الحجج المعجزات، وأنواع القدر الباهرات، أعظم مما أيد به غيره، ونبوته هي التي طبق نورها مشارق الأرض ومغاربها، وبه ثبتت نبوات من تَقَدَّمَه، وتبين الحق من الباطل، وإلا فلولا رسالته لكان الناس في ظلمات بعضها فوق بعض، وأمر مَرِيج ‏[‏أي‏:‏ مختلط‏]‏، يؤفك عنه من أفك؛ الكتابيون منهم والأميون؛ ولهذا لما كان ما يقال له إلا ما قد قيل للرسل من قبله، أمره الله ـ سبحانه ـ باستشهاد أهل الكتاب على مثل ما جاء به‏.‏
وهذا من بعض حكمة إقرارهم بالجزية، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏94‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كَفي بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏43‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏43، 44‏]‏،وفي الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ‏}‏ الآية ‏[‏الأنبياء‏:‏7، 8‏]‏، ومثل قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏10‏]‏‏.‏
وجماع شبه هؤلاء الكفار‏:‏ أنهم قاسوا الرسول على من فرق الله بينه وبينه، وكفروا بفضل الله الذي اختص به رسله، فأتوا من / جهة القياس الفاسد‏.‏ ولابد في القياس من قدر مشترك بين المشبه والمشبه به؛ مثل جنس الوحي والتنزيل؛ فإن الشياطين ينزلون على أوليائهم ويوحون إليهم، كقوله ‏{‏وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏121‏]‏، وقال سبحانه‏:‏‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏221 ـ 223‏]‏‏.‏
وقال ـ تعالى ـ في الـ ‏{‏طس‏}‏ وقد افتتح كلا منهن بقصة موسى وتكليم الله إياه، وإرساله إلى فرعون، فإنها أعظم القصص كما قدمناه، فقال في سورة الشعراء المحتوية على قصص المرسلين واحدًا بعد واحد، وهي سبع؛قصة موسى، وإبراهيم، ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، ثم قال عن القرآن‏:‏‏{‏وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏192، 193‏]‏ إلى قوله‏:‏‏{‏وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏226‏]‏ فذكر الفرق بينه وبين من تنزل عليه الشياطين من الكهان والمتنبئين ونحوهم، وبين الشعراء؛ لأن الكاهن قد يخبر بغيب بكلام مسجوع، والشاعرـ أيضًا ـ يأتي بكلام منظوم يحرك به النفوس؛ فإن قرين الشيطان مادته من الشيطان، ويعين الشيطان بكذبه وفجوره، والشاعر مادته من نفسه، وربما أعانه الشيطان‏.‏
فأخبر أن الشياطين إنما تنزل على من يناسبها، وهو الكاذب في قوله، الفاجر في عمله، بخلاف الصادق البر، وأن الشعراء إنما يحركون / النفوس إلى أهوائها فيتبعهم الغاوون، وهم الذين يتبعون الأهواء، وشهوات الغي، فنفي كلا منهما بانتفاء لازمه، وبين ما يجتمع فيه شياطين الإنس والجن‏.‏

فصــل
إذا تبين هذا الأصل، ظهر به اشتقاق البدع من الكفر، فنقول‏:‏ كما أن الذين أثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين، لم يبدلوا ما أنزل الله، ولا كفروا بشيء مما أنزل الله، وكان اليهود والنصارى صاروا كفارًا من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد، فكذلك الصابئة صاروا كفارًا من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل الله على محمد، وإن كانوا منافقين كما قد ينافق اليهودي والنصراني‏.‏ و هؤلاء هم المستأخرون من اليهود والنصارى والصابئين‏.‏
وذلك أن متأخري الصابئين لم يؤمنوا أن لله كلامًا أو يتكلم،ويقول، أو أنه ينزل من عنده كلامًا وذكرا على أحد من البشر، أو أنه يكلم أحدًا من البشر، بل عندهم لا يوصف الله بصفة ثبوتية، لا يقولون‏:‏ إن له علمًا، ولا محبة ولا رحمة، وينكرون أن يكون /الله اتخذ إبراهيم خليلًا، أو كلم موسى تكليمًا، وإنما يوصف عندهم بالسَّلْبِ والنَّفْي، مثل قولهم‏:‏ ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، ولا داخل العالم ولا خارجه، أو بإضافة، مثل كونه مبدأ للعالم أو العلة الأولى، أو بصفة مركبة من السلب والإضافة؛ مثل كونه عاقلا ومعقولا وعقلا‏.‏
وعندهم أن الله لا يخص موسى بالتكليم دون غيره، ولا يخص محمدًا بإرسال دون غيره، فإنهم لا يثبتون له علمًا مفصلا للمعلومات، فضلا عن إرادة تفصيلية، بل يثبتون ـ إذا أثبتوا ـ له علمًا جمليًا كليًا، وغاية جملية كلية، ومن أثبت النبوة منهم قال‏:‏ إنها فيض تفيض على نفس النبي من جنس ما يفيض على سائر النفوس، لكن استعداد النبي صلى الله عليه وسلم أكمل، بحيث يعلم ما لا يعلمه غيره، ويسمع ما لا يسمع غيره، ويبصر ما لا يبصر غيره، وتقدر نفسه على ما لا تقدر عليه نفس غيره‏.‏
والكلام الذي تقوله الأنبياء هو كلامهم وقولهم، وهؤلاء الذين يقولون عن القرآن‏:‏‏{‏إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏25‏]‏، فإن الوحيد الذي هو الوليد بن المغيرة كان من جنسهم؛ كان من المشركين الذين هم صابئون أيضًا؛ فـإن الصابئين ـ كأهـل الكتاب ـ تارة يجعلهم الله قسمًا من المشركين، وتارة يجعلهم الله قسيمًا لهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}‏
‏[‏البينة‏:‏1‏]‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏6‏]‏‏.‏
وكذلك لما ذكر الملل الست في الحج فقال‏:‏‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا‏}‏ الآية ‏[‏الحج‏:‏17‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ‏}‏ الآية ‏[‏التوبة‏:‏31‏]‏، وهذا بعد قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ‏}‏ إلى قوله‏:‏‏{‏وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏30 ـ 32‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏72‏]‏، فإذا كان اليهود والنصارى قد يكونون مشركين فالصابئون أولى، وذلك بعد تبديلهم، فحيث وصفوا بالشرك فبعد التبديل، وحيث جعلوا غير مشركين فلأن أصل دينهم الصحيح ليس فيه شرك، فالشرك مبتدع عندهم، فينبغى التفطن لهذه المعاني‏.‏
وكان الوحيد من ذوي الرأي والقياس والتدبير من العرب، وهو معدود من حكمائهم وفلاسفتهم‏.‏
ولهذا أخبر الله عنه بمثل حال المتفلسفة في قوله‏:‏‏{‏إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏18-25‏]‏‏.‏
/ثم إن هؤلاء فيما تقوله الأنبياء حيارى متهوكون؛ فإنه بَهَرَهُمْ نور النبوة، ولم تقع على أصولهم الفاسدة، فصاروا على أنحاء؛ منهم من لا يؤمن بكثير مما تقوله الأنبياء والمرسلون، بل يعرض عنه أو يشك فيه أو يكذب به، ومنهم من يقول‏:‏ يجوز الكذب لمصلحة راجحة، والأنبياء فعلوا ذلك، ومنهم من يقول‏:‏ يجوز هذا لصالح العامة دون الخاصة، وأمثلهم من يقول‏:‏ بل هذه تخيلات وأمثلة مضروبة لتقريب الحقائق إلى قلوب العامة، وهذه طريقة الفارابي، وابن سينا، لكن ابن سينا أقرب إلي الإيمان من بعض الوجوه، وإن لم يكن مؤمنًا‏.‏
فمن أدركته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبهرته براهينها وأنوارها ورأى ما فيها من أصناف العلوم النافعة، والأعمال الصالحة ـ حتى قال ابن سينا‏:‏ اتفق فلاسفة العالم على أنه لم يطرق العالم ناموس أفضل من هذا الناموس ـ فلابد أن يتأول نصوص الكتاب والسنة على عادة إخوانه في تحريف الكلم عن مواضعه، فيحرفون ما أخبرت به الرسل عن كلام الله، تحريفًا يصيرون به كفارًا ببعض تأويل الكتاب في بعض صفات تنزيله‏.‏
فلما رأوا أن الرسل سَمَّتْ هذا الكلام كلام الله، وأخبرت أنه نزلت به ملائكة الله، مثل الروح الأمين جبريل ـ أطلقت هذه / العبارة في الظاهر، وكفرت بمعناها في الباطن، وردوها إلى أصلهم أصل الصابئين، وصاروا منافقين في المسلمين وفي غيرهم من أهل الملل‏.‏
فيقولون‏:‏ هذا القرآن كلام الله، وهذا الذي جاءت به الرسل كلام الله، ولكن المعنى‏:‏ أنه فاض على نفس النبي صلى الله عليه وسلم من العقل الفَعَّال، وربما قالوا‏:‏ إن العقل هو جبريل، الذي ليس على الغيب بضنين، أي بخيل؛ لأنه فياض‏.‏ ويقولون‏:‏ إن الله كلم موسى من سماء عقله، وإن أهل الرياضة والصفا يصلون إلى أن يسمعوا ما سمعه موسى كما سمعه موسى‏.‏
وقد ضل بكلامه كثير من المشهورين، مثل أبي حامد الغزالي، ذكر هذا المعنى في بعض كتبه، وصنفوا ‏[‏رسائل إخوان الصفا‏]‏ وغيرها، وجمعوا فيها على زعمهم بين مقالات الصابئة المتأخرين التي هي الفلسفة المبتدعة، وبين ما جاءت به الرسل عن الله، فأتوا بما زعموا أنه معقول ولا دليل على كثير منه، وربما ذكروا أنه منقول‏.‏ وفيه من الكذب والتحريف أمر عظيم، وإنما يضلون به كثيرًا بما فيه من الأمور الطبيعية‏.‏ والرياضية، التي لا تعلق لها بأمر النبوات والرسالة لا بنفي ولا بإثبات، ولكن ينتفع بها في مصالح الدنيا؛ كالصناعات من الحراثة والحياكة، والبناية والخياطة ونحو ذلك‏.‏
/فإذا عرف أن حقيقة قول هؤلاء المشركية الصابئة، أن القرآن قول البشر كغيره، لكنه أفضل من غيره، كما أن بعض البشر أفضل من بعض، وأنه فاض على نفس النبي صلى الله عليه وسلم من المحل الأعلى كما تفيض سائر العلوم والمعارف على نفوس أهلها، فاعلم أن هذا القول كثر في كثير من المتأخرين المظهرين للإسلام، وهم منافقون وزنادقة، وإن ادعوا كمال المعارف من المتفلسفة والمتكلمة، والمتصوفة والمتفقهين، حتى يقول أحدهم ـ كالتلمساني ـ‏:‏ كلامنا يوصل إلى الله والقرآن يوصل إلى الجنة، وقد يقول بعضهم ـ كابن عربي ـ‏:‏ إن الولي يأخذ من حيث ما يأخذ الملك الذي يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويقول كثير منهم‏:‏ إن القرآن للعامة، وكلامنا للخاصة‏.‏
فهؤلاء جعلوا القرآن عَضِين ‏[‏أي‏:‏ أجزاء متفرقة، بعضه شعر، وبعضه سحر، وبعضه كهانة، ونحو ذلك‏]‏، وضربوا له الأمثال؛ مثل ما فعل المشركون قبلهم، كما فعلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن هؤلاء منهم من يفضل الولى الكامل والفيلسوف الكامل على النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يفضل بعض الأولياء على زعمه، أو بعض الفلاسفة‏:‏ـ مثل نفسه أو شيخه أو متبوعه ـ على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وربما قالوا‏:‏ هو أفضل من وجه، والنبي أفضل من وجه، فلهم من الإلحاد والافتراء في رسل الله نظير ما لهم من الإلحاد والافتراء في رسالات الله، فيقيسون الكلام الذي بلغته الرسل عن الله بكلامهم، ويقيسون رسل الله بأنفسهم‏.‏
وقد بين الله حال هؤلاء في مثل قوله‏:‏‏{‏وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ‏}‏ إلى أن قال‏:‏‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏91-93‏]‏ فذكر الله إنزال الكتابين، اللذين لم ينزل من عند الله كتاب أهدى منهما ـ التوراة والقرآن ـ كما جمع بينهما في قوله‏:‏‏{‏قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏48، 49‏]‏‏.‏
وكذلك الجن لما استمعت القرآن ‏{‏قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى‏}‏ الآية ‏[‏الأحقاف‏:‏30‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏10‏]‏؛ ولهذا قال النجاشي ـ لما سمع القرآن ـ‏:‏ إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مِشْكاة واحدة‏.‏
ثم ذكر ـ تعالى ـ حال الكذاب والمتنبئ، فقال‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏93‏]‏ فجمع في هذا بين من أضاف ما يفتريه إلى الله، وبين من يزعم أنه يوحى إليه ولا يعين من أوحاه؛ فإن الذي يدعي الوحي لا يخرج عن هذين القسمين‏.‏
ويدخل في ‏[‏القسم الثاني‏]‏ من يُرِي عينيه في المنام ما لا تريا، / ومن يقول‏:‏ ألقى في قلبي وألهمت ونحو ذلك، إذا كان كاذبًا‏.‏
ويدخل في ‏[‏القسم الأول‏]‏ من يقول‏:‏ قال الله لي، أو أمرني الله، أو وافقني، أو قال لي ونحو ذلك، بخيالات أو إلهامات يجدها في نفسه، ولا يعلم أنها من عند الله، بل قد يعلم أنها من الشيطان، مثل مُسَيْلَمَة الكذاب ونحوه، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏93‏]‏، فهذه حال من زعم أن البشر يمكنهم أن يأتوا بمثل كلام الله، أو أن هذا الكلام كلام البشر بفضيلة وقوة من صاحبه، فإذا اجتهد المرء أمكن أن يأتي بمثله‏.‏ وهذا يعم من قال‏:‏ إنه يمكن معارضة القرآن، كابن أبي سرح في حال ردته، وطائفة متفرقين من الناس، ويعم المتفلسفة الصابئة المنافقين والكافرين، ممن يزعم أن رسالة الأنبياء كلام فاض عليهم قد يفيض على غيرهم مثله، فيكون قد أنزل مثل ما أنزل الله في دعوى الرسل؛ لأن القائل‏:‏ سأنزل مثل ما أنزل الله، قد يقوله غير معتقد أن الله أنزل شيئًا، وقد يقوله معتقدًا أن الله أنزل شيئًا‏.‏

فصــل
ولهذا كان أول من أظهر إنكار التكليم والمخالة الجَعْد بن درهم، في أوائل المائة الثانية، وأمر علماء الإسلام ـ كالحسن البصري وغيره ـ / بقتله؛ فضَحَّى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق بـ ‏[‏واسط‏]‏‏.‏ فقال‏:‏ أيها الناس، ضَحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍّ بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليمًا‏!‏ تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرًا‏.‏ ثم نزل فذبحه‏.‏ وأخذ ذلك عنه الجهم بن صفوان، فأنكر أن يكون الله يتكلم، ثم نافق المسلمين فأقر بلفظ الكلام، وقال‏:‏ كلامه يخلق في محل كالهواء وورق الشجر‏.‏
ودخل بعض أهل الكلام والجدل من المنتسبين إلى الإسلام من المعتزلة ونحوهم إلى بعض مقالة الصابئة والمشركين، متابعة للجعد والجهم‏.‏ وكان مبدأ ذلك أن الصابئة في ‏[‏الخلق‏]‏ على قولين‏:‏ منهم من يقول‏:‏ إن السموات مخلوقة بعد أن لم تكن، كما أخبرت بذلك الرسل، وكتب الله ـ تعالى ـ ومنهم من ابتدع فقال‏:‏ بل هي قديمة أزلية، لم تزل موجودة بوجود الأول، واجب الوجود بنفسه، ومنهم من قد ينكر الصانع بالكلية، ولهم مقالات كثيرة الاضطراب في الخلق والبعث، والمبدأ والمعاد؛ لأنهم لم يكونوا معتصمين بحبل الله ـ تعالى ـ فيجمعهم‏.‏ والظنون لا تجمع الناس في مثل هذه الأمور التي تعجز الآراء عن إدراك حقائقها إلا بوحي من الله ـ تعالى‏.‏
وهم إنما يناظر بعضهم بعضًا بالقياس المأخوذ مقدماته من الأمور الطبيعية السفلية، وقوى الطبائع الموجودة في التراب والماء، والهواء / والحيوان، والمعدن والنبات، ويريدون بهذه المقدمات السفلية أن ينالوا معرفة الله وعلم ما فوق السموات، وأول الأمر وآخره؛ وهذا غلط بين اعترف به أساطينهم بأن هذا غير ممكن، وأنهم لا سبيل لهم إلى إدراك اليقين، وأنهم إن يتبعون إلا الظن‏.‏
فلما كان هذا حال هذه الصابئة المبتدعة الضالة،ومن أضلوه من اليهود والنصارى، وكان قد اتصل كلامهم ببعض من لم يهد بهدى الله، الذي بعث به رسله،من أهل الكلام والجدل، صاروا يريدون أن يأخذوا مأخذهم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏(‏لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع‏)‏ قالوا‏:‏يا رسول الله، فارس والروم‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏ومن الناس إلا فارس والروم‏؟‏‏!‏‏)‏ فاحتجوا على حدوث العالم بنحو من مسالك هذه الصابئة، وهو الكلام في الأجسام والأعراض، بأن تثبت الأعراض ثم يثبت لزومها للأجسام ثم حدوثها، ثم يقال‏:‏ ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، واعتمد كثير من أهل الجدل على هذا في إثبات حدوث العالم، فلما رأوا أن الأعراض ـ التي هي الصفات ـ تدل عندهم على حدوث الموصوف الحامل للأعراض التزموا نفيها عن الله؛ لأن ثبوتها مستلزم حدوثه، وبطلان دليل حدوث العالم ـ الذي اعتقدوا ألا دليل سواه، بل ربما اعتقدوا أنه لا يصح إيمان أحد إلا به ـ معلوم بالاضطرار من دين الإسلام‏.‏
/وهؤلاء يخالفون ‏[‏الصابئة الفلاسفة‏]‏ الذين يقولون بقدم العالم، وبأن النبوة كمال تفيض على نفس النبي؛ لأن هؤلاء المتكلمين أكثر حقا، وأتبع للأدلة العقلية والسمعية لما تنورت به قلوبهم من نور الإسلام والقرآن، وإن كانوا قد ضلوا في كثير مما جاءت به الرسل؛ لكن هم خير من أولئك من وجوه أخرى وافقوا فيها أهل السنة فوافقوا أولئك على أن الله لم يتكلم، كما وافقوهم على أنه لا علم له ولا قدرة ولا صفة من الصفات، ورأوا أن إثباته متكلما يقتضى أن يكون جسما، والجسم حادث؛ لأنه من الصفات الدالة على حدوث الموصوف، بل هو عندهم أدل على حدوث المتكلم من غيره؛بل الله يفتقر من الخارج إلى ما لا يفتقر إليه غيره؛ ولأن فيه من الترتيب والتقديم والتأخير ما ليس في غيره؛ ولما رأوا أن الرسل اتفقت على أنه متكلم والقرآن مملوء بإثبات ذلك صاروا تارة يقولون متكلم مجازًا لا حقيقة، وهذا قولهم الأول لما كانوا في بدعتهم على الفطرة، قبل أن يدخلوا في المعاندة والجحود‏.‏
ثم إنهم رأوا أن هذا شنيعٌ، فقالوا‏:‏ بل هو متكلم حقيقة، وربما حكى بعض متكلميهم الإجماع وليس عندهم كذلك، بل حقيقة قولهم وأصله عند من عرفه وابتدعه أن الله ليس بمتكلم، وقالوا‏:‏ المتكلم من فعل الكلام ولو في محل منفصل عنه؛ ففسروا المتكلم في اللغة / بمعنى لا يعرف في لغة العرب ولا غيرهم؛ لا حقيقة ولا مجازًا، وهذا قول من يقول‏:‏ إن القرآن مخلوق، وهو أحد قولي الصابئة يوافقون الرسل في حدوث العالم، وهو وإن كان كفرًا بما جاءت به الرسل فليس هو في الكفر مثل القول الأول؛ لأن هؤلاء لا يقولون‏:‏ إن الله أراد أن يبعث رسولا معينًا، وأن ينزل عليه هذا الكلام الذي خلقه، وأنكروا أن يكون متكلما على الوجه الذي دلت عليه الكتب الإلهية، واتفقت عليه أهل الفطرة السليمة‏.‏
ونشأ بين هؤلاء الذين هم فروع الصابئة، وبين المؤمنين أتباع الرسل الخلاف، فكفر هؤلاء ببعض ما جاءت به الرسل من وصف الله بالكلام والتكليم، واختلفوا في كتاب الله، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض‏.‏
واتبع المؤمنون ما أنزل إليهم من ربهم، من أن الله تكلم بالقرآن، وأنه كلم موسى تكليما، وأنه يتكلم، ولم يحرفوا الكلم عن مواضعه كما فعل الأولون، بل ردوا تحريف أولئك ببصائر الإيمان، الذي علموا به مراد الرسل من إخبارهم برسالة الله وكلامه، واتبعوا هذا القرآن والحديث وإجماع السلف من الصحابة والتابعين وسائر أتباع الأنبياء، وعلموا أن قول هؤلاء أخبث من قول اليهود والنصارى، حتى كان ابن المبارك- إمام المسلمين ـ يقول‏:‏ إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية‏.‏
/وكان قد كثر ظهور هؤلاء، الذين هم فروع المشركين ومن اتبعهم من مبدلة الصابئين، ثم مبدلة اليهود والنصارى في أوائل المائة الثانية، وأوائل الثالثة في إمارة أبي العباس الملقب بالمأمون، بسبب تعريب كتب الروم المشركين الصابئين، الذين كانوا قبل النصارى،ومن أشبههم من فارس والهند، وظهرت علوم الصابئين المنجمين ونحوهم‏.‏
وقدم تقدم أن أهل الكلام المبتدع في الإسلام هم من فروع الصابئين، كما يقال‏:‏ المعتزلة مخانيث الفلاسفة‏.‏ فظهرت هذه المقالة في أهل العلم والكلام، وفي أهل السيف والإمارة، وصار في أهلها من الخلفاء والأمراء، والوزراء والقضاة، والفقهاء ما امتحنوا به المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الذين اتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، ولم يبدلوا ولم يبتدعوا، وذلك لقصور وتفريط من أكثرهم في معرفة حقيقة ما جاء به الرسول واتباعه، وإلا فلو كان ذلك كثيرًا فيهم لم يتمكن أولئك المبتدعة لما يخالف دين الإسلام من التمكن منهم‏.
فصــل
فجاء قوم من متكلمي الصفاتية، الذين نصروا أن الله له علم وقدرة وبصر وحياة، بالمقاييس العقلية المطابقة للنصوص النبوية، وفرقوا بين الصفات القائمة بالجواهر فجعلوها أعراضًا، وبين الصفات القائمة بالرب فلم يسموها أعراضًا، لأن العَرَض ما لا يدوم ولا يبقى، أو ما يقوم بمتحيز أو / جسم، فصفات الرب لازمة دائمة ليست من جنس الأعراض القائمة بالأجسام‏.‏
وهؤلاء أهل الكلام القياسي من الصفاتية، فارقوا أولئك المبتدعة المعطلة الصابئة في كثير من أمورهم، وأثبتوا الصفات التي قد يستدل بالقياس العقلي عليها، كالصفات السبع، وهي‏:‏ الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام‏.‏ ولهم نزاع في السمع والبصر والكلام، هل هو من الصفات العقلية أو الصفات النبوية الخبرية السمعية‏؟‏ ولهم اختلاف في البقاء والقدم، وفي الإدراك الذي هو إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات،ولهم ـ أيضًا ـ اختلاف في الصفات السمعية القرآنية الخبرية كالوجه واليد، فأكثر متقدميهم أو كلهم يثبتها، وكثير من متأخريهم لا يثبتها، وأما ما لا يرد إلا في الحديث فأكثرهم لا يثبتها، ثم منهم من يصرف النصوص عن دلالتها لأجل ما عرضها من القياس العقلي عنده، ومنهم من يفوض معناها‏.‏
وليس الغرض هنا تفصيل مقالات الناس فيما يتعلق بسائر الصفات، وإنما المقصود القول في ‏[‏رسالة الله، وكلامه‏]‏ الذي بلغته رسله، فكان هؤلاء بينهم وبين أهل الوراثة النبوية قدر مشترك بما سلكوه من الطرق الصابئة في أمر الخالق، وأسمائه وصفاته، فصار في مذهبهم في الرسالة تركيب من الوراثتين، لبسوا حق ورثة الأنبياء بباطل ورثة أتباع الصابئة، كما كان في مذهب أهل الكلام المحض المبتدع ـ كالمعتزلة ـ تركيب، وليس بين الأثارة ‏[‏الأثارة‏:‏ بقية الشيء، من علم أو خبر‏]‏‏.‏ النبوية وبين الأثارة الصابئة، / لكن أولئك أشد اتباعا للأثارة النبوية، وأقرب إلى مذهب أهل السنة من المعتزلة، ونحوهم من وجوه كثيرة‏.‏
ولهذا وافقهم في بعض ما ابتدعوه كثير من أهل الفقه، والحديث والتصوف؛ لوجوه‏:‏
أحدها‏:‏ كثرة الحق الذي يقولونه، وظهور الأثارة النبوية عندهم‏.‏
الثاني‏:‏ لبسهم ذلك بمقاييس عقلية بعضها موروث عن الصابئة، وبعضها مما ابتدع في الإسلام، واستيلاء ما في ذلك من الشبهات عليهم، وظنهم أنه لم يمكن التمسك بالأثارة النبوية من أهل العقل والعلم، إلا على هذا الوجه‏.‏
الثالث‏:‏ ضعف الأثارة النبوية الدافعة لهذه الشبهات، والموضحة لسبيل الهدى عندهم‏.‏
الرابع‏:‏ العجز والتفريط الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث؛ تارة يروون ما لا يعلمون صحته، وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور‏.‏
/فلما كان هذا منهاجهم، وقالوا‏:‏ إن القرآن غير مخلوق لما دل على ذلك من النصوص وإجماع السلف، ولما رأوا أنه مستقيم على الأصل الذي قرروه في الصفات، ورأوا أن التوفيق بين النصوص النبوية السمعية، وبين القياس العقلي لا يستقيم إلا أن يجعلوا القرآن معنى قائمًا بنفس الله تعالى ــ كسائر الصفات، كما جعله الأولون من باب المصنوعات المخلوقات، لا قديمًا كسائر الصفات ــ ورأوا أنه ليس إلا مخلوق أو قديم، فإن إثبات قسم ثالث قائم بالله يقتضى حلول الحوادث بذاته، وهو دليل على حدوث الموصوف، ومبطل لدلالة حدوث العالم‏.‏
ثم رأوا أنه لا يجوز أن يكون معانى كثيرة، بل إما معنى واحد عند طائفة، أو معاني أربعة عند طائفة، والتزموا على هذا أن حقيقة الكلام هي المعنى القائم بالنفس، وأن الحروف والأصوات ليست من حقيقة الكلام، بل دالة عليه فتسمى باسمه؛ إما مجازا عند طائفة، أو حقيقة بطريق الاشتراك عند طائفة، وإما مجازا في كلام الله حقيقة في غيره عند طائفة‏.‏
وخالفهم الأولون وبعض من يتسنن أيضا، وقالوا‏:‏ لا حقيقة للكلام إلا الحروف والأصوات، وليس وراء ذلك معنى إلا العلم ونوعه، أو الإرادة ونوعها، فصار النزاع بين الطائفتين‏.‏
/وأورد على هؤلاء‏:‏ أن الأمر والنهي والخبر صفات للكلام إضافية ليست أنواعًا له وأقسامًا، وأن كلام الله معنى واحد؛ إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وبالعبرية فهو توراة، وبالسريانية فهو إنجيل، وقال لهم أكثر الناس‏:‏ هذا معلوم الفساد بالضرورة، كما قال الأولون‏:‏ إنه خلق الكلام في الهواء فصار متكلمًا به، وإن المتكلم من أحدث الكلام ولو في ذات غير ذاته؛ وقال لهم أكثر الناس‏:‏ إن هذا معلوم الفساد بالضرورة‏.‏
وقال الجمهور من جميع الطوائف‏:‏ إن الكلام اسم للفظ والمعنى جميعًا، كما أن الإنسان المتكلم اسم للروح والجسم جميعًا، وأنه إذا أطلق على أحدهما فبقرينة، وأن معاني الكلام متنوعة ليست منحصرة في العلم والإرادة، كتنوع ألفاظه، وإن كانت المعاني أقرب إلى الاتحاد والاجتماع، والألفاظ أقرب إلى التعدد والتفرق‏.‏
والتزم هؤلاء أن حروف القرآن مخلوقة، وإن لم يكن عندهم الذي هو كلام الله مخلوقًا، وفرقوا بين كتاب الله وكلامه، فقالوا‏:‏ كتاب الله هو الحروف وهو مخلوق، وكلام الله هو معناها غير مخلوق‏.‏ وهؤلاء والأولون متفقون على خلق القرآن الذي قال الأولون‏:‏ إنه مخلوق، واختلف هؤلاء أين خلقت هذه الحروف‏؟‏ هل خلقت في الهواء‏؟‏ أو في نفس جبرائيل‏؟‏ أو أن جبرائيل هو الذي أحدثها أو محمد‏؟‏
/وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل، وما جاء عنهم من الكتب والأثارة من العلم، وهم المتبعون للرسالة اتباعًا محضًا، لم يشوبوه بما يخالفه من مقالة الصابئين، وهو أن القرآن كلام الله، لا يجعلون بعضه كلام الله وبعضه ليس كلام الله، والقرآن هو القرآن- الذي يعلم المسلمون أنه القرآن ـ حروفه ومعانيه، والأمر والنهى هو اللفظ والمعنى جميعًا‏.‏
ولهذا كان الفقهاء المصنفون في أصول الفقه من جميع الطوائف؛ الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية- إذا لم يخرجوا عن مذاهب الأئمة والفقهاء ـ إذا تكلموا في الأمر والنهي ذكروا ذلك، وخالفوا من قال‏:‏ إن الأمر هو المعنى المجرد، ويعلم أهل الأثارة النبوية ـ أهل السنة والحديث، عامة المسلمين الذين هم جماهير أهل القبلة ـ أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏1، 2‏]‏ ونحو ذلك هو كلام الله لا كلام غيره، وكلام الله هو ما تكلم به لا ما خلقه في غيره، ولم يتكلم به‏.‏
/ وسئل شيخ الإسلام ـ قدس الله روحه ـ عن رجلين تجادلا في ‏[‏الأحرف التي أنزلها الله على آدم‏]‏ فقال أحدهما‏:‏ إنها قديمة ليس لها مبتدأ، و شكلها ونقطها محدث‏.‏ فقال الآخر‏:‏ ليست بكلام الله وهي مخلوقة بشكلها ونقطها، والقديم هو الله، وكلامه منه بدأ وإليه يعود، منزل غير مخلوق، ولكنه كُتِبَ بها‏.‏ وسألا‏:‏ أيهما أصوب قولًا وأصح اعتقادًا‏؟‏
فأجاب‏:‏
الحمد لله رب العالمين، أصل هذه المسألة هو معرفة ‏[‏كلام الله تعالى‏]‏‏.‏ ومذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين ـ كالأئمة الأربعة وغيرهم ـ ما دل عليه الكتاب و السنة، وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه، ليس ذلك / مخلوقًا منفصلا عنه، وهو ـ سبحانه ـ يتكلم بمشيئته وقدرته، فكلامه قائم بذاته، ليس مخلوقًا بائنًا عنه، وهو يتكلم بمشيئته وقدرته، لم يقل أحد من سلف الأمة‏:‏ إن كلام الله مخلوق بائن عنه، ولا قال أحد منهم‏:‏ إن القرآن أو التوراة أو الإنجيل لازمة لذاته أزلا وأبدًا، وهو لا يقدر أن يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا قالوا‏:‏ إن نفس ندائه لموسى أو نفس الكلمة المعينة قديمة أزلية، بل قالوا‏:‏ لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، فكلامه قديم، بمعنى أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء‏.‏
وكلمات الله لا نهاية لها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا‏}‏
‏[‏الكهف‏:‏109‏]‏، والله ـ سبحانه ـ تكلم بالقرآن العربي، وبالتوراة العبرية، فالقرآن العربي كلام الله، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ‏}‏إلى قوله‏:‏ ‏{‏لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 98 ـ 103‏]‏ فقد بين ـ سبحانه ـ أن القرآن الذي يبدل منه آية مكان آية نزله روح القدس وهو جبريل ـ وهو الروح الأمين كما ذكر ذلك في موضع آخر ـ من الله بالحق، وبين بعد ذلك أن من الكفار من قال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ‏}‏ كما قال بعض المشركين‏:‏ يعلمه رجل بمكة أعجمي، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ‏}‏ أي الذي يضيفون إليه هذا التعليم أعجمي‏{‏وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏103‏]‏‏.‏
/ففي هذا ما يدل على أن الآيات التي هي لسان عربي مبين، نزلها روح القدس من الله بالحق، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏114‏]‏، والكتاب الذي أنزل مفصلاً هو القرآن العربي باتفاق الناس، وقد أخبر أن الذين أتاهم الكتاب يعلمون أنه منزل من الله بالحق، والعلم لا يكون إلا حقًا فقال‏:‏ ‏{‏يّعًلّمٍونّ‏}‏ ولم يقل‏:‏ يقولون، فإن العلم لا يكون إلا حقا بخلاف القول، وذكر علمهم ذكر مستشهد به‏.‏
وقد فرق ـ سبحانه ـ بين إيحائه إلى غير موسى وبين تكليمه لموسى في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏136ـ 165‏]‏ فرق ـ سبحانه ـ بين تكليمه لموسى وبين إيحائه لغيره، ووكد تكليمه لموسى بالمصدر، وقال تعالى‏:‏‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏بِرُوحِ الْقُدُسِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏253‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏15‏]‏ إلى آخر السورة‏.‏ فقد بين ـ سبحانه ـ أنه لم يكن لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد الأوجه الثلاثة؛ إما وحيًا، وإما من وراء حجاب، وإما أن يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء، فجعل الوحي غير التكليم، والتكليم من وراء حجاب كان لموسى‏.‏
/ وقد أخبر في غير موضع أنه ناداه كما قال‏:‏ ‏{‏وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ‏}‏ الآية ‏[‏مريم‏:‏25‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ‏}‏ الآية ‏[‏القصص‏:‏30‏]‏‏.‏ و‏[‏النداء‏]‏ باتفاق أهل اللغة لا يكون إلا صوتًا مسموعًا، فهذا مما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورهم‏.‏ وأهل الكتاب يقولون‏:‏ إن موسى ناداه ربه نداء سمعه بأذنه، وناداه بصوت سمعه موسى، والصوت لا يكون إلا كلامًا، والكلام لا يكون إلا حروفًا منظومة، وقد قال تعالى‏:‏‏{‏تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏2‏]‏، وقال‏:‏‏{‏حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏1، 2‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏}‏‏[‏الجاثية‏:‏1، 2‏]‏
فقد بين في غير موضع أن الكتاب والقرآن العربي منزل من الله‏.‏
وهذا معنى قول السلف‏:‏ منه بدأ، قال أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ ‏:‏ منه بدأ‏:‏ أي هو المتكلم به؛ فإن الذين قالوا‏:‏ إنه مخلوق، قالوا‏:‏ خلقه في غيره، فبدا من ذلك المخلوق، فقال السلف‏:‏ منه بدا، أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره فيكون كلامًا لذلك المحل الذي خلقه فيه؛ فإن الله ـ تعالى ـ إذا خلق صفة من الصفات في محل كانت الصفة صفة لذلك المحل ولم تكن صفة لرب العالمين؛ فإذا خلق طعما أو لونًا في محل كان ذلك المحل هو المتحرك المتلون به، وكذلك إذا خلق حياة أو إرادة أو قدرة أو علمًا أو كلامًا في محل كان ذلك المحل هو المريد، / القادر، العالم، المتكلم بذلك الكلام، ولم يكن ذلك المعنى المخلوق في ذلك المحل صفة لرب العالمين، وإنما يتصف الرب ـ تعالى ـ بما يقوم به من الصفات، لا بما يخلقه في غيره من المخلوقات، فهو الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحيم، المتكلم بالقرآن وغيره من الكلام، بحياته وعلمه وقدرته وكلامه القائم به، لا بما يخلقه في غيره من هذه المعاني‏.‏
ومن جعل كلامه مخلوقًا لزمه أن يقول المخلوق هو القائل لموسى‏:‏ ‏{‏إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏14‏]‏، وهذا ممتنع، لا يجوز أن يكون هذا كلامًا إلا لرب العالمين، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن والتوراة وغير ذلك من الكتب بمعانيها وألفاظها المنتظمة من حروفها لم يكن شيء من ذلك مخلوقًا، بل كان ذلك كلامًا لرب العالمين‏.‏
وقد قيل للإمام أحمد بن حنبل‏:‏ إن فلانًا يقول‏:‏ ‏[‏لما خلق الله الأحرف سجدت له إلا الألف، فقالت‏:‏ لا أسجد حتى أومر‏]‏، فقال‏:‏ هذا كفر‏.‏ فأنكر على من قال‏:‏ إن الحروف مخلوقة؛ لأنه إذا كان جنس الحروف مخلوقًا لزم أن يكون القرآن العربي والتوراة العبرية وغير ذلك مخلوقًا، وهذا باطل مخالف لقول السلف والأئمة، مخالف للأدلة العقلية والسمعية، كما قد بسط في غير هذا الموضع‏.‏
/والناس قد تنازعوا في كلام الله نزاعًا كثيرًا، والطوائف الكبار نحو ست فرق، فأبعدها عن الإسلام قول من يقول من المتفلسفة والصابئة‏:‏ إن كلام الله إنما هو ما يفيض على النفوس؛ إما من العقل الفعال، وإما من غيره، وهؤلاء يقولون‏:‏ إنما كلم الله موسى من سماء عقله، أي بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج‏.‏
وأصل قول هؤلاء‏:‏ إن الأفلاك قديمة أزلية، وأن الله لم يخلقها بمشيئته وقدرته في ستة أيام كما أخبرت به الأنبياء، بل يقولون‏:‏ أن الله لا يعلم الجزئيات، فلما جاءت الأنبياء بما جاؤوا به من الأمور الباهرة جعلوا يتأولون ذلك تأويلات يحرفون فيها الكلم عن مواضعه، ويريدون أن يجمعوا بينها وبين أقوال سلفهم الملاحدة، فقالوا مثل ذلك‏.‏ وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، وهم كثيروا التناقض، كقولهم‏:‏ إن الصفة هي الموصوف، وهذه الصفة هي الأخرى، فيقولون‏:‏ هو عقل وعاقل ومعقول، ولذيذ‏.‏ وملتذ ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق‏.‏‏.‏ وقد يعبرون عن ذلك بأنه حي عالم معلوم، محب محبوب‏.‏ ويقولون‏:‏ نفس العلم هو نفس المحبة، وهو نفس القدرة، ونفس العلم هو نفس العالم، ونفس المحبة هي نفس المحبوب‏.‏
ويقولون‏:‏ إنه علة تامة في الأزل؛ فيجب أن يقارنها معلولها في / الأزل في الزمن، وإن كان متقدمًا عليها بالعلة لا بالزمان‏.‏ ويقولون‏:‏ إن العلة التامة ومعلولها يقترنان في الزمان ويتلازمان، فلا يوجد معلول إلا بعلة تامة، ولا تكون علة تامة إلا مع معلولها في الزمان‏.‏ ثم يعترفون بأن حوادث العالم حدثت شيئًا بعد شيء من غير أن يتجدد من المبدع الأول ما يوجب أن يصير علة للحوادث المتعاقبة، بل حقيقة قولهم أن الحوادث حدثت بلا مُحْدِث، وكذلك عدمت بعد حدوثها من غير سبب يوجب عدمها على أصلهم‏.‏
وهؤلاء قابلهم طوائف من أهل الكلام، ظنوا أن المؤثر التام يتراخى عنه أثره، وأن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، والحوادث لها ابتداء، وقد حدثت بعد أن لم تكن بدون سبب حادث‏.‏ ولم يهتد الفريقان للقول الوسط، وهو أن المؤثر التام مستلزم أن يكون أثره عقـب تأثيره التـام لا مـع التأثيـر ولا مـتراخيًا عنه، كما قال تعـالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏82‏]‏ فهو ـ سبحانه ـ يكون كل شيء فيكون عقب تكوينه لا مع تكوينه في الزمان، ولا متراخيًا عن تكوينه، كما يكون الانكسار عقب الكسر والانقطاع عقب القطع، ووقوع الطلاق عقب التطليق لا متراخيًا عنه، ولا مقارنًا له في الزمان‏.‏
والقائلون بالتراخي ظنوا امتناع حوادث لا تتناهى، فلزمهم أن / الرب لا يمكنه فعل ذلك، فالتزموا أن الرب يمتنع أن يكون لم يزل متكلمًا بمشيئته، ويمتنع أن يكون لم يزل قادرًا على الفعل والكلام بمشيئته، فافترقوا بعد ذلك، منهم من قال‏:‏ كلامه لا يكون إلا حادثًا؛ لأن الكلام لا يكون إلا مقدورًا مرادًا‏.‏ وما كان كذلك لا يكون إلا حادثًا، وما كان حادثًا كان مخلوقًا منفصلاَ عنه؛ لامتناع قيام الحوادث به، وتسلسلها في ظنهم‏.‏
ومنهم من قال‏:‏ بل كلامه لا يكون إلا قائمًا به، وما كان قائمًا به لم يكن متعلقًا بمشيئته وإرادته، بل لا يكون إلا قديم العين؛ لأنه لو كان مقدورًا مرادًا لكان حادثًا، فكانت الحوادث تقوم به، ولو قامت به لم يسبقها ولم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها‏.‏
ومنهم من قال‏:‏ بل هو متكلم بمشيئته وقدرته، لكنه يمتنع أن يكون متكلمًا في الأزل، أو أنه لم يزل متكلمًا بمشيئته وقدرته؛ لأن ذلك يستلزم وجود حوادث لا أول لها، وذلك ممتنع‏.‏
قالت هذه الطوائف‏:‏ ونحن بهذا الطريق علمنا حدوث العالم، فاستدللنا على حدوث الأجسام بأنها لا تخلو من الحوادث ولا تسبقها،وما لم يسبق الحوادث فهو حادث‏.‏ثم من هؤلاء من ظن أن هذه / قضية ضرورية ولم يتفطن لإجمالها‏.‏ ومنهم من تفطن للفرق بين مالم يسبق الحوادث المحصورة المحدودة وما يسبق جنس الحوادث المتعاقبة شيئًا بعد شيء‏.‏ أما الأول فهو حادث بالضرورة؛ لأن تلك الحوادث لها مبدأ معين، فما لم يسبقها يكون معها أو بعدها وكلاهما حادث‏.‏
وأما جنس الحوادث شيئًا بعد شيء فهذا شيء تنازع فيه الناس، فقيل‏:‏ إن ذلك ممتنع في الماضي والمستقبل، كقول الجهم وأبي الهذيل‏.‏ فقال الجهم بفناء الجنة والنار‏.‏ وقال أبوالهذيل بفناء حركات أهلهما‏.‏ وقيل‏:‏ بل هو جائز في المستقبل دون الماضي؛ لأن الماضي دخل في الوجود دون المستقبل‏.‏ وهو قول كثير من طوائف النظَّار‏.‏ وقيل‏:‏ بل هو جائز في الماضي والمستقبل، وهذا قول أئمة أهل الملل وأئمة السنة ـ كعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل، وغيرهما ـ ممن يقول بأن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، وأن كلمات الله لا نهاية لها، وهي قائمة بذاته، وهو متكلم بمشيئته وقدرته‏.‏ وهو ـ أيضًا ـ قول أئمة الفلاسفة‏.‏
لكن أرسطو وأتباعه مدعون ذلك في حركات الفلك، ويقولون‏:‏ إنه قديم أزلي، وخالفوا في ذلك جمهور الفلاسفة، مع مخالفة الأنبياء والمرسلين وجماهير العقلاء‏.‏ فإنهم متفقون على أن الله خلق السموات والأرض، بل هو خالق كل شيء، وكل ما سوى الله مخلوق حادث، كائن بعد أن لم يكن‏.‏ وإن القديم الأزلي‏.‏ هو الله ـ تعالى ـ بما هو متصف به من صفات / الكمال وليست صفاته خارجة عن مسمى اسمه، بل من قال‏:‏ عبدت الله ودعوت الله، فإنما عبد ذاته المتصفة بصفات الكمال التي تستحقها، ويمتنع وجود ذاته بدون صفاتها اللازمة لها‏.‏
ثم لما تكلم في ‏[‏النبوات‏]‏ من اتبع أرسطو ـ كابن سينا وأمثاله ـ ورأوا ما جاءت به الأنبياء من إخبارهم بأن الله يتكلم، وأنه كلم موسى تكليمًا‏.‏ وأنه خالق كل شيء، أخذوا يحرفون كلام الأنبياء عن مواضعه، فيقولون‏:‏ الحدوث نوعان، ذاتي وزماني، ونحن نقول‏:‏ إن الفلك محدث الحدوث الزماني؛ بمعنى أنه معلول وإن كان أزليًا لم يزل مع الله، وقالوا‏:‏ إنه مخلوق بهذا الاعتبار، والكتب الإلهية أخبرت بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، والقديم الأزلي لا يكون في أيام‏.‏
وقد علم بالاضطرار أن ما أخبرت به الرسل ـ من أن الله خلق كل شيء، وأنه خلق كذا ـ إنما أرادوا بذلك أنه خلق المخلوق، وأحدثه بعد أن لم يكن، كما قال‏:‏ ‏{‏وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏9‏]‏، والعقول الصريحة توافق ذلك، وتعلم أن المفعول المخلوق المصنوع لا يكون مقارنًا للفاعل في الزمان ولا يكون إلا بعده، وأن الفعل لا يكون إلا بإحداث المفعول‏.‏
/وقالوا لهؤلاء قولكم‏:‏ ‏[‏إنه مؤثر تام في الأزل‏]‏ لفظ مجمل يراد به التأثير العام في كل شيء، ويراد به التأثير المطلق في شيء بعد شيء، ويراد به التأثير في شيء معين دون غيره؛ فإن أردتم الأول لزم ألا يحدث في العالم حادث، وهذا خلاف المشاهدة‏.‏ وإن أردتم الثاني لزم أن يكون كل ما سوى الله مخلوقًا حادثًا كائنًا بعد أن لم يكن، وكان الرب لم يزل متكلمًا بمشيئته فعالا لما يشاء، وهذا يناقض قولكم، ويستلزم أن كل ما سواه مخلوق، ويوافق ما أخبرت به الرسل، وعلى هذا يدل العقل الصريح، فتبين أن العقل الصريح يوافق ما أخبرت به الأنبياء‏.‏ وإن أردتم الثالث فسد قولكم؛ لأنه يستلزم أنه يشاء حدوثها بعد أن لم يكن فاعلا لها من غير تجدد سبب يوجب الإحداث، وهذا يناقض قولكم؛ فإن صح هذا جاز أن يحدث كل شيء بعد أن لم يكن محدثًا لشيء، وإن لم يصح هذا بطل، فقولكم باطل على التقديرين‏.‏
وحقيقة قولكم‏:‏ إن المؤثر التام لا يكون إلا مع أثره، ولا يكون الأثر إلا مع المؤثر التام في الزمن، وحينئذ فيلزمكم ألا يحدث شيء، ويلزمكم أن كل ما حدث حدث بدون مؤثر، ويلزمكم بطلان الفرق بين أثر وأثر، وليس لكم أن تقولوا‏:‏ بعض الآثار يقارن المؤثر التام، وبعضها يتراخى عنه‏.‏
/وأيضًا، فكونه فاعلا لمفعول معين مقارن له أزلا وأبدًا، باطل في صريح العقل‏.‏ وأيضًا، فأنتم وسائر العقلاء موافقون على أن الممكن الذي لا يكون إلا ممكنًا يقبل الوجود والعدم، وهو الذي جعلتموه الممكن الخاص الذي قسيمه الضروري الواجب، والضروري الممتنع لا يكون إلا موجودًا تارة ومعدومًا أخرى، وأن القديم الأزلي لا يكون إلا ضروريًا واجبًا يمتنع عدمه، وهذا مما اتفق عليه أرسطو وأتباعه حتى ابن سينا، وذكره في كتبه المشهورة كـ‏[‏الشفا‏]‏ وغيره‏.‏ ثم تناقض فزعم أن الفلك ممكن مع كونه قديمًا أزليًا لم يزل ولا يزال، وزعم أن الواجب بغيره، القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه يكون ممكنًا يقبل الوجود والعدم‏.‏ وزعم أن له ماهية غير وجوده‏.‏ وقد بسط الكلام على فساد قول هؤلاء وتناقضه في غير هذا الموضع‏.‏
والقول الثاني للناس ـ في كلام الله تعالى ـ قول من يقول‏:‏ إن الله لم يقم به صفة من الصفات، لا حياة ولا علم، ولا قدرة ولا كلام، ولا إرادة ولا رحمة، ولا غضب ولا غير ذلك، بل خلق كلامًا في غيره فذلك المخلوق هو كلامه، وهذا قول الجهمية والمعتزلة‏.‏ وهذا القول ـ أيضًا ـ مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو مناقض لأقوال الأنبياء ونصوصهم، وليس مع هؤلاء عن الأنبياء قول يوافق قولهم، بل لهم شبه عقلية فاسدة، قد بينا فسادها في غير هذا / الموضع، وهؤلاء زعموا أنهم يقيمون الدليل على حدوث العالم بتلك الحجج، وهم لا للإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا‏.‏
والقول الثالث‏:‏ قول من يقول‏:‏ إنه يتكلم بغير مشيئته وقدرته بكلام قائم بذاته أزلا وأبدًا، وهؤلاء موافقون لمن قبلهم في أصل قولهم، لكن قالوا‏:‏ الرب تقوم به الصفات، ولا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الصفات الاختيارية‏.‏
وأول من اشتهر عنه أنه قال هذا القول في الإسلام عبد الله بن سعيد بن كُلاّب، ثم افترق موافقوه، فمنهم من قال‏:‏ ذلك الكلام معنى واحد هو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كل محظور، والخبر عن كل مخبر عنه، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة‏.‏ وقالوا‏:‏ معنى القرآن والتوراة والإنجيل واحد، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدَّيْن‏.‏ وقالوا‏:‏ الأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواع له، ومن محققيهم من جعل المعنى يعود إلى الخبر، والخبر يعود إلى العلم‏.‏
وجمهور العقلاء يقولون‏:‏ قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة، وهؤلاء يقولون‏:‏ تكليمه لموسى ليس إلا خلق إدراك يفهم به موسى ذلك المعنى‏.‏ فقيل لهم‏:‏ أفهم كل الكلام أم بعضه‏؟‏ إن كان فهمه كله / فقد عَلِمَ عِلْم الله، وإن كان فهم بعضه فقد تبعض، وعندهم كلام الله لا يتبعض ولا يتعدد‏.‏
وقيل لهم‏:‏ قد فرق الله بين تكليمه لموسى وإيحائه لغيره، وعلى أصلكم‏:‏ لا فرق‏.‏
وقيل لهم‏:‏ قد كَفَّر اللَّهُ من جعل القرآن العربي قول البشر، وقد جعله تارة قول رسول من البشر، وتارة قول رسول من الملائكة، فقال في موضع‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏40-42‏]‏ ، فهذا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وقال في الآية الأخرى‏:‏‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏19-21‏]‏، فهذا جبريل، فأضافه تارة إلى الرسول الملكي، وتارة إلى الرسول البشري، والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس‏.‏
وكان بعض هؤلاء ادعى أن القرآن العربي أحدثه جبريل أو محمد، فقيل لهم‏:‏ لو أحدثه أحدهما لم يجز إضافته إلى الآخر‏.‏ وهو ـ سبحانه ـ أضافه إلى كل منهما باسم الرسول الدال على مرسله لا باسم الملك والنبي، فدل ذلك على أنه قول رسول بلغه عن مرسله، لا قول ملك أو نبي أحدثه من تلقاء نفسه، بل قد كفر من قال‏:‏ إنه قول البشر‏.‏
/والطائفة الأخرى ـ التي وافقت ابن كلاب على أن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته ـ قالت‏:‏ بل الكلام القديم هو حروف، أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب أزلا وأبدًا لايتكلم بها بمشيئته وقدرته، ولا يتكلم بها شيئًا بعد شيء‏.‏ ولم يفرق هؤلاء بين جنس الحروف وجنس الكلام، وبين عين حروف قديمة أزلية، وهذا ــ أيضًا- مما يقول جمهور العقلاء أنه معلوم الفساد بالضرورة؛ فإن الحروف المتعاقبة شيئًا بعد شيء يمتنع أن يكون كل منها قديمًا أزليا، وإن كان جنسها قديمًا؛ لإمكان وجود كلمات لا نهاية لها، وحروف متعاقبة لا نهاية لها، وامتناع كون كل منها قديمًا أزليًا؛ فإن المسبوق بغيره لا يكون أزليًا‏.‏
وقد فرق بعضهم بين وجودها وماهيتها، فقال‏:‏ الترتيب في ماهيتها لا في وجودها، وبطلان هذا القول معلوم بالاضطرار لمن تدبره، فإن ماهية الكلام الذي هو حروف لا يكون شيئًا بعد شيء، والصوت لا يكون إلا شيئًا بعد شيء، فامتنع أن يكون وجود الماهية المعينة أزليًا متقدمًا عليها به، مع أن الفرق بينهما بين لو قدر الفرق بينهما، ويلزم من هذين الوجهين أن يكون وجودها ـ أيضًا ـ مترتبًا ترتيبًا متعاقبًا‏.‏
ثم من هؤلاء من يزعم أن ذلك القديم هو ما يسمع من العباد من الأصوات بالقرآن والتوراة والإنجيل أو بعض ذلك،وكان أظهر / فسادا مما قبله، فإنه يعلم بالضرورة حدوث أصوات العباد‏.‏
وطائفة خامسة قالت‏:‏ بل الله يتكلم بمشيئته وقدرته بالقرآن العربي وغيره، لكن لم يكن يمكنه أن يتكلم بمشيئته في الأزل؛ لامتناع حوادث لا أول لها، وهؤلاء جعلوا الرب في الأزل غير قادر على الكلام بمشيئته، ولا على الفعل كما فعله أولئك، ثم جعلوا الفعل والكلام ممكنا مقدورًا من غير تجدد شيء أوجب القدرة والإمكان، كما قال أولئك في المفعولات المنفصلة‏.‏
وأما السلف فقالوا‏:‏ لم يزل الله متكلما إذا شاء، وأن الكلام صفة كمال، ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر، ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام لازمًا لذاته، ليس له عليه قدرة ولا له فيه مشيئة، والكمال إنما يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا بالأمور المباينة له، ولا يكون الموصوف متكلما عالمًا قادرًا إلا بما يقوم به من الكلام والعلم والقدرة‏.‏
وإذا كان كذلك فمن لم يزل موصوفًا بصفات الكمال أكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفًا بها لو كان حدوثها ممكنًا، فكيف إذا كان ممتنعًا‏؟‏ فتبين أن الرب لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الجلال؛ ومن أجلِّها الكلام‏.‏ فلم يزل متكلما إذا شاء ولا يزال كذلك، وهو يتكلم إذا شاء بالعربية كما تكلم بالقرآن /العربي، وما تكلم الله به فهو قائم به ليس مخلوقًا منفصلا عنه، فلا تكون الحروف التي هي مباني أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة؛ لأن الله تكلم بها‏.‏
××ملاك روحي×× غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


الساعة الآن 01:54 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103