تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات القصص والروايات > روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة

روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة من اجمل الروايات الرومانسية والاجتماعية بين يديك في صفحة واحدة, تمتع بقراءة ما تحب في منتديات القصص والروايات

دموع بين السّطور للاستاذ ابو هيثم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-27-2010, 11:51 PM   #1 (permalink)
amine50
رومانسي مبتديء
 
الصورة الرمزية amine50
 

ADS
35 دموع بين السّطور للاستاذ ابو هيثم




[COLOR="Blue"]


دموع بين السّطور الجزء الاول
جلس صديقي يوما إليّ ،وراح يروي حكاية غرامه ، وهو كلّه
جراح تنزف آلاما وآهات .. جراح أعيت من يداويها ، لم تترك منه إلاكومة
عظام محطمة ، ونفسا معذّبة غادرتها الطمأنينة والسّكينة ،وأظلتها
سحب من الحزن والأسى ، فأظلمت بعد ضياء واستوحشت بعد انس .

ختم حكايته عن حبيبته التي شاءت الأقدار أن تكون من نصيب غيره
بسبب لحظة ضعف منه أمام سلطة والديه الجبّارة الرافضة لهذه العلاقة
ثمّ أرسل تنهيدة طويلة وحارة تعبر عما يجيش في نفسه من حسرة
وألم خلت أنّ روحه ستخرج معها وقال ودموعه تسيل على وجنتيه :
<< هي ذي حكايتي قد رويتها لك ،حكاية تناولت بين طيّاتها مسيرة
حب حافلة باآلام والمآسي جمعت بين مخلوقين أحدهما كان في صورة
ملاك طاهر يفيض قلبه محبة وإخلاصا ووفاء ،والآخر كان شيطانا في صورة
ملاك وأنا هو ذاك الشيطان الذي طرد من رحاب جنته بما جناه على نفسه
من سوء افعاله فقد نكثت العهود وأخلفت الوعود وأظهرت الجحود وكذبت
حيث لا يجب الكذب . آه يا صديقي لولا جبني وضعفي ما وصلت إلى هذه
الحالة المزرية ولكنت اليوم مع ملاكي الطاهر نعيش في خير وعافية
ولما عرفت نفسي طعما للبؤس والحرمان والنّدم .. >>.

مواسات المحبين ، والتّخفيف من لوعة العاشقين لم تكن يوما
وليدة الشّفقة والرّأفة ،ولا هي تكمن في المال والجاه . وإنّما هي
تكمن فيما تقوم به الأرواح وتتبادله الأفئدة التي أضناها الهيام ،وأسقمها
الحنين ،وأرقها طول السّهر ، وأفنتها الأشواق ، هذه الأرواح المعذّبة
التي عاشت مآسي الهوى وتلك الأفئدة المحترقة بنار الأشواق والحنين
هي الوحيدة التي بإمكانها إدراك معانات هذه النّخبة الرّقية و القادرة
على مواساتهاوالتخفيف من حدّة آلامها ،وتفهّم أوضاعها ،من حيث
أنّهاعرفت الحقيقة وعاشتها بدقائقها ، وبتفاصيلها وحقائقها .

فقلت له :<< لقد فتقت يا صديقي بأحاديثك في نفسي جراحا خلت
أنّها اندملت والتأمت بمرور الأيّام ، وتعاقب السّنين ، ولكن هيهات أن
تمحو الأيّام ما كانت قد حفرته في الماضي ونقشته على صفحة قلبي..
أحاديثك تذكّرني بماض طالما حاولت محوه من ذاكرتي .. تذكّرني بماض
أخاف منه ومن تذكّره ، أكثر من خوفي على حاضري.. على مستقبلي
ولكن أيّ حاضر هذا .. وأيّ مستقبل بعد أن فقدت كل شيء .. وانهار
كل ما نيته وشيّدته من آمال وأحلام .. لقد حدث لك يا صديقي نفس
الذي حدث لي .. فحكايتك وحكايتي خرجتا من مشكاة واحدة .. فأنا
ما زلت أذكر تلك التي فتحت لها قلبي ، فاتخذته مسكنا لها ،وملاذا
تلجأ إليه كلّما دعا إلى ذلك داع .. وبقينا على ذلك ردحا من الدهر
لا يكدّر رغد عيشنا مكدّر ،ولا يعكّر صفو هنائنا معكّر ،غير مكترثين لحسد
حاسد أو وشاية واش ،عشنا أحلى ساعات عمرنا -أنا وهو - كان لنا
في كلّ يوم مواعيد وفي كلّ موعد جديد ، لا همّ لنا إلا رعاية وحماية
براعم حبّنا الذي زرعناه وسقيناه بأشواقنا وحنيننا ، بآلامنا وآهاتنا ،
بدموعنا وعذابنا ، بعيون ساهرة وقلوب منتظرة ومترقبة مجيء اليوم
الذّي تتفتّح فيه هذه البراعم عن زهرة شذيّة عطرة .. وتفتّحت الزّهرة ،
وبتفتّحها انفتحت جراحي وأقبلت أيّام شقائي ولوعتي .. وولت أيّام
ربيعي الباسمة وحلّت أيّام خريفي الحزينة .. ذلك أنّ يدا ظالمة امتدت
إلى زهرتي المحبوبة لتقتلعها وما درت أنها باقتلاعها ستقتلع روحي ،
وتدمّر كياني ، يد غاشمة أرادت أن تجعل زهرتي داخل مزهريّة
ذهبيّة وما درت أنّ جمال الزّهرة لا يكون إلا في موطنها الذي نشأت
فيه وترعرعت بين جنباته .

كان ذلك في أحد الأيام بعد أن غادرت المدينة إلى إحدى المدن
البعيدة ، لأتسلّم وظيفتي ككاتب في دار البلدية . وأمام الظروف الصعبة
التي كانت تجتاح أسرتي لم أستطع التخلّي عن هذا المنصب ، فغادرت
المدينة بجسمي مخلّفا روحي هناك عند الذين لانستطيع أن نفارقهم
طرفة عين -عند الأحبة -عندمن لا نرضى عن بعدهم بدلا .

ومضت الأيّام سراعا ، وتعاقبت الشهور ، وأنا في كلّ يوم أزداد
تلهفا وشوقا ، وهياما وحنينا لزهرتي المحبوبة الطيّبة الزّكيّة . وجاءتني
رسالتها .. وجاءت معها الدّاهية العظمى التي لم أحسب لها حسابا
والتي قصمت ظهري وذهبت بكلّ ما أبقاه الهيام في جسدي و روحي
وما لم يبقيه . وأعدت قراءتها ثانية وثالثة ، وأناعلى أشدّ ما أكون من
الإرتباك والإضطراب .. وسرت الرّعدة في أوصالي ، وأظلمت الدّنيا
أمامي وخانتني قدماي فما عدت أستطيع الوقوف .. هل تدري ياصديقي
ماذا جاء في رسالتها ؟ هاك نصّ رسالتها مازال محفورا على صفحة
قلبي فاسمعه:
<< ........إلى حبيب الروح والقلب ........
أكتب إليك بيد مرتعشة ونفس مضطربة ، وفكر مشتّت . أكتب إليك
والدّموع تسابق القلم لتبلّل الورق وتمحو ما كتبته من حروف ..وهل
هناك من دواء يرفع عنّي ما أعانيه من ضرّ إلاّ الدموع ..؟ هل هناك
من كاشف يكشف عنّي أحزاني وآلامي إلاّ الدموع..؟ كيف لا أعاني
مما أعانيه وأهلي يريدون عزلي وإبعادي عمن عقدت مصيري بمصيره
عن الذي أهديت له روحي .. وحبّي .. وكلّ ما أملك، وأزمعت أمري
على أن لا أكون إلاّ له وله فقط .. آه يا حبيبي لو تعلم ، لقد خطبت
إلى رجل لا تربطني به أية صلة مودّة أو قرابة .. رجل لا أعرف عنه
إلا أنه من أسرة ّذات مال وجاه .. رفضت هذا الشّاب ولكن أهلي لم
يشفقوا عليّ ولا رحموا ضعفي أو اكترثوا لدموعي التي سكبتها ،
وآلامي التي أبديتها ، وأصروا على إتمام هذه الزّيجة المشؤومة..
وهكذا تمت الخطبة وقرئت الفاتحة ، وسأزف إلى هذا الرجل بعد
شهر بدء من تاريخ كتابة هذه الرسالة التي بين يديك .فانظر ماذا
أنت فاعل ؟ وعجّل بالعودة لتلافي هذا الخطب قبل حلول العطب.
أقسمت عليك بحبنا الطّاهر واستحلفتك بما لي في قلبك من معزّة
إلاّ ما أسرعت لنجدتي وإنقاذي من بين أيادي الفوم الظالمين ..
...........حبيبتك الوفية...............>> .
لم يكن ياصديقي في استطاعتي أن أفعل شيئا ، أو أن أقوم
بأدنى حركة لإيجاد حلّ لهذه المشكلة والخروج من هذه المصيبة
التي وقعت على رأسي .. فأنا أعرف أن والدي لا يرضى أبدا
بالموافقة على زواجي منها بسبب ما تفرضه قيود العادات والتقاليد
التي لا تزال مغروسة في نفسه ..قوانين أسرتي ترى زواج الشاب
خارج نطاق الأهل والعشيرة بمثابة عقوق وخروج صارخ عن طاعة
الوالدين وعن النظام الأسري . أمام هذا النظام الجائر والقانون
المستبد،وقفت مكتوف الأيدي لا أبدي حراكا ولا أنبس ببنت شفة
وكأنّ على رأسي الطير .. وانتظرت أرقب الأيّام عساها تفعل شيئا
وتخلّصني مما أنا فيه، ولكنّها خيّبت ظنّي،وأثبتت جبني وضعفي
وعرّفتني أنها للنّاس كافّة وليست ملكا لأحد ، وأنّ الشجاع هو
من تدبّر أمره بيده وبنفس لا تعرف الخوف والتّردّد .. ومضت الأيّام
مسرعة وكأنّها تسخر منّي وتريد أن تفوّت عليّ فرصة القيّام
بشيء ما ، وأنا في كلّ يوم أزداد عذابا وهمّا حتى أقبل اليوم
الموعود اليوم الذي قصم كاهلي .
في هذا اليوم لم أغادر غرفتي ولم أذق طعما للرّاحة واكتفيت
عن الطعام ببعض الجرعات من الماء ،وأنا أتصور أحداث هذا اليوم
في مخيّلتي ،وأخصص لكلّ فترة زمنية صورة تناسبها . وبدأت
مراحل العرس تمرّ أمامي وكأنّها شريط سينمائي : أهل العريس
متواجدون ببيت العروس الذي ملأت أنحاءه دقات الطبول وزغاريد
العذارى وضحكاتهن الملائكية ، ورقصاتهن المثيرة التي تنبعث
منها مظاهر الشّباب والحيويّة، والدفء والحرارة ،وعيونهنّ لا تفتر
عن مراقبة العروس وألسنتهنّ لا تكفّ عن تهنئتها ومدح جمالها
وهي بينهنّ قد تصدرت القاعة وقد اكتست بالحلي والحلل وهي
تكاد تذوب حياء وحشمة ، وقد تورّدت وجنتاها من شدّة الخجل
و أفرجت قليلا عن شفتين رقيقتين لمعت من بينهما أسنان كأنها
الدر المنثور ، بينما انسدل شعرها الأسود الناعم على كتفيها
وكأنه قطعة من ليل بهيم ، شقّه وجه مشرق وضاح كأنه البدر
ليلة التمام .وكأنّ الشاعر كان ينظر إليها عندما قال :
رأيت الهلال ووجه الحبيب ............ كأنّ هلالين عند النّظر
فلم أدر من حيرتي فيهما ......هلال الدّجى من هلال البشر
ولولا التّورد في الوجنتين ......وما راعني من سواد الشعر
لكنت أظن الهلال الحبيب ......وكنت أظن الحبيب القمر

وجاء منتصف النهار ، وبدأت موائد الطّعام تقدّم للمدعوين
والكلّ في فرح وحبور وكأنّه هو العريس .وما أن رفعت المواعد
حتى استقلوا سياراتهم ، بينما أفردت سيّارة للعروس التي
أخرجت تتهادى في مشيتها ،وقد أمسكت بيدها إحدى الفتيات
حتى أدخلت السّيّارة وركب معها بعض أهلها، ثمّ انطلقت السيّارات
تجوب شوارع المدينة مرسلة أصوات منبّهاتها التي راحت تنبعث
لتملأ الفضاء صخبا وضجيجا .. وسارت هذه القافلة تحمل أجمل
وجه عرفه النّاس وأطيب قلب عرفه الحبّ ،وتمثّلت بقول الشاعر :
قفي ودّعينا قبل وشك التّفرق
فما أنا من يحيا إلى حين نلتقي
قضيت وما أودى الحِمَام بمهجتي
وشبت وما حلّ البياض بمفرقي
وهكذا واصلت هذه القافلة رجلتها حتى بيت العريس حيث أنزلت
والأنظار تتبعها وتكاد تتخطفها حتى أدخلت إلى قاعة واسعة
أعدّت خصيصا لها ، وقد أفرشت بأجمل المفروشات ونثرت على
أرضيّتها أطيب الأزهار والورود و عبقت فيها أجمل روائح المسك
والعطور ، وزيّنت بأحسن الصّور والتماثيل .
وبدأت الحفلة من جديد وامتدت بدون انقطاع حتى حان الوقت
الذي لابدّ للعروس من مغادرتهم فيه والذهاب إلى غرفتها التي
أعدت لها . فأقبلت أمها حتى اقتربت منها ثمّ انحنت عليها قليلا
وأسرّت لها ببعض الكلمات ،ثمّ مدّت إليها بيدها كأنها تدعوها
للنهوض ،فقامت مستسلمة لا تبدي رفضا أواعتراضا ،وسارت
بجانب أمها وأمّ العريس توسّع لهما الطريق . وأصوات قرع الدفوف
والزغاريد تملأ أذنيها حتى أدخلت إلى غرفتها وقبعت في مخدعها
وقد عزّ عليها فراق الأهل والإخوان والرحيل عن الدّيّار .. وبدأت
الدموع تنهمر على خديهاالحمراوين في صمت وخشوع ..
فاقتربت منها أمها وكأنها كانت تنتظر منها ذلك وضمّتها إلى
صدرها برفق وحنان ثمّ قبلتها وقامت تريد الباب ونظرها لا
ينقطع عن ابنتها و الإبتسامة لا تفارق شفتيها حتى خرجت
من الغرفة ثم مدّت يدها إلى الباب وأغلقته ومضت لحال
سبيلها.
اما أنا فقد قضيت ليلة ليلاء،تجرّعت فيها كؤوسا من الحنظل
وضاقت عليّ الدّنيا بما رحبت ,أرى الموت أهون عليّ مما أنا
فيه من ضيق وحسرة وندم وكرب عظيم ..

ومرّت أيّام وتلتها شهور وشهور ، وجاءتني رسالتها تقول فيها:
<<...........حبّي الضائع..............
أكتب إليك ,وأنا أعرف أنّك تكابد من عذاب البعاد ومرّالفراق
الشيء الكثير ، ولكأني بقلبك يعتصر ألما ومرارة و بعيون عينيك
قد جفّت ونضبت وبخلت بدموع طالما هدّأت من حرارة الأشواق
ومرارة الفراق وفرحة اللّقاء .. وكأنّي بتلك الإبتسامة العذبة
قد فارقت شفتيك وسافرت بعيدا تسابق الزمن وتخترق حجب
الظلمات تشكو تقلّبات الزمان وظلم الإنسان . إنّني لأشمّ رائحة
كبدك المحترقة وأحسّ بأنفاسك الملتهبة من بعيد ..آه ويل
قلبي ماذا دهاني .. ؟ ماذا اعتراني .. ؟ ماذا جنيت عليك وعلى
نفسي .. ؟ كيف يقرّ قراري ويطيب عيشي ويرتاح بالي من بعدك
وقد ذبحتك بيدي ثمّ رحت لوقاحتي أبكيك ..؟ ليتني متّ
قبل هذا اليوم .. بل ليتني متّ يوم ولدت وكنت نسيا منسيا
رفقا .. رفقا بنفسك وصبرا جميلا ، لا تهلك روحك همّا وكمدا
فتقتلني من حيث لا تدري ، واذكر دائما أنّ هناك من يحبك
ويخاف عليك .. لا تبعدني عن جناك المعلّل ولا توصد باب
قلبك عنّي فقلبك هو قصري الذي ألفت العيش فيه والسعي
بين أرجاءه ، سأجري بين جنباته ، سأزرع بذرة و أغرس زهرة
سأرسل بسمة و أشعل شمعة تنير دربك و تؤنس وحشتك
وتطرد عتمة قلبك .. إن شئت البحث عنّي فستجدني بين
حناياك وفي سويداء فلبك أنا متواجدة في كلّ جارحة من
جوارحك وفي كلّ نفس من أنفاسك ونبضة من نبضات قلبك
سأكون معك وعلى مقربة منك حيثما نزلت وحللت ، فقط
اذكرني ولا تنساني .
شهد الله أنني ما قصدت خيانة زوجي أو الغدر به فقد ألجم
الدّين جماح أهوائنا أما قلوبنا فما باليد حيلة وما قدر الله
كان ، ومع ذلك فأنا أحبّك .. أحبّ فيك روحك الطّاهرة ..
وأخلاقك الفاضلة .. لأ تظنّ أنّني تخليت عنك وخنتك ..
أو حتى فكّرت يوما في ذلك ، وإنما مردّ ذلك يعود إليك وأنت
أعلم به منّي ، وقد راسلتك أطلب نجدتك فتقاعست وكان
الذي كان .
آه .. ويل قلبي ما أضعفه أمامك ..وما أرهفه عند سماعه
لنبرات صوتك وما أسرع نبضاته عند اقتراب موعد لقائك..
آه .. من الحبّ ما أحلاه وما أمرّه .. بل ما أحلى عذابه
وأعذبه إذ لولا عذابه ما استمتع المحبّون بعذوبته وثمل
العشّاق من خمرته .
اعلم أنّني سأكون سعيدة طالما كنت سعيدا ، سأفرح
لفرحك وأحزن لحزنك وأطير فرحا كلّما علمت أنّك على
مقربة منّي رغم أنّ يدي قاصرة عن مداعبة شعرك أو
إغماض عينيك أو إيصال زهرة جميلة قد تعبّر عمّا عجز
لساني عن النّطق به و التّعبير عنه ، زهرة قد تخبرك
كيف أموت وأبعث جراء هواك في اليوم عشرات المرّات.
وختاما اعلم أنّ هذه هي آخر رسالة أبعث بها إليك ،
وعسى الله أن يجمعنا في الدّار الآخرة بعد أن فرّق بيننا
في هذه الدّار الفانية .. الوداع .. الوداع يا أحبّ النّاس
إلى قلبي .. واليرعاك الله ويحرسك لمن تهواك ..
................الباقية على العهد.............>>

ما أن أتيت على نهاية رسالتها حتى بدأت الدموع تنزل
من عيني مدرارا ، وبدأ شبحها يظهر لي من بين أسطر
الورقة ،من يوم تعارفنا إلى هذه اللحظة .. رأيتها وهي
تجري بفستانها الأخضر بين أشجار الصنوبر والنسيم
يداعب شعرها الحريري الناعم ،وضحكاتها ترن في
الفضاء الرّحب ،وأنا أجري من وراءها محاولا الإمساك
بها .. رأيتها وهي جالسة بقرب من الساقية وقد
أدلت برجليها داخل السّاقية وقد رفعت فستانها عن
ساقين عاجيتين وراحت تضرب برجليها صفحة الماء
الزرقاء ، وهو يتطاير في الفضاء وعلى ثيابي محاولة
إغاضتي ومداعبتي ..رأيتها و رأيتها .. ولكن لم أدم
طويلا في ذهولي وعدت إلى الواقع المرير وفكّرت فيها
وفي نفسي ،وعرفت أنّها قد أصبحت في عصمة رجل آخر
وليس لي في الوصول إليها من سبيل كما أنّه لا يمكن
أن تظلّ علاقتنا على ما هي عليه فقرّرت أن أكتب
لها رسالة تكون خاتمة الرسائل وفعلا كتبنهاوهذا نصّها

<<إلى التي سرقت قلبي وأسرت عقلي ...

أكتب إليك وأنا أعاني من آلام البعاد ومرّ الفراق ما لا
قبل لمخلوق بتحمله .. أكتب إليك وعبراتي سابق عباراتي
و النّدم يأكل قلبي ويقضّ مضجعي كنت عندما أكتب إليك
أشعر بك وكأنّك بجانبي أنظر إلى عينيك لأنتقي منهما
أسمى عبارات الجبّ ومعاني الوجد .أما اليوم فأنا أراك بعيدة
عنّي بعد الثرى عن الثريا ، الأفكار تفر من ذهني ، وأحس
كأنّني أخاطب إنسانا غريبا عني لاتربطني به أية صلة
جمعتني به الصّدف ثم مالبثت أن فرقت بيننا ..كلّ شيء
فيّ تغيّر تبدّدت آمالي و ضاعت أحلامي ..تهدّم جسمي
وتوتّرت أعصابي .. غير شيء واحد لم يتغير ولم يتأثّر بما
اعتراه من نكبات وصدمات ذاك هو حبّي الكبير لك
ولكن يا زهرتي المحبوبة أنا اليوم لا أملك قلبا شجاعا
كقلب الأمس أنا اليوم أشعر بأنّني أضعف مخلوق
أوجد على سطح هذا الكون الشاسع .
حبّي لك يفرض عليّّ أن أبتعد عن طريقك حتى لا
أكون حجرة عثرة في طريق سعادتك فأنا أغار عليك
من النّسمات وهي تداعب شعرك الذّهبيّ ومن
خيوط أشعة الشمس المتساقطة على قسمات
وجهك الوضاح ومن ملابسك وهي تلامس جسمك
وإن شئت فقولي أنا أغار منك عليك ، فكيف بي
لا سمح الله وأنا أرى أصابع الإتهام تشير إلى أعزّ
مخلوق على قلبي محاولة النّيل منه .. ؟ |
وختاما تقبّلي منّي آخر رسالة محمّلة بأسمى
عبارات الشّكر والثّناء والإعتذار عن كلّ ما بدر منّي
حيالك ، وعن كلّ ما سبّبته لك من آلام وجراح ..
الوداع .. الوداع ياتوأم روحي .. الوداع يا من علّمتني
كيف أحبّ الدّنيا وأشارك أهلها وجدانهم وشعورهم
و كيف يسمو القلب غن طويق الحبّ إلى العلا ..
الوداع يا من علّمتني كيف أشفق على الآخرين .
الوداع يا من علّمتني أبجديّة الحبّ حتى صرت فيه
معلّما وشرحت لي معانيه فصرت في صومعته متعبّدا
أحببتك بالأمس وأنت قريبة مني ، وأحبّك اليوم وأنت
بعيدة عنّي ..وحسبي من كلّ هذا أنّني أحبّ ..
وبالحبّ أعيش وأحيا وعليه أموت وأفنى .. دمت لمن
يهواك و يذوب في هواك ..
.............المقيم على العهد..............>>

ما أن أتيت على نهاية هذه الرسالة حتى شعرت
وكأنّني خلعت قلبي وكبدي وجعلتهما بين أسطرها
وشرعت الدّموع تنسكب على الورقة ،وحاولت حبسها
فلم أستطع فتركتها تنسكب على سجيّتها تبكي ماض
راحل وحاضر نازل .

صديقي وأخي هذه هي مجمل قصّتي قد ذكرتها لك
حتى تعرف أنّك لست أوّل إنسان سخرت منه الأيام
وجعلت سعادته شقاء وضحكاته بكاء ، ولا آخرشخص
سلبت منه حبيبه ، ومع ذلك فنوائب الدّهر عاجزة تمام
العجز على أن تمسّ الحبّ وإن مسّت ألأحبّة . وكلّ ما
أستطيع مواساتك به هو أن تصبر على ما أصابك وحسبك
من الحبّ أنّك تحبّ وأنت علم بمن تحبّ ولا يهمّ كيف تحبّ .
فاسترسل صاحبي في نحيبه ونشيجه ، ثمّ قال بعد ما
عادت إليه رباطة جأشه وهدأت نفسه وسكنت :
<<لا تعجب لما قد بدر منّي ، فأنا أبكي والله من مصابك
ومصاب صاحبتك هذه.. ليتني كنت الفداء في سبيل
جمعكما ولمّ شملكما تحت سقف واحد ووضع أيديكما
بأيدي بعض .. آه رحماك ربّي بالعاشقين .. لقد أنستني
فاجعتكما مصابي وما كان جاثما من همّ وغمّ على صدري
واساكما الله كما واسيتني وخفّفت عنّي .. >> .

من النّاس من حاربتهم الأقدار وأحنى عليهم الدّهر
بكلكله وعركهم كعرك الرحى بثفالها فما لانوا ولا انهزموا
وما زادهم ذلك إلاّ تشبّثا بالحياة وحزما وعزما على مواصلة
طريقهم قدما إلى الأمام ذلك أنّ لهم قلوبا تشعّ نقاء وصفاء
صهرت في بوتقة الطّهر وغمست في يمّ العفّة ثمّ أخرجت
صافية خالصة كسبيكة الذّهب لا تشوبها شائبة ولا يعلوها
صدأ تفيض محبّة ومودّة ، ورحمة . قوم إذا أحبّوا أحبّوا بصدق
وإذا بكوا بكوا بصدق ، تراهم يعطون ولا يأخذون ويضحّون
بأنفسهم في سبيل إسعاد أحبّتهم ، ولا عجب في ذلك
فهي أرواح أحبّت أرواحا فاستكن الفؤاد المتيّم بذلك واستراح .
فطوبى لقوم هي ذي سيماهم وشيمهم .

ومن الناس من هم اقرب الى الحمر منهم إلى البشر ، قوم
تحجرت قلوبهم وقست كجلمود الصخر و خبثت سرائرهم فلا
الدّين قوّم اعوجاجهم ولا الحياء ردأهم عن سوء أفعالهم ،لكأنّ
وجوههم صقلت من صفائح الزّنك أو النّحاس.أفئدتهم خالية
من المشاعر والأحاسيس لم تدغدغها لمسات الحبّ السحريّة
ولا حرّكتها نسماته اللطيفة ألا هم البؤساء التعساء ولكنّهم
لا يشعرون . شياطين في جلود بشر إذا أحبّوا كان حبّهم
أقرب إلى حبّ الحمير أو الخنازير -إن كان لهما حبّ - فما
كتموا أمرهم ولا ستروا غيرهم ، وشاعت أخبارهم وتناولتها
الألسن وراجت في الشوارع والمقاهي وتناقلتها الرّكبان
وسمع بها القاصي والدّاني ، ففضحوا أنفسهم وظلموا
أحبتهم ألا هم الأنجاس المناكيد ولكنّهم لا يعلمون..سخّم
الله وجوههم يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه .

عزيزي القاريء هكذا انتهت قصتنا فلا عجب إن بكيتها فقد
بكيناها قبلك ورحلنا معها بعيدا وعشنا كلّ لحظة من
لحظاتها الدّمية بجوارحنا ومشاعرنا . واعلم أنّه مازال
على ظهر كوكبنا المئات إن لم نقل الآلاف ممن أنعم
الله عليهم بالحبّ الطّاهر فصانوا أنفسهم وكتموا أسرارهم
وراقبوا الله في أنفسهم فاستحقوا أن يكونوا أهلا لهذا
الحبّ الشريف .
عزيزي القاريء هناك شيء لم أتعرض له بالذكر في هذه
القصّة ألا وهو كيف يعيش بطل وبطلة قصّتنا هذه حياتهما
بعد كل ما حدث فهناك الكثير من التساؤلات قد تخطر على
بال القاريء كأن نقول مثل هل تمّ بينهما لقاء او مراسلات؟
هل دارت بينهما مكالمات على الهاتف او المبايل...
أما أنا فأعرف عنهما كلّ شيء حتى لحظة كتابتي لهذه
الأسطر وقد ألزمت نفسي عدم الخوض في هذه المسألة
إلا في حالة ما إذا طلب منّي القراء مدّهم بمعلومات عن
بطلي هذه القصّة.
إلى اللقاء أنا في انتظار طلباتكم...
منقول: للاستاذ ابو هيثم



amine50 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08-27-2010, 11:58 PM   #2 (permalink)
amine50
رومانسي مبتديء
 
الصورة الرمزية amine50
 

...................
الجزء الثّاني
..................

تركنا بطل قصّتنا بعد أن كتب رسالة الوداع الأخيرة والتي أفرغ

فيها كلّما انطوت عليه جوانحه من حبّ فيّاض وأحاسيس جيّاشة


وحمّلها كلّ أحزانه ومآسيه ، وهمومه وآلامه .
ففي هذا اليوم عاد إلى غرفته باكرا على غير عادته كاسف
البال مكلوم الفؤاد يود ّلو أنّه خرج من جلده لما كان يحسّ به من
الشّعور بالذّنب و تأنيب الضّمير وجلس على سريره جلوس القانط
المتهالك ثمّ مدّ يده إلى كتاب كان هناك بجانبه على طاولة صغيرة
ففتحه وأخرج منه رسالتها الأخيرة وشرع في قراءتها وكأنّه يقرؤها للمرّة
الأولى ، وأعاد قراءتها مرّة ثانية وثالثة وكلّما وصل إلى قولها : <<ولقد
بعثت إليك أطلب نجدتك فتقاعست وكان الذي كان..>>تأوّه بشدّة .
وكانت رسالتها مفتوحة على راحتي كفّيه فمال عليها بصفحة وجهه
لثما وتقبيلا وهو بين خنين ونشيج وبكاء ،ويقول بصوت يذيب الحجر :
<< واحبيبتاه .. كيف سأعيش من بَعدك .. ؟ بل كيف يرتاح بالي وقد
خيّبت ظنّك ، وخنت ثقتك يوم تخلّيت عنك .. ؟>>
ولا زال كذلك يندب حظّه العاثر حتّى نال منه الجهد والتّعب منالا عظيما ،
وكاد يشرف على الهلاك وأحسّ بصداع شديد وارتفاع في درجة حرارة
جسمه ، وقد احمرّت عيناه من كثرة البكاء فتمدّد على سريره ووضع
الرّسالة على قلبه وضغط عليها بكلتا يديه وعانقها عناقا طويلا، وأخذته
عينه و غاص في حلم طويل ..
أشرقت شمس يوم جديد ، وهرع النّاس إلى أعمالهم
والسّعي في طلب أرزاقهم . فحاول النّهوض للإلتحاق بعمله
ولكنّه لم يقدر على مغادرة فراشه وأحسّ بدوار شديد فبقي في
فراشه يئنّ ويتوجّع . وعند منتصف النّهار سمع طرقا على الباب ،
وتكرّر الطّرق وسمع صوتا يناديه فعرف من خلاله أنّه صديقه مصطفى
وزميله الذي يعمل معه في نفس المكتب فحاول النّهوض ،وأجهد
نفسه محاولا الوصول إلى الباب ليفتحه ، ولكنّه عبثا استطاع
الوصول إليه ، وخانته قدماه فوقع على الأرض واصطدم رأسه بالجدار .
سمع مصطفى حركة غير عادية داخل الغرفة وبلغ أذنيه صوت ارتطام
شيءثقيل بالأرض ، فبدأ يطرف الباب بكلتا يديه و هو يصرخ ويصيح
بأعلى صوته ، فلم يجبه ، و عوّل على كسر الباب وفتحه بالقوّة،
وشرع يرفسه بقدميه بكلّ ما أوتي من قوّة حتى فتحه ، وإذ به يجد
صديقه عبد المجيد ممدّدا على الأرض والدّم يسيل من جبينه وقد
أغمي عليه. و كان الجيران قد سمعوا هذه الضّجة وما صاحبها من
صيّاح وصراخ وكسر للباب ، فأسرعوا إلى غرفة عبد المجيد فوجدوه
في حالة يرثى لها ، فتعاونوا على حمله و وضعوه على سريره ، بينما
أحضر أحدهم قارورة ماء وأخذ يبلّل رأسه و يمسح وجهه ، ثم ّنظّفوا
جرحه و عصبوا جبينه بقطعة قماش ، ففتح عينيه و شكرهم على
موقفهم منه . أما صديقه مصطفى فخرج مسرعا و لم يلبث إلاّ
قليلا حتى عاد يصحبه طبيب ، ففحصه وعاين جسمه و جسّ
نبضه و طهّر جرحه و ضمّده ، ثمّ كتب و صفة الدّواء و طمأن الجميع
على سلامته ، و أمرهم أن يقدّموا له الدّواء في الأوقات المحدّدة
كما شدّد عليهم في أن يوفّروا له الرّاحة الكاملة و الهدوء التّام
حتى يستعيد عافيّته ، ثمّ انصرف شاكرا و شيّعه مصطفى و أجزل
له في العطاء .
انصرف الجيران إلى حال سبيلهم بينما جلس مصطفى بقربه على السّرير
والفرحة بادية على و جهه وقال : <<الحمد لله على سلامتك .. أنت الآن في
أحسن حال . لقد افتقدتك اليوم يا أخي إذ لم تلتحق بعملك و شعرت في قرارة
نفسي أنّ هناك مكروها قد أصابك لأنّك لو كنت قد سافرت أو ذهبت إلى مكان
ما لأعلمتني عن ذلك كسابق عهدك و أوصيتني بالإعتناء بغرفتك، و لهذا أسرعت
إليك لأقف على أخبارك ، فوجدتك على تلك الحالة المزرية ،
الحمد للّه انّني و صلت إليك في الوقت المناسب >> .
كان عبد المجيد قد شعر ببعض التحسّن فشكر صديقه و أثنى عليه
و طلب منه أن يحضر له سيّارة تقلّه إلى أهله ، فأراد أن يثنيه عن عزمه
و طلب منه أن يتريّث بضعة أيّام حتّى تعود إليه عافيّته و يتحسّن قليلا و لكنّه
أصرّ على الذهاب إلى مسقط رأسه. و أمام إصراره لم يجد مصطفى بدا من
تنفيذ أوامره ، فجمع ملابس صديقه و دفاتره و وضعها في الحقائب ثمّ
أسرع إلى الشّارع لإحضار سيّارة ، و ما هي إلا لحظات قصيرة حتّى كانا
خارج المدينة يشقّان طريقهما حيث الأهل و الخلاّن .
كان مصطفى لا ينفكّ يجسّ نبضه و يلمس جبينه الذي راح يتصبّب
عرقا و قد زادت حرارة الطّقس و أشعّة الشّمس المتسلّلة من خلال زجاج
نوافذ السيّارة من ارتفاع درجة حرارة جسمه ، فأخرج منديله و بلّله بالماء
و بدأ يمسح به وجهه حينا و يضعه على جبينه حينا آخر ثمّ يعود ليبلّله
بالماء تارة أخرى كلّما جفّ ، و قد تملّكه الخوف و خشي أن يهلك بين
يديه في الطّريق قبل أن يصل إلى أهله و ذويه، و مازال كذلك حتّى
أشرفوا على المدينة و أوقف السائق السيّارة أمام باب المنزل .
وكان مصطفى يعرفه فقد سبق له أن زاره عدّة مرّات ،فنزل
من السيّارة و طرق الباب و عاد مسرعا وكان السّائق قد فتح
باب السيّارة في نفسي الوقت الذي فُتح فيه باب المنزل وأطلّ
منه أحد إخوة عبد المجيد ،وكان مصطفى يعرفه فأومأ إليه
أن يسرع ليساعده في نقل أخيه إلى داخل المنزل فأسرع وقد
تملّكه الرّعب على أخيه فقال له مصطفى :<<هدئ من روعك
فلا خوف عليه .. فقد أصبح مريضا نهار اليوم وقد أحضرنا له طبيبا
فطمأننا عليه ،ولكنّه أبى أن يبقى هناك وطلب مني أن أنقله إليكم >>.
تعاونا على حمله حتى أدخلاه غرفته ووضعاه على سريره ،
وكان أن سمع كلّ من كان في الدّار بالخبر ، فأسرع الجميع إليه
وهم في همّ و هلع عظيم .أما والده الحاج منصور فبعث في إحضار
طبيب آخر ، فحضر الطّبيب و قام من جديد بمعاينته و فحصه ثمّ
طمأنهم هو الآخر على صحّته وطلب منهم أن يكتفوا بنفس الدّواء
الذي أحضره معه وأن يوفروا له الجو المريح الهادئ وأنه سيتعافى
في غضون أيّام قليلة .
ودّع مصطفى الجميع و وعدهم بزيارة صديقه من حين
لآخر و عاد في نفس السيّارة التي جاء فيها بعدما شكره الحاج
منصور و أبناءه على ما قام به من كرم و مروءة اتجاه ابنهم
.................................
أمضت الحاجّة ميمونة أم عبد المجيد الليل بأكمله عند
رأس ابنها ساهرة لم يغمض لها جفن ،و هي قلقة على فلذة
كبدها ،و قد و ضعت بجانبها و عاء به ماء و أمسكت بيدها على
قطعة قماش كانت تبلّلها و تمسح بها على و جهه تارة و تضعها
على جبينه تارة أخرى ،بينما شرع أبوه الحاج منصور يدخل
تارة و يخرج تارة أخرى ،و هو يقلّب كفيه و يهلهل و يحوقل و بينما
هو يحاول الخروج من الغرفة سمع صوت ابنه فالتفت فإذا به
قد مدّ ذراعيه و فتح يديه وراح ينظر ناحية الباب كمن يخاطب
بعيدا و هو يقول:<<لا..لا تذهبي و تتركينني و حيدا..و فاء
عودي إليّ حبيبتي .. أنا لم أخنك و لا تخلّيت عنك .. أبي
هو السّبب ..هو الذي و قف في طريق سعادتنا ..هو الذي
قتلني و.. >>.
فأسرعت إليه أمه و أمسكت بيديه محاولة إعادته
إلى مكانه و هي تبسمل و تقول:<<استرح يا ولدي، و حاول
أن تنام أنا الوحيدة التي تعرف سبب مرضك الذي عجز الأطباء
في تشخيصه .. سامح الله الذين ظلموك يا ولدي..>>.
فقال الحاج منصور :<<هو ماذا يقول .. ؟ و من هي وفاء هذه
التي يتحدّث عنها..؟ >>.
فقالت له :<<إنّه يهذي يا رجل ..و وفاء هي البنت التي رفضت
تزويجه منها..أنت السّبب يا حاج فيما لحق بابننا ..لقد أوردته
حتفه بسبب عنادك و إصرارك على فرض رأيك .. وياما حذّرتك و نبّهتك
من أنّ أبناءنا يعيشون في زمن غير زماننا وبيئة غير بيئتنا، فشتّان ما بين
الأمس و اليوم من بون شاسع .. و اللّه و اللّه لإن حدث لا قدّر اللّه شيء
لابني لن أبقى معك أبدا..>>.
فقال الحاج منصور:<<بالله عليك يا أمّ عبد المجيد اسكتي، ولا
تزيدي أنت الأخرى من همّي و غمّي .. كفاني ما أنا فيه يا امرأة .
و الله لو كان بإمكاني إصلاح ما فات ما توانيت للحظة ،و لذهبت الآن
قبل الغد إلى أهلها وخطبتها له، و لكن سبق السيف العذل، فقد تزوّجت
و صارت في عصمة رجل آخر >>.فال هذا و قد بلغ منه التأثر مبلغا
عظيما ، و أخذ يعضّ على سبّابته من شدّة النّدم مما فرط منه اتجاه
فلذة كبده،و اغرورقت عيناه بالدّموع ، و أسرع بالخروج علّه يلحق دمعة
كانت على وشك السّقوط و يخفيها قبل أن تراها زوجته، و هو الذي
كان يظن أنّ الرّجال لا يبكون.
بدأت بوادر الشّفاء تلوح على و جه عبد المجيد من يوم لآخر،
و قد ساعده في ذلك ما كان يراه من التفاف إخوانه و ذويه من حوله،
و إلى تلك الزّيّارات المتكرّرة من قِبل أصدقاءه و أحبّاءه، و التي كانت
تخفّف بعض آلامه و تنسيه همومه. و كان أكثرهم زيّارة له صديقه
مصطفى ،المعروف بطيبة قلبه، و سموّ أخلاقه و تديّنه، و ابتعاده
عن كلّ ما يخدش الحياء .و لذلك كان يطلب منه دائما أن يستعين
الصّبر و التّضرع إلى الله تعالى و الإلتجاء إليه في كلّ صغيرة و كبيرة،
حتى أنّه في إحدى زياراته قال له:<<أنت الآن بحمد الله و حسن
توفيقه قد أصبحت على أحسن ما يرام، و صرت قادرا المشي و الحركة
و هاهو ذا المسجد قريب منك، فما رأيك في أن نذهب إليه سويا
فنصلي فيه بضعة ركعات ،و نستريح في رحابه قليلا ،و هناك يمكنك
أن تدعو الله ليأخذ بيدك و يرفع عنك ما قد ألمّ بك، و ينزع من قلبك
حبّ هذه المرأة الذي كاد يودي بحياتك..>>.
و جد هذا العرض قبولا من نفس علاء الدين .فغيّر ملابسه
و ذهب رفقة صديقه إلى المسجد، فكان لا يمرّ في طريقه على
جماعة إلا هبوا له واقفين مرحبين مهنّئين وألسنتهم لا تكف عن
الدّعاء و التّضرّع إلى الله أن يمنحه صحّة جديدة وسلامة دائمة.
ذلك جزاء حسن معاملته لإخوانه و جيرانه خاصّة و أبناء حيّة و جميع
الخلق عامّة .تلك هي سنّة الحياة علّمتنا أنّ حبّ النّاس لنا ليس
سلعة تباع وتشترى و إنّما نكسبه و نتحصل عليه بالأخلاق الفاضلة
و المعاملة الصالحة.
ما أن و صلا إلى المسجد حتى استقبل علاء الدين القبلة
و كلّه خشوع و خضوع و سكينة، و صلى ركعتين ثمّ سلّم و بقي
جالسا في مكانه و قال و هو رافع يديه إلى السّماء حتى بان بياَض
إبطيه والدّمع يتقاطر على خدّيه :<<يا ألله ..يا من تعلم خائنة الأعين
وما تخفي الصّدور .. يا ربّ المستضعفين، ويا نصير المظلومين..هؤلاء
أهلي و صحبي قد طلبوا منّي أن أدعوك لتنزع حبّ وفاء من قلبي ..
اللهمّ انّك لتعلم أنّنا ما عصيناك طرفة عين ،و لارتكبنا منكرا ،و لا
اجترحنا فاحشة .. اللّهم لا تنزع من قلبي حبّها و حبّ من يحبها
و اجعله يجري في كلّ عرق من عروقي ،و في كلّ قطرة من دمي
و في كلّ نفس من أنفاسي.. اللهم اجعل خيالها لا يفارق ذهني
و صورتها لا تغادر عيني، و طيفها لا يفارق منامي..خلقت عبادك
يا رب ليعطف كبيرهم على صغيرهم ، و يرحم قويّهم ضعيفهم ،
و يحبّون بعضهم بعضا ،فكيف أتجرّأ وأطلب منك أن تنزع حبّ الناس
من قلبي ، و تضع في مكانه الكره و المقت لعبادك.. اللّهم يامن
ألجمت أفواه الأسود و أخضعتها لنبيك دانيال، و ألنت الحديد
لنبيك داوود ليّن قلب زوجها و عطّفه عليها حتى لا تُظلَم عنده
و لا تقهر ، و اغرس حبّها في قلب كلّ من عرفها ،و اغمسها
في بحر من السّعادة و الأمن ،و لاتجعل الشّقاء يعرف إلى
قلبها الطيّب منفذا أو مدخلا فإنّك قريب مجيب الدّعوات >>.
كان مصطفى يجلس على مقربة منه فسمع كلّ ما
قاله فتعجّب من ذلك غاية العجب ،و صبر حتى خرجا من المسجد
ثمّ اقترب من صديقه و أمسك بيده و قال له :<< لقد سمعتك
تقول كلاما و الله لو أنّك ذكرته على الحجر الصلد لتفتّت و صار
غبارا تذروه الرّياح ،و إنّني لأستسمحك عذرا لما بدر منّي آنفا
من قول ،و ما ذاك إلاّ لقلّة تجربتي و جهلي بأحوال المحبّين
و عظيم معاناتهم >>. قال هذا ثمّ واصلا طريقهما إلى الدّار .
أما مصطفى فسافر في نفس اليوم بينما تبعه علاء الدين
من بعد يومين والتحق بعمله .
.......................
جلس الحاج منصور بعد سفر ولده يفكّر و يدبّر ،علّه
يجد و سيلة يخرج بها ابنه من محنته،فهداه تفكيره إلى
الإسراع في تزويجه،ظنا منه أنّ الزّواج قد ينسيه ما هو فيه،
و ربّما قد تفلح الزّوجة فيما أخفق هو فيه ،فتؤنس وحشته
و تشغل و و حدته، و قد تدخل قلبه و تستحوذ عليه ،و تطرد
ساكنيه ،و ربّما أنجبت له أبناء يشغلونه عن نفسه، فينسى
ماضيه المؤلم.و ما أن استقرّ رأيه على هذه الفكرة حتى
أسرع إلى زوجته الحاجة ميمونة ليطلعها على ما اعتزمه ،
فوافقته على رأيه و طلبت منه الإسراع في تنفيذه،و بقيا
ينتظران عودة إبنهما على أحرّ من الجمر .و هكذا ما أن
عاد إلى البيت حتى أخبرته أمه بما اعتزمه والده من
أمر تزويجه ،فتنهد و قال: <<لا رأي لمن لا يطاع..أنا طوع
أمركما يا أمي فافعلا ما بدا لكما >>.فهرولت إلى زوجها
و أخبرته برضاه و موافقته على الزّواج .
كطائر جريح مكسور الحناحين استسلم للأمر الواقع،
و رضخ لإرادة و الده ،و تزوّج بإحدى بنات عمّه تدعى سمية.
فتاة في مقتبل عمرها وريعان شبابها ،وكانت على جانب
عظيم من الحسن و الجمال ،تتّصف بخفّة روحها و حلاوة
منطقها ،وكريم أخلاقها و رجاحة عقلها ،رغم صغر سنّها
و عدم تجربتها لمعترك الحياة، مع ما كانت تتمتّع به من
فطنة و ذكاء،و ميل إلى المزاح و حبّ الدّعابة ،و ترويض
للنّفس على توقير الكبار و الحنوّ على الصّغار،مما جعلها
تأسر الألباب و تحتلّ مكانة عظيمة في قلوب الذين عرفوها،
فأحبّوها من صميم قلوبهم ،و تمنّوا لها كلّ الخير .
لم تكن سميّة تجهل ابن عمّها، و لا كانت في حاجة
لمن يحدّثها عن خلاله الكريمة، و سجاياه الحميدة،لأنّهما
ينتميان إلى أسرة الحاج منصور ،حيث جمعت بينهما رابطة
الدّم ، و براءة الطّفولة و عفويتها، و صارا شريكين في الماء
و الهواء، و المأكل و المركب، حتى إذا بلغا مرحلة الشّباب
عيّن كلّ واحد منهما هدفه و اتّبع دربه.
استيقضت سمية يوما على غير عادتها و أمعنت التفكير
فيما قد طرأ عليها .إنّه أوّل أحلامها يرتسم في مخيّلتها
و يسيطر على كيانها ،إنّها أوّل نبضة من نبضات فلبها،
أشبه ما تكون برنّة جرس إنذار يعلن حدوث سرقة ،إلاّ أنّه
اليوم يعلن تسلّل زائر لطيف، يسرق القلوب لا النّقود.
و عرفت سارق القلوب إنّه ابن عمّها عبد المجيد ،و مالت
إليه ميلان الزّهرة لاستقبال النّحلة :أن هلمي،خذي
الرحيق، خذي الطّلع،واصنعي عسلا و شهدا .
مسكينة هي سميّة،ياما حاولت لفت انتباه ابن
عمّها إلى ما تكنّه له من حبّ و مودّة ،علّه يخمد لهب
نيران فؤادها،بكلمة عذبة،أو ابتسامة حلوة. لكنّه لم يعرها
انتباها،و لا بادلها شعورا و لا إحساسا، ذلك لأنّ سارق
القلوب زارته سارقة القلوب، و تربعت على عرش قلبه
و استولت عليه.و شاع خبر حبه،و بلغ أذنيها،فصُدمت
للوهلة الأولى ، و تأوّهت تأوه طفل طار عصفوره من قبضته،
فكتمت أمرها، و خبّأت سرّها في قلبها .و تمثّلت بقول
الشاعر :

لقد أسمعت لو ناديت حيّ
و لكن لا حياة لمن تنادي
لذلك عندما خطبت لعبد المجيد لاقى هذا العرض
موافقة و قبولا في نفسها،و رضيت بنصيبها و ملأت الفرحة
فؤادها،و ما كان ينغّص عيها فرحتها هذه إلاّ ما كانت تعلمه
عنه من حبّه لمرأة أخرى،مما جعلها تشعر بالغيرة و الحسد،
و تلك هي عادة المرأة في متل هذه الحال،إلاّ أنّها رضيت
بأن تمضي بقيّة حياتها بجانب من تحبّه، و تعيش في كنفه،
و تنعم بقربه.المهمّ أنّها تعرف أنّه لن يظلمها أو يحطّ من شأنها
و الأهمّ من كلّ هذا أن تسعده و تسهر على راحته، حتى
و إن لم يشعر بها يوما،فالحبّ عطاء و ليس أخذا .
أخيرا زفّت سميّة لعبد المجيد ،و عاشت معه،فأحسن
صحبتها و اهتم بجميع شؤونها،و سهر إسعادها فكان لها الأب
الرؤوف و الأمّ الحنون و الأخ الرفيق .و اهتمت هي من جانبها به
و بكلّ شؤونه، و ابتعدت عن كلّ تصرّف قد يغضبه، أو قول يجرحه،إلاّ
أنّها لم تتخلّ عن حسن دعابتها و مزاحها،مما جعله يسرّ
لحديثها و يبتسم لها .فتسعد لذلك ،و ترضى بالنّزر القليل
الذي سرقته في لجظة غفلة منه .
............
يتبع ان شاء الله
amine50 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10-19-2010, 04:08 AM   #3 (permalink)
روانة
مشرف متميز سابقاً
غريبة من دون الناس
 
الصورة الرمزية روانة
روانة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-09-2010, 11:11 PM   #4 (permalink)
amine50
رومانسي مبتديء
 
الصورة الرمزية amine50
 
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
إلى الأخت الكريمة روانة سعيد بتواجدك المميز و ذوقك العالي .
شرف لي أن تنال اقصوصتي إعجابك وترضي فضولك وذوقك
وإ ن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على ما تتمتّعي به من
ذوق سليم وحسّ مرهف .
لك مني جزيل الشّكر وأطيب الثّناء
amine50 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-13-2010, 06:40 PM   #5 (permalink)
"**ست البنات**"
رومانسي مجتهد
 
شكرا جزيلا
ابداع متواصل
يسلموا
"**ست البنات**" غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-26-2010, 01:59 PM   #6 (permalink)
amine50
رومانسي مبتديء
 
الصورة الرمزية amine50
 
اختي الكريمة ست البنات
أهديتينا كلمات تشع جمالا
وتمطر وفاء بكل الاتجاهات
تتهادى كلماتك رقة
وتقطر حروفها عذوبه
دمتي بهذا الجمال والنقاء
رسمك الجميل سيبقى
يتراءى أمام أعيننا
شكرا لك من الاعماق
مع خالص التقدير والاحترام
اتمنى لك كل المتعة مع تكملة القصة
amine50 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-26-2010, 02:06 PM   #7 (permalink)
amine50
رومانسي مبتديء
 
الصورة الرمزية amine50
 
.............
الجزء الثالث
...............

... دموع بين السطور ...

.......................



في إحدى المرّات عاد إلى البيت على غير عادته حزينا مهموما ،قدعافت نفسه الطّعام ،وقلّ نومه وكثر

سهاده وتقلّبه في الفراش .ولم تعرف سميّة لذلك سببا فصبرت حتى يكشف لها عن سرّ ذلك من تلقاء نفسه.

فصبرت حتى يكشف لها عن سرّ ذلك من تلقاء نفسه. ومرّعلى ذلك أسبوع وهي صابرة ،تسائل نفسها عما

حلّ به وتتمنى أن لا تكون هي السّبب في ذلك..


وفي آخر يوم من الأسبوع ، دخل البيت ووجهه يفيض بشرا وحيويّة ، فاستقبلته بالترحاب والإبتسامة لا تفارق

شفتيها ، وهي تتعجّب من هذا التغيير المفاجيء، الذي طرأ عليه بغتة ، وأحبت أن تعرف سبب ذلك فقالت له:

<< أراك اليوم في غاية من السّعادة والهناء، أدامهما الله عليك ، ولقد شاهدتك منذ أيّام حزينا مهموما، حتى

خشيت أن أكون أنا السّبب في ذلك >> .

فقال لها وهو يمسك بيدها : << لا والله ما شاهدت وسمعت منك إلاّخيرا، وما ذاك إلاّ لأنني سمعت بمرض

صديق عزيز على قلبي ،كاد يشرف على الهلاك ، وقد أدخل المستشفى، ولكنّه والحمد لله قد شفي

وتعافى ، وغادر نهار اليوم المستشفى وعاد إلى بيت >>.

بحدس المرأة ورهافة حسّها غرفت أنّ هذا الصّديق المزعوم لا يمكن أن يكون إلاّ امرأة وقالت في نفسها:

أظنّ أنّ تلك الحكاية القديمة قد عادت من جديد.. ولربّما تلك المرأة التي كان يحبها هي التي مرضت

وأدخلت المستشفى ، والدّليل على ذلك ما ظهرعليه من جزع وخوف ، وعندما علم بشفائها وخروجها من

المستشفى فرح ، وزال همّه


ولكنّها أرادت أن تخفي ما جال في نفسها حتى لا تحرجه وتنكّد عليه حياته، فلجأت إلى المزاح قصد ترطيب الجوّ و الحفاظ على درجة اعتداله .أسلوب ابنة حواء الذّكيّة،التي لا تريد أن تخرّب بيتها، وتخسر بعلها،وتشرّد أطفالها.حواء التي تنظر إلى الحياة على أنّها بمثابة ميدان للسّباق، له بداية ونهاية، بداية
تراصّت على خطّها نفوس يملؤها الأمل، ويشدّها التّرقب في انتظار إشراقه جديدة ليوم سعيد،ويدفعها حبّ الفوز والانتصار إلى خوض هذا السّباق بكلّ نزاهة وشرف، والحيازة على قصبة السّباق عن جدارة واستحقاق.وتلك هي المرأة الشريفة التي ترفض الفشل، وتنبذ حياة التّكاسل والخمول، وترنو دائما إلى التكرار وإعادة المحاولة ،فهي لا تسقط حتى تسارع بالنّهوض لتشقّ طريقها من جديد بكل عزم وحزم .أمّا خطّ الوصول فهو
غير مهمّ بالنّسبة لمَوطن شريف كالذي نتحدّث عنه -موطن الحبّ والغرام حيث يثمل القلب المفتون ويعيش نشوة عالَم مجنون - وإنّما المهمّ هو ما جرى أثناء السباق، تماما كما هو الأمر بالنّسبة لمقابلة في كرة القدم، لا يهمّنا ما حدث وما قد يحدث بعد أن يصفرّ الحكم معلنا نهاية المباراة، وإنّما ما يهمّ الفائز والخاسر معا هو ما حدث حقيقة على أرضيّة الميدان. إذن خطّ الوصول في حدّ ذاته هو النّهاية وما سنعيشه لاحقا هو عبارة عن خليط من الذّكريات امتزج مرّها بحلوها إلاّ أنّنا سنكون سعداء بها وبحلو مذاقها.



قالت سميّة والإبتسامة لا تفارق شفتيها :<< إنّ صاحبك هذا لمحظوظ ،ليتنا أصبنا ببعض مما قد أصابه >>.
فرد عليها متعجّبا من قولها:<< كيف تتمنين المرض يا امرأة وقد كفاك الله شره..؟ا >>.
فقالت وهي تبتسم:<<إنّ مرضي والله ليهون ويتلاشى لو تُظهر من أجلي ربع ما أظهرته على صديقك المفدّى
من حزن وجزع..>>.
فسكت لا ينبس ببنت شفة وكأنّه صدّقها فيما قالت. أما هي فندمت على ما فرط منها، وحاولت تدارك هذا
الموقف فقالت :<< لا تأخذ قولي هذا على محمل الجدّ، فما أردت إلاّ ممازحتك، ولا عاش من يغضبك..>>.
وأسرعت إلى المطبخ لتحضر له شيئا يسد ّبه رمقه، ويسكت به قرقرة أمعاءه .


لقد كانت شكوك سمية في محلّها وذلك أنّه علم فعلا بمرض وفاء،والقيام بنقلها إلى المستشفى
وكانت حاملا،حيث تمّ إسقاط جنينها .فحزن عليها حزنا عظيما،وظهرت عليه علامات الهلع والجزع،مما جعل
زوجته تلاحظ ذلك وتتسأل عن السّبب .أما هو فراح لا يجد متسولا إلاّ وتصدّق عليه ببعض مما معه من نقود،ولا
صادف طالب حاجة إلاّ وساعده في قضائها ولسانه لا يفتر عن التّضرع إلى المولى العزيز القدير والدّعاء لها
بالشّفاء والعودة إلى بيتها سالمة معافاة. ويا له من يوم سعيد وبهيج ذلك اليوم الذي علم فيه بشفائها
ومغادرتها للمستشفى.

هكذا عرفنا أنّ عبد المجيد علاء الدين لم ينس حبّه الأول وقد صدق فيه قول الشّاعر عندما قال :

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
فما الحبّ إلاّ للحبيب الأوّل

ومع ذلك لم ير لها وجها ولا سمع لها صوتا ولا تلقّى منها رسالة ولا مكالمة ولا هو حاول الاتصال بها، فقد
منعه من ذلك دينه ومرؤته، حيث كان يقول : <<إذا كان عرب الجاهلية الذين لا دين لهم قد منعتهم
أخلاقهم الكريمة من استراق النّظر إلى الجارة وزوجة الغير حتى تعود إلى مضاربها وتدخل خدرها.حيث قال شاعرهم:

أغضّ طرفي ما بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها

فكيف بي وأنا المسلم الذي يؤمن بالله ورسوله عليه وآله الصّلاة والسّلام.وقد قال الله تعالى:
:{ قُل لِلمُؤمِنِينَ يَغُضُّواْ مِن أَبصَارِهِم وَيَحفَظُواْ فُرُوجَهُم ذَلِكَ أَزكَى لَهُم إِنَّ اللهَ خَبِيرُ بِما يَصنَعُونَ }.كما أمرناالرسول صلى الله عليه وآله وسلّم:بغضّ البصر في الحديث المأثور:{أعطوا الطّريق حقّه }.لا والله لن أفعل هذا ما حييت، إنّها والله خيّانة عظمى وانتهاك للحرمات، وما لا نرتضيه لأنفسنا لا يجوز أن نرتضيه لغيرنا ولا يفعل ذلك إلاّ من كان زنديقا ومنافقا، مرق عن ملّة الإسلام >

...................

مرّت الأيّام وأنجبت سميّة طفلا جميلا،سمّياه سيف الدين، وتعاونا على تربيّته وتعليمه، فنشأ مثل والده يحبّ الخير وينفر من الشرّ ، يساعد المحتاج وينصر المظلوم، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ،ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ،فنال إعجاب كلّ من عرفه،وأحبّه الجميع .وها هو اليوم قد صار شابا في الثالثة والعشرين من عمره ،وهو الآن طالب في الجامعة . إنّه يمضي معظم وقته بين الدّراسة والمطالعة وإنجاز البحوث عكس من هم في مثل سنّه من أقرانه ،الذين يمضون معظم أوقاتهم في اللهو والعبث ،ومعاكسة الفتيات ومغازلتهن . والحقيقة أنّه حتى من البنات من استرجلن، ونزعن عنهن براقع الحشمة والحياء، ورحن بدورهن يعاكسن الفتيان،وكان أكثرهن ّمن القرويّات، أتين من الأرياف والقرى المجاورة.فبهرهنّ زخرف المدينة البرّاق ،وخدعهنّ زخمها ، وعجيب أنوارها،وارتفاع صخبها وضجيجها، وكثرة محلاّتها وملاهيها ومراقصها.وعرفن مداخلها ومخارجها، وغصن في أعماقها ،وسبحن في مياهها العكرة، وخضن غمارها . وما هي إلاّجولة أو جولتين حتى أصبحن كاسيات عاريات،وغزت وجوههنّ المساحيق ،وداعبت شفاههنّ السّجائر .ولكن سرعان ما استفقن من هذا الحلم
الجميل ليجدن أنفسهن ّأمام حقيقة مرّة ومؤلمة، لقد ضاع كل شيء ضاع الشّرف، وضاعت الكرامة ،وأتلفت الأموال،واختفى الحلم الجميل.احترقت أجنحة فراشة البادية وقُصّت، وأتلفت ألوانها الجميلةواندثرت،وآن لها الآن أن ترمى في سلّة القاذورات، وكلّ ما بقين يتذكّرنه هو ضحكة ساخرة من شاب ماكر، أولطمة مؤلمة من قبضة شاب محتال.وذاك هو الخسران المبين .البدويّة المسكينة حاولت أن تثبت تواجدها ،وتفرض شخصيّتها،وتسرق تاج ابنة البحروالرّمال الذهبيّة،فكان عليها قبل ذلك أن تنسلخ من كلّ ما له صلة بماضيها،فحاولت نسيان البقرة الحلوب ، تلك البقرة الصّفراء الفاقع لونها،ونسيان قطعان الأغنام،وزمن الحمار الأزعر و البراميل،وزيارة الجبّ،وتسجيل مشكلة الدّلو والبكرة والحبل.نسيت المسكينة أغانيها البدويّة ونغمات النّاي الشّجية،وحاولت ترديد أغاني مايكل جاكسون وبوب مارلي..والتّمايل على أنغام موسيقى الروك..وعزّ عليها ترك شواطيء البحر والعودة إلى حيث الزّريبة والبعر.......

ولكن هناك من تداركتهنّ العناية الإلهيّة وحفظتهنّ من هذه الآفات والشّرور، وما ذاك إلا ّلأنّ الشّجرة الطيّبة تمنح دائما ثمارا طيّبة ،وظلالا وارفة ،والشّجرة الخبيثة تمنح دائما ثمارا خبيثة . وكما يقال على أشكالها تقع الطّيور،فكذالك كانت الحياة في الجامعة. الطيّبون والطّيّبات في جانب ،والخبيثون والخبيثات في جانب آخر وكلّ حزب بما لديهم فرحون .


ومن بين هؤلاء الفتيات الطّيبات ،كانت هناك فتاة تدعى فدوى، حسّن الله خَلقها وخُلقها ، وتوّجها بتاج الحشمة والوقار، فكنت ترى على قسمات وجهها الوضّاح، علامات الطّيبة والبراءة ،وترى في عينيها بريقا يدلّ على الفطنة والذّكاء . كانت تقضي جلّ أوقات فراغها في المكتبة منهمكة في مطالعة الكتب بنهم شديد،ولم تكن تشعر بالملل ولو بقيت هناك لساعات وساعات .إلاّ أنّها اليوم لا تدري ماذا حدث لها ،فهي لم تفقه شيئا مما قرأته، فأسطر الكتاب تتمايل أمامها، والأحرف والكلمات تتراقص،وكأنّها انعكست على صفحة من ماء.وبدأ الملل والتّعب يتسرّبان إلى نفسها ،فتقوم بغلق الكتاب من أمامها ُثمّ لا تلبث أن تعود لتفتحه من جديد .فعلت ذلك عدّة مرّات وفي كلّ مرّة تقوم بإلقاء نظرة طويلة ،متفحّصة، خاطفة كالسّهم لتستقرّ أخيرا على طاولة هناك، وبجانبها كرسيّ فارغ.وتقول في نفسها: << لقد مضى يومان على غيّابه ،كأنهما سنتين..أين هو ياترى ؟ وماسبب غيّابه هذا..؟أرجو ان يكون الدّافع من وراء غيّابه خيرا.. إنّه شاب وسيم وظريف، فهو لا يشغل نفسه بما يشغل نفوس
أقرانه من لهو ومجون..يظهر عليه من تصرّفاته ، وبما تنمّ عليه ملامح وجهه أنّه من أسرة طيّبة شيمهاالأخلاق والتّواضع .. ليتني أطّلع على السرّ من وراء غيّابه، فأرتاح وتهدأ نفسي.. ولكن.. أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم ،ماذا أنا أقول..؟ ولماذا أقحم نفسي فيما لا يعنيني..؟فهو لا يمتّ لي بصلة، فلا هو من أهلي ولا من معارفي..>>.قالت هذا ثمّ فتحت الكتاب وحاولت أن تشغل نفسها عما هي فيه.


بالفعل هي لا تمتّ إليه بصلة ،ولكنّها نسيت أنّ الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف ،ولهذا كانت تحسّ في قرارة نفسها وكأنّها تعرفه منذ أمد طويل ..والحقيقة أنّ هناك أشياء كثيرة قد جمعت بينهما ،وإن كانت تجهل ذلك. فقد جمعت بينهما المدرّجات ،وجدران المكتبة ورفوفها وطاولاتها . جمعت بينهما عبارات كثيرة تعوّدا على تبادلها حسب ما يتطلّبه كلّ موقف عبارات التّحية عند كلّ لقاء، والتّأسّف عند كلّ سهو ،والإعتذار عند كلّ خطإ، والتّشكّرات عند كلّ عمل جليل وقول سديد ..ولهذا ما أن أطلّ بطلعته البهيّة،وهو في
طريقه إلى مكانه الذي تعوّد الجلوس فيه حتى سرت رعشة خفيفة في جميع أوصالها وعلا وجهها الإحمرار ،وتسارعت نبضات قلبها ،وانتفضت في مكانها كعصفورة بلّلها القطر، وشرعت أناملها الصغيرة تعبث بصفحات الكتاب من غيرما غاية ترجى أو هدف،وأحسّت بالإرتباك ،وبدلا من أن تقوم بسحب الكتاب ناحيّتها ،دفعته في حركة لولبية لا إراديّة فوقع من على الطّاولة ليستقرّ على الأرض، فأسرعت لتلتقطه وما كادت تفعل حتى اشتبكت الأيدي على الكتاب وتراقصت الأصابع، واختلط الأمر ،وبدأ السّحب والدّفع والجذب وأخيرا هدأ كلّ شيء وسكنت الأيدي لتفسج المجال أمام كتائب الأهوال والحرب والنّزال..الآن الأعين وحدها هي التي ستكون ربّة الموقف ،وسيّدة الميدان ،وهي التي ستمسك بزمام الأمور.

استوت فدوى قائمة ،وهي لا تزال ممسكة بالكتاب، ونظرت إلى الشّاب المنتصب أمامها كقضيب الخيزران ، تريد أن تشكره على لطفه وتواضعه ،ولكنّها ما أن حدّقت فيه حتى ارتدّ إليها طرفها خاسئا،وتجمّدت في مكانها كالتّمثال لا تبدي حراكا ،وتلعثم لسانها،وتورّدت وجنتاها من شدّة الحياء، وقالت في نفسها:<<ربّاه.. إنّه هو.. إنّه سيف الدين ..>>.وتلاقت الأعين وتبادلت التّراشق بسهام الهوى ،وأفصحت عما عجزت الألسن عن الإفصاح عنه .واستفاقت فدوى قبله من سكرتها ،وحاولت الرّجوع إلى مكانها،ولكنّها فوجئت به يتبعها وهو يومئ بعينيه إلى الكتاب، ونظرت إلى حيث يشير بعينيه، وإذا بها تجد نفسها وقد أمسكت على يديه والكتاب معا ،فارتبكت وقبل أن تعتذر منه سبقها قائلا وهو يمازحها:<<ما أنا بسارق سيّدتي،ولكنّني من تمّت سرقته نهارا جهارا في لحظة غفلة منه،فهلاّ حللت قيدي وفككت أسري..؟>>. فعلمت أنّه يلمّح بقوله هذا إلى مايكنّه لها بين جوانحه من حبّ ومودّة .وأرادت هي الأخرى أن تفضي له بما عندها
فقالت له :<< كونك قد تمّت سرقتك،لا يعفيك سيّدي من تهمة السّرقة،وقد أمسكنا بك متلبّسا بالجرم المشهود ،وليس لك خيّار آخر ..البيّنة على من ادّعا و اليمين على من أنكر >>.
فقال:<<سيّدتي ،اعترف أمام محكمتكم الموقّرة على أنّني قد قمت بعمليّة السّطو والسّرقة ولكن..>>.
فقاطعته ولم تدعه يكمل كلامه قائلة:<<هذا يكفي.. المهمّ أنّ المحكمة قد نظرت في قضيّتك بعين الإعتبار
وعرفت منك كلّ ماتريد معرفته وسجّلت أقوالك..هيا انصرف، وسنطلعك على حكم المحكمة في الجلسة
القادمة >>.قالت ذلك وأسرعت بالجلوس في مكانها وجبينها يتصبّب عرقا من شدّة الحياء،ثمّ فتحت الكتاب
وتظاهرت بالقراءة،ووقعت عين علاء الدين صدفة على صفحة الكتاب التي كانت تتظاهر بمطالعتها فإذا هي
مقلوبة ،فأدرك أنّها جدّ مضطربة، وغير آبهة بما تفعل، ففضّل الإنصراف حتى لا يزيد من اضطرابها .

أما هي فبدأت تقول :<< يا لها من صدفة جميلة، صدق من قال :{رُبّ صدفة خير من ألف معاد} >>.


هكذا بدأت هذه العلاقة الطيّبة تزداد متانة من يوم لآخر ،وتعاهدا على الوفاء والإخلاص،والعيش تحت سقف واحد ،بعد التّخفف من أعباء الدّراسة ،والتّخرج من الجامعة. وصمم أن يتحدّث مع أمّه في هذا الأمر عند عودته إلى المنزل.

حدث يوما أن اجتمعا وصفى لهما الجو ، وراق لهما الحديث، أن سألها قائلا:<<ممن اكتسبت هذه الخصال
الكريمة ،والأخلاق الفاضلة ؟>>. فقالت له:<< أخذتها عن أمي حفظها الله، وبما أنّني وحيدتها فقد أغدقت عليّ بك لّما تملك ، ولا أذكر أنّها رفضت لي يوما طلبا ،ولا بخلت عليّ بنصائحها وإرشاداتها >>.
فقال لها :<< بورك فيها من أمّ نصوحة، أطال الله عمرها وحفظها لك >>.
فقالت :<<إنّني والله لازلت حتى السّاعة أذكر نصيحتها الأخيرة لي قبيل الإلتحاق بالجامعة.ففي تلك الليلة بعدما
تناولت العشاء ،ذهبت إلى غرفي ودخلت مخدعي،فطرقت أمّي باب غرفتي ،ثمّ دخلت وجلست بجانبي على السّرير وأمسكت بيدي وقالت:{تعلمين بنيّتي أنّني ما بخلت عليك بشيء أبدا، فليس لي أحد غيرك في هذه الدنيا، فأنت وحيدتي وفلذة كبدي،وأنت بالنّسبة لي كلّ شيء ،فأنت البنت والأخت و الصّديقة ،وليس هناك والله ما أخاف عليه غيرك..وغدا إن شاء الله تعالى ستغادرين إلى المدينة للإلتحاق بالجامعة ..وآه من المدينة يا بنيّتي }وعندما
نطقت بكلمة المدينة سكتت وشردت بذهنها بعيدا وعادت إلى الوراء لسنوات وسنوات، وكأنّها تذكّرت حدثا مؤلما
أفقدها عزيزا،وعلت وجهها سحابة من الحزن ،ونزلت من عينها دمعة، فاستقبلتها بكفّها قبل أن تلامس خدّها .فتعجّبت لما بدر منها وقلت لها:<<ما بك يا أمّاه تبدين حزينة ؟وما حكاية المدينة هذه التي أزعجك ذكرها ؟>>.فقالت:<<ما كرهت شيئا مثل كرهي للمدن،فالمدينة وحش لا يرحم،وحوت يبتلع كل ّمايجده في طريقه..دعينا يابنيّتي من هذا فسيأتي اليوم الذي أكشف لك فيه عن سرّ كرهي للمدن ..عودي بنا إلى ما نحن بصدده..أين توقّفنا في حديثنا..اسمعي كلامي وعي قولي جيّدا، واحفظي عنّي نصائحي علّها تنفعك يوما ما..واعلمي أنّ البنت التي ولدت في المدينة، وعاشت فيها هي مثل السّمكة منظرها جميل وبرّاق، يسرّالناظرين
وهي تنساب في الميّاه بخفة ورشاقة لا يخيفها اضطراب البحر وهيجانه،ولا تلاطم أمواجه، ولربّما وجدت في ذلك عذوبة ومتعة، لأنّها لا تخشى الغرق .ولا عجب في ذلك فهي إبنة البحر العالمة بكل أسراره وخفاياه،ولكنّهاتخاف أن تعلق بسنّارة صيّاد ماهر ومحنّك ،أو تصبح أسيرة شباكه، ومع ذلك قد تنجو من قبضته وتنزلق من بين أصابعه وتنطّ في الماء .فإن كان هذا الصيّاد فضّا غليظ القلب ،فإنّه لا يفرح بصيده الثمين
حتى يرى سمكته أمامه على المائدة مشويّة.أما إن كان الصيّاد طيّبا ورحيما ،فإنّه سيشفق عليها ويضعها
في حوض زجاجيّ شفّاف ويوفّر لها كلّ متطلّبات الحياة ويجعلها تعيش في وسط قريب من وسطها الذي كانت
تعيش فيه، المهمّ أن تمتعه بجمال منظرها ،ورشاقة جسمها ،ولطافة حركتها ،وبإطلالتها الرومنسيةعليه من حين لآخر،من وراء نبتة أو بجانب حصاة،وكأنّها تداعبه وتلعب معه..وتشكر له هي الأخرى أياديه البيضاء ،فلا تنسى له رحمته ورأفته بها وسهره عليها واهتمامه بكلّ شؤونها ،وإن كانت أجمل هديّة يقدّمها لها نظرة وداع وهو
ذاهب إلى عمله في الصّباح ،أو تحيّة تّرحاب أثناء عودته متعبا في المساء..وبمرور الوقت تتوطّد أواصر الصّحبة والصّداقة بينهما ، وما هي إلا ّمدّة قصيرة ،وفترة وجيزة حتى تنسى السّمكة الجميلة والصيّاد الطيّب حكاية الآسر والمأسور لتبدأ حكاية الحبيب والمحبوب .

أما القرويّة مثلك يا بنيّتي فهي كذلك لها محاسنها وخلالها. فقد عاشت بين أحضان الطّبيعة، فمنحتها
الطبيعة كلّ شيء ولم تبخل عليها بما تملك ،فأخذت من الماء صفاءه، ومن الهواء نقاءه ، ومن القمر بهاءه ،ومن
الزهر أريجه ،ومن الورد عطره، ومن النّحل نشاطه، ومن الفراش جماله، ومن الطّير تغريده ،وجعلت من قطرات النّدى دررا تزيّن جبينها تنم ّعن الحشمة والحياء .

أما البنت القروية التي تتمرّد على الحياة ،وتنكر فضل الطّبيعة التي احتضنتها ، وتروم العيش في وسط
غير وسطها،فإنّه الن تستطيع أن تكون سمكة مهما حاولت ذلك ،لأنّها لا تعرف البحر ،ولا علمت بأهواله
وأخطاره وبدلا من أن تكون سمكة ،ستجد نفسها وقد تحوّلت إلى عنزة،فهل للعنزة حياء يا بنيّتي..؟ تتسلّق
الأشجار، وتفسد الثّمار ،وتروم الأوعار ،وتركب الأخطار، تعاكس التيوس، وتنفّر النّفوس، صياحها نواح ونتنها فواح ،تبعد عن القطعان وتسرح في الوديان،ولا تستقرّ في مكان .فإذا أحاطت بها الذّئاب وكُشِّرت الأنياب،أسقطت دمعة وانبرت من جوفها صرخة..ووصل الرّاعي أخيرا وقال:<<هنا أهرق دمك، وهناك بُعثر شعرك ،وهنالك مُزّق جلدك، وهاهي ذي عظامك تروي قصّة غرورك،فسحقا لك يا عنزتي فالموت أفضل لك..>>.


بينما كانت فدوى تقوم بسرد وصيّة أمّها لها ،كان سيف الدين يستمع لها بشغف كالتّلميذ أمام معلّمه ،أو الجنديّ أمام قائده،حتى جاءت على آخرها وهو مازال يسرح بذهنه بعيدا ففاجأته بقولها:
<<سيف الدين ..أراك ذهبت بذهنك بعيدا..دعك من خزعبلات ألف ليلة وليلة ولا تحمل همّ مصباحك السّحري>>.
فقال لها:<<أنا سيف الدين زماني، وأنت يافدوى مصباحي السّحريّ..>>.



.....................
يتبع
.....................





amine50 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-26-2010, 02:10 PM   #8 (permalink)
amine50
رومانسي مبتديء
 
الصورة الرمزية amine50
 

.......................................
الجزء الرابع
........................................

من دموع بين السّطور
........................................





كثيرا ما كان علاء الدين أثناء عودته إلى البيت يجلس إلى أمّه ويروح يحدّثها عن الجامعة وعن رحلاته التي
قام بها،وعن أصدقاءه الجدد الذين تعرّف عليهم من مختلف مناطق الوطن،لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن
الطّلبات ،وكيف أنّهنّ صرن طرائق قددا، منهنّ الصّالحات ،ومنهنّ الطّالحات، ليتوقّف أخيرا عند الطّالبة فدوى ويخوض في حديث طويل وعريض يستعرض فيه كلّ ما تتصف به ، أو توهّم أنّها تتصف به،حتى يخيّل إلى أمّه أنّه يروي لها رواية بطلة من بطلات ألف ليلة و ليلة فترحل سميّة بعيدا بخيالها لتجد نفسها مرة في بلاد السّند وأخرى في بلاد الهند واقفة أمام باب تاج محل.

كانت كثرة حديثه عن هذه الطالبة، في كلّ مناسبة ومن غير مناسبة،قد جعلت أمّه تتساءل عما طرأ عليه ،وهو الشّاب الخجول الذي طالما كان ينفر من مجالسة النّساء والرّكون إليهنّ والخوض في الأحاديث معهنّ.وأدركت أنّ إبنها قد أغرم بهذه الفتاة وأنّ حبّها قد بدأ يسلك طريقه إلى قلبه،وأنّه عما قليل سيحسّ بوطأته
وتأثير سحره المبين ،يسري في كامل جسده ويجري في دمه وعروقه وأرادت أن معهنّ. تتأكّد من صدق ظنّها فقالت له : <<أراك كلّما ذكرت فدوى أطنبت في ذكر وشمائلها وكأنّه ليس هناك من البنات من تفوقها خلقا وخلقا..؟ا>>.
فقال:<<والله يا أمّي ما رأيت طوال حياتي بنتا مثلها..بل أجزم وأقول انّ البنت التي ستكون مثلها في عصرنا هذا،لازالت لم تُخلق بعد ..وليس هذا فحسب بل قد ناقشت معها أمر زواجنا فقبلت بذلك ورضيت
وقد جاء الآن دورك مع والدي لتتكفّلا بالخطبة >>.
فقالت له:<<يجب عليك أن تتريّث قليلا حتى تأخذ عطلتك وتعود إلى بيتك وتعود هي الأخرى إلى بيتها
وفي نفس الوقت تستطع أن تربح الوقت وتتعرّف عليها وعلى أهلها،وبعد ذلك سأذهب أنا ووالدك ونطلب يدها لك، على أن يكون الزفاف من بعد تخرجكما من الجامعة >>.
فوافق علاء الدين أمّه على رأيها ،وراح يترقّب قدوم عطلة الصّيف بفارغ الصّبر .

تأكّد للأمّ ما كانت تظنّه وفرحت بذلك كثيرا ،ولكنّها في نفس الوقت كانت تخاف أن يكون هذا الأمر مجرّد نزوة من نزوات الشّباب الطّائشة،أو كغيمة صّيف سرعان ما تغيب وتتلاشى،وحتى وإن صحّت فما يدريها أنّ إبنها قد أحسن اختيار فتاة أحلامه المناسبة .ولكنّها سكتت عن هذا وقرّرت أن تتعرّف أوّلا على الفتاة وأهلها ،بعدما تتحدّث في هذا الأمر مع زوجها.ثمّ واصلت حديثها وقالت وهي تبتسم:<<يقولون عين المحبّ عمياء عن عيوب المحبوب>>.
فقال لها :<<ماذا تقصدين بقولك هذا ؟>>.
فقالت :<<هذا ليس من قولي..وإنّما قلت يقولون >>.ثمّ قامت تطلب زوجها.أما هو فراح يعيد في ذهنه ما سمعه
من أمّه ويقول:<<وما دخل هذا فيما كنا نتكلّم فيه ؟ا >>.

أسرعت سميّة إلى بعلها، وأخبرته بكلّ ما دار بينها وبين ابنها، فسكت قليلا كأنّه يفتّش عن الإجابة من بين سطور ماضيه، ودفاتر ذكرياته ليقول لها أخيرا:<<ابشري خيرا يا سميّة..ستبدي لك الأيّام المقبلة من امر ابنك عجبا.. الآن سيهتمّ أكثر بحسن هندامه، ومنظره وبتحسين ألفاظه وتهذيب أخلاقه، والحرص على الظهور بمظهر الرّجال ،سيلين قلبه ،وسيعرف كم هي الحياة جميلة، والأجمل منها أن يشعر بنا من نحيا ونفرح ونشقى
والأجمل منها أن يشعر بنا من نحيا ونفرح ونشقى من أجلهم..أمّا أنت يا سميّة فإياك أن تقفي في وجهه
للحيلولة بينه وبين ما يختار قلبه ويشتهي..دعيه يفعل ما يحلو له، فأمر زواجه يخصّه هو وليس نحن ،وإنّما
ما قلت لك مرّة ثانية ؟>>.

لم تكن العلاقة التي تربط بين فدوى وأمها مجرّدعلاقة أمومة ،وإنّما كانت أكثر من ذلك بكثير ،حيث ساهمت الظّروف التي كانت تعيشها كل منهما في تمتين هذه العلاقة وتوطيدها إذ وجدت الأمّ في ابنتها – خصوصا بعدما طلّقت من زوجها في عامها الأوّل – البنت والأخت والصّديقة ووجدت فدوى في أمّها الأمّ الحنون والصّديقة الوفيّة والسّند والمعيل ،وبالتّالي بنيت حياتهما على الصّدق والوفاء والإحترام والتّوقير. والأهمّ من كل ذلك الصّراحة وعدم اتّباع الأساليب الملتويّة .
فبعد أن عادت فدوى إلى البيت جلست إلى أمّها كما تعوّدتا سابقا حيث شرعت أمّها تسألها عن الدّراسة وعن الحياة في الجامعة وهي تجيب في نفس الوقت الذي كانت تفكّر فيه في ايجاد طريقة تدخل من خلالها إلى صلب الموضوع الذي يشغل بالها ويبلبل أفكارها وتبوح لأمها عن علاقتها بالطّالب سيف الدين وباتفاقها معه على الزّواج .
أما أمها فأحسّت أنّ هناك أشياء تخفيها ابنتها لما لاحظته عليها من كثرة شرودها وفي تردّدها إذ كانت تهمّ بقول شيء ثمّتعود لتخوض في حديث غيره .
فقالت أمّ فدوى :<<أشعر أنّ هناك ما يشغل بالك ويشوّش عليك أفكارك ، وأنت متردّدة بين البوح به إليّ الآن أو تركه إلى وقت آخر ، بينما أرى أنّ هذا هو الوقت المناسب لذلك ، وقد عوّدتك على الصّراحة والصّدق فهات ما عندك لنتدارسه سويّا فإن كان خيرا قبلناه واتّبعناه وإن كان شرّا دفعناه عنّا ونبذناه >> .
فاستوت فدوى في جلستها وعزمت على البوح لأمّها بعلاقتها بسيف الدّين ولكنّها ما كادت تنطق حتى سمعتا طرقا على الباب ، فقالت الأمّ :
<< انتظري يابنيتي حتى أرى من الطّارق ثمّ أعود إليك >> . قالت هذا ثم أسرعت لتفتح الباب الخارجي ، وما هي إلاّ لحظات حتى عادت وهي تمسك بمجموعة من الأوراق النّقديّة ، فنظرت إليها فدوى وقالت :
<< من الطّارق ؟ وما هذه النّقود التي تمسكين بها يا أمّاه ؟ >> .
فجلست أمّ فدوى في مكانها ووضعت النّقود بجانبها وقالت :
<< إنّه ساعي البريد أحضرلنا هذه النّقود كالعادة في بداية كل شهر >> .
فقالت فدوى :<< من ذا الذي يبعث لنا بالنّقود شهريا ومع ذلك لا يريد أن نتعرّف عليه >>
فقالت الأمّ : << لا زال الخير منتشرا بين النّاس لا ينقطع إلى يوم القيّامة ولكن ما يحيّرني هو أنّ هذا المحسن يقف بجانبنا منذ سنين طويلة ، وما زلت أذكر أوّل حسنة قام بها هذا المحسن بعد انفصالي عن والدك وكرائي لهذا المنزل الذي نحن فيه الآن ، وقد ضاقت عليّ الدّنيا بما رحبت ، فرهنت كل ما أملك من ذهب ومجوهرات حتى أدفع ثمن كراء المنزل ، وأسدّد فواتير الماء والكهرباء والغاز ، زيّادة على ما نحتاجه من أكل وشرب ،وما كنت تحتاجينه من حليب أنذاك . ولكن يا بنيّتي وفي هذهالظّروف العصيبة التي كنت أعيشها جاءنا الله بالفرج من حيث لا نحتسب ، ففي صبيحة أحد الأيّام جاءني صاحب المنزل وطلب مني مرافقته إلى الموثّق لتسويّة بعض الوثائق الخاصّة بالمنزل فظننت أنّ الأمر يتعلّق بالكراء فذهبت معه وهناك طلب منّي الموثّق الإمضاء على الوثائق الخاصّة بعمليّة شراء المنزل وأخبرني بأنّ المنزل قد صار ملكا لي ، ففوجئت بهذا الخبر في البداية وسألت صاحب المنزل عمن دفع له ثمن المنزل ، فقال أنّه لا يعرفه والمهمّ أنّه قد تقاصى ثمنه وأنّالمنزل قد صار ملكا لي ،فحمدت الله وشكرته وقلت أنّك فأل خير عليّ إن شاء الله >> .
فدهشت فدوى مما سمعت وقالت : << تقولين أنّ هذا المنزل الذي نسكنه ذلك الرجل هو الذي دفع ثمنه ، ومع ذلك لازلت حتى الآن لا تعرفينه ؟ إنّه والله لأمر عجيب >> .
فقالت الأمّ : << على رسلك يا بنيّتي فهناك شيء آخر لم أطلعك عنه بعد >> .
فقالت فدوى : << وما ذاك يا أمّاه ؟ >> .
فقالت الأمّ : << بعد مرور أيّام قليلة من قصّة المنزل ، زارني شخص آخر هذه المرّة إنّه .. >> .
فقاطعتها فدوى قائلة : << ومن هو ؟ وماذا يريد هو الآخر ؟ >> .
فقالت الأمّ : << إنّه الصّائغ الذي رهنت عنده مجوهراتي وذهبي ، جاء وهو يحمل معه كل ما رهنته عنده وقال أنّ هناك من دفع له كل ماهو عليّ من ديون وطالبه وبأن يسلّمها لي بنفسه . فأخذت مجوهراتي وأنا أتعجّب من أمر هذا الشّخص الطيّب الذي لا يريد أن نعرف حقيقة أمره ولا الدّافع من وراء كل ما قام ويقوم به حيالنا لحدّ الآن والغريب في الأمر أنّه يعرف عنّا كل شيء حتى لكأنّه يسكن بيننا ويعيش معنا >> .
فقالت فدوى : << إنّما يقوم به هذا الشّخص المجهول تجاوز مرتبة الإحسان إذ للإحسان حدود بينما ما يقوم به هذا الإنسان دليل على أنّه يعرفك حقّ المعرفة وهو يحترمك ويوقرك ويرى لك عليه حقوقا وواجبات ولا أظنّ أنّ هذا الشخص إلاّ والدي >> .
فقالت الأمّ : << محال أن يكون هذا الشخص الشّهم الذي يفيض قلبه رحمة ورأفة والدك ، فأنت حتى يومنا هذا وقد صرت امرأة لم تتعرّفي عليه ولم تري له وجها أو تسمعي له صوتا بسبب جفائه وقساوة قلبه رغم أنّك من لحمه ودمه وصلة الرّحم واجبة والإنفاق على الأبناء وحسن تربيتهم فرض على الأباء.. لا ، لا يابنيتي القلوب القاسيّة لا تكون سخيّة لأنّها من معدن رخيص ، أما هذا الإنسان السّخيّ الكريم فإن كنّا لا نعرفه فالله سبحانه وتعالى يعرفه ويعرف نواياه والله لا يضيع أجر المحسنين >> . قالت هذا ثم نظرت إلى فدوى وكأنّها تذكّرت شيئا وقالت : << دعينا يابنيتي من هذا وعودي بنا إلى ما كنا بصدده قبل مجيء ساعي البريد مما يشغل بالك >> فقالت فدوى : << لقد تعرّفت ياأمّي على شاب في الجامعة على شاب مؤدّب ولطيف وقد أراد أن يعرف رأيي إن كان بإمكانه أن يبعث بوالديه للقيّام بزيّارتنا والتعرّف علينا >> .فقالت الأمّ وما المانع من ذلك إن كان هذا الشّاب من أهل المرؤة والشّهامة والأخلاق الفاضلة ،فبإمكانهم القيّام بزيّارتنا قصد التّعارف ومع ذلك لا يجب أن نبتّ في أمر الزّواج حتى نتعرّف عليهم ونسأل عن أحوالهم وبعد ذلك يفعل الله ما يشاء >> .
فقالت فدوى : << يظهر عليه يا أمّي أنّه من عائلة طيّبة ، وقد أخبرني بأنّهم لا يستطيعون زيّارتنا في هذه الأيّام بسبب مرض والده فسيف الدّين خائف على والده خصوصا بعدما أكّد لهم الأطبّاء عدم نجاته من مرضه هذا >> فقالت الأمّ : << وهل عرفت أين يسكن سيف الدّين ؟ >> .
فقالت فدوى : << هو يسكن في نفس الحيّ الذي تسكن فيه جدّتي >> .
فقالت الأمّ : << تقولين يسكن في نفس الحيّ الذي تسكن فيه جدّتك ، أنا أعرف معظم سكّان هذا الحيّ ، ألم يخبرك عن اسم والده ؟ >> .
فقالت فدوى : << أظنّ أنّه قال أنّ اسمه علاء الدّين بن الحاج منصور >> .
وما أن طرق سمعها اسم علاء الدّين حتى اضطربت كقصبة مهبّ الرياح ، وامتقع لونها وارتعدت شفتاها ويبستا وبحثت فما وجدت ريقا تبلّلهما به ، وأرادت أن تنطق فعجزت عن النّطق وكأنّها قد ابتلعت لسانها ، وأخيرا انطلق الصّوت حزينا : << آه >> ثم مالت عن الأريكة بكامل جسمها فأمسكت بها ابنتها قبل أن تسقط على الأرض وأعادتها إلى الأريكة ثم خرجت من الغرفة مسرعة لتعود وبيدها إناء به ماء وشرعت تنضخ به وجه أمّها وعنقها وتربّت بيديها على خدّيها وهي تصيح : << امّاه ، أمّاه ماذا أصابك .. افتحي عينيك.. >> .
وأخيرا فتحت عينيها وبقيت ساكنة كالصّنم لا تبدي حراكا ولا نطقا ، بينما راحت دموعها تنسكب على خدّيها بدون انقطاع . أما فدوى فملأت كأسا كانت هناك على الطّاولة ماء وناولتها إيّاه وهي تقول : << خذي ..اشربي قليلا من الماء .. هل أنت بخير.. ؟ هل أنقلك إلى المستشفى ..؟
فقالت الأم : << لا حاجة بي إلى المستشفى ، أنا بخير الآن .. ولكن هل أنت متأكدة من اسم والد هذا ؟ >> .
فقالت فدوى :<< نعم يا أمّاه ، اسمه علاء الدّين بن الحاج منصور ، ولكن لماذا جزعت لدى سماعك بمرضه كتّ هذا الجزع مع أنّه لا يمتّ لك بصلة ؟ >> .
فسكتت أمّ فدوى قليلا ثمّ قالت : << أظنّ أنّك تتّفقين معي في كون هذا اليوم فريد من نوعه من بين سائر الأيّام ، هذا يوم كشف المستور وإظهار المقبور .. ولكن يا بنيّتي قبل أن أكشف لك عن هذا السّر الدّفين الّذي احتفظت به في صدري طيلة هذه الأعوام ، اسمعي منّي ما أقوله لك : فوالله ما قصّرت في حقّ والدك يوما ولا تهاونت في خدمته ولا ضيّعت له مالا أو أفشيت له سرّا ولا خنت ثقته منذ صحبته والله على ما أقول شهيد .. >> .قالت هذا وانفجرت بالبكاء فأمسكت فدوى بيديها وشرعت تقبلهما وهي تقول : << لا تذهبي بعيدا بخيالك يا أمّاه ، فوالله ما رأيت منك إلاّ كلّ خير ، وإنّك لنعم الوالدة الحنون ، والأمّهات مثيلاتك قليل >> .
مسحت وفاء أمّ فدوى دموعها بمنديلها ، وشرعت تروي لابنتها حكايتها مع علاء الدّين من بدايتها إلى نهايتها ، لم تترك منها شيئا ، كما تعرّضت بالذّكر لموقف الحاج منصور الرّافض لزواجها من ابنه ، مما أغضب والدها الشيخ عثمان والذي أقسم بأنّه لن يصاهر عائلة الحاج منصور أبدا ، وأنّه سيلبي طلب أوّل رجل يتقدّم لطلب يد ابنته ،وهذا ما حدث بالفعل إذ تزوّجت من رجل لا تعرف فصله ولا أصله ، وأخيرا تعرّضت بالذّكر إلى تلك الرّسالة التي أرسلت بها لعلاء الدين مباشرة من بعد زواجها والتي كانت آخر رسالة منها إليه كما تلقّت رسالة منه كانت كذلك آخر رسالة تلقّاها منه ،وكيف أنّها منذ ذلك العهد لم تسمع له حسّا أو تعرف عنه خبرا لحدّ الآن .
بينما كانت وفاء تتحدّث كانت فدوى تصغي بلهفة إلى كل كلمة تنبس بها شفتيها ، وقد أثّرت فيها هذه القصّة المحزنة أيّما تأثير ، وشعرت وكأنّ والدتها بدأت تذوب حبيبات الملح في الماء . وما أن أتمّت وفاء حكايتها حتى قالت لابنتها : << هذه هي مجمل حكايتي فما قولك الآن فيما سمعت ؟ >> .
فقالت فدوى : << قصّتك هذه يا أمّاه جدّ محزنة ، وقد عانيت الكثير من الظّلم وقد اشتركت في ظلمك أطراف عديدة ، فموقف الحاج منصور منك مبعثه الفارق الطّبقيّ وتلك النّظرة الوقحة التي ينظر بها الغنيّ المغرور إلى الفقراء أو من هم أقلّ مالا منه ، وكأنّه يحمّل الفقير مسؤوليّة فقره وعوزه ، وهذا يعدّ في حدّ ذاته ظلم وتبرّم من قضاء الله وعدله . أما موقف جدّي الشيخ عثمان فهو كذلك موقف جائر ، إذ كيف يقسم أن يزوجك لأوّل رجل يطلب منه يدك ؟ ولماذا يصرّعلى رفض مصاهرة الحاج منصور حتى ولو جاء بنفسه نادما معتذرا على ما فرط منه ؟ >> .أما أنت ياأمّاه فكذلك قد ساهمت في ظلم نفسك بصمتك ،وبعدم الدّفاع عن قضيّتك ومع ذلك أعذرك لكونك امرأة والمرأة في مجتمعاتنا هذه لازالت تعدّ سلعة تباع وتشترى ، ولا حقّ لها إعطاء رأيها وفتح فمها .أما الطّرف الذي أحمّله في حقيقة الأمر مسؤوليّة ما وقع عليك من جور واضطهاد فهو علاء الدّين الذي وقف منك موقف الشّخص المسالم ، المغلوب على أمره ، الضّعيف الذي لا حول له ولا قوّة . الحبّ يا أمّاه قوّة وثورة ، حزم وعزم ، فبالحبّ نستطيع أن نقيم الدّنيا ونقعدها ، ونقاتل الإنس والجنّ . فما بال هؤلاء الأقزام يدّعون الحبّ ويوقعون غيرهم في حبّهم ما داموا يعرفون أنّهم لا يستطيعون الدّفاع عن أحبّتهم ، أو على الأقلّ يدافعون عن أنفسهم . كان في استطاعة علاء الدّين على الأقلّ بعدما صدّت في وجهه الأبواب أن يفرّ بك إلى إحدى المدن حيث تعيشان هناك حياتكما وتقضيّان باقي أيّامكما مع بعض ، وليمت الآخرون بغيضهم >> .
كانت فدوى تتكلّم وقد كست وجهها مسحة ممزوجة بين الحزن لما حاق بأمّها من ظلم وإجحاف ، والغضب على الذين كانوا السّبب في هذا الظّلم ، وقد ثارت ثائرتها وازداد بريق عينيها حتى لتخال أنّالشّرر يكاد يتطاير منهما ، بينما اختفى ذلك الصّوت الأنثويّ ليحلّ محلّه صوت غليظ ينمّ عن النّقمة والثّورة .

لقد كانت دهشة وفاء عظيمة وهي ترى ولأوّل مرّة ابنتها ، تلك البنت الخجولة الهادئة الرزينة ، تتحوّل إلى لبؤة شرسة ثائرة همّها الإنتقام ممن كانوا السّبب في جرحها . وعرفت أنّ حبّها لسيف الدين هو الذي أكسبها تلك الجرأة وحوّلها إلى ما هي عليه الآن .فقالت لها : << لا تلومي يابنتي علاء الدين ، فهو لا ذنب له فيما حدث ، وأنا أعرفه جيّدا فهو إنسان يغلب عليه الطابع الدّينيّ ، فهو لم يتعود على قول كلمة { لا } لوالديه إذا ما طلبا منه فعل شيء ، حتى وإن كان ذلك على حسابه ، أو اضطرّه الأمر إلى التّنازل عن حقّ من حقوقه المهمّ أن لا يغضبا منه . وأمّا قولك أنّه كان بإمكانه أن يفرّبي إلى مكان آخر حيث نعيش في وئام وسلام ، فهذا الفعل لا يرضى به حتى ولو كنت أنا التي تحرّضه على الفرار ، وتزيّنه له ، حفاظا عليّ حتى لا يسمح للآخرين بالنّهش في عرضي ، وإلحاق المهانة والذلّ ، وشماتة الأعداء بأسرتي . ووالله يابنيّتي لو أنّه طلب مني ذلك ما كنت لأرذض له طلبا ، فثقتي فيه عمياء لا حدود لها ، وحبّي له كبير لا نهاية له >> .

نظرت فدوى إلى أمّها وكأنّها قد تفطّنت لما بدر منها من قول جارح في حقّ علاء الدّين ، وعرفت أنّها قد آلمت أمّها خصوصا بعدما شاهدته من دفاعها عنه . فقالت وقد عادت إليها سكينتها ورباطة جأشها : <<أظنّ يا أمّاه أنّك رغم مرور هذه السنين الطّويلة ، لازلت تذكرينه وتحتفظين له بصورة جميلة في قلبك ، والدّليل على ذلك دفاعك عنه وعدم رضاك عما قلته فيه من كلام جارح ؟ >> .
فقالت وفاء : << وكيف أنساه .. ؟ فوالله ما رأيت منه إلاّ كلّ خير ، وما شممت فيه رائحة خيانة أو غدر يوما ،ولا قال أثناء حديثه قبيحا ، ولا استحلّ حراما ، ولا حرّم طيّبا ، ولا دعاني لركوب منكر ، فأقلّ ما أقوله في حقّ علاء الدّين أنّه حافظ عليّ ووقاني وصانني أكثر من محافظتي على نفسي، والسّبب في ذلك أنّه كان صادقا في حبّه لي ، وقد أخبرتك بأنّ ثقتي فيه عمياء لا حدود لها ، وحبّي له كبير لا نهاية له ، فتصوّري يابنتي من كانت هذه حالها لا قدّر الله ووقعت بين يدي شخص مخادع أفّاك كيف سيكون مصيرها ونهاية أمرها ؟ >>.
فقالت فدوى وهي تحاول أن تداعب أمّها : << ولكنّك ياأمّاه ألا ترين أنّك قد وقعت في غلطة فادحة ؟ >> .
فقالت وفاء : << أعرف ذلك ، أنت تقصدين كتابتي لتلك الرّسالة الأخيرة التي بعثت بها لعلاء الدين بعد زواجي من والدك ، ومن غير علمه ، حيث أرسلت بها من وراء ظهره ، وكأنّي بك تصفين تلك الحركة بالخيّانة >> .
فقالت فدوى : << صدقت يا أمّاه ، قصدت كتابتك لتلك الرّسالة وأنت في عصمة رجل آخر >> .
فقالت وفاء : << أنا يابنيّتي لا أبريء نفسي من هذه الغلطة ، وإن كانت في حقيقة الأمر لا توجب جلدا ولا رجما. أولا كتبت تلك الرّسالة في زمن الشّباب ، وللشّباب كبوات وهفوات ، ونزوات طيش ، واندفاع وعدم تفكير في عواقب الأمور .والشيء الثّاني أنّني لم أدعو في تلك الرّسالة إلى فجور ، وإنّما جعلتها بداية النّهاية ، وإن كنت أفرغت فيها كلّ ما كان في قلبي من أحاسيس ، وقد وفّيت بوعدي ولم أكتب أيّة رسالة إلى غاية هذه السّاعة ، ومع ذلك فهذه الأمور قد تحدث للكثيرين إلاّ من رحم ربّك ، ولو أنّك عدت قليلا إلى الوراء لوجدت الكثير الكثير ممن مروا بهذه المرحلة ، فخذي على سبيل المثال قيس وليلى ، وجميل وبثينة ، وليلى الأخيلية وتوبة الخفاجي ،وابن زيدون وولادة ، وغيرهم كثير ، فهؤلاء كل منهم كان يلتقي بصاحبه في غفلة من أعين النّاس ، وقد ذاعت أخبارهم وانتشرت في جميع الأقطار، وتناولتها الألسن وصنّفت فيها الكتب ، ومع ذلك ليس هناك من تجرّأ ونعتهم بالفسوق والفجور ، أو اتّهمهم بالزّنا ، وإن كان البعض يرى في ذلك خروجا عن المألوف .
فكّرت فدوى فيما سمعته من أمّها عن علاء الدّين وقالت : << إن كان فعلا هذا الرجل كما تقولين فما المانع من زيّارته إذن ؟ >> .
فدهشت وفاء مما سمعته من ابنتها ، ومن سرعة تحوّلها المفاجئ ، من نقمتها على علاء الدّين إلى احترامه ، ودعوتها لزيّارته فقالت : << ماذا تقولين يابنتي .. ؟ وماذا سيقول النّاس عنّا .. ؟ هل فكّرت فيما تقولين .. ؟ لا ، لا أستطيع أن أقوم بهذه الزّيارة ،وأسمح للنّاس بالنّيل منّا .. >> .
فقالت فدوى : << بل ستذهبين ، وسأكون برفقتك وليقل النّاس عنّا ما يريدون قوله ، رحم الله ذلك الشّاعر القائل

من راقب النّاس مات همّا وفاز باللذتين الجسور

ولو أنّه صحيحا معافى ما طلبت منك ذلك ، ولكنّه في آخر أيّامه ، وعما قريب سيقضى أجله ويوارى رمسه >>
فقالت وفاء : << إذن سنذهب غدا إن شاء الله >> .

خرجت وفاء وابنتها في صبيحة اليوم الثّاني إلى الشّارع تحملان معهما بعض الهدايا ،حيث أوقفتا سيّارة أجرة ، ووعيّنت الأمّ للسّائق عنوان المكان المنشود .وانطلقت السيّارة تجوب الشّوارع ، فيما ساد وسط السيّارة جوّ مهيب إذ أخرست الألسن ، وأخذت الأعين تتفحّص الأرصفة وتعاين الأبنيّة . فها هو ذا السّائق يمسك بقبضتيه على المقود ويراقب الشّارع المزدحم بالسيّارات بحذر شديد ، وعيناه تتنقّلان بشكل آليّ فيما بين إشارات المرور الضّوئيّة ، وممرّات عبور الرّاجلين .
وهاهي وفاء ترقب الأبنيّة وتتفحّص الأرصفة والمحلاّت التّجاريّة ،وتعود بذاكرتها إلى أيّام الشّباب يوم كانت تجوب هذه المنطقة صحبة علاء الدين وقالت في نفسها : << آه منك يا زمن ، ماأشدّ قسوتك .. بالأمس القريب أدميت قلبي ، وأبكيت عيني ، وسحقت مهجتي ،وها أنت اليوم قد عدت تروم إزهاق روحي .. ربّاه لما أشقيتني من دون النّاس .. لما لا أخرج من امتحان حتى أدخل غيره >> . قالت هذا ثمّ غاصت بذهنها الشّارد وسط زحمة الشّارع وغابت .
أما فدوى فكانت هي الأخرى مشغولة الفكر ، مسلوبة الإرادة ينتابها إحساس عجيب ، فلم يشدّ انتباهها مناظر العمارات العاليّة ، والفيلات الفخمة ، ولا عالم السيّارات الأنيقة ، ولا البضائع والسّلع المعروضة أمام الحوانيت والدّكاكين ، ولا الألبسة الفاخرة المعروضة في واجهات المحلاّت . وكأنّما خرجت اليوم لتتفحّص وجوه المارّة ، كمن يفتّش عن عزيز غاب عنه .
وما استفاقت الأمّ وابنتها ممّا هما فيه إلاّ على صوت السّائق وهو يقول : << ها نحن قد وصلنا >> .
فنزلتا من السيّارة ودفعت وفاء للسّائق أجرته وأجزلت له العطاء ، فشكرهما وودّعهما وواصل طريقه حتى وصل إلى نهاية الشّارع ،ثم انعطف يسارا بسيّارته وتوارى عن الأنظار .

تقدّمت وفاء وابنتها من الباب ، وهي تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى ، لما كانت تشعر به من هول هذا الموقف المحزن والرّهيب في آن واحد ، وقد أخذ منها التّأثّر مأخذا عظيما ، وراح قلبها ينبض بسرعة ، وأحسّت أنّ قدميها لا تقويان على حمل جسمها المنهار ، والذي راح يذوب ذوبان الشّمعة على الشّمعدان ،فوضعت يدها على الجدار محاولة الإرتكاز عليه ، فأحسّت ببرودة الجدار تدغدغ كفّها وتسري في كامل أوصالها ، لتنعش روحها وتخفّض من حرارة جسمها ، وودّت لولا الحياء أن تهجم على الجدار ممعنة فيه لثما وتقبيلا وكأنّه الحجر الأسود ولا عجب في ذلك فهي جدران منزل المحبوب ، وللمحبّين خرجات قد يراها غيرهم شركا وكفرا .وما أخرجها مما هي فيه إلاّ صوت ابنتها وهي تقول : << ما بك يا أماه بقيت واقفة هكذا .. هلا دققت الباب من فضلك ؟ >> .
بيد مضطربة وفكر مشتّت مدّت يدها صوب الباب ، ولكنّها تريّثت قليلا ، وكأنّها تحاول أن تجمع شتات نفسها المبعثرة ،ثمّ قالت وهي تنظر إلى الباب وكأنّها تخاطب إنسانا : << آه منك أيّها الباب الحديديّ ما أقساك ..ليتك تتذكّر ، فقد وقفت أمامك منذ أكثر من ثلاثة وعشرين سنة ، ومددت إليك بيدي بكلّ لطف ورفق آملة أن تنفتح لي على مصراعيك ، فتكون أوّل خطوة من خطواتي لدخول منزل المحبوب تبدأ انطلاقا من عتبتك ، ولكنّك قابلتني بالنّكران والجحود ،والنّفور والصّدود .. ليتك أيّتها الصّفيحة الحديديّة ذبت منذ أمد طويل ، ليتني ما وجدتك ..>> .قالت هذا ثمّ طرقت الباب وبقيت تنتظر .

فتح الباب وأطلّ منه سيف الدين بطلعته البهيّة ، ووجد نفسه يقف أمام فدوى وجها لوجه ، فتسمّر في مكانه ، وعقدت الدّهشة لسانه ، ونسي نفسه وأمّه ، كما نسي أمّ فدوى ووالده المريض ، والعالم أجمع من حوله وقال وقد تلعثم لسانه : << ف .. فد .. فدوى.. أحقا هذه أنت .. ؟ لازلت غير مصدّق لما أنظر وأرى .. ياألله أفي حلم أنا أم في يقظة ؟ >> .ومدّ يده وأمسك بمعصمها حتى يتحقّق من أنّه في يقظة وليس في حلم .
أما المسكينة فدوى فلا تسل عنها ، ولا عن قلبها المتيّم ، فقد تجمّدت في مكانها واهتزّت اهتزاز زهرة هبّت عليها نسائم الربيع وقت الأصيل ، وقد زادها تواجد أمّها معها حياء وحشمة ، فقالت وهي تحاول أن تخفي اضطرابها ،وقد ضغطت بيدها اليسرى على صدرها خشية أن تسمع أمها دقّات قلبها : << أهلا بك سيف الدين ، كيف أنت ؟ >> .

كلّ هذا كان يجري ووفاء صامتة ترقب الموقف بأعين متفحّصة وأذان صاغية ، وتلحظ تصرّفاتهما ، رغم محاولة ابنتها إخفاء مايجيش في نفسها ويختلج بين أضلعها ويلتهب من نيران الشّوق والمحبّة في فؤادها ، وحتى وإن أفلحت في إخفاء ما بداخلها ، فإنّها حتما ستفشل في أخفاء ما ارتسم على محيّاها ، من تورّد الوجنتين ، وبريق العينين ، وهيهات ،هيهات أن تعلّم القطّة والدتها الصيد والنّطّ . وأدركت أنّ ما يربط بينهما هو أكبر من أن يكون مجرّد صداقة ، فقد شعرت بهما يذوبان ذوبان الشّمعة على رخام المعبد . ولأول مرّة صحت وفاء من غفلتها ، وأزيحت تلك الغشاوة عن عينيها ، فها هي ذي ابنتها التي طالما نظرت إليها على أنّها لازالت طفلة في حقّ الرّعاية والحماية ،قد أصبحت امرأة تجاوز تفكيرها زمن الأرجوحة والدّمى . فتاة نمى جسمها ونضج عقلها واشتدّ عودها ، وصارت تربك بجمال منظرها ،وحسن منطقها العظماء وتخرس ألسنة الخطباء .

أرادت وفاء أن تشعرهما بوجودها ، فتنحنحت حتى تشدّ انتباههما إليها ثمّ قالت لسيف الدّين : << أرى يابنيّ أنّ خالتك ستمضي بقيّة يومها واقفة أمام باب منزلكم >> .
فما زاده قولها إلاّ ارتباكا وحياء لما قد صدر عنه حيالها من تجاهل ، وممّا أظهره أمامها من اندفاع اتجاه ابنتها وعلى مسمع منها ، وأراد أن يتدارك الأمر ، ولكنّه بدلا من أن يتوجّه بكلامه إلى الأم نظر إلى فدوى وهو لازال يمسك بمعصمها ، ويشير بيده الأخرى ناحية الباب وقال : << تفضّلي ياخالتي البيت بيتك >> .
فنفجرت فدوى ضاحكة ، بينما وضعت وفاء يدها على ثغرها محاولة إخفاء ابتسامة ، وتظاهرت بالنّظر إلى الجدار حتى لا تزيد من اضطرابه ، وإن كان الموقف لا يدعو إلى الضّحك ، ولكن كما يقال إنّ من الهمّ ما يضحك .

يتبع
................



amine50 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-09-2014, 02:42 PM   #9 (permalink)
Adnan0999
مشرف متميز سابقاً
 
الصورة الرمزية Adnan0999
 
الله يعطيك العافية على الموضوع ربي يسعدك
Adnan0999 غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب محمد رسول الله والذين معه كامل 20 جزء للاستاذ عبد الحميد جودة السحار salahmed7 تعرف على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم و اصحابه الكرام 17 01-06-2014 06:52 AM
اجابات منطقيه من الشباب للاستاذ (خخخخخخ) قلبى ليك قهوة عالم الرومانسية 24 06-18-2009 01:16 AM
امتحان طالـب يعشق الاغاني,,,شوفوا وش عمل للاستاذ دلعوك ياقلبي نكت جديده نكت مضحكة نكت خليجية عربية 9 06-04-2009 03:26 AM
عزوز يقص للاستاذ جبر حلما مخيفا... ياترى تقدر تفسره قلب شاهي ستار اكاديمي 1 2 3 4 5 6 7 8 Star Academy 13 05-12-2009 10:43 PM
حوار مع الملاحدة- للاستاذ الشيخ عبد المجيد الزنداني (حفظه الله) الطبيب البغدادي مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 1 11-02-2008 12:15 PM

الساعة الآن 01:07 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103