تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

][هذه مفاهيمنا][

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-26-2010, 01:38 AM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

][هذه مفاهيمنا][




][هذه مفاهيمنا][






][هذه مفاهيمنا][





====================

][هذه مفاهيمنا][

!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


هذه مفاهيمنا

تأليف الشيخ صالح آل الشيخ

نبذة



(هذه مفاهيمنا) كتاب كتبه/ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‏. ردًا على كتاب: ‏"‏مفاهيم يجب أن تصحح‏"‏ لمحمد بن علوي المالكي‏.‏ جاء الكتاب في عدة أبواب، تمحورت حول قضية مهمة من قضايا العقيدة هي قضية التوسل، هذه القضية التي أساء فهمها والكتابة فيها محمد بن علوي المالكي في كتابه: ‏"‏مفاهيم يجب أن تصحح‏"‏. وقد تتبع الشيخ ـ في رده ـ شبهات الكاتب وقام بتفنيدها، وأباطيله وقام بكشفها، وأهواءه وقام بالطعن فيها، والرد عليها.‏ بدأ الشيخ كتابه بتعريف الوسيلة، وقام بمناقشة الكاتب في تعريفه مناقشة علمية متأنية، وختم مؤلَفه بالرد على قول الكاتب: إن إطراء الرسول صلى الله عليه وسلم بغير جعله ولدًا لله أو أقنومًا، جائز!!.






















================



بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2010, 01:41 AM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
هذه مفاهيمنا
كتبه/ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ‏.‏
ردًا على كتاب ‏"‏مفاهيم يجب أن تصحح‏"‏ لمحمد بن علوي المالكي‏.‏




مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد‏:‏ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة‏.‏
وبعد‏:‏ فإن الفتن في هذا الزمان تتابعت، وتنوعت وتكاثرت، فمنها الفاتن للجوارج، ومنها الفاتن للقلوب، ومنها الفتان للعقول والفهوم، وقد خاض أناس في الفتن غير مبالين، وخاض أناس غير عالمين، وخاض فئام عالمين، وخاضت جماعات مقلدين‏.‏
حتى أصبح ذو القلب الحي ينكر من يراه وما يراه، فلا الوجوه بالوجوه التي يعرف، ولا الأعمال بالأعمال التي يعهد، ولا العقول بالعقول المستنيرة، ولا بالفهوم المنيرة‏.‏
فهو مخالط للناس بجسمه، مزايل لهم بعمله، يعيش في غربته بين جلدته، حتى يأذن الله بحلول الأجل فيلحق ـ إن عفا الله وغفر ـ بمن يفك غربته ويؤنس وحشته‏.‏
وإن من أعظم تلك الفتن وأشدها صرفًا عن الصراط المستقيم الفتنة عن تحقيق معنى الشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فكم من فاتنٍ عنها بعلم، وكم من مفتونٍ عنها بتقليد‏.‏
ولهذا الفتنة، عن تحقيق معنى الشهادتين صوركثيرة، جمع صورها هذا الزمان وأهله، وما اجتمعت في وقتٍ اجتماعها وتواردها في هذا الزمن، فما أقل الفقيه بها، المجاهد لها، على تنوعها وتشعبها، وظهورها وجلائها‏.‏
فطوائف من الناس إذا سئلوا عن معنى كلمة التوحيد ظنوا معناها لا خالق موجود إلا الله، وكأن أهل الجاهلية والعمى ممن بعثت إليهم الرسل يقولون بتعدد المبدعين الخالقين المدبرين، حتى تبعث لهم الرسل بلا إله إلا الله‏.‏
والشأن أن أولئك الجاهلين كانوا يُعَددون معبوديهم لا خالقهم، فأتت الرسل بلا إله إلا الله ومعناها ما قال نوح لقومه ‏ ‏{‏أن لا تعبدوا إلا الله‏}‏ بالمطابقة‏.‏
والعبادة‏:‏ هي الذل والخضوع والاستكانة في لغة العرب، وسميت العبادات بذلك لأنها تُفْعَل مع الذل والخضوع والاستكانة، وتورثُ الخضوع لرب العالمين في المآل، لأمره ونهيه، والأنسَ به والذل بين يديه والانكسار‏.‏
هذا ما تعلمه العرب من كلامها، فلفهمِهم المعنى أبوا أن يخضعوا لـ ‏"‏لا إله إلا الله‏"‏ ولو بنطقِ كلمة‏.‏
وإذا تدبرت أحوال بعض الناس اليوم وجدت ذلهم وخضوعهم عند القبور وأبنيتها، وتحت قباَبِها وفي المسير إليها أعظم من خضعانهم وانكسارهم إذا كانوا في مسجدٍ لله ليس فيه قبر، ولا قُبَّة‏.‏
وعند القبور تلك من نواقض معنى إفراد الله بالعبادة شيء لا تحصر صوره فمن طائف بالقبر سبعًا، ومن قائل‏:‏ يا ولي الله اشفِ مريضي، وأزلِ الدينَ عني، ومن قائل‏:‏ أنا في حَسْبك ووقايتك ادفعِ الآفات عني‏.‏ يعتقدون في المقبور أن له تصرفًا في الكون بتفويض الله له التصرف، فمنهم من أُعطيَ بلدًا يرزقُ من يشاء ويدفع عمن يشاء، ومنهم من أعطي قُطرًا، ومنهم من فُوَّضَ له ربعُ العالم، ومنهم من فُوَّض له أمرُ الأرض كلها، وهو المسمى بالغوثِ، هكذا يزعمُ عبادُ القبور‏.‏
وهؤلاء في ذلك كمن اعتقد تفويض الله أمرَ العالم للكواكبِ السبعة‏.‏
ومنهم من أبى عقلُه أن يشرك في التصرف، كما فعله أولئك، ولكنه سار مع طائفةٍ أخرى في ما سماه أبو البقاء الكفويُّ في ‏"‏الكليات‏"‏ شرك تقريبٍ، وهو سائقٌ لشركِ التصرف‏.‏
فادعى مع المدَّعين، وخاض مع الخائضين، وطلب من الأموات المقبورين أن يشفعوا له في غُفْران ذنبه، أو سَعَةِ رزقه، أو رفع كربته، أو شفاء مريضه، يدعون الوسائط أن تتوسط لهم عند الله فتشفع بحاجاتهم‏.‏
وكأن الله ـ جل وعلا ـ قد أغلق أبوابه دون حاجاتهم ودعواتهم، وكأنه في ملزمِ فعلِهم لا يعطي ولا يمتع إلا بتوسطِ وسيطٍ، وفي هذا من التنقص ما فيه‏.‏
وتجدهم يتحببون لهذا المقبور بأنواع القُرب‏:‏ فمن مهريقٍ الدمَ باسمه، ومن ناذرٍ له، ومن طائفٍ حول قبره يتقرب بالسعي والطواف لنيل شفاعته‏.‏
فهذان النوعان من الشرك الأكبر قد فَشَيا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد أشرتُ أثناء هذه الورقاتِ إلى أن أول من أحدث الشرك الأكبر في المسلمين من هذه الأمة هم الباطنيون وعلى رأسهم ‏"‏إخوانُ الصفا‏"‏ وتولى كبر ذلك الدولة العبيدية‏.‏
وكثر انخداعُ الناسِ وخاصة الجهال بها، ووجد أناسُ آخرون في ذلك نعم المصدرُ لاكتساب معايشهم، وراج ذلك أكثر ما راج في الصوفية لكثرة المتعبدين بجهلٍ فيهم، فصاروا لُعْبةً وسلوى لأولئك، يتحكمون فيهم، لأجل الدنيا‏.‏
ثم شاع بعد القرن الخامس ذاك في الناس وكثر، فعَمَّ وطَمَّ وقَلَّ أن سَلِمَ منه بلدٌ، وفي كل قرن يعيش أولياء وكل من مات قُبَّبَ على قبره، واتُّخِذَ مزارًا، يستشفعُ به، ويسأل ويدعى‏.‏
فكثرت القبور، وكثرت العطايا للقبور، فكثر السدنةُ والمنتفعون، والمالُ فتنة، والجاه فتنة، والسيادة فتنة‏.‏
وأحبَّ من لم يتبع التوحيد أن يعظمَه الناسُ في حياته، فمن مقبلٍ للأيدي والأرجل، ومن متمسحٍ بالثياب خاضعٍ بالقول، والقلب والجوارح‏.‏
وقد رأيت مرة رجلًا يُظَنُّ عالمًا في المطافِ حول البيت العتيق وهو يدور مقهقهًا مع رفيقٍ له، ومن الناس من تمسح به وقَبَّلَ يده‏!‏ أي حالٍ تلك، وأي قلوبٍ هاتيك القلوبُ التي تقهقه حول الكعبة المشرفة، ثم هم أولياءُ في زعمهم‏.‏
ووصفُ أحوال المنتسبين للإسلام اليوم يطولُ، ولكن الإيماءَ كافٍ، فالإطالةُ تضني، وقد جادلت يومًا ببلدٍ إفريقي أحد المفتونين من كبار العلماء المُحَبَّذين لعبادة القبور والسدنةِ حولها في حالهم، ومعنى العبادة، ومفهوم الشهادتين، فقال‏:‏ أنا أعلم أنكم على الحق ولكن ‏(‏سيب‏)‏ الناس تعيش‏!‏
إن هذا هو الواقع فالمسألةُ ليست نصرةً للحق بدلائله، ولكنها سيادةٌ وجاهٌ وسمعةٌ وأموالٌ ثم يبحث لتثبيتِ هذا المقرر سلفًا في الدلائل الشرعية وإن كانت أحاديث مكذوبة، وفي الدلائل العقلية وإن كانت أوهى من خيوط العناكب‏.‏
وإن المحافظة على المجد والسيادة مما يحرص عليها ناصروا المذاهب البدعية، يورثونها أولادهم لحبهم أن يدعوا الورثة أغنياء‏!‏ وإذا هلك صُيَّر مدفنه ضريحًا إن استطيعَ وتوجَّه قلوبُ الناس إليه، فيزداد الخليفةُ جاهًا وطاعةً ومالًا‏.‏
وفي كل صِقْعٍ من الأرض وُجِدَ فيه عبادُ القبور تجد فيه غالبًا طائفةً على هدي النبي محمدٍ ‏ سائرة لا يخدعهم تسيُّدٌ، ولا تؤثرُ فيهم شبهةٌ، وأولئك غرباء في كثير من البلاد يدلون الناس على السنة، ويهدونهم إلى التوحيد، وصَرْفِ القلوب إلى الله، وتعظيمه وإجلاله، والهيبة والخوف منه، ورجاءِ ما عنده ، يعلقون القلوب بخالفهم وحده، لا بأحدٍ من الخلق، فلا يحبون إلا لله، ولا يبغضون إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، همهم دعوة الناس إلى توحيد ربهم في الأعمال‏:‏ أعمال القلوب وأعمال الجوارح‏.‏
يسمون أنفسهم أتباع السلف الصالح، وأكْرِمْ به من اتباع مقابلةً باتباع غيرهم للخلف الطالح، وأسْفِلْ به من اتباع‏.‏
ويسميهم أعداؤهم‏:‏ الوهابية أو المتطرفة، ويسعى أعداؤهم في نشر الكتب الناقضة دعوة الشيخ المصلح محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ردًا عليهم، وعلى أتباع الدعوة السلفية الخالصة‏.‏
وتتخذ هذه الردود أشكالًا تتناسبُ البلدَ المنشور فيه الرد، فبينما يُصَرَّحُ بذلك في بلدٍ، يُسَرُّ به في بلدٍ ويأتي تلويحًا لا تصريحًا‏.‏
والحملةُ واحدة، والطريق قديمة سابلةٌ، ولها وُرَّادٌ، ودعاةٌ على جنباتها، اذا صَرَخَ داعٍ تجاوبَ الجميعُ بالصَرُّاخ‏.‏
والطريقُ ليست علميةً كما قد يُظَن، ولكنها سبيلٌ غايتُها التمكين لدعاة الباطلِ في أرضِهم، وأرضِ غيرهم‏.‏
ومن تلك الردود على الدعوة الإصلاحية كتابٌ سماه كاتبهُ‏:‏ ‏"‏مفاهيم يجب أن تصحح‏"‏ طبع بمصر سنة 1405هـ ثم طبع بالتصوير ‏"‏الأفست‏"‏ في المملكة العربية السعودية بأعداد كبيرة، ووُزَّع سرًا وعَلَنًا في كثير من أرجاء البلاد، وفي الحرمين وما جوارها أكثر‏.‏
وفي هذا الكتاب‏"‏مفاهيم يجب أن تصحح‏"‏ تجويزُ كاتبه ـ وتحبيذُه حينًا ـ سؤال النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ ‏ الشفاعةَ في قبره، وسؤاله التوسط، وتجويزه ودعوته لطلب الغوث منه ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ فالاستغاثة به منجاة عنده، وطلبُ شفاعتهِ مشروعٌ عنده بعد موته، وسؤاله الاعانة ونحو ذلك، وطرد هذا في الصالحين ونحوهم‏.‏
بل زاد بأن قول القائل‏:‏ يا رسول الله أريدُ أن تردَّ عيني، أو يزولَ عنا البلاءُ، أو أن يذهبَ مرضي‏:‏ من الجائزاتِ، التي لا عَتْبَ على قائلها، كما ذكره في ‏(‏ص98‏)‏ من كتابه‏.‏
وفي كتابه من التدليل لشبهة المتهافتةِ بالأحاديث الموضوعة، والواهية، والمنكرة، والباطلة والضعيفة جدًا، والضعيفة شيءٌ كثير، وكثير منها يَسْتَدِلُّ به بتعسفٍ مع وهاء الدليل وضعفه‏.‏
والقوم لهم وَلَعٌ بالمكذوبات الواهيات، وإعراض عن الصحاح العاليات الغاليات‏.‏
وليس هذا جديدًا، بل شأنُ كل من نهج غير سبيل السلف وأتباعهم حبُّ البدع، وإغلاؤها، حتى صار وضعُ الحديث عند طائفةٍ من أولئك والكذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ سهلًا خفيفًا‏.‏
ومنهم من يضع الحديث ويفتري على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ عالمًا، ومنهم من يكون جاهلًا، وهاك مثالًا لهؤلاء وأولئك تُبْصِرْ به ما وراء ذلك‏.‏
جاء في كتاب ‏"‏الدرر السنية في الرد على الوهابية‏"‏ لأحمد بن زيني دحلان ‏(‏ص55‏)‏ ‏[‏ومن كذب على النبي ‏ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ ‏ فكذبه على غيره ممن سار على نهجه واقتفى سنته أولى، فقد افترى هذا الرجل على الشيخ محمد بن عبد الوهاب افتراءات‏:‏ منها قوله‏:‏ ‏(‏والظاهر من حال محمد بن عبد الوهاب أنه يدعي النبوة‏)‏ اهـ ‏(‏ص50‏)‏، ومنها قوله‏ (‏54‏)‏‏:‏ ‏(‏وكان ابن عبد الوهاب يأمر أيضًا بحلق رؤوس النساء اللاتي يتبعنه‏)‏ اهـ، والافتراءات كُثُر‏]‏ ‏:‏ ‏(‏ذكر العلامة السيد علوي بن أحمد بن حسن بن القطب السيد عبد الله الحداد باعلوي في كتابه الذي ألفه في الرد على ابن عبد الوهاب المسمى ‏"‏جلاء الظلام في الرد على النجدي الذي أضل العوام‏"‏ وهو كتاب جليل ذكر فيه جملة من الأحاديث‏.‏
منها حديث مروي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عم النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ أسنده إلى النبي ‏ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ ‏ قال فيه ‏"‏سيخرج في ثاني عشر قرنًا في وادي بني حنيفة رجل كهيئة الثور، لا يزال يلعق براطمه، يكثر في زمانه الهرج والمرج، يستحلون أموال المسلمين ويتخذونها بينهم متجرًا، ويستحلون دماء المسلمين ويتخذونها بينهم مفخرًا، وهي فتنة يعتز فيها الأرذلون والسفل تتجارى بينهم الأهواء كما تتجارى الكلب بصاحبه‏"‏‏.‏
قال‏:‏ ولهذا الحديث شواهد تقوي معناه، وإن لم يعرف من خرجه‏‏ انتهى‏.‏
فهذا من وضع الرجل المذكور أو شبهه، يكذب على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ عيانًا أمام الخلق، فيالها من قلوبٍ تلك التي تتجرؤ على ذلك، ويالها من قلوبٍ تلك التي تحبُّ أولئك‏.‏
يكذبون على النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ويدعون محبةَ النبي‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏‏.‏
فهل يجتمعان في قلبٍ كلا والله، إلا في قلب مبتدع مأفون كاذب‏.‏
ومن العجب أنه قال ‏(‏لم يعرف من خرجه‏)‏ ولو أسنده إلى كتاب معدوم مفقودٍ لراج كذبُه أكثر على الجهال، لا على العلماء الذين يعرفون نورَ كلامِ النبوة‏.‏
ومن الصنف الثاني الذين كذبوا على جهل ما جاء في ‏"‏الرد المحكم المنيع‏"‏ ‏(‏ص17‏)‏ قال‏:‏ ‏(‏المعلوم لطلبة العلم، والعامة، فكيف للعلماء قوله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏‏:‏ ‏(‏الناس مؤتمنون على أنسابهم‏)‏ اهـ والمعروف عند العلماء بل طلاب العلم بل صغار طلبة العلم أن جملة ‏(‏الناس مؤتمنون على أنسابهم‏)‏ من قول الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى‏.‏
وكل من أحب البدع هَجَرَ السننَ، وكل من زين البدعة فسينقص من معرفته بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقدر ذلك، ومن تأمل ذلك في الخلق عَلِمَه‏.‏
وكتابُ ‏"‏مفاهيم يجب أن تصحح‏"‏ مَجْلَبٌ لما تفرق من شُبَه الذين عارضوا دعوةَ الشيخِ محمدِ بن عبد الوهاب، فهو يتابعُهم حتى في أوهامهم، وفي عَزْوِهم، وفي فِكْرِهم، حتى إنه لم يتكلفْ عناء توثيقِ أقوالهم، أو تعنَّى فوجدَ خلاف ما كتبوا، فأثبته كما أرادوا‏.‏
ولما كان هذا الكتابُ يعبر فيه كاتبهُ عن رأيه، وفيه من الشطاطِ عن فهم التوحيد ما فيه، ومن عدم الفهمِ لدعوة الشيخ ما فيه، ومن الخوض في الدفاع عن الداعين أصحاب القبور من الأنبياء والصالحين، وفي تجويز ما قال الفقهاء في باب ‏"‏الردة‏"‏ إنه كفرٌ بالإجماع، ولما لكاتبه من تَبَعٍ ومريدين استعنتُ اللهَ في كشفِ ذلك، وبيان الحق فيه، وبيان أن ما جوزَه الكاتبُ في ‏"‏مفاهيمه‏"‏ من الشرك الذي بُعِثَ الرسلُ جميعًا وآخرهم محمدُ بنُ عبد الله ‏ لقمعه‏.‏
والشركُ في الإلهيةِ له صورٌ يزينها الشيطانُ للواقعين فيه، وهو شَغِفٌ لهَفٌ على أن يخوضوا فيما نهاهم الله عنه، ويُقْنعهم بأنهم لم يخوضوا فيما نهى الله عنه‏.‏
فله طرقٌ وسبلٌ، وعلى كل سبيل زينةٌ وبهجةٌ يخدعُ بها الناسَ‏.‏
والمنكرُ واجب الإزالةِ بحسب المراتب التي جاءت في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه‏.‏
فعسى أن يأذنَ الله لهذه الورقات بالقبول عنده، وأن يُنْتَفَعَ بها، فإن المُنْيَةَ الإنتفاعُ بها، وليس وراء القبول مُبْتَغَىَ، ولا سواه مُرْتَجى‏.‏
وسميتُ هذا الردَّ ‏"‏الورقات الكاسرة للمفاهيم الخاسرة‏"‏‏.‏
ولما أطلعتُ على هذا الكتاب سماحةَ والدي ومن له بعد اللهِ الفضلُ علَّي نصر المولى به الحق، وجزاه الله أحسنَ الجزاء، ورفع درجتَه، وأمْتَعَ به، أشار بتسميته ‏"‏هذه مفاهيمنا‏"‏، وإشارته أمرٌ، وطاعَتُه غُنْمٌ، فسميتهُ بما سماه به طرحًا لما أرى عند ما يَرَى، ورَفْعًا لرأيِه، واتهامًا لقولي عند مقاله‏.‏
وكتبته مقطعًا ‏[‏ورددت به على الباب الأول من كتابه، وفصلًا من الثاني، لأني رأيت أن أصول أقواله في هذين، وفي الكتاب أغلاط كثيرة سيما في الحديث، وأغلاط في الاستدلال، فتركت الكلام على ذلك، واقتصرت على رد الشركيات ووسائلها، وما بين به منهج المؤلف في مفاهيمه، والبصير ينظر بعين ما ذكر إلى ما طوى‏]‏، والقلب مشتَّتُ الشواغلِ، في كل وادٍ منه مُزْعَة، والهمومُ لتدني الأحوال مترادفة، والفتنُ الطاغية صادةٌ عن صفاء المقال، وإحكام الأقوال، والأنيس قليلٌ، بل عزيز، فاللهم إن مفزعَنَا إليك لا إلى غيرك، فثبت أقدامنا على الحق، وبَصَّرْنا بأنفسنا، ولا تجعل من عملنا لأحدٍ سواك شيئًا، ونعوذ بك أن نشركَ بك على علم، ونستغفرك مما لا نعلم، فإنَّ صفتنا التقصير، وصفة الرب العفو والغفران، فاغفر اللهم جَمًَّا، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ رَبَّ العالمين‏.‏
كتبه/ صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ‏.‏
يوم الخميس13/5/1406هـ‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2010, 01:49 AM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الباب الأول
وفيه مباحث
1ـ معنى الوسيلة‏.‏
2ـ تخريج الآثار والأخبار التي استدل بها كاتب ‏"‏المفاهيم‏"‏‏.‏
3ـ رد استدلالات الكاتب بما ساقه من آثار‏.‏
قال ‏(‏ص45‏)‏‏:‏
‏(‏الوسيلة‏:‏ كل ما جعله الله سببا في الزلفى عنده، ووصلة إلى قضاء الحوائج منه‏.‏ والمدار فيها على أن يكون للوسيلة قدر وحرمة عند المتوسل إليه‏)‏ ا هـ‏.‏
أقول‏:‏ كلامه حوى جملتين الأولى من الحق، والثانية فيها إجمال به يتوصل إلى ما نهى الله عنه، ولم يجعله وسيلة‏.‏
فقول‏:‏ ‏(‏والمدار فيها‏.‏‏.‏ إلخ‏)‏‏!‏ مجمل يمكن تفسيره على أحد وجهين‏:‏
الأول‏:‏ أن يدخل في ذلك ذوات الأنبياء والصالحين باعتبار أن لهم من المنزلة والزلفى عند الله ما يجل عن الوصف‏.‏
فإن كان هذا معنيا، فالله سبحانه وتعالى لم يجعل ذوات الأنبياء والصالحين أو جاههم أو حرمتهم وسيلة إليه ولا سببا للزلفى لديه‏.‏ وإنما جعل الوسيلة إليه هو اتباعهم وتصديق ما أخبروا به، وأتباع النور الذي جاءوا به، والجهاد من أجل تقريره وتثبيته بين الخلق، فهذا من الوسائل المشروعة التي يشرع للداعي بمسألة أن يقدمها بين يدي مسألته، ولا يصح للداعي دعاء عبادة دعاؤه إلا باتباعهم وتصديقهم‏.‏
فهذا من الوسائل المشروعة التي أمر الله بها، وشرعها‏.‏
وأما الأنبياء والصالحون فليس من المشروع التوسل بذواتهم ولا جاههم ولا حرمتهم كما سيأتي بيانه‏.‏
وإنما يشرع التوسل بدعائهم في حياتهم كما كان يفعله المسلمون زمنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبعده من طلب الدعاء في الاستسقاء وغيره‏.‏
وأما بعد مماتهم فليس التوسل بدعائهم ولا ذواتهم مشروعا بإجماع القرون المفضلة‏.‏
الثاني‏:‏ أن تكون الوسائل من الأعمال ونحوها مشروعة، لم تتبع فيها سبل المبتدعة، وإنما اتبع فيها السنة، وهذا حق‏.‏
والكاتب أجمل ليدخل الوسيلة المبتدعة في خلل كلمات الحق، وقد بينا ما فيها، وما كان ينبغي له ذلك وهو يفسر آية من كتاب الله‏.‏
وفي الوسيلة قولان ذكرهما أهل التفسير، وقربهما ابن الجوزي في ‏"‏زاد المسير‏"‏ ‏(‏2/348‏)‏ قال‏:‏ ‏(‏أحدهما‏:‏ أنه القربة، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد والفراء‏.‏ وقال قتادة‏:‏ تقربوا إليه بما يرضيه‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ يقال‏:‏ توسلت إليه، أي‏:‏ تقربت إليه‏.‏ وأنشد‏:‏
إذا غفل الواشون غدنا لوصلنا ** وعاد التصافي بيننا والوسائل
الثاني‏:‏ المحبة، يقول‏:‏ تحببوا إلى الله‏.‏ هذا قول ابن زيد‏)‏ اهـ‏.‏
وفي أسئلة نافع بن الأزرق لابن عباس‏:‏ أخبرني عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 35‏]‏، قال‏:‏ الوسيلة الحاجة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت عنترة وهو يقول‏:‏
إن الرجال لهم إليك وسيلة ** أن يأخذوك تكحلي وتخضبي
وفي المادة شواهد غير ما ذكر‏.‏
فالوسيلة‏:‏ التقرب إلى الله بأنواع القرب والطاعات، وأعلاها إخلاص الدين له، والتقرب إليه بمحبته ومحبة رسوله ومحبة دينه ومحبة من شرع حبه، بهذا يجمع ما قاله السلف، وقولهم من اختلاف التنوع‏.‏
وتأمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ‏}‏ [‏المائدة‏:‏ 35‏]، ففي تقديم الجار والمجرور ‏{‏إليه‏}‏ إفادة اختصاص الوسائل بالله، لا يشركه معه فيها أحد‏.‏ كما في ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ [‏الفاتحة‏:‏ 5‏]‏‏.‏ قال العلامة الشنقيطي ـ رحمه الله ـ في‏"‏تفسيره‏"‏ ‏(‏2/98‏)‏‏:‏ ‏(‏التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة على وفق ما جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتفسير ابن عباس داخل في هذا، لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته‏.‏
وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال، المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه أنه تخبط في الجهل والعمى، وضلال مبين، وتلاعب بكتاب الله تعالى‏.‏ واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار كما صرح به تعالى في قوله عنهم‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏ [‏الزمر‏:‏ 3‏]، وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ [‏يونس‏:‏ 18‏].‏ فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريقة الموصلة إلى رضا الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل ‏{‏لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ‏}‏ [‏النساء‏:‏ 123‏]‏‏ انتهى كلامه‏.‏
قال الكاتب ‏(‏ص43‏)‏‏:‏
‏(‏إن التوسل ليس أمرا لازمًا أو ضروريًا، وليست الإجابة متوقفة عليه، بل الأصل دعاء الله تعالى مطلقا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 186‏] ‏ انتهى‏.‏ أقول‏:‏ إذا كان الأصل هو دعاء الله تعالى بلا واسطة، فلم العدول عن الأصل إلى غيره، ولا يخفى أن غير الأصل لا يتمسك به إلا من عدم الأصل، والله جل جلاله حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، يحب أن يدعوه عبده، وأن يرجوه، وأن يخافه، وأن يتوسل إليه بأسمائه وصفاته‏.‏
فإذا كان هذا لا ينقطع عن مسلم في أي بقعة كان وهو الأصل الأصيل، فَلِم العدول عنه، والتنكب له‏؟‏‏!‏ أ فتعدل إلى طريق هي أهدى‏؟‏‏!‏‏.‏
تقولُ‏:‏ إن التوسل الذي ننكره وهو التوسل بالذوات وعمل غير الداعي ونحوها، ليس الأصل، بل الأصل‏.‏ معكم وأنتم حقيقون بالأصل‏.‏ تقر لنا بالهداية والاتباع، وترغب في مخالفة الأصل دون دليلٍ صحيح‏!‏
أما في الأصل لك كفاية‏؟‏‏!‏ أما في دعاء الله وحده بلا واسطة لك مقنع‏؟‏‏!‏ إذا كان الحي القيوم الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، يحب أن يدعوه عبده كل حين‏:‏ دعاء عبادة أو دعاء مسألة، وهو الذي يقول‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب‏}‏ [‏البقرة‏:‏ 186‏] إذا كان كذلك فلم العدول إلى الأموات تتوسل بذواتهم أو جاههم أو حرمتهم وغيرها من الألفاظ البدعية‏؟‏‏!‏
لِمَ لا يُعلَّم المسلمون دعاء الله وحده، فتخلص قلوبهم من الالتفات إلى غيره في دفع كربة أو رفع بلاء، أو جلب نفع‏؟‏ علموهم هذا ولا تعلقوا قلوبهم بغير الله فيتخذوهم أندادًا، فيذهب ذكرهم لربهم وحده، وحبهم له وحده، إذ نفعهم معلق في أذهانهم بوسائط ‏.‏
إن من انفتح عليهم باب البدعة في التوسل ألقى بهم ولو بعد حين إلى دائرة الإشراك، إذ هو طريقه وسبيله ومنه يتدرج إلى دعاء الأموات أنفسهم أو سؤالهم الشفاعة، أو الإغاثة، أو الإعانة‏.‏
وكل هذه صرح كاتب المفاهيم بتجويزها في مواضع من كتابه، كما سيأتي في مباحث الشفاعة‏.‏ وكل ذلك من سيئات ترك الأصول المتفق عليها، واتباع المتشابهات المنهي عنها‏.‏
قال الكاتب ‏(‏ص44‏)‏‏:‏
‏(‏ونحن نرى أن الخلاف شكلي، وليس بجوهري، لأن التوسل بالذوات يرجع في الحقيقة إلى توسل الإنسان بعمله، وهو المتفق على جوازه‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ هذا خطل من القول، ومخادعة للنفس ظاهرة، إذ المتوسلون بالذوات يعلمون بُعد هذا التبرير والتأويل، وأن الخلاف جوهري لا صوري، وبرهان ذلك فساد الدليل الذي ادعيتموه، وهو راجع إلى المجاز العقلي، والكلام فيه سيأتي مفصلًا، ثم هل عمل الذات المتوسَّل بها عمل للمتوسِّل المتفق على جوازه‏؟‏
ولكنى أقول هنا على سبيل المجاراة والمناظرة‏:‏ هب أن الخلاف شكلي‏.‏ أفلا يجب عليكم ترك الألفاظ الموهمة لأمور غير شرعية‏؟‏ فإن القائل‏:‏ أتوسل بفلان، دالٌ ظاهر لفظه على التوسل بالذات المجردة عن الجامع بين الذاتين، ولا قرينة لفظية ولا غير لفظية متصلة ولا غير متصلة تصرفه عن هذا الظاهر‏.‏
والقرينة المدعاة قلبية خفية، والحكم على ما في قلوب الناس فرع الاطلاع عليها، ولا سبيل إلى ذلك‏.‏
ومن المتقرر أن الشريعة المطهرة جاءت بترك الألفاظ الموهمة لما ينهى عنه شرعأ، كما قال تعالى‏:‏
{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 104‏]‏.‏ فقد كانت يهود تستعمل ‏(‏راعنا‏)‏ للسب، والمسلمون حين قالوها لا يشركونهم في ما عقدت قلوبهم عليه من تفسير اللفظ، ومن اليقين أن الصحابة لم يقولوا اللفظ وهم يعنون المعنى الفاسد، فهذه من أقوى القرائن القلبية‏.‏ ومع هذا نهوا عن ذلك‏.‏
قال القرطبي في ‏"‏تفسيره ‏"‏ ‏(‏2/57‏)‏‏:‏ ‏(‏في هذه الآية دليلان‏:‏ أحدهما‏:‏ على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض‏.‏
الدليل الثاني‏:‏ التمسك بسد الذرائع وحمايتها‏)‏ انتهى‏.‏
وقال الجصاص في ‏"‏أحكام القرآن‏"‏ ‏(‏1/58‏)‏‏:‏ ‏(‏وقوله‏:‏ ‏{‏رَاعِنَا‏}‏ وان كان يحتمل المراعاة والانتظار، فإنه لما احتمل الهزء على النحو الذي كانت اليهود تطلقه نهوا عن إطلاقه، لما فيه من احتمال المعنى المحظور إطلاقه، ومثله موجود في اللغة‏)‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏وهذا يدل على أن كل لفظ احتمل الخير والشر فغير جائز إطلاقه حتى يقيد بما يفيد الخير‏)‏ انتهى كلام الجصاص‏.‏
فتأمل كيف أن الصحابة استعملوا هذا اللفظ وهم أبعد الناس عن إرادة معنى الهزء والتنقص، فنهاهم الله تعالى عن ذلك اللفظ لما فيه من الاشتراك، ولم يكف في تجويز استعماله ما قام بقلوبهم و نياتهم من المعنى الخير الصحيح‏.‏ وهذا جلي لمن تجرد‏!‏
قال ‏(‏ص44‏)‏‏:‏
‏(‏ومحل الخلاف في مسألة التوسل هو التوسل بغير عمل المتوسل، كالتوسل بالذوات والأشخاص‏.‏ بأن يقول اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أتوسل إليك بأبي بكر الصديق أو بعمر بن الخطاب أو بعثمان أو بعلي رضي الله عنهم‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ الواجب عند الاختلاف الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفهم أصحابه الكرام رضى الله عنهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 115‏].‏ ومسألة التوسل بالذوات، وكذا التوسل بأعمال من انقضى سعيهم، لا خلاف عند السلف من الصحابة والتابعين أنها ليست من الدين، ولا هي سائغة في الدعاء‏.‏ وبرهان ذلك أنه لم ينقل عن واحد منهم بنقل صحيح مصدق أنه توسل بأحد الخلفاء الأربعة أو العشرة أو البدريين‏.‏ والعمل على وفق ما فهموه هو المنجي كما فضل في ‏"‏السلف والسلفية، من هذا الكتاب، ومن ابتغى نهجا جديدا فهو الخَلَفي، وليس له حظ منهم‏.‏
إذا تقرر هذا، فالتوسل بالذوات ونحو ذلك ممنوع لأوجه‏:‏
الأول‏:‏ أنه بدعة لم تكن معروفة عند الصحابة والتابعين، وكل بدعة ضلالة، وليس على الله أكرم من الدعاء، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏الدعاء هو العبادة‏)‏ أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد صحيح عن النعمان بن بشير‏.‏
فإذا كان عبادة بل هو العبادة فإحداث أمر في العبادة مردود باتفاق العلماء‏.‏
الثاني‏:‏ أن قول القائل‏:‏ أتوسل بأبي بكر وعمر‏.‏‏.‏‏.‏ خطأ محض، جره إليه سقم فهمه، وكثافة ذهنه، واعتقاده أن كل شيء توسل به يكون وسيلة، وهذا غلط‏.‏
فمن قال أتوسل بأبي بكر مثلًا فقد جمع بين ذاتين لا وسيلة ولا طريق توصل وتجمع أحدهما بالآخر، فكأنما هذا القائل قد لفظ لفظًا لا معنى له، بمنزلة من سرد الأحرف الهجائية، إذ لا اتصال بين ذات المتوسَّل والمتوسَّل به حتى يجمع بينهما‏.‏
فلا بد من جامع يتوسل به، وهو حب الصحابة مثلا، وهو من عمل المتوسل، فإذا قال‏:‏ أتوسل إليك رب بحبي لأبي بكر، أو بحبي لعمر، أو بحبي لصحابة نبيك كان هذا حسنًا مشروعًا‏.‏
وكذا إن قال‏:‏ أتوسل إليك بتوقيري وتعزيري وحبي واتباعي لنبيك نبي الرحمة كان هذا من الوسائل النافعة‏.‏
فلازمٌ ذكر الإيمان أو العمل الصالح الذي يصل بين ذاتين لا يجمع بينهما إلا بجامع‏.‏
كما حكى الله عن عباده المؤمنين قولهم‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 53‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 193‏]، والآيات في هذا الباب كثرة‏.‏
فإذا كان خيرةُ الخلق الأنبياء والرسل واتباعهم وحواريوهم لم يحيلوا على ما في قلوبهم بل قالوا بلسانهم ما حواه جنانهم، وهم الذين لا يشك بما في قلوبهم أفلا يكون الخلوف الذين جاؤوا من بعدهم أولى وأحرى أن يفصحوا وأن يظهروا، وأن لا يتحيلوا لفاسد قولهم بالمجاز العقلي‏؟‏‏!‏
الثالث‏:‏ أن الصحابة فهموا من التوسل التوسل بالدعاء لا بالذوات، فعمر بن الخطاب رضى الله عنه توسل بدعاء العباس عم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعاوية بن أبي سفيان توسل بدعاء يزيد بن الأسود‏.‏
ولو كان التوسل بالذوات جائزا عندهم لأغناهم عن تكلف غيره، ولتوسلوا بذات أكرم الخلق وأفضل البشر وأعظمهم عند الله قدرا ومنزلة، فعدلوا عن ذات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الموجودة في القبر، إلى الأحياء ممن هم دونه منزلة ورتبة‏.‏ فعلم أن المشروع ما فعلوه، لا ما تركوه‏.‏
قال الشهاب الألوسي في ‏"‏روح المعاني‏"‏ ‏(‏6/113‏)‏ في الكلام على عدول الصحابة‏:‏ ‏(‏وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس وهم يجدون أدنى مساغ لذلك‏.‏
فعدولهم مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبحقوق الله تعالى، ورسوله عليه الصلاة والسلام، وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة، يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق‏:‏ دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره‏)‏ انتهى‏.‏
الرابع‏:‏ أن يقال تنزلا‏:‏ لا يخلو التوسل بالذوات أن يكون أفضل من التوسل بأسماء الله وصفاته، والأعمال الصالحة أو لا‏.‏ فإن قيل التوسل بالذوات أفضل فهو قول كفري باطل‏.‏
وإن كان التوسل بأسماء الله وصفاته وبالأعمال الصالحة أفضل فلم ينافح عن المفضول، وتترك نصرة الفاضل وتأييده ونشره وتعليمه للناس‏؟‏‏!‏
قال كاتب المفاهيم ‏(‏ص46‏)‏‏:‏
‏(‏وقد جاء في الحديث أن آدم توسل بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏قال الحاكم في المستدرك‏:‏ حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل حدثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي حدثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري حدثنا إسماعيل بن مسلمة أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أعن أبيه، عن جده عن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏لما اقترف آدم الخطيئة قال‏:‏ يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي‏.‏‏.‏‏.‏ ‏)‏ الحديث‏.‏ أخرجه الحاكم في ‏"‏المستدرك‏"‏ وصححه ‏(‏ج2 ص651‏)‏ ورواه الحافظ السيوطي في ‏"‏الخصائص النبوية‏"‏ وصححه‏.‏ ورواه البيهقي في ‏"‏دلائل النبوة‏"‏، وهو لا يروي الموضوعات، كما صرح بذلك في مقدمة كتابه‏.‏ وصححه أيضا القسطلاني، والزرقاني في ‏"‏المواهب اللدنية‏"‏ ‏(‏2/62‏)‏، والسبكي في ‏"‏شفاء السقام‏"‏‏.‏
قال الحافظ الهيثمي‏:‏ رواه الطبراني في ‏"‏الأوسط ‏"‏وفيه من لم أعرفهم‏.‏ ‏"‏مجمع الزوائد‏"‏، ‏(‏8/253‏)‏‏)‏
اهـ كلام الكاتب‏.‏
أقول‏:‏ هذه الأسطر حوت أغلاطًا، واستغفالًا، وتحريفًا، مما سأبينه إن شاء الله‏.‏ وما كنت أظن أن يتجاهل الجاني على نفسه، المعجب بعلمه، علماء زمانه، ومن انتسب للعلم من أتباعه حتى يكتب ما كتب على هذا الحديث وما بعده من الأحاديث‏.‏
ولي مع الكاتب هنا وقفات ثلاث‏:‏
الأولى‏:‏ في ما كتبه، وفي عزوه الحديث لمن خرجه‏.‏
الثانية‏:‏ في الكلام على رواية الحديث‏.‏
الثالثة‏:‏ في النظر في متن الحديث ودرايته‏.‏
أما الأولى‏:‏ فينتظم عقدها أمورا‏:‏
الأول‏:‏ عزوه الحديث فيه قصور، فقد رواه جماعة من طبقة مشايخ الحاكم ومن نحو طبقته ومن بعدهم، وكلهم رووه من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فكثرتهم لا تفيد الخبر قوة، ولذا لن أذكر أولئك حتى لا يستكثر بهم الجهول بالحديث واصطلاحات أهله‏.‏
الثاني‏:‏ ساق إسناد الحاكم ولم يحسن النقل فقد سقط من الإسناد ‏[‏عن أبيه‏]‏ وألحقتها بالإسناد، ووهم أيضا في توثيق النقل من ‏"‏المستدرك‏"‏، فذكره مرتين ‏(‏ج 2ص651‏)‏ وهذا قلب وخطأ، وليس سبق قلم لأنه تكرر مرات‏.‏ثم طالعت رسالة ‏"‏إعلام النبيل‏"‏ لواعظ بالبحرين فوجدته عزاه كما هنا ‏(‏ج2 ص651‏)‏، وقد طبع قبل ‏"‏المفاهيم‏"‏، فتأمل تواردهم على التقليد في كل شيء‏!‏ وصواب التوثيق ‏(‏2/615‏)‏، و‏"‏المستدرك‏"‏ لم يطبع إلى هذه السنة إلا طبعة هندية واحدة‏.‏
وقال‏:‏ وصححه، يعني الحاكم وهذا غلط، فالحاكم كتب‏:‏ ‏(‏صحيح الإسناد‏)‏، والمشتغلون بالحديث يفرقون بين صحة الإسناد وصحة الحديث‏.‏
الثالث‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏ورواه الحافظ السيوطي‏.‏‏.‏‏.‏ وصححه‏)‏ من عجائب مفاهيمه، ومما يدل على عدم تعاطيه علم الحديث ـ وإن أعطي ـ شهادة الزور ـ لأن قوله ‏(‏رواه‏)‏ خطأ لا يستعمله المحدثون، فمن يذكر الحديث ويسوقه في كتاب له مستدلا به على مراده لا يجوز أن يقال إنه رواه‏.‏ فكلمة ‏(‏رواه‏)‏ لا تقال إلا لمن ساق حديثا أسنده عن مشايخه، إلى منتهاه‏.‏
وأما قوله‏:‏ ‏(‏وصححه‏)‏ فأعجب، إذ أن السيوطي لم يعقب الحديث بتصحيح في ‏"‏الخصائص‏"‏ الذي نقل منه تصحيحه، وهذا افتراء على السيوطي‏.‏
والكاتب ـ لضعفه العلمي ـ أخذ قول السيوطي في مقدمة ‏"‏الخصائص‏"‏ ‏(‏1/8‏)‏‏:‏ ‏(‏ونزهته عن الأخبار الموضوعة وما يرد‏)‏ فعممه، وقول السيوطي لا يفيد صحة كل ما يورده‏.‏
ولذا صرح بضعف إسناد الحديث في كتابه الآخر ‏"‏مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفاء‏"‏ ‏(‏ص30‏)‏ ‏(‏طبع بمصر طبعة حجرية سنة 1276‏)‏‏.‏
والسيوطي في‏"‏الخصائص‏"‏ اتبع أبا نعيم في ‏"‏الخصائص‏"‏ له، وإن كان الإسناد مظلما، أو كان المتن منكرا، صرح بهذا في كتابه ‏(‏1/47‏)‏ فقال بعد ذكره حديثين شديدي النكارة‏:‏ ‏(‏ولم تكن نفسي تطيب بإيرادهما، ولكني تبعت الحافظ أبا نعيم في ذلك‏)‏ اهـ‏.‏
الرابع‏:‏ قال عن البيهقي ‏(‏وهو لا يروي الموضوعات‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ لِم لَم ينقل ما قاله البيهقي نصا بعد رواية الحديث، لم يجعل ديدنه التلبيس والإجمالات التي تلبس على البسطاء، فهو دائما طاوٍ للذي يقوض دليله‏.‏
قال البيهقي في ‏"‏دلائل النبوة‏"‏ ‏(‏489/5‏)‏ بعد سياقه الحديث‏:‏ ‏(‏تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف‏)‏ اهـ‏.‏
وكلمة البيهقي هذه غالية،يعرف قدرها المحدثون، أما المبتدعة فلا يعرفون إلا الإجمال، شأن الطلبة الذين لا يعرفون مصطلحات أهل العلم‏.‏
قال الحافظ الذهبي في ‏"‏ميزان الاعتدال‏"‏ ‏(‏3/140ـ141‏)‏‏:‏ ‏(‏وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرًا‏)‏ اهـ‏.‏ فإذا كان هذا شأن الصدوق، وشأن من دونه ممن خف حفظهم وكثر نسيانهم وضاع أكثر ضبطهم، فما بالك بتفرد الضعيف الذي أجمع أهل العلم بالجرح والتعديل على عدم تعديله، فقال بعضهم كالحاكم أحاديثه موضوعة، مما ستقف عليه إن شاء الله تعالى‏.‏
الخامس‏:‏ قال الكاتب‏:‏ ‏(‏وصححه القسطلاني‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ هذا كتاب ‏"‏المواهب‏"‏ فهل صححه، أم أنه ذكر كلام البيهقي الذي سلف‏.‏ ونصه ‏(‏1/76 مع شرحه‏)‏‏:‏ ‏(‏وقال ـ أي البيهقي ـ‏:‏ تفرد به عبد الرحمن‏)‏ هذا كلام القسطلاني، وفهم مراده شارح المواهب الزرقاني فقال‏:‏ ‏(‏تفرد به عبد الرحمن، أي‏:‏ لم يتابعه عليه غيره، فهو غريب مع ضعف راويه‏)‏ اهـ‏.‏
والقسطلاني في المواهب وبعض كتبه الأخرى ينقل عن السيوطي في مؤلفاته دون عزو إليه، وجرت في ذلك كائنة تحكى نقلها ابن العماد في ‏"‏شذرات الذهب‏"‏، وأسوقها ليعلم أن القسطلاني في المواهب يأخذ كلام غيره فلا يكترث به في ‏(‏التصحيح‏)‏، وليس معدودا في أهل التخريج والتعديل والتجريح وإنما هو ناقل ‏[‏أعني للتخريج والتصحيح، وكتبه نافعة مع الاحتراز عن الواهيات التي يسوقها‏]‏، قال ابن العماد ‏(‏8/122ـ123‏)‏‏:‏ ‏(‏ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا، فألزمه ببيان مدعاه، فعدد مواضع قال إنه نقل فيها عن البيهقي، وقال‏:‏ إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ذكره في أي مؤلفاته لنعلم أنه نقل عن البيهقي فنقله برمته، وكان الواجب أن يقول‏:‏ نقل السيوطي عن البيهقي‏.‏ وحكى الشيخ جار الله بن فهد أن الشيخ رحمه الله قصد إزالة ما في خاطر الجلال السيوطي، فمشى من القاهرة إلى الروضة إلى باب السيوطي ودق الباب‏.‏ فقال له‏:‏ من أنت‏؟‏ فقال‏:‏ أنا القسطلاني، جئت إليك حافيا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي، فقال له‏:‏ قد طاب خاطري عليك، ولم يفتح له الباب، ولم يقابله‏)‏ انتهى النقل عن ‏"‏الشذرات‏"‏‏.‏
وللسيوطي كتاب سماه‏:‏ ‏(‏الفارق بين المصنف والسارق‏)‏ لعله ـ ولا أجزم ـ يعني القسطلاني حيث قال فيه‏:‏ ‏(‏وأغار على عدة كتب لنا أقمنا في جمعها سنين، وتتبعنا فيها الأصول القديمة، وعمد إلى كتابي ‏"‏المعجزات والخصائص‏"‏ الطويل والمختصر، فسرق جميع ما فيها بعباراتي التي يعرفها أولو البصر ‏[‏‏(‏ص745‏)‏ من ‏"‏مجلة عالم الكتب‏"‏، ربيع الثاني 1402هـ فقد نشرت رسالة ‏"‏الفارق‏"‏ كاملة، بتحقيق قاسم السامرائي‏.‏‏]‏‏)‏ انتهى‏.‏
السادس‏:‏ قوله‏:‏ وصححه الزرقاني في ‏"‏المواهب اللدنية‏"‏ ‏(‏ج2 ص62‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ ليس للزرقاني كتاب باسم المواهب، وكأن الكاتب أراد شرح المواهب‏.‏ ثم إن الزرقاني ضعفه ولم يصححه، فقال ‏(‏1/ 76‏)‏‏:‏ ‏(‏هو غريب مع ضعف راويه‏)‏، فلم ينقل الكاتب ما ليس صحيحًا، ويحرف وكم هو يجيد التلبيس، ولمَ يوثق نقله توثيقا خطأ فيحيل إلى ـ ج 2 ـ وهو في الجزء الأول‏.‏
السابع‏:‏ قال في تعداد من صحح الحديث‏:‏ ‏(‏والسبكي في ‏"‏شفاء السقام‏"‏‏)‏، والسبكي قلد الحاكم في تصحيحه، والمقلد لا يستكثر به، قال السبكي ‏(‏ص163‏)‏‏:‏ ‏(‏وقد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم‏)‏ اهـ‏.‏ والسبكي مقر بوجه ضعفه لكنه قال‏:‏ ‏(‏عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لا يبلغ في الضعف إلى الحد الذي ادعاه‏)‏‏.‏
الثامن‏:‏ أسقط من نقله عن الهيثمي عزو الحديث إلى ‏"‏المعجم الصغير‏"‏ للطبراني، فلزم التنبيه‏.‏
الوقفة الثانية‏:‏
الكلام على الرواية، وإسناد الحديث‏.‏
مما سبق سطره ورسمه تجلى أن الحديث لم يقل بصحة إسناده إلا الحاكم، قال الحاكم في ‏"‏المستدرك‏"‏ ‏(‏2/615‏)‏‏:‏ ‏(‏صحيح الإسناد ‏[‏ومن اللطائف أن طبعة المستدرك الهندية، وقع فيها خطأ مطبعي، هكذا‏:‏ ‏"‏هذا حديث صيح الإسناد‏"‏ وصيح من قولك تصيح الشيء إذا تكسر، كما في ‏"‏تاج العروس شرح القاموس‏"‏ ‏(‏2/186‏)‏، فمعنى‏:‏ صيح الإسناد‏:‏ منكسر الإسناد، وهذه عجيبة ولله حكمة في وقوع هذا الخطأ فتبصروا‏!‏‏.‏‏]‏‏.‏
وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏)‏ انتهى، ومدار الحديث عند كل من أخرجه مرفوعا على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏.‏ ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا الموضع أن الحاكم لا يقبل كلامه هنا عند التحقيق العلمي، وذلك لأمور‏:‏
الأول‏:‏ أنه قال في كتابه ‏"‏المدخل إلى الصحيح‏"‏ ‏(‏1/154‏)‏‏:‏ ‏(‏عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه‏)‏ اهـ
وكان قال في أول ‏"‏المدخل‏"‏ ‏(‏1/114‏)‏‏:‏ ‏(‏وأنا مبين بعون الله وتوفيقه أسامي قوم من المجروحين ممن ظهر لي جرحهم اجتهادا، ومعرفة بجرحهم، لا تقليدا فيه لأحد من الأئمة، وأتوهم أن رواية أحاديث هؤلاء لا تحمل إلا بعد بيان حالهم لقول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديثه‏:‏ ‏(‏من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين‏)‏ انتهى‏.‏
وسردهم وذكر منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كما نقلناه لك‏.‏ فهذا تعارض وتناقض من الحاكم، فما السبب فيه‏؟‏‏!‏ وما الحامل له على تصحيح إسناد حديث فيه عبد الرحمن‏؟‏‏!‏ الجواب معلوم عند أهل الحديث والنظر السالم من الهوى، وهو أنه ابتدأ كتابة كتابه ‏"‏المستدرك‏"‏ سنة 393 هـ ‏[‏كما هو مثبت في ‏"‏السماع‏"‏ ‏(‏ ج1 ص2‏)‏ وغيرها‏]‏ أي بعد بلوغه 72 سنة من عمره، قال الحافظ ابن حجر في ‏"‏لسان الميزان‏"‏ ‏(‏5/233‏)‏‏:‏ ‏(‏ذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك‏:‏ أنه ذكر جماعة في كتاب ‏"‏الضعفاء‏"‏ له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في ‏"‏مستدركه‏"‏ وصححها، من ذلك‏:‏ أنه أخرج حديثا لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وكان قد ذكره في الضعفاء، فقال‏:‏ إنه روى عن أبيه أحاديث موضوعه لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه‏)‏ انتهى كلام الحافظ ابن حجر‏.‏
وجرى على هذا علماء الحديث في شأن المستدرك، ومنه قول السخاوي في ‏"‏فتح المغيث‏"‏ ‏(‏1/36‏)‏‏:‏ ‏(‏يقال إن السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره وقد حصلت له غفلة وتغير، أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جدا بالنسبة لباقيه، فإنه وجد عنده إلى هنا انتهى إملاء الحاكم‏)‏ انتهى‏.‏
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم راوي الحديث الذي احتج به مجيزوا التوسل بالذوات ضعيف جدًا في الحديث، قاله علي بن المديني، وقال أبو حاتم الرازي‏:‏ كان في نفسه صالحًا، وفي الحديث واهيًا‏.‏ وضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي والدار قطني وغيرهم كثير، وقال الطحاوي‏:‏ ‏(‏حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف‏)‏‏.‏
فهذه عبارة إمام الحنفية في وقته وشيخ المصريين في زمانه،أفيستحل الكاتب أن يتقرب إلى الله ويتعبد بحديث في النهاية من الضعف، كيف تقوى قدماك على التماسك وأنت تسأل أمام ربك، وبم تحتج، وعلى من تتكى، أعد للمسألة جوابًا، فإن الأمر عظيم‏.‏
الثاني‏:‏ أن في إسناد الحاكم والبيهقي رجلا اسمه عبد الله بن مسلم الفهري ترجمه الحافظ الذهبي في ‏"‏الميزان‏"‏ ‏(‏2/405‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏روى عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبرا باطلا فيه ‏"‏يا آدم لولا محمد ما خلقتك‏"‏ رواه البيهقي في دلائل النبوة‏"‏ انتهى‏.‏
قال الحافظ ابن حجر في ‏"‏لسان الميزان‏"‏ ‏(‏3/360‏)‏‏:‏ ‏(‏قلت‏:‏ لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله فإنه من طبقته‏)‏ اهـ‏.‏
يعني بالذي قبله الترجمة السابقة لترجمة الفهري، وهو عبد الله بن مسلّم بن رُشيد قال الذهبي‏:‏ ذكره ابن حبان متهم بوضع الحديث‏.‏‏.‏‏.‏
الثالث‏:‏ أن إسناد الحديث ضعفه جماعة كثيرون‏:‏
فمنهم‏:‏ البيهقي في ‏"‏دلائل النبوة‏"‏ ‏(‏5/486‏)‏‏.‏
ومنهم‏:‏ الذهبي في ‏"‏تلخيص المستدرك‏"‏ ‏(‏2/615‏)‏، قال‏:‏ ‏(‏موضوع‏)‏، وفي ‏"‏الميزان‏"‏‏:‏ قال‏:‏ ‏(‏باطل‏)‏، فهو موضوع الإسناد باطل المتن‏.‏
ومنهم‏:‏ الشيخ تقي الدين بن تيمية حكم بوضعه في ‏"‏الرد على البكري‏"‏ ‏(‏ص6‏)‏ من مختصره‏.‏
ومنهم‏:‏ ابن عبد الهادي الحافظ نصر القول بوضعه في ‏"‏الصارم المنكي‏"‏‏.‏
ومنهم‏:‏ الحافظ ابن كثير في ‏"‏البداية والنهاية‏"‏ ‏(‏2/323‏)‏ قال عن راويه‏:‏ ‏(‏وهو متكلم فيه‏)‏ ونقل كلام البيهقي بضعف راويه‏.‏
ومنهم‏:‏ الهيثمي في ‏"‏مجمع الزوائد‏"‏ ‏(‏8/253‏)‏‏.‏
ومنهم‏:‏ السيوطي في ‏"‏تخريج أحاديث الشفاء‏"‏ ‏(‏ص30‏)‏‏.‏
ومنهم‏:‏ الزرقاني في ‏"‏شرح المواهب‏"‏ ‏(‏1/76‏)‏‏.‏
ومنهم الشهاب الخفاجي في ‏"‏شرح الشفاء‏"‏ ‏(‏2/242‏)‏‏.‏
ومنهم ملا علي القاري في ‏"‏شرح الشفاء‏"‏ ‏(‏1/215‏)‏‏.‏
ومنهم ابن عراق في ‏"‏تنزيه الشريعة‏"‏ ‏(‏1/67‏)‏ وذكر القول ببطلانه‏.‏
الوقفة الثالثة‏:‏
في النظر في متن الحديث ودرايته‏.‏
إن الثابت أن الدعاء الذي به قبل الله توبة آدم هو ما قاله الله في سورة الأعراف‏:‏ ‏{‏قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 23‏].‏ فهذه هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 37‏].‏ قال ابن كثير الحافظ في ‏"‏تفسيره‏"‏ ‏(‏1/116‏)‏‏:‏ ‏(‏روي هذا عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏)‏ اهـ‏.‏
عشرة من أهل العلم فسرها بآية الأعراف، ومنهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم راوي الحديث المنكر في توسل آدم‏.‏
وهذا مما يزيد في توهين روايته الحديث المنكر الواهي وهنا على وهن، ولم يذكر أن أحدًا من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم فسر الكلمات بتوسل آدم بالنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بطريق صحيحة ولا ضعيفة، إلا أن تكون واهية موضوعة ولعل قصة مغفرة ذنب آدم بتوسله بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلقاها جهلة المسلمين من أهل الكتاب في عيسى عليه السلام، فأرادوا إثبات فضيلة لنبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا ما قالوا‏.‏
نقل الشهرستاني في كتابه ‏"‏الملل والنحل‏"‏ ‏(‏1/524‏)‏ عن عقائد النصارى قولهم‏:‏ ‏(‏والمسيح عليه السلام درجته فوق ذلك، لأنه الابن الوحيد، فلا نظير له، ولا قياس له إلى غيره من الأنبياء‏.‏ وهو الذي به غفرت زلة آدم‏.‏ عليه السلام‏)‏ اهـ‏.‏
فهذا من اعتقاد النصارى، فنافسهم جهلة المسلمين في ذلك‏.‏
قال ‏(‏ص47‏)‏‏:‏ بعد سياق حديث لما اقترف‏.‏‏.‏‏.‏واستشهاد ابن تيمية به‏.‏قال‏:‏
‏(‏فهذا يدل على أن الحديث عند ابن تيمية صالح للاستشهاد والاعتبار لأن الموضوع أو الباطل لا يستشهد به عند المحدثين‏)‏ إلخ‏.‏‏.‏
أقول‏:‏ بل إن شيخ الإسلام ذكر الحديث في ‏"‏الرد على البكري‏"‏ في أوله وحكم عليه بالوضع وأنه أشبه بحكايات بني إسرائيل قال ‏(‏ص6‏)‏‏:‏ ‏(‏هذا الحديث وأمثاله لا يحتج به في إثبات حكم شرعي لم يسبقه أحد من الأئمة إليه وإثبات عبادة لم يقلها أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم إلا من هو أجهل الناس بطرق الأحكام الشرعية، وأضلهم في المسالك الدينية، فإن هذا الحديث لم ينقله أحد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا بإسناد حسن ولا صحيح، بل ولا ضعيف يستأنس به و يعتضد به‏)‏‏.‏
وشيخ الإسلام ذكر في غير موضع أن الحديث موضوع، ولكنه لما كان فيما نقل الكاتب طرفا منه في كلام مع أهل وحدة الوجود ذكر هذين الحديثين بأسانيدهما على خلاف عادته فهو لا يذكر إسنادًا إلا نادرًا وإنما ساق الأسانيد ليعلم حالهما من طالعهما، وعادة العلماء أن من ساق إسنادا فقد أدى عهدته، والحكم عليه بعد ذلك بوضع أو غيره إنما يكون إذا أراد الرد على من يعتمده في لفظ من ألفاظه‏.‏
ولهذا تجد حفاظ الحديث كأبي نعيم والخطيب ونحوهما، والبيهقي أحيانا يذكرون من الأحاديث الموضوعة أو شديدة الضعف ما يعرفه أهل النظر، واعتذر عنهم بأنهم يسوقون الأسانيد ومن ساق الإسناد فقد ذكر عواره أو ظلامه إن كان فيه عوار أو ظلمة‏.‏
قال ‏(‏ص50‏)‏‏:‏
‏(‏وفي الحديث التوسل برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن يتشرف العالم بوجوده فيه، وأن المدار في صحة التوسل على أن يكون للمتوسل به القدر الرفيع عند ربه عز وجل وأنه لا يشترط كونه حيا في دار الدنيا‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ لم يكتف الكاتب بتصحيح حديث موضوع بل استخرج للحكم الوارد فيه علة ثم عدى العلة بالقياس إلى غير محل الحكم وإلى غير زمان الحكم‏.‏
وتوضيح هذا‏:‏
أن في الحديث توسل آدم بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل وجوده، أي قبل حياته، أي‏:‏ وهو فاقد الحياة، ولا معنى لتوسله بمن كان كذلك إلا جوازه في الحياة، وقبلها وبعدها‏.‏ كذا استنتاج الهوى وقياس الردى‏.‏
ثم إن تخصيص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند هذا الكاتب بالتوسل لا معنى له حيث قاس كل من كان له عند الله القدر الرفيع على النبي، بجامع النبوة، أو الولاية، أو الكرامة‏.‏
وهذا هو عين احتجاج أصحاب القبور المفتونين بعبادتها من دون الله، عدوا بالقياس دعاء الميت والطلب منه على طلب الدعاء من الحي، وجادلوا في ذلك، فلما ظنوا أنه ثبت لهم ما زعموه في حق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالوا‏:‏ لا معنى لاختصاص النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدعاء أو الاستشفاع أو نحوه من العبادات، بل يعدى جواز هذا الفعل إلى غيره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بجامع النبوة إن كان نبيا أو الكرامة‏.‏
أو كما قال هذا القائل هنا‏:‏ ‏(‏المدار في صحة التوسل على أن يكون للمتوسل به القدر الرفيع عند ربه عز وجل‏)‏، وهذا تمهيد وتقعيد لمسائل لم يفصح عنها في هذا الموضع‏.‏
فانظر هذا التجرؤ على أحكام الشرع‏:‏ تصحح الموضوعات، وقياس فاسد لم يقل به عالم قط منذ بعث محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى انتهاء القرون الثلاثة الأولى حتى ظهرت القرامطة الباطنية، وأتباعهم ‏(‏إخوان الصفا‏)‏ وهم جماعة مشهورة ظهروا في أول القرن الرابع، وهم الذين جلبوا هذا الذي تبناه الكاتب وقبله أخذه أهل الضلالة، فانظر ما قاله إخوان الصفا وكيف شرعوا هذا الدين الذي لم يعرفه المسلمون في المئات الثلاث، فسبحان من صير القلوب إلى قلبين‏.‏
جاء في الرسالة 42 من رسائل ‏"‏إخوان الصفا‏"‏ ‏(‏4/21‏)‏‏.‏ قولهم‏:‏ ‏(‏اعلم يا أخي أن من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله وبأئمتهم وأوصيائهم أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين والتعظيم لهم ومساجدهم والاقتداء بهم وبأفعالهم والعمل بوصاياهم وسننهم على ذلك بحسب ما يمكنهم ويتأتى لهم ويتحقق في نفوسهم ويؤدي إليه اجتهادهم‏.‏ فأما من يعرف الله حق معرفته فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره، وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء الله‏.‏
وأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه‏.‏ ومن قصر فهمه معرفته فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم وعباده‏.‏
فإن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلا اتباع آثارهم والعمل بوصاياهـم والتعلق بسننهم والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار، وطلب الغفران والرحمة عند قبورهم وعند تماثيلهم المصورة على أشكالهم، لتذكار آياتهم وتعرف أحوالهم من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبا للقربة إلى الله والزلفى لديه‏.‏
ثم اعلم‏!‏ أنه على كل حال من يعبد شيئا من الأشياء ويتقرب إلى الله تعالى بأحد فهو أصلح حالا ممن لا يدين شيئا ولا يتقرب إلى الله البتة‏)‏‏.‏ اهـ‏.‏
هكذا أدخل إخوان الصفا الباطنيون الشرك في المسلمين، فانتشر في الجهال انتشارا، واشتعل فيهم اشتعال اللهب في يابس الشجر، فقام جماعات من العلماء ينكرون هذا، وكان أول أمره غير متضحة غايته، ولا مستبين سبيله، لأن المسلمين لم يكن دين الأصنام فيهم، ثم استبان الشأن، وانكشف الغطاء فأنكره العلماء في القرن الرابع والخامس، ومنهم ابن عقيل الحنبلي، فقال‏:‏
‏(‏لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم‏.‏ وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى‏)‏‏.‏
فهذا الشرك الأكبر أصله وسببه هذا القياس الفاسد الباطل الذي قاله صاحب المفاهيم، باب التوسل بالذوات الذي لا نقول بأنه شرك بل هو بدعة من الطرق والوسائل لهذا الشرك الأكبر وكل ما كان وسيلة إلى الكفر والشرك فهو ممنوع يجب سد بابه وإغلاقه ووصده وتتريبه حتى لا يفتح مرة أخرى‏.‏
ومن في قلبه حب لله وللإسلام الذي جاء به رسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليغار ويشتد غضبًا أن يعود شرك الجاهلية، الذي أزالته بعثة حبيبنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏
وعقد المؤلف فصلًا ‏(‏ص51‏)‏ عنونه بـ‏:‏ توسل اليهود به ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
وساق فيه أن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود، فدعت يهود بهذا الدعاء، وقالوا إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان أن تنصرنا عليهم‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ ‏"‏تفسير القرطبي‏"‏ ‏(‏2/ 26ـ 27‏)‏ اهـ‏.‏
وأقول‏:‏ إن المؤلف أغرب كثيرا في الاستدلال بفعل اليهود الذي نقله، فمن حيث الرواية‏:‏ فإن قول ابن عباس ذكره الكاتب غير مخرج ولم يذكر من صحح إسناده لأنه لم يجد من صححه وقد أخرجه الحاكم في ‏"‏المستدرك‏"‏ ‏(‏2/263‏)‏، والبيهقي في ‏"‏دلائل النبوة‏"‏ ‏(‏2/ 76‏)‏ من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس من كلامه‏.‏ وقال الحاكم بعد ذكره الحديث‏:‏ ‏(‏أدت الضرورة إلى إخراجه في التفسير وهو غريب‏)‏ اهـ قال الذهبي في ‏"‏تلخيصه‏"‏‏:‏ ‏(‏قلت‏:‏ لا ضرورة في ذلك، فعبد الملك متروك هالك‏)‏ اهـ‏.‏
وذكر السيوطي في ‏"‏الدر المنثور‏"‏ أن إسناده ضعيف، وهو لا يقول ضعيف إلا إذا لم يكن في الإسناد حيلة يصحح بها‏.‏
والحاكم قد ذكر عبد الملك في ‏"‏المدخل‏"‏ ‏(‏1/170‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏روى عن أبيه أحاديث موضوعة‏)‏‏.‏
وعبد الملك هذا كذبه ابن معين وابن حبان والجوزجاني وغيرهم، وهو الذي وضع حديثا لفظه‏:‏ ‏(‏أربعة أبواب من أبواب الجنة مفتحة‏:‏ الإسكندرية وعسقلان وقزوين وعبادان، وفضل جُدّة على هؤلاء كفضل بيت الله على سائر البيوت‏)‏‏.‏
كذب صريح، ويروج ما يرويه جهلة المسلمين، ممن لا يغارون على كلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقوم لهم ولع بالكذوبات، وإعراض عن الصحاح‏.‏
قال شيخ الإسلام في ‏"‏التوسل والوسيلة‏"‏ ‏(‏1/299ـ300 ‏"‏مجموع الفتاوى‏"‏‏)‏‏:‏
‏(‏قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 89‏] إنما نزلت باتفاق أهل التفسير والسير في اليهود المجاورين للمدينة أولا، كبني قينقاع وقريظة والنظير، وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج وهم الذين عاهدهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قدم المدينة ثم لما نقضوا العهد حاربهم‏.‏‏.‏‏.‏ فكيف يقال‏:‏ نزلت في يهود خيبر وغطفان‏؟‏ فإن هذا من كذاب جاهل لا يحسن كيف يكذب‏.‏
ومما يبين ذلك أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء، وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب‏)‏ انتهى‏.‏
إذا ظهر هذا وانجلى فالرواية الثابتة الصحيحة ما أخرجه ابن جرير ‏(‏2/333 ط‏.‏شاكر‏)‏، وأبو نعيم في ‏"‏الدلائل‏"‏ ‏(‏1/ من الأصل‏)‏ والبيهقي في ‏"‏الدلائل‏"‏ ‏(‏2/75‏)‏ كلهم من طريق ابن إسحاق في ‏"‏سيرته‏"‏ ‏(‏ص63رواية يونس بن بكير‏)‏ قال‏:‏ حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال‏:‏ حدثني أشياخ منا قالوا‏:‏ لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منا‏:‏ كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب وكنا أصحاب وثن وكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا‏:‏ إن نبيل مبعوثا الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم قتل عاد وإرم، فلما بعث الله عز وجل رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اتبعناه وكفروا به، ففينا وفيهم أنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 89‏]‏ وهذا إسناد جليل، فإن الأشياخ هؤلاء صحابة أدركوا الأمر وعلموه فما أجل هذا وأحسنه‏!‏‏.‏
وقد جاءت أخبار كثيرة في هذا المعنى عن ابن عباس وغيره، تركتها اجتزاء بما صح، وحذر الملال بسرد الطوال‏.‏ فاللهم‏!‏ ألهم وعلم‏.‏
ذكر الكاتب ‏(‏ص52‏)‏ حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه في توسل الضرير بدعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياته‏.‏
أقول‏:‏ هذا الحديث رواه الإمام أحمد في ‏"‏مسنده‏"‏ ‏(‏4/138‏)‏، والترمذي في ‏"‏جامعه‏"‏ ‏(‏5/569‏)‏، والنسائي في ‏"‏عمل اليوم والليلة‏"‏ ‏(‏417 ـ 418‏)‏، وابن ماجه في ‏"‏سننه‏"‏‏(‏1385‏)‏، والطبراني في ‏"‏المعجم الكبير‏"‏ ‏(‏9/19‏)‏ والحاكم في‏"‏المستدرك‏"‏ ‏(‏1/313 و519‏)‏ وغيرهم‏.‏
قال أحمد‏:‏ ثنا عثمان بن عمر ثنا شعبة عن أبي جعفر قال سمعت غمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان بن حنيف به‏.‏ ثم رواه أحمد قال‏:‏ ثنا روح قال‏:‏ حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني به‏.‏ ثم رواه أحمد قال‏:‏ ثنا مؤمل قال‏:‏ حدثنا حماد ـ يعني ابن سلمة ـ قال‏:‏ حدثنا أبو جعفر الخطمي به‏.‏
قال النسائي في ‏"‏عمل اليوم والليلة‏"‏‏:‏ خالفهما هشام الدستوائي وروح بن القاسم فقالا‏:‏ عن أبي جعفر عمير بن يزيد بن خراشة عن أبي أمامة بن سهل عن عثمان بن حنيف‏.‏
وهذا الاختلاف علة، قد يرد بها بعض المحدثين الحديث، وهي موضع تأمل‏.‏ وإسناد رواية شعبة وحماد حسن لابأس به، فإن أبا جعفر هو الخطمي المدني كما ثبت في روايات أحمد وغيره، وهو عمير بن يزيد الأنصاري الخطمي المدني، قال الحافظ في‏"‏التقريب‏"‏‏:‏ ‏(‏صدوق‏)‏‏.‏
ورأى طائفة من أهل العلم ضعف الحديث، لأن أبا جعفر فيه كلام، وبعضهم ضعف الإسناد لأجل عدم التثبت أن أبا جعفر هو الخطمي، معتمدين على نفي الترمذي أن يكون هو الخطمي‏.‏
هذا، ولا حجة في الحديث على ما ادعاه مجيزوا التوسل بالذوات والجاه ونحوها، لأنه جار على أصول الشريعة في باب التوسل، وهو التوسل بدعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياته، وهو معنى الشفاعة، فمدلول الحديث التوسل بدعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتوجه بدعائه في حياته، وهذا مما ثبتت به السنة في أمور غير هذا الحديث، فأثبته أهل السنة والحديث، ولا مراء في هذا، ولا استشكال في معنى الحديث‏.‏
ومن ظن أن الحديث فيه توسل بالذات فيلزمه تساؤل، وهو أن يقال‏:‏ كيف يخفى هذا الدعاء الذي فيه توسل بالذات على عميان ومكفوفي الصحابة فلم يستعملوه في حياته ولا بعد مماته، ولا من بعدهم، والناس حريصون على جوارحهم وحواسهم‏؟‏ نعلم من هذا الإلزام أن الحديث إنما فيه التوسل بدعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا بذاته، وهذا مقطوع به جزما، فيبقى الحديث خاصا بهذا الأعمى وحده ومعجزة لنبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والحمد لله الموفق للصالحات‏.‏
ثم قال الكاتب‏:‏
‏(‏وليس هذا خاصًا بحياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل قد استعمل بعض الصحابة هذه الصيغة من التوسل بعد وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏)‏‏.‏
واستدل له بتعليم عثمان بن حنيف رجلا له حاجه عند عثمان أن يدعو فيقول‏:‏ ‏(‏اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيقضي حاجتي، وتذكر حاجتك‏.‏‏.‏‏)‏ ففعله‏.‏ فقضى عثمان حاجته‏.‏
هذا مختصر ما رواه الطبراني‏.‏
قال‏:‏ ‏(‏هذه القصة صححها الحافظ الطبراني والحافظ أبو عبد الله المقدسي‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ هنا بدأ صاحب المفاهيم وشرع في تعميته الحقائق، وكفْره النقول الصادقة، وأخذه في التمويه على غير المتتبعين لمقالاته‏.‏
فقال‏:‏ هذه القصة صححها الحافظ الطبراني‏.‏‏.‏‏.‏ وما صححها الطبراني وحاشاه، ولو نقلت ما قاله صدقا وأمانة لما لبست على المطالع لكلامك، إذ الثقة فيمن ينتسب إلى العلم تعمي كثيرين عن تتبع نقوله وهل يصدق فيها ولا يحرف أم الشأن استغلال الثقة في نشر وترويج غير الحق‏؟‏
قال الطبراني في ‏"‏الصغير‏"‏ ‏(‏1/184‏)‏‏:‏ ‏(‏لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي ـ وهو ثقة ـ وهو الذي يحدث عنه ابنه ‏[‏‏:‏ تحرفت مطبوعة ‏"‏المعجم الصغير‏"‏ في هذه الجملة، والتصويب من ‏"‏مجمع البحرين‏"‏ للهيثمي ‏(‏1/101/1‏)‏ نسخة أحمد الثالث بتركيا‏]‏ أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي‏.‏
وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيدـ وهو ثقةـ تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة والحديث صحيح‏)‏ اهـ‏.‏
فبهذا النقل اتضح أن تصحيح الطبراني للحديث السابق وهو قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن القصة لم يعترض لها إلطبراني بتصحيح ولا غيره، بل قال‏:‏ ‏(‏لم يروه‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏)‏ وهو يشعر بضعف القصة عنده، وهو الحق‏.‏
وبيان هذا أن القصة رواها الطبراني في ‏"‏الصغير‏"‏ و‏"‏الكبير‏"‏ ‏(‏9/17ـ18‏)‏ من طريق شيخه طاهر بن عيسى بن قيرس المصري التميمي، حدثنا أصبغ بن الفرج حدثنا عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني به‏.‏
وهذا الإسناد آفته رواية عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد وهي منكرة عند أهل الحديث لم أر بينهم اختلافا في ذلك‏.‏ قال ابن عدي في‏"‏الكامل في ضعفاء الرجال‏"‏ ‏(‏4/1347‏)‏ ‏(‏حدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏ولعل شبيب بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم، وأرجو أنه لا يتعمد شبيب هذا الكذب‏)‏ اهـ‏.‏
والقصة مدارها على هذا الإسناد، فالمتن منكر، ولا خير في منكر‏.‏ ثم مما يدلل على هذه النكارة أن الحديث رواه الحاكم ‏(‏1/526ـ527‏)‏ وابن السني في ‏"‏عمل اليوم والليلة‏"‏ ‏(‏ص170ط الهند‏)‏ من طريق أحمد بن شبيب بن سعيد قال‏:‏ ثنا أبي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المدني وهو الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف قال‏:‏ سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجاءه رجل فذكر الحديث دون القصة‏.‏
وهذا الرواية أصح، لأنها من روايات أحمد بن شبيب عن أبيه قال الحافظ في ‏"‏التقريب‏"‏ في ترجمة شبيب‏:‏ ‏(‏لا بأس بحديثه من روايات ابنه أحمد عنه لا من رواية ابن وهب‏)‏ اهـ‏.‏
فأحمد بن شبيب وهو الراوي المختص بأبيه لم يذكر القصة عن أبيه وهي من نفس الطريق التي رواها ابن وهب عن شبيب فدل تفرد ابن وهب عن شبيب على نكارتها ودلت مخالفة رواية ابن وهب عن شبيب ـ وهي منكرة ـ لرواية أحمد بن شبيب عن أبيه شبيب دل ذلك على شدة نكارتها وبطلانها، وأنها يمكن أن تكون مكذوبة‏.‏
إذا تبين هذا فالقصة إما مكذوبة أو منكرة للأمور التي ذكرنا، وهي حجة كافية ناصعة بيضاء لمن أراد الله تبصرته، و من يضلل الله فماله من هاد‏.‏
والعجب من صاحب المفاهيم كيف يكون حبه للمنكرات والواهيات أشد من حبه لما صح من حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان حقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفي الكذب عنه، وترك الواهيات المنسوبة له، لا نشرها وترويجها‏.‏
وفي الإسناد شيخ الطبراني طاهر بن عيسى، وهو مجهول لا يعرف بالعدالة، ذكره الذهبي ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مجهول الحال، لا يجوز الاحتجاج بخبره لاسيما فيما يخالف نصوص الكتاب والسنة‏.‏ قاله الشيخ سليمان بن عبد الله في ‏"‏تيسير العزيز الحميد‏"‏ ‏(‏ص212 ط الأولى‏)‏‏.‏
قال ‏(‏ص54‏)‏‏:‏
‏(‏إن عثمان بن حنيف ‏"‏علم من شكا إليه إبطاء الخليفة عن قضاء حاجته هذا الدعاء الذي فيه‏:‏ التوسل بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والنداء له، مستغيثا به بعد وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ هذه ثالثة الأثافي، وقاصمة الظهر، أنستنا ما قبلها من التوسل البدعي، فإذا الشأن في النداء للموتى والاستغاثة بهم، فما كنت أظن أن يبلغ صاحب المفاهيم هذا المبلغ من الهوى حتى رأيت رقمه ببنانه، وقوله بلسانه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك‏.‏
وهذا القول فاسد مناهض لدين الإسلام، موافق لما عليه أهل الجاهلية من الاستغاثة بالأنبياء والصالحين وندائهم لكشف الملمات ورفع المدلهمات، أفما يقرأ هؤلاء القرآن، ويسمعون قول سلف الأمة من الصالحين‏؟‏
أفما قرؤوا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 56 :57‏].‏ ففي هذه الآية إنكار عام على كل من دعا من دون الله شيئا، جنيا أو نبيا فكلمة ‏{‏الَّذِينَ‏}‏ في الآية اسم موصول، والأسماء الموصولة من صيغ العموم عند الأصوليين والنحويين كما هو مقرر في هذين العلمين‏.‏ فقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ‏}‏ يعم كل من دعي من دونه تعالى في كشف الضر أو تحويله،فعمت الأنبياء والصالحين وغيرهم من الملائكة والجن فدعاء هؤلاء لا يجوز، فإنه دين الجاهلية والمشركين وصور هذا الدعاء كثيرة فمنها النداء للموتى أنبياء أو غيرهم كما هو ظاهر من الآية، و منها الاستغاثة‏.‏ فالأنبياء والصالحون بعد مماتهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، فكيف يملكون لغيرهم‏.‏ فهذه الآية تظهر دين المشركين وتبينه فما لهؤلاء يعودون إلى دين المشركين‏.‏ ما لهم يدعون دين الرسل المتيقن، ويرضون بدين الجاهلية الباطل‏؟‏‏!‏‏.‏
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ‏(‏ص24‏)‏ من رده على ابن جرجيس‏:‏
‏(‏وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 21‏]، وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر، لأن ‏{‏وَالَّذِينَ‏}‏ لا يخبر به إلا عن العقلاء، ولأن الأصنام من الأخشاب والأحجار لا يحلها الموت، فإنها لم تحلها الحياة حتى يحلها الموت، ولأنها لا تبعث يوم القيامة بعث الإنسان ليجزى بما كسبت يداه، ولا يعقل منها شعور بهذا البعث حتى ينفيه الله عنها، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 21‏]، فهذه الآية فيمن يموت ويبعث، كما لا يخفى على من تدبرها، وتأمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ‏}
وهذا إنما يستعمل فيمن يعقل كما لا يخفى على من له معرفة باللغة العربية، فالحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة‏)‏‏.‏
عودٌ إلى استدلاله الفاسد بقول المكروب بعد موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي‏)‏ وأي دليل في هذا بعد معرفة بطلان الحديث ونكارته‏؟‏‏!‏ أفيحتج بالمنكرات والأباطيل‏؟‏‏!‏ إنه لعجب عجيب وأمر غريب واستدلال مريب، فنتنزل معهم في المناظرة بالكلام على معنى هذا اللفظ فأقول‏:‏
أولًا‏:‏ أيكون قولك وقول المسلمين في ‏"‏التشهد‏"‏‏:‏ ‏(‏السلام عليك أيها النبي‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ نداء للنبي بعد مماته‏؟‏ أينادي المسلمون النبي في كل صلاة، أم أن لفظ النداء هنا لاستحضار منزلة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ ليكون أمكن في القلب لما يجب في حقه من تعزيره وتوقيره ونصرته‏؟‏ فما استدل واحد من العلماء المهتدين بالتشهد على دعوى جواز مناداة النبي بعد موته، وهذا إجماع لا خلاف فيه‏.‏
وهذا الأثر ـ مع نكارته الشديدة ـ من هذا الباب إنما يكون لاستحضار ما قلنا في لفظ المصلي في التشهد، وهو التفات، والالتفات له مقتضيات معلومة في فنون المعاني والبيان، وأقول هذا تنزلا في المجادلة، وإلا فما ينبغي ابتداءً، والمناسب هنا ما ذكرنا آنفًا‏.‏
ثانيًا‏:‏ غاية ما في هذا الأثر المنكر الضعيف أنه توجه بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدعاء، فأين هذا من دعاء الميت‏؟‏‏!‏ فإن التوجه بالمخلوقات سؤال به لا سؤال منه، وكل أحد يفرق بين سؤال الشخص وبين السؤال به، فإنه في السؤال به قد أخلص الدعاء لله، ولكن توجه إلى الله بذاته، وأما في سؤاله نفسه ما لا يقدر عليه إلا الله، فيكون قد جعله شريك الله في عبادة الدعاء، فليس في حديث الأعمى وحديث ابن حنيف هذا إلا إخلاص الدعاء لله كما هو صريح فيه، إلا قوله يا محمد إني أتوجه بك، وهذا ليس فيه المخاطبة للميت فيما لا يقدر عليه، إنما فيه مخاطبته مستحضرًا له في ذهنه كما يقول المصلي‏:‏ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ‏[‏‏"‏تيسير العزيز الحميد‏"‏ ‏(‏ص212‏)‏‏ ]‏ كما أوضحته في الوجه الأول‏.‏
ثالثًا‏:‏ أيكون هذا الدعاء الذي تفرج به الكروب، وتزول به الشدائد المهلكات، وتحصل به المنجيات خفيًا على الأمة، فلم يستعملوه حين أصابتهم الشدة والضيق‏؟‏‏!‏ قحط المسلمون في زمن عمر فتوجهوا بالعباس أي ـ بدعائه ـ والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ميت عندهم، وأصاب المسلمين فتن في زمن عثمان وعلي، وبعده محن وأمور لا يعلم شدتها إلا الله فلِمَ لَمْ يستعملوه‏؟‏‏!‏ أين زعمكم يا أرباب الحجاج‏!‏ وأصحاب الفهوم‏؟‏‏!‏‏!‏
قوله ‏(‏ص54‏)‏‏:‏
‏(‏ولما ظن الرجل أن حاجته قضيت بسبب كلام عثمان مع الخليفة بادر ابن حنيف بنفي ذلك الظن، وحدثه بالحديث الذي سمعه وشهده، ليثبت له أن حاجته إنما قضيت بتوسله به ـ صلى الله عليه وسلم ـ وندائه له واستغاثته به‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ هذا افتراء على صحابي جليل شهد بدرًا وما بعدها، وقول بالظن، والظن أكذب الحديث، وجراءة ما بعدها جراءة‏.‏
وقد قدم كلامه هذا بمقدمة فيها‏:‏ أن القصة صحيحة صححها الطبراني والمقدسي، ونقل تصحيحهم لها المنذري والهيثمي وغيرهم، وهذا هوى ظاهر إذ أن كلام الطبراني كما سبق نقله بحروفه، إنما هو في تصحيح الحديث أي‏:‏ المرفوع، ولم يقل‏:‏ ‏(‏القصة صحيحة‏)‏، بل قال‏:‏ ‏(‏الحديث صحيح‏)‏، وليت شعري‏!‏ أما اقشعر بدن كاتب المفاهيم وهو يفتري هذه الافتراءات،وينقل ويكذب في النقل، ‏{‏إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 105‏]، ولا شك أن افتراء كهذا على صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى حفاظ المسلمين وأئمتهم تشق قراءته وتشق رؤيته‏.‏
قال ‏(‏ص 68‏)‏ معنونا‏:‏ ‏(‏التوسل به في المرض والشدائد‏)‏‏.‏
عن الهيثم بن ‏[‏حنش‏]‏ ‏[‏وحُرف اسم الراوي في ‏"‏المفاهيم‏"‏ إلى خنس، فصححته‏]‏‏.‏ قال‏:‏ كنا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فخدرت رجله، فقال له رجل‏:‏ اذكر أحب الناس إليك‏.‏ فقال‏:‏ يا محمد‏!‏ فكأنما نشط من عقال‏.‏
وعن مجاهد قال‏:‏ خدرت رِجْلُ رَجُلٍ عند ابن عباس رضي الله عنهما فقال له ابن عباس‏:‏ اذكر أحب الناس إليك‏.‏ فقال‏:‏ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذهب خدره، ثم قال‏:‏ فهذا توسل في صورة النداء‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ الكلام هنا في أمرين‏:‏
الأول‏:‏ الرواية‏:‏ فالخبر الأول أخرجه ابن السني في ‏"‏عمل اليوم والليلة‏"‏ ‏(‏رقم170‏)‏، قال‏:‏ حدثنا محمد بن خالد بن محمد البرذعي قال‏:‏ ثنا حاجب بن سليمان قال‏:‏ ثنا محمد بن مصعب، قال‏:‏ ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الهيثم بن حنش به‏.‏ وهذا إسنادٌ ضعيف جدًا، فيه علل كثيرة‏:‏
منها‏:‏ أن محمد بن مصعب القرقساني ضعيف عندهم، قال ابن معين‏:‏ لم يكن من أصحاب الحديث، كان مغفلا‏.‏ وقال النسائي‏:‏ ضعيف ومثله عن أبي حاتم الرازي‏.‏
وقال ابن حبان‏:‏ ‏(‏يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج به‏)‏‏.‏ وقال الإسماعيلي‏:‏ محمد بن مصعب من الضعفاء‏.‏ وقال الخطيب‏:‏ كان كثير الغلط؛ لتحديثه من حفظه‏.‏
وقال أحمد‏:‏ ليس به بأس، ونحوه عن ابن عدي‏.‏ ووثقه ابن قانع، وابن قانع من المتساهلين‏.‏ فمن هذا يتضح ضعفه كما ذهب إليه أئمة أهل العلم‏.‏
وأما قول أحمد‏:‏ ليس به بأس، يعني في نفسه، فهو صدوق في نفسه، ولكنه ضعيف الحديث‏.‏
ومنها‏:‏ أن الهيثم بن حنش مجهول العين، قال الخطيب في ‏"‏الكفاية في علوم الرواية‏"‏ ‏(‏ص88‏)‏‏:‏
‏(‏المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد، مثل عمرو ذي مر، وجبار الطائي، وعبد الله بن أغر الهمداني، والهيثم بن حنش‏.‏‏.‏‏.‏ هؤلاء كلهم لم يرو عنهم غير أبي اسحاق السبيعي‏)‏ اهـ‏.‏
ومنها‏:‏ أن أبا إسحاق السبيعي مدلس، وقد عنعنه عن هذا المجهول‏.‏
ومنها‏:‏ أن أبا إسحاق قد اختلط، ومما يدل على تخليطه في هذا الحديث أنه رواه تارة عن أبي شعبة ‏(‏أو أبي سعيد‏)‏، وتارة عن عبد الرحمن بن سعد‏.‏ وهذا اضطراب يرد به الحديث‏.‏
وأمثل ما روي في هذا الباب وأصحه على تدليس أبي إسحاق فيه، ما رواه البخاري في ‏"‏الأدب المفرد‏"‏ ‏(‏964‏)‏ قال‏:‏ حدثنا أبو نعيم قال‏:‏ حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال‏:‏ ‏(‏خدرت رِجْلُ ابن عمر، فقال له رجل‏:‏ أذكر أحب الناس إليك فقال محمد‏)‏‏.‏
وهذه الرواية أصح ما روي، وأفادت فوائد‏:‏
الأولى‏:‏ قول ابن عمر‏:‏ محمد، بدون حرف النداء، والشائع عند العرب ـ كما سيأتي ـ استعمال ‏"‏يا النداء‏"‏ في تذكر الحبيب؛ ليكون أكثر استحضارًا في ذهن الخادرة رجله، فتنطلق‏.‏
وابن عمر عدل عن الاستعمال الشائع إلى غيره؛ لما في الشائع من المحذور‏.‏
الثانية‏:‏ أن تذكره للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه أحب الناس إليه هو الحق؛ لأنه لا يؤمن أحد حتى يكون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين؛ بل ومن نفسه التي بين جنبيه‏.‏وهذا ما نعقد عليه قلوبنا، بهداية ربنا‏.‏
الثالثة‏:‏ أن سفيان من الحفاظ الأثبات، فنقله خبر أبي إسحاق بهذا اللفظ يدل على أنه هو المحفوظ، وسواه غلط مردود‏.‏
وأما الخبر الثاني‏:‏ فأخرجه ابن السني في ‏"‏عمل اليوم والليلة‏"‏ ‏(‏169‏)‏، وفي إسناده‏:‏ غياث بن إبراهيم كذبوه‏.‏ قال ابن معين‏:‏ كذاب خبيث‏.‏ ولفظه في تذكره ‏(‏محمدًا‏)‏ مجردٌ من حرف النداء، فلا حجة فيه، والكلام فيه على نحو ما مر في قول ابن عمر‏.‏
الأمر الثاني‏:‏ في الدراية‏:‏ يقال لهذا المستدل‏:‏ غاية ما ذكرته أن فيه ذكرا للمحبوب، لا طلب حاجة منه أو به أن يزال ما به، ولا أن يكون واسطة لإزالة خدر الرجل، وليس فيه توسلٌ، وإلا لكان لازمًا أن من ذكر محبوبه فقد استغاث به وتوسل به في إزالة شدته، وهذا من أبطل الباطل، وأمحل المحال‏.‏
فما قوله إذا ذكر الكافرُ حبيبه فزال خدَرُ رجله وانتشرت بعد قيد وخدور‏؟‏ أفيكون توسل به‏؟‏‏!‏ ويكون من يزيل الأمراض والأخدار ـ سبحانه وتعالى ـ قد قبل هذه الوسيلة‏؟‏‏!‏
وهذا الدواء ـ التجريبي ـ للخدر كان معروفًا عند الجاهليين قبل الإسلام جُرَّب فنفع، وليس فيه إلا ذكر المحبوب، وقيل في تفسير ذلك‏:‏ إن ذكره لمحبوبه يجعل الحرارة الغريزية تتحرك في بدنه، فيجري الدم في عروقه، فتتحرك أعصاب الرجل، فيذهب الخدر‏.‏
وجاءت الأشعار بهذا كثيرا في الجاهلية والإسلام‏:‏
فمنها‏:‏ قول الشاعر‏:‏
صبُّ محبُّ إذا ما رِجْلُه خَدَرت ** نادى ‏(‏كُبَيْشَةَ‏)‏ حتى يذهب الخَدَر
وقولُ الآخر‏:‏
على أنَّ رجلي لا يَزَالُ امْذِ لُها ** مقيمًا بها حتى أُجيْلَكِ في فكري
وقال كُثَيَّر‏:‏
إذا مَذَلَتْ رجلي ذكرتُكِ اشتفي ** بدعواك من مَذْلٍ بها فيهون
وقال جميلُ بثينةَ‏:‏
وأنتِ لعَيْنِيْ قُرَّةٌ حين نَلْتَقِيْ ** وذِكْرُكِ يَشفِيْني إذا خَدَرتْ رجلي
وقالت امرأة‏:‏
إذا خدرت رجلي دعوتُ ابنَ مُصْعبٍ ** فإنْ قلتُ‏:‏ عبدَ اللهِ أجْلَى فتورَها
وقال الموصلي‏:‏
واللهِ ما خَدَرَتْ رجلي وما عَثَرَتْ ** إلا ذكرتُكِ حتى يَذْهبَ الخدَرُ
وقال الوليد بن يزيد‏:‏
أثيبي هائمًا كَلِفًا مُعَنَّى ** إذا خَدَرتْ له رجْلٌ دَعاكِ ‏[‏‏"‏بلوغ الأرب‏"‏ ‏(‏2/320-321‏)‏‏.‏‏ ]
وغير ذلك من الأشعار، أفيقال‏:‏ إن هؤلاء توسلوا بمن يحبونه،من نساءٍ وغلمان، وأجيب سؤلهم، وقبلت وسيلتهم‏؟‏‏!‏‏!‏
وقال ‏(‏ص68‏)‏ معنونا‏:‏ ‏(‏التوسل بغير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏)‏‏.‏
ونقل أحاديث من ‏"‏مجمع الزوائد‏"‏ للهيثمي ‏(‏10/ 132‏)‏‏.‏ والهيثمي الحافظ بَوَّب لهذه الأحاديث بقوله‏:‏ ‏(‏باب ما يقول إذا انفلتت دابته، أو أراد غوثا أو أضل شيئا‏)‏ ساقه ضمن أبواب أدعية السفر‏.‏
وفِقْهُ الهيثمي في هذا التبويب ظاهر، وأما من بوب بـ ‏(‏التوسل بغير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏)‏ فليس بفقيه في النصوص، وسأبين هذا‏.‏
استدل صاحب المفاهيم تحت هذه الترجمة بأحاديث‏:‏
قال‏:‏ ‏(‏عن عتبة بن غزوان عن نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد عونا وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني،فإن لله عبادا لا نراهم‏.‏وقد جرب ذلك‏)‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة‏)‏ انتهى كلامه‏.‏
والكلام عليه من أوجه‏:‏
الأول‏:‏ ما وقع في نقله من التحريفات، فمنها أنه جعل قوله‏:‏ ‏(‏وقد جرب ذلك‏)‏ من كلام رسول الله، إذ أدخله بين الحاصرتين وهو ليس من كلامه، إنما من قول بعض الرواة المتأخرين كما سيأتي‏.‏
ومنها‏:‏ أن ‏(‏يزيد‏)‏ محرفه وصوابها زيد بن على، كما هو في معجم الطبراني‏.‏
الثاني‏:‏ الحديث رواه الطبراني في ‏"‏معجمه الكبير‏"‏ ‏(‏17/117‏)‏، من طريق أحمد بن يحيى الصوفي ثنا عبد الرحمن بن شريك ‏[‏هكذا في نسختي المصورة عن مكتبة أحمد الثالث‏(‏9/27/1‏)‏، وقد تحرفت في المطبوعة إلى عبد الرحمن بن سهل‏]‏ حدثني أبي عن عبد الله بن عيسى عن زيد بن علي عن عتبة بن غزوان مرفوعًا‏.‏
قال الحافظ ابن حجر في ‏"‏نتائج الأفكار‏"‏‏:‏ ‏(‏أخرجه الطبراني بسند منقطع‏)‏ اهـ‏.‏
ويقال‏:‏ ومع الانقطاع ففي إسناده كلام من وجهين‏:‏
1 ـ عبد الرحمن بن شريك‏:‏ قال أبو حاتم‏:‏ واهي الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال‏:‏ ربما أخطأ، ذكر ذلك ابن حجر في ‏"‏تهذيب التهذيب‏"‏،ولم يذكر سوى هذين القولين‏.‏
2 ـ شريك والد عبد الرحمن هو ابن عبد الله النخعي القاضى المشهور، قال الحافظ في ‏"‏التقريب‏"‏‏:‏ ‏(‏صدوق، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي قضاء الكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، شديدًا على أهل البدع‏)‏ اهـ‏.‏
فاجتمع في هذا الإسناد ثلاثُ آفات‏:‏ الانقطاع، وضعف عبد الرحمن، وضعف شريك‏.‏ فالإسناد ضعيف بيقين‏.‏
وقال‏:‏ ‏(‏وعن ابن عباس أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏إن لله ملائكة ‏[‏في الأرض‏]، سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد‏:‏ أعينوني يا عباد الله‏)‏‏.‏ رواه الطبراني ورجاله ثقات‏.‏ اهـ نقله عن ‏"‏مجمع الزوائد‏"‏‏.‏
أقول‏:‏ وفي نسخة من ‏"‏مجمع الزوائد‏"‏ رواه البزار، ولعله أصوب، فإن أثر ابن عباس أخرجه البزار في ‏"‏البحر الزخار‏"‏ وذكره الهيثمي في ‏"‏كشف الأستار‏"‏ ‏(‏4/33ـ34‏)‏، قال البزار‏:‏ ‏(‏حدثنا موسى بن إسحاق ثنا منجاب بن الحارث ثنا حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيد عن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ فذكره‏.‏
قال البزار‏:‏ ‏(‏لا نعلمه يروى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد‏)‏ اهـ‏.‏
وفي هذا الإسناد نظر‏:‏
1 ـ أسامة بن زيد هو الليثي المدني‏.‏ عدَّلَه بعضهم وجرح حديثه آخر ون، قال أحمد بن حنبل‏:‏
ليس بشيء رواها الأثرم عنه‏.‏ وقال عبد الله بن أحمد لأبيه‏:‏ أراه حسن الحديث، فقال‏:‏ إن تدبرت حديثه فستعرف فيه النكرة، وكان يحيى بن سعيد يضعفه‏.‏
وقال أبو حاتم‏:‏ يكتب حديثه ولا يحتج به‏.‏
وقال النسائي‏:‏ ليس بالقوي‏.‏
وقال البرقي‏:‏ هو ممن يضعف، وقال‏:‏ قال لي يحيى‏:‏ أنكروا عليه أحاديث‏.‏ هذه حكاية أقوال بعض من تكلموا فيه‏.‏
وممن وثقه‏:‏ ابن معين في رواية أبي يعلى، وكذا نحوه في رواية عباس‏.‏ وفي رواية الدارمي عن ابن معين‏:‏ ليس به بأس‏.‏ وتبع ابن معين ابنُ عدي فقال‏:‏ ليس بحديثه بأس‏.‏ ووثقه ابن شاهين، وابن حبان وزاد‏:‏ ‏(‏يخطئ‏)‏، ومن تدبر هذه الأقوال علم أن ما تفرد به حقه الرد، فإن توبع قبل، ومن أحاديثه التي تفرد بها حديث ابن عباس‏.‏
2 ـ حاتم بن إسماعيل الراوي عن أسامة بن زيد قال فيه الحافظ‏:‏ ‏(‏صحيح الكتاب صدوق يهم‏)‏ اهـ‏.‏
قال الشيخ ناصر الألباني‏:‏ ‏(‏خالفه جعفر بن عون فقال‏:‏ ثنا أسامة بن زيد‏.‏‏.‏‏.‏ فذكره موقوفًا على ابن عباس‏.‏ أخرجه البيهقي في ‏"‏شعب الإيمان‏"‏ ‏(‏2/455/1‏)‏، وجعفر بن عون أوثق من حاتم بن إسماعيل فإنهما وإن كانا من رجال الشيخين، فالأول منهما لم يجرح بشيء، بخلاف الآخر، فقد قال فيه النسائي‏:‏ ليس بالقوي، وقال غيره‏:‏ فيه غفلة‏.‏ ولذلك قال فيه الحافظ‏:‏ صحيح الكتاب صدوق يهم‏.‏ وقال في جعفر‏:‏ ‏(‏صدوق‏)‏‏.‏
ولذلك فالحديث عندي معلول بالمخالفة‏)‏ اهـ‏.‏
3 ـ تفرد أسامة به، وقد نقدم أن تفرد ضعيف الحفظ يعد منكرًا، إذا لم تؤيده أصول صريحة صحيحة‏.‏
وقال الحافظ ابن حجر‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن الإسناد، غريب جدا‏)‏ اهـ من ‏"‏شرح ابن علان للأذكار‏"‏ ‏(‏5/151‏)‏، ومن المعلوم أن حسن إسناده لا يدل على حسن الحديث دائمًا‏.‏
والحديث على ضعفه من أبواب الأذكار لا يدل على ما يدعيه المبطلة من سؤال الموتى ونحوهم، بل إنه صريح في أن من يخاطبه ضال الطريق هم الملائكة، وهم يسمعون مخاطبته لهم، ويقدرون على الإجابة بإذن ربهم؛ لأنهم أحياء ممكنون من دلالة الضال، فهم عباد لله، أحياء يسمعون، ويجيبون بما أقدرهم عليه ربهم، وهو إرشاد ضالي الطريق في الفلاة، ومن استدل بهذه الآثار على نداءِ شخص معين باسمه فقد كذب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يلاحظ ويتدبر كلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذاك سيما أهل الأهواء‏.‏
إذا تبين هذا فالأثر من الأذكار التي قد يتساهل في العمل بها مع ضعفها؛ لأنها جارية على الأصول الشرعية، ولم تخالف النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم هو مخصوص بما ورد به الدليل؛ لأن هذا مما لا يجوز فيه القياس لأن العقائد مبناها على التوقيف‏.‏
ولهذا روى عبد الله بن أحمد في ‏"‏المسائل‏"‏ ‏(‏ص245‏)‏ عن أبيه قال‏:‏ ‏(‏ضللت الطريق في حجة وكنت ماشيًا، فجعلت أقول‏:‏ يا عباد الله‏!‏ دلونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق‏)‏‏.‏
فما بَوّبَ به صاحب المفاهيم هذا الحديث وأشباهه بقوله‏:‏ ‏(‏التوسل بغير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏)‏ هو من عدم تدبر الأحاديث وفهمهما كما فهمها أئمة العلماء، فلم يقل عالم من المتقدمين إنها دليل في التوسل بغير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كيف وقد أجمعوا على منعه‏.‏
وقال ناقلًا عن ‏"‏مجمع الزوائد‏"‏ وعن عبد الله بن مسعود أنه قال‏:‏ قال رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة‏:‏ فليناد يا عباد الله‏!‏ احبسوا، فإن لله حاضرًا في الأرض سيحبسه‏)‏‏.‏ رواه أبو يعلى والطبراني، وزاد‏:‏ ‏(‏سيحبسه عليكم‏)‏ وفيه معروف بن حسان وهو ضعيف اهـ‏.‏
أقول‏:‏ الحديث في ‏"‏المعجم الكبير‏"‏ ‏(‏10/267‏)‏ حدثنا إبراهيم بن نائلة،و‏"‏مسند أبي يعلي‏"‏ ‏(‏2/244‏)‏، وفي ‏"‏عمل اليوم والليلة‏"‏ لابن السني ‏(‏ص136‏)‏ من طريق أبي يعلى، كلاهما قال‏:‏ حدثنا الحسن بن عمر بن شفيق حدثنا معروف بن حسان ‏(‏أبو معاذ‏)‏ السمرقندي عن سعيد بن أبى عروبة عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مسعود به مرفوعًا‏.‏
وهذا إسناد ضعيف لأمور‏:‏
1 ـ معروف بن حسان‏:‏ قال أبو حاتم‏:‏ ‏(‏مجهول‏)‏، وقال ابن عدي‏:‏ ‏(‏منكر الحديث‏)‏، قلت‏:‏ هو الراوي عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا‏:‏ ‏(‏من ربى شجرة حتى نبتت كان له كأجر قائم الليل صائم النهار‏)‏، وهو حديث موضوع، رواه الكنجروذي في ‏"‏الكنجروذيات‏"‏ ‏.‏
2 ـ سعيد ابن أبي عروبة‏:‏ اختلط، قال النسائي‏:‏ من سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء‏.‏ ومعروف بن حسان من الصغار، ولم يسمع منه قبل الاختلاط إلا الكبار، وسمع منه قبل استحكام اختلاطه جماعة، وسمع منه بعد استحكام الاختلاط كثير‏.‏
وكان بدأ اختلاطه سنة 132هـ واستحكم 148هـ أفاده البزار‏.‏
3 ـ تدليس سعيد بن أبي عروبة‏:‏ قال الحافظ ‏(‏كثير التدليس‏)‏‏.‏ وروى هذا الحديث معنعنًا عن ابن بريدة فلا يقبل‏.‏
4 ـ قال الحافظ في ‏"‏نتائج الأفكار‏"‏‏:‏ ‏(‏حديث غريب أخرجه ابن السني وأخرجه الطبراني، وفي السند انقطاع بين ابن بريدة وابن مسعود‏)‏ اهـ‏.‏ فهذه علة رابعة، أفادها الحافظ وهي الانقطاع‏.‏
5 ـ روى ابن أبي شيبة في ‏"‏المصنف‏"‏ ‏(‏10/424ـ 425‏)‏‏:‏ حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ فذكره‏.‏
وهذا الإسناد معضل، وتدليس ابن إسحاق مشهور، فهذه علل تِلْوَ علل، ليس لها دواء من التلف، وإسناده مطروح‏.‏
ولهذا كله لم يصَحَّحْ أو يحسن هذا الحديث أحدٌ ممن له معرفة أو مشاركة في علم الحديث، بل إما مضعف، أو ناقل تضعيف غيره‏.‏
وبعد‏:‏ فقول صاحب المفاهيم ‏(‏ص69‏)‏‏:‏ ‏(‏فهذا توسل في صورة النداء‏)‏ من الدعاوي العريضة لغةً وشرعًا‏.‏
فأما اللغة‏:‏ فلا يعرف أن من صور التوسل النداء، بل النداء دعاء وطلب مباشر، لمنادى حاضر يسمع ويجيب، والتوسل جعل القرب سببا لقبول الدعاء‏.‏
وأما الشرع‏:‏ فالأحاديث ضعيفة، والأول والثالث شديدا الضعف، والثاني‏:‏ والذي فيه ذكر الملائكة ضعيف وغريب جدًا، ولا دلالة فيه على المدعى وهو التوسل، إذ هذا نداء حي يقدر على إجابته‏.‏
وما أحسن ما روى الهروي في ‏"‏ذم الكلام‏"‏ ‏(‏4/68/1‏)‏‏:‏ ‏(‏أن عبد الله بن المبارك ضل في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه‏:‏ أن من اضطر في مفازة فنادى‏:‏ عباد الله‏!‏ أعينوني أعين‏.‏
قال‏:‏ فجعلتُ أطلب الجزء أنظر إسناده‏)‏‏.‏
قال الهروي‏:‏ فلم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرى إسناده‏)‏ ‏[‏سلسلة الأحاديث الضعيفة‏"‏ ‏(‏2/109‏)‏‏.‏‏]‏ اهـ‏.‏
فهذه طريق السلف، وأتباعهم البحث في الأسانيد، وصنيع بعض الخلف وأتباعهم الفرح بكل ما يؤيد رأيهم ولو بالموضوعات المكذوبات، ولا يغارون على سنة المصطفى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏
وقال ‏(‏ص69‏)‏‏:‏
‏(‏وجاء في الحديث أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول بعد ركعتي الفجر‏:‏ ‏(‏اللهم رب جبرائيل وإسرافيل وميكائيل ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعوذ بك من النار‏)‏‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏(‏وتخصيص هؤلاء بالذكر في معنى التوسل بهم، فكأنه يقول‏:‏ اللهم‏!‏ إني أسألك وأتوسل إليك بجبريل‏.‏‏.‏ الخ‏.‏ وقد أشار ابن علان إلى هذا في الشرح‏)‏ انتهى كلامه‏.‏
أقول‏:‏ في ما قاله تعليل لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتحليل لما في نفسه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلا فما أدراه عما في قلبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى يقول‏:‏ ‏(‏كأنه يقول‏)‏، هذا تجرؤ عظيم على مقام الرسالة‏.‏
ثم أيَّد تجرأه بنسبته ذلك إلي ابن علان في ‏"‏شرح الأذكار‏"‏ ‏(‏2/141‏)‏، وما قاله ابن علان ولا أشار إليه، ولكنه تحريف تبديل، وصنيع مذموم رديء‏.‏
فهاك ما قاله ابن علان في ‏"‏شرح الأذكار‏"‏ قال‏:‏ ‏(‏إنما خصهم بالذكر ـ وإن كان تعالى رب كل شيء ـ لما تقرر في القرآن والسنة من نظائره من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة وكبير الشأن، دون ما يستحقر ويستصغر‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية الله لهذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول الحاجات ووصول المهمات‏)‏ اهـ‏.‏
وهو كلام جيد من ابن علان، فالتوسل بربوبية الله لهذه الأرواح لا بالأرواح، وهو توسل بصفةٍ من صفات الله العلى، وهذا التوسل مما يحبه الله ويرضاه، واختاره رسوله وانتقاه‏.‏
فجرَّد المتابعة لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذر الخائضين ذوي المين والحين، محبي إفساد ذات البين‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2010, 01:55 AM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
وعقد صاحب المفاهيم ‏(‏ص69‏)‏ عنوانا، قال فيه معنونا‏:‏ ‏(‏معنى توسل عمر بالعباس‏)‏‏.‏ قلب فيه ما قاله العلماء في معنى هذا التوسل، وأنه توسل بالدعاء؛ لأن العباس يملكه‏.‏
فقال عجبًا، فاسمعه‏:‏ ‏(‏من فهم من كلام أمير المؤمنين أنه إنما توسل بالعباس ولم يتوسل برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن العباس حي والنبي ميت‏:‏ فقد مات فهمه، وغلب عليه وهمه، ونادى على نفسه بحالة ظاهرة،
أو عصبية لرأيه قاهره‏.‏ فإن عمر لم يتوسل بالعباس إلا لقرابته من رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏‏.‏‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ ما أعجب هذا وأسهل صده ورده، وإنما أتي كاتبه من أمرين‏:‏
الأول‏:‏ شهوةٌ خفية تُرى خلل أسطر قوله، وأحرفه‏.‏
الثاني‏:‏ قلة التتبع والفقه لمعنى الاستسقاء بالصالحين وتاريخه، فقد صح أن معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ استسقى بـ ‏(‏يزيد بن الأسود‏)‏‏.‏ قال الحافظ العَلَم يعقوب بن سفيان في كتابه ‏"‏المعرفة والتاريخ‏"‏ ‏(‏2/380ـ 381‏)‏‏:‏ حدثنا أبو اليمان قال حدثنا صفوان عن سليم بن عامر الخبائري‏:‏ أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال‏:‏ أين يزيد بن الأسود الجرشي‏؟‏ فناداه الناس‏.‏ فأقبل يتخطى الناس فأمره معاوية فصعد المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية‏:‏ اللهم‏!‏إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم‏!‏ إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد‏!‏ ارفع يديك إلى الله، فرفع يزيد يديه، ورفع الناس أيديهم‏.‏
فما كان أو شك أن فارت سحابة في الغرب كأنها تُرْس، وهبت لها ريح، فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم‏.‏
وأخرجه ابن سعد في ‏"‏الطبقات ‏(‏7/444‏)‏، وأبو زرعة في ‏"‏تاريخ دمشق ‏"‏ ‏(‏1/602‏)‏ وإسناده مسلسل بالثقات الكبار، فهو في غاية الصحة‏.‏
فهذا معاوية الصحابي ـ رضى الله عنه ـ فهم من الاستسقاء بالنبي ‏ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ ‏ حال حياته أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعو لهم‏.‏
وفهم من فعل عمر بالعباس، أن يدعو العباس لهم، وسار على هذا الفهم، فاستسقى واستشفع بيزيد يدعو لهم، وأي قرابة ليزيد من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏؟‏‏!‏ ولا شك أن قرابته مع صلاحه سبب لقبول دعائه، أما مجرد القرابة من غير صلاح فلم تفد عمه أبا لهب ونحوه‏.‏
إنما هو السبب الأعظم، والحبل الأكرم، اتباع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنحن على فهم الصحابة مقتفون ومتبعون، ولمجانب سنة الخليفة الراشد والصحابة من بعده مجانبون، ولفهم أهل الأهواء رادون ناقضون، والحمد لله رب العالمين‏.‏
قال ‏(‏ص65‏)‏ معنونًا‏:‏ ‏(‏توسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحقه وحق الأنبياء والصالحين‏)‏‏.‏
ثم استدل بحديث قبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاطمة بنت أسد أم علي ـ رضى الله عنه ـ وفيه‏:‏ ‏(‏اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي‏)‏‏.‏ قال‏:‏ رواه الطبراني في ‏"‏الكبير‏"‏ و‏"‏الأوسط‏"‏، وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح ‏[‏كذا بـ‏"‏مجمع الزوائد‏"‏ ‏(‏ج9 ص 257‏]‏ رواه الطبراني في ‏"‏الأوسط‏"‏ و‏"‏الكبير‏"‏بسند جيد‏.‏
ورواه ابن حبان والحاكم وصححوه عن أنس‏.‏
ورواه ابن أبي شيبة عن جابر‏.‏
وابن عبد البر عن ابن عباس‏.‏
واختلف بعضهم في روح بن صلاح أحد رواته، ولكن ابن حبان ذكره في الثقات وقال الحاكم‏:‏ ئقة مأمون، وكلا الحافظين صحح الحديث‏.‏ وهكذا الهيثمي في ‏"‏مجمع الزوائد‏"‏ ورجاله رجال الصحيح، ورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس، وابن أبي شيبة عن جابر، وأخرجه الديلمي وأبو نعيم، فطرقه يشد بعضها بعضا بقوة وتحقيق‏)‏‏.‏ اهـ‏.‏
هذا كلام صاحب المفاهيم بحروفه أطلت الكتاب بنقله ليتبين لمن طالع كلامه أمور‏:‏
الأول‏:‏ قلة معرفته بالتخريج وأصوله‏.‏
الثاني‏:‏ تناقضه في حديث واحد وفي أسطر متقاربة في مواضع‏:‏
منها‏:‏ أنه نقل عن الهيثمي أول كلامه ما يفيد ضعف الحديث، ثم قال في آخره‏:‏ صححه الهيثمي‏.‏ فكيف يزعم أنه صححه وإنما قال عن روح‏:‏ ‏(‏وفيه ضعف‏)‏، قاله بعد سياق من وثقه مستدركًا عليهم‏.‏ ثم قوله‏:‏ ‏(‏رجاله رجال الصحيح‏)‏، إنما تفيد لو كانوا كلهم رجال الصحيح أن رواته ثقات، ولا دخل للحكم على الإسناد بالصحة فكيف بتصحيح الحديث‏؟‏‏!‏
ومنها‏:‏ أنه قال‏:‏ بسند جيد، ثم ذكر صحته من الطريق نفسها التي قال إن إسنادها جيد‏.‏
ومنها‏:‏ قوله وأخرجه الديلمي وأبو نعيم، وإنما أخرجاه من طريق روح؛ ليلبس وليوهم كثرة الطرق‏.‏
الثالث‏:‏ تكراره لرواية ابن أبي شيبة وابن عبد البر مرتين وما أدري لم‏؟‏‏!‏ ولكن يريد تطويلًا‏.‏ وعبارته في هذا الحديث مختلة مضطربة متكررة العبارات، ليست بمستقيمة كما هو ظاهر لمن قرأها فضلًا عمن تأملها، فكيف لم ينبه عليها الذين قرضوا كتابه‏؟‏‏!‏
تخريج الحديث‏:‏ حديث أنس المذكور‏:‏ أخرجه الطبراني في ‏"‏الأوسط ‏"‏ ‏(‏1/152ـ153‏)‏، وفي ‏"‏المعجم الكبير‏"‏ ‏(‏24/352‏)‏، وأبو نعيم في ‏"‏الحلية‏"‏ ‏(‏3/121‏)‏، من طريق روح بن صلاح حدثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أنس‏.‏
وفي هذا الإسناد روح بن صلاح‏:‏ ضعفه الدار قطني، قال الذهبي‏:‏ الدار قطني لا يضعف إلا من لا طِبّ فيه‏.‏ اهـ‏.‏ نقله عنه المناوي في ‏"‏فيض القدير‏"‏ ‏(‏1/28‏)‏‏.‏ وضعفه ابن عدي، وابن ماكولا وقال‏:‏ ‏(‏ضعفوه‏)‏، وقال ابن يونس في ‏"‏تاريخ الغرباء‏"‏‏:‏ رويت عنه مناكير‏.‏
أما توثيق ابن حبان فعلى قاعدته في توثيق المجاهيل، وقد ترجم روحًا في ‏"‏الثقات‏"‏ فقال‏:‏ ‏(‏روح بن صلاح من أهل مصر، يروي عن يحيى بن أيوب وأهل بلده‏)‏‏.‏ ‏(‏روى عنه محمد بن إبراهيم البوشنجي وأهل مصر‏)‏ اهـ ‏(‏2/132/2‏)‏ من ترتيب الهيثمي نسخة دار الكتب‏)‏‏.‏
فهذا ظاهر أنه مجهول، فلا يتكثر بتوثيق ابن حبان، والحاكم تلميذ ابن حبان فلعلّه استقى توثيقه منه، ومن كان ضعيفًا فلا يقبل حديثه،فكيف إذا تفرد به‏؟‏ ‏!‏فإن هذا الحديث لم يروه أحدٌ من أصحاب سفيان الثوري مطلقا ولذا قال الطبراني في ‏"‏الأوسط ‏"‏ ونقله عنه أبو نعيم في ‏"‏الحلية‏"‏‏:‏ ‏(‏تفرد به روح بن صلاح‏)‏، ومعلوم أن الضعيف إذا تفرد بحديث صار منكرًا كما قاله الذهبي في ‏"‏الميزان‏"‏ في ترجمة ابن المديني، وسبقت الإشارة إلى ذلك‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏رواه ابن حبان والحاكم وصححوه عن أنس‏)‏‏.‏
لم يذكر هذا التخريج الحفاظ الجهابذة، ابن حجر في ‏"‏الإصابة‏"‏ ولا السيوطي في ‏"‏الجامع الكبير‏"‏، وذكر كل ما فيه المتقي الهندي في ‏"‏كنز العمال‏"‏ في موضعين ولم يذكر هذا المخرج‏.‏
وكأن المؤلف اغتر بالكوثري فهو الذي عزا هذا العزو في ‏"‏مقالاته‏"‏ ‏(‏ص391‏)‏ وحاله في التلبيس والتحريف تعلم من ‏"‏التنكيل‏"‏ للعلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني‏.‏
أما قول الكاتب‏:‏ ‏(‏ورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس‏)‏، فهذا تدليس شديد، وتلبيس عتيد، فرواية ابن عباس ليس فيها توسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحقه وحق الأنبياء، فهذه اللفظة ليست في رواية ابن عباس فلماذا يلبس صاحب المفاهيم على المطالعين لكتبه، أيريد إثبات أمر لم يثبت ولم يرو، إن إيراد الشواهد في باب معناه عند العلماء أن الشاهد يدل على ما ترجم به، وهذا لا يوجد في كلام صاحب المفاهيم، فكأن له قصدا يستخفي به، ويتدسس لإثباته‏.‏
وإليك ما قاله ابن عبد البر في‏"‏الاستيعاب‏"‏ ‏(‏4/1891‏)‏، قال‏:‏ ‏(‏روى سعدان بن الوليد السابري عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال‏:‏ لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
قميصه واضطجع معها في قبرها، فقالوا‏:‏ ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه‏.‏
فقال‏:‏ إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة واضطجعت معها ليهون عليها‏)‏ اهـ‏.‏
فأفادنا هذا التوثيق عوار ما قاله صاحب المفاهيم ملبسًا تلبيسين‏:‏
الأول‏:‏ قوله ‏(‏رواه‏)‏، وأنت ترى أن ابن عبد البر لم يروه، وإنما حكى أن سعدان بن الوليد رواه وفرق بعيد بين الحالين‏.‏
الثاني‏:‏ أن الشاهد في التوسل بحق النبي والأنبياء ليس له ذكر في خبر ابن عباس، فتحفظ مما يمليه هؤلاء المبطلة، وكن حذرًا‏.‏
وقال صاحب المفاهيم ‏(‏ص66ـ67‏)‏‏:‏
‏(‏قال الحافظ أبو بكر البيهقي‏:‏ أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا‏:‏ حدثنا أبو عمر بن مطر حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك قال‏:‏ أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏
يا رسول الله‏!‏ استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا‏.‏ فأتاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنام فقال‏:‏ ‏(‏ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم مسقون، وقل له‏:‏ عليك بالكيس الكيس‏)‏‏.‏
فأتى الرجل فأخبر عمر فقال‏:‏ يا رب‏!‏ لا آلوا إلا ما عجزت عنه‏.‏ وهذا إسناد صحيح [‏كذا قال الحافظ ابن كثير في ‏"‏البداية‏"‏ ‏(‏جـ 7 ـ ص91‏)‏ ‏[‏في الأصل ‏(‏جـ 1‏)‏ وصوابه ‏(‏جـ 7‏)‏، وقد تكرر الخطأ في العزو إلى الجزء في ‏(‏ص77‏)‏ أيضًا، وكأنه ليس مطبعيًا‏]‏ في حوادث عام ثمانية عشر‏[‏‏.‏ اهـ ‏.‏ كلام صاحب المفاهيم‏.‏
أقول‏:‏ الكلام هنا في مبحثين‏:‏
الأول‏:‏ الحافظ ابن كثير ساق قبل رواية البيهقي رواية سيف،وفيها أن عمر ـ رضى الله عنه ـ صعد المنبر فقال للناس‏:‏ أنشدكم الله الذي هدا كم للإسلام هل رأيتم مني شيئًا تكرهون‏؟‏
فقالوا‏:‏ اللهم لا‏.‏ وعم ذلك‏؟‏ فأخبرهم بقول المزني وهو بلال بن حارث‏.‏ ففطنوا ولم يفطن‏.‏ فقالوا‏:‏
إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا‏.‏ ا هـ المقصود‏.‏ وهذه الرواية مبينة أن قول نبي الله لعمر في رواية سيف‏:‏ ‏(‏عهدي بك وفي العهد شديد العقد فالكيس الكيس يا عمر‏)‏ هو ما فسرها صحابة رسول الله ‏(‏ففطنوا ولم يفطن عمر‏)‏ كما جاء صريحًا، وهو إرشاده للاستسقاء‏.‏
وفي هذا سرّ لطيف وهو أن قول القائل‏:‏ ‏(‏يا رسول الله‏!‏استسق الله لأمتك‏)‏ منكر، جره تباطؤ عمر عن طلب السقيا، وعدم الفزع إلى المشروع، يجر إلى وجود غير المشروع، فلذا قال نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏
‏(‏عهدي بك وفي العهد شديد العقد فالكيس الكيس‏)‏‏.‏ أقول هذا مع ضعف الرواية، لأبين مقصد ابن كثير حين ساق الروايتين الضعيفتين‏.‏‏.‏
إذا تبين هذا عُلم فضل علم ابن كثير ـ رحمه الله ـ حيث جعل رواية البيهقي هي الثانية، ورواية سيف المفصَّلة معنى الكيس هي الأولى، فتأمل هذا‏!‏ وتبين مقاصد الحفاظ في أحكامهم‏.‏
ويقال‏:‏ تأخر عمر عن الاستسقاء وهو العبادة المشروعة التي يحبها الله، لما فيها من الذل بين يديه، والانكسار له، وتوجه القلوب بصدقٍ وإخلاص نحو ربها لكشف ضرها، إن تأخر عمر عن الاستغاثة المشروعة سبب هذا الأمر غير المشروع‏.‏
ولذا؛ لم يفعل أحد من صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثل ما فعل هذا الرجل الذي جاء إلى قبر نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال ما قال، وهم إنما سقوا باستسقائهم، لا بقول الرجل غير المشروع‏.‏ فتنبه لهذا‏.‏
الثاني‏:‏ أن هذه الرواية التي ساقها الحافظ ابن كثير من رواية البيهقي في ‏"‏دلائل النبوة‏"‏ فيها علل يعلل بها المحدثون‏:‏
الأولى‏:‏ عنعنة الأعمش، وهو مدلس، والمدلس لا يقبل من حديثه إلا ما قال فيه ‏(‏حدثنا‏)‏ و‏(‏أخبرنا‏)‏ ونحوها، دون ‏(‏قال‏)‏ أو ‏(‏عن‏)‏، إذ احتمال أنه أخذه عن ضعيف يهي الحديث بذكره، كما هو معلوم في ‏"‏مصطلح الحديث‏"‏، مع أن الأعمش في الطبقة الثانية من المدلسين عند الحافظ وغيره‏.‏
الثاني‏:‏ مالك الذي في إسناده والذي هو عمدة الرواية مجهول، وذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيها تعديلًا ولا جرحًا، فهو مجهول‏.‏ والمجهول لا يقبل حديثه‏.‏ وابن كثير إنما صحح الإسناد على طريقته في توثيق مجاهيل كبار التابعين كما يعلم من تتبع صنيعه في التفسير وغيره‏.‏ وإذا كان مجهولًا فلا علم لنا بتاريخ وفاته‏.‏ الثالث‏:‏ أن أبا صالح وهو ذكوان الراوي عن مالك لا يعلم سماعه ولا إدراكه لمالك، إذ لم نتبين وفاة مالك، سيما ورواه بالعنعنة فهو مظنة انقطاع، لا تدليس‏.‏
الرابعة‏:‏ أن تفرد مالك المجهول به رغم عظم الحادثة وشدة وقعها على الناس إذ هم في كرب شديد أسودَّ معه لون عمر بن الخطاب،إن سببًا يفك هذه الأزمة ويرشد إلى المخرج منها مما تتداعى همم الصغار فضلًا عن الكبار لنقله وتناقله، كما في تناقلهم للمجاعة عام الرمادة، فإذا لم ينقلوه مع عظم سبب نقله دل على أن الأمر لم يكن كما رواه مالك، فلعله ظنه ظنًا‏.‏
ونقل الكاتب ‏(‏ص67‏)‏ قول الحافظ في هذه الرواية‏:‏
‏(‏وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار ‏(‏وكان خازن عمر‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ فساق نحوًا من حديث البيهقي‏.‏
قال صاحب المفاهيم‏:‏ ‏(‏وقد أورد هذا الحديث ابن حجر العسقلاني وصحح سنده كما تقدم، وهو من هو في علمه وفضله ووزنه بين حفاظ الحديث، مما لا يحتاج إلى بيان وتفصيل‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ منزلة الحافظ لا مكان للمجادلة فيها فهو عَلَم أشم في علوم الحديث، ولكن الشأن في فهم من ينتسب إلى العلم، ولا يدرك ألفاظ الحافظ ومدلولاتها‏.‏
فالحافظ المِدْره الجهْبذ ابن حجر لم يصحح إسناده مطلقًا كما زعمه صاحب المفاهيم، إنما قال‏:‏ ‏(‏بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ اهـ ‏.‏
ومعنى هذا أن الحافظ صحح سنده إلى أبي صالح السمان، وما ذكر من رجال إسناده لم يقل بصحته كما هو ظاهر لأهل العلم، ففرق بين قوله هذا وبين ما لو قال‏:‏ ‏(‏بإسناد صحيح أن مالك الدار قال‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏، فتبين أن كلام الحافظ هذا لا يمنع من علتين سبق تعليلُ الحديث بهما‏.‏
الأولى‏:‏ جهالة مالك الدار‏.‏
الثانية‏:‏ مظنة الانقطاع بين أبي صالح ذكوان وبين مالك الدار، إذا تقرر هذا واتضح، عُلم فضل قول الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ على قول ابن كثير الذي سبق‏.‏ ومنه يتبين ضعف الأثر، ثم قد أوضحت أنه لا حجة في لفظه، بل ينعكس به الاستدلال على صاحب المفاهيم، وذلك إذا سلمت النفوس، وارتضت قواعد أهل العلم طريقًا وسبيلًا للوصول للحق، ومن لم يكن كذلك فلا يباليه أهل العلم باله، ولا يأخذون بالوزن مقاله‏.‏
رواية سيف في ‏"‏الفتوح‏"‏‏:‏
قال صاحب المفاهيم ‏(‏ص67‏)‏‏:‏
‏(‏وقد روى سيف في ‏"‏الفتوح‏"‏ أن الذي رأى في المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة، قال ابن حجر‏:‏ إسناده صحيح‏.‏ اهـ ‏[‏‏"‏فتح الباري‏"‏ ‏(‏ص 415 جـ2‏] ‏)‏ انتهى‏.‏
أقول‏:‏ هذا كذب ظاهر على الحافظ ابن حجر، فكلامه انتهى عند قوله أحد الصحابة‏.‏ أما قوله قال ابن حجر‏:‏ إسناده صحيح، فهو من مفتريات صاحب المفاهيم على الحافظ، فانظر كيف فعلته، وسوء صنعته‏.‏ وكيف يصحح الحافظ إسنادًا يرويه سيف في ‏"‏الفتوح‏"‏‏؟‏‏!‏ والحافظ هو الذي يقول في سيف في كتابه ‏"‏تقريب التهذيب‏"‏‏:‏ ‏(‏ضعيف الحديث‏)‏، ومن قال فيه ذلك فلا يقبل حتى في المتابعات كما هو معلوم من اصطلاحه، ذكره في مقدمة كتابه، وسيأتي في المسألة التي تلي هذه كلام الحفاظ في سيف‏.‏
فما لصاحب المفاهيم وتعمد الكذب، فتعمده الكذب كبيرة، قال في ‏"‏المشرع الروي في مناقب آل أبي علوي‏"‏ ‏(‏1/58‏)‏‏:‏ ‏(‏إن القبيح من أهل البيت أقبح منه في غيرهم، ولهذا قال العباس لابنه عبد الله ـ رضى الله عنهما ـ يا بني‏!‏ إن الكذب ليس بأحدٍ أقبح من هذه الأمة أقبح منه بي وبك وبأهل بيتك‏)‏ اهـ ‏.‏
وقال ‏(‏ص67‏)‏‏:‏
‏(‏ذكر الحافظ ابن كثير أن شعار المسلمين في موقعة اليمامة كان ‏[‏محمداه‏]‏‏ )‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ ابن كثير ـ رحمه الله ـ ساق ذلك في ضمن خبر طويل عن الغزوة، دخل حديث بعض الأخباريين في بعض‏.‏ وأما هذا الشعار فقد روى خبره ابن جرير في ‏"‏تاريخ الأمم والملوك‏"‏ ‏(‏3/293‏)‏ قال‏:‏ ‏(‏كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن الضحاك بن يربوع عن أبيه عن رجل من بني سحيم‏.‏‏.‏‏)‏ فذكر قصة وفيها الشعار‏.‏
أقول‏:‏ هذا إسنادٌ مظلم، وما عهدت مسائل العقيدة والتوحيد، بل ولا غيرها من أحكام الشريعة تؤخذ من كتب التاريخ، وإنما تروى قصص التأريخ للعبرة والعظة، والتصديق بمجموعها، لا تفاصيلها ولهذا قال أحمد بن حنبل‏:‏ ‏(‏ثلاثة ليس لها أصول وذكر المغازي‏.‏‏.‏‏)‏ وإظلام هذا الإسناد من ثلاث جهات‏:‏
الأولى‏:‏ سيف هو ا بن عمر مصنف ‏"‏الفتوح‏"‏، و‏"‏الردة‏"‏، يروي عن خلق كثير من المجهولين‏.‏
قال الذهبي في ‏"‏ميزان الاعتدال‏"‏ ‏(‏2/255‏)‏‏:‏ ‏(‏روى مطيّن عن يحيى‏:‏ فَلْس خير منه‏.‏ وقال أبو داود‏:‏ ليس بشيء‏.‏
وقال أبو حاتم‏:‏ متروك‏.‏
وقال ابن حبان‏:‏ اتهم بالزندقة‏.‏
وقال ابن عدي‏:‏ عامة حديثه منكر‏.‏‏.‏‏)‏ اهـ‏.‏
الثانية‏:‏ الضحاك بن يربوع‏:‏ قال الأزدي‏:‏ حديثه ليس بقائم‏.‏ قلت‏:‏ وهو من المجهولين الذين تفرد بالرواية عنهم سيف‏.‏
الثالثة‏:‏ جهالة يربوع والرجل السحيمي‏.‏ وكل واحدة من هذه العلل والقوادح تضعف الحديث، فكيف وهو من رواية سيف بن عمر‏؟‏‏!‏ وقد عرفت ما فيه، نسأل الله العافية‏.‏
ولا يُستنكر إيراد ابن جرير لمثل هذه الحكايات الواهيات، وتتابع المؤرخين بعده على ذكرها، فقد قال ابن جرير ـ رحمه الله ـ في مقدمة كتابه ‏"‏تاريخ الأمم والملوك‏"‏ ‏(‏1/8‏)‏ ما نصه‏:‏ ‏(‏فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارؤه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة‏:‏ فيعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُديَ إلينا‏)‏ انتهى كلامه‏.‏
استدل صاحب المفاهيم ـ على زعمه ـ بجواز التوسل بحق الصالحين بحديث أبي سعيد الخدري الذي ساقه ‏(‏ص 65ـ66‏)‏ ولفظه‏:‏ ‏(‏من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم‏!‏ إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا رياءً ولا سمعه‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث ‏.‏
أقول‏:‏ المؤلف قصَّر في الحكم على الحديث والنظر في إسناده على عادته، فالحديث أخرجه الإمام أحمد في ‏"‏المسند‏"‏ ‏(‏3/ 21‏)‏، وابن ماجه في ‏"‏سننه‏"‏ ‏(‏1/256‏)‏، وابن السني في ‏"‏عمل اليوم والليلة‏"‏‏.‏
‏(‏85‏)‏، وأشار ابن خزيمة في ‏"‏التوحيد‏"‏ ‏(‏ص17‏)‏ إلى تخريج الحديث في كتاب آخر، كلهم عن فُضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري به مرفوعًا‏.‏
وهذا إسناد ضعيف لأمور‏:‏
1 ـ فضيل بن مرزوق‏:‏ وثقه بعضهم وضعفه آخرون، وهو ممن عيب على مسلم ـ رحمه الله ـ إخراج حديثهم في ‏"‏الصحيح‏"‏، كما قال الحاكم ـ رحمه الله ـ وأغلظ ابن حبان فقال‏:‏ ‏(‏يروي عن عطية الموضوعات‏)‏‏.‏
2 ـ عطية العوفي‏:‏ قال الذهبي في ‏"‏الميزان‏"‏‏:‏ ‏(‏تابعي شهير، ضعيف‏.‏‏.‏‏.‏، وقال أحمد‏:‏ ضعيف الحديث‏.‏‏.‏ وقال النسائي وجماعة‏:‏ ضعيف‏)‏ اهـ ‏.‏
3 ـ عطية مدلس مع ضعفه، وتدليسه عجيب، قال أحمد‏:‏ بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي، فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنى بأبي سعيد فيقول‏:‏ قال أبو سعيد‏.‏ انتهى‏.‏
4 ـ وقد أعلّ الحديث الشيخ ناصر الألباني في ‏"‏السلسلة الضعيفة‏"‏ ‏(‏1/ 37‏)‏ بعلة أخرى، وهي‏:‏ اضطراب عطية أو ابن مرزوق في روايته، حيث إنه رواه تارة مرفوعًا كما تقدم، وأخرى موقوفًا على أبي سعيد،كما رواه ابن أبي شيبة في ‏"‏المصنف‏"‏‏(‏12/110/1‏)‏ عن ابن مرزوق به موقوفًا‏.‏
وفي رواية البغوي من طريق الفضيل قال‏:‏ أحسبه قد رفعه، وقال ابن أبي حاتم في ‏"‏العلل‏"‏ ‏(‏2/184‏)‏‏:‏ موقوف أشبه‏.‏ انتهى وهو كلام متجه؛ لأن المضطربين ضعاف في حديثهم، فلا يحمل ذلك على غير الاضطراب، كما هو معلوم من ‏"‏أصول الحديث‏"‏‏.‏
وقد حسن إسناد الحديث الحافظ العراقي في ‏"‏تخريج الإحياء الصغير‏"‏ ‏(‏1/323‏)‏، وحسن الحديث الحافظ ابن حجر فقال في ‏"‏نتائج الأفكار‏"‏‏:‏ ‏(‏حديث حسن أخرجه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في كتاب ‏"‏التوحيد‏"‏ وأبو نعيم الأصبهاني‏.‏ قال‏:‏ وفي ‏"‏كتاب الصلاة‏"‏ لأبي نعيم عن فضيل عن عطية قال‏:‏ حدثني أبو سعيد فذكره، ولكنه لم يرفعه‏.‏ فقد أمن بذلك تدليس عطية‏.‏‏.‏‏)‏ انتهى‏.‏
أقول‏:‏ أفاد الحافظ هنا أن تحسينه الحديث لأجل انتفاء تدليس عطية وفي هذا نظر من وجهين‏:‏
الأول‏:‏ أن تدليس عطية ليس هو تدليس الإسناد المعروف حتى‏.‏ يؤمن بقوله‏:‏ حدثني، بل هو تدليس آخر، فعطية يقول‏:‏ حدثني أبو سعيد، أو قال أبو سعيد ويعني به الكلبي‏.‏ كما أفاد الإمام أحمد
ـ رحمه الله ـ‏.‏
الثاني‏:‏ أن الحافظ ذكر أن الرواية التي فيها حدثنا أبو سعيد موقوفة، فلم لم يعلّها بالاضطراب ، وحقها ذلك‏؟‏‏!‏ إذا عُلم هذا النظر، فقد قال جماعة كثيرون من الحفاظ بضعف الحديث‏:‏
منهم‏:‏ الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، في ‏"‏الترغيب والترهيب‏"‏ ‏(‏3/ 459‏)‏‏.‏
ومنهم‏:‏ الحافظ النووي في ‏"‏الأذكار‏"‏ ‏(‏ص25‏)‏‏.‏
ومنهم‏:‏ شيخ الإسلام ابن تيمية في ‏"‏مجموع الفتاوى‏"‏ ‏(‏1/288‏)‏‏.‏
ومنهم‏:‏ البوصيري الحافظ في ‏"‏زوائد ابن ماجة‏"‏‏.‏ وغيرهم، ممن أصاب الحق، فمن تأمل ما ذكر متجردًا منصفًا، علم أن قول هؤلاء الحفاظ الأكثرين هو الأصوب، والله أعلم‏.‏
تنبيه‏:‏ قال شيخ الإسلام على هذا الحديث في ‏"‏مجموع ‏"‏الفتاوى‏"‏ ‏(‏1/288‏)‏‏:‏ ‏(‏وهذا الحديث من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد، وهو ضعيف بإجماع أهل العلم، وقد روي من طريق آخر ‏[‏يشير إلى طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر عن بلال بنحوه‏.‏ قال الحافظ ابن حجر‏:‏ ‏(‏هذا حديث واه جدًا‏)‏، وقد ذكرت من أخرجه، وبقية الكلام عليه بأطول مما هنا في العدد الرابع من مجلة ‏"‏كلية أصول الدين بالرياض‏"‏‏]‏ ، وهو ضعيف أيضًا، ولفظه لا حجة فيه، فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين أن يثيبهم، وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم، وبإيجابه على نفسه في أحد أقوالهم‏.‏ وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار بأعمالهم‏)‏ انتهى‏.‏
وقال رحمه الله ‏(‏1/217‏)‏‏:‏ ‏(‏ومن قال‏:‏ بل للمخلوق على الله حق فهو صحيح إذا أراد به الحق الذي أخبر الله بوقوعه، فإن الله صادق لا يخلف الميعاد، وهو الذي أوجبه على نفسه بحكمته وفضله ورحمته، وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله به يسأل الله تعالى إنجاز وعده، أو يسأله بالأسباب التي علق الله بها المسببات كالأعمال الصالحة، فهذا مناسب‏.‏
وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك الشخص فهو كما لو سأله بجاه ذلك الشخص، وذلك سؤال بأمر أجنبي عن هذا السائل، لم يسأله بسبب يناسب إجابة دعائه‏)‏ اهـ‏.‏
وقال ‏(‏1/214‏)‏‏:‏ ‏(‏وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه يصير له على الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق، كالذين يخدمون ملوكهم ومُلاَّكهم، فيجلبون لهم منفعة، ويدفعون عنه مضرة، ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك، ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه‏:‏ ألم أفعل كذا‏؟‏ يمن عليه بما يفعله معه، وإن لم يقل ذلك بلسانه كان ذلك في نفسه‏.‏
وتخيل مثل هذا في حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه‏)‏ اهـ‏.‏
قال ‏(‏ص62‏)‏ معنونًا‏:‏ ‏(‏التوسل بآثاره ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏)‏‏:‏
‏(‏ثبت أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يتبركون بآثاره ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا التبرك ليس له إلا معنى واحد ألا وهو التوسل بآثاره إلى الله تعالى، لأن التوسل يقع على وجوه كثيرة لا على وجه واحد، أفتراهم يتوسلون بآثاره ولا يتوسلون به‏؟‏‏!‏ هل يصح أن يتوسل بالفرع ولا يصح بالأصل‏؟‏‏!‏‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ لما كان أكثر من يتبع ما يدعو إليه المبتدعة الجهال الطغام الذين لا يفقهون الفروق اللغوية ولا الشرعية بين الألفاظ، لما كان كذلك سهل على رؤسائهم وسادتهم أن يتلاعبوا بهم، وبالألفاظ الشرعية واللغوية فتلوى أعناقها وتكسر أيديها وتعكف أرجلها لتوافق ما يريدون‏.‏
وهذه الأسطر التي نقلتها من هذه البابة‏.‏ فالصحابة ثبت أنهم يتبركون بذاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما بأيديهم من آثاره الجسمية كالشعر والعرق ونحو ذلك، والتبرك بذاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما نقر به ونؤمن به كما يأتي بيانه، ولكن أين وجد مؤلف المفاهيم أن التبرك يسمى توسلًا ‏؟‏‏!‏ وكيف استجاز أن يخرق أقوال أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم بتسميته توسلًا، البركة شيء، والوسيلة شيء آخر‏؟‏‏!‏‏!‏
ولذا تعلم مجازفة وتعدي صاحب المفاهيم على صحابة رسول الله بقوله‏:‏ ‏(‏هذا التبرك ليس له إلا معنى واحد ألا وهو التوسل بآثاره‏)‏‏.‏ ليٌّ لفعل الصحابة ظاهر، وكسر لأعناق تصرفاتهم جائر‏.‏ وهو يريد تقرير مذهبه، ولكن بطريق غير علمية، لا تصلح إلا في الأزمنة الجاهلية، حيث يتبع الناس ساداتهم دون بحث ونظر، وبقي منهم بقية، ولكن اليقظة العلمية الشرعية كفيلة برد مزاعمه إليه ولو من أتباعه‏.‏
أنس ـ رضى الله عنه ـ كان عنده شعرة يتبرك بها، فهلا أحضرت لنا نقلًا واحدًا أنه قال مرة‏:‏ ‏(‏أتوسل بشعر رسول الله‏)‏‏؟‏‏!‏ لن تستطيع ولو طرت إلى الثريا، لن يأتي المبتدعة بشيء من هذا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا‏.‏
إن الصحابة يفرقون بين التبرك بالأثر المنفصل عن جسمه، وبين التوسل‏.‏ ولكن القوم لا يفهمون، أو يفهمون وعلى الصحابة يجنون، والحمد لله فنحن أهلُ السنة على طريق الصحابة سائرون، وبما قالوه قائلون‏.‏
وقال ‏(‏ص64‏)‏‏:‏
‏(‏وهذا في الحقيقة ليس إلا توسلًا بآثار أولئك الأنبياء إذ لا معنى لتقديمهم التابوت بين أيديهم إلا ذلك، والله سبحانه راض عن ذلك، بدليل أنه رده إليهم وجعله علامة وآية على صحة ملك طالوت، ولم ينكر عليهم ذلك الفعل‏)‏ اهـ‏.‏
هذا آخر كلامه في ‏(‏التوسل بآثار الأنبياء‏)‏، وواضح لأدنى ذي مسكة من علم ما في كلِمه من عُوَار‏:‏
ففيه‏:‏ أن تقديمهم التابوت بين أيديهم مفتقر إلى إثباته لا أن تجعل مقالات بعض المؤرخين مما نقله الإخباريون في مجالسهم مقام النصوص التي يستدل بها، ويفرع عليها‏.‏
فلم أسمع أحدًا ممن ارتبط بالعلم بسبب من المتقدمين والمتأخرين يستدل لحكم شرعي عقدي بقول مؤرخ‏.‏
أسفًا على ما أصله العلماء، فقد ذهب حين نطق أشباه العلماء، فإن كانت الإسرائيليات حجة عند كاتب المفاهيم وأشباهه كما هو ظاهر من احتجاجهم بها، فليحتجوا بما رواه أبو نعيم في ‏"‏حلية الأولياء‏"‏ ‏(‏10/9‏)‏‏:‏ قال يوسف عليه السلام‏:‏ ‏(‏اللهم‏!‏ إني أتوجه إليك بصلاح آبائي إبراهيم خليلك وإسحاق ذبيحك؛ ويعقوب إسرائيلك‏)‏‏.‏
فأوحى الله تعالى إليه‏:‏ يا يوسف‏!‏ تتوجه بنعمةٍ أنا أنعمتها عليهم‏؟‏ فاحتجوا بهذا يا أصحاب المفاهيم‏!‏
وفيه‏:‏ التجني على مقام الربوبية بقوله‏:‏ ‏(‏والله سبحانه راض عن ذلك‏)‏، فانظر جزمه برضى المولى على فعل نقله الأخباريون لا يثبت عند العلماء، وليس له وزن‏.‏
يوصف الله بالرضى عن فعلٍ لم يقله هو ولا رسوله، وإنما قاله المؤرخون‏.‏ ياله من تسرع، وسؤ نظر، وقلة مبالاة،نسأل الله السلامة، نسأل الله السلامة، نسأل الله السلامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏
قال ‏(‏ص64‏)‏‏:‏ معنونا‏:‏ ‏(‏التوسل بآثار الأنبياء‏)‏‏.‏
ثم ساق قوله تعالى‏:‏ {‏وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏} ‏[‏البقرة‏:‏ 248‏].‏ ونقل عن ابن كثير في ‏"‏تاريخه‏"‏ قول ابن جرير‏:‏ ‏(‏كانوا ينصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السكينة‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ كم بين الدعوى والدليل من بون تنقطع أكباد المهاري البزل عن وصوله، فالدعوى‏:‏ التوسل بآثار الأنبياء، ودليل هذا عند قائله قول ابن جرير‏:‏ ‏(‏كانوا ينصرون ببركته‏)‏‏.‏ ففي هذا افتئات على العلم الشرعي وجناية من أوجه‏:‏
الأول‏:‏ أن الآيات ليس فيها إلا أنهم أنكروا ملك طالوت، لكونه ليس من سلالة الملك، فقال لهم نبيهم إن آية صحة ملكه أن يأتيكم التابوت تسكنون لصحة كونه آية، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، تستدلون بهذه البقية على الصحة دليلًا ثانيًا، والدليل الثالث أن الملائكة تحمله‏.‏ هذا ما دلت عليه الآية‏.‏
الثاني‏:‏ أن كلام ابن جرير وغيره بحاجة إلى أن يستدل له لا أن يستدل به‏.‏
الثالث‏:‏ هبهم كانوا يتبركون، فأين الدليل على أنهم كانوا يتوسلون به‏؟‏‏!‏ ومؤلف المفاهيم لا يفرق بين التبرك، والتوسل‏!‏
الرابع‏:‏ هبه كما زعمت، فمن أين جزمت أن ما جاز في شرع من قبلنا جائز في شرعنا مطلقًا‏؟‏‏!‏
الخامس‏:‏ من أدلة عدم جواز فعل ما فعلت بنو إسرائيل ـ إن صح ـ‏:‏ ترك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعل ذلك، والتوجيه إليه في سراياه التي بعثها، وهزم المسلمون فيها، كغزوة مؤته ونحوها، أفلا بعث شيئًا من آثاره كملابسه ونحوها لينصرون بها‏؟‏‏!‏
إن عدم الفعل مع اشتداد الحاجة إليه دليل على أن ذلك ليس مشروعًا عندنا‏.‏
السادس‏:‏ وهذا فهم الصحابة بعد نبيهم ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ ‏ لم يأخذوا شيئا من آثاره ليبعثوها مع المجاهدين تبركًا بها، واستنصارًا بها، وإنما بعثوا الرجال العاملين المخلصين، وتفقدوا أمر السنن في حروبهم، تفقدوا آثار أنبيائهم الآمرة الناهية لا آثارهم الجسمية، هذا شأنهم في حروبهم‏.‏
وقال في ‏(‏ص66‏)‏ معنونا‏:‏
‏(‏التوسل بقبر النبي ‏(‏بعد وفاته‏)‏، وذكر برهانه على هذا العنوان الغريب، فقال‏:‏ قال الإمام الحافظ الدارمي في كتابه ‏"‏السنن‏"‏‏:‏ باب ما أكرم الله تعالى نبيه ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ بعد موته‏.‏
حدثنا أبو النعمان حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عمرو بن مالك البكري ‏[‏هكذا حرفها الناقل، وفي ‏"‏السنن‏"‏النكري، بالنون‏.‏‏]‏ حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال‏:‏ قحط أهل المدينة قحطًا شديدًا فشكوا إلى عائشة فقالت‏:‏ أنظروا قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاجعلوا منه كوًا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال‏:‏ ففعلوا‏.‏ فمطرنا مطرًا حتى نبت العشب وسمنت الإبل ‏(‏تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق، ومعنى كوًا أي‏:‏ نافذة‏)‏ اهـ ‏"‏سنن الدارمي‏"‏ ‏(‏جـ 1 ص43‏)‏‏)‏‏.‏ انتهى ما نقله صاحب المفاهيم‏.‏
ووضعه‏ (‏تفتقت من الشحم‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ بين أقواس من تصرفه، وإخلاله بالنقل السليم، فإن اللفظ في ‏"‏سنن الدارمي‏"‏ ‏(‏1/43‏)‏ هكذا‏:‏ ‏(‏وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق‏)‏ اهـ ‏.‏ هذه عبارة ‏"‏سنن الدارمي‏"‏، فتصرفه مذموم، وزاد على الأثر قوله‏:‏ ومعنى كوًا أي نافذة، وهذه ليست في ‏"‏سنن الدارمي‏"‏ التي نص على النقل عنها‏.‏ وهذا الأثر ضعيف جدًا لا حجة فيه، لأوجه‏:‏
الأول‏:‏ أن راويه عمرو بن مالك النكري ضعيف بمرة، قال ابن عدي في ‏"‏الكامل‏"‏‏(‏5/1799‏)‏‏:‏ ‏(‏منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث، سمعت أبا يعلى يقول‏:‏ عمرو بن مالك النكري‏:‏ كان ضعيفًا‏)‏، ثم قال بعد أن ساق أحاديث‏:‏ ‏(‏و لعمرو غير ما ذكرت أحاديث مناكير‏)‏ اهـ وقال ابن حبان‏:‏ ‏(‏يخطى ويغرب‏)‏ اهـ‏.‏
فعمرو وأمثاله ممن هذه حالهم كيف يجترأ على الاحتجاج بروايتهم‏؟‏‏!‏ أما من غيرة على سنة رسول الله وشريعته من سراق الحديث‏؟‏‏!‏
الثاني‏:‏أن سعيد بن زيد الراوي عن عمرو فيه ضعف، قال يحيى بن سعيد‏:‏ ضعيف، وقال السعدي‏:‏ يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره‏:‏ ليس بالقوي، وقال أحمد‏:‏ ليس به بأس‏:‏ كان يحيى بن سعيد لا يستمرؤه، ساق هذه الأقوال الذهبي في ‏"‏الميزان‏"‏‏.‏
الثالث‏:‏ قال شيخ الإسلام في ‏"‏مختصر الرد على البكري‏"‏ ‏(‏ص68ـ69‏)‏‏:‏ ‏(‏وما روي عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر، فليس بصحيح ولا يثبت إسناده، وإنما نقل ذلك من هو معروف بالكذب‏.‏
ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة، بل كان بعضه باقيًا كما كان على عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في ‏"‏الصحيحين‏"‏ عن عائشة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد‏.‏
ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول ‏‏ انتهى‏.‏
وبعد أن تبين وانجلى نكارة هذه الحكاية نقلًا وعقلًا، إسنادًا وتأريخًا يعلم أن قول صاحب المفاهيم بعد سياق الأثر‏:‏ ‏(‏فهذا توسل بقبره ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا من حيث كونه قبرًا، بل من حيث كونه ضم جسد أشرف المخلوقين، وحبيب رب العالمين، فتشرف بهذه المجاورة العظيمة، واستحق بذلك المنقبة الكريمة‏)‏ اهـ‏.‏
مما اعتمد فيه على المنكرات الواهيات، ولهذا فلا قيمة لكلامه، ولو بنخالة شعير، أو وزن قطمير وهذا ظاهر لكل أحد، والحمد لله على توفيقه‏.‏
وقال صاحب المفاهيم في ‏(‏ص72‏)‏ بعد سياقه قصة العتبي‏:‏
‏(‏فهذه القصة رواها الإمام النووي في كتابه المعروف بـ‏"‏الإيضاح‏"‏ في الباب السادس ‏(‏ص 498‏)‏‏.‏ ورواها أيضا الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره الشهير عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ [‏النساء‏:‏64‏] الآية‏.‏
ورواها أيضًا الشيخ أبو محمد بن قدامه في كتابه ‏"‏المغني‏"‏ ‏(‏ج 3 ص556‏)‏‏.‏‏)‏ انتهى‏.‏
أقول‏:‏ هذه عبارات عامية، ليست علمية، ولا تنبئ عن فهم طالب علم، ذلك أن قوله رواها،‏.‏‏.‏‏.‏ ورواها‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ خطأ محض؛ لأن كلمة رواها لا تقال إلا لمن ساق القصة بإسناده بقوله‏:‏ حدثنا أو أخبرنا أو نحوها من كلمات التحمل والأداء‏.‏
1 ـ فالنووي لم يروها، وإنما قال في ‏"‏المجموع شرح المهذب‏"‏ ‏(‏8/274‏)‏ وفي آخر منسكه المعروف بـ ‏"‏ الإيضاح‏"‏‏:‏ ‏(‏ومن أحسن ما يقول‏:‏ ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له، قال‏:‏ كنت جالسًا عند قبر النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ انتهى‏.‏
فهذا هو قول النووي، وما هو برواية، ومن قال إنه رواية‏:‏ فإما أن يكون لا فقه له ولا فهم بمصطلحات العلماء، وإما أن يكون متشبعًا بما لم يعط، ملبسًا، فهذا لا حيلة فيه‏.‏
2 ـ وابن كثير لم يروها، وإنما قال في ‏"‏تفسيره‏"‏‏:‏ ‏(‏ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه ‏"‏الشامل‏"‏ الحكاية المشهورة عن العتبي‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ وما هذه برواية، وإنما هو نقل‏.‏
3 ـ وابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏ لم يروها، وإنما حكاها بصيغة التضعيف ‏(‏3/557‏)‏ فقال‏:‏ ‏(‏ويروى عن العتبي‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏‏.‏
وليست هذه رواية، إنما نقل بصيغة التمريض وهي تفيد التضعيف، ثم المؤلف يعلم أن قصة العتبي ضعيفة السند واهية، فهي مردودة غير صحيحة‏.‏
ولعلمه بذلك أورد الشبهة التي لم يبق له مع الضعف إلا هي، فقال ‏(‏ص73‏)‏‏:‏ ‏(‏هذه قصة العتبي، وهؤلاء الذين نقولها، وسواءً أكانت صحيحة أم ضعيفة من ناحية السند الذي يعتمد عليه المحدثون في الحكم على أي خبر، فإننا نتساءل ونقول‏:‏ هل نقل هؤلاء الكفر والضلال‏؟‏‏!‏ أو نقلوا ما يدعو إلى الوثنية وعبادة القبور‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏
أولا‏:‏ مادام أنها ليست من سنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا فعل خلفائه الراشدين، وصحابه المكرمين، ولا من فعل التابعين والقرون المفضلة، وإنما هي مجرد حكاية عن مجهول، نقلت بسند ضعيف فكيف يحتج بها في عقيدة التوحيد الذي هو أصل الأصول‏؟‏‏!‏ وكيف يحتج بها وهي تعارض الأحاديث الصحيحة التي نهى فيها عن الغلو في القبور والغلو في الصالحين عمومًا، وعن الغلو في قبره والغلو فيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ خصوصًا‏؟‏‏!‏ وأما من نقلها من العلماء أو استحسنها فليس ذلك بحجة تعارض بها النصوص الصحيحة وتخالف من أجلها عقيدة السلف، فقد يخفى على بعض العلماء ما هو واضح لغيرهم، وقد يخطئون في نقلهم ورأيهم وتكون الحجة مع من خالفهم، وما دمنا قد علمنا طريق الصواب فلا شأن لنا بما قاله فلان أو حكاه فلان، فليس ديننا مبنيًا على الحكايات والمنامات، وإنما هو مبني على البراهين الصحيحة‏.‏
ثانيًا‏:‏ قد تخفى بعض المسائل والمعاني على من خلع الأنداد وتبرأ من الشرك وأهله، كما قال بعض الصحابة‏:‏ ‏(‏اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط‏)‏، فقال رسول الله ‏‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ :‏ ‏(‏الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده ما قاله أصحاب موسى‏:‏ ‏{‏اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ‏}‏‏)‏‏.‏ حديث صحيح‏.‏
والحجة في هذا أن هؤلاء الصحابة وإن كانوا حديثي عهد بكفر فهم دخلوا في الدين بلا إله إلا الله، وهي تخلع الأنداد وأصناف الشرك وتوحد المعبود، فمع ذلك ومع معرفة قائليها الحقة بمعنى لا إله إلا الله، خفي عليهم بعض المسائل من أفرادها‏.‏ وإنما الشأن أنه إذا وضح الدليل وأبينت الحجة فيجب الرجوع إليها والتزامها، والجاهل قد يعذر، كما عذر أولئك الصحابة في قولهم‏:‏ اجعل لنا ذات أنواط، وغيرهم من العلماء أولى باحتمال أن يخفى عليهم بعض المسائل ولو في التوحيد والشرك‏.‏
ثالثًا‏:‏ كيف يتجاسر أحد أن يعارض نصوص كتاب الله، وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقول حكاه حاكٍ مستحسنًا له، والله سبحانه يقول‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ [‏النور‏:‏ 63‏] ‏؟‏‏!‏
قال الإمام أحمد‏:‏ عجبتُ لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول‏:‏
{‏فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ‏}‏، أتدري ما الفتنة‏؟‏ الفتنة‏:‏ الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك‏.‏ رواه عن أحمد الفضل بن زياد، وأبو طالب، ولعله في كتاب ‏"‏طاعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏"‏ لأحمد رحمه الله‏.‏
فطاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقدمة على طاعة كل أحد، وإن كان خير هذه الأمة أبا بكر وعمر، كما قال ابن عباس‏:‏ يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتقولون‏:‏ قال أبو بكر وعمر‏.‏
فكيف لو رأى ابن عباس هؤلاء الناس الذين يعارضون السنة الثابتة، والحجة الواضحة بقول أعرابي في قصة العتبي الضعيفة المنكرة‏.‏
إن السنة في قلوب محبيها أعظم وأغلا من تلك الحجج المتهافتة التي يدلي بها صاحب المفاهيم البدعية، تلك المفاهيم المبنية على المنامات والمنكرات‏.‏ فاعجب لهذا، وجرد المتابعة لرسول الله ‏‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحذارِ ثم حذارِ من أن ترد الأحاديث الصحيحة، وتؤمن بالأخبار الباطلة الواهية، فيوشك بمن فعل ذلك أن يقع في قلبه فتنة فيهلك‏.‏
رابعًا‏:‏ ما من عالم إلا ويردّ عليه في مسائل اختارها‏:‏ إما عن رأي أو عن ضعف حجة، وهم معذورون قبل إيضاح المحجة بدلائلها، ولو تتبع الناس شذوذات المجتهدين ورخصهم لخرجوا عن دين الإسلام إلى دين آخر، كما قيل‏:‏ من تتبع الرخص تزندق‏.‏ ولو أراد مبتغي الفساد والعدول عن الصراط أن يتخذ له من رخصهم سلمًا يرتقي به إلى شهواته، لكان الواجب على الحاكم قمعه وصده وتعزيره كما هو مشهور في فقه الأئمة الأربعة وغيرهم‏.‏
وما ذكر فقيه أن من أحال لتبرير جرمه على قول عالم عُلِمَ خطؤه فيه، أنه يقبل منه ولا يؤخذ بالعتاب‏.‏اللهم احفظ علينا ديننا وتوحيدنا‏.‏
وعنون صاحب المفاهيم ‏(‏ص76‏)‏‏:‏ ‏(‏بيان أسماء المتوسلين من أئمة المسلمين‏)‏‏.‏
وعمدته في هذا إيراد أكثر أولئك العلماء حديثًا فيه التوسل، وهذا من الحكم بالظن المنهي عنه، بل ثبت عن بعضهم ـ وهم الأكثر ـ خلاف ما زعمه، والقاعدة المقررة عند أهل العلم أن العالم إذا أورد أثرًا بإسنادٍ فقد خفف من العهدة التي تجب عليه من إتباع ذلك بالحكم على الحديث‏.‏
وإذا رُوي حديث وصححه راويه في كتاب له فلا يعني هذا إلزامه بالقول به، إذ قد يكون له نظر وفهم، ولعل سببًا اكتنف حكم الحديث يمنع من القول به، من إجماع على خلافه، أو نسخ، أو لكونه ليس في شرعنا، ونحو ذلك‏.‏ وتفصيل هذا الإجمال يطلب من كتب لأصول‏.‏
قال المؤلف معددا أسماء‏:‏
1 ـ فمنهم الحاكم في ‏"‏المستدرك‏"‏، فقد ذكر حديث آدم وصححه‏.‏
والجواب‏:‏ حال الحديث أنه واضح الضعف، كما نص الحاكم على ضعف راويه في ‏"‏المدخل‏"‏، وأن النسخة التي روي بها الحديث موضوعة، و‏"‏المستدرك‏"‏ لم يحرره الحاكم، بل أكثره مسودة، كما سبق تفصيل ذلك‏.‏
فالقول بأنه يقول به مع تضعيفه الشديد لرواية راويه، وضميمة القاعدة التي ذكرنا، ليس بمستقيم مع المنهج العلمي الموفق‏.‏
2 ـ ومنهم‏:‏ البيهقي في ‏"‏دلائل النبوة‏"‏، فقد ذكر حديث آدم وغيره،وقد التزم أن لا يخرج الموضوعات‏.‏
والجواب‏:‏ أن البيهقي عقب الحديث بيّن تفرد راويه عبد الرحمن مع ضعفه‏.‏ وهذه علة توجب رد الحديث‏.‏
3 ـ ومنهم‏:‏ السيوطي في كتابه ‏"‏الخصائص النبوية‏"‏، فقد ذكر الحديث وغيره‏.‏
والجواب‏:‏ ذكره ولم يحكم عليه، وذكره في ‏"‏تخريج الشفاء‏"‏ له، وقال بضعف إسناده‏.‏
4 ـ ومنهم‏:‏ ابن الجوزي في ‏"‏الوفا‏"‏ فقد ذكر الحديث وغيره‏.‏
والجواب‏:‏ أن ابن الجوزي ذكر كل ما وجد ولم يتكفل بصحة إسنادٍ، وقد ذكر في كتابه ‏"‏مكذوبات يعرفها أهل الشأن ‏"‏، ويعدونها من تناقضاته‏.‏
وقال‏:‏ ‏(‏5، 6 ،7‏)‏، ومنهم عياض وملا قاري والخفاجي‏.‏
والجواب‏:‏ أن القاري والخفاجي قد ضعفوا حديث توسل آدم، والعبرة بتضعيفهم لابرأيهم، انظر ‏"‏شرح القاري‏"‏ ‏(‏1/215‏)‏، و‏"‏شرح الخفاجي‏"‏ ‏(‏2/242‏)‏‏.‏
قال‏:‏ 8 ـ ومنهم القسطلاني في كتابه ‏"‏المواهب اللدنية‏"‏‏.‏
والجواب‏:‏ أن القسطلاني لا يفرد بقول بتصحيح حديث آدم، فإنما هو في كتابه هذا ناقل من السيوطي، وقد ذكرنا القصة في ذلك، وما قد يكون سببًا لتأليف السيوطي ‏"‏الفارق بين المصنف والسارق‏"‏‏.‏
قال‏:‏ 9 ـ ومنهم الزرقاني في ‏"‏شرحه على المواهب‏"‏ ‏(‏ج1 ص44‏)‏‏.‏
والجواب‏:‏ ضعف الزرقاني حديث آدم، فإن كان رأيا ارتآه فليذكر دليله، ولم أجد في ‏(‏ج1 ص44‏)‏ من شرح المواهب شيئا من ذلك‏.‏
قال‏:‏ 10 ـ ومنهم النووي‏.‏
أقول‏:‏ ذكره قصة العتبي لا يعني أنه يجيز التوسل بالذوات ونحوه‏.‏
قال‏:‏ ومنهم ابن كثير‏.‏
الجواب‏:‏ نقله قصة الأعرابي لا يعني تجويزه للتوسل بالذوات ونحوه، وقصة آدم ذكرها وضعف راويها‏.‏
وقصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي ‏‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ بينت ما فيها فارجع إليه، وتصحيح إسنادها لا يعني القول بجواز فعلها، كما يشير إليه صنيع ابن كثير نفسه‏.‏
وذكره شعار المسلمين ‏[‏يا محمداه ‏]‏ ليس مقصودًا، بل ورد في أثناء نقل طويل بإسنادٍ مظلم‏.‏ اهـ‏.‏
قال‏:‏ 12 ـ ومنهم ابن حجر فقد صحح سند قصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ.‏
والجواب‏:‏ لم يصححها، وإنما قال‏:‏ بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار‏.‏
وفي هذا تنبيه لعلة الرواية عنده، يفهمهما المشتغلون بعلم الحديث‏.‏
قال‏:‏ 13ـ ومنهم القرطبي المفسر‏.‏
الجواب‏:‏ ذكر القرطبي نحوا من قصة الأعرابي، وحكايته لها لا يدل على قوله بموجب كل لفظٍ فيها‏.‏
ومن هذا ينجلي الغطاء، وينكشف ما تحت الكساء، ويظهر أن قول صاحب المفاهيم فيه تجن على أكثر من ذكرنا قولهم، وما كان يحسن به هذا، وهو شيء لم يسبق إليه ولم يفعله المصنفون قبله، ذلك لأنه مردود على مقتضى قواعد أهل العلم، وبالله التوفيق‏.‏
ذكر ‏(‏ص54‏)‏‏:‏ استغاثة الخلق يوم القيامة بالأنبياء وآخرهم النبي محمد ‏‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏‏:‏ ليشفع إلى ربه في أهل الموقف‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏(‏فهذا إجماع من الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين، وتقرير من رب العالمين، بأن الاستغاثة عند الشدائد بأكابر المقربين من أعظم مفاتيح الفرج ومن موجبات رضى رب العالمين‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ هذه جراءة قبيحة على رب العالمين، وعلى أنبيائه ورسله، فلو صعدت أبخرة هذه الجراءة إلي السحاب لنزل ماؤه سمًا زعافًا، ولو نزلت إلى ينابيع الماء لقلبتها نارًا تلظى‏.‏
ولكن الهوى يفسد العقول، ويجر إلى عبادة غير الله ‏{‏أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ‏}‏ ‏[‏الجاثـية‏:‏ 23‏]، ‏{‏أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا‏}‏ [‏الفرقان‏:‏ 43‏]‏، أيكون دين الجاهلية قرره رب العالمين‏؟‏‏!‏
أيكون دين الجاهلية أجمع عليه‏:‏ الأنبياء والمرسلون‏؟‏‏!‏ ما أقبح الهوى‏!‏ وما أظهر الجاهلية في كلام كاتب المفاهيم الخاسرة‏!‏ إن الذي يكون يوم القيامة‏:‏ أن الخلق يطلبون من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يشفع لهم إلى ربهم في فصل القضاء بينهم وإراحتهم من الموقف، وهذا الطلب جار على المألوف الجائز من طلب الشفاعة من حي حاضر قادر بمعنى أن يدعو الله للطالب في حصول مقصوده، فالشفاعة معناها‏:‏ طلب الدعاء من الحي الحاضر، وهذا بخلاف طلب الشفاعة من الميت، أو التقرب إليه بشيء من أنواع العبادة بقصد أن يشفع له كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ‏}‏ [‏يونس‏:‏ 18‏] ‏.‏
قال ‏(‏ص55‏)‏‏:‏
‏(‏وفي ‏"‏الفتاوى الكبرى‏"‏‏:‏ سئل شيخ الإسلام ـرحمه اللهـ‏:‏ هل يجوز التوسل بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أم لا‏؟‏ فأجاب‏:‏ الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك من ما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين [‏‏"‏الفتاوى الكبرى‏"‏ ج1 ص140 ]‏اهـ‏.‏
أقول‏:‏ جرى كاتب المفاهيم على هديه الذي رضيه لنفسه، وهو التحريف والتبديل، فبتر آخر كلام شيخ الإسلام، ليوهم أنه ساوى بين التوسل بدعائه وشفاعته ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيًا وميتًا‏.‏ وهذا تحريف للمعنى من جنس ما مر من تحريفاته‏.‏ قال الشيخ بعد قوله الذي نقله الكاتب‏:‏ ‏(‏وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يتوسلون به في حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه، كما كانوا يتوسلون به‏)‏ اهـ‏.‏ فهذا التفسير للإجمال السابق لابد من ذكره ونقله، وفيه أن التوسل به في حياته يكون بدعائه لمن طلب منه الدعاء، أوبابتدائه الدعاء لمن شاء من أصحابه‏.‏ فهذا حق؛ لأن نبي الله حي بين أظهرهم، ممكن من الدعاء في
دار التكليف، ممكن من سؤال الله لمن طلب منه، بالنصوص القطعية‏.‏
أما بعد انتقاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الرفيق الأعلى، والحياة البرزخية، فقد انقطع ما كان يعمله في حياته من الدعاء لمن طلب منه، والشفاعة لمن استشفعه‏.‏
وما خرج عن ذلك فهو مردود، إلا بنص ولا نص منقول يدل عليه، لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، كما يفهمه أو لو الشأن‏.‏ والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما بين في باب الشفاعة من هذا الكتاب ـ لم يتشفع ولم يتوسل بمن قبله من الأنبياء، بل ولا شهداء أحد وأفضلهم حمزة بن عبد المطلب، فلم يسألهم الدعاء ولا توسل بهم وهم الأنبياء، والشهداء الذين ثبتت حياتهم، وأنهم ليسوا بأموات، ولكنها حياة برزخية‏.‏
هذا فعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنحن له أتباع، والمبتدعة الضلال لأهوائهم أتباع‏.‏
ومن نظر في هذا نظرة، حدثت له فكرة، أنجته بإذن مالك الأفئدة من الحسرة، إن كان من طلاب الصراط المستقيم، والهدي القويم، هدي خير الخلق أجمعين‏.‏
قال ‏(‏ص56‏)‏‏:‏
‏(‏مما يستفاد من كلام الشيخ ابن تيمية أن من دعا له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صح له أن يتوسل إلى الله بدعائه ـ صلى الله عليه وسلم ـ له، وقد جاء أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد دعا لأمته، كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة‏)‏ اهـ ‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏(‏لذا فإنه يصح لكل مسلم أن يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بذلك فيقول‏:‏ اللهم‏!‏ إن نبيك محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد دعا لأمته، وأنا من أفراد هذه الأمة، فأتوسل إليك بهذا الدعاء أن تغفر لي وأن ترحمني، إلى آخر ما يريد، فإذا قال ذلك لم يخرج عن الأمر المتفق عليه بين كافة علماء المسلمين‏)‏ اهـ ‏.‏
أقول‏:‏ قد بينت آنفًا ما في التوسل بدعاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد موته من البدعة، والخروج عن فهم السلف للتوسل‏.‏
والتوسل بدعاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس مقصودًا للكاتب، وإنما أتى بذلك ليصل إلى شيء آخر، وهو ما صرح به بقوله‏:‏ ‏(‏فإن قال‏:‏ اللهم‏!‏ إني أتوسل إليك بنبيك محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد فاته التصريح بما ينويه،
وبيان ما ينعقد عليه قلبه، وهو مقصود كل مسلم، ومراده لا يخرج عن هذا الحد‏)‏ اهـ‏.‏
فهذا الكلام بيّن لِمَ ساق الكاتب كل ما مر من كلام شيخ الإسلام‏؟‏ فانظروا ضعف حجته، وقلة بصيرته في إحالته على قلوب المتوسلين برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد موته، وهو يزعم أنه بما في قلوبهم عليم وأن مراداتهم لا تخرج عن الحد الذي اطلع به على قلوبهم‏.‏ أفتش الكاتب قلوب الداعين‏؟‏‏!‏أم هو نقيبهم ينافح عنهم‏؟‏‏!‏
وها هو الكاتب خرج عن هذا الحد المدعى، فتوصل بالتوسل البدعي إلى جواز الاستغاثة بالأنبياء، وطلبهم الشفاعة، فجعله سلمًا‏.‏
ثم ما الذي يحجز الداعي من التصريح بما في قلبه‏؟‏‏!‏ لا يمنعه إلا شيء هو أحسن عنده من ما لم يذكره، فلو كان يعتقد في لفظ أنه أقرب وأصح لقاله فإنه داعٍ سائل، والسائل يتحرى المقرب الصحيح، فلو كان مقصودهم ما اعتذر به الكاتب لصرحوا به، ولكن مقصودهم هو التوسل بذاته، مما هو من البدع، ووسائل الشرك، والإقسام به على الله تعالى، واتخاذه شفيعًا، ومغيثأ، ومعينًا، فيما لا يقدر عليه إلا الله أو بعد موته‏.‏
ثم إنك إن فتشت لا تكاد تجد اليوم أحدًا ينافح عن جواز التوسل بالذوات إلا وهو يجيز الشرك‏:‏ كالاستغاثة بالأموات ودعائهم أو طلب شفاعتهم‏.‏ وقد طالعت من كتبهم شيئًا فوجدتهم كما وصفت لك، فلعلك تكون من المستبصرين الناجين‏.‏
قال ‏(‏ص57‏)‏‏:‏
جاء في حديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم تعرض أعمالكم عليّ، فإن وجدت خيرًا حمدت الله، وإن وجدت شرًا استغفرت الله لكم‏)‏‏.‏ رواه الحافظ إسماعيل القاضي في ‏"‏جزء الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏"‏، وذكره الهيثمي في ‏"‏مجمع الزوائد‏"‏ وصححه‏.‏
وهذا صريح بأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستغفر للأمة في برزخه، والاستغفار دعاء، والأمة تنتفع بذلك‏"‏‏)‏ اهـ كلام صاحب المفاهيم‏.‏
أقول‏:‏ الكلام في هذه الأحرف من أوجه‏:‏
الأول‏:‏ هذا الحديث أخرجه إسماعيل القاضي ‏(‏ص36‏)‏ في ‏"‏جزء الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏"‏ مرسلًا، فقال‏:‏ حدثنا سليمان بن حرب قال‏:‏ حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا غالب القطان عن بكر بن عبد الله المزني قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏‏.‏‏.‏ فذكره بلفظ آخر غير ما ذكر، فأوهم صنيع صاحب المفاهيم أنه رواه باللفظ المذكور، وبكر بن عبد الله المزني من التابعين الثقات، توفي سنة 106 هـ فهو مرسل، والمرسل‏.‏ لا يقبل عند المحدثين‏.‏
وأما قول الكاتب‏:‏ ‏(‏ذكره الهيثمي في ‏"‏مجمع الزوائد‏"‏ وصححه‏)‏ ففيه‏:‏ أن الهيثمي ذكر رواية البزار ‏(‏وسيأتي ما فيها‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏رجاله رجال الصحيح‏)‏ وهذه العبارة لا تفيد تصحيحه الحديث، فلا يجوز أن يقال إنه صححه، كما تجرأ عليه صاحب المفاهيم‏.‏ وذلك أن قوله‏:‏ ‏(‏رجاله رجال الصحيح‏)‏ تفيد ثقة الرجال وأنهم مخرََّج لهم في الصحيح، ولا تفيد لا صحة الإسناد ولا صحة الحديث‏.‏
فصحة الإسناد تفتقر إلى معرفة اتصال الرواية وعدم الانقطاع في الإسناد، وألا يكون في الإسناد مدلس رواه بالعنعنة‏.‏
فمثلًا‏:‏ لو روي حديث من طريق أحمد بن حنبل عن سفيان الثوري عن ابن المسيب عن أبي بكر الصديق، لجاز أن يقال‏:‏ رجاله أئمة أثبات حفاظ، ولا يعني ذلك التكفل بصحة الإسناد،إذ ظاهر الإسناد الانقطاع بين كل راو وشيخه، فأحمد لم يدرك سفيان وهو لم يدرك ابن المسيب، وسعيد لم يدرك أبا بكر‏.‏
وصحة الحديث ليست بلازمة لصحة الإسناد، بل بينهما مراتب يعرفها أهل العلم والنظر، فكم من حديث صحيح الإسناد وهو شاذ أو غلط أو معلل‏.‏
وذلك أن تعريف علماء الحديث للحديث الصحيح جمع أمرين‏:‏ صحة الإسناد وانتفاء الشذوذ والعلة‏.‏ فما لم يجتمع الأمران لا يقال بصحة حديث‏.‏
ومن هذا يعلم ما في قول صاحب المفاهيم من نسبة تصحيح الحديث للهيثمي من تَقَوُّل على الهيثمي، وزيادة أمرٍ لم يقله الحافظ الهيثمي رحمه الله‏.‏
ومثله ما نقله صاحب المفاهيم في ‏(‏ص172‏)‏ من كتابه من قول العراقي‏:‏ إسناده جيد‏.‏
الثاني‏:‏ الحديث رواه البزار في ‏"‏مسنده‏"‏ ‏(‏1/397 زوائده‏)‏ فقال‏:‏ حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام‏)‏ قال‏:‏ وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏حياتي خير لكم‏.‏‏.‏ الحديث‏)‏‏.‏
قال البزار‏:‏ ‏(‏لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد‏)‏ اهـ‏.‏ وهذا إسنادٌ فيه‏:‏ عبد المجيد بن أبي رواد، وهو ممن لا يقبل ما ينفرد به عندهم، ولذا قال الحافظ العراقي شيخ الهيثمي‏:‏ ‏(‏رجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي،فقد ضعفه بعضهم‏)‏ فهذا هو التحقيق، وقد تفرد بهذه الزيادة ‏(‏حياتي خير لكم‏.‏‏.‏‏.‏ ‏)‏‏.‏
أما أول الحديث ‏(‏إن لله ملائكة‏.‏‏.‏‏.‏إلخ‏)‏ فهو محفوظ من حديث سفيان عن عبد الله بن السائب به، واتفق رواة الحديث عن سفيان على هذا القدر تم أتى عبد المجيد فتفرد عنهم بهذه الزيادة فهي شاذة ضعيفة كما يقتضيه التحقيق‏.‏
الثالث‏:‏ لو ثبت الحديث لم يكن فيه ما ادعاه صاحب المفاهيم من جواز التوسل بعموم استغفار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته؛ لأن دعاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياته لأمته وسؤاله الله لهم أبلغ وأقطع من استغفاره
بعد موته ـ إن ثبت ـ وهذا السبب الذي كان موجودًا في حياته هو عين السبب الذي علق الحكم به بعد مماته، فلما لم يشرع هذا العمل وهو التوسل بالاستغفار العام مع قيام المقتضي له في حياة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ علم أن إحداثه بدعة‏.‏
ويؤيد هذا أن خير القرون ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، لم يستعمل أحد منهم التوسل بهذا الطريق الذي اخترعه عشاق البدع، وهُجَّار السنن‏.‏
أقول‏:‏ وتوسع صاحب المفاهيم على عادته بتمسكه بأدنى شبهة وأبعدها، فقال ‏(‏ص173‏)‏ أواخر كتابه حول الحديث‏:‏ ‏(‏الحديث صحيح لا مطعن فيه‏)‏ اهـ ‏.‏ وهذا افتراء أو قلة علم؛ بل فيه مطعن كما قدمناه‏.‏
قال‏:‏
‏(‏وهو يدل على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم أعمالنا بعرضها عليه، ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من سيئ وقبيح، وإذا كان كذلك فإنه يجوز لنا أن نتوسل به إلى الله ونستشفع به لديه، لأنه يعلم بذلك فيشفع فينا ويدعو لنا‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ في الحديث عرض الأعمال، والكاتب يستدل به على جواز طب الشفاعة، يا له من فقه غاب عن الأمة بضعة عشر قرنًا، حتى ظهر هؤلاء المبتدعة فأدركوه‏!‏ فعرض العمل عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيء وتجويزك طلب الشفاعة أمر آخر بعيد، فإن عرضت عليه أعمالك فلن يرضى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالشرك الذي فيها، ومنه طلب الشفاعة من الموتى ولن يستغفر لمشرك يستغيث بالأموات، ‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 113‏].‏ إن طلبك الشفاعة من الأموات سيئ من العمل وشرك، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يستغفر لمن ترك دينه واتبع هواه فأشرك‏.‏ إن استغفار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشفاعته، إنما تكون في حياته وفي الدار الآخرة لا في دار البرزخ، وله أنواع من الشفاعات ليس فيها نصيب لمشرك‏.‏
فمن طلب الشفاعة منه بعد موته، فحري أن يكون فوت على نفسه شفاعته ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الآخرة، وإن من سيئ الكلام تعدي صاحب المفاهيم على مقام النبوة حيث جزم بقوله‏:‏ ‏(‏فيشفع‏.‏ فينا ويدعو لنا‏)‏‏.‏
وإن من سيئ القول وخطله وشنيعه تعدي الكاتب على مقام الألوهية، فيجوز طلب الشفاعة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد موته، والشفاعة حق لله وحده، وإنما تطلب منه وحده، كما يدعو المخلصون بقولهم اللهم‏!‏شفع فينا نبيك محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏.‏
وفي باب الشفاعة بيان هذه الأصول بما فيه مقنع لمن أراد الله هدايته‏.‏
وضع ‏(‏ص61‏)‏ عنوانًا هو‏:‏ ‏(‏الشيخ الأمام محمد بن عبد الوهاب لا ينكر التوسل‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ تحليتك محمد بن عبد الوهاب بالشيخ الإمام‏:‏ إما أن تكون اعترافًا بفضله قي تجديد أمر دين الإسلام، وإصلاحه وجهاده، وإما أن تكون عنيت بها وضعها اللغوي‏.‏
فإن أردت المعنى الأول فالشيخ قد أقام دعوته في محاربة أصناف الشرك الجلي والخفي، الأكبر منه والأصغر، وحارب وسائل الشرك التي تجر إليه مما حرمه الله ورسوله، ومن تأمل كتاب ‏"‏التوحيد‏"‏ ألفاه في فلك ما ذكر دائر، وعلى الصراط المستقيم سائر‏.‏
والشيخ ـ رحمه الله ـ جاهد في إرجاع الناس إلى دينهم الذي جاء به رسول الله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجاهد في إقناعهم بأن ما يفعله بعض الناس في زمانه ويدّعونه إسلامًا هو عين ما عليه المشركون الذين قاتلهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقد كان كثير من المنتسبين إلى الدين في زمانه عبَّادًا للقبور‏:‏ يدعون أصحاب القبور استقلالًا من دون الله، ويدعونهم مع الله طلبًا للشفاعة منهم والقربى إلى الله زلفى، ويرجونهم دفع المضرات، ورفع المهلكات، وتفريج الكربات كما قال الله عن أشباههم‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏].‏ ثم هم يقدمون لأولئك المقبورين أصناف القرابين والعبادات التي لا تكون إلا لله جل وعلا‏:‏ كالذبح، والنذر، وهم يخضعون لأولئك المقبورين الميتين أعظم من خضعانهم في مساجد الله‏.‏
كانوا يستغيثون بالأموات، ويخافونهم خوف السر، ويحبونهم أشد من محبة الله، ويتقربون إليهم أكثر من تزلفهم إلى ربهم، بل نسوا ربهم وذكره، وفشت فيهم مذاهب الإلحاد والزندقة، كمذهب وحدة الوجود، وتعظيم الأولياء على الأنبياء، كما قال مقدمهم‏:‏
مقام النبوة في برزخ ** فويق الرسول ودون الولي هذا جزء في واقع أسود رآه الشيخ في هذه الديار، فجاهد متوكلًا على ربه مقتفيا سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى في سيرته الجهادية، فنصره الله وأعزه، ومكن له الدين‏.‏
وذلك الواقع الذي وصفنا موجود في أكثر البلدان الإسلامية، والواجب تبصيرهم بالمكفرات الواقعة الكثيرة ثم جهادهم بأنواع الجهاد باليد واللسان والقلب، ولكن اثاقل الناس إلى الأرض، إلا قليلًا‏.‏
هذا الذي ذكر من أصناف الشرك الأكبر كانت محاربته وتغيره، وهداية الناس إلى الإسلام همَّ الشيخ الأول، ثم إن الشيخ ـ رحمه الله ـ داع حكيمٌ متروٍ، فإذا كان المخاطب واقعًا في أصناف الشرك فمن غير الحكمة أن ينهاه عن البدع ووسائل الشرك وهو لم يعلم بعدُ أن الشرك موجود بين الناس، بل الواجب أن يبين الشرك ثم إذا استقرت حقيقة الإسلام في قلب العبد وترك وجاهد الشرك الأكبر، فهو سينكر وسائل الشرك؛ لأن العاقل البصير إذا كره شيئًا كره وسائله ودواعيه‏.‏
إن السلامة من سلمى وجارتها ** أن لا تحل على حال بواديها فهذا الشاعر القديم عرف هذه الحقيقة، وإليها يهتدي العقلاء، وقد دلت الشريعة إليها وحضت عليها قاعدة ‏"‏سد الذرائع‏"‏‏.‏
وقال ملخصًا مباحثه في التوسل ‏(‏ص73‏)‏‏:‏
‏(‏إن التوسل‏:‏ ليس مقصورا على تلك الدائرة الضيقة التي يظنها المتعنتون‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ هذه كلمات ينفر منها ذووا القلوب الحية، التي قد ملأت محبة الله وإعظامه وإجلاله جوانحها، ويستأنس لها من شغل بذكر غير الله مع الله، أو نسوا الله فأنساهم أنفسهم‏.‏ يالها من ألفاظ لو مزجت بماء البحر لمزجته، ولو سالت على زروع الناس لأفسدت معيشتهم‏.‏ سبحان الله‏!‏‏!‏
التوسل بأسماء الله وصفاته دائرة ضيقة‏!‏ أسماء الله التي لا تحصى دائرة ضيقة للتوسل‏!‏
صفات الله العُلى وأفعاله الحكيمة دائرة ضيقة‏!‏ سبحان الله‏!‏ ولا حول ولا قوة إلا بالله‍‍‏!‏
يا صاحب المفاهيم‏!‏ لو دعوت ربك متوسلًا إليه بأسمائه لانقضى عمرك وعمر من معك، ولم تبلغوا نهاية، ولم تحصوا لها عددًا‏.‏
يا صاحب المفاهيم‏!‏ لو ظللت تدعو الليل والنهار لا تفتر أبدًا تتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى لم تنقض، ولانقضى عمرك‏.‏
يا صاحب المفاهيم‏!‏ لو توسلت إلى الله بأسمائه الحسنى بما يناسب مطلوبك من أسمائه، لا نقضت حوائجك ولم تبلغ بعضًا من أسماء الله‏.‏
يا صاحب المفاهيم‏!‏ إن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة، فلو ظللت تدعو بها مفردة، ثم تجعل مع الاسم آخر ثم هكذا، لبلغت ما لو دعا به الخلق من أولهم إلى آخرهم ما يسعهم غير مكررٍ ولا معيد‏.‏
يا صاحب المفاهيم‏!‏ إني أنذرك مغبة هذه الكلمة الوبيلة التي يقْشَعِرُّ منها البدن، وعليك بالانطراح بين يدي الله والتوبة من هذا القول، وما جرَّ إليه من الشرك، وما قرب إليه من البدع، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله، وإنا إليه راجعون‏.‏
اللهم إنا نبرأ إليك من قول من قال‏:‏ إن التوسل بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا دائرة ضيقة، فتقبل اللهم براءتنا، وعلمنا من أسمائك، وآثار صفاتك، ما يقوي قلوبنا، ويهدينا إلى صراطك المستقيم‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2010, 02:01 AM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الباب الثاني مسائل في توحيد الربوبية والألوهية
وفيه‏:‏
ـ الشرك في قوم نوح وإبراهيم، وفي العرب
ـ دخول الشرك في المسلمين من هذه الأمة
ـ رد القول ‏"‏بالمجاز العقلي‏"‏ لتبرير الشرك
الشرك في قوم نوح‏:‏
أخرج البخاري في ‏"‏صحيحه‏"‏ ‏(‏8/667‏)‏ في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تذرن وَدًّا ولا سواعًا‏}‏ الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏(‏صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ‏.‏
أما وَدّ فكانت لكلب بدومة الجندل‏.‏
وأما يغوث فكانت لمراد ثم بني غطيف بالجرف عند سبأ‏.‏
وأما يعوق فكانت لهمدان‏.‏
وأما نسر فكانت لحمير لآلِ ذي الكلاع‏.‏
أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم‏.‏
ففعلوا فلم تعبد‏.‏ حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخَ العلم عبدت‏)‏‏.
ومما جاء في معنى كلام ابن عباس ما أخرجه عبدُ بن حميد عن محمد بن كعب في قوله‏:‏ ‏{‏وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا‏}‏ [‏نوح‏:‏23ـ24‏]‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح، فنشأ قوم بعدهم، يأخذون كأخذهم في العبادة‏.‏
فقال لهم إبليس‏:‏ لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، فصورا ثم ماتوا‏.‏
فنشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس‏:‏ إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها، فعبدوها‏)‏‏.‏
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال‏:‏ ذكروا عند أبي جعفر يزيدَ بنَ المهلب، فقال‏:‏ أما أنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله ثم ذكر ودًا قال‏:‏ وكان ودٌّ رجلًا مسلمًا، وكان محببًا في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل، وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان، ثم قال‏:‏ أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به‏.‏ قالوا‏:‏ نعم فصور لهم مثله فوضعه في ناديهم، وجعلوا يذكرونه‏.‏ فلما رأى ما بهم من ذكره قال‏:‏ هل لكم أن أجعل لكم في كل منزل كل رجل تمثالًا مثله فيكون في بيته فتذكرونه‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏
فصور لأهل كل بيت تمثالًا مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به‏.‏ قال وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعونه به، وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهًا يعبدونه من دون الله‏.‏
قال‏:‏ وكان أول ما عبد غير الله في الأرض ود، الصنم الذي سموه بود‏‏‏.‏
وهناك روايات أخر، قال الحافظ في ‏"‏فتح الباري‏"‏‏(‏8/669‏)‏‏:‏ ‏(‏قال بعض الشراح‏:‏ محصل ما قيل في هذه الأصنام قولان‏:‏
أحدهما‏:‏ أنها كانت في قوم نوح‏.‏
الثاني‏:‏ أنها كانت أسماء رجال صالحين‏.‏ إلى آخر القصة‏.‏
قلت‏:‏ بل مرجع ذلك إلى قولٍ واحد، وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك‏‏‏.‏
انتهى كلام الحافظ ابن حجر‏.‏
الشرك في قوم إبراهيم‏:‏
قال الشهرستاني في ‏"‏الملل والنحل‏"‏ ‏(‏1/560ـ563‏)‏‏:‏ ‏(‏وكانت الفرق في زمان الخليل عليه السلام راجعة إلى صنفين اثنين‏:‏
أحدهما‏:‏ الصابئة‏.‏
والثاني‏:‏ الحنفاء‏.‏
فالصابئة كانت تقول‏:‏ إنا نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره واحكامه إلى ‏"‏متوسط‏"‏‏.‏ لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيًا لا جسمانيًا، وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب‏.‏ والجسماني بشر مثلنا يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب‏.‏ يماثلنا في المادة والصورة‏.‏
قالوا‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ‏}‏ [‏المؤمنون‏:‏34‏].‏ والحنفاء كانت تقول‏:‏ إنا نحتاج ـ في المعرفة والطاعة ـ إلى متوسط من جنس البشر، تكون درجته في الطهارة والعصمة، والتأييد والحكمة‏:‏ فوق الروحنيات‏.‏ يماثلنا من حيث البشرية يمايزنا من حيث الروحانية‏.‏
فيتلقى الوحي بطرف الروحانية‏.‏
ويلقي إلى نوع الإنسان بطرف البشرية‏.‏
وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ‏}‏ [‏الكهف‏:‏110‏]‏، وقال عزَّ ذكره‏:‏ ‏{‏قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا‏}‏ [‏الإسراء‏:‏ 93‏]‏‏.‏
ثم لما لم يتطرق للصابئة الاقتصار على الروحانيات البحتة والتقرب إليها بأعيانها والتلقي عنها بذواتها فزعت جماعة إلى هياكلها، وهي السيارات السبع وبعض الثوابت‏.‏
فصابئة النبط والفرس والروم‏:‏ مفزعها السيارات‏.‏
وصابئة الهند‏:‏ مفزعها الثوابت‏.‏
وسنذكر مذاهبهم على التفصيل على قدر الإمكان بتوفيق الله تعالى‏.‏ وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئًا‏.‏
والفرقة الأولى‏:‏ هم عبدة الكواكب‏.‏
والثانية‏:‏ هم عبدة الأصنام‏.‏
ثم قال ‏(‏ص673‏)‏ ذاكرًا مذهب أصحاب الروحانيات‏:‏ ‏(‏ومذهب هؤلاء أن للعالم صانعًا فاطرًا حكيمًا مقدسًا عن سمات الحدثان والواجب علينا معرفة العجر عن الوصول إلى جلاله‏.‏
وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه‏.‏
وهم الروحانيون المطهرون المقدسون‏:‏ جوهرًا، وفعلًا، وحالة‏.‏
أما الجوهر فهم المقدسون عن المواد الجسمانية المبرؤن عن القوى الجسدانية، المنزهون عن الحركات المكانية، والتغيرات الزمانية، قد جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون‏.‏ وإنما أرشدنا إليهم معلمنا الأول‏:‏ عاذيمون، وهرمس‏.‏
فنحن نتقرب إليهم ونتوكل عليهم، وهم أربابنا وآلهتنا، ووسائلنا وشفعاؤنا عند الله، وهو رب الأرباب وإله الآلهة رب كل شيء ومليكه‏‏ اهـ‏.‏
والغرض من نقل هذا كله تبيان بعض حال الصابئة الذين عبدوا الكواكب لشبهة الوصول إلى الله عن طريق من جبل على الطهارة والتقديس والتسبيح‏.‏
وبين شرك قوم نوح وشرك قوم إبراهيم جامعٌ تفرعت عنه أصناف الشرك بعد في الناس فمقل من الشبه ومستكثر، فبعثت لهم الرسل‏.‏
فكان شرك قوم نوح يرجع إلى مظاهر الصلاح في البشر وشرك قوم إبراهيم من العقل والفلسفة لأسرار الطبيعة ووظائف الأفلاك‏.‏
فشرك قوم نوح شرك تقريب وشفاعة‏.‏
وشرك قوم إبراهيم شرك أسباب وإعانة فإذا اتخذت له أصنام كان شرك تقريب وشفاعة، كما دل عليه آخر كلام الشهرستاني‏.‏
شرك العرب وديانتهم‏:‏
اعلم أن العرب كانوا بعد إبراهيم ‏ـ عليه السلام ـ ‏ على دينه الحنيفية، وبُثَّ هذا الدين فيهم فتلقوه من ولد إسماعيل عليه السلام، وانتشرت فيهم الحنيفية، وأحبوا البيت وهوت إليه قلوبهم‏.‏
‏(‏وأول من وضع فيه الأصنام عمرو بن لُحَيْ بن غالوثة بن عمرو بن عامر لما سار قومه إلى مكة، واستولى على أمر البيت، ثم صار إلى مدينة البلقاء بالشام‏.‏
فرأى هناك أقوامًا يعبدون الأصنام‏.‏ فسألهم عنها، فقالوا‏:‏ هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية، والأشخاص البشرية‏:‏ نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى، ونستشفي بها فنشفى‏.‏‏.‏ فأعجبه ذلك‏.‏
وطلب منهم صنمًا من أصنامهم فدفعوا إليه هبل، فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة‏.‏ وكان معه إساف ونائلة على شكل زوجين‏.‏
فدعا الناس إلى تعظيمها، والتقرب إليها، والتوسل بها إلى الله تعالى‏‏ ‏[‏الشهرستاني، ‏"‏الملل والنحل‏"‏‏(‏2/1222، 1223‏)‏ ط‏.‏ بدران‏.‏‏]‏‏.‏
وذكر الشهرستاني أيضًا أديان العرب واعتقاداتهم، فأُجملهم‏:‏
الطائفة الأولى‏:‏ منكروا الخالق والبعث والإعادة وهم شرذمة وأفراد‏.‏
الطائفة الثانية‏:‏ منكرو البعث والإعادة‏.‏
الطائفة الثالثة‏:‏ عباد الأصنام‏.‏
ومنهم من كان يميل إلى اليهودية‏.‏ ومنهم من كان يميل إلى النصرانية‏.‏ ومنهم من كان يصبو إلى الصابئة‏.‏
قال عند ذكره الطائفة الثالثة ‏(‏2/1232‏)‏‏:‏
‏(‏وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع الإعادة‏.‏ وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام‏.‏
وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة‏.‏ وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا، وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر‏.‏ وأحلوا وحرموا‏.‏
وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم نذكرهم‏)‏ اهـ‏.‏
كيف دخل الشرك في المسلمين‏؟‏
وببعثة نبي الهدى والرحمة محمد ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ زالت عبادة الأصنام على أصنافها، وتحررت العقول من دناءة تفكيرها، ووضاعة تصورها، فارتقت إلى التوحيد بعد أن كانت في حمأة الشرك، وأصبحت قلوب العرب وغيرهم متجهة إلى الله وحده، لا شريك معه غيره لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، فأتم الله الأمر، وأكمل الدين، وأعلا كلمته‏.‏
فدام على هذا المسلمون زمانًا وقرونًا، حتى ظهرت فيهم الحركات الباطنية الخبيثة‏:‏ كالإسماعيلة وما تفرع عنها من قرامطة، وإخوان الصفا، وعبيديين، ودروز ونحوهم مما يعدون صورًا لعقيدة واحدة‏.‏
اتخذت هذه الحركة منذ القديم تقديس أهل بيت الرسول ‏‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ شعارًا لها، وسلسوا الإمامة في إسماعيل بن جعفر، وكانوا ف تقديسهم لآل البيت مشهورين فالدولة الفاطمية أثر هذه الحركة الباطنية‏.‏
فالمسلمون في القرون الأولى لا يوجد بينهم من تحوم مظاهر الشرك في ذهنه كشرك العرب باتخاذ الصالحين والأنبياء وسائل وشفعاء، حتى بث الاسماعيليون معتقداتهم بين الناس سرًا، فاستحسن الجهال هذا الأمر لخفته وطرح التكاليف الشرعية، فأخذ يظهر الاعتناء بالقبور وتشييد مزارات ومشاهد وتحري الدعاء عندها، حتى نقلهم الشيطان إلى اتخاذهم شفعاء ثم نقلهم إلى دعاء صاحب القبر، ثم نقلهم إلى الاعتقاد بأن له تصرفًا في الكون، تدرج هذا في قرنين أو نحوها‏.‏
وإن أقدم من وقفت عليه يرجع المسلمين إلى دين الجاهلية في الاعتقاد بالأرواح والقبور هم الاسماعيليون، وبخاصة إخوان الصفا، تلك الجماعة السرية الخفية التي بثت عقائدها، ورسائلها الخمسين بسرية تامة حتى لا يكاد يعرف لها كاتب ولا مصنف، وإن ظن ظنا‏.‏
ثم تبعهم على تقديس المقبورين من أهل البيت الموسويون الملقبون بالاثنى عشرية، وصنفوا التصانيف في الحج إلى المشاهد، وفي كيفية الزيارات والأدعية عند القبور، يسندونها بطرق باطلة كاذبة إلى أئمة أهل البيت رضي الله عنهم‏.‏
وقد طالعت كتاب ‏"‏الزيارات الكاملة‏"‏ لابن قولويه ‏[‏هو أبو القاسم جعفر بن محمد، المتوفي سنة 367 هـ، وكتابه طبع طبعة حجرية بالنجف سنة 1356هـ‏.‏‏]‏ فرأيت فيه من هذا شيئًا كثيرًا، وهو مطبوع‏.‏
ومن طالع تراث الإسماعيلين، وحركة إخوان الصفا وجد ما قلتُه ماثلًا أمامه، فإن الشأن عظيم، وإن فتنة الناس بالقبور واتخاذ أهلها شفعاء ووسطاء لم تعرف قبلهم، ولما غلب الجهل قبل ظهور الدولة الفاطمية عرفت هذه الأمور طائفة من الناس، فلما ظهرت الدولة العبيدية شيدت المشاهد ونشرت ما كان سرًا من عقائدها‏.‏
جاء في الرسالة الثانية والأربعين من رسائل إخوان الصفا، ما يبين هذا، ويبرهن له، فقال مؤلفوا الرسائل ‏(‏4/19/21‏)‏‏:‏
‏(‏وذلك أن القوم الذين بعث إليهم النبي عليه الصلاة والسلام والتحية والرضوان، كانوا يتدينون بعبادة الأصنام، وكانوا يتقربون إلى الله تعالى بالتعظيم لها والسجود والاستسلام والبخورات، وكانوا يعتقدون أن ذلك قربة لهم إلى الله زلفى، والأصنام هي أجسام خرس، لا نطق لها ولا تمييز ولا حس ولا صورة ولا حركة، فأرسلهم الله، ودلهم على ماهو أهدى وأقوم وأولى مما كانوا فيه‏.‏
وذلك أن الأنبياء عليهم السلام وإن كانوا بشرًا فهم أحياء ناطقون مميزون علماء مشاكلون للملائكة بنفوسهم الزكية، يعرفون الله حق معرفته، والتقرب إلى الله بهم أولى وأهدى وأحق من التوسل بالأصنام الخرس التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنك شيئًا‏.‏
ثم اعلم أنا نبين هاهنا بدء عبادة الأصنام فنقول‏:‏ بأن بدء عبادة الامم للأصنام أولًا كان عبادة الكواكب، وبدء عبادة الكواكب كان عبادة الملائكة‏.‏ وسبب عبادة الملائكة كان التوسل بهم إلى الله تعالى، وطلب القربة إليه‏.‏
وذلك أن الحكماء الأولين لما عرفوا بذكاء نفوسهم وصفاء أذهانهم أن للعالم صانعًا حكيمًا، وذلك لتأملهم عجائب مصنوعاته، وتفكرهم في غرائب مخلوقاته، واعتبارهم تصانيف أحوال مخترعاته، ولما تحققت في نفوسهم هويته، أقروا له عند ذلك بالوحدانية ووصفوه بالربوبية، وعلموا أن له ملائكة هم صفوته من خلقه، وخالص عباده من بريته‏:‏ طلبوا عند ذلك إلى الله القربة، وتوسلوا إليه بهم، وطلبوا الزلفى لديه بالتعظيم لهم، كما يفعل أبناء الدنيا، ويطلبون القربة إلى ملوكهم بالتوسل إليهم بأقرب المختصين بهم، وكان من الناس من يتوسل إلى الملك بأقاربه وندمائه ووزرائه وكتابه وخواصه وقواده، وبمن يمكنه بحسب ما يتأتى له، الأقرب فالاقرب والأدنى فالأدنى، كل ذلك طلبًا للقربة إليه والزلفى لديه‏.‏
فهكذا وعلى هذا المثال فعلت الحكماء وأهل الديانات ومن عرف الله، وآمن به وأقر به، فإنهم طلبوا القربة إليه والزلفى عنده‏:‏ كل واحد بحسب ما أمكنه وتأتى له، وأدى إليه اجتهاده، وتحقق في نفسه‏.‏
فلما مضى أولئك الحكماء والربانيون العارفون بالله حق معرفته، وانقرضوا خَلَفهم قومٌ آخرون لم يكونوا مثلهم في المعرفة والعلم، ولم يعرفوا مغزاهم في دياناتهم، فأرادوا الاقتداء بهم في سيرتهم واتخذوا أصنامًا على مثل صورتهم، وصوروا تماثيل على مثل ما فعلت النصارى في بيعهم، من التماثيل والصور مثل أشباه المسيح عليه السلام ومثل الروح القدس وجبرائيل ومريم عليهما السلام، وكذلك أحوال المسيح في متصرفاته، ليكون ذلك تذكارًا لهم بأحواله كيف ما يمموا تلك التصاوير والتماثيل‏.‏
ثم قال إخوان الصفا الباطنيون‏:‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2010, 02:03 AM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل‏:‏
ثم اعلم يا أخي أن من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله وبأئمتهم وأوصيائهم، أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين، والتعظيم لهم ومساجدهم، ومشاهدهم، والاقتداء بهم وبأفعالهم، والعمل بوصاياهم وسننهم على ذلك بحسب ما يمكنهم ويتأتى لهم ويتحقق في نفوسهم ويؤدي إليه اجتهادهم فأما من يعرف الله حق معرفته فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء الله‏.‏
وأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته‏:‏ فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه، ومن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم، والتعلق بسننهم، والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار وطلب الغفران والرحمة عند قبورهم، وعند التماثيل المصورة على أشكالهم، لتذكار آياتهم، وتعرف أحوالهم، من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبًا للقربة إلى الله والزلفى لديه‏.‏
ثم اعلم أنه على كل حال من يعبد شيئًا من الأشياء ويتقرب إلى الله تعالى بأحد فهو أصلح حالًا ممن لا يدين شيئًا ولا يتقرب إلى الله البتة‏.‏‏.‏‏‏ انتهى ما نقلته من رسائل إخوان الصفا‏.‏
وهذه الجماعة الباطنية كان مبدأ نشاطاتها في أول القرن الثالث، ولم تعرف رسائلها التي قعدت لمذهبها، وبثت ذلك في أواسط الناس إلا في القرن الرابع الهجري، بسرية تامة فدخلت الأفكار في الطغام، وأنكرها العلماء الأعلام، وكفروا أصحابها كما قال ابن عقيل صاحب الفنون وهو من علماء القرن الخامس حيث انتشرت المذاهب بتأييد الدولة العبيدية قال‏:‏ ‏(‏لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها‏:‏ يا مولاي‏!‏ افعل بي كذا وكذا، أو إلقاء الخرق على الشجر اقتداءً بمن عبد اللات والعزى ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ انتهى‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2010, 02:05 AM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
فصل
قال صاحب المفاهيم ‏(‏ص26‏)‏ معنونًا‏:‏ ‏(‏الواسطة الشركية‏)‏، وذكر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّه‏}‏ ‏[‏لزمر‏:‏ 3‏]‏ فقال‏:‏ ‏(‏هذه الآية صريحة في الإنكار على المشركين عبادتهم للأصنام واتخاذها آلهة من دونه تعالى، وإشراكهم إياها في دعوى الربوبية على أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله زلفى‏.‏
فكفرهم وشركهم من حيث عبادتهم لها ومن حيث اعتقادهم أنها أرباب من دون الله‏.‏
وهنا مهمة لا بد من بيانها وهي أن هذه الآية تشهد بأن أولئك المشركين ما كانوا جادّين فيما يحكي ربنا عنهم‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ حوى هذا الكلام على مسألتين‏:‏
الأولى‏:‏ أن كفار العرب ومشركيهم يعتقدون أن أصنامهم أرباب من دون الله، تخلق وترزق، وهذه تخالف صريح القرآن فيما حكاه عنهم‏.‏
الثانية‏:‏ أن قولهم فيما حكى الله عنهم‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]، لم يقولوه على سبيل الجد، فيما حكاه الله عنهم، وهذه المسألة الثانية من عجائب الأقوال، وغرائب المخترعات، مما سبق به كتاب ‏"‏المفاهيم‏"‏ غيره، وبزّه‏!‏‏!‏ فالله يحكي عن المشركين قولًا يبني عليه حكمًا وعند هذا أنهم غير جادين، وكأن الله حكى عنهم غير عالم أنهم ليسوا جادين، أفتراه يحكي هزلًا، والقرآن فصل‏؟‏‏!‏ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ‏}‏ ‏[‏الطارق‏:‏ 14‏].‏
وكلماته في هذه المسألة مما يأنف أن يقوله طالبُ علم، بل لا يقوله إلا من في قلبه زغل وفتنة، وشرك وبدعة‏.‏
يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏، هذه الآية بتمامها، أسيقت لقولٍ غير جاد‏؟‏ سبحان الله من هذا الافتراء المحض‏!‏‏!‏ الذي خالف أقوال أهل العلم جميعًا، ولم يقل به أحدًا من المفسرين هذا الذي فهمه صاحب المفاهيم‏.‏
قال الفخر الرازي في ‏"‏تفسيره‏"‏ ‏(‏26/241‏)‏‏:‏
‏(‏واعلم‏!‏ أن الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏] عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله، وهي قسمان‏:‏ العقلاء، وغير العقلاء، أما العقلاء‏:‏ فهو أن قومًا عبدوا المسيح وعزيرًا والملائكة، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم، ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام‏.‏ إذا عرفت هذا فنقول‏:‏ الكلام الذي ذكره الكفار لائقٌ بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، وبيانه من وجهين‏:‏
الأول‏:‏ أن الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُم‏}‏ ضمير للعقلاء، فلا يليق بالأصنام‏.‏
الثاني‏:‏ أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار في المسيح والعزير والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعدُ من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله‏؟‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ اهـ‏.‏
ولا بأس أن نشفع كلام الرازي بكلام أحد المتأخرين، هو سيد قطب في كتابه ‏"‏في ظلال القرآن‏"‏ قال‏:‏
‏(‏5/3037‏)‏‏:‏ ‏(‏فلقد كانوا يعلنون أن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض‏.‏‏.‏‏.‏ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق إذن بالعبادة، وفي إخلاص الدين لله بلا شريك‏.‏
إنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه، ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها فيها، ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة ـ وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة ‏[‏ليست اللات والعزى ومناة تماثيل للملائكة، كما يعلم من تفسير سورة النجم، بل هي تماثيل لبشر أو حجر‏]‏ ـ ليست عبادة لها في ذاتها، إنما هي زلفى، وقربى لله؛ كي تشفع لهم عنده وتقربهم منه‏!‏
وهو انحراف عن بساطة الفكرة واستقامتها، إلى هذا التعقيد والتخويف، فلا الملائكة بنات الله، ولا الأصنام تماثيل الملائكة، ولا الله ـ سبحانه ـ يرضى بهذا الانحراف، ولا هو يقبل فيهم شفاعة، ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق، وإن البشرية لتنحرف عن منطق الفطرة، كلما انحرفت عن التوحيد الخالص البسيط الذي جاء به الإسلام، وجاءت به العقيدة الإلهية الواحدة مع كل رسول‏.‏
وإنا لنرى اليوم في كل مكان ‏(‏عبادة‏)‏ للقديسين والأولياء تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة، أو تماثيل الملائكة، تقربًا إلى الله بزعمهم، وطلبًا لشفاعتهم عنده‏.‏ وهو سبحانه يحدد الطريق إليه، طريق التوحيد الخالص الذي لا يلتبس بوساطة أو شفاعة، على هذا النحو الأسطوري العجيب‏)‏‏.‏
وفي تفسير ‏"‏التحرير والتنوير‏"‏ ‏(‏23/322‏)‏‏:‏ ‏(‏والاستثناء في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 25‏]، استثناء من علل محذوفة‏.‏ أي‏:‏ ما نعبدهم لشيءٍ إلا لعلّة أن يقربونا إلى الله، فيفيد قصرًا على هذه العلة قَصْر قلب إضافي‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ انتهى‏.‏
ولو نقلت ما قاله المفسرون لبلغ مئاتٍ من الصفحات، ولكن فيما ذكر فتحُ بابٍ لمن أراد مزيدًا من النقول‏.‏
فبهذا ظهر أن قول صاحب المفاهيم‏:‏ ‏(‏وإن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحي ربنا عنهم‏)‏ من المفاهيم الباهتة التي تفرد بها بعد أربعة عشر قرنًا، ولازمها أن هذا القرآن فيه كلام يحكيه رب العالمين ليس صدقًا بل هزلًا، فبئست المقالة‏.‏
وقد أظهر صاحب المفاهيم هذا اللازم حيث قال ‏(‏ص27‏)‏‏:‏ ‏(‏وقل ذلك أيضًا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 25‏]، فإنهم لو كانوا يعتقدون حقًا أن الله تعالى الخالق وحده، وأن أصنامهم لا تخلق لكانت عبادتهم لله وحده دونها‏)‏ اهـ‏.‏
وهذا كلام لو مزج بماءٍ فراتٍ لمزجه، ويأتي رده في المسألة التالية كلامي هذا‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2010, 02:06 AM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
توحيد الربوبية والإلهية
أما المسألة الأولى‏:‏ وهي زعمه أن كفار العرب الذين بعث إليهم رسول الله ‏(‏ إنما كفروا وأشركوا؛ لأنهم اعتقدوا أن أصنامهم أرباب، تخلق وترزق، فصاحب المفاهيم يظن أن كفار العرب لم يكونوا يقولون بأن الله خالقهم، وذكر آية لقمان والزمر‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 25‏]‏، فقال‏:‏ إنهم لا يعتقدون ذلك، وإنما حكى الله عنهم ما لم يعتقدوه كما مر نقله بنصه آنفًا‏.‏
وهذه المسألة أصل ضلال كثير من الخلق، وأصلها الذي سبَّب نشرها بين الناس هو منطق اليونان المذموم، ومن تتلمذ له من أهل الكلام المشؤوم، وهي القاعدة التي ارتكز عليها أتباع أولئك الأقوام في تفسير كلمة التوحيد‏.‏
والحق الذي لا مرية فيه وأطبق عليه كل العلماء وهو صريح القرآن، أن مشركي العرب في زمن رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ كانوا يعتقدون أن الله خالقهم ورازقهم، فهم مقرون بتوحيد الرب بأفعاله، من الخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة والتسخير ونحو ذلك من أفعال الرب، فلم يكونوا يعتقدون مشاركة أحدٍ له في ذلك، وهو الذي سماه العلماء‏:‏ ‏(‏توحيد الربوبية‏)‏‏.‏
فهم مقرون بهذا التوحيد، ولم يدخلهم في الإسلام، وليسوا مقرين بتوحيد الله بأفعالهم‏:‏ كالدعاء والاستغاثة والرجاء والخوف والمحبة والنذر والذبح ونحو ذلك، مما سماه العلماء‏:‏ ‏(‏توحيد الألوهية‏)‏، أي‏:‏ توحيد العبادة‏.‏
وقد نوع الله جل وعلا في كتابه الكريم الدلائل في إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، وإشراكهم في الألوهية، بما إذا قرأه المسلم زاد تبصرًا في حالهم، وفقهًا في عقيدتهم‏.‏
النوع الأول من الدلائل على ذلك‏:‏ كقوله تعلى في سورة ‏(‏يونس‏)‏‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 31‏].‏
وقال عز وجل في سورة ‏(‏المؤمنون‏)‏‏:‏ ‏{‏‏)‏قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 84ـ89‏]، فتأمل تعقيبه بـ ‏{‏فَأَنَّى تُسْحَرُونَ‏}‏، والنكتة فيه أن من أقر بكل هذا ولم يوحد الله بالعبادة فهو مسحور، سحر جاهٍ أو سحر رياسة، أو نحوه‏.‏
وقال تعالى اسمه وتعاظم في سورة ‏(‏العنكبوت‏)‏‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ *اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت61ـ63‏].‏ وقال تعالى في ‏(‏لقمان‏)‏‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 25‏]‏، وفي ‏(‏الزمر‏)‏‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 38 ‏] ‏الآية‏.‏ وغير هذه الآيات في القرآن‏.‏
وهي ظاهرة في أن اعتقاد المشركين‏:‏ أن لا رازق إلا الله، وأنه تعالى مالك السمع والأبصار، والمحي المميت، وهو مدبر الأمر‏.‏
وأنه تعالى له الأرض ومن فيها، وله السماوات السبع والعرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، ليس لأحدٍ ملك، وأنه يجير ولا يجار عليه‏.‏
وأنه خالق السماوات والأرض، ومسخر الشمس والقمر، وأنه منزل القطر، ومحي الأرض بعد موتها‏.‏ كل هذا اعتقاد مشركي العرب وغيرهم، حكاه القرآن عنهم، وألزم أولئك بأنهم ما داموا مقرين بذلك فَلِمَ لَمْ يوحدوه بعبادته‏؟‏‏!‏ ولِمَ يتخذون شفعاء يطلبون شفاعتها من عقلاء أموات، أو جمادات‏؟‏‏!‏
وصاحب المفاهيم ينكر هذا ويقول‏:‏ إن هؤلاء المشركين لم يقروا بما حكاه الله عنهم، فيا لها من جراءة ما بعدها جراءة‏!‏‏!‏
النوع الثاني‏:‏ كقوله تعالى في سورة ‏(‏الأنعام‏)‏‏:‏ ‏{‏قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 19‏]، فهذه الآية الكريمة أفادت أن المشركين يشهدون بأن الله إلههم، ولكنهم يقولون إن معه آلهة أخرى، وهذه الشهادة منهم أكدت بالقسم وبأداة التأكيد ‏(‏إن‏)‏، وأكدت باللام‏.‏
فلفظ ‏(‏مع‏)‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى‏}‏ يدل على أنهم مقرون بربوبية الله، وكذا بألوهيته، لكنهم جعلوا معه آلهة أخرى، جعلوها مع الله، فشركهم من حيث إشراكهم آلهة مع الله يتوجهون إليها كوسائط توصلهم إلى الله، وترفع حاجاتهم، وتلبي طلبهم بالدعاء لها، هذا اعتقادهم ودينهم‏.‏
وجاء مثل هذا المعنى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 95ـ96‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ‏}‏ [‏المؤمنون‏:‏ 117‏]‏، وقوله تعالى في آيات ‏(‏النمل‏)‏‏:‏ ‏{‏أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 60‏]، وقوله‏:‏ ‏{‏أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 61‏]، وقوله‏:‏ ‏{‏أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 62‏]، وقوله‏:‏ ‏{‏أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 63‏]، وقوله‏:‏ ‏{‏أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 64‏]، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 213‏]، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ‏}‏ ‏[‏قّ‏:‏ 26‏]، والآيات كثيرة، يذكر الله في كتابه ما يعتقده المشركون أن مع الله إلهًا، فهم مقرون بربوبية الله وأحديته، ولكن يتخذون معه آلهة في العبادة، ومن تأمل هذا وتدبر تلك الآيات الكريمات العزيزات، انفتحت له من العلم أبوابٌ ولج منها إلى الفهم الصحيح لما بعث الله به رسله‏.‏
النوع الثالث‏:‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 148‏]، وقوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 33‏]، في الرعد وغيرها من الآيات المفيدة أنهم مقرون على أنفسهم بالشرك، في العبادة بل القرآن كله في مخاطبته للمشركين مضمن هذا‏.‏
ولفظ الشرك لا يكون في لسانٍ إلا ومعناه إشراك شيئين في حكم، فهم مع اعترافهم بشركهم مقرون بربوبية الله، ولكنهم أشركوا به في الإلهية‏.‏
النوع الرابع‏:‏ إخباره تعالى عن هؤلاء المشركين الذين كَذَّبوا رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏ وحاربوه وقلوه، أنهم لا يشركون إلا في الرخاء واليسر،لا في الشدة والكرب والعسر، فهم حين ذلك مخلصون لله وحده لا يدعون سواه، ولا يتخذون وسائط ‏.‏ وهذا النوع متعدد في القرآن الكريم العزيز، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 22‏]، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 65‏]، وقال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 32‏].‏ فيا من قال‏:‏ إن أولئك الكفار يشركون بربوبية الله لا في عبادته؛ ويتأول آياتٍ تأويلًا من نوع اللعب‏!‏
يا من قال ذلك‏!‏ أفيدعو أولئك مخلصين في حالة الشدة من لم يعتقدوا ربوبيته وإلهيته‏؟‏‏!‏
إن الحق الذي لا يجوز المحيد عنه هو الذي دل عليه القرآن، من إقرار المشركين بربوبية الله، وكذا بألوهيته، لكنهم أشركوا مبررين صنيعهم بتأويلات وشبهات باطلة، فإذا كمان الشدة والكرب، أخلصوا دينهم لله، وتركوا طلب الدعاء من غير الله، وتركوا الاستغاثة بغير الله، أخلصوا ذلك كله لله، ونسوا غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين‏.‏
النوع الخامس‏:‏ كقوله تعالى في آخر سورة ‏(‏يوسف‏)‏‏:‏ ‏{‏وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 106‏]‏، وإيمانهم بالله هو قولهم‏:‏ الله خالقنا ورازقنا، ومميتنا وحيينا، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكًا في عبادته ودعائه، فلا يخلصون له بالطلب منه وحده، ونحو هذا قال أهل التأويل‏:‏ ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعامر، وقتادة، وعطاء، وجمع كما في ‏"‏تفسير ابن جرير‏"‏ ‏(‏13/50ـ51‏)‏، وابن أبي حاتم‏.‏
هذا هدى، فهل لهؤلاء من آذانٍ صاغية، وقلوب تخاف الآخرة، ونفوسٍ تكره النار وغضب الجبار‏؟‏‏!‏ اللهم‏!‏ اهدهم فإنهم لا يعلمون‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2010, 02:08 AM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الدليل من السنة على إقرار المشركين بتوحيد الربوبية
وكذا في السنة أدلة على إقرار المشركين بالربوبية، وأن ذلك الإقرار لا ينفع إلا إذا شهد المقر بالربوبية ‏(‏أن لا إله إلا الله‏)‏، والإله هو المعبود كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 26‏]، فمن ذلك‏:‏
ما أخرجه مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏ ‏(‏2/4‏)‏ عن أنس بن مالك قال‏:‏ ‏(‏كان رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار‏.‏ فسمع رجلًا يقول‏:‏ الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏‏:‏ ‏(‏على الفطرة‏)‏، ثم قال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله‏.‏
فقال رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏‏:‏ ‏(‏خرجت من النار‏)‏، فنظروا فإذا هو راعي معزى‏)‏‏.‏
فقول رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏ لمن قال‏:‏ ‏(‏الله أكبر‏)‏‏:‏ ‏(‏على الفطرة‏)‏، أفاد فائدة وهي أن هذا القول وما يدل عليه من توحيد الربوبية، هو في الفطر مستقر‏[‏ومن ذلك قول أوس بن حجر‏:‏ وباللات والعزى ومن دان دينها وبالله إن الله منهم أكبرُ‏.‏‏]‏، ولذا لم يحكم بنجاته من النار وإسلامه إلا بقوله‏:‏ ‏(‏أشهد أن لا إله إلا الله‏)‏، شهادة متضمنة نفي كل معبود سوى الله، وهو توحيد الألوهية، ودلالة هذا ظاهرة‏.‏
ومن ذلك ما جاء في ‏"‏صحيح مسلم‏"‏ ‏(‏15/11 مع ‏"‏شرح مسلم‏"‏‏)‏ عن عمرو ابن الشريد عن أبيه قال‏:‏ ‏(‏ردفتُ رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏ يومًا فقال‏:‏ ‏(‏هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء‏؟‏‏)‏، قلت نعم، قال‏:‏ ‏(‏هيه‏)‏، فأنشدته بيتًا، فقال‏:‏ ‏(‏هيه‏)‏، ثم أنشدته بيتًا، فقال‏:‏ ‏(‏هيه‏)‏، حتى أنشدته مئة بيت‏)‏‏.‏
ورواه مسلم من طريق أخرى بمثله، وزاد‏:‏ قال‏:‏ ‏(‏إن كاد ليسلم‏)‏، وفي الطريق الأخرى طريق عبد الرحمن بن مهدي قال‏:‏ ‏(‏فلقد كاد يسلم في شعره‏)‏‏.‏
قال النووي‏:‏ ‏(‏واستزاده من إنشاده لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث‏)‏ اهـ‏.‏
ومن شعر أمية قولُه‏:‏
الحمد لله ممسانا ومصبحنــا ** بالخير صَبَّحنا ربي ومَسَّانا
ربُّ الحنيفية لم تنفد خزائنهـا ** مملؤة طبق الآفاق أشطانـا
ألا نبي لنا منا فـــيخبرنا ** ما بعد غايتنا من رأس هجرانا
بينا يُريَّبُنا آباؤنـــا هلكوا ** وبينما نقتفي الأولاد ألانـــا
وقد علمنا لو أن العلم ينفعنا ** أن سوف تـلحق أخرانا بأولانا
وقد عجبت وما بالموت من عجب ** ما بال أحيائنا يبكون موتانا
وشعره معروف سائر، وكثير منه في نحو هذه المعاني، المفردة رب الخليقة بالربوبية، المؤمنة بالبعث‏.‏
فانظر إلى قول النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏‏:‏ ‏(‏إن كاد ليسلم‏)‏، فلم يحكم له بالإسلام بمجرد توحيده رب الخليقة بالخلق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، وهو من الجاهلين الذين كانوا في زمن النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏‏.‏
والاكتفاء بهذين الحديثين من سنة حبيبنا ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏ فيه كفاية لمن أراد الحق وسعى إليه‏.‏
ومن شعر العرب الدال على إقرارهم بالربوبية، قول أوس بن حجر ‏[‏‏"‏الأصنام‏"‏ ‏(‏ص17‏)‏‏‏]‏‏:‏
وباللات والعزى ومن دان دينها ** وبالله إن الله منهن أكبر
ومنه قول درهم بن زيد الأوسي ‏[‏‏"‏الأصنام‏"‏ ‏(‏ص19‏)‏‏.‏‏]‏‏:‏
إني ورب العُزّى السعيدة ** والله الذي دون بيته سَرَفُ‏!‏
وفي الباب أشعار كثيرة فيها الإقرار بالربوبية، ولكني أجتزأت منها بما ذكرت؛ لأجل ورود ذكر الله جل جلاله وأصنامهم في بيت واحد؛ ليكون أدل على المراد، وأثبت عند الحجاج‏.‏
وكانت تلبية نزار إذا ما أهلت‏:‏
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ‏[‏‏"‏الأصنام‏"‏ ‏(‏ص7‏)‏‏.‏‏]‏‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-26-2010, 02:11 AM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
المجاز العقلي وتعلق صاحب المفاهيم به في تبرير أعمال الشرك ووسائله
أكثر صاحب المفاهيم من تبرير وتسويغ ما يقوله المتوسلون بالذوات والجاه والحرمة ونحوها، وكذا ما يقوله المتخذون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏ والصالحين واسطة بينهم وبين الله في الدعاء والشفاعة، وكشف الضراء وجلب السراء، وغفران الذنوب بحجة المجاز العقلي‏.‏
وكذا ما يفعله العاكفون على القبور من استغاثتهم بالأموات، وطلب الشفاعة من الصالحين المقبورين وغيرهم ممن قد لا يعرفون بصلاح، يجادل في الحكم عليهم بالشرك بحمل صنيعهم على المجاز العقلي‏.‏ والاحتجاج بالمجاز العقلي، وإن احتاج إليه بعض المتأخرين من البيانيين لتخريج بعض أنواع الإسناد في قصائد الشعراء، أو في كلام العرب، فلا يجوز لتخريج الكلام الذي ظاهره شرك وكفر، بحجة صدوره من مُقِرًّ بوحدانية الخالق، وهذا مجمع عليه بين علماء الشريعة‏:‏ الفقهاء والمحدثين‏.‏
ولم يحتج بالمجاز العقلي في منع التكفير إلا قلة من متأخري المنتسبين للعلم، بعد ظهور دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ لجأوا إلى ذلك تخلصًا من الإنكار عليهم، وتبريرًا لأوضاعهم الفاسدة، وتخريجًا لأقوالهم الشركية، وهو عمل باطل لأن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز إلا بدليل؛ ولأن فتح هذا الباب يُحْيي شجرة الشرك‏.‏
وإليك شيئًا من كلامه‏:‏
قال ‏(‏ص16‏)‏ تحت عنوان ‏"‏‏(‏المجاز العقلي واستعماله‏)‏‏:‏
‏(‏الاعتقاد الصحيح هو اعتقاد أن الخالق للعباد وأفعالهم هو الله وحده، فهو الخالق للعباد وأفعالهم، لا تأثير لأحدٍ سواه، لا لحي، ولا لميت‏.‏ فهذا الاعتقاد هو التوحيد المحض، بخلاف ما لو اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ هذا الاعتقاد هو توحيد الربوبية، وما هو بالتوحيد المحض، بل التوحيد المحض هو ما جمع بين توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وما لم تجتمع فيه هذه الثلاثة فليس بتوحيد محض‏.‏
وقد قدمنا بالأدلة القاطعة من القرآن والسنة أن المشركين الذين بُعِثَ إليهم النبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏ كانوا مقرين بما سماه صاحب المفاهيم ‏"‏توحيدًا محضًا‏"‏‏.‏
اسمع قوله تعالى ‏:‏‏{‏قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ * كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ [‏يونس‏:‏ 31ـ33‏]، فهم مقرون بأن الله هو الخالق وحده، والمحي المميت وحده، وهو وحده مدبر الأمر، ومع ذلك أخبر أنهم ليسوا مؤمنين، وأنهم على ضلال‏.‏
فاحتج عليهم بما يقرون به‏:‏ وهو توحيد الربوبية، على ما ينكرونه توحيد سبحانه بأفعالهم وهو الألوهية، ولا بُدّ عند الاحتجاج أن يقدم للمعارض ما به يقر، فانظر إلى لطيف هذه الحجة واستعمال القرآن لها‏.‏
والمشركون الذين بعث إليهم نبي الله إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ مقرون بذلك المعنى، ومقرون بأن الله خالق ما يعملون، فهم مخلوقون وأفعالهم مخلوقة لله‏.‏
ولذا احتج عليهم إبراهيم ـ عليه السلام ـ بما يقرون به فقال لهم ما أخبر الله عنه‏:‏ ‏{‏قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ [‏الصافات‏:‏ 95ـ96‏] فأنكر عليهم العبادة‏:‏ وهي صرف القلب لهذه المنحوتات المصورة على صور الوسائط، وحجهم بما يقرون به، وهو خلق الله لهم ولما يعملونه، فأين هذا من التوحيد المحض، وهم المشركون شركًا محضًا‏؟‏‏!‏
وقوله‏:‏ ‏(‏لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا لميت إلخ‏)‏ تفوح منه رائحة قول غلاة الصوفية القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثمَّ إلا الله، وأفعال العباد هي أفعاله، وقول صاحب المفاهيم‏:‏ ‏(‏بخلاف ما لو اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك‏)‏، نابع ومتفرع عن أصل أهل الكلام المذموم، وهو أن غاية التوحيد توحيد الربوبية، والمشرك من اعتقد وجود خالقين، أو نابع من القول بوحدة الوجود كما ذكرنا، ومن عرف حال المشركين الذين أخبر الله بأحوالهم ومعتقداتهم، تيقن بطلان هذا الكلام العقلي لا الشرعي، فإنه ليس له من دلائل الكتاب السنة نصيب، بل القرآن كله في تقرير خلافه‏.‏
ولكن تتلمذ فئام لأهل الكلام وكتبهم، وانصرفوا عن تدبر كتاب ربهم، والإشراك أقسام‏:‏
منها‏:‏ ما يقع في الربوبية كاعتقاد الثنوية القائلين بوجود خالقين‏.‏
ومنها‏:‏ ما يقع في الألوهية، كما هو شرك أكثر بل كل من بعثت لهم الرسل الذين قصَّ الله علينا في القرآن أخبارهم‏.‏
فما من منازع في توحيد الربوبية عند العرب إلا شرذمة لا يصح أن تنسب لهم مقالة كما قاله جمع من العلماء، وما أولئك بالموحدين توحيدًا محضًا‏.‏
قال صاحب المفاهيم ‏(‏ص21‏)‏‏:‏
‏(‏والأمر الجامع في ذلك أن من أشرك مع الله جل جلاله غيره في الاختراع والتأثير، فهو مشرك، سواء كان الملحوظ معه جمادًا، أو آدميًا، نبيًا، أو غيره، أو ملكًا، أو جنًا، أو عملًا عمله‏.‏
ومن اعتقد السببية في شيء من ذلك اطردت أو لم تطرد، فجعل الله تعالى سببًا لحصول مسبباتها، وأن الفاعل هو الله وحده لا شريك له فهو مؤمن، ولو أخطأ في ظنه ما ليس بسببٍ سببًا؛ لأن خطأه في السبب لا في المسبب الخالق المدبر جل جلاله، وعظم شأنه‏)‏‏.‏
أقول‏:‏ وهذا الاعتقاد هو عين ما كان يعتقده مشركوا العرب حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل، لا فرق، فكيف تجري هذه الشبه في أمة محمد ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏، وقد أكرمها الله ببعثة نبيه وإجابته واتباعه‏؟‏‏!‏ ثم إن أهل وحدة الوجود يقولون‏:‏ إن من اعتقد أن هناك فاعلًا غير الله فقد أشرك وهو قول الجبرية أيضًا، وذلك ما يدل عليه كلامه‏.‏
والمشركون لم يعتقدوا أن أوثانهم تخلق بنفسها، ولا أنها تنفع بنفسها ولا أنها تفعل هي، بل الفاعل عندهم والمدبر هو الله كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ‏}‏ [‏يونس‏:‏ 31‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ *سَيَقُولُونَ لِلَّهِ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 88 ـ89‏]، فإذا أخبرنا الله أن أولئك الأقوام إنما أشركوا شرك واسطة، لا شرك خلق وإيجاد، أشركوا شرك تسبب لا شرك استقلال، فلماذا لا نتبع ما قال الله وندع قول أحفاد اليونان من أهل الكلام‏؟‏‏!‏
إنها فتنة عظيمة شديدة عسى الله أن يخرج أقوامًا منها، قال تعالى إخبارًا عن أهل النار‏:‏ ‏{‏قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ‏}‏ [‏الشعراء‏:‏ 96ـ100‏]، فتأمل قوله تعالى حق التأمل وتدبره، واجمع بينه وبين قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 25‏]‏، ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏ [‏الزخرف‏:‏ 87‏]‏ تعلم من ذلك أمرين‏:‏
الأول‏:‏ أن تسوية المشركين معبوديهم برب العالمين لم تكن في الخلق والإيجاد، بل سووهم برب العالمين في التوجه والعبادة‏.‏
فحق الله أن لا يتوجه بطلب الغفران ورفع الدرجات والعطاء والرحمة إلا منه‏.‏ وهم توجهوا بطلب الغفران والعفو وطلب الخير من أصنامهم الممثلة على صور الصالحين، وكان شعارهم‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏ [‏الزمر‏:‏ 3‏]‏، وكذا قولهم‏:‏ ‏{‏هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ‏}‏ [‏يونس‏:‏ 18‏]‏‏.‏
فتبين باليقين القاطع أن تسويتهم معبوداتهم برب العالمين، إنما هي في المحبة والتعظيم والتوجه والقصد، وطلب الشفاعة والواسطة‏.‏
فالقرآن حق كله، وأحسن وأعلى وأغلى ما فسر به القرآن القرآن‏.‏
الثاني‏:‏ أن اتخاذ الشفعاء ودعاء المقبورين طلبًا لشفاعتهم شرك وهو عين شرك الجاهلين، شركهم كان في الألوهية في التسوية بين الله وبين خلقه في التوجه والقصد طلبًا للشفاعة والدعاء والتسبب،
وقول صاحب المفاهيم‏:‏ ‏(‏إن هذا سبب‏)‏ كذب على الشرع، فإن الله لم يجعل هذا سببًا لقبول الدعاء ولا أمر به ولم يشرعه لعباده‏.‏
ومن توجه إلى كتاب الله وتفقه فيه وتبصر بآياته وما أخبر الله فيه عن عقائد المشركين وعقائد الموحدين، وأحوال الرسل مع أقومهم وما يتصل بذلك من بيان التوحيد والشرك فإنه من المهتدين حقًا‏.‏
وسيقوم بقلبه من محبة الله وتوحيده، وتعظيمه وطاعته ما به يصل برحمة الله إلى اليقين في الدنيا، والجنة والنعيم في الآخرة‏.‏
اللهم‏!‏ يسر لنا أسباب ذلك منة منك وتكرمًا‏.‏
قال صاحب المفاهيم ‏(‏ص25‏)‏‏:‏
‏(‏وإذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي، ولا سبيل إلى تكفيرهم‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏ يعني بهذا أن من قال للنبي ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏ بعد موته‏:‏ أستغيث بك يا رسول الله‏!‏ إذا كان القائل موحدًا فيجب حمله على المجاز العقلي، إذ لا يعقل استغاثة موحد بالأموات على سبيل الاستقلالية عند الكاتب‏.‏
بل المعنى الذي طلبه المستغيث هو التسبب، وهذا المعنى كثير وروده في كتاب ‏"‏مفاهيم يجب أن تصحح‏"‏، والحق ينبني على أن هذه المقدمات والأمور التي يعلل بها للمستغيثين باطلة مقدماتها، وباطلة نتائجها، وكشف ذلك يتم بأمرين‏:‏
الأول‏:‏ أن يقال‏:‏ ومن قال إن المستغيث والداعي إذا قصد التسبب لا يكفر، بل القرآن لما كشف حال العرب أعلم أنهم لم يكن شركهم إلا بقصد التسبب لا الاستقلالية، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ‏}‏ [‏يوسف‏:‏ 106‏]‏، أي‏:‏ وما يؤمن أكثرهم بأن الله هو خالقهم وما يعملون، وهو المحي المميت، وأنه الذي يجير ولا يجار عليه إلا وهم مشركون به في اتخاذ الأصنام وسائط، واتخاذ الأرواح التي صورت على أجسام أصحابها الأصنام سببًا لتحصيل مقصودهم فيما يزعمون‏.‏
أفلا ترى إلى أنهم إذا أيقنوا بالهلاك في البحر أخلصوا الدعاء لله، فلم يتخذوا وسيلة إليه من المخلوقين كما يفعلونه في الرخاء‏؟‏ فعلم من ضد أحوالهم وبنصّ القرآن أن أولئك المشركين ما كانوا يعتقدون الاستقلالية، بل كانوا يعتقدون التسبب بما لم يجعله الله سببًا ولم يأذن به، فلم لم يحتج لهم بالمجاز العقلي‏؟‏‏!‏ ولم كفروا بقولهم‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى‏}‏ [‏الزمر‏:‏ 3‏]‏، وهم إنما جعلوهم سببًا لتقريبهم إلى الله زلفى‏؟‏‏!‏
الثاني‏:‏ أن تخريج أقوال عباد القبور ـ المستغيثين بالموتى، الداعين إياهم ليشفعوا لهم عند ربهم، المحبين أصحابها أعظم من محبتهم لله ـ على المجاز العقلي منكر كبير، وخطأ عظيم مخالف لحقيقة حالهم؛ ذلك أن كثيرًا يعكفون على قبور الميتين ويعتقدون أن لصاحب القبر تصرفًا في الكون، وأنه يفعل ما شاء مطلق التصرف ‏[‏ونقل موسى محمد علي في كتابه ‏"‏اتوسل والوسيلة‏"‏ ‏(‏ص229‏)‏ عن محمد عبد الله الشكاز قوله الآتي مستحسنًا له مستسهدًا له، فال‏:‏ ‏(‏الرجال أربعة‏:‏ ‏{‏رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه‏}‏، وهم رجال الظاهر شهداء الجهاد البواسل، و ‏{‏رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله‏}‏، وهم رجال الباطن، جلساء الحق تعالى ولهم المشورة‏.‏‏.‏‏.‏ثم قال‏:‏ فرجال الظاهر هم الذين لهم التصرف في عالم الملك والشهادة‏)‏ اهـ‏.‏‏]‏‏.‏ بإعطاء الله له، وهذا كفر أعظم من كفر اعتقاد التسبب، وهذا لم يخطر على أذهان الجاهلين من العرب، ولذا تجد هؤلاء المشركين المعاصرين ينادون معبودهم، ويستتغيثون به ولو كانوا بعيدين عنه بعدًا كبيرًا، لاعتقادهم بأن له قوة أكبر من قوتهم البشرية، أعطاه الله إياها، وفوض له إصلاح شؤون طائفة من الخلق، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا‏.‏
ومن سمع أقوال المستغيثين بأصحاب القبور علم أنهم يعتقدون أن لهم شيئًا من التصرف والاستقلالية، وهو كفر فوق كفر التسبب والواسطة‏.‏
قال أبو الفضل الشهاب الألوسي في تفسيره ‏"‏روح المعاني‏"‏‏(‏6/115‏)‏‏:‏ ‏(‏ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب، ويسمع النداء، ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير أو دفع الأذى وإلا لما دعاه، ولما فتح فاه، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم‏)‏‏.‏
فالألوسي يبصر عبدة القبور المستغيثين بأصحابها، ويعرف ما يدور بخلدهم من كثرة ما يراهم، وعلى مثل حال من ذكر كثير من الذين يصرفون وجوههم إلى غير الله‏.‏
وقد وقع في هذا صاحب المفاهيم حيث قال ‏(‏ص91‏)‏ في وصف نبي الله ورسوله محمدٍ ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏‏:‏
‏(‏فإنه حي الدارين، دائم العناية بأمته، متصرف بإذن الله في شؤونها، خبيرٌ بأحوالها‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ اهـ فإنه يُلْمِح ويشير إلى ذلك المعنى الذي عليه عبدة القبور، من اعتقاد تصرف المقبورين من الأنبياء والصالحين بشؤون الناس‏.‏
قال صاحب المفاهيم ‏(‏ص95‏)‏‏:‏
‏(‏فالقائل‏:‏ يا نبي الله اشفني واقض ديني، لو فرض أن أحدًا قال هذا فإنما يريد‏:‏ اشفع لي في الشفاء، وادع لي بقضاء ديني، وتوجه إلى الله في شأني، فهم ما طلبوا منه إلا ما أقدرهم الله عليه، وملكهم إياه من الدعاء إياه من الدعاء والتشفيع‏.‏
وهذا هو الذي نعتقده فيمن قال ذلك، وندين الله على هذا، فالإسناد في كلام الناس من المجاز العقلي الذي لا خطر فيه على من نطق به‏)‏ اهـ‏.‏
أقول‏:‏
أولًا‏:‏ ومن قال إن الدعاء والشفاعة يملكها ويقدر عليها من حياته برزخية نبيًا كان أو غيره‏؟‏ فهذه قالة فاسدة يقينًا‏.‏
وقد فصلت في موضعٍ آخر حكم الواسطة، وكذا حقيقة الشفاعة، وكيف تطلب، فيراجع في محله‏.‏
الثاني‏:‏ أن هذا القول فيه من الزعم على الإطلاع على قلوب عباد القبور شيء كثير، وكأنما صاحب المفاهيم كفيل بكل من دعا أصحاب القبور أن يدافع عنهم‏!‏ وكان قصارى ما يجب عليه إنصافًا وعدم مكابرة أن ينسب ذلك إلى اعتقاده هو نفسه، وإلا فقلوب الناس لا سبيل إلى معرفة حقيقة ما فيها‏.‏
الثالث‏:‏ أن من نتائج هذا القول السيئ إلغاء أقوال الفقهاء في باب حكم المرتد، إذ كل من صدر منه قولٌ شركي وكفري سيخرج من عهدته بالمجاز العقلي‏.‏
فهؤلاء المنافقون في عهد رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏ حين قالوا في غزوة تبوك‏:‏ ‏(‏ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء‏:‏ أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء‏)‏ فنزل فيهم قول الله جل وعلا‏:‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُم‏}‏ [‏التوبة 65ـ66‏]‏ الآيات، أخرجه ابن أبي حاتم بإسنادٍ حسن، وأخرجه ابن جرير وغيره‏.‏
فلمْ يعذرهم عن استهزائهم، ولا قبل منهم، ولوكانوا في هذا الزمان لخرّج أصحاب المجاز العقلي قولهم، ولم يكفروهم، وكذا من قال من الزنادقة‏:‏ الشيطان ربي، أو الحلاج إلهي، أو الولي الفلاني مطلع على سري، أفيقول فقيه‏:‏ إن كان موحدًا حمل قوله على‏:‏ الشيطان عصى ربي، والحلاج أضله إلهي، أو رب الولي الفلاني مطلع سري‏؟‏‏!‏
هذا ما لم تحم حوله أقوال فقيه، ولا خرَّجها مخرج، ولا اعتذر عنهم بذلك معتذر، ولو أجيز ذلك لسمعت الأقوال الكفرية الشركية صباح مساء من الفسقة والمنافقين، ولطعنوا جهارًا في الدين، ثم إذا أتت الأمور عند الحاكم أحال كل منهم على المجاز العقلي، وخَرَجَ من عهدة الشرك‏.‏
أفيقول بهذا حاكم‏؟‏‏!‏ أم يتسيغه مفتٍ‏؟‏‏!‏ أم يقول به طالب علم‏؟‏‏!‏ أم يفوه به منتسب لأهل العلم‏؟‏‏!‏ إن قبل هذا قابل فأبشر بعزةٍ لدين الزنادقة، وتولٍ لدين الموحدين، دين رب العالمين، ثم أبشر بكل شر‏.‏
أفيجوز بعد هذا أن يحتج محتج بالمجاز العقلي الحادث‏؟‏‏!‏ فهذا مذهب المالكية في الردة لا يقبل المجاز العقلي، فمن ذلك ما قاله الدردير في ‏"‏شرحه الصغير‏"‏‏(‏6/144‏)‏ وما بعدها‏:‏ ‏(‏الردة‏:‏ ‏(‏كفر مسلم‏)‏ متقرر إسلامه بالنطق بالشهادتين مختارًا، يكون‏:‏
‏(‏بصريح‏)‏ من القول‏:‏ كقوله أشرك بالله‏.‏
‏(‏أو قول يقتضيه‏)‏ أي‏:‏ يقتضي الكفر، كقوله‏:‏ جسم كالأجسام‏.‏
‏(‏أو فعل يتضمنه‏)‏ أي‏:‏ يستلزمه ‏(‏لزومًا بينًا‏)‏‏.‏
ثم قال في حكم من سبّ نبيًا‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ‏6/154‏)‏‏:‏
‏(‏‏(‏ولا يعذر‏)‏ الساب ‏(‏بجهل‏)‏؛ لأنه لا يعذر أحد في الكفر بالجهل، ‏(‏أو سَكْرٍ‏)‏ حرامًا ‏(‏أو تهور‏)‏‏:‏ أي كثرة الكلام بدون ضبط‏.‏
ولا يقبل منه سبق اللسان ‏(‏أو غيظ‏)‏ فلا يعذر إذا سب حال الغيظ بل يقتل إلخ ‏(‏أو بقوله‏:‏ أردت كذا‏)‏ فلا يقبل منه ويقتل‏)‏‏)‏ اهـ‏.‏
فانظر إلى عدم الاعتداد بقوله‏:‏ أردت كذا، وهو عين المجاز العقلي، الذي يزعمه الزاعمون‏.‏
وفي ‏"‏شرح الشيخ عليش على مختصر خليل‏"‏ ‏(‏4/477‏)‏ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أو‏)‏ سب لـ ‏(‏تهور‏)‏ أي‏:‏ توسع ومبالغة ‏(‏في‏)‏ كثرة ‏(‏كلامه‏)‏ وقلة مراقبة وعدم ضبطه وعجرفته، فلا يعذر بالجهل ولا بدعوى زلل اللسان‏)‏‏)‏ اهـ‏.‏
وعند الحنفية من التكفير بمجرد القول ما يطول، وقد اختلفوا في قول القائل من الخطباء في ألقاب السلطان‏:‏ العادل الأعظم، مالك رقاب الأمم، سلطان أرض الله، مالك بلاد الله، حكى ابن نجيم في ‏"‏البحر الرائق‏"‏ ‏(‏5/124‏)‏ الخلاف في كفره، والموحد ظاهر مرادُه، وأنه لا يعني بمدحه السلطان، إضافة هذه الأشياء له حقيقة، بل إنما يعني به الإسناد المجازي، وهو المجاز العقلي، فلم يمنع ذلك من حكم بعضهم بكفره‏.‏
ومقصودنا التمثيل لا التتبع، وبما ذكرنا يبطل تبرير الأقوال الشركية والكفرية بالمجاز العقلي‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


الساعة الآن 09:44 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103