تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

][الفكر الصوفي.. الجزء الأول][كتاب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-25-2010, 10:41 PM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

][الفكر الصوفي.. الجزء الأول][كتاب




][الفكر الصوفي.. الجزء الأول][كتاب






][الفكر الصوفي.. الجزء الأول][كتاب





====================

][الفكر الصوفي.. الجزء الأول][كتاب

!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!


الفكر الصوفي

تأليف الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

نبذة عن الكتاب



يعد هذا الكتاب موسوعة ومرجعًا لكل من أراد التعرف على هذا الفكر الصوفي، والإحاطة بمباحثه المتفرقة، وتصور عقائده وشرائعه، وطرائق أهله في الفكر‏.‏ وكذلك يحمل الكتاب الرد على معظم ما انتحلته هذه الطائفة من عقيدة وشريعة‏.‏ ويزخر الكتاب بطرائق الرد على زندقة وخرافات ودجل الغالين منهم، ومعرفة أمهات الكتب عندهم، وأساطين فكرهم، وكيف تطورت العقيدة والشريعة الصوفية لديهم‏.‏ والكتاب قد تميز عن كتب كثيرة كتبت في بيان حقيقة الصوفية، بأنه كان موضوعيًا، مفصلًا، فصل بين العقيدة الصوفية، والشريعة الصوفية، وشرح كل باب من أبواب المعتقد الصوفي على حدة، وكل شريعة لهم على حدة‏.‏ وبذلك تكتمل الصورة عند القارئ، ويفهم مغاليق التصوف ويتعرف على دروبه وسراديبه الخفية‏.‏

================



















بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-25-2010, 10:43 PM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعتين‏:‏ الثالثة والرابعة
الحمد لله لا نحصي ثناء عليه كما أثنى على نفسه‏.‏ فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول وله الحمد أن هدانا لحمده، وعرفنا به، ونسأله تعالى أن يرزقنا الإيمان به، والثبات على الإيمان حتى نلقاه‏.‏
والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة، الذي بلّغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة كاملة، وكان العبد الكامل لسيده ومولاه، والرسول الكامل، والنبي المبجل والمكرم والإمام فصلوات الله عليه وسلامه‏.‏ وبعد‏.‏
أخي القارئ هذه هي الطبعة الثالثة من ‏(‏الفكر الصوفي‏)‏ تمتاز عن سابقتيها بتدارك الأخطاء المطبعية واللغوية، وزيادة الفصل الخاص بالطريقة الرفاعية من صفحة 562 إلى صفحة 596‏.‏ وقد نبهنا إلى منهجنا في هذا الكتاب في مقدمة الطبعة الثانية‏.‏
وقد أصبح هذا الكتاب بحمد الله موسوعة ومرجعًا لكل من أراد التعرف على هذا الفكر، والإحاطة بمباحثه المتفرقة، وتصور عقائده وشرائعه، وطرائق أهله في الفكر‏.‏ وكذلك الرد على معظم ما انتحلوه من عقيدة وشريعة‏.‏ وبهذا تيسير ـ بحمد الله ـ على طلاب العلم معرفة الفكر الصوفي في يسر وسهولة، وتعلم طريقة الرد على زندقتهم وخرافاتهم ودجلهم، ومعرفة أمهات الكتب عندهم، وأساطين فكرهم، وكيف تطورت العقيدة والشريعة الصوفية‏.‏ ونرجو بهذا أن نكون قد مهدنا الطريق إلى القضاء على هذا الفكر المنحرف، وفتحنا الطريق أمام ناشئة المسلمين إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، وإزالة عقبة كأداء كانت تحول بينهم وبين ذلك‏.‏ والله سبحانه هو المسئول أن يجعل هذا خالصًا لوجهه، وأن يكتب له القبول في الأرض، والرفعة مع الأعمال الصالحة إلى السماء إنه هو السميع العليم‏.‏
وكتبه عبدالرحمن عبدالخالق، في الكويت، في رجب الحرام سنة 1406هـ أبريـــل سنة 1986م‏.‏
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، سبحانه وأشهد أنه لا ند له ولا شريك وأنه بذاته فوق عرشه عال على جميع مخلوقاته ومخترعاته ومصنوعاته وأنه هو الذي خلق الخلق وأوجد هذا العالم من العدم وأنه ما خلق الملائكة والجن والإنس إلا ليعبدوه ويوحدوه ويمجدوه وأن السموات والأرض وما فيهما جميعًا كل له خاضع وأن الجميع وفق أمره، ورهن مشيئته، فما شاء كان وما لم يشأه لم يكن، وأثني عليه سبحانه وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد الذي بعثه الله إمامًا للناس وهاديًا ومرشدًا ومفرقًا بين الضلالة والهدى، والكفر والإيمان، والشرك والتوحيد ‏{‏فَمَن يَكْفُرْ بِالْطَّاغوت ويؤْمِن بِاللهِ فقَدِ اسْتمسَك بالعُروَة الوُثقى لا انفصام لها والله سميع عليم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 256‏]‏‏.‏
وبعد‏:‏
فإن أعظم فتنة ابتلي بها المسلمون قديمًا وحديثًا هي فتنة التصوف‏.‏ هذه الفتنة التي تلبست للمسلمين برداء الطهر والعفة والزهد والإخلاص، وأبطنت كل أنواع الكفر والمروق والزندقة، وحملت كل الفلسفات الباطلة ومبادئ الإلحاد والزندقة‏.‏ فأدخلتها إلى عقائد الإسلام وتراث المسلمين على حين غفلة منهم، فأفسدوا العقول والعقائد‏.‏ ونشروا الخرافات والدجل والشعوذة، ودمروا الأخلاق، وأتوا على بنيان دولة الإسلام من القواعد إذ حارب المتصوفة العلم والجهاد والبصيرة في الدين، بل والزواج والعمل والكسب، فنصبوا للقرآن والسنة حربًا لا هوادة فيها، وحرفوا الناس عن تعليمها بكل سبيل زاعمين تارة أن القرآن والسنة علم أوراق وظواهر وأن علمهم الباطني علم أرواح وحقائق واطلاع على الغيب ومشاهدة وتارة أخرى زاعمين أن أورادهم وأذكارهم تفضل ما في القرآن والسنة آلاف بل عشرات الآلاف من المرات وتارة ثالثة واصفين كل علماء الشريعة بأنهم محجوبون مرتزقة ظاهريون جامدون، لم يتذوقوا الحقائق ولم يشاهدوا الغيب، واختص المتصوفة أنفسهم وهم بوجه عام من الزنادقة المبتدعين والكفار المستترين بأنهم أهل العلم اللدني، والحقيقة‏.‏‏.‏
واستطاعوا بذلك أن يدخلوا كل ما سطره الكفار والزنادقة إلى عقائد المسلمين وأول ذلك ما يسمى بعقيدة وحدة الوجود التي تنادي بأن الوجود كله وحدة واحدة فلا خالق ولا مخلوق، الكل عين واحدة، وحقيقة واحدة في زعمهم تعددت وجوداتها، وتغيرت صفاتها ولكنها شيء واحد فالجنة والنار، والرسل والشياطين، والمؤمنون والكفار، والطهارة والنجاسة، والشرك والتوحيد شيء واحد وذات واحدة، ولا فرق ـ بتاتًا ـ عندهم بين موسى وفرعون، وإبليس أفضل من محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفضَّل شيخهم الأكبر كما يدعون فِرعون على موسى لأن فرعون علم الحقيقة التي يدعيها الصوفية ـ حيث قال ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏‏.‏ ‏!‏‏!‏ وهكذا خرج المتصوفة على المسلمين بدين، هذه مبادئه دين يرى في إبليس مثالًا للفتوة والتوحيد‏.‏ لأنه لم يرض أن يسجد إلا لله بزعمهم، وبفرعون إمامًا لأهل الإيمان الصوفي‏.‏‏.‏ لأنه عرف الحقيقة وأنه هو الله، والحال عندهم أنه ليس في الكون إلا الله‏.‏‏.‏ دين لا يفرق بين خالق ومخلوق وشرك وتوحيد، وكفر وإيمان، وطهر وفجور‏.‏‏.‏ وجنة ونار‏.‏
أقول لقد استطاع المتصوفة إفساد عقائد المسلمين في قرون متطاولة، واستطاعوا كذلك إفساد أعمالهم وشرائعهم وكانت لهم اليد الطولى في هزيمة العالم الإسلامي وسقوطه تحت نير الاستعباد والذل والتبعية لدول الكفر، كان التصوف هو المعبرة التي عبر عليها الملحدون والزنادقة والمفسدون في الأرض والعباءة التي تستر بها كل من يريد التخريب والتدمير لأمة الإسلام ورسالة القرآن ثم بعد ذلك كان التصوف هو الجسر الذي ركبه وعبره كل من يريد الوصول إلى تعظيم الناس له، واستعباد الآخرين، وأكل أموالهم بالباطل فقد تحول الزنادقة ومن لا أصول لهم معروفة من الأعاجم والملاحدة فدخلوا في التصوف، وانتسبوا زورًا إلى أهل بيت النبوة وادعوا الكرامات والكشوف والعلوم الإلهية اللدنية التي تنزل عليهم، ومن ثم سخروا الناس لخدمتهم بل وعبادتهم من دون الله أحياءً وأمواتًا، فحملت لهم الهبات والهدايا‏.‏ وانهالت من كل حدب وصوب، وقدسهم الناس وعظموهم تعظيمًا لم تعرفه الملوك ولا أبناء الملوك من الجبابرة المفسدين واستطاع هؤلاء الزنادقة المتسترون أن يقيموا إقطاعات دينية، وممالك طائفية تربعوا على عروشها، وجعلوها وراثة في أولادهم من بعدهم‏.‏
سبب تأليف الكتاب
لقد كانت رؤية هذا الخطر الماحق على أمة الإسلام هو السبب الذي حداني إلى أن أؤلف هذا الكتاب، كاشفًا القناع عن الحركة الصوفية قديمًا وحديثًا، مبصرًا المسلمين بأبعادها، مبينًا مخاطرها وأهدافها‏.‏
منهج الكتاب وتقسيماته
وقد صدر أصل هذه الرسالة سنة 1975م وقد شملت الجانب العقائدي فقط من التصوف وانشغلت عن إتمام الكتاب بمشاغل أخرى ثم يسر الله سبحانه وتعالى أن يتم الكتاب بالصورة التي كنت أطمع فيها حيث قسمت الكتاب إلى أبواب ستة جعلت الباب الأول لبيان الخطوط العريضة لعقيدة الإسلام في الكتاب والسنة، وأنه لا عقيدة إلا من القرآن والسنة، ولا شريعة كذلك إلا منهما وأن كل ما خالفهما فهو باطل‏.‏ وذلك حتى تتضح هذه الحقيقة التي هي أصل الدين وأساسه والتي عمل الصوفية كل همهم لنقضها وهدمها، فالتصوف يقوم أول ما يقوم على هدم هذين الأصلين توحيد المعتقد، وتوحيد العمل، فعند الصوفية كل ما اعتقده الناس جميعًا مؤمنين وكفارًا وزنادقة وفلاسفة وعلى أي ملة ومذهب فهو حق، وكل عمل وشريعة فهي حق وأما الإسلام فإنه يقوم أول ما يقوم على أنه لا هدي إلا هدي الإسلام ولا عقيدة حق إلا عقيدة الكتاب والسنة ولا شريعة واجبة الإتباع إلا شريعة الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه لا صراط يوصل إلى الله إلا صراطه‏.‏ وأما المتصوفة فكل الطرق نافعة وصالحة وكل الشرائع مهما كانت فعينها واحدة‏.‏
وخصصت الباب الثاني لمجمل تاريخ التصوف‏:‏ كيف بدأ التصوف، وكيف انتشر وما هي المراحل التي مر بها إلى يومنا هذا والخطوط العريضة للفكر الصوفي في العقائد والشرائع‏.‏
وأما الباب الثالث فهو أوسع الأبواب، وقد شمل ثلاثة عشر فصلًا كلها في تفصيل المعتقد الصوفي كيف بدأ وكيف تطور إلى أن وصل إلى غاياته ونهاياته في القول بوحدة الوجود، والمناداة بوحدة العقائد جميعًا، والأديان جميعًا وجعل كل المتناقضات حقيقة واحدة ‏(‏لله في زعمهم‏)‏ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا‏.‏ ثم عرضنا لعقيدة المتصوفة النهائية فشرحناها بحمد الله فصلًا فصلًا بدأنا بما سموه بالحقيقة المحمدية ويعنون بذلك أن الرسول هو أول موجود في الكون وهو المستوي على عرش الله فوق السماوات السبع، وأنه هو الذي خلق هذا العالم من نوره وهو الذي أرسل الرسل وأنزل الشرائع وأن كل العوالم السفلية والعلوية من فعله وصنعته وتدبيره وأنه بذلك المظهر الحسي لله في زعمهم‏.‏ الله الذي لا يعدو كونه عندهم هو مجموع هذا العالم‏!‏‏!‏
شرحنا عقيدتهم هذه بالنصوص من كتبهم، ورددنا عليهم، ثم بينا معتقدهم في الخضر ـ عليه السلام ـ والذي جعلوا له صورة وحقيقة غير ما جاء في الكتاب والسنة‏.‏ ثم بينا عقيدتهم في علم الغيب وما سموه بالكشف، ثم قولهم في معراج الروح إلى السماوات ونقلنا نقولًا مستفيضة من خرافاتهم وترهاتهم ثم بينا كذلك أقوالهم وعقائدهم في الولاية الصوفية وشرحنا كيف خلعوا كل صفات الربوبية على أوليائهم المزعومين‏.‏ وبينا مرارًا الولاية عندهم وتقسيماتهم لها، ثم خصصنا فصلًا لمعتقدهم فيما سموه بختم الولاية ومن قال بذلك منهم قديمًا وحديثًا ثم في عقيدتهم الخرافية في الديوان الذي يحكم العالم من جبل حراء بمكة‏!‏‏!‏‏.‏
وأما الباب الرابع‏:‏ فقد خصصناه للشعائر الصوفية فعرضنا لشعائرهم في الذكر وكيف يتلقون أذكارهم في زعمهم من الرسول يقظة لا منامًا ومن الله ـفي زعمهمـ مكتوبة‏!‏‏!‏ وكيف يتلقون من القبور‏.‏ وبينا أيضًا ما زعموه من فضائل لأذكارهم المكذوبة‏.‏ ثم بينا منهجهم وطريقتهم فيما سموه بالشطح‏.‏ وشرحنا منهجهم في التربية الصوفية وكيف يغسلون الأمخاخ ويحولون العقلاء إلى مجانين ومجاذيب ودراويش سائمة يسهل قيادتهم وتوجيههم‏.‏ وبينا في الفصل الرابع من هذا الباب الطرق الصوفية وشرحنا بالتفصيل طريقة حديثة مشهورة هي الطريقة التجانية لما لهذه الطريقة من شهرة وانتشار‏.‏ وفي الفصل الخامس نقلنا بالنص مناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية لأتباع الطريقة الرفاعية في وقته‏.‏
وأما الباب الخامس‏:‏ فقد شرحنا فيه الصلة بين التصوف والتشيع وأنهما كانا دائمًا وجهين لعملة واحدة‏.‏ عملًا لأهداف واحدة وأخذ كل منهما عن الآخر‏.‏
وأما الباب السادس‏:‏ والأخير فقد بينا فيه موقف طائفة من علماء المسلمين قديمًا وحديثًا من الفكر الصوفي بدءًا بالإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ الذي كان له السبق الأول في الكشف عن هذه الفرق الباطنية، ثم الإمام أحمد الذي فضح مسلكهم وحارب أوائلهم حتى اختفوا إلى أن ماتوا‏.‏ وختمنا هذا الباب بشهادة لرجلين متأخرين كانا من رجال التصوف البارزين فهداهما الله إلى الإسلام الصحيح وكتب كل منهما في فضح التصوف وهما الشيخ الدكتور تقي الدين الهلالي والشيخ الراحل عبدالرحمن الوكيل‏.‏
هذا وإني لأسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وأن يكون هذا الكتاب النور الهادي للأمة لكشف غمة التصوف حتى تنزاح إلى غير رجعة عن وجه العالم الإسلامي‏.‏
وقد حاولت جهدي أن أسهل العبارة وأشرح الغامض وأختصر في الرد وأبسط وأسترسل في النقل من كتب القوم وذلك لعلمي أن ظهور عقائد هؤلاء الزنادقة كاف في إبطالها وذلك أنها عقائد ينفر منها كل قلب سليم وكل فطرة لم تتنجس‏.‏ وإنه ليكفي فقط أن نكشف الهالة الزائفة التي أحيطت بالتصوف لتظهر الحقيقة العارية البغيضة المشينة والتي إذا علمها أي مسلم لا بد أن ينكرها‏.‏
مميزات هذه الرسالة عن غيرها
وأحمد الله أن هذا الكتاب قد تميز عن كتب كثيرة كتبت في بيان حقيقة الصوفية أنه كان موضوعيًا مفصلًا وهو أول كتاب فصل بين العقيدة الصوفية والشريعة الصوفية وشرح كل باب من أبواب المعتقد الصوفي على حدة وكل شريعة لهم على حدة‏.‏ وبذلك تكتمل الصورة عند القارئ ويفهم مغاليق التصوف ويتعرف على دروبه وسراديبه الخفية‏.‏
وفي الختام أسأل الله ثواب هذا العمل من عنده إنه هو السميع العليم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله الأمين وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين‏.‏
عبدالرحمن عبدالخالق، الكويت في يوم الاثنين، 9من ذي القعــدة سنة 1404هـ الموافق 6 من أغسطس سنة 1984م‏.‏
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله الذي وصف نفسه في كتابه، وعلى ألسنة رسله، فهدانا وعلمنا، وشرح صدور أهل الإيمان إلى توحيده وعبادته وتقديسه، فشهدوا شهادة الحق أن الله إله واحد سبحانه، كما قال ـ عز وجل ـ ‏{‏شهدَ اللهُ أنَّه لا إلهَ إلا هوَ والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسطِ لا إلهَ إلا هوَ العزيزُ الحكيمُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏18‏]‏‏.‏
أحمده سبحانه، وأستعينه وأستغفره، وأسأله أن يجعلني أحد أولئك الذين شهدوا له بالوحدانية، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله، محمد الداعي إلى سبيل ربه على بصيرة، الذي وصف ربه بما أوحي إليه، فأقام، للناس دينهم الحق، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه القويم إلى يوم الدين‏.‏
وبعد‏:‏
فالحركة الصوفية حركة قديمة، نشأت في منتصف القرن الثاني الهجري، وبلغت قمتها العقائدية في أواخر القرن الثالث، أي بعد مرور مئة وخمسين سنة تقريبًا على نشأتها‏.‏ وأصبحت عقيدة عامة، ودينًا عامًا لعموم المسلمين إلا قليلًا في القرون التاسع والعاشر والحادي عشر، وكانت هذه القرون قرون ظلام وجهل، أفاق العالم الإسلامي بعدها على الغزو الأوربي لأراضيه‏.‏ وكان العالم الإسلامي في ذلك الوقت في حالة بلغت منتهى السوء، فإن كثيرًا من علماء المسلمين لم يجدوا ما يجابهون به الفاتحين من الفرنسيين إلا أن يقرؤوا كتاب البخاري‏!‏‏!‏ وكان ذلك في القاهرة وفي الأزهر ثم اصطحاب نابليون وإلباسه جبة المشيخة، وإدخاله في حلقة من حلقات الذكر‏!‏‏!‏‏.‏
وأما في المغرب فإن أتباع الشيخ أحمد التجاني كان لهم شرف خدمة الفرنسيين في ترسيخ أقدامهم في شمال أفريقيا وغربها، وأما في السودان فإن السيد الميرغني والطريقة الختمية قد وطأت الناس لدخول الإنجليز، والقضاء على الثورة المهدية‏.‏
وهذه الحركة الصوفية ما زالت تعيش إلى يومنا هذا، بل هي في حالة بعث جديد تقوم عليه اليوم مراكز تعليمية كبيرة في بلاد الغرب وفي بلادنا الإسلامية، وهناك حركة نشطة لبعث التراث الصوفي، ليكون دعامة لبعث إسلامي في زعم القائمين على نشر هذا الفكر‏.‏
ولقد كانت صلتي بدراسة التصوف قديمة، وذلك للموقف المتناقض الذي وقفه كثير من الباحثين والعلماء من هذه الحركة الصوفية، ومن فكرها الذي نشأ عنها، وكذلك للاختلاف الشديد حول رجالها، فكم من رجل من رجال التصوف اتهمه أناس بالزندقة والإلحاد، ووصفه آخرون بالقديسية والقطبية والغوثية‏.‏ ولقد كان هذا التناقض والاختلاف في موقف علماء الإسلام إزاء هذه الحركة، وهذا الفكر باعثًا لي على النظر والتفكير والبحث‏.‏
فمكثت مدة طويلة أجمع القول إلى القول، وأقف عند العبارة الغامضة طويلًا، وأفسر كلام القوم بعضه ببعض‏.‏ وأظن أنني الآن بحول الله قد عرفت مغاليق هذا الفكر، ومساربه الخفية، ولم يكن هذا الأمر سهلًا قط، بل يعلم الله أنني تحملت فيه كثيرًا من الآلام النفسية المرهقة، وذلك أن أساطين القوم قد مارسوا تشويهًا لكتاب الله ـ عز وجل ـ وقلبًا لمفاهيم السنة الصحيحة، لا يحيط به إلا الله، ولا يطيق الوقوف عليه مسلم جاد‏!‏‏!‏
ولقد تجشمت مشقة ذلك لعلمي بعد الدراسة والجهد أن هذا الفكر هو أخطر ما يجابه المسلمين في الوقت الحاضر من مشكلات، فمشكلة الفكر الصوفي مشكلة عقائدية، والمشاكل العقائدية هي أخطر ما تقابله الأمة، فالأمة يتحول عملها كله بتحول عقيدتها، فالتتر عندما أسلموا حقيقة، تركوا حرب المسلمين، والمسلمون عندما تركوا الإسلام، وعقيدة الجهاد رضوا بالمستعمرين، وتخلقوا بأخلاقهم، وتثقفوا بثقافتهم‏.‏
وهذا الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ هو بحث في العقيدة الصوفية‏:‏ ما هي‏؟‏ وما الغاية التي تسعى المتصوفة إلى غرسها‏؟‏ وما الفروق بين هذه العقيدة وعقيدة أهل السنة‏؟‏ وهذه العقيدة أنقلها لك بنصوصها من الكتب والمراجع الصوفية، التي يعتبرها المتصوفة من أنقى كتبهم وأشهرها، كاللمع للطوسي، والتعرف على مذهب أهل التصوف للكلاباذي، وطبقات الصوفية للسلمي، وغير ذلك من الكتب التي كتبت بأقلام رجال التصوف بأنفسهم‏.‏
وستعلم من هذه الدراسة أن التصوف عقيدة فلسفية قديمة، نشأت قبل الإسلام في الفلسفة الاستشراقية المنسوبة إلى ‏(‏أفلوطين‏)‏‏.‏ والفلسفة الهندية القديمة، والتي ما زالت عقيدة الهند إلى اليوم، وهي القول بوحدة الوجود، وهذه العقيدة هي عقيدة كثير من شعراء الفرس قبل الإسلام، وبعد الإسلام كجلال الدين الرومي‏.‏
وهذا يعني أن التصوف غير الزهد المعروف في العقيدة الإسلامية، فالزهد شيء، والتصوف شيء آخر، يختلف عنه كل الاختلاف، بل هناك فرق بين الزهد في عقيدة الكتاب والسنة، والزهد في العقيدة الصوفية‏.‏ فالتصوف فلسفة كاملة، وعقيدة غايتها فتح القلب على علوم غيبية، لا تتلقى عن الرسل، بل تتلقى بطريق ‏(‏الكشف‏)‏ عن الله رأسًا، أو عن الرسول ‏(‏حسب زعمهم‏)‏‏.‏ ثم التحقق بعد ذلك أن لا موجود في الكون إلا الله، وبذلك يصبح العبد هو الرب، والرب هو العبد، بل الكل شيء واحد في الحقيقة، متفرّق في الصور فقط‏!‏‏!‏ وطريق الوصول إلى هذا العلم الغيبي ‏(‏الكشف هو المجاهدة بصور كثيرة‏)‏‏.‏ وتختلف هذه الصور باختلاف الزمان والمكان، والأشخاص والديانات‏!‏‏!‏ ويجمعها أمور واحدة هي تعذيب النفس، وترديد أذكار معينة، والعزلة وترك الطهارات‏.‏
ولا يعني هذا أن كل رجل نسب إلى التصوف كان يعتقد هذه العقيدة، بل من وصل الغاية منهم وصل إلى هذا، ومن لم يعرف التصوف لم يصل إلى هذه الغاية، ووقف عند مرحلة من مراحل الطريق الصوفي، الذي ينتهي بتلك النهاية‏.‏ فالطريق الصوفي مراحل، وكلام كل إنسان فيه يدل على المرحلة التي انتهى إليها‏.‏
والجوانب التي يجب أن يتعرض لها بحث كامل عن التصوف جوانب كثيرة، لا يسعها هذا البحث، ولذلك فقد اقتصرت في البحث الذي بين يدي القارئ الآن على بحث الجانب العقائدي فقط في الفكر الصوفي، جوابًا عن سؤال هام‏:‏ ما هو التصوف‏؟‏ وما العقيدة التي ينتهي إليها‏؟‏ وما موقف هذا الفكر من قضية الكتاب والسنة‏؟‏ وأسأل الله أن يوفقني قريبًا إلى إخراج هذا البحث كاملًا، معالجًا جميع القضايا التي أثارها هذا الفكر في العبادات والسلوك وتزكية النفس، ثم الآثار السياسية والاجتماعية لهذا الفكر، مع تعريف برجالاته، منذ ظهوره إلى يومنا هذا، سائلًا الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يجعل في هذه الرسالة الميسرة هداية ونورًا لأبناء أمتي الإسلامية، الذين يعزهم الطريق المستقيم إلى رب العالمين سبحانه وتعالى، في وقت تختلط فيه السبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه، وأسأله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم‏.‏
عبدالرحمن عبدالخالق يوسف
الكويت في غرة جمادي الآخرة لـ 1394
21 يونيــــــو 1974
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-25-2010, 10:45 PM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الباب الأول‏:‏ الكتاب والسنة عقيدة ومنهجا

الكتاب والسنة عقيدة
1ـ بُعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عصر قد انطمست فيه معالم الإيمان بالحق ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
أـ فالعرب يعتقدون في وجود الله، وأنه خالق الكون، ومنزل المطر، ولكن هذا الإله في نظرهم لا يستطيع إحياءهم بعد الموت، وليست له غاية من خلق الناس غير هذه الدنيا التي خلقهم فيها، فليس هناك قيامة ولا حساب، ثم هو إله كملوك الأرض يتوسل إليه من أجل الرزق والمطر، والنصر على الأعداء بكل حبيب عنده كالملائكة والصالحين‏.‏
ب ـ وأما النصارى فقد درس دينهم الحق، ولم يبق عليه إلا أفراد قلائل، وأما الكثرة الغالبة فقد اعتقدت أن عيسى هو الله أو ابن الله ـ تعالى ربنا عما يقولون ـ وجعلوا علماءهم ورهبانهم أربابًا، ينفذون أقوالهم في كل شيء، ولو خالف ذلك نصوص الكتاب عندهم، ورفعوا الصالحين منهم إلى منزلة التقديس والتأليه‏.‏
ج ـ وأما اليهود فقد غالوا في تشبيه الله بخلقه، ونسبوا إليه كل القبائح التي تنسب إلى البشر من الكذب والبخل، والغفلة، وعدم العلم بالمستقبل‏.‏
د ـ وفي بلاد فارس والهند عاشت فلسفات كثيرة، كل فلسفة تصور معبودها بصورة تروق في عقل قائلها‏:‏
ـ ففلسفة نادت بإلهين للعالم‏:‏ إله للنور وآخر للظلمة، وزعمت صراعًا بينهما، ودعت الناس إلى مساعدة إله الخير والنور، بإشعال النيران لينتصر الحق على الباطل‏.‏
ـ وفلسفة نادت بخالق للكون، يجب على الإنسان أن يجاهد نفسه بصنوف من المجاهدات حتى يفنى فيه ويلتحق به، ولا تنسخ روحه مرة ثانية بعد الموت إلى هذا العالم‏.‏
ـ وفلسفة نادت بالوجود الكلي لذات واحدة، تعددت وجوداتها بتعدد صفاتها، ولهج الشعراء والكتاب من الفرس بحب هذه الذات التي تتراءى لهم في كل شيء، وتظهر لهم في كل موجود‏.‏
هـ ـ وفي اليونان ظهرت فلسفات كثيرة نادى معظمها بخالق للكون سموه واجبًا للوجود أو علة للعلل، عنه نشأ العالم وصدر، ولكن هذه الفلسفة وقفت حائرة عاجزة أمام الغاية والهدف الذي من أجله خلق هذا الخالق الكون، والنهاية التي يسير إليها الناس‏.‏
2ـ وكل هذه الفلسفات السابقة كانت محاولات بشرية لمعرفة الغيب، وما وراء هذا العالم المشاهد، وبديهي أن تنتهي هذه المحاولات البشرية بالإخفاق الذريع، إذ لا سبيل للبشر إلى معرفة الغيب إلا الظن والحدس والتخمين، أو الجن والشياطين‏.‏
3ـ بعث الله رسوله محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليرشد كل أولئك الحيارى الضالين إلى ربهم وخالقهم سبحانه وتعالى، وليعلمهم الحكمة التي من أجلها خلقهم، والغاية التي إليها يسيرون، والمنهج الذي يحبه الله لعباده ويرضاه لهم‏.‏
4ـ وقدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للناس الدليل الكامل على أنه رسول من الله ـ تبارك وتعالىـ يأتيه الوحي من السماء، فقال لهم‏:‏ هذا كلام الله، أقرؤه عليكم، وإن لم تصدقوني فأتوا بسورة واحدة من مثله‏.‏
5ـ وكان على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يواجه كل هذا الركام من الأفكار والعقائد والمذاهب والفلسفات، وأن يقيم الحجة والبرهان على فسادها جميعًا، وصحة ما يدعو هو الناس إليه، وكانت المعركة عقائدية‏.‏
6ـ وتركزت هذه الحرب حول أصلين اثنين يتفرع عنهما فروع كثيرة‏:‏
أـ فالأصل الأول هو توحيد الله وحده، وهذا يعني أنه الإله الخالق وحده، المعبود وحده، الذي لا يشاركه في صفاته وأفعاله أحد سبحانه وتعالى، والذي يتصف بكل صفات الكمال والجمال والجلال، وينتفي عنه أضداد ذلك‏.‏
بـ والأصل الثاني هو توحيد الطريق إليه، فلا يحكم في شؤون الناس غيره، ولا يتقرب إليه بما شرع هو سبحانه وتعالى، وكان هذا هو معنى ‏"‏لا إله إلا الله، محمد رسول الله‏"‏ فلا إله إلا الله‏:‏ الأصل الأول، ومحمد رسول الله‏:‏ الأصل الثاني‏.‏
7ـ ولقد نُوزع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذين الأصلين‏:‏
أـ فأما المشركون من العرب فقالوا‏:‏ ‏{‏أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إنَّ هذا لشيءٌ عُجابٌ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏3‏]‏ وقالوا عن آلهتهم‏:‏ ‏{‏ما نعبُدهم إلاّ ليقربونا إلى الله زُلفى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏3‏]‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏هؤلاءِ شُفعاؤُنا عندَ اللهِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏18‏]‏‏.‏
وكان رد الله ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏ قل‏:‏ ‏{‏لَو كانَ فيهِما آلهَةٌ إلا اللهُ لفسدَتا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏22‏]‏، ‏{‏قُل للهِ الشَّفاعَة جميعًا‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏44‏]‏‏.‏
وعن الأصل الثاني‏:‏ قال تعالى هادمًا تشريعاتهم الباطلة في الحلال والحرام والتقرب‏:‏ ‏{‏أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏21‏]‏‏.‏
ب و جـ وأما اليهود والنصارى فزعمت كل طائفة أن طريقها هو الصواب، وأن معبودها هو الحق، وأن الجنة خالصة لهم من دون الناس، فكان رد الله ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏ ‏{‏قل إن هدى الله هو الهدى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏120‏]‏، ‏{‏قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏31‏]‏‏.‏
والقرآن كله بيان لجهاد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع هذه الطوائف الثلاث في شأن هذين الأصلين‏.‏
8ـ وآمن بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجال أخلصوا دينهم لله، فأحبوه وآثروه على كل شيء، وأحبوا رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وافتدوه بأرواحهم وأنفسهم، وبذلوا الجهد في متابعته وطاعته، وفي تنزيه الله وتقديسه وعبادته، وتحققوا بهذين الأصلين، وقاموا بها خير قيام حتى أثنى عليهم الحق سبحانه وتعالى في آيات كثيرة من كتابه‏.‏ من ذلك قوله جل وعلا‏:‏
{‏محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود‏}‏‏.‏‏.‏الآية ‏[‏الفتح‏:‏29‏]‏، فرضي عنهم سبحانه ورضوا عنه، وعرفوه حق معرفته، وقاموا بدينه خير قيام‏.‏
وأثنى عليهم رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ ‏(‏خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم‏)‏ ‏(‏رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود، وغيرهم عن غيره‏)‏، وشهد لأفراد منهم بالجنة والفضل، وكان من هؤلاء أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ الذي قال عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏[‏وزنت بالأمة فرجحت، ووزن أبو بكر بالأمة ـ لست فيها ـ فرجح، ووزن عمر بالأمة ـ لست فيها وأبو بكر ـ فرجح‏]‏ ‏(‏رواه أحمد ‏(‏2/76‏)‏ بنحوه وإسناد ضعيف، فيه عبيد الله بن مروان أورده ابن أبي حاتم في ‏(‏الجرح والتعديل ـ5/334‏)‏ ولم يحك فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وفيه أيضًا أبو عائشة أورده صاحب ‏(‏الجرح والتعديلـ9/417‏)‏ ولم يحك فيه كذلك جرحًا ولا تعديلًا، وعلى هذا فهما مجهولان وباقي رجاله ثقات‏.‏ وروى أحمد ‏(‏5/44 و 50‏)‏ وأبو داود ‏(‏4634‏)‏ والترمذي ‏(‏2389ـتحفة‏)‏ وصححه، كلهم عن أبي بكرة أن أحد الصحابة رأى في منامه أن ميزانًا دلي من السماء، فوزن به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر، فرجح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم وزن به أبو بكر وعمر، فرجح أبو بكر، ثم وزن عمر وعثمان، فرجح عمر، ثم رفع الميزان‏.‏ وقد قواه أستاذنا الألباني في ‏(‏تخريج المشكاة ـ3/233‏)‏ بطريقيه‏)‏‏.‏
وقال‏:‏ ‏[‏لو كان نبي بعدي لكان عمر‏]‏ ‏(‏رواه بنحوه أحمد ‏(‏4/154‏)‏ والترمذي ‏(‏2/293‏)‏ وحسنه والحاكم ‏(‏3/85‏)‏ وصححه وغيرهم، كلهم عن عقبة بن عامر مرفوعًا، وحسنه أستاذنا الألباني في ‏(‏السلسلة الصحيحةـ327‏)‏ وفي ‏(‏صحيح الجامع ـ5160‏)‏، وقال لبلال‏:‏ ‏[‏إني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة‏]‏ ‏(‏رواه البخاري ‏(‏3/376‏)‏ ـ من الفتح‏)‏ وأحمد ‏(‏2/333 و439‏)‏ عن أبي هريرة، ولفظ البخاري‏:‏ قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبلال عند صلاة الفجر‏:‏ ‏[‏يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة‏]‏ قال‏:‏ ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي‏.‏ ودف النعل هو صوت حركتها الخفيف وسيرها اللين‏)‏، ونحو ذلك كثير جدًا‏.‏
9ـ ومع ذلك فقد حرص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ طيلة حياته على بقاء أصلي التوحيد ‏"‏لا إله إلا الله، محمد رسول الله‏"‏ نقيين صافيين، فما كان يسمح بتاتًا يخدش هذين الأصلين، ولو من أحب الناس لديه وآثرهم عنده ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
ومن الأدلة على ذلك‏:‏
أـ أنه رأى يومًا بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورقة من التوراة، وكان عمر قد أعجبه ما فيها، فغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غضبا ًشديدًا، وقال لعمر‏:‏ ‏[‏أهذا وأنا بين أظهركم، لقد جئتكم بها بيضاء نقية‏.‏‏.‏ والله لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني‏]‏ ‏(‏رواه بنحوه الإمام أحمد في مسنده ‏(‏3/387‏)‏ والبيهقي في شعب الإيمان، والدارمي‏(‏1/115ـ116‏)‏ بأتم منه، قال أستاذنا الألباني في ‏(‏تخريج المشكاة ـ1/63‏)‏‏:‏ ‏"‏وفيه مجالد بن سعيد، وفيه ضعف، ولكن الحديث حسن عندي لأن له طرقًا كثيرة عند اللالكائي والهروي وغيرهما، وقد خرجت بعضها في ‏(‏الإرواء ـ 1589‏)‏، وفي هذا الحديث من الفقه‏:‏
أولا‏:‏ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعجب أن يبدأ الاهتداء بغير الكتاب والسنة وهو ما زال حيًا‏.‏ ومن مقتضى الإيمان بالكتاب والسنة أن يعتقد أن الهدي فيهما وحدهما‏.‏
وثانيا‏:‏ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد جاء بالدين نقيًا خالصًا، لم تشبه شائبة من تغيير أو تبديل أو تحريف، والصحابة يتلقونه غضًا طريًا خالصًا، فكيف ينصرفون عنه ويهتدون بما شابه التحريف والتبديل والزيادة والنقص‏.‏
وثالثًا‏:‏ أن موسى ـ عليه السلام ـ نفسه الذي نزلت عليه التوراة لو أنه حي موجود لكان اللازم في حقه هو متابعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وترك شريعته التي بلغها للناس‏.‏
وهذا الحديث أصل في بيان منهج الكتاب والسنة، وأنه لا يجوز لأحد أن يهتدي بعلم يقرب إلى الله، ويصلح النفس غير الذي بعث به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى لو كان أصله من شريعة منزلة علي أحد الأنبياء السابقين‏.‏
ب ـ والدليل الثاني أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمع خطيبًا يخطب بين يديه فكان مما قاله‏:‏ من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏بئس خطيب القوم أنت، قل‏:‏ ومن يعص الله ورسوله فقد غوى‏)‏ ‏(‏رواه مسلم 6/159ـ بشرح النووي‏)‏ وأحمد ‏(‏4/256 و379‏)‏‏.‏
فهذا الخطيب قد قاطعه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقبَّح قوله أمام الناس، والسبب أنه جمع بين الله ورسوله في ضمير واحد ‏(‏ومن يعصهما‏)‏ فأمره الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يعيد ذكر الإسم الظاهر لله ولرسوله، حتى لا يُظن ولو من بعيد أن منزلة الرسول كمنزلة الله ـ عز وجل ـ‏.‏ وهذا الحرص من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دليل على وجوب صون جناب توحيد الله ـ تبارك وتعالى ـ صونًا كاملًا، ووجوب التفريق التام بين ما يجب لله ـ عز وجل ـ وما يجب لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
ج ـ والدليل الثالث أن عثمان بن مظعون ـ رضي الله عنه ـ وكان من خيار الصحابة، لما توفي، وحضر عنده الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمع الصحابية الجليلة أم العلاء تقول‏:‏ شهادتي عليك أبا السائب أن الله قد أكرمك‏.‏‏.‏ فرد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائلًا‏:‏ ‏(‏وما يدريك أن الله قد أكرمه‏؟‏‏)‏ وكان هذا تنبيهًا عظيمًا من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذه الصحابية بأنها قد حكمت بحكم غيبي، وهذا لا يجوز، لأنه لا يطلع على الغيب إلا الله ـ عز وجل ـ ولكنها ردت قائلة‏:‏ سبحان الله يا رسول الله‏!‏‏!‏ ومن يكرم الله إذا لم يكرمه‏؟‏ أي إذا لم يكن عثمان بن مظعون ـ رضي الله عنه ـ ممن يكرمهم الله ـ تبارك وتعالى ـ فمن بقي منا حتى يكرمه الله ـ تبارك وتعالى ـ‏.‏
وهذا رد في غاية البلاغة والفهم‏.‏ ولكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رد عليها بما هو أبلغ من ذلك حيث قال لها‏:‏ ‏(‏والله إني لرسول الله لا أدري ما يفعل بي غدًا‏)‏ وكان هذا نهاية الأمر وحسمه، فالرسول بنفسه وهو من هو صلوات الله وسلامه عليه يجب أن يظل خائفًا مترقبًا ‏{‏يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 9‏]‏‏.‏ وهنا وصلت أم العلاء إلى الحقيقة الشرعية العظيمة فقالت‏:‏ والله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا رواه البخاري ‏(‏3/358 و6/223 و224 و8/266 و6/49 و69ـ من الفتح‏)‏ وأحمد ‏(‏6/436‏)‏ عن أم العلاء الأنصارية بنحوه‏)‏‏.‏
وهذا الأصل مقرر في الشريعة في آيات وأحاديث كثيرة، منها قوله ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلًا انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا‏}‏ ‏[‏النساء 49 ‏:‏50‏]‏ ومنها قوله‏:‏ ‏{‏ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏123‏]‏، وكان هذا ردًا على اليهود الذين قالوا‏:‏ نحن أهل الجنة، ونحن شعب الله المختار، وردًا على النصارى الذين قالوا‏:‏ بل نحن أهل الجنة، لأننا أتباع ابن الله المخلص للبشر من خطيئتهم، ورد أيضًا على المسلمين الذين قالوا‏:‏ بل نحن أهل الجنة لأننا أتباع رسوله محمد خاتم الرسل والموحدين، فأخبر تعالى أن الجنة ليست بالأماني، وإنما بالعمل الصالح، وأن من عمل سوءًا يجز به، ولا تنفعه نسبته وروي في الحديث‏:‏ ‏(‏من قال أنا في الجنة فهو النار‏)‏ ‏(‏فيه إشارة إلى ضعفه، وقد أورده الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة ص423 ضمن الحديث على حديث‏:‏ ‏[‏من قال‏:‏ أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال‏:‏ أنا عالم فهو جاهل‏]‏ وعزاه إلى ‏(‏المعجم الصغير للطبراني عن يحيى بن أبي كثير‏)‏ وقال‏:‏ وسنده ضعيف، وهو عند الديلمي في مسنده عن جابر بسند ضعيف جدًا، ورواه الحارث بن أبي أسامة من جهة قتادة عن عمر بن الخطاب موقوفًا عليه، وهو منقطع‏)‏‏.‏
د ـ والدليل الرابع أن رجلًا جاء إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له‏:‏ ما شاء الله وشئت فقال له ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏أجعلتني لله ندًا‏؟‏ قل ما شاء الله وحده‏)‏ ‏(‏رواه أحمد ‏(‏1/214 و224 و283 و347‏)‏ والبخاري في ‏(‏الأدب المفرد ـ783‏)‏ وغيرهما، وأورده أستاذنا الألباني في ‏(‏السلسلة الصحيحة ـ 138‏)‏ وعزاه إلى مخرجيه وحسنه‏)‏، فجعل ـ صلى الله عليه وسلم ـ المشيئة لله وحده، حتى يُعلّم المؤمنين أن لا مشيئة لأحد مع مشيئة الله ـ تبارك وتعالى ـ‏.‏
هـ ـ وأما الدليل الخامس فهو أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم مروا في أثناء خروجهم إلى هوازن بعد فتح مكة على شجرة، كان المشركون يعلقون عليها سيوفهم، ظانين أنه من فعل ذلك حالفه النصر في معاركه مع العدو، فقالوا‏:‏ يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط‏.‏ أي شجرة ينوطون بها أسلحتهم‏.‏ فقال لهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى‏:‏ ‏(‏اجعل لنا إلهًا كما لهم ءَالِهَةٌ‏.‏‏.‏‏)‏ ‏[‏رواه الإمام أحمد في مسنده‏]‏ ‏(‏5/218‏)‏ والترمذي في ‏(‏سننه ـ6/407 و408ـ تحفة‏)‏ وقال‏:‏ حديث حسن صحيح، قلت‏:‏ وإسناده صحيح كما قال، ورجاله رجال الستة غير سنان بن أبي سنان فلم يرو له أبو داود وابن ماجة‏)‏، فبين ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن هذا من عمل المشركين، وأن مشابهتهم في هذا شرك بالله ـ تبارك وتعالى ـ إذ طلب البركة والنصر من غير الله ـ عز وجل ـ شرك به تعالى‏.‏
10ـ والأدلة السابقة كلها لبيان أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان ليسمح بتاتًا بخدش الأصل الأصيل في الإسلام، وهو توحيد الله ـ عز وجل ـ والقول عليه بلا علم‏.‏ وأخذ الهداية من غيره سبحانه وتعالى، وغير رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
11ـ وقد سدَّ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه باب العرافة والكهانة وادعاء علم الغيب، وأخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن مدعي ذلك كافر، وأن من صدَّق عرافًا أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد سئل ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن العرافين فقال‏:‏ ‏[‏ليسوا بشيء‏]‏ هكذا بنفي قيمتهم وتحقيرهم، فقال له أصحابه رضوان الله عليهم‏:‏ ولكنهم يخبروننا أحيانًا بالأمر، فيكون كما قالوا، فأخبرهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الشياطين تركب بعضها بعضًا وتصل إلى العنان، وتسمع الملائكة تتكلم بالأمر من أمر الله تعالى، فيتعلمونه منهم، فيرسل الله عليهم الشهب، فيلحقهم الشهاب أحيانًا فيحرقهم، وأحيانًا يلقون الكلمة إلى من هو أسفل منهم قبل الشهاب، فيكذب الشيطان مع هذه الكلمة مئة كذبة، فلذلك يصدق أولياء الشياطين من الإنس مرة، ولكنهم يكذبون كثيرًا ‏(‏رواه مسلم في صحيحه 14/225ـ نووي‏)‏ ولفظه‏:‏ قالت عائشة‏:‏ سأل أناس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الكهان، فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏[‏ليسوا بشيء‏]‏‏.‏ قالوا ‏:‏ يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحيانًا الشيء يكون حقًا‏؟‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة‏)‏، وأما صعود الشياطين إلى السماء لاستراق السمع، وقذفهم بالشهب فقد ورد في حديث آخر رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه، منها كتاب التفسير ‏(‏9/452ـ فتح‏)‏ عن أبي هريرة، وعزاه ابن كثير إلى أبي داود والترمذي وابن ماجة أيضًا‏.‏ كما ورد مثله في حديث رواه مسلم في صحيحه ‏(‏7/36 و37ـ نووي‏)‏ وأحمد وغيرهما عن ابن عباس عن رجل من الأنصار‏)‏‏.‏
12ـ ولما شك الصحابة في ‏(‏ابن صياد اليهودي‏)‏ الذي كان يسكن المدينة، وظنوه الدجال الذي حدث عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخذ الرسول معه جماعة وزاره في منزله قال له الرسول مختبرًا‏:‏ ‏(‏لقد خبأت لك خبئًا‏)‏ ‏.‏‏.‏
وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أضمر في نفسه ‏(‏سورة الدخان‏)‏ فسأله الرسول عما في نفسه، فقال عدو الله ‏:‏‏(‏هو الدخ‏)‏ ولم يستطع أن يكمل الكلمة، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏[‏اخسأ فلن تعدو قدرك‏]‏‏.‏ أي لن تتعدى كونك كاهنًا تتصل بالجن‏.‏ ولذلك قال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏كيف ترى‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ يأتيني أحيانًا صادق وكاذب‏.‏ أي تأتيه أخبار من الشيطان صادقة أحيانًا، وكاذبة أخرى، فقال رسول الله‏:‏ ‏[‏لقد لُبِّس عليه‏]‏ ‏(‏رواه بنحوه مطولًا البخاري ‏(‏3/462 و6/512 و13/180ـ من الفتح‏)‏ ومسلم ‏(‏17/46 و58ـ بشرح النووي‏)‏ وغيرهما‏)‏‏.‏
وفي هذا الحديث دليل على أن الشيطان من الممكن أن يطلع على ما في نفس المؤمن، ويخبر وليه من الإنس، وأننا مأمورون ألا نصدق من الغيب إلا ما أتانا من طريق الله، ومن طريق رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقط‏.‏
وكل هذه الأدلة التي ذكرناها، وغيرها لا يحصى، إنما كانت لتثبت الجانب العقائدي الإيماني في دعوة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبيان أن العقيدة والإيمان بالغيب مصدره الله ـ تبارك وتعالى ـ وأنه لا يجوز لمسلم بتاتًا أن يتخذ طريقًا آخر للغيب يتلقى عنه، وأن من فعل ذلك فقد خرج من الإيمان بالله تعالى‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-25-2010, 10:47 PM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الكتاب والسنة منهجًا
للتشريع ميادين كثيرة منها العبادات، والمعاملات، والسياسة وأمور المعاش والحياة، وباب الاجتهاد مفتوح فيها جميعًا إلا العبادات فليس فيها اجتهاد، فكل ما يتقرب به إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ من أعمال يجب الوقوف فيها عند الحد المشروع، ولم يسمح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأحد أن يزيد على ما قال فيها، أو أن يبدل شيئًا منها‏.‏ وهاك بعض الأدلة التي تثبت هذا الأصل من أصول الإيمان‏:‏
أـ رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلًا يمشي في الحج بين رجلين يسندانه فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏ما هذا‏؟‏‏)‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله نذر أن يحج ماشيًا‏.‏ فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏[‏إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني‏!‏‏!‏ مروه فليركب‏]‏ ‏(‏رواه بنحوه البخاري ‏(‏4/450 و451ـ فتح‏)‏ ومسلم ‏(‏11/102 و103‏)‏ وغيرهما عن أنس‏)‏ فنهى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن فعل لم يشرعه الله ـ عز وجل ـ وإن كان فاعله قاصدًا به التعبد والتقرب إلى الله ـ عز وجل ـ‏.‏
ب ـ ورأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلًا آخر يجلس في الشمس فسأل عنه، فقالوا‏:‏ يا رسول الله نذر أن يصوم، ولا يتكلم ويجلس في الشمس فقال صلوات وسلامه عليه‏:‏ ‏[‏ليتم صومه، وليتكلم وليجلس في الظل‏]‏ ‏(‏رواه بنحوه البخاري ‏(‏12/401 و412‏)‏ وأبو داود ‏(‏3300‏)‏ وغيرهما عن ابن عباس‏)‏ فأقره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الصوم الشرعي فقط، ونهاه عن الصوم المبتدع وهو السكوت‏.‏ وإن كان مشروعًا في شريعة سابقة كما في قصة زكريا وقول مريم عليهما السلام‏:‏ ‏{‏إني نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏26‏]‏، ولكن الله ـ عز وجل ـ لم يتعبدنا بهذه الشريعة وأمره بأن يتحول إلى الظل، لأن الجلوس في الشمس مع وجود الظل تكلف سخيف، وخروج عن جادة الحق، وعبادة لم يشرعها الله ـ سبحانه وتعالى ـ‏.‏
ج ـ وأبلغ من الدليلين السابقين حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن أباه شكاه إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه زوجه امرأة من أشراف العرب، ومكث يسألها كل يوم‏:‏ كيف رأيت زوجك‏؟‏ فقالت‏:‏ صالحًا غير أنه لم يطأ لنا فراشًا‏.‏‏.‏ وذلك لخمس عشرة ليلة، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعبدالله بن عمرو بن العاص‏:‏ ‏(‏بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل‏)‏، فقال‏:‏ نعم يا رسول الله‏.‏ ثم قال له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏صم من كل شهر ثلاثة أيام‏)‏ فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏خمسًا‏)‏‏.‏ قال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ قال‏:‏ ‏[‏سبعًا‏]‏‏.‏ قال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ قال‏:‏ ‏[‏تسعًا‏]‏، ثم قال له في النهاية‏:‏ ‏(‏صم صيام أخي داود كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى‏)‏ ‏(‏هذا الحديث مركب من روايتين رواهما مسلم في صحيحه ‏(‏8/44ـ47 نووي‏)‏ بنحوه، كما روى نحوه البخاري ‏(‏5/124 فتح‏)‏‏)‏‏.‏
وفي هذا الحديث من الفقه أن منهج الإسلام هو الاعتدال بين حاجات الإنسان كلها فيعطي الإنسان حق ربه، ولا ينسى في سبيل ذلك حق زوجه ونفسه، وعينه وقوته‏.‏ ولذلك جاء في الحديث الصحيح ‏(‏إن لربك عليك حقًا، ولزوجك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه‏)‏ ‏(‏رواه البخاري 5/114 فتح‏)‏ في قصة سلمان وأبي الدرداء، وفيه أن المتكلم بهذا هو سلمان، وقد صدق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلامه هذا‏.‏ وفي قصة ابن عمرو الجملتان الأوليان منه مرفوعتين‏)‏‏.‏
وهنا لفظه في الحديث يجب أن نقف عندها طويلًا، وهي أن المسلم لا يجوز أن يصوم صومًا يضعفه حتى إنه ليفر من العدو، ولذلك قال الرسول لعبد الله‏:‏ ‏(‏فصم صيام داود كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى‏)‏ وهذه القوة البدنية للقاء العدو مطلوبة في الإسلام، لأن الجهاد هو من أعلى مراتب الإسلام‏.‏ فالذين يميتون قواهم بالتعبد ولو كان أصله مشروعًا، ويطغى هذا على جانب آخر من العبادة فإنهم مفرطون بهذا الفعل، عاصون لله ـ تبارك وتعالى ـ من جهة أخرى‏.‏
د ـ وفي الحديث الصحيح الآخر أن رجلًا سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن صومه، فغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غضبًا شديدًا، وجلس عمر بن الخطاب يقول‏:‏ رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا حتى سكن غضب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏رواه مسلم ‏(‏1/49ـ51‏)‏ عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه بنحوه مطولًا‏)‏، وسر غضبه صلوات الله وسلامه عليه أن هذا السائل أراد أن يضاهي فعل الرسول في هذه العبادة التي كان له فيها خصوصية، وهي أنه يواصل اليوم واليومين والثلاثة وكان يُسأل ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك فيقول‏:‏ ‏(‏لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني‏)‏ ‏(‏رواه مسلم ‏(‏7/212 و215‏)‏ بنحوه عن أبي هريرة وعائشة وأنس ـ رضي الله عنهم ـ‏.‏
هـ ـ وأبلغ هذه الأدلة كلها في مسألة التعبد والتقرب، أنه لا يجوز فيه إلا اتباع المشروع، والتقيد بالكتاب والسنة هو حديث النفر الثلاثة الذين أتوا إلى بيوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسألوا عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقال أحدهم‏:‏ وأين نحن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏!‏ إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر‏.‏ أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر‏:‏ أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث‏:‏ أما أنا فلا أتزوج النساء‏.‏ فلما رجع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبر خبرهم صعد المنبر، وجمع الناس ثم قال‏:‏ ‏(‏ما بال أقوام يقولون كذا‏.‏‏.‏ أما إن أعلمكم بالله، وأتقاكم لله أنا، أما إني لأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني‏)‏ ‏(‏رواه البخاري ومسلم عن أنس ـ رضي الله عنه ـ وليس فيه صعود المنبر وجمع الناس‏)‏‏.‏
وفي هذا الحديث من الفقه شيء كثير ويهمنا الآن ما نحن بصدده، وهو أن أي تجاوز فيما شرعه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العبادات التي يتقرب بها إلى الله ـ عز وجل ـ فمعنى ذلك الخروج من منهج الإسلام إلى منهج آخر حتى ولو صلحت النيات، وأريد بذلك وجه الله ـ عز وجل ـ فإن الرب ـ تبارك وتعالى ـ لا يُعبد إلا بما شرع‏.‏
وأمر آخر وهو أن تجاوز فعل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ سواء كان بتشريع جديد كالترهُّب، أو الزيادة في المشروع كالصيام أبدًا، وقيام الليل كله هو اتهام للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه لم يكن في القمة من معرفة الله ـ تبارك وتعالى ـ والقيام بحقه‏.‏ ولذلك قال أولئك النفر‏:‏ وأين نحن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏؟‏ إنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يعنون أن الله قد غفر ذنوبه، فليس بمحتاج إلى اجتهاد في العبادة، ومعنى هذا أن الرسول قد ترك شيئًا من وسعه في العبادة استنادًا إلى هذه المغفرة، والحظوة عند الله ـ تبارك وتعالى ـ وهذا من الاعتقادات التي لا تليق في حق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي ما ترك وسعًا في عبادة الله وطاعته، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ في القمة دائمًا، وفي المقدمة دائمًا كما أمره بذلك ربنا سبحانه وتعالى حيث قال‏:‏ ‏{‏قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏162و163‏]‏، فهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ أول المسلمين في كل شيء، فلا يجوز لمسلم أن يظن فيه غير ذلك، والزيادة علي ما شرعه إنما هي اتهام له ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولذلك قال‏:‏ ‏(‏إن أعلمكم بالله، وأتقاكم لله أنا‏)‏ ثم فاصل بين من أراد طريقه بالالتزام، ومن لم يلتزم قال له ‏(‏فمن رغب عن سنتي فليس مني‏)‏‏.‏
16ـ ولم يكتف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ببيان كل ذلك، بل أعلن في كل خطبة من خطبه للناس ‏:‏ ‏(‏وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار‏)‏ ‏(‏هاتان الجملتان جزء من خطبة الحاجة التي كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبدأ بها خطبه، والجملة الأولى عند مسلم والبيهقي، وهي الجملة الثانية عند النسائي، وإسناده صحيح، وانظر رسالة ‏(‏خطبة الحاجة‏)‏ لأستاذنا الألباني فقد جمع فيها طرقها ورواياتها‏)‏، وقال أيضًا ‏:‏ ‏(‏من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد‏)‏ ‏(‏رواه البخاري ومسلم‏)‏ فكل عمل محدث يراد له التقرب إلى الله ـ عز وجل ـ فهو مردود على صاحبه، والتعبد هو بالمشروع فقط‏.‏
17ـ ولقد أصل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ذلك أصلًا خطيرًا، وهو تعمد مخالفة أهل الكتاب والأمم الأخرى، وذلك حتى تتحقق ميزة الأمة بالمنهج المستقل والأفعال المستقلة، وحتى لا تختلط أفعال الأمة وعباداتها بأفعال الأمم الأخرى وعباداتها، فأمر أن نصلي بالنعال والخفاف مع العلم أن خلعها أتم لمعاني الخضوع والذلة، وذلك مخالفة لليهود والنصارى الذين لا يصلون في خفافهم ونعالهم‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏إن أهل الكتاب لا يصلون في خفافهم ونعالهم، فصلوا في خفافكم ونعالكم‏)‏ ‏(‏رواه أبو داود 652‏)‏ عن شداد بن أوس، وإسناده صحيح، ولفظه‏:‏ ‏(‏خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم‏)‏ وصححه الألباني في ‏(‏صحيح الجامع ـ3205‏)‏ و ‏(‏تخريج المشكاة ـ765‏)‏‏)‏‏.‏
ولهذا الأصل أدلة وشواهد لا تحصى كثرة ‏(‏من أجمع الكتب المؤلفة في ذلك كتاب ‏(‏اقتضاء الصراط المستقيم‏)‏ لشيخ الإسلام ابن تيمية والفصل الخاص بحرمة التشبه بالكفار من ‏(‏حجاب المرأة المسلمة‏)‏ للألباني‏)‏، والمراد هنا التنبيه على أن الأمة الإسلامية يجب أن تكون أمة مستقلة في كل شيء‏:‏ المنهج والعبادة، والسلوك والآداب والعبادات، وحتى اللباس والمظاهر والعادات‏.‏
18ـ وأرجو أن أكون بهذه المقدمة قد أوضحت جانبًا من هذه القضية‏:‏ قضية الالتزام بالكتاب والسنة عقيدة وعبادة، وسلوكًا وآدابًا بالمشروع فقط‏.‏
الصحابة رضوان الله عليهم والأصلان السابقان‏:‏
19ـ فهم الصحابة رضوان الله عليهم هذا الأصل الأصيل لأنه مقتضى قولهم ‏"‏لا إله إلا الله محمد رسول الله‏"‏ فاتبعوا هذا الأصل، وكانوا حراسًا له، فما شاهدوا انحرافًا ولو يسيرًا إلا شددوا نكيرهم على فاعليه، وبتروه من أصله‏.‏ ومن أكبر الأدلة على ذلك أن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ دخل المسجد في الكوفة فرأى حلقًا، وفي وسط كل حلقة كومًا من الحصى، ورجل قائم على كل حلقة يقول لهم‏:‏ سبحوا مئة فيسبحون مئة‏.‏ احمدوا مئة فيحمدون مئة، كبروا مئة، فيكبرون مئة؛ فقال لهم ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ يا قوم‏!‏ والله لأنتم على ملة هي أهدى من ملة رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو مقتحموا باب ضلالة ‏(‏رواه الدارمي ‏(‏1/68‏)‏ بتمامه مع بعض اختلاف، وإسناده جيد، وصححه أستاذنا الألباني في رسالة ‏(‏الرد على التعقب الحثيث ص45‏)‏‏)‏، وهذه قضية منطقية سليمة، فهؤلاء إما أن يكونوا أهدى من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنهم قد وفقوا لعمل لم يصل إليه علم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإما أن يكونوا في ضلالة، والفرض الأول منتف حتمًا، لأنه لا أحد أفضل من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يبق إلا الفرض الآخر، وهو أنهم قد اقتحموا باب ضلالة، فقالوا‏:‏ والله يا أبا عبدالرحمن ما أردنا إلا الخير، وهذا دليل منهم على صلاح نياتهم، وإرادتهم وجه الله ـ تبارك وتعالى ـ بهذا العمل المبتدع‏.‏ ولكن عبدالله بن مسعود قال لهم‏:‏ ‏"‏وكم من مريد للخير لم يبلغه‏"‏‏!‏‏!‏ وهذا معناه أن النية وحدها لا تكفي لتصحيح الفعل، بل لا بد أن ينضاف إلى ذلك التقيد بالمشروع‏.‏
20ـ وبالغ الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ في حماية جناب الدين وجانبه أن يدخل فيه الغريب، وما ليس منه حتى يصفو للناس التأدب بالأدب الخالص، والتخلق بالخلق الكامل من كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فطرد علي بن أبي طالب رضي الله عنه القصاصين من المساجد، وهم الوعاظ الذين يعظون الناس، ويزعمون ترقيق قلوبهم بالقصص الخيالي، والحكايات والأساطير، وأنكر ابن عمر على رجل عطس، فقال‏:‏ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله قائلًا له‏:‏ ‏"‏ما هكذا علمنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل قال إذا عطس أحدكم فليحمد الله ولم يقل‏:‏ وليصل على رسوله‏"‏‏!‏‏!‏ ‏(‏رواه بنحوه الترمذي ‏(‏8/9 تحفة‏)‏ وفيه ضعف، ورواه أيضًا الطبراني والبزار فينظر اسناده فيهما، فلعله يقوى به‏)‏‏.‏
الحقائق‏.‏‏.‏ والموازين‏:‏
وبمجموع هذه الأدلة يتضح لنا الحقائق التالية لفهم قضية الكتاب والسنة
أولًا‏:‏ الهدى هو ما كان من الله سبحانه وتعالى ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقط ‏{‏قل إن هدى الله هو الهدى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 120‏]‏ ‏{‏فماذا بعد الحق إلا الضلال‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 32‏]‏‏.‏
وإن هذا الهدى محصور في كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقط، وليس وراء هذا طريق ثالث يقرب إلى الله، ويباعد عن النار‏.‏
ثانيًا‏:‏ إن كل عقيدة تخالف كتاب الله وسنة رسوله هي عقيدة باطلة يجب حربها والقضاء عليها‏.‏
ثالثًا‏:‏ إن كل زيادة أو نقص في تشريع العبادات والسلوك يراد به التقرب إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ وإصلاح النفس إنما هو بدعة مرفوضة، حتى لو كان صدر هذا ممن ينتسبون إلى الإسلام ويدعون إليه‏.‏
رابعًا‏:‏ إن كل من ادعى علمًا غيبيًا في كتاب الله وسنة رسوله، زاعمًا أنه قد وصل بطريق الجن أو الفيض أو الفتح، أو الاتصال بالسماء إنما هو كاذب مارق‏.‏
خامسًا‏:‏ إن أقوال العلماء في أمور الدين لا تؤخذ قضية مسلمة قط، بل لا بد من عرضها على الكتاب والسنة، فما وافق أخذ وما خالف ذلك رد، وإذا جاز لنا أحيانًا الأخذ بها والعمل بها إذا لم نعلم الدليل، فإنما ذلك إلى حين معرفتنا بالدليل، ومتى عرفنا الدليل حكمنا به على القول‏.‏
سادسًا‏:‏ إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أعبد الناس، وأتقى الناس، وأنهم تحققوا بهذين الأصلين‏:‏ الكتاب والسنة، وأن من كان على مثل ما كانوا عليه فقد اهتدى، ومن شذ يمينًا أو يسارًا فقد ضل‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-25-2010, 10:49 PM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الباب الثاني‏:‏ مجمل تاريخ الشريعة الصوفية
الفصل الأول‏:‏ لمحة سريعة عن تاريخ التصوف
لا يعرف على وجه التحديد من بدأ التصوف في الأمة الإسلامية ومن هو أول متصوف وإن كان الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ عندما دخل مصر قال‏:‏ تركت بغداد وقد أحدث الزنادقة فيها شيئًا يسمونه السماع‏.‏‏.‏ والزنادقة الذين عناهم الشافعي هنا هم المتصوفة ‏(‏والسماع‏)‏ هو الغناء والمواجيد والمواويل التي ينشدونها ومعلوم أن الشافعي دخل مصر سنة 199هـ وكلمة الشافعي توحي بأن قضية السماع هذه قضية جديدة ولكن أمر هؤلاء الزنادقة يبدو أنه كان معلومًا قبل ذلك‏.‏ بدليل أن الشافعي قال كلامًا كثيرًا عنهم كقوله مثلًا ‏(‏لو أن رجلًا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يكون أحمق‏)‏ ‏(‏تلبيس إبليس لابن الجوزي ص370‏)‏ وقال أيضًا‏:‏ ما لزم أحد الصوفية أربعين يومًا فعاد إليه عقله أبدًا ‏(‏المصدر السابق ص370‏)‏، وكل هذا يدل على أنه قد كان هناك قبل نهاية القرن الثاني الهجري فرقة معلومة عند علماء الإسلام يسمونهم أحيانًا بالزنادقة وأحيانًا بالمتصوفة‏.‏‏.‏
وأما الإمام أحمد فقد كان معاصرًا للشافعي وتلميذًا له في أول الأمر فقد أثر عنه أقوال كثيرة في التنفير من أفراد معينين نسبوا إلى التصوف‏.‏ كقوله في رجل جاء يستفتيه في كلام الحارث المحاسبي‏:‏ قال أحمد بن حنبل‏:‏ ‏"‏لا أرى لك أن تجالسهم‏"‏ وذلك بعد أن اطلع أحمد بن حنبل على مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها للبكاء ـ ومحاسبة النفس كما يزعمون ـ والكلام على الوساوس وخطرات القلوب‏.‏ فلما اطلع الإمام أحمد على ذلك قال لسائله محذرًا إياه من مجالستهم وكتبهم ‏"‏إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات‏"‏‏.‏ والذي يبدو أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال هذا الكلام في مطلع القرن الثالث، ولكن هذا القرن ما كاد يكتمل حتى ظهر التصوف على حقيقته، وانتشر في الأمة انتشارًا ذريعًا، واستطاع المتصوفة أن يظهروا ما كانوا يخفونه سابقًا‏.‏
والمطلع على الحركة الصوفية من أول نشأتها إلى حين ظهورها العلني على ذلك النحو يجد أن أساطين الفكر الصوفي جميعهم بلا استثناء في القرن الثالث والرابع الهجريين كانوا من الفرس ولم يكن فيهم عربي قط، وعند مقابلة الدين الصوفي ستجد أن التصوف هو الوجه الآخر للتشيع ‏(‏اقرأ الفصل الخاص بذلك‏:‏ الصلة بين التصوف والتشيع‏)‏ وأن أهداف التصوف والتشيع كانت واحدة تقريبًا، في السياسة والدين،،‏.‏‏.‏، والمهم هنا هو التذكير بأن التصوف بلغ غايته وذروته من حيث العقيدة والتشريع في نهاية القرن الثالث حيث استطاع الحسين بن منصور الحلاج أن يظهر معتقده على الملأ ولذلك أفتى علماء العصر بكفره وقتله فقتل سنة 309هـ وصلب على جسر بغداد، وسئل الصوفية الآخرون فلم يظهروا ما أظهر الحلاج‏.‏‏.‏ وسيأتي وصف تفصيلي لعقيدة الحلاج عند بيان العقيدة الصوفية‏.‏
وعلى الرغم من ذلك فإن الصوفية ظلت تواصل انتشارها في أرض فارس على الخصوص ثم العراق‏.‏‏.‏ وساعد على انتشارها في فارس أن أقام رجل يسمى أبو سعيد الميهني نظامًا خاصًا للخانات الذي أصبح فيما بعد مركزًا للصوفية، وقلده في ذلك عامة رجال التصوف ومن هنا نشأت في منتصف القرن الرابع الهجري بدايات الطرق الصوفية التي سرعان ما انتشرت في العراق ومصر، والمغرب، وفي القرن السادس ظهرت مجموعة من رجال التصوف كل منهم يزعم أنه من نسل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستطاع كل منهم أن يقيم له طريقة صوفية خاصة وأتباعًا مخصوصين، فظهر الرفاعي في العراق، والبدوي في مصر وأصله من المغرب ولا يعرف له أم ولا أب ولا أسرة ولا هو من المغرب، وكذلك الشاذلي في مصر وأصله كذلك من المغرب‏.‏ وتتابع ظهور الطرق الصوفية التي تفرعت من هذه الطرق، وفي القرون السادس والسابع والثامن‏.‏‏.‏ بلغت الفتنة الصوفية أقصاها وأنشئت فرق خاصة بالدراويش وظهر المجاذيب وبنيت القباب على القبور في كل ناحية، وذلك بقيام الدولة الفاطمية في مصر وبسط سيطرتها على أقاليم واسعة من العالم الإسلامي، وبنائها للمزارات والقبور المفتراة كقبر الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ في مصر والسيدة زينب، وإقامتهم بعد ذلك الموالد والبدع والخرافات الكثيرة، وتأليههم في النهاية للحاكم بأمر الله الفاطمي؛ لقد بدأت الدعوة الفاطمية بالمغرب لتكون بديلًا للحكم العباسي السني، واستطاعت هذه الدولة تجنيد هذه الفرق الصوفية وغزو العالم الإسلامي بهذه الجيوش الباطنية التي كان لها أعظم الأثر بعد ذلك في تمكين الجيوش الصليبية من أرض الإسلام كما ستطالعه بأدلته في هذه الرسالة‏.‏
وأخيرًا عم الخطب وطم في القرون المتأخرة التاسع والعاشر والحادي عشر إذ ظهرت آلاف الطرق الصوفية، وانتشرت العقيدة والشريعة الصوفية في الأمة، واستمر ذلك إلى عصر النهضة الإسلامية الحديثة‏.‏
لقد بدأت طلائع هذه النهضة ومقدماتها في آخر القرن السابع وبداية القرن الثامن على يد الإمام المجدد أحمد بن عبدالحليم بن تيمية الحراني الذي صاول كل العقائد المنحرفة بقلمه وبيانه ومن جملة ذلك عقائد المتصوفة وشرائعهم المبتدعة ولاقى في هذا ما لاقى ‏(‏اقرأ الفصل الخاص بمناظرة ابن تيمية للرفاعية البطائحية‏)‏ وجاء تلاميذه من بعده مجاهدين في هذا الصدد كابن القيم، وابن كثير، والحافظ الذهبي، والحافظ المزني، وغيرهم،‏.‏‏.‏ ولكن شوكة التصوف والتخريف والعقائد الباطلة كانت قد تمكنت من الأمة تمكنًا عظيمًا، ولكن الله سبحانه وتعالى هيأ للأمة في القرن الثاني عشر الهجري الإمام الجليل محمد بن عبدالوهاب الذي تتلمذ على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية فقام مصاولًا هذا الباطل الذي عم الآفاق وقد حقق الله على يديه ظهور النهضة الإسلامية الحديثة فقد استجاب لدعوته المخلصون في كل أنحاء العالم الإسلامي وتردد صداها في الهند والسودان ومصر والشام وكل بلاد الإسلام، ومنذ ذلك الوقت بدأت الحركة الصوفية تتعرى أوراقها شيئًا فشيئًا، وتبدد عقيدة التوحيد ظلامها، وتزيل من نفوس الأمة ترهاتها وخرافاتها‏.‏‏.‏
واليوم بحمد الله يكتسح طوفان الحق جيش الباطل ويعود التصوف مرة أخرى إلى الإنجحار والاستتار كما بدأ وكما هو دائمًا شأن العقائد الباطنية، ولكن ما زالت دولة الصوفية قوية في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي وخاصة في أفريقيا ودول من آسيا‏.‏ حيث العربية غير معلومة وحيث الجهل بالتوحيد والدين الصحيح ما زال قائمًا، ثم إن رموز التصوف ما زالت موجودة وأعني برموزه القبور والمزارات والشيوخ الضالين والعقائد الفاسدة؛ كل ذلك ما زال موجودًا، وهو يحتاج إلى جهد جهيد، وجهاد طويل لاقتلاع آثاره في القلوب والنفوس والأرض‏.‏ وفي الفصل الخاص بالطرق الصوفية سيرى القارئ بعض هذا الواقع القائم إلى اليوم‏.‏
‏.‏‏.‏هذه لمحة سريعة مجملة لنشأة الفكر الصوفي وتطوره‏.‏‏.‏
الفصل الثاني‏:‏ لمحة عن العقيدة والشعائر الصوفية
تختلف العقيدة الصوفية في صورتها الأخيرة عن عقيدة الكتاب والسنة من كل وجه من حيث التلقي والمصادر أعني مصدر المعرفة الدينية؛ ففي الإسلام لا تثبت عقيدة إلا بقرآن أو سنة لكن في التصوف تثبت العقيدة بالإلهام والوحي المزعوم للأولياء والاتصال بالجن الذين يسمونهم الروحانيين، وبعروج الروح إلى السماوات، وبالفناء في الله، وانجلاء مرآة القلب حتى يظهر الغيب كله للولي الصوفي حسب زعمهم، وبالكشف، وبربط القلب بالرسول حيث يستمد العلوم منه في زعمهم، وبلقاء الرسول في اليقظة والمنام حسب زعمهم، وبالرؤى‏.‏‏.‏، وبالجملة فالمصادر الصوفية للغيب كثيرة جدًا‏.‏
ولما تعددت هذه المصادر على هذا النحو، كانت العقيدة نفسها واسعة متطورة متغيرة مختلفة بل ومتناقضة بين صوفي وصوفي حيث كل منهم يزعم أنه يخبر بما أداه إليه كشفه هو، وما ورد على خاطره وما قاله له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو ألقاه الملك إليه أو اطلع عليه بنفسه في اللوح المحفوظ‏.‏‏.‏
وأما القرآن والسنة فإن للصوفية فيهما تفسيرًا باطنيًا حيث يسمونه أحيانًا تفسير الإشارة، ومعاني الحروف فيزعمون أن لكل حرف في القرآن معنى لا يطلع على معناه إلا الصوفي المتبحر، المكشوف عن قلبه‏.‏‏.‏ وعلى هذا الأساس كان للمتصوفة دينهم الخاص الذي يختلف في أصوله وفروعه عن الدين الذي جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذه باختصار هي جملة عقائدهم في الله والرسول والأولياء والجنة والنار وفرعون وإبليس، وكذلك جملة اعتقاداتهم في الشرائع‏.‏
عقيدتهم في الله
يعتقد المتصوفة في الله عقائد شتى منها الحلول كما هو مذهب الحلاج، ومنها وحدة الوجود حيث لا انفصال بين الخالق والمخلوق وهذه هي العقيدة الأخيرة التي انتشرت منذ القرن الثالث وإلى يومنا هذا وأطبق عليها أخيرًا كل رجال التصوف وأعلام هذه العقيدة كابن عربي وابن سبعين، والتلمساني، وعبدالكريم الجيلي، وعبدالغني النابلسي، وعامة رجال الطرق الصوفية المحدثين‏.‏
عقيدتهم في الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ
يعتقد الصوفية في الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أيضًا عقائد شتى فمنهم من يزعم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يصل إلى مرتبتهم وحالهم، وأنه كان جاهلًا بعلوم رجال التصوف كما قال البسطامي‏:‏ ‏(‏خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله‏)‏ ومنهم من يعتقد أن الرسول محمد هو قبة الكون وهو الله المستوي على العرش وأن السماوات والأرض والعرش والكرسي وكل الكائنات خلقت من نوره وأنه هو أول موجود وهو المستوي على عرش الله وهذه عقيدة ابن عربي ومن جاء بعده‏.‏
عقيدتهم وفي الأولياء
يعتقد الصوفية في الأولياء عقائد شتى فمنهم من يفضل الولي على النبي وعامتهم يجعل الولي مساويًا لله في كل صفاته فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويتصرف في الكون ولهم تقسيمات للولاية فهناك الغوث المتحكم في كل شيء في العالم، والأقطاب الأربعة الذين يمسكون الأركان الأربعة في العالم بأمر الغوث، والأبدال السبعة الذين يتحكم كل واحد منهم في قارة من القارات السبع بأمر الغوث والنجباء كل واحد منهم يتصرف في ناحية تتحكم في مصائر الخلق ولهم ديوان يجتمعون فيه في غار حراء كل ليلة ينظرون في المقادير، وباختصار؛ الأولياء عالم خرافي كامل‏.‏
هذا بالطبع خلاف الولاية في الإسلام التي تقوم على الدين والتقوى وعمل الصالحات والعبودية الكاملة لله والفقر إليه وأن الولي لا يملك من أمر نفسه شيئًا فضلًا عن أنه يملك لغيره قال تعالى لرسوله ‏{‏قل إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏21‏]‏‏.‏
عقيدتهم في الجنة والنار
وأما الجنة فإن الصوفية جميعًا يعتقدون أن طلبها منقصة عظيمة وأنه لا يجوز للولي أن يسعى إليها ولا أن يطلبها ومن طلبها فهو ناقص، وإنما الطلب عندهم والرغبة في الفناء المزعوم في الله، والإطلاع على الغيب والتصريف في الكون‏.‏‏.‏ هذه جنة الصوفي المزعومة‏.‏
وأما النار فإن الصوفية يعتقدون أيضًا أن الفرار منها لا يليق بالصوفي الكامل لأن الخوف منها طبع العبيد وليس الأحرار بل منهم من تبجح أنه لو بصق على النار لأطفأها، كما قال البسطامي‏.‏ وأما من يعتقد بوحدة الوجود منهم فإنه يعتقد أن النار بالنسبة لمن يدخلها تكون عذوبة ونعيمًا لا يقل عن نعيم من يدخل الجنة‏.‏ وهذه عقيدة ابن عربي كما ذكر ذلك في الفصوص‏.‏
عقيدتهم في إبليس وفرعون
وأما إبليس فيعتقد عامة الصوفية أنه أكمل العباد وأفضل الخلق توحيدًا لأنه لم يسجد إلا لله بزعمهم وأن الله قد غفر له ذنوبه وأدخله الجنة، وكذلك فرعون عندهم أفضل الموحدين لأنه قال ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 24‏]‏‏.‏ فعرف الحقيقة لأن كل موجود هو الله ثم هو في زعمهم من آمن ودخل الجنة‏.‏
وأما الشعائر الصوفية
اعتقادهم ففي العبادات
يعتقد الصوفية أن الصلاة والصوم والحج والزكاة هي عبادات العوام وأما هم فيسمون أنفسهم الخاصة، أو خاصة الخاصة ولذلك فإن لهم عبادات مخصوصة‏.‏
وقد شرع كل قوم منهم شرائع خاصة بهم كالذكر المخصوص بهيئات مخصوصة، والخلوة والأطعمة المخصوصة، والملابس المخصوصة والحلقات الخاصة‏.‏
وإذا كانت العبادات في الإسلام لتزكية النفس وتطهير المجتمع فإن العبادات في التصوف هدفها ربط القلب بالله للتلقي عنه مباشرة حسب زعمهم، والفناء فيه واستمداد الغيب من الرسول والتخلق بأخلاق الله حتى يقول الصوفي للشيء كن فيكون ويطلع على أسرار الخلق، وينظر في كل الملكوت، ويتصرف في الكون‏.‏
ولا يهم في التصوف أن تخالف الشريعة الصوفية ظاهر الشريعة المحمدية الإسلامية‏.‏ فالحشيش والخمر واختلاط النساء بالرجال في الموالد وحلقات الذكر كل ذلك لا يهم لأن للولي شريعته تلقاها من الله مباشرة فلا يهم أن يوافق ما شرعه الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن لكل واحد شريعته فشريعة محمد للعوام وشريعة الصوفي للخواص‏.‏
اعتقادهم في الحلال والحرام
وكذلك الشأن في الحلال والحرام فأهل وحدة الوجود في الصوفية لا شيء يحرم عندهم لأن لكل عين واحدة‏.‏‏.‏ ولذلك كان منهم الزناة واللوطية، ومن يأتون الحمير جهارًا نهارًا‏.‏ ومنهم من اعتقد أن الله قد أسقط عنه التكاليف وأحل له كل ما حرم على غيره‏.‏
اعتقادهم في الحكم والسلطان والسياسة
وأما في الحكم والسلطان والسياسة فإن المنهج الصوفي هو عدم جواز مقاومة الشر ومغالبة السلاطين لأن الله في زعمهم أقام العباد فيما أراد‏.‏
اعتقادهم في التربية
ولعل أخطر ما في الشريعة الصوفية هو منهجهم في التربية حيث يستحوذون على عقول الناس، ويلغونها وذلك بإدخالهم في طريق متدرج يبدأ بالتأنيس، ثم بالتهويل والتعظيم بشأن التصوف ورجاله ثم بالتلبيس على الشخص ثم بالزرق إلى علوم التصوف شيئًا فشيئًا ثم بالربط بالطريقة وسد جميع الطرق بعد ذلك للخروج‏.‏
ولكن كيف بدأت هذه العقائد الصوفية وتطورت على هذا النحو‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏
تعالوا نشاهد كيف بدأت العقيدة الصوفية وتطورت‏.‏‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-25-2010, 10:51 PM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الباب الثالث‏:‏ نشأة العقيدة الصوفية وتطورها
الفصل الأول‏:‏ طريق الهداية الصوفي
لم يصل في ـ حدود علمي ـ أحد ممن بحث في التصوف إلى معرفة الرجل الأولي الذي تسمى باسم ‏(‏الصوفي‏)‏ في الإسلام ولا من وضع اللبنات الأولى لهذا الفكر‏.‏
ولا شك أن التصوف منهج نشأ قبل الإسلام فكرًا وسلوكًا وعقيدة، وأنه كان في كل الأمم والديانات وخاصة في البرهمية الهندوكية والفلسفة الإشراقية اليونانية والمجوسية الفارسية، وكذلك نشأت النصرانية ـ ولا شك أن التصوف غير الرهبانية وغير الزهد كما سنعلم تفصيلًاـ ثم انتقل بعد ذلك إلى الفكر الإسلامي عن طريق الزنادقة المجوس، وأخذ مجراه في واقع الأمة الإسلامية وتطور حتى بلغ شأوه وألفت مصادره، ووضعت أصوله وقواعده النهائية في القرن الرابع والخامس الهجري‏.‏
ولكن بعض الكتاب ظن أن هناك صلة بين التصوف والزهد، ولذلك نسب إلى التصوف كل من عرف بالزهد والرغبة عن الدنيا، والإقبال على الله كإبراهيم وكالفضل بن عياض، وعبدالله بن المبارك وبشر الحافي وإبراهيم بن أدهم ونحوهم من العباد والزهاد‏.‏‏.‏ والذي ساعد في هذا الخلط بين الزهد والتصوف أن الذين وضعوا طبقات الصوفية جعلوا أمثال هؤلاء أئمة في هذا الشأن، بل تجاوز بعضهم الحدود من أمثال الشعراني، وجعل الخلفاء الراشدين هم أو رجال في طبقات الصوفية وحاشاهم‏.‏‏.‏
والحال أنه شتان ما بين الزهد والتصوف فالزهد في الدنيا فضيلة وعمل مشروع مستحب وهو خلق الأنبياء والأولياء وعباد الله الصالحين الذين يؤثرون ما عند الله على التنعم، والتلذذ والانشغال بالمباحات، بل يتركون بعض الطيبات في المباحات طمعًا فيما عند الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏9‏]‏‏.‏ وقال أيضًا‏:‏ ‏{‏ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا‏}‏‏[‏الإنسان‏:‏ 9‏]‏‏.‏
وفي الصحيحين أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت ‏(‏كان يأتي الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد في أبيات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نار‏)‏‏.‏ قيل فما كان طعامكم‏:‏ قالت ‏(‏الأسودان التمر والماء‏)‏‏.‏
وهذا لكمال زهدهم، ورغبتهم عن الدنيا‏.‏ وأما التصوف فمنهج آخر لأن الصوفي إذا تحقق في صوفيته يصبح الزهد عنده شيئًا لا معنى له، فهو قد يحتاج الزهد فقط في أول الطريق الصوفي ثم في النهاية عليه أن يعب من كل ما قدر عليه ولو كان حرامًا في الشرع خمرًا أو زنا، أو حتى إتيانًا للذكران لأن عقيدة وحدة الوجود لا تجعل في النهاية فرقًا بين الزنديق والصديق، ولا بين الأخت والأجنبية، ولا بين الملَك والشيطان، بل ولا بين العبد والرب على حد قول ابن عربي المهندس الأخير للفكر الصوفي‏:‏
العبد رب والرب عبد ** ياليت شعري من المكلف‏؟‏‏!‏
إن قلت عبد فذاك ربُّ ** وإن قلت رب أنى يكلف‏؟‏‏!‏
وهذا سيأتي تفصيله وبيانه، والشاهد هنا أن هناك فرقًا هائلًا بين الزهد الذي هو فضيلة ونهاية في الشريعة الإسلامية وبين التصوف الذي قد يجعل الزهد من شعائره ولكنه للمبتدئين فقط وأما في النهاية فيجب عند الصوفي أن يتمتع بكل ما قدر عليه‏.‏
وأعود فأقول أنه لا يعرف بالتحديد من أول من تسمى بالصوفي حقيقة في الإسلام وكنت في الطبعة الثانية من الكتاب لما قرأت ما كتبه أبو عبدالرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية عن إبراهيم بن أدهم وما روي بإسناده من حكايات شممت منها بدايات هذا الفكر وأول بذوره وقرأت ترجمة إبراهيم بن أدهم فوجدت أن أئمة الجرح والتعديل منهم من يوثقه ومنهم ينسبه إلى الخرافة والجهل بشرع الله فغلب على ظني أنه ربما كان الرائد الأول الذي وضع البذرة الصوفية‏.‏‏.‏
ولقد لفت نظري بعد ذلك كثير من الأخوة أن شيخ الإسلام ابن تيمية أثنى على إبراهيم بن أدهم فكيف يكون منتميًا إلى هذا المنهج وكنت قد قرأت ما كتبه شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ وقد رأيت أنه ربّما يثني على شخص ما من أجل موقف صحيح في العقيدة، وهو قد لا يرضى عنه في موقف آخر بل إنه كثيرًا ما يستدل بأقوال النصارى واليهود إذا وافقت شيئًا من الحق‏.‏‏.‏
وبعد أن أعدت النظر وجدتُ أن كلام أئمة الجرح والتعديل لا يرقى إلى اتهام إبراهيم بن أدهم ـ رحمه الله ـ بشيء مما وضعه المتصوفة في عقائدهم ومناهجهم، وأما الحكايات التي رويت عنه والموجودة في طبقات الصوفية لأبي عبدالرحمن السلمي فإنه لا يعول عليها في الجرح والتعديل لأن أبا عبدالرحمن السلمي نفسه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يضع الحكايات للصوفية ولعل ذلك بل هذا هو الظاهر أن هذا مما كذبه وافتراه على إبراهيم بن أدهم ـ رحمه الله ـ‏.‏
وعلى كل حال فيعلم الله أن قصدي من تأليف الكتاب هو بيان الفكر الصوفي من حيث هو مدون ومسطور في كتب القوم وبيان ما فيه من الباطل والتغرير، وأنا أعلم أيضًا أن الذين وضعوا هذا الفكر قد كذبوا على كثير من فضلاء الناس، وزهاد الأمة وليس قصدنا عداوة مع هؤلاء الفضلاء فنعوذ بالله أن نؤذي مسلمًا بلسان أو يد‏.‏‏.‏ وإنما مقصدنا الذب عن عقيدة الإسلام وشريعة سيد المرسلين وبيان ما في هذا الفكر من الانحراف، وما في هذه الحكايات من الباطل‏.‏
ومرة أخرى أقول لا نستطيع أن نجزم من هو أول شخص تسمى باسم الصوفي في الإسلام، وألقى بالكلمات الأولى والقواعد الأولى ليؤسس هذا المنهج‏.‏ ولا شك أن ذلك كان في منتصف أو أوائل القرن الثاني من الهجرة‏.‏ فإن الإمـام الشافعي المتوفي سنة 205هـ يقول‏:‏ ‏"‏تركت بغداد وقد أحدث الزنادقة فيها شيئًا يسمونه السماع‏"‏ ا‏.‏هـ
‏(‏والزنادقة‏)‏ هنا هم الصوفية ‏(‏والسماع‏)‏ هو الغناء والأناشيد التي كانوا يتجمعون عليها، ولا شك أن ظهور الصوفية بهذه البدعة لم يكن وليد سنة أو سنتين إنما كان وليد سنوات تطورت بدعة الصوفية حتى استطاعوا أن يعلنوا بدعتهم بالغناء والطرب بالدفوف ونحو ذلك في عاصمة الخلافة ببغداد، ولا شك أن مثل هذه المظاهر والعقائد المنافية للإسلام الصحيح بدأت دعوة سرية ثم تطورت واستفحل شرها، وأعلن عنها أصحابها ومن أجل ذلك لا يعلم على القطع والحقيقة الرائد الأول للفكر الصوفي في الإسلام وواضع لبناته الأولى‏.‏‏.‏
ومما يدل على أن الأمر كان سريًا في أوله ما روي عن الإمام أحمد أنه سمع الحارث المحاسبي يجتمع مع جماعة في منزل من المنازل وأنهم يقضون ليلهم في البكاء ومحاسبة النفس والكلام على الخطرات والوساوس وأن الإمام أحمد بعد أن استمع إليهم خلسة من منزل مجاور أصبح يقول‏:‏ نفروا الناس عن الحارث المحاسبي، وقال لمن سأله هل يجلس معهم ويقضي الليل معهم قال‏:‏ لا أرى لك أن تجالسهم‏.‏
والشاهد أن هذه البدعة لا شك أنها بدأت سرية ثم تطورت واستعلنت‏.‏
ونعود إلى أبي عبدالرحمن السلمي المتوفي سنة 412هـ والذي لفق حكايات الصوفية ووضعها على ألسنة المشايخ السابقين لنجد أنه جعل إبراهيم بن أدهم رائدًا ومؤسسًا لبدايات هذا الفكر‏.‏‏.‏
نأتي إلى حكايات السلمي لنناقش هذه الحكايات لا من حيث ثبوتها ونفيها ولكن من حيث أنها قد أصبحت هي العماد الذي قام عليه هذا الفكر‏.‏‏.‏ نأتي لنناقش هذه الحكايات على ضوء الكتاب والسنة لنرى ما فيها من الباطل ولنعرف كيف بدأ هذا الفكر وتطور‏:‏
1ـ قال أبو عبدالرحمن السلمي ‏(‏توفي سنة 412هـ‏)‏‏:‏ ‏"‏سمعت أبا العباس محمد بن الحسن الخشاب قال حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري، قال حدثني أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن بشار قال‏:‏ صحبت إبراهيم بن أدهم بالشام، أنا وأبو يوسف الغسولي، وأبو عبدالله السنجاري، فقلت‏:‏ يا أبا إسحاق‏!‏ خبرني عن بدء أمرك كيف كان‏؟‏ قال‏:‏ كان أبي من ملوك خراسان، وكنت شابًا فركبت إلى الصيد، فخرجت يومًا على دابة لي، ومعي كلب، فأثرت أرنبًا أو ثعلبًا، فبينما أنا أطلبه، إذ هتف بي هاتف لا أراه، فقال‏:‏ يا إبراهيم‏:‏ ألهذا خلقت‏؟‏ أم بهذا أمرت‏؟‏ ففزعت، ووقفت، ثم عدت فركضت الثانية، ففعل بي مثل ذلك ثلاث مرات، ثم هتف بي هاتف من قربوس ‏(‏قربوس‏:‏ كحلزون، حنو السرج ومنعطفه، وهما قربوسان‏)‏ السرج‏:‏ والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت‏.‏ قال‏:‏ فنزلت فصادفت راعيًا لأبي يرعى الغنم، فأخذت جبته الصوف، فلبستها ودفعت إليه الفرس، وما كان معي، وتوجهت إلى مكة فبينما أنا في البادية، إذ أنا برجل يسير ليس معه إناء ولا زاد، فلما أمسى وصلى المغرب، حرك شفتيه بكلام لم أفهمه، فإذا أنا بإناء فيه طعام، وإناء فيه شراب، فأكلت وشرب، وكنت معه على هذا أيامًا، وعلمني ‏(‏اسم الله الأعظم‏)‏ ثم غاب عني وبقيت وحدي، فبينما أنا ذات يوم مستوحش من الوحدة، دعوت الله به، فإذا أنا بشخص آخذ بحجزتي وقال‏:‏ سل تعطه‏!‏‏!‏ فراعني قوله، فقال‏:‏ لا روع عليك أنا أخوك الخضر، إن أخي داود علمك اسم الله الأعظم، فلا تدعو به على أحد بينك وبينه شحناء، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، ولكن ادعُ الله أن يشجع به جبنك ويقوي به ضعفك، ويؤنس به وحشتك، ويجدد في كل ساعة رغبتك، ثم انصرف وتركني‏"‏ ‏(‏طبقات السلمي ‏(‏29ـ31‏)‏‏)‏‏.‏
وهذا خبر آخر‏:‏
2ـ ‏"‏سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول‏:‏ سمعت علي بن الحسن بن أحمد المصري يقول‏:‏ سمعت أحمد بن عيسى الخراز يقول‏:‏ حدثني غير واحد من أصحابنا منهم‏:‏ سعيد بن جعفر الوراق، وهارون الآدمي، وعثمان النجار، قالوا‏:‏ حدثنا عثمان بن عمارة قال حدثني إبراهيم بن أدهم عن رجل من أهل الإسكندرية يقال له أسلم بن يزيد الجهني قال‏:‏ لقيته بالإسكندرية فقال لي‏:‏ من أنت يا غلام‏؟‏ قلت‏:‏ شاب من أهل خراسان‏.‏ قال‏:‏ وما حملك على الخروج من الدنيا‏؟‏ قلت زهدًا فيها، ورجاء لثواب الله تعالى‏.‏ فقال‏:‏ إن العبد لا يتم رجاؤه لثواب الله تعالى حتى يحمل نفسه على الصبر‏.‏ فقال رجل ممن كان معه‏:‏ وأي شيء الصبر‏؟‏ فقال‏:‏ إن أدنى منازل الصبر أن يروض العبد نفسه على احتمال مكاره الأنفس‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ ثم مه‏؟‏ قال‏:‏ إن كان محتملًا للمكاره أورث الله قلبه نورًا‏.‏ قلت‏:‏ وما ذلك النور‏؟‏ قال‏:‏ سراج يكون في قلبه، يفرق بين الحق والباطل، والناسخ والمتشابه، قلت‏:‏ هذه صفة أولياء رب العالمين‏.‏ قال‏:‏ استغفر الله، صدق عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ حين قال‏:‏ لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتضيعوها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموها‏!‏‏!‏
فبصصت إليه، وطلبت إليه، وطلب معي أصحابه إليه، فقال عند ذلك‏:‏ يا غلام إياك إذا صحبت الأخيار أو حادثت الأبرار أن تغضبهم عليك، فإن الله يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم، وذلك أن الحكماء هم العلماء، وهم الراضون عن الله ـ عز وجل ـ إذا سخط الناس، وهم جلساء الله غدًا بعد النبيين والصديقين‏.‏
يا غلام احفظ عني واعقل، واحتمل ولا تعجل، فإن التأني معه الحلم والحياء، وإن السفه معه الخرق والشؤم، قال‏:‏ فسالت عيناي، وقلت‏:‏ والله ما حملني على مفارقة أبوي، والخروج من مالي، إلا حب الأثرة لله، ومع ذلك الزهد في الدنيا، والرغبة في جوار الله تعالى‏.‏
قال‏:‏ فإياك والبخل، قلت‏:‏ وما البخل‏؟‏ فقال‏:‏ أما البخل عند أهل الدنيا فهو أن يكون الرجل بخيلًا بماله، وأما الذي عند أهل الآخرة فهو الذي يبخل بنفسه عن الله تعالى‏.‏ ألا وإن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث قلبه الهدى والتقى، وأعطى السكينة والوقار والعلم الراجح، والعقل الكامل، ومع ذلك تفتح له أبواب السماء، فهو ينظر إلى أبوابها بقلبه كيف تفتح، وإن كان في طريق الدنيا مطروحًا، فقال له رجل من أصحابه‏:‏ ‏"‏اضربه فأوجعه، فإنا نراه غلامًا قد وفق لولاية الله تعالى‏!‏‏!‏‏"‏ قال‏:‏ فتعجب الشيخ من قول أصحابه‏:‏ ‏"‏لقد وفق لولاية الله تعالى‏"‏ فقال لي‏:‏ يا غلام أما إنك ستصحب الأخيار، فكن لهم أرضًا يطأون عليها، وإن ضربوك وشتموك وطردوك، وأسمعوك القبيح، فإن فعلوا بك ذلك ففكر في نفسك‏:‏ من أين أتيت، فإنك إذا فعلت ذلك يؤيدك الله بنصره، ويقبل بقلوبهم عليك، واعلم أن العبد إذا قلاه ‏(‏أي كرهه‏)‏ الأخيار، واجتنب صحبته الورعون وأبغضه الزاهدون، فإن ذلك استعتاب من الله تعالى لكي يعتبه، فإن أعتب الله ـ عز وجل ـ أقبل بقلوبهم عليه، وإن تمرد على الله أورث قلبه الضلالة، مع حرمان الرزق، وجفاء من الأهل، ومقت من الملائكة، وإعراض من الرسل بوجوههم، ثم لم يبال في أي واد يهلكه‏.‏
قال‏:‏ قلت‏:‏ إني صحبت ـوأنا ماش بين الكوفة ومكةـ رجلًا فرأيته إذا أمسى يصلي ركعتين فيهما تجاوز، ثم يتكلم بكلام خفي بينه وبين نفسه، فإذا جفنة من ثريد عن يمينه، وكوز من ماء، فكان يأكل ويطعمني‏.‏ قال‏:‏ فبكى الشيخ عند ذلك، وبكى من حوله، ثم قال‏:‏ يا بني أو يا أخي ذاك أخي داود، ومسكنه من وراء بلخ، بقرية يقال لها ‏(‏الباردة الطيبة‏)‏ وذلك أن البقاع تفاخرت بكينونة داود فيها، يا غلام‏:‏ ما قال لك‏؟‏ وما علمك‏؟‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ علمني اسم الله الأعظم، فسأل الشيخ ما هو‏؟‏ فقلت‏:‏ إنه يتعاظم علي أن أنطق به‏.‏ فإني سألت به مرة، فإذا برجل آخذ بحجزتي وقال‏:‏ سل تعطه، فراعني، فقال‏:‏ لا روع عليك‏:‏ أنا أخوك الخضر، إن أخي داود علمك إياه، فإياك أن تدعو به إلا في بر، ثم قال‏:‏ يا غلام إن الزاهدين في الدنيا، قد اتخذوا الرضا على الله لباسًا، وحبه دثارًا والأثرة له شعارًا، فتفضّل الله تعالى عليهم ليس كتفضله على غيرهم، ثم ذهب عني‏.‏ فتعجب الشيخ من قولي، ثم قال‏:‏ إن الله سيبلغ بمن كان في مثالك ومن تبعك من المهتدين، ثم قال يا غلام إنا قد أفدناك ومهدناك، وعلمناك علمًا‏.‏
ثم قال بعضهم‏:‏ يا إلهنا احجبه عنا، واحجبنا عنه، قال إبراهيم‏:‏ فما أدري أين ذهبوا‏؟‏‏!‏‏!‏‏!‏‏"‏ ‏(‏ا‏.‏هـ من طبقات السلمي بنصه‏)‏‏.‏
لقد وضع من وضع هاتين الحكايتين أصول التصوف، ومنها تفرع الفكر الصوفي فيما بعد، ولنستعرض معًا أصول هذا الفكر‏:‏
أولًا‏:‏ إن الهداية قد جاءت بزعمه لإبراهيم من هاتف هتف به أولًا، ثم من كلام خرج من قربوس السرج، ولست مناقشًا الآن صحة هذه الدعوى أو بطلانها، ولكني أريد أن أذكر الآن أن هذا طريق للهداية يغاير ويخالف الطريق الذي جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالهداية في الإسلام إنما تكون دائمًا عن طريق كتاب الله الذي أنزل للناس هدى ونورًا‏.‏ والدعوة إلى الإيمان في شريعة الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما تكون بالحجة والإقناع، وبتقديم الدليل على إعجاز القرآن وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
ثانيًا‏:‏ الهداية التي ادعاها أبو عبدالرحمن السلمي لإبراهيم بن أدهم قد حملته على ترك أبيه وأمه وبلدته وخلع ثيابه، ‏(‏وترك الدنيا‏)‏ على حد التعبير، وليس ملابس الصوف التي كانت على جسم الراعي، ومن سمي هذا المنهج بالتصوف، وليس من شروط الهداية في الإسلام أن يترك المهتدي الدنيا، ويفر بدينه من وطنه، إلا إذا قابل فيه اضطهادًا أو منعًا من أداء الشعائر، أو كان في بلد كثير المعاصي وأراد النقلة إلى بلد آخر يكثر فيه الصالحون، ولم تكن ‏(‏بلخ‏)‏ التي هجرها إبراهيم كذلك؛ لأنه جاء في حكايته أنها مسكن ‏(‏داود‏)‏ وأن البقاع قد تفاخرت بكينونة داود فيها، هكذا قال، فكيف تترك هذه البقعة الطيبة، والقرية التي سميت ‏(‏الباردة الطيبة‏)‏ التي يسكن فيها داود ويخرج إلى البراري والقفار، وليس من سبب شرعي لهذا التحول‏؟‏
ثالثًا‏:‏ جاء في الحكاية أن إبراهيم لقي رجلًا بالبادية يسير، وليس معه زاد ولا طعام، وأنه صاحبَه، وكان يطعمه من الطعام الذي يأتيه هكذا من الغيب، وأن هذا الرجل علمه اسم الله الأعظم، ثم أخبر أن هذا الرجل إنما هو داود ـ عليه السلام ـ وأنه لما دعا باسم الله الأعظم حضر الخضر إليه في الحال، وسأله عن طلبه‏.‏
ولست أدري شرعًا ما الذي يدعو داود ـ عليه السلام ـ أن يعود إلى الدنيا، ‏(‏إن كان ذلك في مكنته‏)‏ ويتجاوز حدود رسالته ونبوته، ليعلم رجلًا من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ اسم الله الأعظم، مع العلم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعمر‏:‏ ‏(‏والله لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني‏)‏ فكذلك لو عاد داود حيًا لوجب أن يتبع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يجوز له أن يعلم الناس شيئًا من الدين لم يعلّمه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمع رجلًا يدعو قائلًا‏:‏ اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله ‏(‏رواه أحمد ‏(‏5/349ـ350‏)‏ وأبو داود ‏(‏14993‏)‏ وغيرهما عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه‏)‏ الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد‏.‏
فقال‏:‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏قد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سأل به أعطى، وإذا دعي به أجاب‏)‏
فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر أن اسم الله الأعظم في هذا الدعاء، وأن الله ـ تبارك وتعالى ـ إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، ولم يقل ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ إن هذا الاسم من دعا به أتاه الخضر في التو والحال، وقال‏:‏ سل تعطه‏!‏‏!‏ هكذا على الإطلاق‏:‏ اسأل ما بدا لك‏.‏‏.‏ ما أشبه هذا الكلام بالقصص الخرافي الذي يزعم بأن سليمان نبي الله ـ عليه السلام ـ كان له خاتم إذا حركه أتاه عفريت من الجان‏!‏‏!‏‏.‏
ثم لو فرضنا صحة الحكاية، أليس لنا أن نسأل‏:‏ لما خص داود ـ عليه السلام ـ إبراهيم بن أدهم باسم الله الأعظم، ولم يخص به أحدًا قبله من الصحابة والتابعين‏؟‏‏.‏
ثم لماذا يقول الخضر لإبراهيم بن أدهم ـ كما جاء في الحكايةـ‏:‏ لقد تعلمت اسم الله الأعظم، فلا تدع به على أحد بينك وبينه شحناء، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، هكذا وإبراهيم بن أدهم ليس معصومًا، فربما تخاصم مع رجل مسلم، فإذا دعا باسم الله الأعظم على هذا الرجل هلك هلاك الدنيا والآخرة، وحرم جنة الله، وباء بالنار، لأنه خاصم إبراهيم بن أدهم فقط، وهذا ليس للرسول، لأن الرسول دعا على أناس فقال له الله‏:‏ ‏{‏ليس لك من الأمر شيء‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏128‏]‏‏.‏ ‏(‏انظر حديث البخاري في شأن نزول هذه الآية‏)‏‏.‏ هذا مع أن الحال في الخصومة بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين أعدائه إنما هو من أجل العقيدة والدين، وليس كخصومة غيره من أهل الدنيا‏.‏
رابعًا‏:‏ جاء في الحكاية أن إبراهيم بن أدهم أطلق على طريقة ومنهجه الذي سلكه في تعبده أنه ‏"‏الخروج من الدنيا‏"‏ ولقد علمنا نتائج هذا الخروج، وهي خلع ملابسه، ولبس الصوف وترك دياره، ووطنه، والدخول في البادية، ولن نناقش الآن مدى قرب هذا المسلك أو بعده عن الرسالة التي بعث بها محمد بن عبدالله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكننا سنناقش الآثار التي ترتبت على ذلك، وهي الزعم أن إبراهيم أخبره أسلم بن يزيد الجهني في الإسكندرية أنه إذا كان حقًا طالبًا لثواب الله فلا بد له من تحمل الصبر، وأنه إن فعل ذلك أورث الله قلبه نورًا يفرق به بين الحق والباطل، والناسخ والمتشابه ‏(‏هكذا‏)‏‏!‏‏!‏ وهنا تضع الحكاية الأصل الرابع في التصوف، وهو أنه بالمجاهدة والصبر يحصل النور الذي يعرف به علم الحق والباطل، والناسخ والمتشابه‏!‏‏!‏ والمعروف أن المجاهدة بالصبر مهما عظمت لا تعلم الإنسان الآيات الناسخة والمنسوخة، والمحكم والمتشابه من كلام الله ـ تبارك وتعالى ـ ولا تجعله يفرق بين حق وباطل، بل لا بد من التعلم، لأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏إنما العلم بالتعلم‏)‏ ‏(‏ذكره البخاري في ‏(‏صحيحه ـ1/170 من فتح الباري‏)‏ معلقًا، وبين الحافظ بن حجر من وصله في شرحه عليه، وحسن إسناده، وأورده أستاذنا الألباني في ‏(‏السلسلة الصحيحة ـ342‏)‏ بأتم منه، وصححه وقال في مختصره لصحيح البخاري ‏(‏1/28‏)‏‏:‏ ‏"‏هو طرف من حديث رواه ابن خيثمة ‏(‏114‏)‏ بسند صحيح عن أبي الدرداء موقوفًا، ورواه غيره عنه مرفوعًا، وله شاهد من حديث معاوية‏"‏‏)‏ ولم يقل‏:‏ إنما العلم بالصبر‏.‏ وأما أن الله ـ تبارك وتعالى ـ يوفق العامل بعلمه، والقائم بتقواه إلى الهداية والعلم فنعم، وذلك بتيسير أسباب العلم الجديد فقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏282‏]‏‏.‏ هي ختام أطول آية في كتاب الله، وقد نزلت بشأن الدّين وكتابته والإشهاد عليه، والتعلم المقصود في الآية هو هذا التعلم الذي أنزله الله على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏ ويستحيل شرعًا وعقلًا أن يبلغ المسلم علم شيء بالصبر أو الصيام مثلًا دون بذل السبب الموصل إلى هذا العلم‏.‏ فالعلم الشرعي بالتعلم، والعلم الدنيوي أيضًا بالتعلم، وليس شيء من ذلك يورث بالصبر والمجاهدة‏.‏
ولا شك أن الحكاية عندما دعت إلى هذا العلم فإنما أرادت علمًا آخر، لأنها قالت على لسان أسلم بن يزيد‏:‏ ‏"‏وذلك أن الحكماء هم العلماء‏"‏ فهو يعني طائفة أخرى لها تقاليدها وعاداتها، ومجاهداتها المستقلة وعلمها المستقل أيضًا، وستعلم هذا بأدلته فيما يأتي إن شاء الله تعالى‏.‏ ولم يعن بالطبع علماء الشريعة الذين يعلمون الكتاب والسنة، لأن علم هؤلاء لا يتأتى إلا بالدرس والنقل والكتابة والحفظ، وسؤال الله الفهم والعمل والتوفيق، وأما طريق القوم الذين عنتهم الحكاية فإنما هو المجاهدة بأسلوب خاص، وعادات خاصة، ومنهج خاص ليصل الإنسان منهم إلى علم خاص، وفهم خاص، ووجد خاص، ولا يستطيع علماء الشريعة مهما بلغ علمهم أن يصلوا إلى شيء منه‏.‏ وباب هذا العلم الخاص الذي عنته الحكاية هو ما عبر عنه بقوله‏:‏ ‏"‏وأن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث قلبه الهدى والتقى، وأعطي السكينة والوقار، والعلم الراجح، والعقل الكامل، ومع ذلك يفتح له أبواب السماء فهو ينظر إلى أبوابها بقلبه كيف تفتح، وإن كان في طريق الدنيا مطروحًا‏"‏‏!‏‏!‏‏.‏
فهذا العلم الخاص بابه السماء، وينظر أهل هذا العلم إلى فتح هذه الأبواب بقلوبهم حتى لو كانوا مطروحين في طريق الدنيا، وقبل أن نحكم على هذا العلم المزعوم بالصحة أو البطلان لا بد أن نرى نماذج منه، وهذا موعده فيما يأتي إن شاء الله‏.‏
خامسًا‏:‏ الغاية التي حددتها هذه الرواية المزعومة لهذا الطريق، وهذا المنهج هو‏:‏ ‏"‏والله ما حملني على مفارقة أبوي، والخروج من مالي إلا حب الأثرة لله، ومع ذلك الزهد في الدنيا، والرغبة في جوار الله تعالى‏"‏ وقد فسر له على حد زعمه أسلم بن يزيد ‏(‏البخيل‏)‏ بأنه ‏"‏الذي يبخل بنفسه عن الله تعالى‏"‏‏.‏
فالأثرة لله التي جاءت في الحكاية ليست هي حب الله وإيثار مرضاته، والطمع في جنته، وخوف ناره، بل سنعلم بالنصوص والنقول من مقالات القوم أنهم يعنون بالأثرة لله ‏(‏الفناء به عن كل ما سواه‏)‏ وعبادته دون رجاء مثوبة، أو خوف عقوبة، وسنعلم كيف تطور هذا الفكر فيما بعد إلى أن أنتج القول بوحدة الوجود، وأن العابد هو عين المعبود‏!‏‏!‏
سادسًا‏:‏ من الغرائب في الحكاية عن إبراهيم السابقة أنه قال إن أصحاب أسلم بن يزيد الجهني قالوا له‏:‏ ‏"‏اضربه فأوجعه، فإنا نراه غلامًا قد وفق لولاية الله ـ عز وجل ـ‏"‏ وكأن إبراهيم في زعم الحكاية قد فاز بكنز لم يفز به أحد قبله، وهو ولاية الله ـ عز وجل ـ وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه ولي كل مؤمن‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏الله ولي الذين آمنوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏257‏]‏ وأخبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث البخاري الصحيح أن الله تعالى يقول ‏(‏من عادى لي وليًا فقد آذنته بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به‏.‏‏.‏، الحديث‏)‏‏.‏ فبين الله ـ تبارك وتعالى ـ طريق ولايته، وهي أداء الفرائض ثم الاستزادة من النوافل، ولم يذكر ـ تبارك وتعالى ـ أن الولاية تأتي بهاتف من قربوس السرج، ثم بلقاء مع داود في البادية وتعليم للاسم الأعظم‏.‏ وسنعلم في جولتنا القادمة في الفكر الصوفي أن الولاية ستصبح قاصرة على أناس مخصوصين، لهم منهج مخصوص وطريق مخصوص، وأن هذه الولاية سيجزم بها جزمًا، وسيدعيها من يدعيها بكل إصرار وتشبث‏!‏‏!‏‏.‏
سابعًا‏:‏ جاء في الحكاية أن أسلم بن يزيد الجهني نصح إبراهيم قائلًا‏:‏ ‏"‏يا غلام أما أنك ستصحب الأخيار، فكن لهم أرضًا يطئون عليك، وإن ضربوك وشتموك، وطردوك وأسمعوك القبيح‏"‏ ولا نعلم أن صحبة الأخيار تكون كذلك، بل الأخيار إذا صحبتهم أكرموك وسامحوك، وعلموك وقربوك وغفروا إساءتك، وسيعلم القارئ السر وراء هذا المنهج، في النقول القادمة وفي بيان فرعيات هذا المنهج ودروبه‏.‏
ثامنًا‏:‏ جاء في الحكاية أن الشيخ وهو أسلم بن يزيد الجهني قال له‏:‏ ‏"‏إن الله سيبلغ بمن كان مثالك، ومن تبعك من المهتدين، وإنه قال له‏:‏ يا غلام إنا قد أفدناك ومهدناك وعلمناك علمًا‏"‏‏.‏
وهذا كله إشعار بأن هناك طريقًا آخر وروادًا جددًا قد هيئوا لأمر ما، ووجهوا وجهة خاصة، وأن الله سيبلغ بهم ما لم يبلغ بسواهم من قبل في رجال القرن الأول، ومن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، وسيعلم القارئ إن شاء الله تعالى أي مهمة هذه التي توجهت إليها هذه الفئة، وأي بلاغ عن الله ـ تبارك وتعالى ـ سيبلغون‏!‏‏!‏‏.‏
تاسعًا‏:‏ لقد ختمت الحكاية بمثل ما بدئت، وهي أن قائلًا ممن كانوا حول الشيخ أسلم بن يزيد قال‏:‏ يا إلهنا احجبه عنا، واحجبنا عنه‏.‏ ففي الحال ذهبوا، ولا يدري أين ذهبوا‏؟‏ هكذا كما جاءه الهاتف وقال له‏:‏ ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت‏.‏
وهذا الأصل من الحكايات الغريبة سيكون بداية لحكايات تعتبر هذه الحكاية بالنسبة إليها أمرًا مقبولًا وسائغًا، فما هذه الحكايات‏؟‏
وبهذه الأضواء يكون أمامنا تسع نقاط يجب أن نكون على ذكر منها في رحلتنا هذه في الفكر الصوفي، وخلاصة هذه النقاط هي أن هناك طريقًا للهداية هو طريق الهواتف، وأن هذه الهداية تحمل الإنسان على ترك الدنيا، وترك الآباء والأمهات والدخول إلى البراري والقفار، وأن المهتدي على هذا النحو يرى الأنبياء ويتكلم معهم، ويأكل من الغيب لا من الشهادة، وأن الخضر ـ عليه السلام ـ خادم لاسم الله الأعظم، هذا الإسم الذي يتعاظم على العارف أن ينطق به، وأن هذا الطريق الذي يلج فيه الصوفي يتصل به بالسماء فيتعلم العلوم، وأن هذا الطريق هو المنهج الوحيد للحصول على ولاية الله ـ عز وجل ـ وأنه يجب الصبر مع أهل هذا الطريق، وعدم الإنكار عليهم، بل يجب على المهتدي أن يكون أرضًا لهم يطئون عليها‏.‏ وأن هؤلاء القوم قد أرسلوا في مهمة خاصة، وأنهم يتلقون عن الله هكذا رأسًا بلا وساطة، ويبلغون علمًا خاصًا، وأنه بدعاء واحد يختفي الموجود، ويوجد المفقود‏!‏‏!‏‏.‏‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-25-2010, 10:53 PM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الفصل الثاني‏:‏ طلب الجنة والفرار من النار ليس هدفًا
في الفصل السابق علمنا أن التصوف في بدء نشأته قد جعل غايته ما عبر عنه إبراهيم بن أدهم ‏(‏بالأثرة لله‏)‏، وأنه في سبيل ذلك يجب أن تتحقق مفارقة الدنيا والانخلاع منها، وعلى هذا الأصل كان تشريع ترك الزواج والتكسب، لأنهما من أسباب القعود عن تحقيق هذه الغاية‏.‏ وهذا الإله الذي سعى المتصوفة الأولون ومن بعدهم إلى إثاره على كل شيء‏.‏ لا يستمدون معرفته والعلم بذاته وأفعاله عن طريق الكتاب والسنة، وإنما عن طريق فتح أبواب السماء ـ على حد تعبيرهم ـ بالمجاهدة والسلوك الصوفي، لينكشف لهم وجه الحق، ويعلموه على حقيقته، وعندما نتتبع هذه العقيدة منذ ظهورها إلى أن اكتملت في صورتها النهائية، وحددت تحديدها الأخير، فإننا سنعلم الصورة الكاملة للعقيدة الصوفية في الرب سبحانه وتعالى، والجنة والنار، والرسالات والغيب كله‏.‏
أولًا‏:‏ عبادة الله لذاته
زعم المتصوفة أن العبادة الحقة هي ما كانت دون طلب العوض من الله وأن يشهد فيها فعل الله لا فعل العبد، وأن من شاهد فعله في الطاعة فقد جحد، وقد استدلوا على ذلك بأدلة نذكرها فيما يلي‏:‏
1ـ ذكر أبو بكر الكلاباذي في كتابه ‏(‏التعرف لمذهب أهل التصوف‏)‏ وهو الموسوعة الفقهية التي نشرها الدكتور عبدالحليم محمود وطه عبدالباقي سرور، وشهدا في مقدمة الكتاب بأنه أقدم ما كتب عن هذا العلم ورجاله وأدقه وأصفاه، أقول؛ قال الكلاباذي في بيان المعنى الحق للعبادة، وأنها لا تجوز في حق الصوفي أن تكون عن عوض، قال‏:‏ ‏"‏العوض ما لله عليك في العمل في قوله‏:‏ ‏{‏إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم‏}‏‏"‏ ‏[‏التوبة‏:‏111‏]‏، ولم يكمل الآية ثم قال‏:‏ ‏"‏لتعبدوه بالرق لا بالطمع‏"‏ ‏(‏ص141‏)‏ فرؤية الجنة عندهم معصية، وطلبها نقص في حق العابد‏"‏‏.‏
ولذلك قال ‏(‏ص155‏)‏‏:‏ ‏"‏دخل جماعة على رابعة يعودونها من شكوى، فقالوا‏:‏ ما حالك‏؟‏ قالت‏:‏ والله ما أعرف لعلتي سببًا، غير أني عرضت على الجنة ‏(‏هكذا‏)‏ فملت بقلبي إليها، فأحسب أن مولاي غار علي، فعاتبني فله العتبى‏"‏‏.‏ ومعنى هذا أن مجرد ميل القلب إلى الجنة يعتبره المتصوفة ذنبًا يعاقبون عليه‏.‏ وفي سبيل هذه العقيدة حول المتصوفة معاني الآيات والأحاديث إلى ما يريدون إثباته من ذلك‏.‏ وهذه بعض أدلتهم التي أخذوها من الآيات والأحاديث‏:‏
1ـ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 111‏]‏‏.‏ بهذا المقطع من الآية فقط يستدل الكلاباذي علي عقيدة القوم، ويقول‏:‏ ليعبدوه بالرق لا بالطمع‏.‏ ويقطع الآية عن نهايتها التي ترد فيها قوله، وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بأن لهم الجنة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 111‏]‏‏.‏ فشراء الله لأنفس المؤمنين وأموالهم إنما كان بعوض وهو الجنة، وعمل المؤمنين كان سببًا للوصول إلى هذه الجنة، وإن كان غير مكافئ لها، ولكن لا يمنع هذا المؤمن أن يطمع في فضل الله ورحمته، ودخول الجنة، وأن يسعى إلى ذلك، بل هذا هو التعبد الصحيح‏.‏
2ـ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 24‏]‏‏.‏ يقول الكلاباذي‏:‏ ‏"‏أي الخالية عن ذكر الله، لتعلموا أنه بفضله نلتم لا بأعمالكم‏"‏ ‏(‏ص142‏)‏ فسر الخالية هنا بمعنى الخالية عن ذكر الله، أي لأنكم لم تذكروا الله في بعض الأيام استحق هذا مني أن أدخلكم الجنة، لتعلموا أنما دخلتموها بفضلي لا بعلمكم‏.‏ وهذا تفسير خاطئ معكوس لمعنى الآية، فالله ـ عز وجل ـ يقول للمؤمنين يوم القيامة‏:‏ كلوا واشربوا هنيئًا بسبب ما أسلفتموه في الأيام الخالية أي السابقة التي خلت‏.‏ والذي أسلفوه هو العمل الصالح‏.‏
3ـ استدل الكلاباذي أيضًا على هذه العقيدة بقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث القدسي‏:‏ ‏(‏الصوم لي، وأنا أجزي به‏)‏ ‏(‏هو جزء من حديث رواه بنحوه البخاري ومسلم ‏(‏3/157 و158 نووي‏)‏ والترمذي ‏(‏764‏)‏ عن أبي هريرة‏)‏ قال‏:‏ ‏"‏قال أحد الكبراء‏:‏ أي أنا الجزاء به‏"‏ ‏(‏ص143‏)‏‏.‏
وأحد الكبراء هذا هو الحلاج‏.‏ وهذا تحريف لمعنى الحديث، ليوافق هذا المعتقد الباطل‏.‏
وقد يظن المسلم في عصرنا الحاضر أن هذه العقيدة في الجنة عقيدة سامية، وهي أن يعبد الإنسان الله، لا طمعًا في الجنة ولا خوفًا من النار، ولكنها عقيدة غير صحيحة إذ هي مخالفة لعقيدة الكتاب والسنة‏.‏
فقد وصف الله حال الأنبياء في عبادتهم وتقربهم ودعائهم بأنهم كانوا ‏{‏ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏90‏]‏، والرغب هو الطمع في جنة الله وفضله، والرهب هو الخوف من عقابه، والأنبياء هم أكمل الناس عقيدة وإيمانًا وحالًا‏.‏
وكذلك وصف ـ تبارك وتعالى ـ أكمل المؤمنين إيمانًا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكّروا بها خروا سجدًا وسبّحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا وممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفسٌ مّا أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏15ـ17‏]‏‏.‏
فهؤلاء الذين ادخر الله لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر لا شك أنهم أكمل الناس إيمانًا وحالًا، ومع ذلك فهم يدعون ربهم خوفًا وطمعًا‏:‏ خوفًا من عذابه، وطمعًا في جنته‏.‏ وآيات القرآن في هذا المعنى لا تحصى كثرة‏.‏
وأما السنة فلا حصر للأحاديث في ذلك، ومن أبلغها في الدّلالة على هذا الأمر قول أحد الأعراب للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ والله إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، وإنما أقول‏:‏ اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار؛ فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏[‏حولها ندندن‏]‏ ‏(‏رواه أبو داود ‏(‏792 و793‏)‏ وابن ماجة ‏(‏910‏)‏ وأحمد ‏(‏3/474 و5/74‏)‏ وابن خزيمة، وصحح إسناده الألباني في ‏(‏صفة الصلاةـ202‏)‏‏)‏، فإذا كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدندن بدعائه حول الجنة، فهل يتصور عقلًا وجود رجل أو امرأة أكمل منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيدعو الله ويعبده لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من نار‏؟‏‏.‏
وهذه الحالة التي سعى المتصوفة إلى تحقيقها، أعني عبادة الله مجردة عن الطمع والخوف جرت عليهم البلايا‏:‏ فقد سعوا إلى غاية أخرى بالعبادة وهي القول بالفناء في الرب، وجرهم هذا إلى الجذب، ثم جرهم هذا إلى الحلول، ثم جرهم هذا في النهاية إلى وحدة الوجود‏.‏
وفي هذا الفصل من الرسالة سنسوق إليك الأدلة على هذا التسلسل العقائدي‏.‏
وقد مر بك أن رابعة العدوية لما اشتكت، وعادها بعض المتصوفة زعمت أن ذلك بسبب غيرة الله عليها ‏(‏هكذا‏)‏ لأنها مالت بقلبها إلى الجنة‏.‏ وإني لأتساءل‏:‏ من أين لها أن تعلم حب الله لها وقبوله لعملها، فضلًا عن غيرته سبحانه وتعالى عليها‏؟‏ وقد وصف الله ـ تبارك وتعالى ـ المؤمنين بقوله‏:‏ ‏{‏إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏57ـ61‏]‏‏.‏
وقد سألت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 60‏]‏‏.‏ فقالت يا رسول الله يسرقون ويزنون ويخافون‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا يابنة الصديق، ولكن يصومون ويصلون ويخافون أن لا يتقبل منهم‏)‏ ‏(‏رواه أحمد في ‏(‏المسند ـ6/159 و205‏)‏ والترمذي في ‏(‏سننه ـ201/2‏)‏ وابن ماجه ‏(‏4198‏)‏ وإسناده ضعيف‏:‏ منقطع، عبدالرحمن بن سعيد بن وهب لم يدرك عائشة، كما قال الحافظ العسقلاني في ‏(‏التهذيب‏)‏ ولكن له عند ابن جرير ‏(‏18/26‏)‏ طرقًا وشاهدًا موصولًا يتقوى به، وقد حسنه الألباني في ‏(‏الصحيحة 162‏)‏‏.‏
فإذا كان حال المؤمن هو الخوف دائمًا من الله ـ تبارك وتعالى ـ حتى مع الطاعة، فمن أين لرابعة العدوية أن تعرف أن الله قد غار عليها‏؟‏ ‏(‏العياذ بالله‏.‏‏.‏‏)‏ لأنها مالت بقلبها إلى الجنة‏؟‏ أليس هذا القول من رابعة ‏(‏إن صح نسبته إليها، وقد ذكر في أقدس كتب القوم وأنقاها باعترافهم‏)‏ هو قول على الله بلا علم، وهو من اتباع خطوات الشيطان التي نهانا الله عنها بقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إن لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏168 ‏:‏169‏]‏‏.‏
الفصل الثالث‏:‏ التنفير من الطريق الشرعي للهداية
لما كان الدخول في الطريق الصوفي لا يشترط له التوجه إلى الكتاب والسنة، بل إن التوفيق له يأتي أحيانًا عن طريق الهاتف، وأحيانًا بطرق أخرى سنعرفها فيما بعد إن شاء الله تعالى، فإن القوم منذ نشأتهم رأوا أن علمهم الذي يحصلون عليه ـ في زعمهم ـ أفضل من علم الكتاب والسنة، بل رأوا أن علم الكتاب والسنة مشغلة عن طريقهم ومسلكهم، وهذه بعض عباراتهم في ذلك‏:‏
أ ‌ـ قال أبو يزيد البسطامي ‏(‏مات سنة 261هـ‏)‏ ناعيًا على علماء الشريعة مفاخرًا لهم‏:‏
‏"‏أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون‏:‏ حدثني فلان، وأين هو‏؟‏ قالوا‏:‏ مات، عن فلان وأين هو‏؟‏ قالوا‏:‏ مات‏"‏ ‏(‏الفتوحات المكية ج1ـ ص365‏)‏‏.‏
ب ـ وهذا الجنيد يقول‏:‏ ‏"‏ما أخذنا التصوف عن القيل والقال‏"‏ ‏(‏طبقات السلمي 158‏)‏‏.‏
ج ـ ويقول أيضًا‏:‏ ‏"‏أحب للمبتدئ ألا يشغل قلبه بهذه الثلاث، وإلا تغيرت حاله‏:‏ التكسب وطلب الحديث والتزوج، وأحب للصوفي أن لا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه‏"‏ ‏(‏قوت القلوب‏:‏3/135‏)‏‏.‏
د ـ وقال أبو سليمان الداراني‏:‏ ‏"‏إذا طلب الرجل الحديث، أو سافر في طلب المعاش، أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا‏"‏ ‏(‏الفتوحات المكية 1/37‏)‏‏.‏
وهذه أقوال قليلة مما نسب إلى القوم في وجوب ترك علم الشريعة، والانصراف إلى طريقهم الخاص في التلقي والكشف‏.‏
ولا يخفى على أي منصف يتقي الله ـ تبارك وتعالى ـ ويقول كلمة الحق أن هذه الأقوال كافية في هدم الشريعة الإسلامية، بل في هدم العمران كله، لأن الحضارة الإنسانية حتى المادية منها لا تقوم إلا على هذه الثلاث‏:‏ العلم، وطلب الكسب والمعاش، والزواج‏.‏ وحضارة الإسلام خاصة تقوم على هذه الثلاث، وتأمر بطلب علم الآخرة وهو علم الكتاب والسنة، وكذلك علم الدنيا وهو كل علم نافع لحياة الإنسان ورقيه في هذه الأرض‏.‏
ولم يكتف أهل هذا المنهج من المتصوفة بالتنفير من علم الشريعة والحديث بل جعلوا كشفهم، وما يزعمون نقله من العلم عن الله ـ تبارك وتعالى ـ حاكمًا على إسناد الحديث فيصححون ما شاؤوا من الأحاديث، وإن كانت ضعيفة عند علماء الحديث والسنة، ويضعفون ما شاؤوا منها، وإن كانت ثابتة صحيحة حسب الموازين العلمية الدقيقة التي تعارف عليها علماء الحديث ومصطلحه، والتي هي بحق مفخرة الإسلام، فليس عند أمة من أمم الأرض قديمًا وحديثًا تثبت في النقل على النحو الذي درج عليه علماء هذه الأمة في التعرف على الحديث الصحيح من الضعيف، وبذلك ـولله الحمد ـ سلم دين الأمة من دخول أقوال الزنادقة والملاحدة فيه‏.‏
أقول عمد رؤساء المتصوفة إلى هدم الإسناد في الحديث، وهو مفخرة الإسلام بحق، وذلك عن طريق الحكم على الإسناد بعلمهم الخاص‏.‏ يقول ابن عربي في رسائله‏:‏
‏"‏وربما قالوا ‏(‏أي علماء الشريعة‏)‏ إذا عاينوهم ‏(‏أي عاينوا علماء الصوفية‏)‏ يتكلمون بمواجيدهم مع أصحابهم‏:‏ دين مكتوم، دين مشوم، وما عرفوا جهات الدين‏.‏ وهؤلاء ما تكتموا بالدين فقط، وإنما تكتموا بنتائجه، وما وهبهم الحق تعالى في طاعته حين أطاعوه، وبما صح عندهم من أحاديث الأحكام ما اتفق على ضعفه، وتجريح نقلته، وهم أخذوه عن الكشف ‏(‏الكشف‏:‏ هو انكشاف حجاب القلب ورؤيته أشياء من الغيب زعم الصوفية أنه يحصل لهم، ومراد ابن عربي هنا بالكشف الاتصال بالرسول، ومعرفة الحديث منه رأسًا ‏(‏انظر الباب الخاص بالكشف الصوفي‏)‏‏)‏، عن قائله صحيحًا، فتعبدوا به أنفسهم على غير ما تقرر عند علماء الرسوم، فينسبونهم إلى الخروج عن الدين، وما أنصفوا فإن للحق وجوهًا يوصل إليه منها هذا أحدها، ورب حديث قد صححوه واتفقوا عليه، وليس بصحيح عندهم من طريق الكشف، ويتركون العمل به مثل ذلك سواء‏"‏ ‏(‏رسائل ابن عربي‏:‏ ص4‏)‏‏.‏
ومعنى هذا كله أن للمتصوفة حكمهم الخاص على إسناد الحديث، فعن طريق الكشف يتصلون رأسًا بالنبي ويصححون الحديث أو يضعفونه‏!‏‏!‏ وبهذا الهجوم على قواعد علم الحديث تتهدم السنة، وتبقى ألعوبة في يد هؤلاء الذين يحكمون عليها بما شاؤوا وليس من ضابط يرجع إليه، ولا فيصل يحتكم إليه ما دام أن الكشف هذا علم غيبي، وقد يكون كشف هذا غير كشف ذاك‏.‏
أقول‏:‏ لم يكتف المتصوفة بوضع الأصول على ترك العلم الشرعي والتنفير منه، بل أصلوا الأصول أيضًا لهدم علوم الشريعة وزوالها، وهذا أول معول من معاول الهدم، هدم الإسناد لمعرفة الحديث الصحيح من الضعيف‏.‏
ولم يكتف المتصوفة بالنهي عن العلم، بل جعلوا العلم عورة يجب أن تستر وتغطى، حتى إن شيخًا يرى مريدًا له، وقد سقطت منه محبرة، فيقول له‏:‏ اخف سوأتك‏!‏‏!‏ ‏(‏عن تلبيس إبليس لابن الجوزي ص370‏)‏
وبعد أن وضع المتصوفة هذه القواعد لهدم العلم الشرعي والتنفير منه دعوا الناس إلى العلم الباطني الذي أطلقوا عليه اسم الحقيقة، وقالوا‏:‏ إن طريق الوصول إليه هو الكشف والفتح الرباني والفيض الرحماني‏.‏ لنعلم أنهم لا يعنون بالعلم الباطن إصلاح حال القلوب كما يزعم بعضهم، بل إنهم يعنون علمًا خاصًا يكشفون به حقائق يزعمون رؤيتها والتحقق بها‏.‏ ولقد بالغوا في تفضيل هذا العلم، وتشديد التنكير على من نفاه أو خالفه‏.‏ وقد كانوا يخفون هذا العلم والكشف في أول أمرهم، ويجعلونه من الأسرار والخصوصيات، ولكنهم سرعان ما أعلنوا عنه وكشفوه بعد أن تحولت دفة الناس إليهم‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-25-2010, 10:55 PM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الفصل الرابع‏:‏ القول بالحلول
لما كان طلب الجنة والفرار من النار ليس هدفًا عند المتصوفة بل كان هذا هو طلب العامة والدهماء في زعمهم فإن المتصوفة جعلوا لهم أهدافًا أخرى غير ذلك وهو أن يكون كل منهم إلهًا وربًا يعلم الغيب كله كما يعلمه الله سبحانه وتعالى ويتصرف في الكون كله كما يتصرف الله فيحيي، ويميت ويخفض ويرفع، ويعز ويذل‏.‏‏.‏
لقد أصبح الهدف الصوفي هو الوصول إلى مقام النبوة أولًا ثم الترقي حتى يصل الفرد منهم في زعمهم إلى مقام الألوهية والربوبية‏.‏
فهذا مثلًا أبو يزيد البسطامي وهو من أئمة القـوم ومقدميهم، توفي سنة 261هـ فهو من أعلام القرن الثالث في التصوف، وقد مر بك كلامه في شأن الرجل الذي استفتاه في أنه لا يجد في نفسه من علوم القوم شيئًا، فأفتاه بتلك الفتوى العجيبة‏.‏ يذكر عن نفسه ما يأتي‏:‏
‏"‏رفعني مرة فأقامني بين يديه، وقال لي‏:‏ يا أبا يزيد‏!‏ إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت‏:‏ زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا‏:‏ رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا‏"‏ ‏(‏اللمع ص461‏)‏‏.‏
وهذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير وتأويل، والاعتذار عنه مشاركة لصاحبه في الباطل الذي يسعى إليه، ولنترك سيد الطائفة في وقته ‏(‏الجنيد‏)‏ يفسر كلام صاحبه أبي يزيد البسطامي يقول الجنيد في تفسير الكلام السابق‏:‏
‏"‏هذا كلام من لم يلبسه حقائق وحدة التفريد في كمال حق التوحيد، فيكون مستغنيًا بما ألبسه عن كون ما سأله‏.‏‏.‏ وسؤاله لذلك يدل على أنه مقارب لما هناك، وليس المقارب للمكان بكائن فيه على الإمكان والاستمكان‏.‏‏.‏ وقوله‏:‏ ألبسني وزيني، وارفعني يدل على حقيقة ما وجده مما هذا مقداره ومكانه، ولم ينل الحظوة إلا بقدر ما استبانه‏"‏ ا‏.‏هـ ‏(‏اللمع ص461‏)‏‏.‏
وبالطبع لن يستطيع أحد أن يفهم شرح الجنيد لكلام صاحبه أبي يزيد إلا من فهم عقيدة القوم، وعرف محتواها على الحقيقة‏.‏ وإليك شرح كلامه حتى كأنك تحسه وتراه إن شاء الله‏.‏
أقول‏:‏ حكم الجنيد على صاحبه أبي يزيد بأنه لم يصل بعد إلى كمال حقيقة التفريد ‏(‏ومعنى التفريد أن يعتقد الصوفي أنه ما تم في الحياة إلا فرد واحد، هو الله، تعددت وجوداته بحسب ما يظهر للناس، ولكن الحق واحد‏!‏‏!‏ ولذلك قال عن أبي يزيد‏:‏ ‏"‏هذا كلام من لم يُلبسْهُ ‏(‏أي الله تعالى‏)‏ حقائق وحدة التفريد‏"‏، أي لم ير غير الله غيرًا كما مر من كلام الحلاج‏.‏‏.‏ ولذلك قال عنه أيضًا بأنه لو رأى التفريد على الحقيقة لكان مستغنيًا بما ألبسه عن كون ما سأله، فقد سأل البسطامي ربه أن يلبسه أنانيته، ويرفعه إلى أحديته‏.‏‏.‏ ولو كان متحققًا من القول بوحدة الوجود لم يقل ذلك، ولم يطلبه، لأنه سيعلم يقينًا أنه هو الله‏.‏‏.‏ ولذلك رآه الجنيد بسؤاله هذا مقاربًا للحقيقة الصوفية النهائية، فقال‏:‏ ‏"‏وسؤاله لذلك يدل على أنه مقارب لما هناك‏.‏‏.‏‏"‏ ثم شرح هذا القول بقوله‏:‏
‏"‏وقوله ألبسني وزيني وارفعني‏:‏ يدل على حقيقة ما وجده مما هذا مقداره ومكانه، ولم ينل الحظوة إلا بقدر ما استبانه‏"‏ أي فهذا مكان أبي يزيد في فهم الحقيقة الصوفية، ولم يصل بعد إلى فهمنا على الحقيقة‏.‏
فانظر أيها الأخ المنصف أين كان الجنيد سيد الطائفة الصوفية من قضية التوحيد في الإسلام‏.‏‏.‏
ولم يكن حكم الجنيد على أبي يزيد البسطامي في قوله السابق منفردًا به، بل حكم بهذا الحكم صاحبها الشبلي الذي كان أوحد القوم حالًا كما قالوا‏.‏
وروى صاحب اللمع الحكاية الآتية ‏(‏ص741‏)‏‏:‏ ‏"‏حكي عن الشبلي ـ رحمه الله ـ‏.‏‏.‏ أنه سئل عن أبي يزيد البسطامي ـ رحمه الله ـ‏.‏ وعرض عليه ما حكي عنه مما ذكرناه وغير ذلك، فقال الشبلي ـ رحمه الله ـ‏:‏ لو كان أبو يزيد ـ رحمه الله ـ ها هنا لأسلم على يد بعض صبياننا‏.‏‏.‏، وقال‏:‏ لو أن أحدًا يفهم ما أقول لشددت الزنانير‏"‏‏.‏
فانظر كيف حكم الشبلي على أبي يزيد بأنه لا يصلح تلميذًا له، بل لو كان موجودًا معه الآن في وقته لأسلم على يد بعض صبيان الشبلي‏.‏‏.‏ وأنا أجزم الآن أنه يقصد بهذا الإسلام أن يعلمه أنه لا موجود إلا الله‏.‏‏.‏ ولذلك قال بعد ذلك‏:‏ ‏"‏لو أن أحدًا يفهم ما أقول لشدد الزنانير‏"‏ ومعنى شد الزنار أن يلبس لباس أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس، لأنه كان يعتقد ـ بما لبس على الناس ـ أن أحدًا من معاصريه لا يفهم ما يشير إليه بهذه الأقوال‏.‏‏.‏ وهذا حق، لأن القوم ليسوا على الناس بما ادعوه من الصلاح والتقوى ومحبة الله ورسوله‏.‏ وقد مر بك أن هذا الشبلي كان سمينًا بدينًا، ومع ذلك كان يزعم أنه يحمي المرود ويكتحل به حتى لا ينام‏.‏
ومما يدلك على ما جزمت به سالفًا من تفسير قول الشبلي الآنف ما فسر به أيضًا الجنيد حال أبي يزيد البسطامي قائلًا‏:‏
‏"‏إن أبا يزيد ـ رحمه الله ـ‏.‏‏.‏ مع عظم حاله، وعلو إشارته لم يخرج من حال البداية، ولم أسمع منه كلمة تدل على كمال النهاية‏"‏ ‏(‏ص479‏)‏‏.‏
فانظر وتيقن الآن معتقد القوم الذين يشهدون على البسطامي بأنه لم يجاوز حال البداية، وهو الذي قال الأقوال السالفة‏.‏‏.‏ ولا غرو في ذلك ما دام الشبلي يقول عن نفسه لأبي عبدالله بن جابان بعد أن زاره، وأراد أن يخرج من عنده هو وبعض زملائه‏:‏ ‏"‏مروا أنا معكم حيثما كنتم، أنتم في رعايتي وفي كلاءتي‏"‏ ‏(‏ص478‏)‏‏.‏
فالذي وصل إلى هذه النهاية لا شك أنه يحكم على كلام البسطامي أن ما جاوز البداية‏.‏‏.‏
وقد يظن ظان أن الجنيد كان دون الشبلي في هذه الأقوال، وهذا من الجهل والغفلة، وعدم تتبع القضية الصوفية، والغوص على مغاليقها وأسرارها، والأمر على غير ذلك، فالجنيد كان أسبق أولئك القوم إلى العقيدة الصوفية، وأعلم الناس بها، ويدلك على هذا أن الشبلي يسأله يومًا، فيقول له‏:‏ يا أبا القاسم ما تقول فيمن كان الله حسبه قولًا وحقيقة‏؟‏ فقال الجنيد ـ رحمه الله ـ‏.‏‏.‏ يا أبا بكر ‏(‏وهي كنية الشبلي‏)‏ بينك وبين أكابر الناس في سؤالك هذا عشرة آلاف مقام، أوله محو ما بدأت به ‏(‏اللمع ص487‏)‏‏.‏
فانظر كيف سأل الجنيد عن حقيقة من حقائق الإسلام، وهي أن يكون الله حسب المرء في اعتقاده وقوله وكل شؤونه، أي أن يعتقد المسلم أن الله كافيه في كل ما يهمه ويشغله، وهذا من كمال التوحيد كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏36‏]‏، وقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما قيل له‏:‏ إن قريشًا عزمت أن ترجع لتستأصل شأفة المسلمين بعد هزيمة أحد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏)‏ أي الله كافينا ومنجينا سبحانه وتعالى‏.‏ انظر كيف حكم الجنيد على هذه الحقيقة الشرعية بأن سؤال الشبلي عنها يدل على أن بينه وبين أكابر الناس أي ‏(‏كبراء الصوفية‏)‏ عشرة آلاف مقام، أول هذه المقامات محو هذه الحقيقة الشرعية التي بدأ الشبلي بالسؤال عنها‏.‏‏.‏
الفصل الخامس‏:‏ القول بوحدة الوجود
لما بدأ القول بالحلول، وجعل المتصوفة غايتهم من التصوف أن يتشبهوا بصفات الله في زعمهم فيكون أحدهم إلهًا يعلم كل شيء، ويتصرف في كل شيء فإن هذا الحال استمر بهم حتى وصلوا في النهاية إلى القول بوحدة الوجود، وأن كل شيء إنما هو الله وأن الله هو الذي في الكون وحده وليس هناك شيء آخر معه‏.‏
ومصطلح وحدة الوجود يعني في العقيدة الصوفية أنه ليس هناك موجود إلا الله فليس غيره في الكون، وما هذه الظواهر التي نراها إلا مظاهر لحقيقة واحدة، هي الحقيقة الإلهية ‏(‏تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا‏)‏، هذه الحقيقة التي تنوعت وجوداتها ومظاهرها في هذا الكون المشاهد، وليس هذا الكون ـ في هذه العقيدة الباطلةـ إلا الله في زعمهم، تعالى الله عن ذلك‏.‏
وقد رأينا كيف عبر الحلاج عن هذه العقيدة بكل صراحة ووضوح فيما نقلناه عنه آنفًا، وكيف عبر عنها الشبلي بشيء من التعمية واللف والدوران، وكيف جاءت في الكلام المنسوب إلى الجنيد في شيء من الحذر والحيطة‏.‏
ولقد استمرت هذه العقيدة معلومة عند أناس مخصوصين فقط بلغوا النهاية في الطريق الصوفي، ولكنهم لم يعبروا عنها إلا بتعبيرات ملفوفة غامضة، لا يفهمها إلا من سار سيرتهم، وذاق ذوقهم، وكشف غوامض كلامهم‏.‏
ولكن القرن السادس الهجري شهد في أواخره، وبداية القرن الذي يليه رجلًا عجيبًا استطاع أن يصوغ هذه العقيدة صياغة كاملة، ويضرب لها آلاف الأمثلة، ويبني عليها فروعها المختلفة في الاعتقاد والتصور، ويؤلف فيها عشرات الكتب، ذلك الرجل هو محيي الدين بن عربي المتوفي سنة 638هـ نشأ هذا الرجل في الأندلس، واستقر به المقام في الشام، ورمي بالكفر والزندقة والإلحاد والكذب، ولكن عقيدته ومذهبه وجدت المشيعين والمروجين الذين استطاعوا أن يرفعوه ـ كما رفع نفسه ـ إلى مرتبة الولاية، بل إلى ختم الولاية ومرتبة المشيخة الكبرى وإحياء الدين‏.‏
وبالرغم من أن ابن عربي هذا قد زعم أنه نقل علمه وكتبه عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مباشرة، وكتب عن اللوح المحفوظ بلا وساطة، وصاغ عقيدة وحدة الوجود بكل جرأة وبلا مواربة، بل بقليل من التدليس والمراوغة، واستطاع أن يحرف آيات القرآن فيزعم أن قوم هود الكافرين كانوا على الصراط المستقيم، وأن فرعون كان مؤمنًا كامل الإيمان، وأن قوم نوح كانوا مؤمنين، فجازاهم الله بأن أغرقهم في بحار الوحدة، وأدخلهم نار الحب الإلهي ليتنعموا فيها، وأن هارون أخطأ لأنه نهى بني إسرائيل عن عبادة العجل، وما كان العجل إلا المعبود الحق، أو صورة من صور المعبود الحق، وأن قوم نوح أصابوا في عدم تركهم ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا لأنها مظاهر للإله الواحد، وأن النار عذوبة لا عذاب، وأنه ما من إنسان إلا مرحوم مرضي عنه، وأن الله لا يعلم شيئًا قبل وجوده، لأن وجود الشيء هو وجود العلم، بل وجود كل شيء هو ترجمة لوجود الله ‏(‏تعالى الله عن ذلك‏)‏ أقول‏:‏ بالرغم من أن ابن عربي قال هذا الكلام كله، بل هذا جزء يسير جدًا مما قاله، فإنه أدعى بأن كل ذلك قد نقله بلا زيادة ولا نقصان عن الرسول الذي أمره بتبليغ ذلك للناس، وبالرغم أيضًا من كل ذلك فقد وجد هذا الرجل من المروجين والأتباع ما لا يقع تحت الحصر منذ ظهوره إلى زماننا هذا، ومن أمة الإسلام الذين يشهدون في كل يوم مرات كثيرة بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهذا من أعجب العجب‏.‏
وهاك الآن نقولًا صوفية من كتبه تدلك على هذه العقيدة‏.‏
1ـ قال في مطلع كتابه ‏"‏فصوص الحكم‏"‏ وهو الكتاب الذي جعله خاتمة لأعماله جامعًا لعقيدته‏:‏ ‏"‏أما بعد فإني رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مبشرة أريتها في العشر الآخر من المحرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتاب، فقال لي‏:‏ هذا ‏"‏كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت‏:‏ السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا‏"‏ ثم يقول‏:‏
فحققت الأمنية، وأخلصت النية، وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير زيادة ولا نقصان‏"‏ ‏(‏الفصوص، ص47، طبع بيروت‏.‏ تحقيق‏:‏ أبو العلاء عفيفي‏)‏‏.‏
ويقول في مكان آخر بعد أن ذكر مواضيع الكتاب‏:‏ ‏"‏فاقتصرت على ما ذكرته من هذه الحكم في هذا الكتاب على حد ما ثبت في أم الكتاب، فامتثلت ما رسم لي، ووقفت عند ما حد لي، ولو رمت زيادة على ذلك ما استطعت فإن الحضرة تمنع من ذلك‏"‏ ‏(‏ص58‏)‏‏.‏
ويقول أيضًا في ‏"‏فص حكمة علوية في كلمة موسوية‏"‏‏:‏ ‏"‏وأنا إن شاء الله أسرد منها في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري فكان هذا أول ما شوفهت به من هذا الباب‏"‏ ‏(‏ص58‏)‏‏.‏
وهذه النقول من مقدمة الكتاب ومن ثناياه تعلمك إصرار الرجل أنه ينقل عن الله مباشرة بل مشافهة، وعن اللوح المحفوظ رأسًا، وعن الرسول الذي أمره في تلك الرؤيا المزعومة أن يخرج على الناس بهذا الكتاب، فماذا في هذا الكتاب من العلم بالله ورسالاته والهدى والنور‏؟‏ لننظر‏.‏
2ـ يزعم ابن عربي أن قوم نوح أجابوا رسولهم إجابة حقيقية، وأن نوحًا مكر بهم فمكروا به، وأن تمسكهم بآلهتهم إنما هو تمسك بحق أراد نوح أن يزيلهم عنه، وهاك نص عباراته في ذلك‏:‏
‏"‏علم العلماء بالله ما أشار إليه نوح ـ عليه السلام ـ في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، والأمر قرآن لا فرقان، ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن كان فيه‏.‏‏.‏، دعاهم ليغفر لهم، لا ليكشف لهم، وفهموا ذلك منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏ لذلك ‏{‏جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها، فأجابوا دعوته بالفعل، لا بلبيك‏.‏
قال نوح في حكمته لقومه‏:‏ ‏{‏يرسل السماء عليكم مدرارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 11‏]‏‏.‏ وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري، ‏{‏ويمددكم بأموال‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏11‏]‏‏.‏ أي بما يميل بكم إليه، فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه، فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرفه، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف‏"‏ ‏(‏ص71‏)‏‏.‏
فانظر كيف جعل المطر والخصب الذي هو نتيجة للصلاح والتقوى والإيمان والاستغفار والمعارف العقلية‏.‏‏.‏ وكيف جعل الأموال أي ما يميل بهم إليه فيرون صورتهم فيه، وهذه هي وحدة الوجود، ولذلك يقول بعدها‏:‏ ‏"‏فمن تخيل أنه رآه فما عرف وأما من رأى نفسه فهو العارف‏"‏‏.‏
ثم يقول‏:‏ ‏{‏ومكروا مكرًا كبارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 22‏]‏‏.‏ لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو، أدعو إلى الله فهذا عين المكر، فأجابوه مكرًا كما دعاهم ‏(‏ص72‏)‏، فانظر كيف جعل الدعوة إلى الله مكرًا بالمدعوين، بل عين المكر ثم بين نوع المكر الذي قابل قوم نوح نوحًا، فيقول‏:‏ ‏"‏فقالوا في مكرهم‏:‏ لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن ودًا ولا سواعًا، ولا يغوث ويعوق ونسرًا، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من يعرفه، ويجهله من يجهله‏.‏‏.‏، فما عبد غير الله في كل معبود‏"‏ ‏(‏ص72‏)‏‏.‏
وبهذا يجعل ابن عربي تلك الآلهة الباطلة التي عبدها قوم نوح آلهة حقة، لأنها في زعمه وجه من وجوه الحق‏.‏
ثم يقول مكملًا تبديل آيات الله‏:‏ ‏{‏ولا تزد الظالمين‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 24، 28‏]‏‏.‏ لأنفسهم ‏(‏المصطفين‏)‏ الذين أورثوا الكتاب أول الثلاثة، فقدمه على المقتصد والسابق ‏{‏إلا ضلالًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 24‏]‏‏.‏ إلا حيرة‏"‏ ‏(‏ص73‏)‏‏.‏
وهنا يجعل ابن عربي قول الله في شأن قوم نوح‏:‏ ‏{‏ولا تزد الظالمين إلا ضلالًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 24‏]‏‏.‏ وهو الدعاء الذي دعا به نوح على قومه، يجعل ابن عربي هذا الظلم كالظلم الذي وصف الله به طائفة من الذين أورثهم الكتاب حيث قال‏:‏ ‏{‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات‏}‏ فيجعل هذا الظلم كذاك الظلم، وهذا غاية التلبس والثعلبية‏.‏
ثم يقول ابن عربي‏:‏ ‏{‏مما خطيئاتهم‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 25‏]‏‏.‏ فهي التي خطت بهم، فغرقوا في بحار العلم بالله‏.‏ ‏{‏فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 25‏]‏‏.‏ فكان الله عين أنصارهم، فهلكوا فيه إلى الأبد‏"‏ ‏(‏ص33‏)‏، ثم يحرف قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنك إن تذرهم يضلوا عبادك‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 27‏]‏‏.‏ قائلًا‏:‏ ‏"‏أي يحيروهم، فيخرجوهم من العبودية إلى ما هم فيه من أسرار الربوبية، فينظرون أنفسهم أربابًا بعدما كانوا عند أنفسهم عبيدًا، فهم العبيد الأرباب‏"‏ ‏(‏ص74‏)‏‏.‏
فيجعل ضلال قوم نوح إنما هو حيرة، لأنهم عرفوا أسرار الربوبية، وأن كل موجود هو الله، فأصبحوا بذلك أربابًا عند أنفسهم‏.‏‏.‏
ثم يحرف كلمات الآية الباقية فيجعل ‏{‏رب اغفر لي‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ وهو بقية كلام نوح أي استرني، ‏{‏ولوالدي‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ يعني العقل والطبيعة و ‏{‏لمن دخل بيتي‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ يعني قلبي، ‏{‏وللمؤمنين‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ أي العقول‏.‏ ‏{‏والمؤمنات‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ أي النفوس ‏{‏ولا تزد الظالمين‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ أي أهل الغيب، ‏{‏إلا تبارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ أي هلاكًا، فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه الحق دونهم، ثم يقول بعد ذلك‏:‏ ‏"‏ومن أراد أن يعرف أسرار نوح فعليه بالرقي في فلك نوح، وهو في ‏(‏التنزلات الموصلية‏)‏ لنا والله يقول الحق‏"‏ ا‏.‏هـ ‏(‏ص74‏)‏‏.‏
3ـ لم يكتف ابن عربي بتصحيح موقف قوم نوح الضالين المكذبين، بل عمد إلى جميع كفار الأرض فجعلهم مؤمنين موحدين عارفين واصلين، وعمل إلى المسلمين فجعلهم مؤمنين بجزء من الحق فقط كافرين بأجزاء أخرى، ولم ينس ابن عربي فرعون اللعين الذي لم تعرف الأرض قبله أكفر منه ولا أظلم، فجعله من المؤمنين الموحدين الفائزين بالجنة حيث يقول‏:‏
‏"‏ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جار في العرف الناموسي، لذلك قال‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 24‏]‏‏.‏ أي وإن كان الكل أربابًا بنسبة ما فأنا ربكم الأعلى منهم، بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم، ولما علمت السحرة صدقه في مقاله لم ينكروه، بل أقروا له بذلك، فقالوا‏:‏ ‏{‏إنما تقضي هذه الحياة الدنيا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏72‏]‏‏.‏ ‏{‏فاقض ما أنت قاض‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 72‏]‏‏.‏ فالدولة لك، فصح قوله‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 24‏]‏‏.‏ ‏(‏ص210،211‏)‏‏.‏
وهذا الكلام واضح ووازنه بكلام الحلاج الآنف في شأن فرعون، لتعلم وحدة العقيدة التي دعا إليها هؤلاء الأقوام‏.‏ بقي أن تعلم إشاراته الخبيثة في كلامه، نحو‏:‏ أن فرعون كان الخليفة بالسيف، ويعني بالخليفة قول الله لداود‏:‏ ‏{‏إنا جعلناك خليفة في الأرض‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 26‏]‏‏.‏ فيقيس الخلافة الشرعية النبوية على الملك المتسلط الفاجر، ثم شريعة موسى عُرفًا، أي ما يعرفه موسى، ولذلك اتهم بعض الصوفية الآخرين موسى ـ عليه السلام ـ بالجهل، وفرعون بالعلم والمعرفة، فقال‏:‏ كان فرعون أعلم بالله من موسى، لأنه عرف حقيقة الحق، وأما موسى فما عرف إلا وجهًا واحدًا، ولم يعرف أن الكل أرباب وأنهم مخلوقون في نفس الوقت، فالإنسان عندهم هو الحق والخلق، كما سيأتي بالنص إن شاء الله من كلام ابن عربي، ولذلك قال ابن عربي معللًا كلمة فرعون‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 24‏]‏‏.‏ أن الكل أرباب بنسبة ما؛ وفرعون أعلى من هؤلاء الأرباب، لأنه الملك المطاع في ذلك الوقت‏.‏
وعلى هذا فقد حكم له بالإيمان والجنة زاعمًا أنه آمن عندما رأى انفلاق البحر لبني إسرائيل، فنجاه الله من العذاب الآخروي، وعمته النجاة حسًا ومعنى، وأنكر على من يقول‏:‏ إنه من المعذبين قائلًا‏:‏ ‏"‏ليس لديهم نص في هذا المعنى‏"‏، مع العلم أن الله يقول عنه‏:‏ ‏{‏ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود‏}‏ ‏[‏هود‏:‏96ـ99‏]‏‏.‏
وما غاب هذا النص عن ابن عربي، ولكنه التلبيس والثعلبية والمكر، ومخالفة سبيل المؤمنين من أولهم إلى آخرهم‏.‏
وعلى هذه العقيدة الباطلة أيضًا صحح ابن عربي موقف السامري، وصناعته للعجل الذي فتن به بنو إسرائيل، فعبدوه من دون الله، وخطّأ ابن عربي هارون عليه الصلاة والسلام، لأنه ما عرف الحق، وأنكر على بني إسرائيل، وزعم ابن عربي أن موسى عرف الحق وأنكر على السامري أن يحصر الإله في شيء واحد فقط، لأن عين كل شيء هي عين الإله، وهي عين الحق ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ‏.‏
يقول ابن عربي في ذلك‏:‏ ‏"‏ثم قال هارون لموسى ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏{‏إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 94‏]‏‏.‏ فتجعلني سببًا في تفريقهم، فإن عبادة العجل فرقت بينهم، فكان منهم من عبده اتباعًا للسامري وتقليدًا له، ومنهم من توقف عن عبادته حتى يرجع إليهم موسى فيسألونه عن ذلك، فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه، فكان موسى أعلم بالأمر من هارون، لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه أن الله قضى ألا يعبد إلا إياه‏.‏‏.‏ وما حكم الله بشيء إلا وقع‏.‏‏.‏ فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء‏"‏ ا‏.‏هـ ‏(‏الفصوص ص192‏)‏‏.‏
فانظر كيف زعم الخبيث أن موسى علم أن أصحاب العجل ما عبدوا إلا الله، لأن الله قال‏:‏ ‏{‏وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏23‏]‏، فجعل هذا القضاء قضاء كونيًا قدريًا، وأن الله ما حكم بشيء إلا وقع، ومعنى هذا عنده أن كل معبود في الأرض إنما هو الله، وما عبد الإنسان شيئًا حجرًا أو غيره إلا عبد الله، مستدلًا بالآية السالفة بمعنى حكم وأمر، وهذا الحكم والأمر حكم شرعي، فمن هداه الله ووفقه إليه امتثله‏.‏ ومن اتبع سبيل الغواية والشيطان انحرف ومال عنه، كبقية الأوامر الشرعية، نحو وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ونحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏36‏]‏‏.‏ وقد خالف قضاء الله وأمره كثير من الكفار والملاحدة والجاحدين، وخالف بعض المؤمنين بعض ما قضى الله به ورسوله، وكثيرًا مما أمر به‏.‏
وها قد رأيت أن ابن عربي ختم عبارته بقوله‏:‏ ‏"‏فالعارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء‏"‏ وهذا منتهى العقيدة الصوفية، والفارق هو الاصطلاح الصوفي لمن تحقق من هذه العقيدة الخبيثة، ووصل النهاية في هذا العلم الخبيث ‏(‏والحق‏)‏ هو الله في زعمهم، تعالى الله عن ذلك وسبحانه، وهو حسبنا ونعم الوكيل‏.‏
ثم يتمم ابن عربي شرح عقيدته الباطلة، فيحرف معنى قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فما خطبك يا سامري‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 95‏]‏‏.‏ قائلًا‏:‏ ‏"‏يعني فما صنعت من عدو لك إلى صورة العجل على الاختصاص‏"‏ ا‏.‏هـ أي لماذا خصصت العجل فقط بكونه إلهًا، والحال في هذه العقيدة أن كل شيء هو الله، ولذلك حرق موسى العجل حتى لا يحصر الإله في شيء واحد ـ تعالى الله عن ذلك ـ ثم يستطرد الخبيث قائلًا‏:‏ ‏"‏وقال له‏:‏ ‏{‏وانظر إلى إلهك‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 97‏]‏‏.‏ فسماه إلهًا بطريق التنبيه للتعليم أنه بعض المجالي الإلهية‏"‏ ا‏.‏هـ‏.‏
فانظر كيف زعم أن قول موسى للسامري‏:‏ ‏{‏وانظر إلى إلهك‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 97‏]‏‏.‏ أن هذا اعتراف موسى بألوهية العجل، لأنه بعض الأشياء التي يتجلى فيها الرب ‏(‏سبحانك هذا بهتان عظيم، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا‏)‏‏.‏
ثم يفلسف ابن عربي عدم تسلط هارون على نسف العجل وإحراقه، وكون موسى هو الذي سلط على ذلك، زاعمًا أن هذا كان ليعبد الله في كل صورة، والعجل هو إحدى هذه الصور التي يجب عنده ـ لعنه الله ـ أن يعبد الله فيها، ويحرف في ذلك قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏رفيع الدرجات‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 15‏]‏‏.‏ فلله درجات يعبد فيها، وكل صنم وإله عبد في الأرض، فهو إحدى درجات الله في زعمه ـ تعالى الله عن ذلك ـ ثم يجعل عبادة الهوى أعظم هذه الدرجات وأسماها‏.‏ وهاك نص عبارته في ذلك‏:‏ ‏"‏فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سلط موسى عليه حكمة من الله تعالى ظاهرة في الوجود، ليعبد في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك، فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية‏"‏ ثم يقول ‏"‏وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد، والظهور بالدرجة في قلبه، وكذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات، ولم يقل‏.‏‏.‏ رفيع الدرجة، فكثر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة، أعطت كل درجة مجلى إلهيًا عبد فيها، وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه ‏(‏الهوى‏)‏ كما قال‏:‏ ‏{‏أفرءيت من اتخذ إلهه هواه‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏23‏]‏ وهو أعظم معبود، فإنه لا يعبد شيء إلا به‏.‏‏.‏ ولا يعبد هو إلا بذاته، وفيه أقول‏:‏
وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى‏"‏
‏(‏الفصوص ص194‏)‏
ثم يقول بعد ذلك‏:‏ ‏"‏والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه، ولذلك سموه كلهم إلهًا مع اسمه الخاص بحجر أو شجر، أو حيوان أو إنسان، أو كوكب أو ملك‏"‏ ‏(‏الفصوص ص195‏)‏‏.‏
ثم جعل ابن عربي بعد ذلك كفار قريش الذين تمسكوا بآلهتهم الباطلة قائلين ‏{‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏3‏]‏‏.‏ غير منكرين لله، بل متعجبين لأنهم وقفوا مع كثرة الصور، ونسبوا الألوهية إليها، ثم يزعم أن الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد جاء داعيًا لهم إلى إله يعرف، ولا يشهد‏.‏‏.‏ ثم يصف ابن عربي هذا الإله قائلًا‏:‏ ‏"‏فدعا ‏(‏أي الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏)‏ إلى إله يصمد إليه ويعلم من حيث الجملة‏.‏‏.‏ ولا يشهد ولا تدركه الأبصار، للطفه وسريانه في أعيانه الأشياء، فلا تدركه الأبصار كما أنها لا تدرك أرواحها المدبرة أشباحها وصورها الظاهرة، وهو اللطيف الخبير، والخبرة ذوق، والذوق تجل، والتجلي في صور فلا بد منها، ولا بد منه، فلا بد أن يعبده من رآه بهواه إن فهمت‏.‏‏.‏‏"‏ ا‏.‏هـ ثم يقول مستهزئًا بعقول الجاهلين‏:‏ ‏{‏وعلى الله قصد السبيل‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 9‏]‏‏.‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-25-2010, 10:58 PM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
وأظنك أيها القارئ قد فهمت الآن العقيدة التي دعا إليها ابن عربي والإله الذي تخيله، وهو ما زعم أنه الروح الذي يسري في جميع الموجودات، بل الموجودات هي صورته الظاهرة‏.‏‏.‏ وهي عينه ‏(‏تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا‏)‏ ولم يكتف أن ينسب هذا إلى نفسه، ومن شايعه، بل زعم أن هذه هي عقيدة موسى وعيسى ومحمد، بل وجميع الأنبياء والمرسلين الذين عرفوا الأمر على حقيقته، وأن الرسول قد أعطاه هذا الكتاب، ليخرج به على الناس ليبلغهم الدين الحق، والرسالة الصحيحة، وأنه نقل فقط، وما تصرف في شيء، بل سار في حدود ما أمر به، ولم يزد حرفًا واحدًا‏.‏
4ـ ولم تستطع عقبة أن تقف أمام ابن عربي لترده إلى صوابه، وليعلم العقيدة الحقة، ولكنه مضى في شوط التلبيس والتخطيط إلى منتهاه‏.‏
وكانت من هذه العقبات العقيدة في النار‏:‏ جهنم التي أعدها الله للكافرين، والتي يصطرخون بها‏:‏ ‏{‏ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏107‏]‏‏.‏ والتي يتمنون فيها الموت، بل يكون هو منتهى آمالهم وغاية مطلبهم ‏{‏ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 77‏]‏‏.‏ فيرد عليهم مالك قائلًا ‏{‏إنكم ماكثون‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏77‏]‏، جهنم التي يدعو أهلها على أنفسهم بالويل والثبور، ويرد الله عليهم قائلًا‏:‏ ‏{‏لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏14‏]‏ لأنه لا استجابة لهم، ولا خروج منها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، وآيات كثيرة في وصف جهنم، وبشاعتها وحرقتها، وعذاب أهلها بها، كل هذه الآيات لم تمنع ابن عربي الذي حكم لقوم نوح بالمعرفة والإيمان، ولقوم فرعون ولكفار مكة كذلك، بل لكل كافر على الأرض أنه ما عبد إلا الله في صورة من الصور، أقول‏:‏ كذلك هذه الآيات لم تمنع ابن عربي أن يحكم لأهل النار بالنعيم المقيم، والسعادة والهناء‏.‏ وأين ذلك‏؟‏‏.‏‏.‏ في النار نفسها، هذه النار التي وصفها الله بما وصف، ووصف أهلها بما وصف‏.‏‏.‏ هذه النار دار سعادة عند ابن عربي، لا دار شقاوة وعذاب، بل دار عذوبة وهناء‏.‏ وهاك نص عبارته في ذلك‏:‏
‏"‏وإن دخلوا دار الشقاء فإنـهم ** على لذة فيها نعيم مبايـــن
نعيم جنان الخلد، فالأمر واحـد** وبينهما عند التجلي تبايـــن
يسمى عذابًا من عذوبة طعمـه** وذاك له كالقشر والقشر صاين
‏(‏الفصوص ص94‏)‏
فانظر كيف جعل نعيم النار كنعيم الجنة، لأن الأمر واحد في زعمه، وأن العذاب من العذوبة، وأن النار قشرة تخفي وراءها النعيم المقيم لأهل النار‏.‏
ويقول أيضًا‏:‏ ‏"‏فمن عباد الله من تدركه تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمى جهنم، ومع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه إنه لا يكون لهم في تلك الدار نعيم خاص بهم، إما بفقد ألم كانوا يجدونه، فارتفع عنهم، فيكون نعيمهم راحتهم عن وجدان ذلك الألم‏.‏‏.‏ أو أن يكون النعيم مستقلًا زائدًا كنعيم أهل الجنان والله أعلم‏"‏‏.‏ انتهى ‏(‏الفصوص ص114‏)‏‏.‏
ومع أنه تناقض هنا مع ما قرره في أبياته السابقة، وقال‏:‏ يكون النعيم لأهل النار بفقد آلام سابقة، أو بحصول لذة ومتاع بالنار كنعيم الجنة و ‏(‏أو‏)‏ تقتضي الشك، ولذلك قال‏:‏ والله أعلم، مع العلم أنه قال في مطلع الكتاب وفي ثناياه أنه ينقل عن الله بلا زيادة ولا نقصان‏.‏‏.‏ فانظر هذا التهافت والتخبط والعمى‏.‏‏.‏ نعوذ بالله من الخذلان‏.‏
أقول مع هذا يعود ويقرر دون شك أن النار ستكون بردًا وسلامًا على أهلها، كما كانت نار إبراهيم بردًا وسلامًا عليه، يقول في ‏(‏الفصوص ص169‏)‏‏:‏ ‏"‏وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم ولكن في النار‏.‏‏.‏ إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن تكون بردًا وسلامًا على من فيها، وهذا نعيمهم، فينعم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين ألقي في النار، فإنه ـ عليه السلام ـ تعذب برؤيتها‏.‏ وبما تعود في علمه، وتقرر من أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان‏"‏ ا‏.‏هـ‏.‏
5ـ أظنك أيها القارئ الكريم قد عرفت الآن فرعيات هذه العقيدة الصوفية الباطلة، ولمزيد من هذه المعرفة والتوضيح سأنقل إليك بيانًا واضحًا من كلام ابن عربي أو الشيخ ‏"‏الأكفر أو الأكبر‏"‏ كما يسمونه، مما تتصور به هذه العقيدة، ويكفي في إبطالها أن تتصورها، فهذه العقيدة لا تحتاج إلى رد يبطلها، وإنما تصورها تصورًا صحيحًا يكفي لبطلانها‏.‏ فما عرف البشر في تاريخهم الطويل كفرًا وإلحادًا أعظم من هذا الكفر؛ فإن الله ـ تبارك وتعالى ـ استعظم مقالة من قالوا‏:‏ ‏{‏اتخذ الله ولدًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 116‏]‏‏.‏ سبحانه وتعالى عن ذلك قائلًا‏:‏ ‏{‏وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدًا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏4ـ5‏]‏‏.‏
وقال جل وعلا‏:‏ ‏{‏وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إدًا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا أن دعوا للرحمن ولدًا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا إن كل من في السماوات والأرض إلا ءاتي الرحمن عبدًا لقد أحصاهم وعدهم عدًا وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏88ـ95‏]‏‏.‏
فإذا كانت السماوات تكاد تنفطر من تلك المقالة الخبيثة، بل وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا، فكيف بمن ينسب كل شيء خبيث في الأرض إلى ذات الله، بل جعله عين الله‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ فالذين نسبوا لله ولدًا نسبوا شيئًا صالحًا كنبي أو ملك، أما الذي جعل الله عين كل شيء‏.‏‏.‏
أقول‏:‏ إن تصور هذه العقيدة يكفي لبطلانها عند من له أدنى حس أو شعور، ولا أقول عقل ولب، فالقضية لا تحتاج معقولية لردها، وإنما تحتاج قليلًا من الإحساس والشعور، والحياء والخجل، وقد لبّس هؤلاء الشياطين على الناس زاعمين أن كلامهم لا يفقهه إلا من ذاق ذوقهم، ووجد وجدهم، وعرف معرفتهم، هأنا ذا أعطيك مفاتيح هذه المعارف الباطلة، والذوق الخبيث، والوجد اللعين، لتعرف الأمر عندهم على ما هو عليه، ولذلك فسأسرد لك طائفة أخرى من الشرح التفصيلي لهذه العقيدة، وكل هذا الشرح من كلام القوم حتى لا يبقى عندك في الحق لبس، ولتعلم أيضًا أن من زعم منهم أن هذا الكلام المنقول عن أساتذة الضلال إنما هو شطح فقط، وغلبة حال فزعمه باطل، لأن الأمر ليس شطحًا، وإنما هو عقيدة فلسفية مقررة مشروحة في عشرات الكتب، وأن كل آي القرآن قد حرفوها واستدلوا بها، ليغيروا عقيدة المسلمين الحقة في إلههم سبحانه وتعالى، الذي يتصف بصفات الكمال، والذي لا يشبه أحدًا من خلقه، بل هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولمن يكن له كفوًا أحد‏.‏
يقول ابن عربي شارحًا عقيدته مستدلًا عليها بالحديث الموضوع‏:‏ ‏"‏من عرف نفسه عرف ربه‏"‏ قال‏:‏ ‏"‏قال ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏"‏من عرف نفسه عرف ربه‏"‏، وهو أعلم الخلق بالله، فإن بعض الحكماء وأبا حامد ادعوا أنه يعرف الإله من غير نظر في العالم، وهذا غلط، نعم تعرف ذات قديمة أزلية، لا تعرف أنها إله حتى يعرف المألوه، فهو الدليل عليه، ثم بعد هذا في ثاني حال يعطيك الكشف أن الحق نفسه كان عين الدليل على نفسه وعلى ألوهيته، وأن العالم ليس سوى تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه، وأنه يتنوع ويتصور بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها، وهذا بعد العلم به منا أنه إله لنا، ثم يأتي الكشف الآخر، فيظهر لك صورنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض في الحق، فيعرف بعضنا بعضًا‏"‏ ا‏.‏هـ ‏(‏الفصوص ص81،82‏)‏‏.‏
فهنا قد أنكر ابن عربي على أبي حامد وبعض المتصوفة الآخرين الذين قالوا‏:‏ إن الحق لا يشترط لمعرفته النظر في الكون، بل قد يأتي ذلك عن طريق الكشف رأسًا دون استدلال بالكون المشاهد على الخالق سبحانه وتعالى‏.‏ وقال ابن عربي‏:‏ ‏"‏إن هذا لا يكفي إلا لمعرفة ذات قديمة أزلية، ولكن لا بد من النظر في الكون لتعلم أن الذي تشاهده هو الحق، وهو الدليل على الحق، أي أن الصور المشاهدة في الكون هي الله، وهي الدليل عليه، ثم يأتي بعد ذلك الكشف الآخر الذي يتحقق الإنسان فيه من نفسه أيضًا بأنه نفسه صورة من صور الحق، فعند ذلك يعرف نفسه، فيعرف ربه، يعرف نفسه أنه الله، فيعرف الله أنه كل موجود‏.‏‏.‏‏"‏
ولم يكتف ابن عربي بأن يتبع أسلوب الثعالب في اللف والدوران والمراوغة، بل اتبع أيضًا أسلوب الاستفزاز لكل مؤمن، والنيل من عقيدة الإسلام بكل احتقار واستهزاء، ويدلك على ذلك أن اسم الله ـ عز وجل ـ ‏(‏العلي‏)‏ يفهم منه سلف الأمة وعلماؤها الأفاضل أن المقصود به العلو الحقيقي المستلزم مباينته تعالى لخلقه، والعلو المجازي الذي هو علو المكانة، فالله علي بذاته سبحانه وتعالى لأنه فوق عرشه، والعرش سقف المخلوقات كما مدح نفسه بذلك في سبع آيات من كتابه الكريم، وكما قال مالك بن أنس‏:‏
‏"‏الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة‏"‏، وأما المكانة فمنزلة الله ـ عز وجل ـ فوق كل منزلة، فهو العلي العظيم سبحانه وتعالى، والخالق القوي القدير، وما سواه معبود مربوب مقهور، فحتى العلماء الذين نفوا عن الله العلو الحقيقي، وأثبتوا علو المكانة فقط ما نفوا عن الله هذه الصفة، ولكن انظر إلى ابن عربي كيف فهم هذه الصفة، وطبقها حسب عقيدته الباطلة‏:‏
قال ‏(‏الفصوص ص76ـ77‏)‏‏:‏ ‏"‏ومن أسمائه الحسنى العلي، على من‏.‏‏.‏ وما ثم إلا هو‏؟‏ فهو العلي لذاته‏.‏ أو عن ماذا‏.‏ وما هو إلا هو‏؟‏ فعلوه لنفسه، وهو من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمى المحدثات هي العلّية لذاتها، وليست إلا هو، فهو العلي، لا علو إضافة، لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ما شمت رائحة من الوجود، فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات، والعين واحدة من المجموع في المجموع، فوجود الكثرة في الأسماء، وهي النسب، وهي أمور عدمية، وليس إلا العين الذي هو الذات فهو العلي لنفسه لا بالإضافة، فما في العالم من هذه الحيثية علو إضافة لكن الوجوه الوجودية متفاضلة، فعلو الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة، لذلك نقول في‏:‏ هو لا هو، أنت لا أنت، قال الخراز ‏(‏ـ رحمه الله ـ تعالى‏)‏ وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن الله تعالى لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه، وهو المسمى أبا سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات‏"‏‏.‏
فانظر استهزاءه باسم الله ‏(‏العلي‏)‏ حيث يقول‏:‏ على من‏؟‏ وعن ماذا‏؟‏ وليس في الوجود غيره، فهو المحدثات، بل هو المسمى أبو سعيد الخراز، وأبو سعيد هذا أحد أئمة القوم في القرن الثالث الهجري‏.‏‏.‏
وانظر كيف جعلوا العلو إنما هو لبعض المحدثات على بعض، وما دام أن جميع المحدثات هو الحق، وهو الله عندهم، فلا يوصف الله بالعلو إضافة أبدًا، لأنه ليس شيء غيره في الكون، ولكن يوصف ـ عندهم ـ بالعلو لذاته فقط‏.‏
ولا يتورع ابن عربي مع ذلك أن ينسب ما في الوجود من شر وقبائح وظلم وسفك دم إلى الله، بل يجعل كل ذلك هو الله فيقول‏:‏ ‏"‏فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية، حيث لا يمكن أن يفوته نعت منها، وسواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة‏"‏ ‏(‏الفصوص ص79‏)‏‏.‏
فانظر كيف جعل مسمى الله يستغرق جميع الأمور الوجودية، سواء كانت ممدوحة في العرف والعقل والشرع، أم كانت مذمومة في العرف والعقل والشرع، وليس هناك كفر على الأرض أكبر من هذا الكفر، بل ليس هناك وقاحة وسوء أدب مع الله أعظم من هذا، فاللهم رحمتك بنا ونقمتك بأولئك، أبعدهم الله‏.‏‏.‏
ولقد كرر هذا المعنى كثيرًا في كتابه فقال أيضًا‏:‏ ‏"‏ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص وبصفات الذم‏؟‏‏"‏ ‏(‏الفصوص ص80‏)‏‏.‏
ولم يكتف بهذا القول المجمل، بل فصل ذلك أيضًا حيث جعل الكبش الذي أنزله الله فداءً لإسماعيل من الذبح هو الله ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًاـ ‏.‏
قال ابن عربي‏:‏
فيا ليت شعري كيف ناب بذاته** شخيص كبيش عن خليفة رحمان
‏(‏الفصوص ص84‏)‏‏.‏
فوقتًا يكون العبد ربًا بلا شــك** ووقتًا يكون العبد عبدًا بلا إفـــك
فإن كان عبدًا كان بالحق واسعًا** وإن كان ربًا كان في عيشة ضنــك
‏(‏الفصوص ص90‏)‏
بل لم يكتف بهذا أيضًا حتى زعم أن الحق لا يشهد أتم شهود، ولا يعرف حق المعرفة إلا في المرأة‏.‏‏.‏ حال اللذة والشهوة‏.‏‏.‏ وهاك نصوص عباراته القبيحة في ذلك، ووالله لولا وجوب بيان هذا الباطل وتحذير الأمة منه ما كان لي أن أخط قلمًا بهذا الإثم والفجور، ولكن ما حيلتنا وبين أظهرنا من يدافع عن هذا الباطل، ويعتقد الولاية لقائليه، بل ويكفّر من تعرض لهذا الإثم والفجور، ويرميهم بالكفر والزندقة، وهؤلاء الضالون قد ملؤوا أكبر المراكز الدينية في بلادنا، واتبعهم عوام الناس دون وعي منهم بما خلف هذه العمائم الفارغة، والشهادات الزائفة من الإثم والفجور والباطل‏؟‏‏!‏
هذا ابن عربي سيد الصوفية وشيخها من لدنه إلى هذا يفسر حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة‏)‏ فيقول‏:‏
‏"‏اشتق الله من الإنسان شخصًا على صورته سماه امرأة، فظهرت بصورته فحن إليها حنين الشيء إلى نفسه، وحنت إليه حنين الشيء إلى وطنه، فحببت إليه النساء، فإن الله أحب من خلقه على صورته، وأسجد له ملائكته النوريين على عظم قدرهم ومنزلتهم، وعلو نشأتهم الطبيعية، فمن هناك وقعت المناسبة والصورة أعظم مناسبة، وأجلها وأكملها‏"‏ ‏(‏الفصوص ص216‏)‏‏.‏
وقبل أن نستطرد في النقل عن ابن عربي أشرح لك الإفك الذي أفكه هنا، فقد زعم أن الإنسان أحب المرأة، لأنها جزء منه ولا مانع في ذلك، وقد يكون هذا قولًا صحيحًا، ثم قاس على هذا أن الله أحب الإنسان لأنه خلقه على صورته، يعني أن ابن آدم ظهر في الوجود على صورة الرحمن، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فكان ابن عربي مشبهًا لله بخلقه أيضًا، وهذا القول منه يخالف عقيدته السابقة في وحدة الوجود، وأن جميع الموجودات هي صورة للحق، ولا تنفرد صورة واحدة بأن تكون مثلًا للخالق بل جميع الصور ذاتها ذات الخالق، وهذا يدلك على تناقضه وخبثه وثعلبيته، ويجعل السبب الذي من أجله أحب الله الإنسان أن الصورة التي خلق عليها هي أعظم مناسبة وأقرأ عبارته السابقة مرة أخرى حتى تفهم ما يقول‏.‏ ثم يستطرد ابن عربي شارحًا ومفلسفًا عقيدته قائلًا‏:‏
‏"‏فإنها زوج ‏(‏أي صورة الإنسان آدم‏)‏ أي شفعت وجود الحق كما كانت المرأة شفعت بوجودها الرجل، فصيرته زوجًا، فظهرت الثلاثة‏:‏ حق ورجل وامرأة‏!‏‏!‏‏!‏ فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه، فحبب إليه ربه النساء، كما أحب الله من هو على صورته، فما وقع الحب إلا لمن تكوّن عنه، وقد كان حبه لمن تكوّن منه، وهو الحق، فلهذا قال ‏(‏حبب‏)‏ ولم يقل ‏(‏أحببت‏)‏ من نفسه، لتعلق حبه بربه الذي هو على صورته حتى في محبته لامرأته، فإنه أحبها بحب الله إياه تخلقًا إلهيا‏"‏‏)‏ ا‏.‏هـ‏.‏
فانظر كيف جعل حب الرجل للمرأة من التخلق بأخلاق الله في زعمه، لأن الله قد أحب محمدًا الذي خلقه على صورته ‏(‏تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا‏)‏، ولأن محمدًا هو أول موجود حسب عقيدة ابن عربي‏.‏
ثم يستطرد ابن عربي في عباراته الوقحة الكافرة القبيحة قائلًا‏:‏
‏"‏ولما أحب الرجل المرأة طلب الوصلة أي غاية الوصل التي تكون في المحبة، فلم يكن في صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح، ولهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها، ولذلك أمر بالاغتسال منه، فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة، فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أن يلتذ بغيره‏!‏‏!‏ فطهره بالغسل، ليرجع بالنظر إليه فيمن فني فيه، إذ لا يكون إلا ذلك، فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة كان شهودًا في منفعل، وإذا شاهد في نفسه ـ من حيث ظهور المرأة عنه ـ شاهده في فاعل، وإذا شاهده في نفسه من غير استحضار صورة ما تكوّن عنه كان شهوده في منفعل عن الحق بلا وساطة، فشهوده للحق في المرأة أم وأكمل‏.‏‏.‏ ولأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل‏.‏‏.‏ ومن نفسه من حيث هو منفعل خاصة، فلهذا أحب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ النساء، لكمال شهود الحق فيهن‏.‏‏.‏ إذ لا يشهد الحق مجردًا عن المواد أبدًا‏.‏‏.‏‏"‏ ‏(‏الفصوص ص217‏)‏‏.‏
وأظن ليس بعد هذا الكلام كلام، وليس بعد هذا البيان بيان، ولا يملك المسلم الذي عصمه الله من هذا التردي الخلقي والعقلي إلا أن يقول ‏(‏يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك‏)‏‏.‏
ويستطرد ابن عربي مقررًا هذا المعنى شارحًا له بمثل هذه العبارات‏:‏ ‏"‏فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏
وقائلًا أيضًا‏:‏ ‏"‏فمن أحب النساء على هذا الحد فهو حب إلهي‏"‏‏.‏ وقائلًا بعد هذا أيضًا‏:‏
صح عند الناس أني عاشق ** غير أن لم يعرفوا عشقي لمن
‏(‏الفصوص ص218‏)‏
الفصل السادس‏:‏ طريقة المتصوفة في الإعراب عن عقيدتهم الباطنية
مع بداية القرن الثالث الهجري ابتدأ المتصوفة بالتصريح بشيء من علومهم الباطنة فأنكر بعضهم على بعض، فهذا الجنيد يقول للشبلي‏:‏ ‏"‏نحن حبرنا هذا العلم تحبيرًا، ثم خبأناه في السراديب، فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ‏"‏ فرد عليه الشبلي بقوله‏:‏ ‏"‏أنا أقول وأنا أسمع فهل في الدارين غيري‏"‏ ‏(‏التعرف على مذهب التصوف ص145‏)‏‏.‏
وقول الشبلي هذا هو بدايات القول بوحدة الوجود‏.‏
ثم ابتدأت جماعة من المتصوفة تصرح بشيء من هذا العلم الباطن الذي لم يكن في حقيقته إلا القول بالحلول، الفناء في ذات الله الذي تقول به العقيدة الهندية البرهمية، والقول بوحدة الوجود، وكان هذا في نهاية القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع‏.‏ وهذه طائفة من هذه الأقوال التي ظهرت على أفواه القوم، وكانت تخفي تحتها العقيدة الباطنة التي زعموا أنها في منتهى الكمال والرقي في سلم التعبد الإسلامي‏.‏
أـ ذكر أبو نصر السراج الطوسي صاحب كتاب اللمع في التصوف، وهو الكتاب الذي نشره الدكتور عبدالحليم محمود وطه عبدالباقي سرور أن أبا حمزة الصوفي دخل دار الحارث المحاسبي فثغت ‏(‏ثغاء الشاه‏:‏ صوتها‏)‏ شاة الحارث، فشهق أبو حمزة شهقة وقال‏:‏ ‏"‏لبيك يا سيدي‏"‏‏!‏‏!‏ فأنكر عليه الحارث المحاسبي، فقال له أبو حمزة‏:‏ إن إنكارك علي يشبه أحوال المريدين المبتدئين‏"‏ ‏(‏اللمع في التصوف ص495‏)‏ أي الذين لم يصلوا بعد إلى التحقق من وحدة الوجود‏.‏
ب ـ وهذا أبو الحسين النوري يسمع كلبًا يعوي فيقول‏:‏ ‏"‏لبيك وسعديك‏"‏ ‏(‏اللمع ص492‏)‏‏.‏
ج ـ وهذا الشبلي أيضًا يقول لأحد زواره عند خروجه‏:‏ ‏"‏أنا معكم حيثما كنتم، أنتم في رعايتي وفي كلاءتي‏"‏‏.‏
د ـ وكان من أجرأ هؤلاء الذين صرحوا بهذا العلم الباطن الحلاج وقبل أن أستشهد بشيء من أقواله أحب أن أقدم هذه المقدمة عنه‏:‏
نشأ الحلاج في أواخر القرن الثالث الهجري، وهو من أهل بيضاء فارس، ونشأ بواسط بالعراق، وصحب الجنيد الذي يعتبر سيد الطائفة الصوفية، وأبا الحسين النوري والفوطي، وقد قتل ببغداد، وصلب يوم الثلاثاء السادس من ذي القعدة سنة تسع وثلاث مئة وعموم المتصوفة راضون عنه، وإن كان قد رده بعضهم بعد قتله خوفًا على أنفسهم، ولكن ذكر الأقدمون منهم أقواله في كتبهم دون ذكر اسمه، بأن يقولوا مثلًا‏:‏ قال أحد الكبراء ‏(‏وهذا صنيع أبي بكر محمد الكلاباذي الذي ألف الموسوعة الصوفية الثانية بعد اللمع، وهو كتابه ‏(‏التعرف على مذهب أهل التصوف‏)‏ وكذلك صنيع السراج الطوسي صاحب الموسوعة الصوفية الأولى ‏(‏اللمع‏)‏ وقد استشهد بكلام الحلاج في أكثر من خمسين موضعًا من كتابه مصدرًا القول بقوله‏:‏ قال بعضهم، أو قال القائل‏)‏ ‏(‏انظر مقدمة كتاب الحلاج ص11‏)‏ ولم يستطيعوا التصريح باسمه، وهذا صنيع أكبر رجلين كتبا في التصوف في القرن الرابع، وهما أبو بكر محمد الكلاباذي المتوفي سنة 380هـ وأبو نصر السراج الطوسي المتوفي سنة 378هـوقد بالغت طائفة منهم بالثناء عليه حتى قال عنه محمد بن خفيف‏:‏ ‏"‏الحسين بن منصور عالم رباني‏"‏ ‏(‏طبقات الصوفية ص308‏)‏‏.‏
وفي القرن الخامس وما يليه ابتدأ المتصوفة يصرحون باسمه، ويذكرون مقالاته، ويشهدون بفضله وسعته، فقد أشاد به أبو حامد الغزالي، وابن عربي، وعبدالغني النابلسي وكل المتصوفة منذ القرن الخامس‏.‏ وأما في العصر الحديث فقد كتب فيه طه عبدالباقي سرور كتابًا بعنوان‏:‏ ‏(‏الحلاج شهيد التصوف الإسلامي‏)‏ وقد جعله في هذا الكتاب ثائرًا على الفساد، ومصلحًا إجتماعيًا، وداعية إسلاميًا إلى الله سبحانه وتعالى‏.‏
وبعد هذه المقدمة أعود إلى سياق البحث، وهو أن أجرأ الناس في إظهار العقيدة الباطنية للفكر الصوفي كان الحسين بن منصور الحلاج، وهذه الجرأة هي التي أدت بعد ذلك إلى القتل والصلب، ولقد كان هناك من المتصوفة من هم على عقيدته ولكنهم كتموا‏.‏ يقول الشبلي‏:‏
‏"‏كنت أنا والحسين بن منصور شيئًا واحدًا، إلا أنه أظهر وكتمت‏"‏ ‏(‏الحلاج لطه عبدالباقي سرور‏)‏، ومن أبرز ما صرح به الحلاج عن المعتقد الباطن للتصوف ما أنقله بنصه عن كتاب الطواسين للحلاج ‏(‏نشر لويس ماسنيون‏)‏ قال الحلاج ‏(‏طاسين الأزل والالتباس‏)‏‏.‏
‏"‏ما صحت الدعاوي لأحد إلا إبليس وأحمد، غير أن إبليس سقط عن العين، وأحمد كشف له عن عين العين، قيل لإبليس‏:‏ اسجد، ولأحمد‏:‏ انظر‏.‏ هذا ما سجد وأحمد ما نظر، ما التفت يمينًا ولا شمالًا، ‏{‏ما زاغ البصر وما طغى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 17‏]‏‏.‏ أما إبليس فإنه دعا لكنها ما رجع عن حوله، وأحمد ادعى ورجع عن حوله بقوله‏:‏ ‏(‏بك أحول وبك أصول‏)‏ وبقوله‏:‏ ‏(‏يا مقلب القلوب‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏لا أحصي ثناء عليك‏)‏‏.‏
وما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس، حيث إبليس تغير عليه العين، وهجر الألحاظ في السير، وعبد المعبود على التجريد، ولُعن حين وصل إلى التفريد، وطُلب حين طلب المزيد‏.‏
فقال له‏:‏ ‏(‏اسجد‏)‏ قال‏:‏ ‏"‏لا غير‏"‏ قال له‏:‏ ‏(‏وإن عليك لعنتي‏)‏ قال‏:‏ ‏"‏لا غير‏"‏، مالي إلى غيرك سبيل، وإني محب ذليل، قال له‏:‏ ‏(‏استكبرت‏)‏ قال‏:‏ لو كان لي معك لحظة لكان يليق بي التكبر والتجبر، وأنا الذي عرفتك في الأزل ‏(‏أنا خير منه‏)‏ لأن لي قدمة في الخدمة، وليس في الكونين أعرف مني بك، ولي فيك إرادة، إرادتك في سابقة، إن سجدت لغيرك، فإن لم أسجد لا بد من الرجوع إلى الأصل، لأنك خلقتني من النار، والنار ترجع إلى النار، ولك التقدير والاختيار، تيقنت أن القرب والبعد واحد‏!‏‏!‏‏"‏ ثم يستطرد الحلاج قائلًا‏:‏
‏"‏التقى موسى وإبليس على عقبة الطور، فقال له‏:‏ يا إبليس ما منعك عن السجود‏؟‏ قال‏:‏ منعني الدعوة بمعبود واحد، ولو سجدت له لكنت مثلك، فإنك نوديت مرة واحدة‏.‏‏.‏ انظر إلى الجبل‏.‏‏.‏ فنظرت، ونوديت أنا ألف مرة أن أسجد فما سجدت لدعواي بمعناي، فقال‏:‏ تركت الأمر‏؟‏ قال‏:‏ كان ذلك ابتلاء لا أمرًا، فقال له‏:‏ لا جرم قد غير صورتك‏.‏ قال‏:‏ يا موسى ذا وذا تلبيس، والحال لا يعول عليه فإنه يحول، لكن المعرفة صحيحة كما كانت وما تغيرت وإن الشخص قد تغير‏.‏
فقال موسى‏:‏ الآن تذكره‏؟‏ فقال‏:‏ يا موسى الفكرة تذكر، أنا مذكور وهو مذكور، ذكره ذكري، وذكري ذكره، وهل يكون الذاكرون إلا معًا‏.‏
خدمتي الآن أصفى، ووقتي أخلى، وذكري أجلى، لأني كنت أخدمه في القدم لحظي، والآن أخدمه لحظِّه‏"‏‏.‏
ثم استطرد بعد ذلك قائلًا‏:‏ ‏"‏وفي أقوال عزازيل ‏(‏زعم المتصوفة أن إبليس كان يسمى عزازيل قبل أن يطرد من رحمة الله‏)‏ أحدها أنه كان في السماء داعيًا وفي الأرض داعيًا‏:‏ في السماء دعي الملائكة بربهم المحاسن، وفي الأرض دعا الإنس بربهم القبائح، لأن الأشياء تعرف بأضدادها‏"‏‏.‏
وفي هذه الصياغة الطويلة لمعصية إبليس تستطيع الآن أن تلم بملامح العقيدة الصوفية الباطنية، ونستطيع أن نلخصها على النحو التالي‏:‏
1ـ أعبد الناس في كلام الحلاج هو إبليس والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وانظر كيف ينظمها عدو الله في سلك واحد، ثم يستدل على ذلك بأن إبليس أمر بالسجود فلم يسجد، والذي منعه من ذلك هو مشيئة الرب فيه وجبر الرب له‏.‏ وتحققه أن لا موجود إلا هو، وأن القرب والبعد من الرب واحد، لأنه ليس على الحقيقة إلا الله، وأن إبليس قد كان داعيًا للملائكة إلى المحاسن، بإقامة الله له، وفي الأرض إنما هو داع إلى القبائح، وما هو في الحقيقة إلى قائم بمراد الرب ومشيئته‏.‏
وأما الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحاشاه ـ فقد أصبح أعبد الناس عند الحلاج ـ وهذا من التلبيس ـ لأن الله أمره في السماء أن ينظر إليه، فما نظر، واستدل على ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما زاغ البصر وما طغى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 17‏]‏‏.‏ والآية في أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، وأن البصر ما زاغ ولا طغى، وهو ينظر إلى جبريل ‏(‏فانظر كيف حول الحلاج الآية عن معناها، وأن المقصود بها هو‏:‏ ما زاغ البصر أي ما نظر إلى الله، لأنه ليست هناك ذات مستقلة لله ـ تبارك وتعالى ـ في زعم الصوفية، بل ذاته هي ذات موجوداته‏.‏ انظر هذا في كلام النابلسي الآتي‏)‏‏.‏
وأما الدليل الآخر الذي ساقه الحلاج، فهو قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏اللهم بك أصول وبك أجول وبك أقول‏)‏ ‏(‏هو جزء محرف من حديث رواه أبو داود في ‏(‏سننه 2632‏)‏ عن أنس بن مالك، ولفظه‏:‏ كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا غزا قال‏:‏ ‏(‏اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أجول، وبك أصول، وبك أقاتل‏)‏ وصحح إسناده أستاذنا الألباني في ‏(‏تخريج الكلم الطيب ص75‏)‏ كما رواه ببعض اختصار الترمذي ‏(‏2/278‏)‏ وحسنه، وأحمد ‏(‏6/16‏)‏‏)‏ والمعنى الذي هو مراد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، فلا يستطيع أحد أن يفعل خيرًا، أو يوفق إلى خير إلا بحول الله وقوته ولكن الحلاج قلب هذا المعنى إلى عقيدته الخبيثة في الرب جل وعلا، وجعل معناها أن الرسول قال ذلك لأنه كان متحققًا أنه هو هو، أي أنه هو الله‏!‏‏!‏‏.‏
وأما موسى في نظر الحلاج فلم يكن على معرفة بحقيقة الرب، ولذلك قال له‏:‏ ‏{‏رب أرني أنظر إليك‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 143‏]‏‏.‏
ولقد كان من الجرأة بمكان أن يظهر الحلاج دعوته وعقيدته على هذا النحو من الصراحة والوضوح، ولقد كان يعاصره عدد كبير من المتصوفة في العراق وإيران والشام، ولكنهم قنعوا بالإشارات والرموز إلى عقيدتهم، ولم يقنع هو إلا بالتصريح، وقد سمى هو هذا المقام الذي وصل إليه مقام الفتوة، وفي ذلك يقول‏:‏
‏"‏تناظرت مع إبليس وفرعون في الفتوة ‏(‏الفتوة التي عناها الحلاج هنا هي الجرأة في إظهار معتقده، وأستاذه في ذلك كما يقول إبليس وفرعون‏!‏‏!‏‏)‏، فقال إبليس‏:‏ إن سجدت سقط عني اسم الفتوة، وقال فرعون‏:‏ إن آمنت برسوله سقطت من منزلة الفتوة، وقلت أنا أيضًا‏:‏ إن رجعت عن دعواي وقولي سقطت من بساط الفتوة‏!‏‏!‏ وقال إبليس‏:‏أنا خير منه، حين لم ير غيره غيرًا، وقال فرعون ‏:‏‏{‏ما علمت لكم من إله غيري‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 38‏]‏‏.‏ حين لم يعرف في قومه من يميز بين الحق والباطل‏!‏‏!‏ وقلت أنا‏:‏ إن لم تعرفوه فاعرفوا آثاره، وأنا ذلك الأثر، وأنا الحق لأني ما زلت أبدًا بالحق حقًا‏!‏‏!‏ فصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون، وإبليس هدد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أغرق في اليم وما رجع عن دعواه، ولم يقر بالواسطة أبدًا، وإن قتلت أو صلبت أو قطعت يداي ورجلاي، ما رجعت عن دعواي‏"‏ ‏(‏الطواسين ص52‏)‏‏.‏
وهذا الذي وصل الحلاج إليه قد كان عقيدة لكثير من معاصريه، ولكنهم لم يستطيعوا التصريح به بنفس الوضوح والصراحة التي صرح بها الحلاج، يقول الشبلي‏:‏ ‏"‏كنت والحسين بن منصور شيئًا واحدًا إلا أنه أظهر وكتمت‏"‏ وقد مرّ بك هذا القول‏.‏
ولقد حاول الحلاج أن ينقل عموم المتصوفة إلى موقفه، ولذلك لم يفتأ يحركهم نحو هذه الغاية، ففي الرسالة القشيرية أنه لقي إبراهيم الخواص فقال له الحلاج‏:‏ ماذا صنعت في هذه الأسفار، وقطع هذه المفاوز‏؟‏ قال‏:‏ بقيت في التوكل أصحح نفسي عليه‏.‏ فقال الحلاج‏:‏ أفنيت عمرك في عمران باطنك، فأين الفناء في التوحيد‏!‏‏!‏
ويدخل الحلاج مسجد بغداد، ويرى الجنيد يتكلم على المنبر والجنيد سيد الطائفة في وقته فيقول له‏:‏ يا أبا القاسم إن الله لا يرضى من العالم بالعلم حتى يجده في العلم، فإن كنت في العلم فالزم مكانك، وإلا فانزل، فنزل الجنيد ولم يتكلم على الناس شهرًا ‏(‏أخبار الحلاج طبع ماسنيون‏)‏‏.‏
وهذا القول من الحلاج للجنيد إنكار شديد عليه، وأمر له بأن يظهر ما يعتقده، وبأن يتحقق ظاهرًا فيما تحقق فيه باطنًا‏.‏ وهذا معنى قوله‏:‏ ‏"‏فإن كنت في العلم فالزم مكانك‏"‏ أي إن كنت قد وصلت إلى حقيقة معتقد التصوف فالزم هذا المكان، وأظهر ما تعتقد‏.‏ والحلاج هنا لم ينكر على الجنيد معصية شرعية ظاهرة، ولكنه أنكر عليه إظهاره من علوم الشريعة للعامة ما يخالف ما وصل إليه من عقيدة التصوف، ولذلك احتجب عن الناس شهرًا لا يكلمهم، ولم يستطع الجنيد أن يظهر ما أظهر الحلاج، لأنه كان يعلم نهاية الإفصاح عن حقيقة المعتقد‏.‏
ولذلك روى أبو عبدالرحمن السلمي في طبقاته في ترجمة الشبلي أن الجنيد قال للشبلي ‏"‏لو رددت أمرك إلى الله لاسترحت‏"‏ فقال الشبلي‏:‏ ‏"‏يا أبا القاسم لو ردّ الله أمرك إليك لاسترحت‏"‏ فقال الجنيد‏:‏ ‏"‏سيوف الشبلي تقطر دمًا‏!‏‏!‏‏"‏ ‏(‏الطبقات ص343‏)‏‏.‏
والمعنى الذي عناه الجنيد في كلامه للشبلي أنه إذا استسلم لأمر الله، واسترسل معه كما يقولون‏:‏ التصوف الاسترسال مع الله ‏(‏يعني المتصوفة بهذا القول أن لا يكون لك اختيار وفعل، بل تترك مشيئة الرب تسيرك، وهذا معناه هدم الإرادة البشرية وترك الوسائل كلها‏)‏ أي ترك الاختيار معه لاسترحت وهدأت‏.‏
فرد الشبلي عليه بعكس العبارة وبالمعنى نفسه‏!‏‏!‏ ومعنى عبارة الشبلي أن الله قد جبر العبد وأقامه بما هو فيه، ولم يردّ أمره إليه، بل جعل أمر العبد إليه هو، ولو رد أمر العبد إلى نفسه لاستراح، واختار ما يحلو له‏.‏ وكانت عبارة الشبلي للدلالة على المعنى أصرح من عبارة الجنيد، ولذلك قال الجنيد ردًا على ذلك‏:‏ سيوف الشبلي تقطر دمًا‏.‏ أي أنه بهذا التصريح عن معتقده سيعرض نفسه للقتل‏!‏‏!‏
ومما يدل على ذلك أن الحلاج عندما أحضر للقتل والصلب جمعت المتصوفة، وأرغموا على النيل من الحلاج وسبه، وكان ممن أحضروا لذلك الشبلي، وضعوا المنديل في رقبته، وسحبوه إلى الحسين بن منصور الحلاج ليلعنه فتأبى من ذلك، فأمره الجند بأن يذهب بنفسه أو يرسل من يلعن الحلاج، فأرسل امرأة متصوفة، وأمرها أن تقول للحلاج‏:‏ إن الله قد ائتمنك على سر من أسراره فأذعته؛ فأذاقك طعم الحديد‏!‏‏!‏ ‏(‏ماسنيون‏.‏ وانظر نشرات الصوفية‏)‏‏.‏
وهذه الروايات كلها تدل على أن أفراد الطائفة في القرن الثالث الهجري كانوا على علم باطني واحد قد تفاوتوا في إظهاره وإعلانه‏!‏‏!‏
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-25-2010, 11:00 PM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
طريق الوصول إلى العلم الباطن
ولقد ظن كثير من الناس أن هذا العلم الباطني كان نتيجة للصلاح والتقوى، والمداومة على التسبيح والذكر، فداوم على هذا وسار في طريقهم زمانًا عله يظفر بما يظفرون به، ولكنه لم يصل إلى شيء، من هؤلاء من يحدثنا عنه أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء يقول ‏(‏ج4 ص358‏)‏‏:‏ ‏"‏حكي أن شاهدًا عظيم القدر من أعيان أهل ‏(‏بسطام‏)‏ كان لا يفارق مجلس أبي يزيد البسطامي فقال يومًا‏:‏ أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر ولا أفطر، وأقوم ولا أنام، ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئًا، وأنا أصدق به وأحبه‏!‏
فقال أبو يزيد‏:‏ ولو صمت ثلاثمائة سنة، وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة‏!‏‏!‏ قال‏:‏ ولم‏؟‏ قال‏:‏ لأنك محجوب بنفسك‏.‏ قال‏:‏ فلهذا دواء‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ قل لي حتى أعمله‏.‏ قال‏:‏ لا تقبله‏.‏ قال‏:‏ فاذكره لي حتى أعمل‏.‏ قال‏:‏ اذهب إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك، وانزع هذا اللباس، واتزر بعباءة، وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزًا، واجمع الصبيان حولك، وقل‏.‏‏.‏ كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل السوق، وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك، وأنت على ذلك‏!‏‏!‏
فقال الرجل‏:‏ سبحان الله، تقول لي مثل هذا‏؟‏ فقال أبو يزيد‏:‏ قولك‏.‏‏.‏ ‏"‏سبحان الله‏"‏ شرك‏!‏‏!‏ قال‏:‏ وكيف‏؟‏ قال‏:‏ لأنك عظمت نفسك، فسبحتها، وما سبحت ربك‏.‏ فقال‏:‏ هذا لا أفعله، ولكن دلني على غيره‏.‏ فقال ابتدئ بهذا قبل كل شيء‏.‏ فقال‏:‏ لا أطيقه‏.‏ فقال‏:‏ قد قلت لك‏.‏‏.‏ إنك لا تقبل‏.‏‏.‏‏!‏‏.‏‏"‏
والعجيب أن أبا حامد الغزالي يعقب على هذه القصة بقوله‏:‏ فهذا الذي ذكره أبو يزيد هو جزاء من اعتل بنظره إلى نفسه‏.‏
فهذا الرجل الصالح الذي صام دهره وأقام ليله، يرجو الوصول إلى علوم القوم، وما جاءه خاطر، ولا مرّ به هاتف، تعجب من هذا وشكا إلى أبي يزيد، فقال له‏:‏ لن تصل إلى شيء لأنك محجوب بنفسك‏.‏ ومعنى ذلك أنه يرى أنه القائم بالعبادة فيرى نفسه عابدًا لله، وعقيدة الصوفية تعتقد أن الله قد أقامك فيها، وأنه اختارها لك، وتلك إرادته، ولا إرادة لك معه، وبالمقابل لا بد أن تعتقد أن الله قد أقام العصاة في معاصيهم، والكفرة في كفرهم، وإبليس في إغوائه ‏(‏كما مرّ بنا في كلام الحلاج‏)‏، وكذلك أيضًا قال أبو يزيد لذلك الرجل عندما قال‏:‏ سبحان الله‏:‏ سبحان الله شرك‏.‏ ثم قال له‏:‏ كيف‏؟‏ قال‏:‏ لأنك نزهت نفسك عن فعل السوء، ولم تنزه الله الذي يفعل السوء ويريده، ويقيم الناس فيه، فقد عظم الرجل نفسه في عقيدة أبي يزيد وطائفته عندما امتنع عن عمل يقوم الله به ويريده ويحبه‏!‏‏!‏
ولهذا أمر أبو يزيد البسطامي ذلك الرجل ليصل إلى هذه الحقيقة الصوفية أن يفعل بنفسه ذلك الفعل المرعب، وبهذه الوسيلة التي تعتبر مجاهدة في عرف التصوف سيتحقق يقينًا بهذا العلم الباطني، وهو أن الكون على هذا النحو مراد لله سبحانه، ولذلك قالوا‏:‏ ‏"‏أقام العباد فيما أراد‏"‏‏!‏‏!‏
ولا شك أن الخطأ في فهم قضية القضاء والقدر قد جرت البلايا والفتن على كثير من الناس، والعياذ بالله، والسبب في ذلك أنهم لم يستطيعوا أن يفرقوا بين علم الله الأزلي سبحانه وتعالى، وما سطره من مقادير الكون وفق هذا العلم، وأنه سبحانه يعلم ما سيكون كيف يكون، وبين الاختيار والمشيئة للعبد التي جعلها الرب ـ تبارك وتعالى ـ أساسًا ومناطًا للتكليف والحساب‏.‏ فللعبد مشيئة خاصة يوقع بها الفعل الذي يريده، ولكنه لا يوقعه جبرًا على الله ورغمًا عنه ‏"‏وسيأتي لقضية القضاء والقدر رسالة مستقلة إن شاء الله أرجو عون الله في إتمامها‏"‏‏.‏
فالطاعة بتوفيقه وهدايته، والمعصية بإذنه سبحانه ومشيئته، إذ لا يقع في ملكه إلا ما شاء، وهو سبحانه وتعالى القادر على منع الكافر من الكفر، والفاجر من الفجور، ولكنه الابتلاء والاختيار والتكليف‏:‏ ‏{‏ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏99‏]‏، وقد جعل سبحانه وتعالى الهداية حقًا عليه لمن جاهد في سبيلها، قال تعالى‏:‏ ‏{‏والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 69‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏6‏]‏‏.‏ وجعل سبحانه وتعالى الضلال أيضًا ثمرة للسعي في طريقه، والحيدة عن هدى الله‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 110‏]‏‏.‏
وقال ـ عز وجل ـ‏:‏ ‏{‏ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ ‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 30‏]‏‏.‏ إلى آخر الآيات التي تدل على أن الرب ـ تبارك وتعالى ـ لا يعجل الشر ابتداء، ولكنه يعاقب به جزاء، وسبحانه وتعالى أن يبدأ الإنسان بالشر، تعالى ربنا عن ذلك علوًا كبيرًا‏.‏
فهؤلاء لم يفهموا هذه العقيدة الشرعية التي بينها الله في كتابه أتم البيان، وشرحها رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غاية الشرح‏.‏ ظنوا ـ وخابت ظنونهم ـ أن الشر والمعاصي والفجور مرادة الله ـ تبارك وتعالى ـ إرادة حب وقبول ورضى، فقالوا ما قالوا، ولم يعلموا أنها مرادة لله أن تقع في ملكه فقط، فليست تفعل من فاعليها رغمًا عن الله سبحانه وتعالى، وعجزًا عن دفعها ومنعها، وحاشاه ربنا سبحانه وتعالى عن ذلك، ولكنها إرادة وقوع، ومشيئة إذن وسماح، ووراء ذلك كله العقوبة لأهلها في الدنيا والآخرة، والمذمة واللعنة والطرد والإبعاد لأهلها، وحاشا الله أن ينسب هذا إليه ‏[‏والشر ليس إليك‏]‏ ‏(‏هو جزء من حديث رواه مسلم في ‏(‏صحيحه ـ6/57ـ59 بشرح النووي‏)‏ وأبو داود ‏(‏760‏)‏ وأحمد وغيرهم، وأوله‏:‏ ‏(‏وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا‏.‏‏.‏‏)‏ وهو من أدعية استفتاح الصلاة المأثور عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏)‏‏.‏
أقول إن هؤلاء المتصوفة لما لم يفهموا هذه الحقيقة الشرعية، رأوا أن فعل الكفرة والفجرة موافق للرب في إرادته ومحبته، وكذلك قال الحلاج عن إبليس وفرعون‏:‏ إنهما عرفا الحقيقة، وأنهما قائمان بأمر الله في ذلك، ولهذا ما سجد إبليس، وما آمن فرعون إلا بأنه هو الله، ولهذا أيضًا ما رجع هو عن قوله‏.‏
والعجيب بعد هذا كله أن المتصوفة الذين جرهم سوء الفهم لقضية القضاء والقدر إلى هذه العقيدة الباطلة، والمعتقد السيء، زعموا أنهم وصلوا إلى هذا الفهم عن طريق الكشف والعلم اللدني والفيض الرحماني ‏(‏العلم اللدني نسبة في زعمهم إلى قوله تعالى عن الخضر‏:‏ ‏{‏وعلمناه من لدنا علما‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 65‏]‏‏.‏ وهو بمعنى الفيض عندهم، ويعنون بكل ذلك انفتاح علم الغيب وحقائق الدنيا والآخرة عليهم‏!‏‏!‏‏)‏، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أوحى إليهم بهذا‏.‏
وبعد أن قدس المتصوفة الأقدمون علمهم الباطن على هذا النحو، وأظهره بعضهم بذلك الوضوح، وجعلوا علم الشريعة المنزلة على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ علمًا خاصًا بالعوام، وجعلوا علمهم الباطني علمًا خاصًا بالخواص يتلقى رأسًا عن الله بطريق انكشاف حجاب الغفلة ـفي زعمهمـ لم يكتف المتأخرون منهم بهذا التقسيم، بل غالوا إلى أن جعلوا علوم الشريعة مرحلة فقط لعلمه الباطني، وجزموا بأن من وقف عند علم الشريعة، وتقيد بظاهره فقط فلا ينجو من الآخرة، بل هو غافل عن دين محمد، شأنه شأن الكافرين‏.‏
يقول الشيخ عبدالغني النابلسي ‏(‏وهو كما ترجم له صاحب ‏"‏الأعلام‏"‏ من كبار العلماء المتأخرين، له مصنفات كثيرة جدًا في علوم الشريعة والتصوف والأدب، ولد ونشأ في دمشق، وتوفي بها سنة 1143هـ يقول فيكتابه‏:‏ ‏"‏الفتح الرباني والفيض الرحماني ص133‏"‏‏)‏‏:‏ ‏"‏فكل من اشتغل بالعلوم الظاهرة، ولم يعتقد أن وراء ما هو ساع في تعلمه من الفقه والحديث والتفسير حقائق وعلومًا باطنة، رمزها الشارع تحت ما أظهر من هذه الرسوم هي مقصودة له، لأنها المنجية عند الله تعالى، فهو غافل عن الله تعالى، جاهل بدين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ داخل تحت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخر هم غافلون‏}‏‏"‏ ‏[‏الروم‏:‏ 7‏]‏‏.‏ ا‏.‏هـ‏.‏
وقد ساغ في كلام الشيخ كما ترى أن يستدل بالآية السابقة على أن علوم الشريعة من الفقه والحديث والتفسير، العلم بها كالعلم بظاهر الحياة الدنيا‏.‏ والغفلة بها عن العلم الباطني كالغفلة بعلوم الدنيا وزخرفها عن حقائق الآخرة‏!‏‏!‏‏.‏
الذنب عند النابلسي
لقد كتب الشيخ عبدالغني النابلسي هذا الكلام في كتابه الفتح الرباني، وقد قال في مقدمته‏:‏ إنه يكتب كتابه هذا مترجمًا عن الإلقاء الرحماني له مباشرة، وبغير وساطة، فهو وحي أو إلهام أو كشف حسب ما يدعيه، قال النابلسي في تعريف الذنب حسب العلم الباطني‏:‏
‏"‏اعلم أن الذنب له حقيقة متى علمت علم سره، ومتى علم سره علم جهره، وله حال ومقام، وله أقسام، وأنا أتكلم لك الآن في ذلك بحسب الوارد ترجمة عن الإلقاء الرحماني‏"‏‏.‏
فالنابلسي عندما قرر في ‏(‏ص133 من كتابه الفتح الرباني‏)‏ أن علوم الشريعة لا تنجي وحدها من عذاب الآخرة، بل لا بد أن يدخل المتعلم إلى الحقائق والعلوم الباطنية التي ذكرت في الشريعة بالرمز فقط، ولم ينص عليها نصًا؛ وذلك لينجو من عذاب الله يوم القيامة، عندما قرر النابلسي كل ذلك فإنما قرره ترجمة عن الإلقاء الرحماني في زعمه، ولم يقرر ذلك إجتهادًا ورأيًا‏!‏‏!‏
ولعلك أخي القارئ تحب أن تقف على نماذج من هذا الإلقاء الرحماني على الشيخ عبدالغني النابلسي، لتعلم الحقيقة الباطنة التي أرادها الله، وأرادها رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في زعم القوم ـ والتي تكلم الله ورسوله عنها بطريق الرمز في زعمهم، والتي فهمها وعقلها، بل نزل الفيض الرحماني والفتح الرباني بها على الشيخ عبدالغني النابلسي‏!‏‏!‏
يقول الشيخ في بيان حقيقة الذنب‏:‏
‏"‏وأما الذنب بحسب باطن الأمر الإلهي المسمى الحقيقة فهو‏:‏ الموافقة للرب سبحانه وتعالى في شيء مما أراد بنفسه من نفسه بعد وصول التبليغ عن نفسه بنفسه إلى نفسه، ويرجع ذلك إلى تعيين وجود العبد‏"‏ ا‏.‏هـ‏.‏
‏(‏ونفسه‏)‏ هذه التي تكررت في العبارة خمس مرات هي مضمون وحدة الوجود، فالله نفسه هو المريد، وما أراد شيئًا بغيره، وإنما أراد بنفسه، والمبلّغ عنه هو الرسول، وهو الله نفسه في زعمهم، والمبلغ إليهم هم البشر، وهم الله نفسه أيضًا ـ في زعمهم ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا‏.‏
وحتى لا يظن القارئ أن تفسيري هذا تجن على الرجل أنقل نص عبارة الشيخ النابلسي في تفسيره للفقرة السابقة‏.‏ يقول‏:‏ ‏"‏ما ثم إلا ذات وصفات، وصفات صفات، وهي الأفعال، ومنفعلات وهي العالم فالأول هو المعبود، والثاني الموصل إليه وهو الوساطة، والثالث هو العابد، والرابع هو العائق والمانع، والأول مرتبة الله تعالى، والثاني مرتبة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والثالث مرتبة المؤمنين، والرابع مرتبة الشيطان، وهذه الأربعة في الحقيقة شيء واحد، لكنه تنزل وتفصل، فظهرت له هذه الأطوار وتعددت وجوداته‏"‏ ‏(‏الفتح ص51‏)‏‏.‏
فهذا شرح واضح لوحدة الوجود التي ينقلها الشيخ عبدالغني النابلسي عن شيخه الأكبر ابن عربي، فليس في الوجود عندهم إلا الله، وهذه الموجودات المشاهدة جميعها صفاته، تعددت وتنوعت لتعرب عن الصفات الكثيرة التي يتصف بها الرب في زعمهم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا‏.‏ وهو حسبنا ونعم الوكيل‏.‏
فالمعبود والرسول والمؤمنون والشياطين كلهم بنص النابلسي شيء واحد، ولذلك فالذنب عند النابلسي هو ‏"‏الموافقة للرب سبحانه‏"‏ وهذا راجع بنص كلامه إلى ‏"‏تعين وجود العبد‏"‏‏.‏ ويشرح النابلسي ‏"‏تعين الوجود‏"‏ هذا بقوله‏:‏
فمن تعين عنده وجوده مع الله تعالى ظاهرًا أو باطنًا فقد أفحش، وبغى وقال ما لم يعلم ‏(‏كذا‏!‏‏!‏‏)‏ وذلك لأن التعينات في الوجود الحادث إنما هي لبيان امتياز المحضرات الصفاتية، لتنفصل مجملاتها، وتبين كمالاتها، وليست المغايرة أمرًا مقصورًا، وإنما لزمت من ظهور حقائق بعض الصفات كالغفور والحليم والمنتقم بوساطة تحقق الذنب‏.‏
قال الجنيد‏:‏ ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات سمعتها، وأنا مار ببعض الطرقات منها‏:‏
وإن قلت‏:‏ ما ذنبي إليـــك‏؟‏ ** أجبتني‏:‏ وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
‏(‏الفتح ص49‏)‏
فالذنب عند النابلسي بمقتضى كلامه السابق هو أن يظن العبد أن له وجودًا مستقلًا عن وجود الله‏!‏‏!‏ ومن ظن ذلك فقد أفحش وبغى، وقال ما لم يعلم، واستدل على ذلك ببيت الشعر الذي سمعه الجنيد‏.‏
ويبالغ النابلسي أكثر من ذلك، فيزعم أن حال الذنب هو القرب من الله، وليس البعد منه‏.‏ ولذلك يقول بالنص‏:‏
‏"‏فالمذنب في حال ذنبه أقرب إلى الله منه في حال طاعته‏"‏‏!‏‏!‏
الفرق بين الصديق والزنديق
وقد أوضح النابلسي هذه العقيدة الباطنية أكثر من ذلك عندما عقد فصلًا مطولًا قارن فيه بين الزنديق والصديق، وكانت خلاصة هذا الفصل أن الزنديق من يرى أن كفره وفسقه صادر منه فقط، وأنه مستقل بهذا الكفر‏.‏ وأما الصديق فهو من يرى أن كل أفعال العباد صادرة من الله سبحانه ـتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًاـ وأن المؤمن والكافر والفاسق والبار ما هم جميعًا إلا مظاهر مختلفة لحقيقة الرب الموجود وحده، واستدل على ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏3‏]‏، فالمؤمن عنده والكافر من خلق الله، ولا فرق بين هذا وذاك، ومن عرف هذه الحقيقة فهو الصديق، ومن جهلها وظن أن الكافر يصنع كفره، ويخلق فعله، ويستقل بأمر نفسه فهو الزنديق‏!‏‏!‏‏.‏
ويحسن أن أنقل كلامه في هذه المسألة بنصه حتى تتضح صورة هذه العقيدة الباطنية وضوحًا لا شك فيه‏.‏ يقول الشيخ النابلسي‏:‏
‏"‏واعلم أن الأديان كلها التي في العالم بالنسبة إلى المتدينين بها من الخلق تنقسم إلى قسمين‏:‏ دين واحد حق وهو الإسلام، وأديان جميعها باطلة، وهي ما عدا دين الإسلام‏.‏
وأما بالنسبة إلى الخالق سبحانه وتعالى فجميع الأديان الباطلة والصحيحة مخلوقة له تعالى، وهو خالقها، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وله أسلم من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏83‏]‏، أي انقادوا إليه طائعين في حق المؤمنين، ومكروهين، لأنه لا خالق غيره، في حق الكافرين‏.‏
فمن نظر إلى ما يظهر من كلا الفريقين، وقال‏:‏ إن جميع ذلك صواب وحق فهو الزنديق، ومن لم ينظر إلى ما يظهر من كلا الفريقين، وإنما نظر إلى يد الله العليا التي فوق أيديهم جميعًا، واعتقد أن جميع ما يصدر منها صواب وحق فهو الصديق، والفرق بينهما دقيق‏.‏ لا يدرك إلا بعناية من الله تعالى وتوفيقه‏.‏
فربما يظهر الصديق في حلية الزنديق، وربما يظهر الزنديق في حلية الصديق، وموقع النظر واحد، وهو الخلق‏.‏ فمن نظر إلى الخلق وقال‏:‏ إنهم كلهم على الصواب‏:‏ فإما أن ينظر إليهم من حيث صدورهم عن الصانع القديم، ويقول ذلك فهو الصديق‏.‏ وإما أن ينظر إليهم من حيث ذواتهم ويقول ذلك فهو الزنديق‏.‏
وسبب ذلك أن من نظر إليهم من حيث صدورهم عن الصانع القديم، فحكم بالتساوي بينهم، لأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏3‏]‏، ‏(‏انظر كيف قطع النابلسي هذا المقطع من الآية عن موضعه، فبدل معناه، وموضعه هكذا‏:‏ ‏{‏الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 3‏]‏‏.‏ والتفاوت المقصود هنا هو التفاوت في خلق السماوات والأرض، لا في فعل البشر، لأن كل عاقل يعلم أن فعل البشر متفاوت، فكم بين الإيمان والكفر من تفاوت‏!‏‏!‏‏)‏ ‏{‏الله خالق كل شيء‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏18‏]‏، فلا يكلف إلى الفرق والتمييز حينئذ، وهو صادق في حكمه بذلك التساوي، لأنه مأمور بالإيمان بذلك‏.‏
وأما من نظر إليهم من حيث ذواتهم، وما هم عليه من الأحوال، فحكمه بالتساوي بينهم خطأ محض وجهل‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏35‏:‏ 36‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار‏}‏ ‏[‏ص‏:‏28‏]‏‏.‏ وإنما يكلف إلى الفرق والتمييز حينئذ، وهو كاذب في حكمه بالتساوي بينهم، قد يشتبه كلام الصديق بالزنديق، والقصد هو الفارق، ويعرف ذلك من كلام آخر في موضع آخر كقول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ‏(‏رضي الله عنه‏)‏ من أبيات الفتوحات المكية‏:‏
عقد البرية في الإله عقائدًا ** وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
ومراده جميع ما اعتقدوه من حيث صدور ذلك عن الصانع القديم، فإن جميع ذلك آثار دالة عليه تعالى، لا من حيث صدور ذلك عن المعتقدين لأنها من حيث هم دالة عليهم لا عليه، وعقيدة أهل الاختصاص فيها الغفلة عن الآثار، والنظر إلى المؤثر، يعلم ذلك في مواضع شتى في كلامه‏"‏ ‏(‏الفتح ص85ـ86‏)‏‏.‏
وبهذا النقل المطول عن الشيخ النابلسي تتضح أمامنا الآن صورة العقيدة الباطنية التي سعى القوم إلى غرسها وبنائها، وأنها التحقق ـ في زعمهم ـ من أن الموجودات ما هي إلا مظاهر لحقيقة واحدة هي الله، وأن الأفعال لا تتفاضل ولا تتناقض إلا بالنظر إلى الخلق، وأما بالنظر إلى الله الفاعل الحقيقي ـ في زعمهم ـ فإنما هي شيء واحد يدل على ذات واحدة‏.‏
وبهذه العقيدة هدموا جميع الأديان، وأبطلوا جميع الشرائع واستحلوا كل المحرمات، وهذا الذي أقرره هنا لا أقرره أيضًا استنباطًا واجتهادًا، وتحميلًا لألفاظ القوم ما لا تحتمل، فقد مر بك بيت
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الصوفية .. المذهب الصوفي .. عادات المذهب الصوفي واصوله دموع الملائكة منتدى الأديان والمذاهب المعاصرة 2 11-03-2009 07:49 AM
~{ الشمــاعيـــون ~ الجزء الأول ~ ✿Bĕllă ЯǾşā }●~ تطوير الذات - غير حياتك إلى الأفضل 12 07-07-2009 12:18 PM
البداية ( الجزء الأول ) فــارس الحـ§§§ــناء مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 2 09-09-2006 09:23 AM
][®][^][®][الحجامة --- الجزء الأول ][®][^][®][ Dr^az3ar مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 0 09-09-2005 03:32 PM

الساعة الآن 02:32 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103