تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

][خطب من المسجد الحرام][

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-03-2010, 12:34 AM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

][خطب من المسجد الحرام][(1)




بسم الله الرحمن الرحيم




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

==================



][خطب من المسجد الحرام][(1)


=================






التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 07-03-2010 الساعة 12:55 AM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2010, 12:35 AM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
خطبة المسجد الحرام - 12 ربيع الأول 1431 -
الفجور في الخصومة -
الشيخ سعود الشريم


الحمد لله المبدئ المعيد الفعال لما يريد، أنزل القرآن المجيد فيه وعدٌ ووعيد وترغيبٌ وتهديد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً أرجو بها النجاة من الوعيد، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بشَّر الرشيد وحذر العنيد ودل على كل أمرٍ حميد؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الغرِّ الميامين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:
فإن وصيتي المبذولة لكم – عباد الله – هي تقوى الله ولزوم الجماعة وصفاء القلوب، والفكاك من العوالق البغيضة التي تورث الإحن وتوقظ الفتن وتذهب بلُبِّ المسلم، وإياكم والاختلاف والفرقة فإنهما يهلكان الأمم ويأكلان الأخلاق كما تأكل النار الحطب: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [ الشورى: 10].

أيها الناس:
إن الخصومة بين الناس أمرٌ واقعٌ لا محالة بينهم إلا من رحم ربي؛ لأن كثيرا من الخلطاء لَيبغي بعضهم على بعض إلا الذين آ منوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم..

والأصل في الناس - عباد الله - عدم الاختلاف والخصومة، غير أن ذلك قد طرأ منذ أن قتل أحد ابني آدم الآخر فانقلبت الحال ليصبح الخلاف والخصومات أمرا لا مناص منه، ثم إن النسبية تحكمه بين الحين والآخر بحسب قرب الناس من شريعتهم وبعدهم عنها.

والخصومة مع الأعداء أشد منها مع الأصدقاء، وهي بين الأقران أشد منها مع الأبعدين، وفي الجيران أشد منها بين الأسرة الواحدة، وبين أبناء العمومة أشد منها بين الأشقاء، وهكذا بين الأقرب فالأقرب دواليك.

ولأجل هذا عباد الله جاءت الشريعة الغراء ذامةً للخصومة فاضَّةً للنزاع محذرةً من التجاوز فيهما والخروج عن الإطار المشروع لهما، وهو طلب الحق لتجعل مَنْ تجاوز ذلكم ممن التاث بسمة من سمات المنافقين؛ وهي الفجور في الخصومة الذي هو الميل وتجاوز الحد والحق.

وإنه لمن المعلوم أن واقع الناس إما عبادات أو معاملات، ثم إن المعاملات إما أن تكون نيةً أو قولا أو عملا، ومن تجاوز الحد في هذه الأمور الثلاثة أو أخل بها ففيه من النفاق العملي بقدر الذي حصَّله منها، وجماع ذلكم هو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "آيةُ المنافِقِ ثلاث: إذا حدَّثَ كَذَب، وإذَا وعَدَ أخْلَف، وإذا اؤتمِنَ خَان"؛ رواه البخاري ومسلم، وفي رواية - وهي التي تعنينا هنا -: "وإذَا خَاصَمَ فَجَر".

فالفجور في الخصومة هو ثلث المعاملات؛ لأن القول يقابله الكذب والفجور في الخصومة، والنية يقابلها إخلاف الوعد، والعمل يقابله خيانة الأمانة.

الفاجر في الخصومة - عباد الله - هو من يعلم أن الحق ليس معه فيجادل بالباطل؛ فيقع فيما نهى عنه الله - جل وعلا - بقوله: {ولاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

قال بعض السلف: "هذا في الرجل يخاصم بلا بينة ويعرف أن الحق عليه".

الفاجر في الخصومة - عباد الله - يسبق لسانه عقله وطيشه حلمه وظلمه عدله، لسانه بذيء وقلبه دنيء، يتلذذ بالتهم والتطاول والخروج عن المقصود.
الفاجر في الخصومة يزيد على الحق مائة كذبة، وترونه كالذباب لا يقع إلا على المساوئ، ينظر بعين عداوة لو أنها عين الرضا لاستحسن ما استقبح، لا يعد محاسن الناس إلا ذنوبا، فيالله، كيف يعتذر من هذا الغر؟! ترونه آكالا للأعراض همَّازًا مشاءً بنميم معتديا أثيما، له طبع كطبع الدود لا يقع على شيء إلا أفسده أو قذَّره.
الفاجر في الخصومة - عباد الله - لا أمان له ولا ستر لديه، فيه طبع اللئام؛ فإن اختلفت معه في شيءٍ حقير كشف أسرارك وهتك أستارك وأظهر الماضي والحاضر.

فكم من صديقٍ كشف ستر صاحبه بسبب خلف محتقر، وكم من زوجة لم تُبقِ سرًّا لزوجها ولم تذر بسبب خلف على نقصان ملح في طعام أو كسوة أو نحو ذلك.

ولما كان النفاق لؤما صار الفجور في الخصومة ثلث هذا اللؤم؛ فيجمع دمامة طبع ولؤم لسان، وكذلك اللؤم تتبعه الدمامة.

ليس العيب في مجرد الخصومة؛ إذ هي واقعٌ لا مناص منه في النفوس والعقول والأموال والأعراض والدين؛ إذ من ذا الذي سيرضى عنه الناس كلهم؟ ومن ذا الذي إذا رضي عنه كرام الناس لم يغضب عليه لئامهم؟

والعجب كل العجب - عباد الله - أن بعض الناس يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والزنا والظلم والسرقة وغير ذلكم ويصعب عليه التحفظ من لسانه.

وكم نرى من مترفع عن تلكم الفواحش والآثام ولسانه يفري في الأعراض ولا يبالي ما يقول؛ فيبغي على خصمه.. والله - جل وعلا – يقول: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة - علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها - وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل، والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -".

ولذا - عباد الله - فإن الفاجر في الخصومة ليس لديه حدٌّ ولا ضابط فيها، غايته تبرر وسيلته، سواء أكان هذا الفاجر في الخصومة في باب الحقوق أو العقائد أو الأخلاق.

ومن نظر إلى واقع المسلمين اليوم، وما يكون فيها من التراشق المقروء والمرئي والمسموع لَيجد لذلك أشكالا وألوانا ويسمع رجع صدى لهذه المعرة؛ لتصبح ثقافة طالب العلم أو الصحفي أو الإعلامي أن الخصومة تبيح التطاول ليصل إلى النوايا ولينشر المستور، ويصبح الحاكم الوحيد على مثل هذه القلوب المريضة هو عين الرضا التي تستر القبيح أو عين العداوة التي تستقبح الإحسان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

قد قلت ما قلت إن صوابا فمن الله وإن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفارا.


الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصم كما صح بذلكم الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين وغيرهما، والألد هو: الأعوج في الخصومة بكذبه وزوره وميله عن الحق.

ومن هذه حاله فقد شابه من أرادهم الله بقوله: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} [مريم: 97]؛ أي: مجادلون بالباطل ومائلون عن الحق في الجدال والخصومة.

وقد ذكر بعض السلف أن من أكثر في المخاصمة وقع في الكذب كثيرا؛ ولأجل هذا قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى -: "مَنْ جعلَ دينَهُ عُرضةً للخُصومات أسْرعَ التَّنقُّل "؛ أي لم يستقر على منهج معين ولا مبدأ واضح.

قال الحافظ بن رجب - رحمه الله -: "إذا كان الرجل ذا قدرةٍ عند الخصومة - سواء كانت خصومة في الدين أو في الدنيا، على أن ينتصر للباطل ويخيل للسامع أنه حق ويوهن الحق ويخرجه في صورة الباطل - كان ذلك من أقبح المحرمات وأخبث خصال النفاق".

وفي "سنن أبي داود": عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ خَاصَمَ في باطِلٍ وهو يعلمُه لم يزلْ في سخَطِ اللهِ حتَّى ينْزِع".

ولذا؛ فإن اللبيب العاقل - عباد الله - ليس هو الذي يميز بين الخير والشر في الخصومة فحسب لأن كثيرا من الناس يملك هذا التمييز، ولكن اللبيب حقا هو من يميز في مثل هذه الأمور خيرَ الخيرين وشر الشرين، وما سقط من سقط في الخصومات الدينية والدنيوية العقدية والفكرية الثقافية والإعلامية إلا بسبب الجهل بهذا الأمر العظيم، ولقد أحسن من قال
إنَّ اللَّبِيبَ إذَا بَدَا لهُ مِنْ جسْمِه مرضَانِ مختلفَانِ دَاوَى الأخْطَرَا


وفي التاريخ من صور العدل والإنصاف في الخصومة والاختلاف ما لا يحصى عده، ونضرب لذلكم بمثلين في الاختلاف العملي والعقدي:
ففي الاختلاف العلمي: نجد بعض شراح "صحيح البخاري" يعلق على مسألة قد وافق البخاري فيها رأي الحنفية فيقول: "وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل".

ومثل الاختلاف العقدي هو: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - مع الرازي المشهور الذي وقع في ضلالات عقدية ومنكرات منهجية؛ فخصه شيخ الإسلام بكتابٍ بلغ عشرة مجلدات يرد فيه على ضلالاته.

ومع ذلك فقد قال عنه شيخ الإسلام: "ومن الناس من يسيء الظن به - أي بالرازي – وهو أنه يتعمد الكلام بالباطل وليس كذلك، بل تكلم بحسب مبلغه من العلم، والنظر والبحث في كل مقام بما يظهر له".

فلا إله إلا الله! ما أعظم العدل والإنصاف في الخصومة والاختلاف، وما أدنأ الظلم والفجور والتجني فيهما!

ولقد أحسن من قال:

وإنَّ خِيَارَ النَّاسِ مَنْ كانَ مُنْصِفًا صَدُوقًا لبِيْبًا صَانَهُ الدِّيْنُ فَانْزَجَرْ

وَإِنْ شِرَارَ النَّاسِ مَنْ كَانَ مَائِلًا عَن الحقِّ إنَّ خَاصَمْتهُ مرَّةً فَجَرْ





هذا، وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة؛ فقد أمركم الله بأمر بدأ فيها بنفسه وثنى بملائكته المسبحة بقدسه وأيه بكم أيها المؤمنون؛ فقال - جل وعلا -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيما} [الأحزاب: 56].

وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: "مَنْ صلَّى عليَّ صَلاةً صلَّى الله عليهِ بهَا عشْرَا".

اللهم صلِّ وسلِّمْ وزدْ وبارِكْ على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة - أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر صحابة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك ياأرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك ياأرحم الراحمين.

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين.

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته ياذا الجلال والإكرام.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا يا ذا الجلال والإكرام.

ربناآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
==================













بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2010, 12:38 AM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
خطبة المسجد الحرام - 5 ربيع الأول 1431 -
الفتنة والإبتلاء سنة جارية في الأولين والآخرين -
الشيخ صالح آل طالب

=========================
الحمد لله الذي له الجلال والجمال والكمال، له الأسماء الحسنى والصفات العلا وهو الكبير المتعال، أنعم على خلقه بشرعه، وجعل القلوب مخاطبات بوحيه، فمنها ما اطمأنت ومنها التي ولت فولاَّها – سبحانه – ما تولت، ومنها التي دلت ثم زلت فمنه - سبحانه - يُرجى الثباتُ في الحياة وعند النزع وفي القبر بعد الممات، أحمده – سبحانه – وهو للحمد أهلٌ، وأسأله العفو والصفح وهو ذو المنة والفضل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارَكَ عليه – وعلى آله وصحبه أجمعين.


أما بعد:
فاتقوا الله – تعالى – حق التقوى، وأخلصوا له في السر والنجوى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

حقيقٌ بمن اتقى الله أن يعلم أن يعلم أن لله يوما تُكَعُّ فيه الرجال، وتُنسَف فيه الجبال وتترادف الأهوال وتَشهَد الجوارح والأوصال، وتُبلى السرائرُ ويُكشفُ ما في الضمائر؛ فرحم الله من عمل لآخرته ولم تُلْهه الدنيا عن الآخرة الباقية.

أيها المسلمون:
لما خلق الله الأرض ودحاها ووضع فيها زينتها وقدَّر فيها أقواتها أسكنها خلقه من الجن والإنس، وحتى يتم نعمته ويقيمَ حجته والى فيهمُ النبواتِ وأنزل فيهم الشرائع وبعث إليهم الرسالات، وجعل الهدى والنور الذي جاء به الأنبياء هو تاجُ نعمه وذروةَ سَنامِ فضله، فلا زينةُ الدنيا ولا ممالكُ الأرض ولا خيراتُ الحياة ولا كنوزُها تَعدِل نعمةَ الهدى والنور الذي جاء به رسل الله من لَدُنْه؛ إذ كيف تساوي هداية السماء بمتاع الأرض؟! وكيف يقايس ما عَاقِبتُه الحسنى وجنةُ الخلد بما مآله الفناءُ والزوال؟!

وجعل الله حملةَ ميراث الأنبياء ومعتنقي شِرْعة السماء هم خيار أهل الأرض في الأرض؛ فهم الذين خالط وحيُ الله شغافَ قلوبهم، واستضاءوا بنور الله في دروبهم، وهم الذين ذلت جوارحهم وانقادت نفوسهم لشرع الله.

عباد الله:
ولما كان دينُ الله عزيزاً وشريعته غالية، فإنه لا يستحق حملَها إلا خيارٌ من خيار، فكانت الابتلاءاتُ والمحن تعرض للمؤمنين والأذيةُ والفتن تحيط بالمصدقين حتى لا يبقى على الدين إلا من يستحقه وليعلم الله الذين صدقوا.

الفتنة والابتلاء سنة جارية في الأولين والآخرين.

بسم الله الرحمن الرحيم: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1- 3].

إن الإيمان ليس مجرد كلمة تقال، بل هو حقيقة ذات تكاليفَ وأمانةٌ ذات أعباء وجهادٌ يحتاج إلى صبر، والله – تعالى– يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء، ولكنَّ الابتلاءَ يكشف في عالم الواقع ما هو معلومٌ لله – تعالى – فيحاسب الناس على ما يقع من عملهم؛ فهو فضل من الله وعدل وتربيةٌ للمؤمنين وصقل.

والفتن والابتلاءات أنواعٌ وصور:{وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]، فمنها السراء والضراء، ومنها الفتنة بانتشار المنكرات وغلبة الأهواء، وكثرة الدعاة على أبواب جهنم وكثرة الاختلاف، وخلط الحق والباطل، ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله ثم لا يملك النصر لنفسه ولا المنعة، ومن الفتنة أن يعيش المؤمن بدينه كالغريب بين الناس؛ قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "بَدَأَ الإسْلامُ غرِيبًا، وسَيَعُودُ غرِيباً كَمَا بَدَأ؛ فَطُوْبَى لِلْغُربَاء"؛ رواه مسلم.

أيها المسلمون:
الحديث عن الثبات وقت المحن والصبر في البلاء والفتن حديثٌ موجه إلى عموم المؤمنين من الأخيار والصالحين والدعاة وطلبة العلم والمحتسبين حين يتسرب الوهن والإحباط إلى بعض المسلمين، ويرون تسلط الأعداء والمرجفين، ومن يُشعل فتيل الخلافات ويثير النزاعات ويطرحون الأفكار الغريبة المشتتة.

وإذا كان أثرُ العلماء والمصلحين ظاهراً في تسكين الناس، وتثبيتهم على الحق حين الشدائد وكثرة الفتن؛ فإن ثمة مرجفين يجدون في أوقات ضعف الأمة وتكالب الأعداء عليها فرصاً لترويج باطلهم وتشكيك الناس في عقائدهم؛ يسخرون من الدين ويلمزون المطوعين من المؤمنين، ويُسهمون في إحباط الأمة وتخاذلها وتمييع مبادئها لتضييع هويتها.
لا تحْذُوا حذَو عصابةٍ مفتونةٍ يجدون كل قديمٍ أمراً منكرا
ولَوِ اسْتَطَاعُوا في المجَامِعِ أنْكَرُوا مَنْ مَاتَ مِنْ آبَائِهِم أوْ عُمِّرَا
منْ كلِّ مَاضٍ في القدِيمِ وهَدْمِهِ إِذَا تقَدَّمَ لِلْبِنَايةِ قَصَّرَا
أيها المسلمون، أيها الأخيار والصالحون:
لقد قص الله علينا في كتابه، وروى لنا رسوله في سنته من سِيَر الأمم السابقة وأتباع الديانات السالفة، وقوة اطمئنان القلب لما جاء عن المرسلين على كثرة الصوارف وشدة بأس المخالف ما يبين معه أن إيمانهم لو وُزِنَ بالجبال لرجح بها، فهذا يُنشَرُ بالِمنشار من رأسه إلى قدميه ما يتزحزح عن دينه، وأولئك تُخدَّد لهم الأخاديدُ فتُسجَر بالنار ثم يقذفون فيها.

كما ضرب لنا نبينا محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – وصحابتُه الكرام أروعَ الأمثلة في الثبات على الدين؛ مما أوصل لنا الدين كاملا والعقيدة نقية صافية حتى اعتنقها ملايين البشر وعمَّتِ السهلَ والوعر.

وفي كل زمان فتنٌ وابتلاءات، ومع ذلك يبقى الدينُ ويبقى الخير، وفي زماننا هذا - ويالزماننا!! زمنِ زلزلة المفاهيم وخلخلةِ الثوابت وتقلبِ الآراء وانتكاس المبادئ، زمنِ إعادة النظر في كل شيء دينيٍّ وإِرْثٍ عقديٍّ، زمنِ السخرية من الدين وأهله وانتقاص الشريعة وحَملتِها، حتى كثر المتساقطون على الطريق واستحكم اليأس في بعض النفوس؛ فصار الباعثُ على إعادة النظر في بعض أحكام الشريعة المستقرة ليس دليلا راجحا أو مأخذاً واضحاً، إنما الباعث ضغط الواقع أو اتباع الهوى ومسايرةُ الناس.

أيها المسلمون، أيها المؤمنون، أيها الأخيار والصالحون:
المؤمن لا يهن ولا يحبط ولا يستكين ولا ييأس ولا يستوحش من الطريق لقلة السالكين، ولا ينظر إلى الهالك كيف هلك، بل ينظر إلى الناجي كيف نجا.

إننا اليوم أحوجُ ما نكون إلى الفأل والعمل والبشارة وتحفيز الهمم ومعرفة السنن، سنن الله في أوليائه وأعدائه، سنن الإدالة والنصر والمد والجزر؛ حتى يطمئن مؤمن ولا يغتر فاجر، ولئلا يكون كثرة الباطل مدعاةً لليأس والقنوط، وقد قال الله - تعالى - لنبيه – صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]، وقال: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، وقال – سبحانه -: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [الأنعام: 116].

لا يجوز أن يضعف صاحب الحق أو يهين؛ فإن لهذا الدين إقبالا وإدبارا وامتداداً وانحسارا ضعفٌ وقوة وفرقة واجتماع وغربة وظهور وابتلاء، وتمكين ينطق بذلك وحي السماء ويؤيده تاريخُ البشر.

وفي الخبر المتفق عليه؛ قال هرقل لأبي سفيان: "هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف الحرب بينكم؟ قال: سجال، يُدال علينا مرةً ونُدَالُ عليهِ أخرى، قال: كذلك الرسلُ تُبتَلَى ثم تكونُ لهمُ العاقِبة".

حكمةٌ بالغة وسنةٌ ماضية: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43]، {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].

أخرج الترمذي بإسناد صحيح: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "يأتي على النَّاسِ زمَانٌ الصَّابرُ فيهِم عَلى دِينِه كالقَابِضِ على الجَمْر"، وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم قال: "ويلٌ للعرَبِ منْ شرٍّ قد اقترَب؛ فِتنًا كقِطعِ الليل المظْلمِ يُصبحُ الرَّجلُ مؤمِنًا ويمسي كافرا؛ يبيعُ قومٌ دينَهُم بعَرَضٍ منَ الدُّنيا قليل، المتمسِكُ يومئذٍ بدينِهِ كالقَابِضِ على الجمر" أو قال: "على الشَّوك "؛ حديث صحيح رواه الإمام أحمد.

إنها ابتلاءاتٌ وإدالات، والشدائد كاشفات لأصحاب النفوس كبيرة، والذين لا تزيدهم إلا صبراً ويقينا وحزماً وعزما.

إخوة الإسلام، إخوة الإيمان:
إننا بحاجة إلى تجديد الإيمان في قلوبنا وفي أعمالنا؛ سيَّما في وقت الشدائد والفتن: معاني الإيمان واليقين وحسن الظن بالله والتسليم، والصبر، وصدق الولاء، والتضرع لله والدعاء، وحسن المجاهدة وتهذيب النفوس وإصلاحها، والعبودية لله والاستعانة به وحسن التوكل عليه، والعمل بجدٍّ وفأل، وتوحيد الصف وجمع الكلمة، ومدافعة الباطل بلا يأس.

وكل هذه المعاني حققها المؤمنون السابقون في مُثُلٍ تُقوِّي العزائم وتشحذ الهمم، واقرأوا ما قص الله في القرآن من سيرة الرسل الكرام حتى قال الله – تعالى – في الختام: {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120].

قال الماوردي – رحمه الله –:" أي نقوي به قلبك وتسكن إليه نفسك؛ لأنهم بُلوا فصبروا، وجاهدوا فظفروا". انتهى كلامه -رحمه الله -.

واقرأ في سيرة الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – وكيف كان الفأل والعمل في أحلك الظروف والمواقف:
فيبشر بظهور الدين وهو طريدٌ بين مكة والطائف - كما أخرجه ابن سعد في (الطبقات) - ويعِد سُراقةَ بسواريْ كِسرى وهو مُطاردٌ في الهجرة، وتحاصر المدينة بعشرة آلاف مقاتل وتنقض اليهود عهدها؛ فيبشر ببشارته الثلاث عند ضربه الصخرة التي عرضت – كما في صحيح البخاري -.

ودرج الصحابة – رضي الله عنهم – وتربَّوْا على هذه المثل، فهذا أبو بكرٍ الصديق – رضي الله عنه – يقف في أحلكِ المواقف حين ارتدتِ العربُ ووقف جيش أسامة بين خطر الروم وبلاء المرتدين، فيثبت أبو بكرٍ وحده حتى يثبِّت الله المؤمنين، وينفِد للروم جيش أسامةَ، ويقاتل المرتدين في اليمامة، ويحفظ الله الدين بمواقف المؤمنين.

إن الثبات يحتاج إلى عزيمةٍ وجد وإيمانٍ ويقين.

أيها المؤمنون:
وللدعاء أثرٌ عظيم في الثبات والنصر، والاستعاذة من الفتن واردة في الصحيحين، وفي الحديث المتفق عليه: "وأعُوذُ بِكَ مِنْ فتنةِ المحيَا والممَات".

وما انتصر النبي – صلى الله عليه وسلم – في بدر حتى سقط رداؤه من على منكبه دعاءً وتضرعا.

والعلم النافع يميِّز به المسلمُ بين الحق والباطل حين تلتبس الأهواء، والسير في ركاب جماعة المسلمين أمنٌ من الفتنة، كما في حديث حذيفة المُخرَّج في الصحيحين.

ومن سيماء المؤمنين:
التثبتُ من الأخبار خاصة فيما يتعلق بالدين وحملته، أما التَّخوُّض في الباطل واعتماد أخبار الفساق والاتكاء على الحكايات والقصص الغريبة فذلك شأن الجهلة والغوغاء.

عباد الله:
إن مرحلة الضعف والانحسار تدعو إلى إعادة بناء الأمة وتسهم في مراجعة حالها مع ربها، وكلما اشتدت الفتن وتلاحقت كلما اشتدت الحاجة للعبادة حيث ينشرح صدر المؤمن ويطمئن قلبه، ويحرسه الله من وسوسة الشياطين وإغوائهم.

والعبادة وقت الفتن هي وصية النبي – صلى الله عليه وسلم – لأمته حيث قال: "بادِرُوا بالأعمالِ الصالحةِ فتناً كقِطعِ الليلِ المظْلِم يصبحُ الرجلُ مؤمِناً ويُمسِي كافِرا"؛ رواه مسلم.
وقال – صلى الله عليه وسلم -: "العبادةُ في الهَرْج كهجرة ٍإليَّ"؛ رواه مسلم.

فرقٌ بين من يتخوض في لُجَّة الفتن وبين من يركن إلى الله - تعالى - ويهاجر بقلبه إليه، ويتملق بين يديه ويدعو إلى سبيله ويسعى إلى الإصلاح وتسكين الفتن وتثبيت الناس على الحق ودلالتهم عليه، فرق بين من ينشر الخير ويزكيه وبين من ينشر العيوب والإحباط والتثبيط.

إنها سلبية لا تليق بالمسلم، ومن قال: "هلك الناس فهو أهلكهم"، والمؤمن - أبداً - قائم على سفينة المجتمع ألا تكثر خروقها، وليس عليه إلا السعيُ: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117].
لقد قيل لمن هو خيرٌ منا: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48].
وقال من هو خيرٌ منا: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [هود: 88].

والمسلم يلزم نفسه بمجالس الصلاح ويهرب من مواطن الريَب والفساد: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28].

وجماع كل الوصايا، وجماع كل الوصايا ما وصى الله – تعالى – به رسوله محمداً – صلى الله عليه وسلم – في آخر سورة الحجر؛ حيث قال الله – سبحانه -: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ * كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 87 – 99].

إن النبي – صلى الله عليه وسلم – بشرٌ لا يملك أن يضيق صدره وهو يسمع الشرك بالله والاستهزاء بدعوة الحق فيغار ويضيق بالشرك والانحراف؛ لذلك يؤمر بالتسبيح والحمد والعبادة والثبات حتى يأتيه الأجل، فيُعرِض عن الكافرين ويلوذ بجوار الرب الكريم؛ ويؤمر بالصدع والبيان لأن الصدع بالحق والجهر به ضرورةٌ في الدين لتتنبهَ الفطرة الغافلة وتتعلمَ الأمم اللاهية: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42].

أما جعلُ العقيدة والشريعة عضين يُعرض جانب ويُوارى جانب مراعاةً للجماهير وأهواء الناس فهذا خلاف ما أُمر به الرسول – صلى الله عليه وسلم -.

والصدع بالحق لا يعني الغلظة المنفرة ولا الخشونة والتعالي، كما أن الدعوة بالحسنى لا تعني إخفاء الحق وكتمانه إنه البيان الكامل في حكمةٍ ولطف، ولينٍ ويسر: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}[الحجر: 88].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بسنة سيد المرسلين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله - تعالى - لي ولكم.

الخطبة الثانية
الحمد لله، الحمد أول كتابه وآخر دعوى أحبابه ساكني دار ثوابه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له توحيداً وتقديساً لجنابه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.

أما بعد أيها المسلمون:
فإن الصبر وصية الله للرسل والأنبياء والصلحاء والأولياء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153].

الصبر رفيق الدرب حين تظلم الدنيا، والصبر منحةٌ من الله للثبات على الحق، وحين يغتر الدهماء بالباطل إذا تكاثر واستشرفت له النفوس وتطاولت له الأعناق: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90]، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].
الصبر هو الواحة الخضراء لمن فقد الظل في الصحراء، وفي خطاب الله لرسوله الكريم: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34].
وبعد أن ذكر الله قصة نوحٍ – عليه السلام – والذي دعا قومه عشرة قرون حتى نصره الله قال الله – تعالى – لنبيه: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49].

وبعد المعارك الطاحنة في سورة (آل عمران) ونزال المشركين وجدال الكتابيين وذكر أحوال المنافقين ختم الله السورة بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].

وإذا علم الله صدق النوايا وتميز الصابرون الصادقون وانقطعت العلائق بأسباب الأرض وتعلقت بالله القلوب تحققت سنة الله: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110].

وأخيراً:
{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الزخرف: 43].

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن الأئمة الخلفاء - أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي - وعن صحابة نبيك أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم هيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة.
اللهم من أرادنا بسوء فأشغله في نفسه ورد كيده في نحره، واجعل دائرة السوء عليه يارب العالمين.
اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخْرِجْ أمة نبيك محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – من بينهم سالمين.
اللهم ادفع عنا شر الأشرار وكيد الفجار وشر طوارق الليل والنهار، اللهم ادفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم احقن دماءهم وآمنهم في أوطانهم، وأرغد عيشهم، واجمعهم على الحق والهدى يارب العالمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم انصر المستضعفين من المسلمين، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كل مكان يارب العالمين، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويُهدى فيه أهل معصيتك، ويُأمر فيه بالمعروف ويُنهَى فيه عن المنكر ياسميع الدعاء.

اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ربنا اغفر لنا ولولدينا ووالديهم وذرياتهم ولجميع المسلمين، اللهم اغفر ذنوبنا، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسر أمورنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.

اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحًّا غدقًا طبقًا مجللا نافعًا عامًّا غير ضار ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام، اللهم تسقي به العباد وتحيي به البلاد وتجعله بلاغاً للحاضر والباد.

اللهم سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام. ياحي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام. ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

====================













بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2010, 12:42 AM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
خطبة المسجد الحرام - 28 صفر 1431 -
الدفاع عن الأوطان الإسلامية -
الشيخ عبد الرحمن السديس


======================

إن الحمد لله، نحمده - تعالى - سرًّا وجهارًا، ونشكره على مننه شكرًا مدرارًا، سبحانه عز إلهًا منتقمًا جبارًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تعلي للدين منارًا وتحفظ منا ذمارًا، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، أعزَّ به الإسلام شِرعةً ودارًا. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه المصطفين إيثارًا وآثارًا، والتابعين ومَن تبعهم بإحسان يرجوا تبوءًا في جنان الخلد وقرارًا، وسلم تسليمًا مديدًا مدرارًا.


أما بعد فيا عباد الله:
اتقوا الله - تبارك وتعالى - اتقوه خضوعًا وامتثالاً، بكرًا وآصالاً؛ تُحقِّقوا عزًّا وجلالاً وسؤددًا وكمالاً: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} [الطلاق: 5].

أيها المسلمون:
استنباءً لمعاقل الفطرة وسني القيم، واستنطاقًا لمشارق العلياء والشَّمم، من معين شريعتنا الغرَّاء وعبابها، ومضامينها الباهرة في مقاصدها وآرابها - ندرك جليًّا بأنها باركت الفِطَر السليمة، والنفوس المستقيمة، المعتصمة بدينها، التوَّاقة لديارها، النَّزاعة لمنازلها وأقطارها؛ لأن المغاني تعبق برحيق الأمجاد، وتؤرِّج الأشواق في صميم الفؤاد.

لذلك امتدحت الشريعة الربانية الذابِّين الأُباة، واستنفرت الصادقين الكُماة - أن يَهبُّوا دفاعًا عن أوطانهم الإسلامية أن تُنتَهك، وأعراضهم الشريفة أن تُستَلَب، من أي باغٍ معتسِّف، أو طائش الحجا مُنْكَسِف؛ لأن البغي ممقوتٌ في كلِّ نفْس، مُستبشَعٌ في كلِّ عقل..

فأوْلى بشريعة الرحمة والعدل والعصمة والأمن أن تبُكَّه، ومن شأفته أن تدكَّه، وإِنْ جشَّم ذلك المشاق، وأظهر الأعناق، في شَمَمٍ وحَمِيَّة، ومعاطِسَ تَعافُ الدَّنِيَّة.. برهان ذلك ورسمه قوله - جلَّ اسمُه -: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} [الشورى: 39].

والأوطان – يا عباد الله – أسمى من أن تُفسَّر بالتُّراب والطِّين، بل هي حِمى العقيدة والدين، والجوهر الثمين، من المحارم والمكارم التي جمعها الدين القويم؛ فلله ما أبهى المكان وأروع المكين! ولله حقُّ الدِّين وما أعظمه، وحقُّ الذِّمار وما ألزمه!

أيها المؤمنون:
وفي هذا الأوان، الذي ذوت فيه جُذوة الإيمان، لدى فئةٍ باغية كبَّلها المكرُ والبهتان، بل انمحقت منه خِلال النُّبْل والأصالة والعرفان، ولم يبالوا بحسن الجوار وإن ماد، أو تُنتهك حدودٌ آمنةٌ كِئاد، بمكرِ باغٍ وعادٍ ممن حاولوا - وبئس الصنيع الشنيع - التسلل لهذا الغيل، فارتكسوا في مستنقع الغدر وهانوا، وعلى حقوق الجار تمردوا ومالوا، وذلكم هو الجرم المبير، والإفك والتكبير..

فأين حِجا المعتدِي ورشاده؟ وأين منه عقلُه وسدادُه؟

لوْ كانَ ذَا رأْي لقدَّر أمرَهُ ولَعَادَ عنْ إرهابِهِ وتَأثّمَ
أوْ كَان ذَا عقْلٍ لَصَانَ لجارِهِ حقًّا وبادَلَه الْوَفاءَ وعظَّمَ
أَتراهُ يجْهَلُ قدْرَ مهبِطَ وحْينَا سبْحَان مَنْ منحَ العُقُولَ وقسَّمَ



إخوة العقيدة:
ومما تأكد بجلاء، لدى النَّصَفَة بلا مِراء، أن الواهمين بالتسلل عبر حدودنا الشمَّاء، قد توطَّنهم البغي وقطن، وما أظهروا من حقد وغدر أقلُّ مما بطن، وكلا أن يطمحوا لسلامٍ في وطن، أو يتعشَّقوا هناءً في زمن، أو استدرارًا لآلاءٍ ومِنن، كيف وقد سعوا في أرضهم بالفساد؟! وامتنُّوا في مجتمعهم بالعناد، متقصِّدين بؤرَ الخَتَل والزَّيْف، ونافوقاء القَنْص والدسِّ والحَيْف، يريدون لترابط الأشقاء أن يتنافَر، ولعِقْد تآخيهم أن يتناثر.. ولكن هيهات هيهات.


ومُخَاتِلٍ يُبْدِي انفعالَ مخَاتِلٍ متبسمًا وضمِيرُه مُتجهِّمُ

وتُرِيدُ صِدْقًا مِنْ سَجِيَّةِ جَائِرٍ؟! وَمَتَى أَفَادَ الشَّهْدَ يَومًا عَلْقمُ؟!



ولوْ أنهُم عمَّرُوا في دُوْرِهم مَا مِنْهَا دمَّرُوا ورصفُوا ما منها نسفُوا، وسَعَوا في بناءِ عقولِهِم وأرواحِهم لكَانَ لهم أنفعُ ولمجتمعِهم أوْلى وأرْفَع.

معاشر الأحبة:
ويتملَّك الغيور الدَّهَش والعَجَب أن يناوِش وُضعَاء الخِلال قممَ الجبال والأبطال، فبقاعٌ شريفةٌ فيحاء قَضى لها الباري – سبحانه – بعزِّ الإسلام، وتحكيمها شرعَ الملك العلاَّم، ألاَّ تبأس ولا تضلّ، ولا تهِن ولا تذلّ.. أليست هي مُتَنَزَّل القرآن، وموئل الأمن ومأرِز الإيمان، ومهد البطولات والفتوحات، ومبعَث المكرُمات والغُيوثات؟

هي درَّةُ الأوطَانِ بالدِّينِ الَّذي أهْدَى لها عزَّ المقام وأكْرمَ

هي قرَّةُ البُلدانِ خارِطَةُ المدَى تغلُو القلُوبَ هدًى وتُسْقَي زَمْزمَ


تلتاع الدنيا بأمصارها وأقطارها فلا تجد الركن الشديد، والرأي الحصيف السديد، والعمل الصالح الرشيد، إلا في رياضها الفيحاء المنوَّرة.. دامت عن كيد الأعداء محفوظةً مسوَّرة.. بل كيف يفكر هؤلاء الأفدام ولهذه الديار في قلب كل مسلم حبٌّ في السويداء مسطور، وفي كل جيلٍ تأريخٌ منشور، وكل هيجاء لواءٌ منصور، وفي كل غفرٍ فَنَنٌ مندور، ومجدٌ أخاذٌ منظور.

هنا العقيدةُ والتوحيدُ رائدُها آيُ الهدَى وإليهَا تنظُرُ المُقلُ

هنا الإخاءُ تراءَى في أصَالتِه هُنا الوفاءُ هنَا الإيمانُ والمُثلُ


أيها الأخوة الأماجد:
وليس ذلك انتشاءً وإذلالاً، بل إبراهًا لمَن تناساه من الكاشِحين، فهذا الكيانُ النَّظيم – بحمد الله – لا يُضمر لأحدٍ حقدًا، ولا ينقض عهدًا، بل يُقايض مَن سالَمه برًّا وودًّا.. لكنه صارمٌ بتَّار لمَن رامَ منه خدشًا أو إِدًّا.


لا نبْتغِي الظُّلمَ أوْ نسْعَى لمطلبِه فَحَدُّ جيرانِنَا مَا مُسَّ بِالضَّررِ

وإن أتَى ظالمٌ يبغِي مرابِعَنا فَحَتْفُهُ عنْدَنا نُصْلِيه في سَقَر



أمة الإسلام:
وبعد أن كتب الله النصر المبين، والظفر والتمكين، واجتُثَّت من المتسلِّلين أصولهم، وفُلَّت نُسُورهم، وارتدُّوا إلى جحورهم والهزيمة تستعر في نحورهم، وانقلبوا بخناجرهم في حناجرهم، نلهج بالشكر والثناء.. نلهج بالشكر والثناء للباري - جل وعلا – كما نرفع تحيةً شذيّة، مكبَّرة ذكيَّةً، مكرَّرةً معطرة.. تحية إجلالٍ واعتزاز، وثناءٍ وفخر بامتياز، إلى جنودنا الأشاوس، ورجال أمننا كُمَاة المتارس من أزكى المغارِس، المرابطين على ثغورنا الأبيَّة، من فتيةٍ طاف الجلال بمجدهم.. عشقوا العلا ورحابة الميدان، لكم السلام مطيبًا وتحية من هائمٍ بمناعة الأوطانِ.

فيا حُماة العرين، وأُباة العِرنين:
طِبتم وطاب جهادكم ودفاعكم، وهنيئًا لكم قول المصطفى – صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قَاتلَ في سبِيلِ اللهِ فُواقَ ناقة؛ وَجَبَتْ لهُ الجنَّة))؛ أخرجه أبو داود والترمذي، من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما.

تِلكَ الجزِيرةُ أرضُها وسمَاؤها حرَمٌ على مَنْ رَامَ أنْ يَتصَيَّدَا

في القَاذِفَاتِ النَّافِثَاتِ بَوَاشِقٌ فَوقَ الحُدُودِ لمَنْ تسلَّلَ أوْ عدَا


كتائبَ البطولة وحواري الرجولة:
بوركتم، ووُفِّقتُم وأُجِرتم، إذ سهرتم فنِمْنا، وذُدتُم فأمِنَّا، في استبسالٍ لا يعرو منَّا، خُضْتُم المكاره والمعامِع؛ فوَجَب علينا لكم الدعاء بفيض المدامِع.. كيف وما منكم إلا وذائدٌ عن الحِمَى وحاميه، ومشتريه بمُهْجَتِه وفاديه، رقيًّا في معارج العظمة والمجد، أو وُلُوجًا – بإذن الله - في جِنان الخلد..

فطوبى لكم قول المصطفى الحبيب – عليه الصلاة والسلام -: ((عيْنانِ لا تمسُّهُمَا النَّار: عينٌ بكَتْ مِنْ خشيةِ الله، وعينٌ باتَتْ تحْرُسُ في سبيلِ الله))؛ أخرجه الترمذي وصحَّحه.

واحْتَمَلْتمْ ما تبُثُّ الأفَاعِي مِنْ سمُومٍ حوْلنَا قدْ تخِيلُ

غيْرَ أنَّ الله أمْضَى قضَاه أنَّ كيْدَ الماكِرينَ فلِيلُ


فلتَهْنِكم المرابطة في سبيل المولى الجليل، ولتنعموا دومًا بالفضل الجزيل، والثواب الكَميل.

أخرج البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((رِبَاطُ يومٍ في سبِيلِ اللهِ خيرٌ مِنْ الدُّنيا ومَا علَيهَا)).

للهِ دُرُّ مُرَابِطِينَ بِذِكْرِهِم قَدْ أنجدَ الخبَرُ الصَّحِيحُ وأتهمَ

هُمْ جُندُنا لم يجبُنُوا لما رأَوْا وجْهَ البُغَاةِ على الحدُودِ تَجَهَّمَ


وحسبكم أيها الأفذاذ المرابطون شرفًا وفخرًا الاستشهاد في ساحات النِّزال والجهاد، وأن الدِّماء الزكيَّة التي عَطَّرْتُم بها ميادين العزِّ والبسالة أوسمةٌ على صدر هذا الكِيان، وغرةٌ في جبين الزمان، وستُدوَّن في طروس التأريخ بمِداد النور والغِبْطَة والابتهاج والحُبُور: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ... } [آل عمران: 169 – 170].

ولله درُّكُم من كتائٍب نجائد، عُدَّتكم وسلاحُكم إيمانُكم وصلاحُكم، ونَبْلُكُم نُبلُكُم، وكنانتُكم أمانتُكم، مُبتغاكم السَّامي الفريد مرضاة ربِّكم، مرضاة مولاكم ربّ العبيد، وطاعة وليِّ أمركم العتيد، وتطهير حدودِنا من كل مستأذِبٍ رِعديد.

فعلى قلاع جبال الجود نقشتم أروع كِفاحات المجد والصُّمود، وتِلْكُم هي جواهر العقيدة التي حققتموها فَهمًا شاملاً، وشعورًا وهَّاجًا عاملاً، في أحلى ولاءٍ وأوفاه، وأشرف وفاءٍ وأحْفَاه..

فيا بشراكم، ويا بشرى البلاد والعباد بكم.


أبطالُنَا وهُمُ أحادِيثُ الندَى ليسُوا علَى أوطانهم بشِحَاحِ

صبَرُوا علَى مُرِّ القِتالِ فأَدْرَكُوا حُلْوَ المنَى مَعْسُولةَ الأقْدَاحِ



{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].

بارك الله لي ولكم في الكتاب المبين، وفي سُنَّة سيِّد المرسلين، وحِمى ديارنا من كيد الكائدين، وحقد الحاسدين، وبغي المعتدين، ووفَّق رجال أمننا أجمعين، وكتب شهداءَنا في أعلى عِلِّيِّين، إنه نِعم المولى ونِعم النصير والمعين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل خطيئةٍ وإثم؛ فاستغفروه إنه كان غفارًا، وتوبوا إليه إنه كان توَّابًا.

الخطبة الثانية

الحمد لله ولي المتقين أحمده – تعالى – وأشكره حمدًا لا يتناهى ولا يَبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب النصر لعباده المؤمنين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله الزكيِّ الأمين، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آل بيته الأطهار الميامين، وصَحْبِه البالِغين بالقددِ ذُرا التَّمكين، والتابعين ومَن تَبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

أما بعد:
فاتقوا الله – عباد الله – واستدركوا سوابق الحَوْبات بلواحِق التَّوبات، يَكُنِ العزُّ رَدِيفكم، والتَّمكين والنصر حليفكم.

إخوة الإيمان:
وجديرٌ بنا ونحن نرشف – بحمد الله – من النصر أعذب الأفاوِيق، ونَعُبُّ من الظَّفْر أهنأ رحيق، ألا تُزيدنا تلك الزوبعة الرّعناء إلا صمودًا في الحقِّ، ونُصرةً لقضايا مجتمعنا وأمَّتنا، وسَدادًا في الأمور، وسِدادًا للثغور، وثقةً في وعد الله بالنصر لدينه وأوليائه: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، وألا يطوِّح بنا نكران الإحسان، والتربُّص دون تَوَان، في شَعَثَات اليأس والإحباط؛ فديننا دين الأمل والقوة التي تستوجب الهيبة والاحترام.. لا الإرهاب والإرهاب والإجرام، وأن تُرسَّخ العقيدة الإيمانية لدى النشء والأجيال، في تمازج مع الحَمِيَّة الدينية والنخوة الوطنية، وفق الضوابط الشرعية المقاصِدِية، في توسُّطٍ واعتدال، التي يعانق فيها الوطن الإسلام، تَعانُق الأَلِف واللاَّم.. في ارتكاز على العلم المتين، والفكر المتأصِّل المكين، والأخلاق المؤتنقِة، والفضيلة المؤتلِقة.

ألا فلتسلمي ديارَ التوحيد، شامخةً في قوة وأَيْد.. سالمةً من كل مكرٍ وكيد.. حائزةً لكل برٍّ وخير.. منيعةً عن كل سوء وضَيْر، تُغادِيك المِنَن الباطنة والظاهرة، والأمجاد والانتصارات الباهرة.

ولازلت للأمة الإسلامية العين الحانية الباصرة، واليد الطُّولى الناصرة، والركن الوثيق، والشقيق الشفيق.

فهل يعي بعد ذلك الدروس والعِبَر أهل البغي والمكر الغُدر، ويروم حينئذ الفوز والظفر؟!


ماذَا يظنُّ المعْتدِي؟ أَيظُنُّها ستمدُ كفًّا بالزُّهورِ إذَا رَمَى

مَنْ أضْرَمَ الفِتنَ العِظَامَ مُكَابِرًا فَلَسوْفَ يلْقَى الموْتَ فِيمَا أضْرمَ



فلله الحمد والشكر على النصر المؤزر الأثير، وسلامة الثغور والتطهير.

أحبتنا الأكارم:
بيد أن استبشارنا بنهاية هذه الأحداث، وما مَنّ الله به علينا من تطهيرٍ للإحداث،ص لا ينبغي أن يُنسينا قضايا أمتنا؛ لاسيما قضيتنا الكبرى (قضية فلسطين والأقصى) وما يلفُّها في هذه الآونة بالذات من مآسٍ واعتقالات، وتعدياتٍ واستطالة سافرة، في الهدم والحصار والاعتداءات، واستمرارٍ للضربات والغارات؛ مما أوصل الأسى مداه، وبلغ من السَّيْل زُباه..

لذا، وبراءةً للذِّمة، وإعذارًا للأمة، وقبل أن تستيقظ الأمة على سَلْب مُقدَّساتها ونهب مُقدًّراتها؛ نناشد قادةَ المسلمين وأصحاب القرار في العالم - من منبر المسجد الحرام.. من جوار الكعبة وزمزم والمقام - التصدي بكل قوةٍ وحزم لوقف التهديدات الصهيونية، والتَّنكيلات اليهودية للإنسانية، ضد إخواننا في فلسطين وقدسنا السليب، ورفع الظلم عنهم والحصار، والتصدِّي لما يلقونه من يهودٍ من مكرٍ كُبَّار..

مع كل ذلك متفائلين مع كل ذلك - بإذن الله - بالنصر المؤزَّر القريب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين} [الأنفال 45 – 46].

هذا، وصلُّوا وسلِّموا – رحمكم الله – على نبي المرحمة، وقائد الملحمة، سيد ولد آدم غير مُدافَع، وخير من ذبَّ عن الدين ودَافع.. كما أمركم المولى العزيز الحميد في القرآن المجيد، فقال – تعالى - قولاً كريمًا: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].


صلَّى عليْه وسلَّمَ الله الذي أعْلاهُ ما لبَّى الجمِيعُ وأحْرَموا

وعلَى قَرَابتِهِ المقَرَّرِ فضْلُهُم وعلَى صحَابَتِهِ الَّذينَ هُمُ هُمُ
جَادُوا عُلُوًّا ضاءوا حمَوا زَانُوا هَدُوا فَهُم علَى السِّتِّ الجهاتِ الأنجُمُ
قُلْ لِلْمُعَاتِبِ إذْ تَعجَّلَ إنَّهُ ما شكَّ في قَدْرِ الصَّحابةِ تيِّمُ
قُلْ لِلْمُعَاتِبِ إذْ تَعجَّلَ إنَّهُ ما شكَّ في قَدْرِ الصَّحابةِ تيِّمُ



اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا - خادم الحرمين الشريفين - اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفقه وولي عهده ونائبه الثاني وإخوانهم وأعوانهم إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد.

اللهم إنا نسألك النصر المؤزر لإخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان يارب العالمين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين على الصهاينة المعتدين، اللهم عليك بأعدائك فإنهم لا يعجزونك، اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم واجعلهم عبرة للمعتبرين، واجعلهم هم وأموالهم غنيمة للمسلمين.

اللهم وفق رجال أمننا، اللهم وفق رجال أمننا والمرابطين على حدود وثغور بلادنا، اللهم وفقهم وأعنهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ارحم شهداءهم، اللهم تقبل شهداءهم، اللهم عاف جرحاهم واشف مرضاهم ورد مفقودهم ياحي ياقيوم، اللهم احفظهم اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم ونعوذ بعزتك أن يغتالوا من تحتهم ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت. أنت الغني ونحن الفقراء. أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدرارا.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك التواب الرحيم، واغفر لنا ولولدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات.

بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2010, 12:44 AM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
خطبة المسجد الحرام - 26 ربيع الأول 1431 -
تحذير أرباب الأموال من طغيان الثروات -
الشيخ أسامة خياط
====================


الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه .

أما بعد ..
فاتقوا الله عباد الله ، وتزودوا بخير الزاد ليوم المعاد .

أيها المسلمون : لقد منَّ الله على المسلمين .. لقد من الله على الموفقين من عباده إلى مرضاته بهذه النفس اللوامة التي أقسم بها سبحانه في قوله لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (1-2 سورة القيامة) ..
وهي التي تلوم صاحبها على الخير حيث لم يستثمره وعلى الشر حين يتردى فيه ، وتحثه على الإقلاع عنه والنفرة منه ..
وصاحب هذه النفس مرهف الحس يقظ الضمير حي القلب ، هو من نفسه في راحة إذ يجنبها موارد الهلكة ، والناس منه في عافية إذ يسلمون من بوائقه وغوائله ..
وعلى العكس من ذلك صاحب القلب المتحجر والحس الغليظ .. فإنه لو أقدم على كل موبقة واجترح كل خطيئة واقترف كل إثم ما طرفت له عين ولا تحرك له فؤاد ولا أحس بندم ؛ ولذا كان مثله وبالا على نفسه وخطرًا على غيره ..
أما وباله على نفسه فمن حيث أنه يمضي حياته ويبدد أيامه غافلا عن ربه متبعا هواه معرضا عما سواه ، وأما خطره على غيره فمن حيث أنه يعيش لنفسه فيحجب خيره ويمنع رفده ؛ لا سيما حين يكون من أهل الجدة وأصحاب الثورة وذوي اليسار .. فتطغيه الثروة ويبطره الغنى وتُنزَع الرحمة من قلبه ويصم أذنيه ويغمض عينيه عن كل ما جاء من تشريع يضمن التكافل والتضامن بين أبناء المجتمع المسلم ويبلغ بالتراحم والتعاطف بينهم مبلغا عظيما .. كان طابعًا بارزا وعلامةً فارقة بين هذا المجتمع وبين غيره من المجتمعات ..
فقد وصف - سبحانه - المؤمنين بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ، وجاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود بسننه والترمذي في جامعه بإسناد صحيح : عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " الرَّاحمونَ يرحمهُم الرَّحمن ، ارحموا مَنْ في الأرضِ يرْحَمْكُم مَنْ في السَّماء " ، وفي الحديث أيضا عند الشيخين في صحيحيهما : عن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - أنه قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " مَنْ لا يرْحَم النَّاسَ لا يرْحَمهُ الله " .

فإذا ذكر بهذه المعاني أعرض عنها ونأى بجانبه زاعما أن من حقه التصرف في ماله كيف شاء ، ولا سلطان لأحد عليه لأنه جمعه بجهده وقدرته وخبرته .. فكان شأنه في ذلك شأن قارون الذي جعله الله - تعالى - مثلا لأهل الجدة واليسار الذين تحجرت قلوبهم وانطمست بصائرهم وغُلَّت أيديهم إلى أعناقهم ؛ فقص الله خبره ليكون عبرة الأبد وعظة الأيام لكل عاقل .. فقال - عز من قائل - : إنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ... (76 سورة القصص) ..
أي إن مفاتح الكنوز لَيَثْقل حمله على الجماعة القوية من الناس ، وحين لم يقابل هذه النعمة بما يليق بها من شكر وما تقتضيه من إحسان إلى الناس كان عاقبة هذا الحجود ومصير هذا التنكر : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81 سورة القصص) .

وكم في الناس من أرباب الثروات من نهج هذا النهج .. من نهج هذا النهج فلم يكن من الشاكرين لربه المحسنين إلى عباده باصطناع المعروف والبذل في ميادين الخير ؛ فتقلبت به الأيام وتجهَّم له الزمان ، ونزلت به النوازل التي أتت على أمواله واستنفدت ثروته .. فغدا من بعد هذا الغنى فقيرا معدما يتكفف الناس ..
وإن في ذلك - ياعباد الله - لعبرة لأولي الألباب تحمل على الشكر للمنعم والإحسان إلى الخلق ، وإن عبدا أتاه الله مالا فاتخذ إلى الله سبيلا بالشكر لربه والإحسان إلى عباده له البشرى بحسن العقبى والتجاوز عما فرط منه من تقصير ..
فقد جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أُتِيَ الله بعبدٍ من عبادِهِ أتاه الله مالا فقال له : ماذا عملت في الدنيا ؟ قال : - ولا يكتمون الله حديثا – قال : أيْ ربي .. آتيتني مالا فكُنتُ أبايعُ النَّاسَ وكان من خلْقِي الجوَاز (أي التسامح) كنت أُيسِّر على الموسِر وأنظِر المُعْسِر ، قال الله - تعالى - : أنا أحقُّ بذلِك منْك .. تجاوزوا عن عبدِي ؛ فأدْخِلْه الله الجنة " ..
وفي رواية للشيخين في صحيحيهما : " أن رجلا لم يرَ خيرًا قطْ إلا أنه كان يُداينُ النَّاس ويقول لرسوله - أي حين يبعثه للتقاضي - : خذ ما تيسَّر واترك ما عثر ، وتجاوز لعل الله يتجاوزُ عنا ، فلما هلك قال الله له : هل عمِلْت خيرًا قطْ ؟ قَالَ : لا .. إلا أنه كانَ لي غلامٌ وكنتُ أُدَاينُ النّاسَ .. فإذَا بعثتُه يتقَاضَي قلت له : خُذْ مَا تيَّسَّر وَاتْرُك مَا عثُر ، وتَجَاوزْ لعلَّ الله يتجاوزُ عنَّا ، قال الله : قدْ تجاوزْتُ عنْك " .

وإنه لَمَسْلك - ياعباد الله - ما أعظمه وما أعظم آثاره ! وما أحسن العقبى فيه ! وما أجمل أن يُتخذ طريقا للإحسان إلى الناس بكل صور الإحسان والتيسير عليهم ورفع الحرج عنهم ؛ لا سيما من إنظار المعسر إلى ميسرة أو بوضع الحق عنه .. فذلك شأن الموفقين الذين يبتغون الوسيلة إلى ربهم بحسن الامتثال وكمال الإنابة وداوم المجاهدة ليبلغوا الغاية من رضوان الله ، ويحظوا بنعيم الجنة الذي أخبر عنه رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - بقوله : " فيها - أي في الجنة - ما لا عَينٌ رأتْ .. ما لا عَينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَرَ " الحديث أخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - .

فاتقوا الله عباد الله .. واذكروا أن من أحسَنَ اليوم إلى عباد الله بتنفيس كرَبِهِم وتفريج ضوائقِهِم ورفع الشدائد عن دواخلهم موعودٌ بإحسان الله إليه يوم القيامة .. ذلك الإحسان الذي جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن : عن أبي هريرة - رضي الله عنه .. عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من نفَّسَ عن مسلمٍ كربة من كُرَبِ الدُّنيا نفَّس الله عنه كربةً من كرَبِ يوم القيامة ، ومَنْ يسَّر على مُعْسِرٍ في الدُّنيا يسَّرَ الله عليهِ في الدُّنيا والآخِرة ، ومن سَتَرَ على مسلمٍ في الدنيا ستر الله عليه في الدُّنيا والآخرة ، والله في عونِ العبدِ ما كَانَ العبْدُ في عونِ أخِيه " .

ولا غرو أن يقرر - سبحانه - إذن جزاء الإحسان بقوله - عز اسمه - : هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60 سورة الرحمن ) .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - .

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ؛ إنه هو الغفور الرحيم .


الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه .

أما بعد ..
فياعباد الله .. أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه بإسناد صحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أنظَرَ مُعسِرًا أو وضَعَ عنه أظلَّه الله يومَ القيامَةِ تحت ظلِّ عرشِهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظلِّه " .
وإن الوقاية من فيح جهنم والاستظلال بعرش الرحمن مغنم ياله من مغنم ، وجزاء طاف وأجر كريم بحفز أهل الجدة واليسار على إنظار كل معسر أو الوضع عنه أملا في الحظوة بهذا الموعود الكريم .

فاتقوا الله عباد الله ، واذكروا على الدوام أن الله - تعالى - قد أمركم بالصلاة والسلام على خاتم رسل الله محمد بن عبد الله .. فقال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56 سورة الأحزاب) .
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد ، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة - أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر الآل والصحابة والتابعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك ياخير من تجاوز وعفا ..

اللهم أعز الإسلام والمسلمين . اللهم أعز الإسلام والمسلمين . اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، واحم حوزة الدين ، ودمر أعداء الدين وسائر الطغاة والمفسدين ، وألف بين قلوب المسلمين ووحد صفوفهم ، وأصلح قادتهم واجمع كلمتهم على الحق يارب العالمين .

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وعبادك المؤمنين المجاهدين الصادقين .
اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ، وهيئ لها البطانة الصالحة ، ووفقه لما تحب وترضى ياسميع الدعاء .. اللهم وفقه ونائبيه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد يامن إليه المرجع يوم التناد ..

اللهم احفظ هذه البلاد حائزةً على كل خير سالمةً من كل شر وسائر بلاد المسلمين يارب العالمين ، اللهم إنا نجعلك في نحور أعدائك وأعدائنا يارب العالمين ، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم . اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ، اللهم إنا نسألك أن تكفينا أعداءك وأعداءنا بما شئت يارب العالمين ، اللهم إن نسألك أن تكفينا أعداءك وأعداءنا بما شئت يارب العالمين .

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير والموت راحةً لنا من كل شر .

اللهم إن نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك ، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين .

اللهم اشف مرضانا ، وارحم موتانا ، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا .

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين .


============================
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2010, 12:47 AM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
خطبة المسجد الحرام - 19 ربيع الأول 1431 -
حسن الخلق-
الشيخ صالح بن حميد

===================

الحمد لله، الحمد لله القائم على النفوس بآجالها العالم بتقلباتها وأحوالها، أجرى على الخلق ما شاء بقدرته ومشيئته ونفذت فيهم أحكامه بتقديره وإرادته، أحمده - سبحانه - وأشكره على سوابغ فضله وجزيل نعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا معقب لحكمه ولا منتهى لحكمته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد االله ورسوله بعثه على حين فترةٍ من الرسل ودروس من السبل فرحم العالمين ببعثته، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى أصحابه وعترته والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على منهاجه وسنته، وسلِّم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله - عز وجل - فاتقوا الله - رحمكم الله - الزموا التقوى بينكم وبين الله، والزموا المجاهدة بينكم وبين أنفسكم، والزموا التواضع بينكم وبين الناس، والزموا الزهد بينكم وبين الدنيا، واعلموا أن الرحمة بالخلق باب الرحمة من الخالق، فالراحمون يرحمهم الرحمن، وتزينوا للعرض الأكبر: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18]؛ فقد خف الحساب في الآخرة على من حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وثقلت موازين قومٍ في الآخرة وزنوا أنفسهم في الدنيا.
ومحاسبة النفس - رحمكم الله - تكون بالورع والتزين للعرض الأكبر بخشية ملك الملوك لا إله إلا هو.
أيها المسلمون:
الأخوة بيننا في الإسلام صفةٌ عظيمةٌ قائمةٌ على الارتباط الوثيق، إخاءٌ تزدهر فيه عراقة النسب الإنساني مرتبطة بحقائق الرسالة الإسلامية وما تفرضه هذه الحقائق من مشاعر ومناهج ومباهج، الأخوة هي روح الإسلام ولب نوره وشرائعه وجماع جماعته وحكومته، إخاء على الوفاء بتعاليم الإسلام والقيام على أحكامه وإنفاذ وصاياه والتزام أخلاقه: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [آل عمران: 103].
إن دين الإسلام - بعقائده وعباداته وأخلاقه - جاء لينقذ البشر والنفس البشرية إلى ميادين فسيحة وعوالم مشرقة من الفضائل والآداب.
وفي المقابل؛ فإن عوم الدين وأحكامه وتعاليمه تضمر وتضعف إذا غلب الهوى وطغى الانحراف وساد ظلم النفوس وظلم العباد.
إن المرء لا يوصف بحسن التدين إذا كان قلبه قاسيا وعقله غاضيا، ولا يوصف بحسن الصلاح من أفسد قلبه الهوى وعبثت بقلبه الخرافة .
التدين الصالح أساسه صحة أجهزة الإنسان - قلبه وعقله ونفسه وجوارحه - وبراءتها وسلامتها من التشويه والانحراف: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22].
والعبادات تبلغ ذروتها إذا أنتجت الخلق العالي والسلوك المستقيم {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]، {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103]، {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
إن محور العبادات هو تزكية النفس وإخلاص السريرة وتحقيق معنى الخضوع الحق لله رب العالمين؛ فلا نجاة ولا صلاح ولا نجاح ولا فلاح إلا بصدق العبودية لله وحسن المعاملة مع خلق الله.
من هو هذا المتدين الذي يقوم بعباداته وهو كالح الوجه بادي الشر قريب العدوان؟ كيف يكون التدين والصلاح إذا كانت رذائل الأخلاق تزخر في النفوس وتمتلئ بها الصدور ليظهر ضررها ويبدو خطرها؟ ولقد علمتم أن المفلس في دين الإسلام: "مَنْ يأتي بصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ، ويأتي وقدْ شَتمَ هذا، وقَذفَ هذا، وأَكلَ مالَ هذا، وسفَكَ دمَ هذا، وضَربَ هذَا؛ فيُعْطَى هذا مِنْ حسناتِهِ، وهَذا من حَسَناتِه؛ فإنْ فَنِيَتْ حسناتُهُ قَبلَ أنْ يُقْضَى مَا علَيهِ أُخِذَ مِنْ خطاياهُمْ فطُرِحتْ عليه ثمَّ طُرِحَ في النَّار"؛ حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم.
أيها المسلمون:
إن إحياء الدين في النفوس وإحياءه في السلوك بإحياء أخلاقه وتوجيهاته يجب أن تجلي حقائق الإيمان جواهر السلوك كما يجلي العبادات ذاك السلوك: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45].
الأخلاق في الإسلام - عباد الله - من أصول الحياة الطيبة، يقول الفضيل بن عياض - رحمه الله -: "أصل الإيمان وفرعه بعد الشهادتين والفرائض: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، والنصيحة للمسلمين"، بل قال أهل العلم: "الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين"، الدين هو الذي يرسم قواعد الأخلاق ويحدد معالمها ويضبط مقاييسها ويمجد مكارمها.
والأخلاق من غير دينٍ عبث، فالدين والأخلاق صنوان لا ينفصلان، وقد صحت الأخبار عن المصطفى المختار سيدنا ونبينا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنَّ أحبَّ عبادِ اللهِ إلى اللهِ أحسنهُم خُلُقا" و" أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا"، و"خَيرُ مَا أُعْطِي الإنْسانُ خُلُقٌ حَسَن"، والأقرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة منه مجلسا أحسنهم خلقا: "وما من شيءٍ أثقلُ في ميزَانِ المؤمن يومَ القِيامةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَن"، و"البرُّ حسنُ الخلُق"، وكرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه.
ولكي تتجلى، ولكي تتجلى لكم - أيها المسلمون - منزلة الأخلاق وأثرها في ضبط السلوك ودورها في استقرار المجتمع انظروا إلى الأحكام والقوانين، فعلى الرغم مما عُلِم وعُرِف من أهميتها وضرورتها - أي الأحكام والقوانين - لتنظيم شئون الناس وإحقاق الحق ورفع التظالم، ولكنها لا تستقل وحدها بضبط مسالك الشرع لأن الأحكام والقوانين مهما كان حزمها وصرامتها ودقة تطبيقها فسلطانها على الظاهر لا على الباطن، وهي في العلاقات العامة دون الخاصة، وهي تعاقب المسيء لكنها لا تثيب المحسن، والتحايل عليها يسير، وتطويع نصوصها والالتفاف عليها مستطاع، والهروب من جزائها غير عسير، وفي هذا كله مع أنها مؤيدة بقوة السلطان ووازع الحكام.
وكم من نفوس، وكم من نفوس إذا تجردت من الأخلاق من قدرات على الزور المموه والباطل المزين والفساد المصبوغ بصفة الصلاح، هذا هو شأن الأحكام والقوانين والنظم المجردة.
إذن فلا بد ثم لا بد للإنسان من التدين والأخلاق: ((إذَا جاءَكُمْ مَنْ ترضَوْنَ دينَهُ وخُلقَهُ فزوِّجُوه، إلا تفْعلُوا تكُنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٍ كبِير))؛ أخرجه الترمذي بإسنادٍ حسن.
وبدون الدين لا تكون الأخلاق، وبدون الأخلاق لا يكون قانونٌ ولا نظامٌ ولا أحكام.
معاشر الأحبة:
إذا كان الأمر كذلك فإن مجامع الأخلاق ومحاسنها: الحياء، ونفع الناس، والصدق، والجد في العمل، واتقاء الأخطاء، واتقاء فضول القول والعمل، والبر، والوفاء، والصبر، والشجاعة، والإحسان، والشكر، والحلم، والعدل، والعفاف، والشفقة، وعفة اللسان والنفس، وسلامة الصدر والتسامح، وكرم اليد والنفس، والأناة، والرحمة، والتعاطف، والإنصاف من النفس، ومواساة الإخوان، أما التوسط والوسطية فمنشأ جميع الأخلاق.
معاشر الإخوة:
حَسَنُ الخلق عفو كريم، يكظم غيظه وهو قادر على إمضائه، ويعفو وهو قادر على الانتقام، يتسامح وهو صاحب حق، لا يشغل نفسه بالخصام والعداوات؛ فالعمر عنده أعز والحياة لديه أغلى والأخوة أثمن.
حَسَنُ الخُلُق يجسد الأخوة في الدين والمشاركة في المثل العليا، حسن الخلق سعيد بنفسه وأهله، يدخل السرور على المحزون ويمسح الدمع عن الباكي وينير السبيل للحيران ويهدي الضال، تعلوه بسمةٌ رقيقة ويدٌ حانية وقلبٌ شفوق.
النفس الكريمة الخلوق ترقع الفتوق، وتكمل بخلقها النقائص، فيشرق نبلها من داخلها، وتحسن التصرف والمسير وسط دياجير الظلمات وتقلبات الأعاصير.
صاحب الخلق الحسن مؤمنٌ برحمة ربه وعدله، فيما قسم من حظوظ وما وزع من مواهب؛ فهو يمسي ويصبح سليم الصدر نقي الفؤاد يدعو بدعاء الصالحين: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].
يستقبل يومه ويختمه: "اللهمَّ ما أصبح بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقِكَ فمِنكَ وحدَكَ لا شريكَ لك؛ فلك الحمدُ ولك الشكر"، يأخذ بالرحمة ويدفع بالحسنى، يأمر بالمستطاع ولا يكلف ما لا يطاق.
وتأملوا هذه الجميلات الثلاث:
الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل، ولا تكون هذه الجميلات إلا لذي الخلق الجميل.
يقول ابن عمر - رضي الله عنهما -: "البرُّ شيءٌ هيِّن: وجهٌ طليق وكلامٌ ليِّن"، ويقول عروة بن الزبير: "رُبَّ كلمة ذُلٍّ احتملتُهَا أورثتني عزًّا لا يطاول"، ويقول الأبشيهي: "يُستدَلُّ على رجَاحةِ عقل الرجلِ بميله إلى محاسنِ الأخلاق وإعراضه عن رذائل الأعمال، ورغبته في إسداء صنائع المعروف، وتجنبه ما يكسبه عارا أو يورثه سوء سمعة ".
وبعد - رحمكم الله - فالأخلاق ملاك الفرد وقوام المجتمع السعيد يبقي المجتمع راقيا ما بقيت ويذهب فانيا ما ذهبت، وما الأمم إلا أخلاقها وما الأقوام إلا بزاكي فعالها.
حسن الخلق يجعل المر حلوا، ويحول التراب تبرا، والكدر صفوا والسقم نعمة والشدة رحمة والعدو صديقا، حسن الخلق يلين الحديد ويذيب الحجر ويبعث في النفوس الحياة، حسن الخلق - بإذن الله - هو الذي يبسط الرضا وينشر الأمن والصادق في خلقه هو من خالطت قلبه بشاشة الإيمان.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 34- 36].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية

أحمد لله حمد الشاكرين، وأومن به إيمان الموقنين، وأشكره على فضله المبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصا له الدين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله سيد الأولين والآخرين، وأصلي وأسلِّم عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فكل المسلمين يقولون ويؤمنون بأن الإسلام دين الفضائل وشرعة المكارم، يحب معالي الأمور ويدعو إليها، ويكره سفاسفها وينهى عنها، وكلهم يقول: ما من خلق كريم إلا وحث عليه الدين، وما من خلق ذميم إلا وحذر منه.
ولكن، ولكن مع الأسف كم في المسلمين من لا يعرف إحسانا ولا حنانا ولا رحمة ولا عطفا ولا عفوا ولا عدلا ولا صبرا ولا حلما فيهم من يقطع الأرحام ويسيء الجوار، ومن لا يوقر الكبير ولا يرحم الصغير ولا يسعى على الأرملة واليتيم والمسكين، كم فيهم من يتعمد الكذب ويخلف الوعد ويستمرئ الخداع والغش.
هذه صورة، والصورة الأشد أن بعض المسلمين عنده قصور في فهم الدين وحقيقة التدين.
فمن القصور والخلل أن ترى بعض المسلمين يحسن الصلاة ويحافظ عليها في الجماعة ولكنه يقصر تقصيرًا عظيما في باب المعاملات والتصرفات، وكأنه يقصر الدين في هذه الصورة والتدين في هذه العبادة.
إن من القصور البيِّن أن يُنظَر إلى الأخلاق وحسن السلوك، وكأنه في المرتبة الرابعة أو العاشرة، فالآداب والأخلاق ليست عنده من المؤكدات المطلوبات، وقد علمتم - رحمكم الله - من هو المفلس يوم القيامة، وفي الحديث الصحيح: "ثلاثٌ مَنْ كنَّ فيه فهو منافق وإن صلَّى وصَامَ وحجَّ واعْتمَر وقال إنَّني مُسلِم: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَدَ أخْلَف وإذا اؤتُمِن خَان"، "وليسَ بمؤمنٍ مَنْ لا يأمَنُ جارُهُ بوائِقَه"، والفحش والتفحش ليس من الإسلام.
الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة والمخازي الفاضحة والرذائل الكريهة هي الخبائث المبعدة عن جوار الله وجوار نبيه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
الأخلاق السيئة أمراض القلوب وأسقام النفوس، يقول عبد الرحمن بن مهدي: "ليتقِ الرجل دناءة الخلق كما يتقى الحرام؛ فإن الكرم دين"، وقالت الحكماء: "لا يكون العاجز محمودا ولا الغضوب مسرورا ولا الملول ذا إخوان ولا الحر حريصا ولا الشره غنيا ".
سوء الخلق يذهب القوى ويوهن البدن ويثير الفوضى.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله - والزموا دينكم عقيدةً وعبادةً وأخلاقا، واجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا، ولا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم، وكونوا عباد الله إخوانا، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.
هذا، وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربكم في محكم تنزيله؛ فقال وهو الصادق في قيله قولا كريما: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك نبينا محمد الحبيب المصطفى والنبي المجتبى، وعلى آله الطبيبين الطاهرين، وعلى زوجاته أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين - أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي - وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك ياأكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واقتل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملة والدين، اللهم آمنا في أوطاننا. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين.
اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأمده بطاعتك، وأعز به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدي يارب العالمين.
اللهم وفقه ونائبيه وإخوانه وأعوانه لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى، اللهم وفق ولاة أمور المسمين للعمل بكتابك وبسنة نبيكم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - واجعلهم رحمةً لرعاياهم، واجمع بهم كلمة الحق والهدى يارب العالمين، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يارب العالمين.
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويهدى فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير والموت راحةً لنا من كل شر، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم من أرادنا وأراد ديننا وديارنا وأمننا وأمتنا واجتماع كلمتنا بسوء اللهم فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرا عليه يارب العالمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم عليك باليهود الصهاينة المغتصبين المحتلين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم واجعل ما أنزلته قوةً لنا على طاعتك ومتاعا إلى حين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا بلاء ولا غرق.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم وفقنا للتوبة والإنابة وافتح لنا أبواب القبول والإجابة، اللهم تقبل طاعاتنا ودعاءنا وصالح أعمالنا، وكفر عنا سيئاتنا وتب علينا واغفر لنا وارحمنا ياأرحم الراحمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
عباد الله:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون؛ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
=============










بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2010, 12:50 AM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
خطبة المسجد الحرام - 10 ربيع ثاني 1431 - خطورة الكلمة - الشيخ عبد الرحمن السديس
===============




الخطبة الأولى :
الحمد لله .. الحمد لله المتفرد بالثناء إجلالا وإعظاما ، سبحانه وبحمده خص عباده بغامر الآلاء تفضلا وإكراما ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تحيل الونى اعتزاما ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله .. قدوة العالمين سمتا وصمتا وكلاما ، صلى الله وبارك عليه وعلى آله الألى بهم المجد تسامى ، وصحابته الغر الذين كانوا لسفاسف القول لجاما وفي تألق الكلم بدورًا وأعلاما ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان يرجو من الفوز مراما ، وسلم اللهم تسليمًا كثيرا ما تعاقب الثقلان وداما .
أما بعد فيا عباد الله خير ما يوصى به دوامًا لمن ابتغى عزًّا ترامى : تقوى الله - عز وجل - فتقواه تشفي من الصلاح أواما وتحقق - وايم الحق - ما عز مراما : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ... .

فَلازِمْ تُقَى الرَّحمنِ واسْألهُ نصْرَه *** يُمِدُّك مِنْ إسْعَافِه بالعجَائِبِ
فَإِنَّ التُّقى حصنٌ حصِينٌ لأهْلِه *** وَدِرْعٌ يقِي حَادِثاتِ النَّوَائِبِ
أيها المسلمون : قضيةٌ حضارية وقيمة عالمية تبارت الأمم في ميدانها الفسيح تنشد الغلب والاستباق ، ولأجلها جادت بنفيس الأعلاق وأغدقت عليها لنفاذها في الآفاق .. قضيةٌ هي ترجمان الحضارة وانبثاقاتها وصوت القوة وانعكاساتها تحذو الأمم إلى المعالي وربوعها ومنازل العزة وينبوعها .. قضية تنطوي النور والحكمة والحياة والرحمة والهداية والنجاة بله الباقيات الصالحات؛ تلكم هي - يارعاكم الله - مسئولية الكلمة في أجلى حقائقها وأميز دقائقها وشتى طرائقها سمعا وكتابة نطقا وإجابة إخفاقا وإصابة .
الكلمة .. ما الكلمة ؟ لفظة ذات حدين ورسالة ذات ضدين ؛ فهي إن شئتم شمس مشرقة أو نار محرقة .. هي دليل فاصل أو سيف قاصل .. هي صيب الغيث أو سيء العيث ..
الكلمة إن شئتم نُبل واحترام أو نَبل ذو اجترام .. هي باعث السرور أو نذير الثبور ، الكلمة أحلى من الرضاب أو أنكى من العضاب ، ورب قول أنفذ من صول ، وكم من كلمة قالت لصاحبها : دعني .
إخوة الإيمان : الكلمة الطيبة مطية الهداية والدعوة والإصلاح وزناد الفكر والفلاح .. بها الإسلام عم وساد ودعا الشعوب وقاد ، إنها منارة توجيه وإرشاد ورافد تعليم وبناء وإعداد .
الكلمة تتناول أدق القضايا وأعضلها فتجليها وتنسرب في النفوس فترقيها أو تشقيها ؛ لذلك حذر الشرع الحنيف من سقطات الألسن وحصائدها ولغوها : " وهل يكبُّ الناسُ في النارِ على وجوهِهِم إلا حصائِدُ ألسِنَتِهِم " ..
يقول - صلى الله عليه وسلم - : " إنّ العبدَ لَيَتَكلَّمُ بالكلمةِ من رضوانِ اللهِ لا يُلقِي لها بالا يرْفعه الله بها درجات ، وإن العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ منْ سَخَطِ اللهِ لا يُلْقي لها بَالا يهْوِي بها في جَهَنَّم " أخرجه البخاري .
ولخطورتها وأهميتها ترتبت عليها العقوبات والحدود في الإسلام والتعازير والآثام على مجرد الكلام .. من ذلكم كلمة التوحيد وإبطال الكفر والتنديد ، ولفظة النكاح أو الطلاق أو العتاق ، وغيرها :

احْذَرْ لِسانَكَ أنْ تقُولَ فتُبْتلَى *** إنَّ البلاءَ مُوَكَّلٌ بالمنطِقِ
لذلك ورد منهجنا القرآني الفريد بحفظ الكلمة عن مسلك النبو والتجريح واقتعد بها ميدان السمو والصدق الفسيح .. يقول – سبحانه - : مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18 سورة ق) ..
ولجلال الكلمة ومسئوليتها لم يكن مزاحه - عليه الصلاة والسلام - إلا حقا وصدقا :

القولُ لا تَمْلِكهُ إذَا نَمَا *** كالسَّهْمِ لا يُرْجِعْهُ رامٍ رَمَى
يقول الإمام الغزالي - رحمه الله - : "فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخي العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى جرفٍ هار .. إلا من قيده بلجام الشرع وكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله " .
أمة الإسلام .. الكلمة الربانية الغدقة والمفردة المخلصة العبقة تبعث النفوس من أوحال الخمول والجهالة ومواقع الزيغ والضلالة ، وتنجيها من سباع شهواتها المغتالة وتعتقها من الأفكار والمفاهيم القتالة ..
الكلمة المسئولة الندية واللفظة الصادقة الوردية تهفو بالأرواح إلى جلائل الأمور بهمةٍ وأمل لا يتخللهما إثقال ولا فتور ، وتلك هي الدعوة النافعة والحكمة الماتعة التي تسيم الأمة الإسلامية في مرابع العمل الصالح المبرور ، وتؤكد بين أبنائها آصرة التآخي والحبور .
ولغزير العبر المنيفة واللطائف الشريفة في رسالة الكلمة يقول - عز من قائل - : ... وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً.. (83 سورة البقرة) وقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... (53 سورة الإسراء) فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورا (28 سورة الإسراء) ..
وفي ذلك أسوة - وأي أسوة - للعلماء والدعاة والمفتين والكتاب والمخاطبين والإعلاميين :

ويُبهِجُك الرَّهْطُ الأُلى رفدَتْهُمُ *** قَرائِحُ باللفظِ الرَّصِينِ تجُودُ
إذَا نثرُوا الألفاظَ فهِي أزَاهِرٌ *** وإنْ نظَمُوا الأمْثَالَ فهِي عُقُودُ
أمة الكلمة الطيبة .. أمة الكلمة الطيبة الكلمة النورانية الأنوق التي تخطها اليراعة أو يلفظها ذوو البراعة في الدعوة والإصلاح فتنطلق مدبجة بمدى اللطف والجمال والرصانة والوسطية والاعتدال في غير استهجان ولا ابتذال لتحقق من الهدى والخير وتدفع من السوء والضير كل أمل ورجاء ؛ لأنها ما نبعت إلا من لوعة الفؤاد على هداية العباد ونشر المرحمة بينهم والتواد بأكرم عطاء وأزكى زاد : أَلَمْ ترَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ... (24-25 سورة إبراهيم) .
الله أكبر ! يا لله ! ما أروع الكلمة الهادفة البانية ! وما أجمل الكلمة الهادية الحانية !
إخوة العقيدة .. ومن مقتضيات القول الثمين النقد الباني الأمين عبر وسائل الإعلام التي زاحمت الأقطار وغزت الأفكار؛ فالنقد المسطور أو المسموع لا بد أن يكون من ذي مُكنةٍ واقتدار ..
فلا يطلق الكلام في الرموز والمجتمعات والمؤسسات والهيئات حمما حارقة ونصالا خارقة وقنابل مدمرة ورصاصات مدوية وخناجر مسمومة وألغاما محمومة ، كيف ؟ وما أفحش حكيم ولا أوحش كريم والنقد المسف عن كمد لا يخفى زيفه وإن طال الأمد ذلكم - يارعاكم الله - وأن لا يذاع في الأمة من الكلام إلا ما هذبته بصائر الأفكار ، وألا ينشر إلا ما نقحته عقول النظار ليكون مدرجةً للرقي والكمال ومنةً لحفظ الهوية والخصوصية دون إمحال ؛ لا سيما في النوازل والقضايا الكبرى الجلال .

تكلَّمْ وسدِّدْ ما اسْتطعتَ فإِنَّما **** كلامُكَ حيٌّ والسُّكُوتُ جَمَادُ
فإنْ لم تجدْ قَوْلا سديدًا تقُوله *** فصمتُكَ عنْ غيرِ السَّدَادِ سَداَدُ
وأبلغ من ذلك قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : " مَنْ كَانَ يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلْيَقُلْ خيرًا أوْ لِيَصْمُتْ " أخرجه البخاري في صحيحه ..
وإن أكيس الناس من تكلم بعلم أو سكت بحلم ، ورحم الله رجلا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم ، ولا غرو .. فكم كانت الكلمة مجلبة للأحقاد ومثارا للتنافر والعناد .
فياأحبتنا الكرام فرسان الأقلام ..فرسان الأقلام وصياقلة النثار والنظام وصناع الكلمة ورجال الإعلام : إن الكلمة المطبوعة والمسموعة غدت في عصرنا الحاضر معترك النزال ومتنها وسائل وأجهزة الاتصال ؛ فاتقوا الله فيما تخطه اليمين لتوجيه الجيل من البنات والبنين ، واحذروا الشطط والجلب وتل الهوى للجبين ، واقدروا للقول دلالاته واعتبروا للفظ مآلاته التي تزكي الأخلاق والأذواق وتجمع العقول على التصافي والوفاق ؛ فالكلام - سددكم الله - المشرق في معناه الساطع في مبناه هو المرآة العاكسة لروح المتحدث وجنانه ونقاء فكره ووجدانه ، ورُبَّ حربٍ استعرت بألفاظ ومودات غُرِست بألحاظ .
حذارِ من استغلال الكلام في تصفية الحسابات أو الطعون في الذوات والكفاءات أو الانسياق وراء الأكاذيب والشائعات ..
سخِّروا البيان لخدمة الدين ولنصرة قضايا المسلمين وجمع شمل الأمة ووحدة صفها وتوحيد كلمتها وخدمة مصالح البلاد والعباد ؛ إذ الكلمة الهادفة الصادقة ترجمان العقول الوادقة والنفوس الوامقة :

وجُرحُ السَّيفِ يَأْسُوهُ المداوِي *** وجرْحُ القوْلِ طولَ الدَّهرِ دَامِي
كما يُهاب بالصحف السيارة عدم الانصراف عن الرأي الجزل الأثير إلى القول المسطح المثير وعن الفكرة الرصينة الظاهرة إلى الصورة المستهجنة أو السافرة التي تطال الثوابت المحكمات وتنال من المسلَّمات وتهز القيم وتخدش المبادئ والسلوكيات ، فما برهنت المجتمعات على رفعتها وحصافتها بمثل إبداع صحافتها ، ومن إبداعها ألا تسود الصفحات إلا بكرائم الألفاظ المؤتنقة ذات المعاني المؤتلقة .. كيف ومن موجبات الجنة كما في آي الكتاب وصحيح السنة الكلمة الطيبة اللينة الصادقة الهينة : فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ( 44 سورة طه) .
" والكلمةُ الطيبةُ صَدَقَة " كما صح بذلك الخبر عن سيد البشر فيما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وليكن منكم بحسبان أنه :

ومَا من كاتبٍ إلا سيفْنَى *** ويبَْقِى الدَّهرَ مَا كتَبَتْ يدَاهُ
فَلا تَكْتُبْ بكفِّكَ غيرَ خطٍّ *** يسرُّك في القيامةِ أنْ تَرَاهُ
وبعد إخوة الإسلام فالتحقق بمسئولية الكلمة المأمونة الصادقة الموزونة ملاك العالم لتحقيق السواء في السلام والإنصاف والأمر والائتلاف ونبذ الصراع والإرجاف ، وإنها للعروة الوثقى لأمتنا أمة الكلم السليم والقرآن المبين .. كي تستأنف شأوها المرموق في العالمين بما يملأ الصدور مهابةً وتقديرا ويبهر العيون رفعةً وعزة وتوقيرا ، وما ذلك على الله بعزيز ، ولا غرو فمنهج المسلمين دوما : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24 سورة الحج) .
بارك الله لي ولكم في الوحيين ، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الرحيم لي ولكم من كل إثم في الفعل والقيل ؛ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو المولى الكريم الجليل .

الخطبة الثانية :
الحمد لله نبوء له بنعمه شكرا واعترافا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نرجو بها عنده ازدلافا ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله أفضل من نطق بدُرِّ الكلِم أصدافا ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الذين تأرَّجُوا بالقول الصالح أعرافا ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان يرجو جنات ألفافا .
أما بعد ..
فيا أيها المؤمنون .. اتقوا الله ربكم في السر والإعلان ، واعلموا أنكم معروضون غدا على أدق ميزان ؛ فاحذروا فرطات القول وحصائد اللسان .
أمة الإسلام .. وكما ندبت الشريعة الغراء إلى انتقاء الكلمة الطيبة الصالحة لما لها من الآثار العظيمة والمنافع الكريمة نهت عن الكلمة الخبيثة الكالحة لأنها ميسم الخطر والرعونة والبهت والزور والخشونة

وذِي خطرٍ في القولِ يَحْسبُ أنه *** مُصِيبٌ فمَا يُلمم به فهو قاتِلُه
كيف ومن هتك حرمة الكلمة وأفلت أرسانها في الأعراض كالمقراض إلا وكانت معول هدم لا يستفيد منه إلا الشامتون بأمتنا ، وتقحَّم صاحبها الغيبة التي تفسد القلوب بالشحناء وأختها النميمة الهوجاء والبهيتة الرعناء ..
يقول - صلى الله عليه وسلم - : " ليسَ المؤمِنُ بالطَّعَّانِ ولا الَّلعانِ ولا الفاحِشِ ولا البذِيء "أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
وإنك لواجد عبر كثير من الحوارات والمنتديات والفضائيات والتقانات من ذلك عجبا لا ينتهي

تَجنَّبِ الفحشاءَ لا تنْطِقْ بها ****ما دُمتَ في جِدِّ الكلامِ وهزْلِهِ
واحْبِسْ لسانكَ عن ردِيءِ مَقالةٍ*** وتَوقَّ من عَثْرِ اللسانِ وزَلِّهِ
ومن سوائر الحكم والأمثال : " مقتلُ الرجلِ بين فكيه " .
وكما استعاذ الصالحون من العيِّ والحصر استعاذوا من البذاءة والهذر ؛ فعلى المسلم الأريب وزن الكلام حتى لا يقع في مغبة الكِلام ، ورُبَّ قائلٍ ما شاء لقي ما ساء ، ووقع اللسان أشد من وقع السنان :

إنَّ القليلَ من الكلامِ بأهلِهِ *** حسنٌ وإنَّ كثيرَهُ مَمْقُوتُ
إنْ كانَ ينطقُ ناطقٌ من فضلِهِ *** فالصمتُ درٌّ زانهُ ياقُوتُ
أمة الكلم الطيب .. وللحفاظ على شرف الكلمة معنى ومبنى دون السمسرة والاستهزاء والابتذال والقرصنة والإثارة والاستغلال لزم تمكين مسالات الأقلام ومخاطم الكلام الأكفياء الأمناء ذوي الأصالة والصدق والابتكار والنبل والحكمة والاستبصار ..
أولئك .. ويابشرى لأولئك الذين يُصعدون بكلمة الأمة وأمة الكلمة ثقافيا وإعلاميا فكريا واجتماعيا شطر علياء الكمال ومطاوي المجد والجلال .. ذلك الرجاء والأمل ، وبالمولى - سبحانه - نستعين على سديد القول وصالح العمل ؛ إنه جواد كريم .
ألا وصلُّوا وسلموا - رحمكم الله - على أصدق من نطق وتكلم وأرشد وبين وعلم كما أمركم بذلك المولى القوي المتين في كتابه المبين .. فقال - عز اسمه - : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 56 سورة الأحزاب ) .

أزكى صلاةٍ بتسليمٍ يؤازِرُهَا*** على نبيٍّ كرِيمِ الأصلِ مختارِ
محمدٍ خيرِ مبعوثٍ وعتْرَتِه ***وصحبِهِ خيرِ أصحَابٍ وأنْصَارِ
اللهم أعز الإسلام والمسلمين . اللهم أعز الإسلام والمسلمين . اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين ياذا الجلال والإكرام .
اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ، اللهم وفقه لما تحب وترضى وخذ بناصيته للبر والتقوى ، وهيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه ، اللهم وفقه وولي عهده ونائبه الثاني وإخوانه وأعوانه إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين وإلى ما فيه الخير للبلاد والعباد .
اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك واتباع سنة نبيك - صلى الله عليه وسلم - اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا ، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر ..
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ، ونفس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المدينين ، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك ياأرحم الراحمين .
اللهم احفظ مقدسات المسلمين . اللهم احفظ مقدسات المسلمين . اللهم احفظ مقدسات المسلمين ، اللهم احفظ المسجد الأقصى من عدوان المعتدين . اللهم احفظ المسجد الأقصى من عدوان المعتدين ، اللهم احفظ المسجد الأقصى من الصهاينة الغاصبين المحتلين ، اللهم اجعله شامخا عزيزا إلى يوم الدين ياذا الجلال والإكرام ..
ياحي ياقيوم برحمتك نستغيث فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك ، وأصلح لنا شأننا كله ياذا الجلال والإكرام .
اللهم أغثنا . اللهم أغثنا . اللهم أغثنا ، اللهم سقيا رحمة . اللهم سقيا رحمة ، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق ..
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، واغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك ياأرحم الراحمين .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .

===================















بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2010, 12:53 AM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
خطبة المسجد الحرام - 3 ربيع ثاني 1431 - المسجد الأقصى فضله ومكانته - الشيخ صالح آل طالب

===========================

الخطبة الأولى :
الحمد لله .. الحمد لله الذي في السماء تعالى وتقدس واصطفى من البقاع الحرمين الشريفين والبيت المقدس ، الحمد لله ولا يبلغ حمده حامد ، وأشكره على نعمه التي لا يعدها عاد ولا يحيط بها راصد .. الله الذي جعل الأيام دولا والأمم بعضها لبعض آيات ومثلا ..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد فاتقوا الله - تعالى - وراقبوه وأطيعوا أمره ولا تعصوه ، وما استجلبت الخيرات إلا بالطاعة وما محقت الأحوال إلا بالمعاصي والذنوب ، وإن العبد ليُُحرم الرزق بالذنب يصيبه :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (70 – 71 سورة الأحزاب)
عباد الله : لقد أحب الله - تعالى - من خلقه واصطفى ما شاء من الرسل والأنبياء والبلاد والبقاع ..
وهذه حكاية مكان قدَّسه الله وشرَّفه وعظَّمه وكرَّمه .. إنه (المسجد الأقصى) وقدسه المقدس وإرث الأمة الخاتمة الذي يسكن قلب كل مسلم .. ذكره الله في القرآن العظيم بلفظ التقديس والأرض المقدسة والمسجد الأقصى ، وباركه الله وبارك ما حوله ففاضت بركته الدينية والدنيوية حتى بورك الذي حوله لبركته ..
أقسم الله - تعالى - بثمرته فقال : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ سورة التين) إشارة إلى (المسجد الأقصى) ، ثم أقسم بـ (طور سينين) الذي كلم فيه رسوله موسى - عليه السلام - ثم أقسم بـ (هذا البلد الأمين) مكة المكرمة .. مبعث الرسول محمد الخاتم وأمته الوراثة .
وجاءت شريعة الإسلام بأعظم فروضها بعد التوحيد وهي (الصلاة) متوجهاً بها إلى بيت المقدس ؛ فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس بمكة ثلاثة عشر عاما . وبعد الهجرة إلى المدينة أيضا سبعة عشر شهرا حتى نزل القرآن آمرا بالتوجه إلى المسجد الحرام ، والذي ارتبط ارتباطا أزليا بالمسجد الأقصى ..
وهاكم في ذلك آية وحديثا .. أما الآية فقول الله - عز وجل - : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ... (1 سورة الإسراء) .
وأما الحديث : فعن أبي ذر - رضي الله عنه – قال : " قلت : يارسول الله .. أيُّ مسجدٍ وُضِعَ في الأرضِ أوَّل ؟ قال : المسجدُ الحرَام ، قلت : ثم أي ؟ قال : المسْجِد الأقْصَى ، قلت : كَمْ بينهما ؟ قال : أربعُونَ سنة " الحديث متفق عليه ..
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : " لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجِد : المسجدِ الحرام والمسجِدِ الأقصَى ومَسْجِدِي هذا " الحديث أخرجه البخاري ومسلم .
قال ابن تيمية - رحمه الله – : " بدأ الخلق والأمر من مكة المكرمة ، وجعل الله بيت المقدس وما حوله محشر خلقه ؛ فإلى بيت المقدس يعود جميع الخلق وهناك يحشر الخلق ؛ ولذا جاء في الحديث أنها (أرض المحشر والمنشر) .. فهو البيت الذي عظمته الملل وأكرمته الرسل وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة من الله - عز وجل - : الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن " .
عباد الله : و(المسجد الأقصى) هو اسمٌ لجميع ما دار عليه السور من المباني والساحات والآثار ، وفي داخله المسجد الذي في صدره و(مسجد قبة الصخرة) ، ولقد كان المسجد الأقصى كله مزارا للأنبياء ومسرى لخاتمهم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وكلهم عظموه وأكرموه .
وقد ثبت ثبوتا قطعيا أن بين بناء البيت الحرام والمسجد الأقصى أربعين عاما ، ومن المعلوم أن بين إبراهيم - عليه السلام باني الكعبة - وبين سليمان - عليه السلام - ما يقارب الألف عام ؛ مما يؤكد قطعا أن المسجد الأقصى بُنِي قبل سليمان بمئات السنين .. وإنما كان له شرف إعادة البناء والتجديد كما فعل ذلك أولياء الله من رسله وأنبيائه بمساجد الله ومواضع عبادته ، وكما فعل عمر بن الخطاب ومن بعده من خلفاء الإسلام .
ومن المقطوع به أن دين الأنبياء واحد وإن اختلفت تفاصيل الشريعة ؛ فكلهم يدعو إلى التوحيد وإلى إفراد الله - تعالى - بالعبادة وطاعته في شرعه وأحكامه .. وهذه الأحكام تتنوع من أمةٍ إلى أمة ورسولٍ إلى رسول ؛ لذا فإن كل نبي يرث أرض الله بكلمته ورسالته .. فهذا إبراهيم ولوط - عليهما السلام - وهما قبل يعقوب وإسحاق وسليمان .. يقول الله عنهما : وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ سورة الأنبياء) ..
قال الحسن : " هي الشام " ..
وقال قتادة : " كانا بأرض العراق فأنجيا إلى الشام ، وما نقص من الأرض زِيد في الشام ، وما نقص من الشام زِيد في فلسطين ، وكان يقال هي (أرض المحشر والمنشر) وبها مجمع الناس " ..
ومثل هذا قاله ابن جرير وابن تيمية وابن كثير - رحمهم الله - ونص ابن كثير : " إن الله سلم إبراهيم منةً لقومه ، وأخرجه مهاجرا إلى بلاد الشام إلى الأرض المقدسة منها " انتهى .
وهكذا تبقى فلسطين - والمسجد الأقصى خاصة - مآلها لعباد الله المؤمنين قبل أن يولد يعقوب وإسحاق ، ثم إنه بعد مئات من السنين أنجى الله - تعالى - بني إسرائيل من ظلم فرعون مصر ، وهاجر بهم موسى - عليه السلام - من مصر إلى سيناء ..
وأمرهم بدخول الأرض المقدسة لكنهم أبوا وقالوا : فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (المائدة24) ، ولم يجب موسى منهم إلا رجلان فقط ، وكتب الله - تعالى - عليهم التيه في الأرض أربعين عاما .. توفي فيها موسى - عليه السلام - حتى خرج جيلٌ آخر أكثر صدقا من آبائهم فدخلوا الأرض المقدسة ..
وكتب الله عليهم الإخراج إذا أفسدوا في الأرض وطغوا .. فكان ما كتبه الله ، وتوالى منهم الكفران والطغيان حتى أُخرِجُوا وتشرذموا في الأرض بعد ثلاثة قرون فقط ..
ثم إنه بعد سنين أورث الله الأرض المؤمنين أتباع عيسى - عليه السلام - لأن الأرض لله يورثها من يشاء .. فكما كانت للمؤمنين قبل بني إسرائيل فقد كانت للمؤمنين بعدهم : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 سورة الأنبياء) .
حتى أذن الله - تعالى - ببعثة سيد الثقلين وخاتم النبيين وبشارتهم محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي - صلى الله عليه وسلم - وكان فتح بيت المقدس إحدى بشارته - كما في صحيح البخاري - وكانت وراثته ووراثة أمته للأرض المباركة هي سنة الله الممتدة على مر العصور ومنذ عهد إبراهيم - عليه السلام - ..
وإن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأنبياء في (بيت المقدس) ليلة الإسراء كانت إعلانا بأن الإسلام هو كلمة الله الأخيرة إلى البشر .. أخذت تمامها على يد محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وأن آخر صبغة لـ (المسجد الأقصى) هي الصبغة الإسلامية .. فالتصق نسب المسجد الأقصى بهذه الأمة الوارثة .
وفي السنة الخامسة عشر للهجرة تحققت النبوية ودخل المسلمون (بيت المقدس) ، وقال البطارقة لا نُسلِّم مفاتيح بيت المقدس إلا للخليفة عمر بن الخطاب ؛ فإنا نجد صفته في الكتب المقدسة ..
وجاء عمر - رضي الله عنه – من المدينة المنورة إلى فلسطين وتسلم مفاتيح (بيت المقدس) تسلما شريفا في قصة تكتب تفاصيلها بمداد النور ، وأشرف على مدينة القدس من (جبل المكبِّر) حيث كبَّر وكبر معه المسلمون ..
جاء على جملٍ أحمر يتعاقبه هو وغلامه ، وأقبل وغلامه هو الراكب وعمر آخذٌ بخطام البعير ، ومر على مخاضةٍ من ماءٍ وطين فخلع موقيه - أي خُفَّيه - فأمسكهما بيد وأمسك خطام البعير باليد الأخرى ..
فاستقبله أبو عبيدة معاتبا يقول : " لقد فعلت شيئا عظيما أمام أهل الأرض " ، فدفعه عمر بيده في صدره وقال : " لو غيرك قالها ياأبا عبيدة ! فقد كنتم أذل الناس فأعزكم الله بالإسلام .. فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله " .

هذا هو الطريق إلى فلسطين .. دخل عمر بعزة الإسلام في يومٍ من أيام الله ، وصلى في صدر المسجد مما يلي القبلة ، وسأل عن (الصخرة) وكانت مدفونة تحت القمامة والزبل .. فأزال عنها القذر بعباءته وتبعه الناس حتى طهر المكان .
ولقد كتب التاريخ - بما لا مراء فيه - : أنه لم يهدم صومعةً ولا كنيسةً ولا معبدًا ولا دارا ، بل ترك للناس دور عبادتهم ، وكتب لأهل البلد عهدا وأمانا وأشهد عليه ..
وعلى هذا النهج سار المسلمون إلى يومنا هذا ، وشهد التاريخ أن اليهود والنصارى عاشوا أسعد فترة في ظل حكم المسلمين لفلسطين ، ومارسوا عبادتهم بحرية لم يجدوها في ظل أي حكم قبله أو بعده ؛ لأنه لا تفاضل في الإسلام إلا بالتقوى ، وليس لأحد أن يدَّعِي أنه عِرْقٌ مفضل وأن يحتقر الآخرين أو يظلمهم حتى ولو خالفوه في الدين .

ومنذ تلك اللحظة اجتمع التاريخ واتحد الهم واتفق المصير منذ فجر الإسلام وإلى قيام الساعة ، قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والترمذي : " إذا فَسَدَ أهلُ الشامِ فَلا خيرَ فيكُم " .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهِرِينَ على الحقِّ .. لا يضُرُّهم من خالَفَهُم ، قيل : فأين هُم يارسول الله ؟ قال : ببيتِ المقدِسِ .. أو بأكنافِ بيتِ المقْدِس " رواه الطبراني .

عباد الله : إن فلسطين لم تكن مجرد أرض دخلت تحت سلطان المسلمين يوما من الأيام ويمكنها في يوم آخر أن تكون خارجه ، فلسطين مهد الأنبياء .. وفي الحجاز بعث إمامهم وخاتمهم ، فلسطين موطن الشرائع والرسالات .. وفي جزيرة العرب أُنزِلت خاتمة هذه الشرائع وناسختها والمهيمنة عليها : وأنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ... (48 سورة المائدة) ..
إن المسلمين هم الوارثون الحقيقيون لكل شريعة سماوية سابقة ، وهم الأولى بكل نبي ورسول غابر : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِه لاَنُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ سورة البقرة) ..
ولما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وجد اليهود يصومون (يوم عاشوراء) ويقولون : هذا يوم نجَّى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " نحن أحق بموسى منكم ، فصامه وأمر بصيامه " .
إن فلسطين - تاريخا وأرضا ومقدسات ومعالم - هي إرث المسلمين .. إرثٌ واجب القبول متحتم الرعاية لازم الصون ، إنه ليس خيارا يتردد فيه المترددون أو شأنا يتحير فيه المتحيرون ؛ لهذا وذاك كان أكثر ما سُفِك من دماء المسلمين وأضرى ما وقع من حروبهم على مر التاريخ حول تلك البقعة وعلى ذلك الثرى والدم الذي سكبه المسلمون أيام الحروب الماضية لم يكن لينضب وفي المسلمين أوردة تنبض .
أيها المسلمون : يساق هذا الحديث في الوقت الذي يعتقد فيه رواد الحضارة المعاصرة أنهم وصلوا بها - في الصناعة والمكتشفات والمواثيق للحقوق والمنظمات - أنهم وصلوا بها ذرا ترغد عيشهم وتكفل رفاهيتهم، ولم يبق إلا سلام يعم هذا الكوكب ليتوج هذه المنجزات ويسعد بها البشر ..
ومن الذي يكره السلام ولا يريد السلام ؟ بل من الذي اعترض في الماضي أن يعيش اليهود والنصارى مع المسلمين في أرض الشام وفلسطين ومارسوا عبادتهم وبقيت كنائسهم ومعابدهم واختلطوا بالمسلمين وتبادلوا المصالح والمنافع ، بل وتصاهروا كما شهد التاريخ البعيد والقريب ؟
من الذي يكره السلام ولا يريد السلام .. وقد قدم العرب مبادراتهم في ذلك وما زالوا ؟ ولكن أن تُغتصب أرض وتُهجَّر أسر ويُنفى شعب ويُعبث بمقدسات ويُزوَّر تاريخ وتُغير معالم ويقع ظلم شديد بشعب ما زال يُسقى المر منذ سبعين عاما .. فإن ذلك كله عبث ببرميل بارود لا يدرى متى يبلغ مداه .

إنك لتعجب من أن حماة حقوق الإنسان هم الراعون لمنتهكي الإنسانية والمتحدثون باسم احترام مقدسات الأمم وأديانهم هم المبررون للعابثين بقدسية الأقصى ومسجده ومعالمه .. وأن رافعي راية العدل والمساواة هم الراعون لمغتصبي الأوطان ومهجري الشعوب وسارقي التاريخ ، والأسوأ من ذلك أن يمارس باسم الدين وباسم الرب وباسم التوراة !
إن الذي يمارس اليوم من قبل الصهاينة هو إحداث صراع ثقافة وحضارة ودين ، وتصرف يوقع العالم في حرج وخطر وينذر بشر لا يعلم مداه إلا الله ..
وعلى المخلصين من أمة الإسلام وعلى العقلاء من قادة العالم أن يتداركوا ما يجري من مسلسل التجاوزات والاعتداءات على الأرض والإنسان وممتلكاته التراثية والدينية والمعالم الإسلامية والحفريات الأرضية التي تنخر أساس مسجد عظَّمه الأنبياء وقدَّسه رب السماء : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سورة البقرة) .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعنا بسنة سيد المرسلين .
أقول قولي هذا وأستغفر الله - تعالى - لي ولكم .


الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أيها المسلمون الواجب المتحتم في زمن الجد والصراع هو اليقظة والاجتماع والعمل الجاد والائتلاف وترك الخلاف ..
لا يليق بأمة الإسلام أن تغرق في خلافات جانبية ونظرات إقليمية أو أنانية .. يجب أن تقدم مصالح الأمة الكبرى على كل مصلحة فرعية ، وأن تسمع نداءات الحق والعدل ومبادرات الحزم والعقل بأن تطرح الخلافات وتتوحد الأمة في وجه الأزمات : وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ... سورة آل عمران) .
على أهل العلم والثقافة والفكر أن يعنوا بما يحفظ للأمة بقاءها وتراثها ، بل وحياتها ..
إن من العار أن ينطلي على الأمة تزوير التاريخ وطمس المعالم وسرقة المقدسات ونحن غافلون في ثقافة الروايات وتصفيف العبارات أو تراشق الاتهامات والطعن في الموروثات ..
والطريق إلى فلسطين لا يمر عبر إشاعة الفوضى في ببلاد المسلمين ولا بزعزعة الأمة أو التخريب والتفجير والاعتداء على مصالح الأمة المسلمة ..
لن ننجح ما دمنا مختلفين ، ولن ننتصر إن كنا متفرقين : وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ... .
واعلموا - رعاكم الله - أن الجد منجح والعمل منتج ، وسيحصد كل زارع ما زرع .
هذا ، وصلوا وسلموا على خير البرية وأزكى البشرية رسول الله محمد بن عبد الله ..
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .

اللهم ارض عن الأئمة الخلفاء . اللهم ارض عن الأئمة المهدين والخلفاء الراشدين - أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر صحابة نبيك أجمعين ، ومن سار على نهجهم واتبع سنتهم يارب العالمين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين ، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين .

اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك ، وهيئ له البطانة الصالحة ، واجمع به كلمة المسلمين ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام.
اللهم وفق ولي عهده لما تحب وترضى ، وأتم عليه الصحة والعافية ..
اللهم وفق النائب الثاني لما فيه الخير للعباد والبلاد ، واسلك بهم سبيل الرشاد ، اللهم كن لهم جميعا موفقا مسددا لكل خيرِ وصلاح .

اللهم ادفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن .
اللهم احفظ ديارنا وآمن حدودنا وانصر المرابطين على ثغورنا ..
اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان ، اللهم اجمعهم على الحق والهدى ، اللهم أحقن دماءهم وآمنهم في ديارهم وأرغد عيشهم وأصلح أحوالهم واكبت عدوهم .
اللهم انصر المستضعفين من المسلمين في كل مكان يارب العالمين ، اللهم انصرهم في فلسطين ، اللهم انصر المرابطين في أكناف بيت المقدس ، اللهم اجمعهم على الحق يارب العالمين .
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين ، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك .

اللهم يارب العالمين عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك .. يامن لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك سبحانك وبحمدك .. اللهم إن الصهاينة قد بغوا وطغوا وأسرفوا في الطغيان .. اللهم هيئ لهم يدا من الحق حاصدة تكسر شكوتهم وتستأصل شأفتهم ، اللهم أنزل بهم بأسك ورجزك إله الحق ..
اللهم لا تقم لهم راية ، ولا تحقق لهم غاية ، واجعلهم لمن خلفهم آية ، اللهم اهزمهم وزلزلهم وانصرنا عليهم يارب العالمين .

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .

اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، ويسر أمورنا ، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا .
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم إنك سميع الدعاء .
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت .. أنت الغني ونحن الفقراء .. أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم إن بالعباد والبلاد من الحاجة واللأواء ما لا يكشفه إلا أنت .. اللهم فأعطنا ولا تحرمنا ، وزدنا ولا تنقصنا ، اللهم أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته قوة على طاعتك وبلاغا إلى حين .
عباد الله : إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ سورة النحل) .

=================


















بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2010, 12:57 AM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
خطبة المسجد الحرام - 17 ربيع ثاني 1431 - خطورة الأوهام - الشيخ سعود الشريم


=========================



الخطبة الأولى :

الحمد لله المتوحد في الجلال بكمال الجمال تعظيمًا وتكبيرا.. المتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديرًا وتدبيرا.. المتعال بعظمته ومجده.. الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً أرجو بها النجاة فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أُوذِي فصبر واقتدر فغفر..
بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين ؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرا.
أما بعد، فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بوصية الله.. بوصية الله للأولين والآخرين ؛ ألا فاتقوا الله وراقبوه، واعملوا لدنياكم كأنكم تعيشون أبدا واعملوا لآخرتكم كأنكم تموتون غدا، بادروا بالأعمال وتوبوا إلى الله واستغفروه، واستقيموا إليه ولا تتولوا عنه
وأنتم تسمعون : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ( 54- 55 سورة القمر).
أيها الناس.. إن كل إنسان على هذه البسيطة له آمال وتطلعات وهمم وأحلام يتحسس تواجدها في حياته.. يستوي في ذلكم الصغير والكبير والغني الفقير والذكر والأنثى ؛ ذلك لأن الأحلام والآمال ليست حكرا على أحد دون أحد، ولو استطاع أحد أن يقيد أحدا جسديا فإنه لن يملك تقييده خياليا، بل لا يملك أحد مهما بلغت قوته وسطوته أن يوقف لك حلما أو يمنعك منه أو يحاسبك عليه ما دام يدور بخلدك ويحلق داخل فكرك.
إذن ليس عيبا ولا جريمة أن تكون أيها المسلم ممن تتجاذبه هذه الأمور بين الحين والآخر.. غير أن العيب كل العيب والشين كل الشين أن يكون طابع الآمال والأحلام مجرد أوهام لا غير.. سواء أكانت أوهاما في الرغبة أو في الرهبة في الرجاء أو في الخوف ؛ ذلكم عباد الله أن الوهم تارةً يكون مرآة المنغصات ومزكي المرعبات.. وتارة يكون محلا للأنس والمسرات والْخُمار مع الأطياف، وهو في جميع أحواله حجاب الحقيقة وعكس الواقع وغشاء على عين البصيرة على الرغم من أن له سلطانا على الإرادة وحكما على العزيمة وشيوعا ذريعا في أوساط القَعَدة والمتهورين، وحينئذ لا تعجبوا عباد الله من كون الوهم يمثل القوي ضعيفا والضعيف قويا والقريب بعيدا والبعيد قريبا..
الوهم - عباد الله - يذهل الواهم عن نفسه ويصرفه عن حسه، ولا جرم عباد الله.. فإنه إذا خفيت الحقائق تحكمت الأوهام وتسلطت على الإرادات فتغري الظمآن بسرابٍ بقيعةٍ يحسبه ماء زلالا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
إننا نعيش في زمن حَجبت فيه سحب الأوهام شمس الحقيقة إلا ما شاء الله.. زمنٍ ادلهمت فيه الخطوب فغيَّب لجلجها وجوه الحقائق ؛ فاشتكت المجتمعات والأفراد غلبة الوهم ومُر طعناته في بدن المجتمع المسلم حتى أصبحت الحقيقة ضالة قلَّ من يهتدي إليها ؛ فبلغ في الناس ذهولا رأوا من خلاله أنهم بحاجة إلى جرعات من الوهم بين حين وآخر ليتلهي الواهم عن منغصات حياته، بل أخذ البعض منهم يصنع أسواقا للوهم يتكاثر زوارها فيرون أن دخول هذه السوق أمتع من فتح عيونهم على حقائق مرة.. ربما لعق البعض منهم شهد الوهم الزائف ليطفىء به مرارة الحقيقة.. ليطفىء به مرارة الحقيقة.
وإن من أعظم الأوهام خطورة هي أوهام المجتمعات المسلمة.. وإن من أعظم الأوهام خطورة هي أوهام المجتمعات المسلمة التي كانت - ولا زالت - تحسب كل غريبة جاءت من غيرهم معجزة من المعجزات، وكل بديه من الاختراع والتطور يقوم به من سواهم ما هو إلا سحر أو شبه سحر لا يمكن محاكاته ولا مجاراته ؛ فثارت خواطر الأوهام وبنت في عقول المجتمعات المسلمة خيوطا هي أوهن من بيت العنكبوت ؛ فأذكت ضوضاء بديعهم هواجس أوهامنا ؛ فرضينا بالقعود والدون والعجز والفشل ؛ فنجح الغير وفشلنا نحن، وتقدموا هم وتأخرنا..
فرضوا الحقائق في واقعهم وغلب على واقعنا الأوهام فانحلت الرابطة وتمزق الحبل المتين، والسبب في ذلك كله غلبة الوهم الذي خدر العقول قبل أن يخدر الأجساد.
ومن جهة أخرى : لقد بلغ الوهم من قلوب المجتمعات المسلمة - إلا من رحم ربي - مبلغ من يملي شعورا وهميا بكمال زائف يشعر الفرد والمجتمع من خلاله أنه ليست هناك دواع معقولة تقتضي التصحيح أو تستوجب التحسين والنظر في الخلل والتقصير المحيط بالمجتمع ؛ فيبرز الكمال الوهمي الذي لا نتيجة إيجابية بعده.. والذي يبقى المجتمع المسلم في حال من الركود والأمن المفرطين.. ليخشى عليه بعد ذلك الأمن من مكر الله ؛ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وكانت نتيجة هذا الوهم تحجرا في القناعات وتجمدا في الانتماءات، وأمسوا وكأن ما يحمله كل مجتمع وكل فرد هو الصواب وحده ليس إلا ؛ فألقى الوهم ستارا حاجزا حرمهم من الإصلاح والاستفادة من الصواب الذي يأتي به الغير.. والذي يمنح القدرة على العمل والإنجاز واغتيال الأوهام أو وأدها في مهدها، ولا يمكن أن يتغير واقع حكمه الوهم لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
لقد ابتليت المجتمعات العالمية بنوعين من الأوهام يختلف سبب كل واحد منهما عن الآخر ؛ حيث نرى الوهم في المجتمعات المسلمة غلابا في كثير من الشئون - سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية -..
والناظر بعين بصيرته النائية عن الأوهام يدرك قيمة الحقيقة وغور الجرح الذي يأتي به الوهم ؛ فكم هي القضايا والأطروحات والتطلعات في المجالات الهادفة والتي يجلب عليها بالخيل والرجل.. لتمر الأيام فتكشف أنها إنما كانت مجرد خيالات وتعلقا بأهداب وهم من شأنه أن يجعل غشاوة على العقول ليصبح الزين شينا والشر خيرا والحرام حلالا والحلال حراما.
ولهذا فإن تجرع الوهم في بعض المجتمعات المسلمة كان ناتجا عن إحباطات متكررة وانهزامات متوالية أدت إلى تشبث بالوهم عله يخفف جراحها ويزيل آلامها التي تجترها كلما فاقت من الوهم لحظة، ثم هي تعود إلى الوهم مرة أخرى هروبا من الواقع والاعتراف به.
كما أننا نرى الوهم في المجتمعات المغايرة لنا نحن المسلمين - والتي بلغت مبلغا من الحضارة والرقي المادي الذي أفقدها كل روحانية وسلب منها معاني الأنس بالحضارة والفرح بالطغيان المادي الهائل - نراه أضحى سلعة رائجة عندهم ليطفئوا به نار الكآبة والجفاف المادي في جرعة مسكر أو شمة مخدر أو إحساس بهيمنة على المجتمعات المسلمة ؛ ليطلوا من نافذة الوهم التي لا تدوم مشرعة ثم تغلق فتنكشف الحقيقة ؛ فيعلمون أنهم إنما تداووا بالذي كان هو الداء.
ولعل مما يتميز به المجتمع المسلم الواعي أنه إذا انكشف له الوهم يوما ما فرح بأنه ربح عندما خسر وهما، وأما المجتمع المريض فإنه يظل سادرا لا حياة له إلا بالأوهام وأن انكشافها يعد علامة للموت وانقضاء للحياة.
والوهم داءٌ يصعب التدخل لكبح جماحه إلا من الواهم نفسه فردا كان أو مجتمعا : بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * ولَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (14- 15 سورة القيامة).
ثم ليت الوهم - عباد الله - يقف عند هذا الحد، كلا.. إنه من أكثر الأمور تعديا.. فمن وَهَمَ وَهَن، ومن وَهَن وَقَع في الهم فضاق به العطن ثم اعترته الغموم، وهذه هي المحصلة برمتها، ولقد أحسن من قال :
تَوَلَّعَ بالوَّهمِ حتَّى وَهَن *** ونَالَ منَ الهمِّ ضِيْقَ العَطَنْ
أتَتْهُ الغمُومُ على غِرةٍ *** ليَدْفَعَ إِثْرَ الْغُمُومِ الثَّمَنْ
ولذا فإن من اللازم - عباد الله - أن يراجع المجتمع المسلم فكره ويحكم نظراته للأحوال والأحداث والواجبات ويتقن تشخيصها ويحسن علاجها بعيدا عن قفازات الأوهام وأقنعة اللاحقيقية التي تقتل الوعي ولا توقظ الضمير ؛ فنخلط بين الأوراق حينئذ ولا نستطيع قراءة ما بين السطور ؛ لينكشف لنا كل يوم أضحوكة جديدة أو نلدغ من كل جحرٍ مرات كثيرة، وإيانا إيانا أن يسلب الوهم تخصصاتنا ويقنعنا بأن الصحفي يمكن أن يكون فقيها والحلاق طبيبا والمهرج مثقفا والإرهابي مصلحا، ولقد صدق الله : وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ( 36 سورة يونس).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم..
قد قلت ما قلت.. إن صوابا فمن الله وإن خطأ فمن نفسي و الشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفارا.

الخطبة الثانية :
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد..
فاعلموا عباد الله أنه كما أن الوهم يصيب المجتمع جملة فإنه كذلك يصيب الأفراد وينال منهم، وهل المجتمع إلا كمٌّ من الأفراد ؟
لقد أصيب الكثيرون بالأوهام واستسلموا لها فحطمت نفوسهم واغتالت أحلامهم.. فإذا ما رغب المرء شيئا أغراه الوهم بأنه أهل له وأن تحقيقه من اليسر والسهولة كاستنشاق الهواء وشرب الماء ؛ فيعمي الراغب عن حقيقة قدراته النفسية والمادية والدينية ؛ فيعيش أحلام الذكاء وهو من أغبى الناس، ويلبس جبة الزهد وهو من أسرف الناس، يلاعب أطياف السعادة وهو أشقى ما يكون من حال، قد اختل عنده معيار السعادة والتدين والشهرة والشجاعة والكرم ليصبح مشهورا في عزلته شجاعا في ضعفه كريما في بخله.
وإذا ما خاف المرء شيئا لاح له الموت كاملا في كل أفق فيفرق من الحمل يحسبه حية، ويرى كل سوداء فحمة وكل بيضاء شحمة، ويستسمن ذا الورم.. فإذا ما عطس قال هذه عين ولو كان مزكوما وإذا ما أخفق في عمله أو دراسته أو علمه قال : هذه عين ولو كان أغبى الناس وأكسلهم..
ونسي ما حققه أذكياء الأمة وأعلامهم حيث لم تسيطر عليهم الأوهام ولم تكن كابوسا يقض مضاجعهم..
وقولوا مثل ذلكم في الشاب والشابة اللذين يحلمان بشريك العمر كاملا في الأوصاف ويضيفان لهما كل يوم شرطا جديدا بكل ثقة وكبرياء ؛ لتكون الإفاقة من هذا الوهم في جو مليء بالعزوبة والعنوسة..
وقولوا مثل ذلكم في أوهام الأمراض وأوهام التخيلات وأوهام العظمة وأوهام السعادة وأوهام القوة وأوهام الضعف وأوهام الوسوسة الجاثمة على خصوم الحقيقة.
ولأجل هذا حثنا ديننا الحنيف على أن نعيش في حدود يومنا وفي نطاق قدراتنا وإمكاناتنا، وألا نكلف أنفسنا فوق ما تطيق، وألا نسير بها عكس طباعها فتكون كمن تطلب في الماء جذوة نار لأن الأوهام إلى زوال ولن يبقى إلا الحقائق ولا غير.
ولقد ذكر بعض الحكماء من أهل العلم أن الذي يغلب عليه الوهم.. أن الذي يغلب عليه الوهم والتوهم فإنه يقع ما توهمه بمجرد غلبة الوهم له كالماشي على طرف حائط إذا قوي عنده توهم السقوط سقط بلا شك.. بخلاف من عود نفسه.. بخلاف من عود نفسه على ذلك وأذهب عنه هذا الوهم..
ولقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كلُّ الناَّسِ يغدُوا.. فبَائِعٌ نفسَهُ فمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا " رواه مسلم.
ألا فاتقوا الله - عباد الله - وأزيلوا الأوهام عن شئون حياتكم تفلحوا لأن الأوهام من الظنون، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : " إيَّاكُمْ والظَّن ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ الحدِيث " رواه البخاري.
فلنطرد الوهم بالفهم الصادق والعزيمة المتدفقة والتعلق بالله والفرار منه إليه، ولقد صدق الله - ومن أصدق من الله قيلا - : مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15 سورة الحج).
فلنقدم في حال وهم الخوف ولنحجم في حال وهم الإقدام ؛ لأن ما بُنِيَ على وهم فهو وهم، ولن يصح في الأذهان شيء إلا الحقيقة بكل ما تعنيه من كلمة، ولقد أحسن من قال :
ثلاثُ حالاتٍ تُذَم *** وَهْمٌ فوهنٌ ثم هَم
فَفِي الثَّلاثِ للفتى *** شقاوةٌ منْ بعدِ غَم
هذا، وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة ؛ فقد أمركم الله بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته المسبحة بقدسه وأيه بكم أيها المؤمنون.. فقال - جل وعلا - : ... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56 سورة الأحزاب)..
وقال صلوات الله وسلامه عليه : " مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشْرَا ".

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم فرِّجْ همَّ المهمومين من المسلمين ونفِّسْ كرب المكروبين، واقضِ الدَّين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها.. أنت وليها ومولاها.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت.. أنت الغني ونحن الفقراء ؛ أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.. اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين،
اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال ياحي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته ياذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربنا رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


===============





بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2010, 12:59 AM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
خطبة المسجد الحرام - 24 ربيع ثاني 1431 - صفات المتقين - الشيخ أسامة الخياط

=======================


الخطبة الأولى :

الحمد لله بيده الملك وهو على كل شيء قدير، أحمده - سبحانه - هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو اللطيف الخبير..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله.. البشير النذير والسراج المنير، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد..
فاتقوا الله عباد الله : وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(281 سورة البقرة).
أيها المسلمون : في الاقتداء بالأخيار وفي التأسي بالأبرار وفي اقتفاء آثار المتقين والسير على منهاجهم فوزٌ عظيم وسعادة لا نظير لها ونجاح لا حدود ولا منتهى له، وفيما ذكره الله - تعالى - في كتابه من توجيه الأنظار إلى مسلك الصفوة ونهج عباد الرحمن وسبيل البررة ما يحقق هذا الغاية ويبلِّغ هذا المراد ؛ إذ هو المثال الذي يحتذى.. من ذلك قوله - عز اسمه - : وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63 سورة الفرقان).
إنهم يمشون على هذه الأرض مشية المؤمن الذي تعلوه السكينة ويزينه الوقار.. لا يتكبر ولا يتجبر.. لا يريد علوا في الأرض ولا فسادا، وإذا بسط إليهم الجاهلون ألسنتهم بالسوء لم يقابلوا ذلك بمثله، بل بالعفو والصفح والمغفرة والإغضاء عن الزلات والتجاوز عن الهفوات ؛ فهم كما قال الحسن البصري - رحمه الله - : " حلماء لا يجهلون، وإن جُهِل عليهم لم يجهلوا".
هذا نهارهم عباد الله فكيف ليلهم.. إنه خير ليل.. إنه ليل أبيض مضيء بألوان الطاعة يزدلفون بها إلى ربهم : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ( 64 سورة الفرقان)، صفوا أقدامهم وأجروا دموعهم واتصل نشجيهم يحذرون الآخرة ويرجون رحمة ربهم ضارعين إليه : ... رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65 سورة الفرقان) ؛ أي لأنه كان هلاكا دائما وخسرانا ملازما إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (66 سورة الفرقان)..
وفي هذا من المدح لهم والثناء عليهم ما لا يخفى ؛ ذلك أنهم مع حسن معاملتهم للخلق وشدة اجتهادهم في عبادة الخالق وحده لا شريك له يخافون أن ينزل بهم عذابه فيبتهلون إليه أن يصرفه عن ساحتهم غير آبهين ولا ملتفتين إلى جميع أعمالهم وعظيم رصيدهم منها.
وأما في إنفاقهم على أنفسهم وأهليهم فلقد سلكوا فيه أعدل السبل ونهجوا فيه أقوم الطرق.. فكان وسطا عدلا لا تبذير فيه ولا تقتير ؛ فلم يكونوا مبذرين شأن أولئك الذين يولعون بمظاهر البذخ في المطاعم والمشارب والملابس والمراكب والأثاث وفي الموائد والأفراح، ولم يكونوا كذلك مقترين شأن أولئك الذين يقبضون أيديهم عن واجب النفقات ويشحون بالمعروف ويبخلون بما آتاهم الله من فضله ؛ لأن من شأن الإسراف استنفاذ المال في غير مواضعه فينقطع الإنفاق وتذبل زهرته، ولأن من شأن الإقتار إمساك المال فيحرم مستحقه.
ولقد كان من صفات عباد الرحمن أيضا : التخلي عن المفاسد والتجافي عن الشرور التي كانت ملازمة لقومهم من المشركين غالبة عليهم ؛ حيث تنزهوا عن الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله قتلها والزنا.. جاء ذلك في قوله - عز من قائل - : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68 سورة الفرقان)..
إنه إخلاص الدين لله وصرف جميع أنواع العبادة له وحده ؛ فلا يدعون في الشدائد إلا إياه ولا يسألون العون ولا يرجون الغوث ولا يطلبون المدد إلا من الله، ولا يعتمدون في كل شأن من شئونهم إلا عليه - سبحانه - ولا يخافون أحدا سواه، وذلك هو التوحيد الخالص والإيمان الكامل الذي رفع الله به أقواما فجعلهم في الخير قادة منهم بلال الحبشي وصهيب الرومي، وخفض به أقواما نبذوه واتخذوه وراءهم ظهريا.. كأبي جهل وأبي لهب وغيرهما من أئمة الكفر وصناديده وأولياء الشيطان الذين حق عليهم وعيد الله لهم بقوله : إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72 سورة المائدة).
وكما تنزهوا عن الشرك فقد تنزهوا عن الفساد في الأرض.. الذي يتجلى باستباحة اقتناء المحرمات وقتل الأنفس المعصومة، وعن العدوان على المجتمع بانتهاك الأعراض المتمثل في أقذر وأفحش صوره في جريمة الزنا ؛ فإن مَنْ تلوث بأرجاس الشرك أو استباح قتل النفس التي حرم الله قتلها أو اقترف فاحشة الزنا فسوف يلقى جزاء إثمه وما اقترف من الذنب عذابا مهينا مضاعفا في نار جهنم يوم القيامة.. إلا إن تقدمت منه توبة نصوح في الدنيا فأقلع عن ذنبه وندم على ما فرط منه وعقد العزم على ألا يعود إليه.. وأد المظالم وأعاد الحقوق إلى أهلها وزكى نفسه بالصالحات فإن الله يقبل توبته ويعفو ويتجاوز عن عقابه، بل ويتفضل بثوابه رحمة منه وجودا وإحسانا كما قال عز اسمه : إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً (70 سورة الفرقان)..
فتنقلب السيئات الماضية بنفس هذه التوبة النصوح حسنات، وذلك كما قال العلامة الحافظ ابن كثير - رحمه الله - : " لأنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر ؛ فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار كما ثبتت السنة بذلك وصحت به الآثار المروية عن السلف - رحمهم الله - ".
فاتقوا الله عباد الله، واعملوا عل الاقتداء بالصفوة والتأسي بالأخيار وسلوك مسالكهم واقتفاء آثارهم والتخلق بأخلاقهم ؛ فإنهم كانوا على هدى وطريق مستقيم..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ... فبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (17-18 سورة الزمر).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب ؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد..
فياعباد الله : لقد قسّم أهل العلم الصفات التي وصف الله بها عباد الرحمن في ختام هذه السورة العظيمة (سورة الفرقان).. قسمها إلى أربعة أقسام :
- قسم منها هو من التحلي بالكمالات الدينية، وهي التي بدء بها من قوله - سبحانه - : وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً... (63 سورة الفرقان) إلى آخر الآية.
- وقسم هو من التخلي عن ضلالات أهل الشرك، وهو من قوله - عز اسمه قائل - : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ... ( 68 سورة الفرقان) الآية..
- وقسم هو من الاستقامة على شرائع الإسلام، وهو قوله : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ( 64 سورة الفرقان)، وقوله : وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا...(67 سورة الفرقان)، وقوله : ... وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ... ( 68 سورة الفرقان) إلى قوله - عز اسمه - : وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ...(72 سورة الفرقان).. الآية.
- وقسم من طلب الزيادة في صلاح الحال في هذه الحياة، وهي قوله : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74 سورة الفرقان).
ألا فاتقوا الله - عباد الله - وأكثروا من التأمل في هذه الصفات الكريمة والسجايا العظيمة، ومن دوام الحرص على التحلي بها والتخلي عما يضادها ؛ ففي ذلك الفلاح والفوز والنجاة : أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (75 -76 سورة الفرقان).
واذكروا على الدوام أن الله - تعالى - قد أمركم بالصلاة والسلام على خاتم رسل الله محمد بن عبد الله ؛ فقال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56 سورة الأحزاب)..
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر الآل والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك ياأكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، ودمر أعداء الدين وسائر الطغاة والمفسدين، وألف بين قلوب المسلمين ووحد صفوفهم وأصلح قادتهم واجمع كلمتهم على الحق يارب العالمين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وعبادك المؤمنين المجاهدين الصادقين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، وهيئ له البطانة الصالحة، ووفقه لما تحب وترضى ياسميع الدعاء، اللهم وفقه ونائبيه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد يامن إليه المرجع يوم المعاد.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة..
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافتيك وفجاءة نقمتك وجميع سخط، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وبلغنا فيما يرضيك آمالنا واختم بالصالحات أعمالنا.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلى اللهم وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.



====================================







بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حتى المسجد الحرام ما سلم من أولاد الحرام عاشق الجنة. اخبار 24 ساعة - سبق عاجل من أنحاء العالم 2 06-04-2010 06:19 PM
الشريم ، أول سنه في المسجد الحرام ...! لـــــــــــوز يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 3 05-16-2010 05:22 PM
طائر يسجد لله في المسجد الحرام الـمـشـتـااااق قصص وحكايات عربية وشعبية وعالمية 13 02-02-2010 06:14 PM
طائر يسجد لله في المسجد الحرام........؟ المشتـــــاق قصص وحكايات عربية وشعبية وعالمية 3 07-06-2005 04:59 AM

الساعة الآن 10:42 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103