تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات القصص والروايات > روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة

روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة من اجمل الروايات الرومانسية والاجتماعية بين يديك في صفحة واحدة, تمتع بقراءة ما تحب في منتديات القصص والروايات

خبير في البنات ... الكاتبه ::: خالد أبوالشامات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-17-2010, 05:52 AM   #1 (permalink)
ولد باريس
رومانسي فعال
 
الصورة الرمزية ولد باريس
 

ADS
خبير في البنات ... الكاتبه ::: خالد أبوالشامات




(خبير في البنات)..
بقلم: خالد أبوالشامات


مقدمة





إنه الخبير .. محنك بحق .. محترف على أعلى مستوى .. يخطط لكل عملياته بكل دقة .. وينفذ ببراعة .. لك الحق أن تتخذه مثلاً أعلى في مجاله .. ومجاله هذا يندرج عند الكثيرين تحت قائمة " للكل " .. ولكن عند هؤلاء الناس .. تحت بند " سري للغاية " ..

لا يهم كيف عرفت أنا هذه المعلومات .. لكن المهم حقاً ما سأكتبه عنه .. سواءً شيئاً قد سمعته منه مباشرة .. أو حتى لاحظته من قرب أو من بُعد ..



ولعلك تتساءل .. ما هو مجاله ؟

وسأجيب بصاعقة تفجر الدهشة من حولك :

إنه خبير في البنات !!!



ولقد قررت أن أمنح الخبير اسماً مستعاراً أنيقاً .. فإن للخبير أن يتميز حتى في اسمه المُختار عند كتابتي لهذه الرواية .. لقد قررت أن أسميه (قصي) ..



ولنبدأ من البداية ..

قصي هذا فتى تربى في مكة .. في وسط من عائلة يعتبر شبابها مصاحبة الفتيات أمراً وارداً مقبولاً لدى من هم في مقتبل العمر .. رغم أن المجتمع المكي يعتبرها خطيئة لا ينبغي أن تُرتكب في مكان له قدسيته وطهارته ..

قضى قصي هناك 17 سنة من عمره .. تعلم من الجميع خبراته الواسعة التي لم يتوقف عند حدودها .. بل طورها ..

حتى قال كل من يعرف عنه وعن علاقاته بأنه الخبير .. والجديد في الموضوع أن قلة قليلة بالفعل من يعلم عنه هذا ..

وكانت هذه قاعدة من قواعد لعبته : العب باحتراف بعيداً عن الشهرة وبصمت ..

قد يعرف الكثير أن له علاقات أنثوية .. لكن هذه الجملة قاصرة للغاية في وصف ما كان عليه فعلاً ..



خلال تلك الفترة .. قام بعلاقات كثيرة للغاية .. لكنه ما كان يهدف في كل علاقة إلا للتجربة البحتة ..

قرر أن يكون خبيراً .. فكان كذلك ..

وفي مكة له قصص عجيبة لا يعرف عنها أحد شيئاً .. حتى هذه القلة .. ربما أنا الوحيد الذي يعرف عنها .. ولكنه غير مسموح لي بكتابة شيء منها نزولاً عند رغبة قصي .. وحتى لا أخدش النظرة المشرقة النظيفة لبسطاء الحياة ..

لم تصل صورته إلى أي فتاة من كل اللواتي عرفهن .. حتى بين أوساط البنات .. حتى إن تعرف على فتاة اجتماعية .. ذات علاقات نسائية متسعة .. كان يحرص على قدر الإمكان أن لا تعرف سوى صديقتها المقربة فقط ..



تدور دائماً حوله الكثير من التساؤلات .. حول غموضه الواضح .. وأشياءه الخاصة المميزة له .. له خاتم من البلاتين .. لا يلبسه في بنصره إلا حين تراه صدفة معتزلاً الناس .. كأنه لا يريد أن تخطفه نظرات الأعين .. خاتم لم يره إلا من يعرفونه عن قرب .. له شكل مميز بالرمز الغريب المطبوع على وجهه .. وله بريق أخاذ يجعله أول ما يلفت انتباهك ..

لم يجاوب أحداً بمعنى الخاتم .. إلا بابتسامة تخفي وراءها الكثير والكثير من الكلمات ..





بعد هذه السنوات .. وفي السنة الأخيرة من الثانوية العامة .. انتقل هو وعائلته إلى مدينة جدة .. بعد أن توسعت تجارة والده ليصبح اسماً مهماً للغاية في الأوساط الاقتصادية كأحد أكبر الوكلاء في عالم السيارات الفارهة ..

وقد اعتبرها خطوة هامة في حياته .. فهنالك قرر أن يبدأ بتطبيق كل ما تمخضت تلك التجارب .. على أن يقوم به على مستوىً أرقى وأكثر احترافية ..



إنه الخبير .. وصدق أن هذا اللقب يليق به حقاً ..



قصي .. شاب مميز جداً في شكله .. إلى حد يجعله وسيماً وجذاباً أكثر من كونه جميلاً .. شعره الأسود الفاحم يتطاير بنعومته الطبيعية دون أن يحاول أن يكون أقرب إلى البنات كما يفعل معظم أشباه الرجال هذه الأيام ..

وعيناه البنيتان الهادئتان وابتسامته الساخرة .. تمنحك إحساساً بامتلائه القوة .. وثقة في الشخصية يتحلى بها حقاً .. وبحر من الأسرار التي لا تبدأ حتى تنتهي ..

طويل القامة باعتدال .. ويملك جسداً متناسقاً يبرز منه جسده المشدود إذ ما لبس قميصاً ضيقاً ..

يمكننا أن نقول ببساطة .. أن الله وهبه جمالاً رائعاً لم يدخره بل نماه حتى جعله فائقاً ..

صوته الأجش يضيف إلى عمره سنواتٍ كثيرة .. وكلماته الراقية .. وأسلوبه المميز .. وآراءه المحايدة الذكية اللبقة .. تترك أمامك خياراً واحداً أن تدرك أن فكره وعقله أكبر من عمره بكثير ..

لن أسهب في سرد سيرته الذاتية .. ولكني سأعرج على فصول كثيرة من حياته عندما تقتضي الحاجة ..



قد يبدو لك هذا الشاب تقليدياً .. ولربما تعرف الكثير مثله ..

ولكني حين أبداً في روايتي .. ليس ربعها ولا نصفها .. بل كلها .. ستدرك عمن أتكلم .. ستعرف من هو الخبير .. وإن كانت هذه الرواية لا تصور إلا جزءاً بسيطاً من حياته ..

لذلك قررت أن احكي لكم وأنا أحاول أن أتجنب ما لا يحق لي ذكره .. محاولاً قدر المستطاع أن أكتب بطريقة تناسب وتعطي الأحداث حقها من الوصف والتعبير ..















الفصل الأول

الجزء الأول

(قصي في قرية الورود )



قرية الورود .. واحدة من أشهر الفلل المقامة على شاطئ البحر الأحمر في جدة .. أو كما يسمونها هنا (الكبائن) ..

قرية الورود هو مكان يجتمع فيه الناس أصحاب الطبقة المخملية .. ويتسلل أصدقاؤهم من أصحاب الحال المتوسط للمشاركة في محيط بعيد عن الاحتشام بحجة الاستجمام ..

ترى الفتيات اللواتي كن يتسترن بشيء أشبه بالحجاب .. قد نزعن ما يخفي مفاتنهن .. وأبرزن بالمكاييج ملامح لا تمت لهم في الحقيقة بصلة ..

كل هذا وأكثر في مكان لا يخشى من تقاليد المجتمع .. ولا من نظرات اللائمين .. أو حتى استنكار المحافظين ..



كان ذلك يوماً رائعاً .. جو عليل .. ونسائم البحر تأخذك بعيداً هناك في الأفق .. والسماء شبه غائمة .. تنثر قطناً أبيضاً ً لتحجب به زرقة السماء في وقت العصر ..

قدم قصي .. بسيارته اللـ(كزس) البيضاء الفارهة .. وعند البوابة التي وقف عليها رجل الأمن ممسكاً بجهاز اللاسلكي .. فتح النافذة وقال: نزار حسان فيلا 1082 .. ذهب الرجل وتفقد ورقة ما .. ثم أشار له بالدخول .. سار بسيارته وانعكست أشعة الشمس على سطح الزجاج اللامع حتى وصل إلى المواقف ..

أطفأ المحرك وترجل عن سيارته .. كان يلبس بنطالاً أسوداً أنيقاً .. وقميصاً أصفراً من الستان يلمع وقت اختلاجه عند هبوب الهواء .. قد فتح أول زرين فيه .. وشعره قد صفف بعناية وجمال ..



سار متوجهاً نحو فيلا ( نزار) .. صديق الطفولة القديم من مكة .. ولعله الصديق الوحيد لقصي .. والذي يختلف كثيراً عن شخصية بطل قصتنا .. وعلى الرغم من أن الصداقة تمتد بينهما لأكثر من 15 سنة .. إلا أنه حتى نزار لا يعرف كل شيء في حياة قصي ..

وكان نزار قد دعا قصي لقضاء بضعة أيام في فلتهم في قرية الورود كعادة اعتاداها الاثنان كل إجازة حتى لو كانت قصيرة ..



ولكن قصي هنا اليوم لغرض آخر .. إنه هنا من أجل (حنان) .. تلك الجميلة الفاتنة .. إحدى صديقات (شلة) الفتيات اللواتي يصاحبهن نزار في القرية .. التي حاول الكثير أن يلفتوا انتباهها .. إلا أنها كانت فتاة مختلفة .. حادة الذكاء .. ثقيلة جداً .. معتدة بنفسها للغاية .. وهذا النوع يروق كثيراً لقصي ..

قدم قصي .. وهو يعرف كعادته ماذا سيفعل .. أمامه هدف واضح ومحدد ..



كان نزار في انتظار قصي .. شاب نحيل نوعاً ما .. تمتلئ في وجه (حبوب الشباب) بشعره الأجعد .. وابتسامته اللعوب .. وعيناه الكبيرتان ..

سلم قصي على نزار .. وراحا يتمشيان قليلاً وهما يتحدثان عن أحوالهما .. وعن الدراسة .. حتى نهاية الكبائن .. وفي وسط الكلام قال قصي مقاطعاً نزار : أين حنان؟

ضحك نزار بطريقة خاصة به وهو يقول : إنك لا تحب أن تضيع وقتك كثيراً ..

فابتسم قصي له وراحا يبحثان .. ولكنهما لم يجداها ..



هذا هو قصي يرى الهدف أولاً .. أما أرض الأحداث .. فهو يحفظها عن ظهر قلب .. وتحفظه الأرض عن ظهر قلب .. .. تحس به كمن يدخل معركة .. رغم أن الأمر في نظره ليس إلا تسلية .. ولكنه يتمتع في إتقان تسليته ..



يحفظه الكثير ها هنا من أصحاب الفلل .. توطد معهم بعلاقة سطحية وضع قصي حواجزها عندما كان يأتي كل مرة إلى قرية الورود .. يعرفون أنه شاب لطيف .. يحب الجميع ويقابل الناس بابتسامة .. بل ويساعد الكل دون طلب منهم .. بل ببادرة ودية .. دون أن يبالي بشكوك الآخرين أو حتى أن يخشى أن يقول له أحد ما : لم يطلب منك أحد المساعدة .. لأنه في الحقيقة .. لا يهتم .. إنه يساعد الناس لنفسه فقط .. لأجل أن يكسب احترام ذاته ..

وتعرف البنات أنه خاطف القلوب .. فهو لم يخرج في كلامه مع أي واحد منهن خارج حدود المألوف .. بل هي كلمات رقيقة اعتاد أن يوزعها على جميع الفتيات بلا استثناء ..

الكل مبهورين به .. حتى ( حنان ) .. بهرت به قبل أن تتعرف عليه .. عندما شاهدته في اليومين التي تلت حضور قصي إلى هناك .. ومن الناس الذين كانوا يتناقلون الأحاديث عنه ..



كان قصي دائماً يقول : الأسلوب المناسب .. يعلق البنت المناسبة ..

والمعنى .. أن هذه الفتاة لا تستطيع أن تجعلها تجري خلفك بمجرد كلمة أو رقم أو ابتسامة عابرة .. بل هي مغرورة بنفسها وجمالها .. وترى في نفسها نجمة لم ينجب الكون مثلها .. وأن كل الشباب يتمنون منها نظرة ( وهي نظرة سائدة لدى كثير من البنات السطحيات ) ..

لذا كان لزاماً أن يعرفها في البداية من هو قصي ؟! وأن تعرف أنه يراها كغيرها إنسانة عادية ..

وكانت هي بذلك قد وجدت فيه شيئاً مختلفاً .. لم تعرف كيف تحدده ولكنه أثار حفيظتها لأقصى حد ..



اجتمع نزار بـ(شلة) البنات صديقاته .. كيف لا ونزار شخصية ظريفة للغاية؟! .. لا تجلس معه إلا وأنت تضحك .. بدمه الخفيف .. وروحه المرحة ..

كانت حنان موجودة .. فجلس الكل كمظهر حضاري وسلوك اجتماعي تشاهده بعلنية في الكبائن ..

ثم جاء قصي .. كعادته مُبهراً .. متململاً في مشيته .. ثابتاً في خطواته .. ساخراً في ابتسامته .. والشارب الرفيع يزين وجهه .. والذقن الخفيفة تعطيه شكلاً رائعاً .. حضر فتعلقت به الأنظار كلها .. حتى حنان التي تظاهرت أنها مشغولة في الكلام .. جاء قصي وسلم .. ثم وضع قدماً على أخرى بجوار نزار ..

كان الحديث يتنقل بهم من موضوع لآخر .. حتى وصل الحديث بهم إلى أغنية قديمة لكاظم الساهر .. وكان قصي يوزع الابتسامات في أناقة على الكل دون أن يشارك في الحديث .. فقال نزار : ما رأيك يا قصي في هذه الأغنية؟

وكأنما كانت هذه بداية اجتياحه الجلسة وتعلق أبصار الفتيات فيه بعذر مقبول ..

فقال قصي : كاظم مغني رائع .. لديه انتقاء في الكلمات وتوزيع في الألحان .. تعجبني فيه تلك الإيقاعات ..

فقالت إحدى الفتيات وهي تحاول أن تتجاذب معه أطراف الحديث: وما هي الأغاني التي تعجبك بشكل عام ؟

قال لها بابتسامة ساحرة : أنا أحب الأغاني الرومانسية الكلاسيكية ..

فقالت وهي تضحك : ألا ترى أنها مملة .. إنها تثير فيّ رغبةً في النعاس ..

فقال بنفس الابتسامة الساحرة : هذا رأي يحترم .. والناس أذواق .. ولكني أحس بها تدخل بكياني .. ثم إني بالتأكيد أتعلم ألحاناً أخرى ..

كانت حنان صامتة طوال الوقت لا تتكلم أبداً .. أما قصي فلم ينظر لها حتى ..

قالت إحدى البنات : ماذا تقصد بـتعلم ألحان أخرى؟

فالتفت لها وقال ببساطة: أنا عازف بيانو ..

فشهق البنات وقلن لبعضهن في جذل: رائع ..

فتطلع فيهم وابتسم في سخرية وقال : هذا شيء عادي .. يمكنكم أن تروا الكثير من الناس هنا يعزفون ..

فقالت إحداهن فجأة: اعزف لنا ..

فنظر فيها للحظات بنظرة متأملة .. أحست الفتاة أن عمرها قد توقف تلك اللحظات وأنها تود لو ظل ينظر فيها العمر كله ..

فقال نزار : هيا يا قصي .. مازال الـ(الأورج) الإلكتروني الخاص بك موجوداً عندي في الكبينة ..

ابتسم قصي وهو لا يزال ينظر للفتاة التي احمرت وجنتاها إلى أقصى حد وقال : ولم لا ؟!



قام وذهب ببطء نحو الكبينة .. وبعد 10 دقائق .. كانت التوصيلات جاهزة .. وأورج من شركة ياماها اليابانية على الطاولة البيضاء البلاستيكية ..

ثم راح يضرب قليلاً على بعض المفاتيح .. وهو يغير الإعدادات ..

ثم بدأ ..

راح يعزف لحنا كلاسيكياً فائق الجمال .. والأعين به مبهورة .. واجتمع الناس .. أما هو فلم يكن ينظر لأحد .. لقد اندمج في عزفه لدرجة أنك تحس أنه والموسيقى التي يصدرها كتلة واحدة ..

وفجأة .. تحول في عزفه إلى أغنية كاظم التي كان يتكلم عنها نزار ..

وبعدها بلحظات انتقل إلى أغنية تالية .. كل هذا بدون أن تشعر انه انتقل بك من لحن سريع إلى آخر بطيء .. كان بارعاً بالفعل .. وخيم على المكان خشوع رهيب .. والناس في شفاهها ابتسامات كبيرة وهي تتطلع في هذا الفيض الموسيقي الجميل ..

وفجأة كما بدأ .. توقف .. ونظر بسخرية .. وقال : ما رأيكم؟

توقف الناس لثواني ثم صفقوا كلهم .. أما هو فابتسم لهم شاكراً لهم ..

تقدم إليه شاب فارع الطول وقال: هل تمانع لو أقمنا حفلة على المسبح؟ نحن معنا (دربكة) والبنات سوف .. .

قاطعه قصي بابتسامته المعهودة قائلاً : عفوا لا أقتنع بالحفلات الراقصة .. أنا أعزف من أجل المتعة ..



ثم نهض من هناك وقال للبنات بكلاسيكية حقيقية قلما تجد من يستخدمها اليوم دون تكلف : كانت أمسية لطيفة .. تصبحون على خير ..

فقالت إحداهن : أليس الوقت مبكراً ؟

فقال : لدي بعض الأمور أود الانتهاء منها ..

وهنا نظر إلى حنان التي كانت تنظر إليه .. وحدق فيها لثوان .. ثم ابتسم وهو يمشي .. وعبر الطرقات في هدوء وفي بساطة ..


الجزء الأول

الفصل الثاني





إنه الصباح حين يبدأ الناس في درة العروس بالعودة للنوم .. بعد يوم مليء بالـ( تفاهة) .. بنات وأولاد .. وغمزات وهمسات .. ومحاولات جريئة وأخرى خجولة .. وأحياناً وقحة للفت النظر .. والمشكلة لا شيء محدد .. فلا فتاة محددة أو شاب معين .. بل كل ما تلقي به الأقدار جيد ..

فلسفة تعدى حدود تفكيرها قصي ..



أما قصي في العادة .. فإنه لا ينام بعد طلوع الشمس .. وإنما يسير على الشاطئ .. لا لشيء .. إلا أنه بالفعل يحب أن يمشي وحده على البحر في النهار .. ويحب أحياناً أن يكتب عند الفجر ..

إنه يكتب ؟؟ نعم يكتب .. كتابات قرأت بعضها ولم أقر أكثرها ..

ولكنه في هذا اليوم مشى كثيراً .. فقد عرف أن حنان تحب الشروق كثيراً .. تحب أن تجلس على السقالة كل يوم مذ أتت ..

وبكل غرور لا ترضى بأن يكلمها أحد ..

يروق لقصي مثل هذا الصنف الواثق من البنات .. ويروق له أكثر أن يمرغ هذا الغرور في التراب ..



ذهب إلى هناك .. وتعمد ألا يلبس ما يلفت الأنظار .. إنه جينز فاتح .. وقميص أبيض .. يظهر تقاسيم عضلاته النامية ..

مشى ووضع يديه في جيبه .. يمشي الهوينى .. وينظر بقوة في البحر .. وخصلات شعره تتناثر فوق وجهه .. تنعكس أشعة الشمس على طرف عينيه ببريق حاد .. وفي لمحة تشعل عينيه ..



وصل إلى نهاية السقالة .. وشاهد حنان وهي تجلس وحدها .. بجسدها النحيل .. والبحر أمامها يملأ الأفق يكاد يجعلها تختفي .. وصوت الموج ينبعث في هدوء وأناة .. موجة تلو موجة .. تجعل الأفق لوحة تستحق أن تُرسم ..



اقترب منها وقال لها في بساطة وأريحية تعمدها بصوته الأجش: أنت بالفعل قوية !

التفتت إليه بدهشة .. لم تكن تتوقع أن تراه في هذا الوقت من الصباح .. صحيح أنها أحس بأن أمراً سيحدث خصوصاً ً بعد تلك النظرة .. ولكن على الأقل ليس سريعاً هكذا .. لم تتوقع أنها ستنال من فكره الكثير .. حتى تنهار قوة الشخصية التي كان يتقلدها بمهارة بهذه البساطة .. هي تدرك أنه على الأقل لم يبد بادرة اهتمام حتى .. ولكن معنى هذه الكلمة أنه أعجب بشخصيتها ..



نظرت إليه وحدقت في تقطيبة عينيه .. ونظراته الفاحصة الذكية .. أما قصي فتابع في بساطة : لك قوة كبيرة أن تجلسي وحدك وتمضين كل هذا الوقت ..

لقد كنت ماراً بالصدفة من هنا .. بعد أن انتهيت من كتاباتي .. فرأيتك ..

أصابتها صدمة خفيفة .. "إذن فهو لم يقصد ما كنت أظن .. بل أمر آخر .. يبدو أن قصي هذا .. هو شخص مختلف تماماً عن كل الذين عرفتهم في حياتي " ..



ولم تدرك هذه الذكية .. قوية الشخصية .. التي صدت ناساً كثر .. واغترت بنفسها .. أنها أخيراً وقعت في شرك الكلام .. وأنها أمام محنك بحق يعرف كيف يجاذب أطراف الحديث .. فقالت دون أن تشعر بعد أنه أثارها الفضول : وماذا كنت تكتب ؟

فقال وهو ينظر إلى الجهة الأخرى .. وصوت الأمواج التي صارت تقبل صخور الشاطيء بعنف .. ورياح البحر تحرك شعره الناعم يمنة ويسرة : مقالات .. آراء في الحياة .. أفكار ..

قالت : مثل ماذا ؟

تمهل قليلاً : ثم أخرج يديه من جيبه وقال بابتسامة تخفي غامضة :

تعلمين .. لا أحب عادة أن اطلع أحداً على ما اكتب ..



أحست .. أنها ترمي نفسه عليها .. وأنها هي التي صارت تتجاذب أطراف الحديث معه .. وليس هو .. وشعرت أنها لا بد أن تفقد سيطرتها على الأمور .. لم تحس أنها هذه المرة مرتبكة ؟!

فقالت وهي تظهر الامبالاة : أنت حر ..



فنظر فيها .. وابتسم ابتسامته الساخرة .. ونظر لها متفحصاً لأول مرة عن كثب ..

حنان فتاة نحيلة .. ملامحها دقيقة جداً .. ولكنها تقاطيع حلوة .. وابتسامة تجعل الحياة أخصب .. ولها صوت ناعم خلاب .. تحس به ماءاً زلالاً ينزل في أودية روحك ليملأها .. ومن خلال شبه طرحتها البيضاء المخرمة تلمع خصلات شعرها المصبوغ باللون الأشقر الذهبي البديع ..

وبشرة برونزية تعكس أشعة الشمس من عليها .. وعيون عسلية كبيرة .. مكحلة الأطراف ..



ارتبكت حنان من نظرته لأول مرة ..

ربما لأنه أول شاب ينظر لها بهذه الجرأة والوقاحة دون أن يخجل حتى .. أو حتى يبدي بادرة إعجاب .. اعتادت حنان .. أن ينظر لها الناس .. وهم يستمتعون في جمالها .. ويرتشفون منه ما يرطب به جفاف أعينهم .. إلا أن قصي كان ينظر فيها نظرة المتأمل المتفحص .. كأنما يعاين فريسة قبل أن ينقض عليها ..

وهنا قال قصي :

استمتعي بشروقك يا سيدتي فقد شارف على الرماد ..

ثم وضع يديه في جيبه .. وذهب كعادته متململاً في مشيته .. ساخراً في ضحكته .. وكأنما الدنيا كلها لا تعنيه ..

وراحت تتابعه هي بنظراتها .. ما بين .. حنق على تصرفه المغرور .. وما بين شعور داخلي بالإعجاب ..



غريبة هي طباع الفتيات .. إلى درجة أني أظن أنهن في بعض الأحيان لا يفهمن أنفسهن حتى!

بقدر ما تكون مشاعرهم مفضوحة .. بقدر التظاهر بعدم صحتها .. بمقدار من الكبرياء والأنفة الممزوجة بالحساسية المفرطة التي جبلن عليها كطبع خاص بالجنس الناعم ..



مضى ذلك اليوم .. ولم ترى فيه حنانٌ قصي .. وهي فكرة من قصي تعمد إلى تركها فترة كافية لتفكر .. وليدور الموضوع برأسها ..

وفي الليل .. كان لقاء الشلة .. البنات .. ونزار الصديق المفضل لديهم .. صاحب النكات المرحة .. والظل الخفيف .. والحضور الذي لا يمل ..

وبعد أن انتهى من السخرية من هذه .. ومن التندر بتلك .. وبعد أن جعل الفتيات قنابل ضحك .. تتفجر هنا وهناك بأصوات مختلفة .. ما بين النشاز .. وما بين الأنوثة الحالمة .. قال لهن :

اسمعوا .. اسمعوا .. عندي لكم مفاجأة !

ثم راح يتطلع في أعينهم التي راحت تحدق فيه ..

فقال : إنها إحدى مقالات قصي أخذتها منه دون علمه .. ثم راح يحرك يديه .. ورأسه إلى الأمام .. وعيناه اللعوب تنظر بتساؤل : أتردن أن تسمعنها ؟

فقالت إحداهن بحماسة : بالتأكيد ..

وراح البقية يتطلعون في لهفة في سماع ما يخفي هذا الفتى الغريب .. إلا حنان .. التي أرهفت السمع دون أن تظهر ذلك

رجع نزار في مقعده . .أخرج ورقة من بنطاله المشخبط بجميع الرسوم الغريبة والألوان .. والتي تعتبر لدى جيل الشباب موضة جميلة لا أعرف بصراحة ما الجمال فيها !

ثم رجع وارتكز على كرسيه بورقة كُتب عليها بخط أنيق .. على الرغم من كثرة الرسوم الغريبة .. مما يدل أنها مسودة ..

ثم راح يقرأ :



غريبة هي حياتنا .. والأغرب منها طباعنا وشخصياتنا .. ومشاكلنا ..

جرت العادة أن تثير مشاكلنا فينا القوة كي نحلها ..

أو لأن نعبر عنها ..

لكن الغريب أن نصل إلى نقطة تكون فيها مشاكلنا مملة .

نسخر منها رغم أنها تقتلنا .. من الجنون أن نقول أن للمشاكل نكهة خاصة ..

لكن هذا صحيح .. لها نكهة التغيير .. طعم نرتشفه حين نصل إلى حلها .

ومن الجنون أن أقول أننا نجد في تعاستنا متعة .. وفي أحزاننا متعة أخرى فريدة من نوعها .. تدمع أعيننا تأثراً لموقف حزين ..

يثير في أعماقنا متعة غريبة .. هل هي متعة الأمان ؟؟ أن غيرنا في ألم .. ونحن لا ؟

نحن بنو البشر .. لنا شخصيات معقدة .. وعلينا أن نعترف فعلاً أننا كثيراً ما نكذب على نفسنا تحت ستار كلمة المفروض ..

تعربد في أعماقنا أفكارنا الشريرة .. وحتى إذا ما سألنا أنفسنا : أتريد أن تفعلي ذلك ؟

فتجيب : لا .. بل كنت أفكر فحسب ..

رغم أن الحقيقة أننا نريد أن نقوم بعمل متوحش أو حتى وضيع أو شرير ..





توقف نزار .. ووجد أعين البنات تحدق فيه باستغراب .. قالت واحدة منهن :

ما هذا الكلام ؟؟ بصراحة لم أفهم نهاية المقالة .. مستواه الفكري عالي جداً ..

لم أتوقع أنه يفكر هكذا .. أقصد .. إنه شاب هادئ إلى حد ما .. وتروق له الموسيقى .. ولكن لم أظن أنه يحب أن يتحدث في أمور مثل هذه ..



والحقيقة .. أن مقال قصي .. كان إلى حد ما رأي في الحياة .. بنظرة متأملة ..

تستحق الوقوف على أعتابها .. والنظر بين ثناياها .. ولكن المقالة .. دون أن تكون هذه الشخصية حية .. لن تعني كثيراً لثلة من البنات اللواتي لا يعرفن في الحياة إلا الرقص والموسيقى وكيف ينفقن الأموال على المولات التجارية الباهظة ..



قالت الأخرى : أليست له صديقة مقربة ؟

فردت الأولى : هذه هي مشكلة قصي .. . ليس لديه صديقات مقربات .. لقد سألت عنه هنا .. تخيلي .. أنا اسمع عنه من سنة ..

إنه يعامل البنات كلهن كما لو كن أخواته .. وبكن لا يسمح لهن بأي تجاوز .. ولا يسمح لأي فتاة أن

تكلمه في التلفون لأكثر من دقيقة .. إنه حتى يتجاوز مكالمتهن .. ولا يرد عليهن ..

حتى "ناني" حاولت أن تحادثه .. ولكنه حتى لم يقبل أن يكلمها ..

فقالت الأولى : أمعقول أنه نجا من "ناني" بذاتها ؟


ولد باريس غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2010, 05:53 AM   #2 (permalink)
ولد باريس
رومانسي فعال
 
الصورة الرمزية ولد باريس
 
أما حنان .. وبعد أن سمعت هذه الكلمات .. أحست بشيء غريب .. وكأنما نزل قلبها إلى بطنها ..

أحست ببرودة تسري في أطراف يديها :

"إن هذا الفتى حقاً لم أرى مثله في حياتي كلها !

لم هذه الغرابة والتفرد فيها بطريقة عجيبة ؟

كل هذا .. جمال .. وغنى .. وأناقة .. وموسيقى .. وفكر ولا توجد له حبيبة أو صديقة ! غير معقول .. أما في قلبه عاطفة .. أم أنه ينتقي فتياته بشكل جيد ..

جرت العادة أن يكون مثل هؤلاء الفتيان .. لهم باع طويل .. وطويل جداً في موضوع البنات ..

إنه حتى ليس ساذجاً .. ولكنه محترف في التعامل مع البنات .. يعرف كيف يتحدث لهن بثقة .. وبلباقة .. وفي نفس الوقت بقوة وجرأة ..

قصي من أنت ؟!"



أما قصي فكان في هذا الوقت يجلس على طاولة في مقهى صغير على طرف الكبائن .. وحوله بعض الأطفال الذين يتناولون البطاطس في نشوة .. كان يجلس في صمت يشرب قهوته التركية .. الذكية الرائحة ..

ربما هذه واحدة من سمات شخصية قصي .. حب الجلوس وحيداً على طاولة بعيدة عن الناس .. يجلس ليعيد ترتيب أفكاره .. وكأنما يلعب بالشطرنج .. كان يحدق في كوب القهوة في كوبه الورقي .. وراح يتابع باهتمام فقاعه الهواء التي راحت تسبح على سطح القهوة وهو يحدث نفسه :

ليس هناك الكثير من الوقت .. وهذه الفتاة .. كي أجعلها تحبني أحتاج إلى فترة طويلة ..

ولكن .. أنا مجرد أريد أن أمضي وقتاً ممتعاً .. في هذه الأيام الخمسة ..

هذه الفتاة مغرورة .. ولكنها غبية .. وأنا أعرف كيف أصل إليها في فترة قياسية ..

بدلا من شهر كامل .. سأستخدم طريقة سريعة تناسب هذه الشخصية ..

وعندما استقرت في ذهنه فكرة سريعة ..

ابتسم ابتسامته الساخرة .. حتى ظهرت أطراف أسنانه ..

ورجع بالخلف إلى الكرسي .. وأكمل بضع جرعات من قهوته ..

ثم نهض .. دون أن يعير أحداً أي اهتمام .. كأنه يعيش في الكون وحده .. ونفض عن قميصه ما لحقها من الكرسي البلاستيكي الأبيض .. وراح يمشي بهدوء ..



كان الهدف من كل ما يعمله قصي هو التسلية فقط .. وهو بارع في لعبته هذه .. إنها لعبة القلوب ..

لها قواعد بسيطة .. ومن يجيد استخدامها .. يلين له الحديد .. وتكسر أمامه أشواك الورود .. ويتملك بأسره قوة طاغية .. وقدرة على تحطيم الأرواح بمنتهى الشراسة ..





ترى ما هي الطريقة التي سيستخدمها قصي كي يجعل فتاة بكل غرورها .. وعنجهيتها مثل حنان تقع في حبه ؟

كيف سيفعل ذلك بعد أن قرر أن يفعله في يوم أو يومين على الأكثر ؟

كيف سيقدر على عبور كل الحواجز التي وضعتها فتاة كحنان؟

والسؤال الأهم : لم كل هذا؟ لم يستمتع بهذه الطريقة فقط ؟ ويكون الأمر في ناظره مهمة ويحملها هذا القدر من اتفكير؟؟



إنه الخبير ..

إنه قصي ..

الجزء الأول

الفصل الثالث




إنه الخبير .. خاطف القلوب .. إنه قصي ..

بارع هو .. ويعرف ما يفعل دوماً ..



قد وضع خطة كي يأسر قلب حنان المغرورة الفاتنة .. ولكي يختصر الزمن من شهر ويختزله إلى يوم .. وإن كانت الخطة في الحقيقة .. لا تعتمد على خطوات واضحة بعينها .. إلا أن مسارها مرسوم بعناية .. وليوظف ما يستطيع توظيفه من الفرص .. وليرتجل بعد أن يقوم ببضع خطوات على ما يستجد على الساحة ..





كان قد مضى على قصي بضعة أيام من حضوره ..

كان المساء لطيفاً ذاك اليوم .. كان يلقي بنسمات رقراقة .. تداعب الوجنات الناعمات .. وتبعث قشعريرة خفيفة في الجسد .. وتحرك الشعيرات على أسنمة البخت المائلة في قرية الورود ..

والازدحام كعادته على أوجهه .. ذلك أن المطاردات لا تحلو إلا عند توفر الطرائد .. ذلك أن جنساً من الإناث .. يروق لهن .. أن يكن لقمة سائغة في أفواه التماسيح .. ويرضين أن يكن في مهب ريح الفضيحة .. ثمناً باهظاً .. لاهتمام مزعوم .. وكلمة رقيقة تُداعب بها فتاة محرومة من الحنان الأسري .. تحت عزف الأغاني العاطفية التي تضج بالحب وبتصويره النهاية السعيدة لكل القصص الرومانسية ..





وكعادة اعتادها نزار وشلة البنات تلك .. كان اللقاء الليلة .. إلا أن قصي طلب من نزار .. أن يدعوهن إلى العشاء .. على حساب قصي .. في مطعم على الطراز الأمريكي داخل قرية الورود .. والحق يقال .. أن ما كان سيدفعه قصي .. باهظ الثمن .. إلا أنه ما كان يهتم كثيراً .. إذ أن كسب القلوب وفي مدة قياسية .. ليس له طريق أسهل من الكرم ..

وعلى الرغم من أن هؤلاء الفتيات .. ينتمين إلى الطبقة المخملية من المجتمع .. إلا أن دعوة مثل هذه لها طابع خاص .. يفرض جو الدور الرجولي .. على ما ترتضيه الأنوثة في داخل المرأة ..

وكما توقع قصي تماماً .. قبلت معظم الفتيات .. إلا حنان .. لأنه كان يدرك أن هذه النوعية من البشر .. لا تحب أن يكون عليها "جميلة " أو دين كرم .. تحمله تجاه شخص ما .. خصوصاً إن ما كان شخصاً مثل قصي .. وهن في أول الطريق ..

وعلى هذا المحك كان قصي يلعب ..



كان نزار والفتيات موجودين في المطعم .. ونزار يتحدث معهن .. ولا تكاد تمر دقيقة .. إلا والضحكات تتوالى هنا وهناك ..

كم تروق مثل هذه الشخصيات للبنات .. التي تضحك .. والتي تتمتع بحس الفكاهة !

ولم تمضي أكثر من دقائق حتى جاء قصي ..

كان يرتدي جينزاً أزرقاً سماوياً .. واللون الأبيض الباهت يحتل مساحة كبيرة منه .. بطريقة الموضة التي تنتشر هذه الأيام .. وكان يرتدي قميصاً أبيضاً تجري خطوطه مائلة إلى اليمين .. وكرافتة زرقاء تناسب لون الجينز .. وجلس في أناقة يحبها قصي .. وهو يحيهن ..

جاء ليحتل مكان الاهتمام بدلاً من نزار .. وليكون محط الأنظار .. وتحت دائرة الضوء .. بل تعلقت كل القلوب به .. وأمسى نزار كان في خبر كان ..



راح الجميع يتبادل الكلام في بساطة .. وكان أول ما ابتدر به قصي الكلام عند جلوسه بتساؤل أجاد فيه تصنع الاهتمام : أين حنان ؟ ..

فقالت عهود : لم تأتي .. فضلت البقاء في المنزل

ارتسمت بمهارة على وجه قصي .. أمارات خيبة الأمل .. وضم شفتيه في إحباط مفتعل ..

ولكنه في لحظة عاد كأن لم يكن شيء .. وعاد للحديث .. وكان قصي .. يقوم بسؤال كل بنت .. ويترك لها حرية الكلام والتعبير .. حتى إنه كان يطلب من الجميع الإصغاء .. وتحس وقتها كل بنت بالارتباك .. أن كل العيون تحدق فيها .. لأن الله صبغ على البنات صبغة الخجل .. ولأن العادة جرت في مجتمعاتنا .. أننا لا نستطيع أن نعبر عن آرائنا بالشكل الكافي .. وخصوصاً البنات ..



جاءت الطلبات .. وكانت الأطباق شهية للغاية .. ما بين ستيك سيرليون .. وفاهيتا .. وتشكن كايجن .. وأصابع الموزيرلا .. والكسدايا ..

وراحت أصوات الشوك .. تدق في الأطباق البيضاء الثقيلة .. وكأنما موسيقى لها وقعها الخاص .. في مناسبات الطعام الشهي ..



ثم راح قصي يقول وهو يتناول الطعام : حنان لها شخصية غريبة .. أم أن هذا يبدو لي ؟

راحت عهود مرة أخرى تتحدث : فيها كبرياء .. وأنفة .. وفي أحيان أكثر من اللازم .. ولكنها فتاة طيبة .. رغم قسوتها في أحيان عدة ..

وراح قصي يقطع قطع الدجاج أمامه المغمورة بصلصة الباربيكيو وهو يعقب : ولكني أجد هوة كبيرة .. وأحسها في شخصيتها .. ولا أدري لماذا ..

كانت سمر .. تنظر في قصي دوماً .. حين كان يتكلم عن حنان .. وسمر هذه هي ذات الفتاة التي طلبت من قصي في اليوم الأول أن يعزف بالبيانو .. وهي ذاتها أكثر فتاة تسير حنان برفقتها .. ولكنها لم تتكلم بكلمة عن حنان طوال وقت العشاء ..

فقالت عهود : دعك منها .. إنها معقدة .. ثم راحت تضحك ..

إلا أن قصي قال لها : لا .. إنها ليست معقدة .. إنها مميزة ..

ثم تابع طعامه بهدوء ..

وبعد قليل .. نهض قصي .. ليعيد ملء كأسه من البيبسي .. وهو يفكر في نفسه ويقول : يبدو أنهن لا يحببنها كثيراً ..

"قصي " التفت قصي وراءه .. ليجد سمر وهي تحمل كأسها أيضاً .. فابتسم لها .. فقالت : هل تريد أن أحدثك عن حنان ؟

فقال قصي : بالطبع .. هذا مؤكد ..

كان واضحاً للفتيات اهتمام قصي بحنان إلى حد ما .. وهو الأمر الذي كان قصي يعمد إليه .. ولكن في حدود قوة الشخصية ..



وبعد العشاء .. دفع قصي ببطاقة الائتمان .. ثم خرج الجميع شاكرين له هذه الدعوة .. ثم خرج قصي ليسير مع سمر .. وجلس معها غير بعيد عن الشلة أمام كشك صغير .. يبيع بعض الحلويات وألعاب الصغار ..

أحست سمر أنها مرتبكة وهي تتكلم .. ولكنها في النهاية .. يبدو أنها تغلبت على مخاوفها وقالت : يبدو أن حنان معجبة بك ..

ابتسم قصي .. وإن كانت هذه الابتسامة لها أكثر من معنى ..

فتابعت سمر : أنا لم أقل هذا الكلام .. إلا لأني لاحظت أنك معجب بها .. وأنك تريد أن تعرف عنها ..



من الجميل أن تثمر خططه بهذه الطريقة القوية .. وأن يتحصل على الشيء الذي يريده قصي .. وإنه شيء محدد هذه المرة ..

ولكن من الواضح .. أن هذه الفتاة .. هي أيضاً مهتمة به إلى حد ما .. أحس قصي بهذا .. في أول مرة حين طلبت منه العزف .. وفي نظراتها الدائمة له .. وفي إنصاتها الواضح دوماً لما يقول .. وفي خجلها أن تلتقي عينها بعينيه .. بل وفي لهيب يلتمع في كلمتها حين كانت تحدثه عن حنان ..

فسألها قصي :

من قال لك ؟

هنا أحس قصي .. بالفتاة تتميز من الألم .. وإن مثل هذه الأمور لا تمر على واحد مثل قصي .. أحس أنها تود لو كانت محل حنان .. أحس أنها تتمنى حقاً لو تتعرف عليه أكثر ..



ولكن حقاً لبعض البنات طبيعة غريبة جداً .. عندهن حب الإيثار في بعض اللحظات بطريقة عجيبة .. وهي ليست من باب الإيثار الحقيقي .. بل ليشعرن في أعماقهن بأنهن يتمنين للحبيب السعادة الأبدية .. ذلك النوع من الحب الذي يرضى بان يضحي بنفسه من أجل من يحب .. صورة أفلاطونية للحب العذري .. بعيداً عن حب التملك والتفرد ..

أخبرته سمر أن حنان معجبة به .. لتقول له بطريقة غير مباشرة أنها مهتمة لأمره كثيراً .. سيكولوجية غريبة ..

ولكنه تصرف يحدث لأصحاب الحظوظ القليلة .. حين تعرف الفتاة .. أن مجال المنافسة غير وارد .. خصوصاً حين تكون حنان بجمالها هي الخصم .. وحين يكون الطرف الآخر .. معجباً بهذا الخصم ..



فقالت سمر وهي تنظر في يديها : لقد كتبت ذلك في دفتر خواطرها إلى .. امممممم .. لقد كتبته في دفتر خواطرها ..

قال قصي وهو يجلس مسترخياً في الكرسي مشبكاً بين أصابعه : إلى من ؟

ابتسمت سمر وقالت : أفضل ألا أقول لك ..

فقال قصي بحذر : هل هو صديق ؟

فقالت سمر بسرعة مستدركة : لا لا .. أبداً .. إنه ليس صديقاً .. ليس في قلب حنان أي رجل .. ولكن .. إنها .. اسمع سوف أقول لك .. ولكن أرجوك لا تقل لها أني قد أخبرتك .. ستغضب مني كثيراً ..

فقال لها قصي : كلي آذان صاغية يا سمر ..

فقالت : إنها صديقتها المتخيلة ..

ضحك قصي وقال : قولي هذا من البداية .. لا عليك .. أفهم هذا الأمر جيداً .. إن الأطفال في أمريكا يقمن بهذا أيضاً ..

ابتسمت سمر كأنها أزاحت عن كاهلها هماً ..

جاء النادل وقال : هل تريدون أن تطلبوا شيئاً ..

قال قصي وهو يلتفت لها : هل تودين أن تشربي شيئاً ..

فقالت : لا شكراً ..

فقال : هيا .. ما رأيك في عصير البرتقال ؟

فابتسمت سمر في جذل وقالت : لا بأس ..

فالتفت إلى النادل وقال : عصير برتقال .. وقهوة تركية سكر زيادة ..

هز الرجل الممتليء رأسه ومضى ..

فترة من الصمت مضت .. قبل أن يقول قصي وهو ينظر في عينيها وكأنما يسبر أغوارها : سمر .. هل لك أن تحدثيني عن حنان ؟

فقالت سمر باستحياء : ماذا تريد أن تعرف بالضبط ؟

فقال : لم هي هكذا ؟ لم الجمود يملأ قسماتها ؟ لم هذه الشخصية القاسية ؟ هل هناك أمر ما ؟



فأخذت تتكلم عنها بإسهاب .. كانت تتكلم .. وتتكلم .. وأخبرته ملخصاً سريعاً عن حياة حنان :

فتاة من أسرة انفصل فيها أبويها بعد فترة قصيرة من الزواج .. لتكون بذلك البنت الوحيدة .. عاشت حياة قاسية .. خالية من الحنان الأسري .. والاستقرار العاطفي .. تربت في كنف والدتها .. التي علمتها أن تأخذ حقها بذراعها .. وأن البقاء في الحياة للأقوى .. وأن قوة الشخصية .. والقدرة على إبقائها تحت السيطرة .. هي الوسيلة الوحيدة للعيش في هذه الحياة البائسة .. تعلمت أن تكون قوية ..

وعلى الرغم من طبقة والدتها التي تعتبر فوق المتوسط بكثير إلا أن شيئاً من هذا لم يعوضها عن دور أبيها الذي كان من المفترض أن يكون مهماً في حياتها .. لتعيش هذه الحياة .. بأم تعمل عمل الأبوين .. والكبينة التي تجمع حنان وصديقاتها هي ملك لوالدتها ..

تعلمت كيف تكون باردة المشاعر .. لأنها مقتنعة أن المشاعر في هذه الحياة .. لا تؤكل الخبز .. بدأت بعض المشاريع الصغيرة بمساعدة والدتها .. ومنها تحصلت ربح يعزز ثقتها في نفسها .. وساهم ذلك في بناء شخصية قوية ..

كان هذا مجمل الكلام ..

ثم قالت سمر : ولكنها يبدو أنها أعجبت بك حقا ..



صمت قصي .. وراح يفكر وهو يحتسي قهوته في هدوء : كما توقع تماماً .. هذه الفتاة .. ليست قاسية بطبيعتها .. بل الظروف قامت بعملها على أتم وجه .. وصنعت هذا الحائط الصلب .. لا بأس .. أستطيع أن أتعامل معها جيداً ..

التفت إلى سمر وقال لها : لا تعلمين مدى الفضول الذي يتملكني .. مذ سمعت بموضوع الرسالة .. ياه كم أود أن أعرف ما برسالتها .. ولكن ..

ثم لوى شفتيه وابتسم لها ورفع يده فاتحاً أصابعه : ماذا أفعل .. أظن أن الفضول سيقتلني ..



إنه بارع بحق .. لم يطلب منها أن تأتيه بالرسالة .. و لكنه يدرك أنها ستحاول أن تفعل المستحيل من أجله .. وقد استغل هذا الأمر لصالحه بشكل جيد ..

فكرت سمر قليلاً ثم قالت : اسمع .. سأحاول أن آتي لك بها .. ولكن لا أدري .. اممممممم .. سأحاول .. انتظرني قليلاً ..

ابتسم قصي وقال : خذي وقتك ..

وذهبت سمر ..



أما هو فأخذ يتطلع في البحر .. وهو يمسك في يديه قهوته باستمتاع ..

سمر هذه تفكره بحكاية قديمة .. بل إنها تفكره بتلك الحكاية تحديداً .. نظر هناك في الأفق .. وتذكر نغمة حزينة .. وبسرعة البرق راحت الصور تجري في مخيلته بسرعة فائقة .. وأحس بسفح دمعة تملأ عيونه .. وراح يعتصر كوب القهوة الورقي .. ليسمع صرير الورق المتحطم .. أغلق عينيه في صمت .. وابتلع ريقه .. وأطلق زفرة حارة من صدره .. وقال : ما كان ينبغي أن أفعل ذلك .. تباً لي .. ليس سمر ..

فتح عينيه .. وأخذت عينيه تطالع الأرض .. والأصوات تخبو قليلاً قليلاً .. وأخذ يتذكر كأنما خرج من الصورة :

هنالك في الحديقة .. صوت بكاء .. قصي والذهول يرتسم على وجهه .. " لقد كنت أنا .. " وبدأ .. .



"قصي "

قطع عليه حبل تفكيره صوت سمر .. وهي تمسك في يدها ورقة دفتراً صغيراً أنيقاً .. وقالت وهي في منتهى الانفعال .. والدماء في أوداجها تضخ الدم بقوة .. وقالت : هذه رسالتها ..

مد قصي يده .. وأخذ الدفتر .. وفتح على صفحة أشارت له بها سمر .. وراح يقرأ .. وبصراحة .. هو لم يكن أبداً في حالة تسمح له بالقراءة .. ولكن لا يهم كثيراً :



من حنان إلى مادلين



إنه هو يا مادلين .. إنه هو .. لم يبارح مخيلتي إلا لثوان فقط .. كم هو أنيق .. كم هو لبق وساحر ..

تلك النظرات التي لا تبارح عينيه .. تلك النبرات الهادئة .. تلك الابتسامة الواثقة ..

لازال يشرب قهوته في الصباح كل يوم .. ويجلس هنالك ليكتب .. كم أتمنى أن أقرأ ما يكتب ..

أحس أني حين أراه .. أراه بهالات بيضاء تغمره .. فتجعله شمساً صغيرة ..

مادلين .. لا أستطيع أن أفكر في شيء غيره ..

صدقي أنه لم يكلمني كثيراً .. سوى تلك الجمل الرقيقة التي اعتاد أن يسحر بها كل من حوله ..

رغم ذلك قرأت في عينيه أشياء أخرى ..

ولكن هل تكون مجرد نظرات عادية ؟!

أنا في حيرة شديدة .. ساعديني يا مادلين ..

إنها المرة الأولى التي أحس فيها بمثل هذا الشعور تجاه رجل ..



لست أنا فقط من تحس به هنا .. بل كل فتاة هاهنا ..

إنه ببساطة يأسر قلوبهن جميعاً ..

فلم يمشي يوماً إلا نظرت له البنات ..

وهو يسير أنيقاً .. واثقاً كعادته .. وفي فمه ابتسامة هادئة .. ويوزع عباراته الساخرة ..

صدقي يا مادلين ما فتاة نظرت إليه إلا ارتبكت ..

وما من جريئة حاولت أن تتحدث إليه إلا احمرت وجنتيها خجلاً ..

لأول مرة أحس أني مفتونة في شخص لم يحاول حتى التودد لي ..

لم يتكلم بشيء .. لا أدري .. ربما هذا ما جذبني إليه .. أيكون ذلك ؟



إنه يتكلم فينصت الجميع .. إنه يمشي .. فتتعلق به كل الأنظار .. الجميع يحبه والكل يحترمه ..

مادلين إن انسب كلمة يمكن أن أقولها أني معجبة به ..

ولكني سأنتظر ما تحمله الأيام ..

وسأكون حذرة بالتأكيد ..

ماذا أخبرك ؟

ليس لديه صاحبات ..

لقد نفذ الكلام ..



لا تنسي أن تسلمي لي على كل الأصحاب .. سآتي بعد بضعة أيام ..





وبعد أن قرأ الرسالة قصي .. أدرك أنه فعل ما يريده .. كل ما يحصل يسير بحسب ما يشتهي .. وكل ما فعله قد أثمرت نتائجه أخيراً ..



ولكنه قطع على نفسه حبل أفكاره وقطع هذا الانتصار وقال : سمر ..

نظر لها هذه المرة بجدية مختلفة .. وكأنه ليس قصي الذي كان قبل قليل .. يلاطف ويتحدث برقة .. حتى نبرة صوته تغيرت وقال : سمر أنت إنسانة جيدة .. وأنا أدرك أشياءً عنك قد فضحتها عينيك ..

أما سمر فتجمدت في مكانها .. وأحست بزرقة تسري في أوصالها .. وتطلعت إليه وهي ترتجف ..

فقال وهو يقطب حاجبيه .. وبدأت حبات العرق تلمع في جبينه :اسمعي يا سمر .. أنا لست ذلك الرجل الذي تتمنينه حقاً .. وربما أقول هذه الكلمات لأول مرة في حياتي .. ولكن .. إن أحببت يوماً فقولي لمن تحبينه بأني قد أحببتك .. ولا تتظاهري بشيء آخر .. لا تدعي فرصة أن تمر من عينيك .. وإلا ستندمين طوال عمرك .. وأنا أعرف كل ما يدور في قلبك .. ولكن طريقي مؤلم يا سمر .. فلا تقتربي منه ..

سمر تجمدت في مكانها ولم تستطع أن تقول كلمة واحدة .. إذا هو يعرف أنني معجبة به .. وماذا يقصد قصي بهذه الكلمات ؟



أما قصي بنفسه أحس بآلام لا حصر لها في معدته .. ودوار رهيب .. وحرقة في صدرة .. وراح يقول : تباً .. ليس الآن!

وفجأة .. بدأ يكح .. وضع يده على فمه بعصبية .. وعندما رفع يده .. صرخة سمر صرخة صغيرة وهي تضع يديها على فمها .. فقد كانت يد قصي وهي مخضبة بالدم ..

اقتربت منه في خوف ..

ولكنه قال لها : سمر ..

تسمرت في مكانها لا تعرف ما تفعل ..

ولكنه قال : عديني ألا تخبري أحداً بما حصل .. ألا تخبري أحداً بأي كلمة قلتها لك ..

فلم تعرف ما تقول .. ولكنها راحت تنادي على الباقين بصوت عالي .. وما هي إلا لحظات إلا ونزار كان قد وصل إليه وبقية الفتيات .. وتجمهر بعض الناس .. ولكن قصي قال : أنا بخير .. وراح يمسح الدم من شفتيه .. وراح نزار يساعده في المشي ..
ولد باريس غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2010, 05:54 AM   #3 (permalink)
ولد باريس
رومانسي فعال
 
الصورة الرمزية ولد باريس
 
أما سمر فلم تتمالك نفسها من البكاء .. سألتها عهود : ما الموضوع ؟

فقالت سمر بهستيرية : لا أدري لقد كان يقرأ كلام حنان .. ثم بدأ يكح .. لا أدري ..



كان هناك الكثير من الغموض الذي يكتنف حياة قصي ..

ولكنها المرة الأولى التي يحذر بنتاً منه ..



وبعد هذا بثلاث ساعات كان قصي استعاد عافيته وجلس ليرتاح في أسفل كبينة نزار .. أما حنان فقد سمعت ما حصل .. وعلى الرغم من قلقها على قصي .. إلا أن أول ما فعلته أنها وبخت سمر توبيخاً قاسياً للغاية .. على أخذها ما ليس من شأنها .. ألا وهي دفترها الخاص .. وأنزلت بها من الكلمات .. ما أبكى سمر للمرة الثانية .. ولكنها لم تكن حتى تهتم ..

وسمع بذلك قصي .. بعد أن اتصلت سمر لتطمأن على حال قصي ..

فقال في نفسه : كنت أتمنى أن تكون الأمور أكثر سلاسة .. وأني لا أضطر إلى فعل هذا .. كنت أتمناه بالطريقة السهلة .. ولكنك لم تتركي لي مجالاً يا حنان ..

توجه إلى حنان مسرعاً وغاضباً .. وكان حانقاً بالفعل .. كانت تجلس مع باقي الفتيات .. قال لها بدون مقدمات : أريد أن أكلمك على انفراد ؟

نظرت له بدهشة .. وقالت : ما تريد أن تقوله .. قله هنـ .. .

قاطعها دون أن يترك لها مجالاً للنقاش وبعنف قائلاً : لا بل أنت ستأتي ..

ذهلت حنان من العبارة .. لم تتوقع منه أن يكون بكل هذه القسوة .. لم تكن تتوقع أن تختفي خلف هذه الملامح الهادئة .. كل هذا الغضب .. قامت معه وهي بانصياع تحس بخوف حقيقي ..





راح يمشي وهي تسير خلفه .. دون أن تتفوه بكلمة .. وصوت ضربات قلبها تسمعه إيقاعاً بين صوت خطواتها ..

ولما كانا بعيداً عن الناس إلى حد ما ..

نظر فيها بقوة وراحت يتكلم بصوت صارم : ألا تملكين قلباً ؟

أحست حنان .. أن الكلمة تنطلق من فمه كالرصاص ..

وراح قصي يقذف حمماً من الكلمات الجارحة .. فقال :

أنت لست بآدمية على الإطلاق .. أتقومين وتشتمين صديقتك لأنها فقط أخذت دفترك .. ولا تهتمي لحالتها ولا لبكائها ؟ أي بشر أنت؟

فقط لأنك ترين في شخصك قليلاً من الجمال تعاملين الكل ها هنا بكل هذه الوقاحة وكل هذه الأنانية .. تعاملين الجميع بكل برود وغطرسة .. كما لو كنت أميرة .. مازلت تعيشي في دوامة أنا بنت سعودية الكل يريد أن ينال رضاي .. أنت مغرورة ..

ثم طرق بأصابعه طرقة قوية .. كان لها صدى وهو يقول :

استيقظي .. لست أول بنت ينفصل والداها .. لست أول من تفقد الحنان .. ولست أول من تمتلك مشروعاً تداري به ضعفها ..



وطوال الكلام .. كانت الدموع تتجمع في عيني حنان .. واحمرت عيناها من قسوة الكلام ..

ولكن قصي حين وصل إلى موضع طلاق والدتها راحت دموعها تنزل .. ثم قالت وهي تبكي : كفي .. كفي .. حرام عليك ..

وراحت تخبئ وجهها في يديها .. وقد أطلقت لقلبها العنان .. بكت كما لو أنها اختزنت كل هذه الدموع سنيناً طويلة من حياتها .. كأن هذه الكلمات .. كانت تعرفها طوال حياتها .. ولكنها كانت تفضل أن تخفيه .. وأن تدفنه .. حتى لا تحس بعجزها ونقصها .. وحرمانها ..

لم تستطع أن تتحمل .. جلست على الأرض .. وراحت تجهش بالبكاء ..

اقترب منها قصي .. وقال لها بصوت دفيء: حنان .. لم أقصد أن أقول هذا الكلام ..

ولكن حنان دفعته بيدها النحيلة وهي تقول : دعني وشأني ..

فقال : حنان .. لقد قلت لك هذا الكلام لأني أحببتك .. لم أكن أريد من احد أن يسخر منك .. أو أن يقول كلمة واحدة عليك ..

وكأنما تلقت حنان الصدمة الثانية في حياتها .. نظرت إليه مندهشة بمحمر المدامع .. لقد فقدت اتزان مشاعرها حقاً ..

فلم تعرف ما تفعل غير أن تكمل بكاؤها .. وهي تقول : ربي .. سأموت والله ..

بكت كثيراً وطويلاً .. بكت ما يقارب ربع ساعة كاملة .. وهي لا تعي الدنيا بمن فيها .. لا تعي شيئاً من هذا الوجود .. أحست أن الحياة قد توقفت عندها ..

لم تهتم للناس ..

لم تهتم لقصي .. ذلك الذي فتح عليها أبواب الجحيم كلها .. فتح عليها كل أبواب أحزانها .. وجعلها تبكي .. ومن الجهة الأخرى فتح عليها أبواب السعادة الأبدية .. والأحلام الحالمة .. ونسائم الورود الشرقية ..





"حنان" .. نظرت وكأنها بدت تذكر أنها في الطريق .. نظرت إليه ووجها مغرق بدموعه .. ونزل الكحل على وجناتها مساراً لدموعها ..

أما هو فقد كان ينظر لها بنظرات لم تعدتها منه قبلاً .. فيها رقة وحنان .. وشاعرية .. وقال لها : أنت مرهقة .. هيا بنا ..

لم تعرف حنان ما تفعل .. أحست بمغناطيس قوي وصداع يكاد يفجر رأسها .. وراحت مع قصي وهي لا تدرك الدنيا بمن فيها .. تمشي بانصياع .. حتى أوصلها إلى كبينتها .. وقال لها : ارتاحي قليلاً .. أومأت حنان برأسها .. ودخلت الكبينة .. ثم مشى قصي ..





وهناك بجوار السقالة في نهاية البحر .. كان قصي يفكر .. وأتحداك أن تخمن فيم كان يفكر !! كان يرمي الحصاة الواحدة تلو الأخرى .. وهو يتأمل السواد البهيم .. كان يفكر في .. سمر!

مسكينة هذه الفتاة .. مسكينة .. تحبه حقاً .. وحنان ؟ للأسف كان قصي لا يفكر فيها البتة !

جلس لساعة يفكر في سمر ..

ثم تناهى إلى مسامعه صوت الأطفال .. فعاد من بحر تفكيره .. وتذكر أمر حنان ..



فابتسم ابتسامة كبيرة وضحك عالياً .. حتى سمعه الأطفال واستغربوا من ضحكاته .. أما هو فتحولت نظراته .. وصارت أكثر بريقاً ولمعاناً ..

لقد حقق ما يصبو إليه .. والحقيقة أن الظروف خدمته كثيراً .. ولكن كل ما حصل كان مخططاً له مسبقاً .. إلا موضوع سمر ..

الفكرة .. كانت كيف يعرض حنان لهذه الصدمة القوية .. التي تسحقها ؟ كيف يعرضها لصدمة يفقدها اتزانها ؟

كيف يعرضها لصدمة يلغي عقلها .. وقوتها ؟ وبصراحة لم يتوقع أن تكون هشة لهذه الدرجة .. لقد احتاج إلى مكمن ضعف .. ليقول لها احبك .. حتى تستقر في قلبها من الداخل .. وتسير الأمور كما يشتهي .. وهذا ما فعله حين كان يسأل عن حنان .. كان يبحث عن الحلقة الأضعف .. ليجتاح منها حنان

إن حنان من النوع الذي إن قلت له أحبك وهي تملك الزمام .. استغلته .. ولتريثت قليلاً .. وأطالت الموضوع .. وراحت العلاقة تستمر في كر وفر .. وهو يجلس هنا فقط لخمسة أيام .. وبعدها يعود ..

كان ببساطة سيثير مشكلة ببساطة .. أي مشكلة .. ولو حتى لنظرة منه لم تهتم لها .. ويقول لها ما قال ..

لقد كان سعيداً لأنه غضب حقاً من تصرف حنان مع سمر .. فقال ما قال .. وجرح بما جرح بدون إن يحتاج إلى جهد كي يتصنع الغضب ..

تلك هي لعبة المشاعر .. وذلك هو قصي ..







وفي الصباح ..

عندما استيقظت حنان .. كانت الشمس قد أشرقت .. وتبعث وهجها في أراكن الغرفة .. كانت تحس بصداع في رأسها .. تثاءبت .. ثم نظرت إلى الطاولة إلى جوارها .. وجدت باقة من الورد الطبيعي .. في تناسق فريد .. وفي ألق خلاب .. ابتسمت حنان لجمال الورود .. ووجدت عليه كرتاً أنيقاً .. فتحته :



صباحك سكر ..

قصي ..



ابتسمت .. كان البارحة يوماً مرهقا .. ولكن قصي .. آه .. قال أحبك .. هذا يكفي .. لا يهم أي شيء آخر .. ابتسمت عندما تذكرت كل هذا .. ونست الدنيا كلها .. وغطت نفسها بالفراش ..



وبعد دقائق دخلت عليها سمر .. وقالت لها : صباح الخير ..

رفعت حنان فراشها وابتسمت وقالت : صباح النور ..

فقالت سمر: طبعاً يحق لك أن تبتسمي مع هذه الباقة ..

احمرت وجنتا حنان ..

فقالت سمر بجذل : يا الله لأول مرة يا حنان أرى خديك يتوردا في خجل .. لا .. يجب أن أصورك ..

وهنا نهضت حنان من فراشها وراحت تجري نحو سمر والابتسامة في محياها كبيرة .. وأخذت الفتاتان تجريان .. حتى وصلا إلى قاعة الطعام .. وراحا يلعبان حولها .. فقالت سمر: إن أخبرتك ما لدي ماذا ستفعلين وقتها ؟

فتوقفت حنان عن مطاردتها وقالت : قولي لي ..

قالت سمر وهي تبتسم : لقد دعانا قصي كلنا إلى رحلة بحرية قصيرة تستغرق ساعتين ..

حنان لم تعرف بم ترد وكأنها تحولت إلى دمية صغيرة حمراء .. فقالت سمر : تجهزي في الليل ..

فقالت حنان بجذل .. وهي تلعب في خصلات شعرها بحركة لا إرادية : بالتأكيد ..

فقالت سمر : سأذهب مع عهود والأخريات لنشتري بعض الآيس كريم هل تريدن بعضاً ..

حينما قالت حنان : سمر .. ثم صمتت قليلاً وقالت : أنا آسفة ..

التفتت سمر لها .. صمتت قليلاً ثم بادلتها الابتسام وقالت : لأول مرة يا حنان مذ تعرفنا تقولين لي هذه الكلمة ..

قالت حنان : وستسمعينها مني دائماً يا سمر إن أخطأت عليك ..

فقالت سمر وهي تبتسم : أين كنت يا قصي ؟ لقد احتجنا إليك من وقت طويل ..

تبسمت حنان وتوجهت إلى غرفتها تنتقي ثوبها ..







ما الذي سيحدث ؟

بعد أن وقعت حنان في حبال قصي ..

قصي ذلك الخبير ..

الذي يخبأ لنا من أسراره الكثير والكثير ..

قصي الذي لم تعرفوا بعد فيم يفكر ..

قصي الذي كان يفكر بسمر ..

بعد أن أبكى حنان وقال لها أحبك ..

وكيف سينهي موضوع حنان ؟

الجزء الأول

الفصل الرابع




إنه الفصل الأخير لقصة الخبير قصي .. مع الجميلة حنان .. التي أحبته بدون وعي منها .. أحبته دون ن تعلم ما كان يخطط له قصي .. ذلك الذي امتلأ بالأسرار .. بل بكل الأسرار .. حتى بات فهمه أمراً أشبه بـأحجية .. يفكر في سمر بينما هو منشغل في إيقاع حنان في شباكه .. بأغرب الطرق والأساليب ..
مع ذلك .. فهو لم يحب سمر ..
تفكير غريب حقاً لإنسان أغرب !

وهاهو قصي قد تملك قلب هذه الفتاة .. بقي بضعة أيام بسيطة .. ثم يعود مرة أخرى .. وعليه أن يتخلص منها .. بكل برودة .. وبلا أي معنى للمشاعر .. بعد أن لاك حياتها بين أصابعه .. بعد أن قام بهضمها وامتصاص رحيق مشاعرها .. بعد أن دخل قلبها بمنتهى القوى .. وغير حتى من طباعها .. في فترة قياسية .. بعد أن وقفت أمامه مسلوبة القوى ..

كيف سيتخلص منها ؟
قد يقول الكثير .. بأن هذا أمر سهل ..
ولكنه في الحقيقة أصعب بكثير من أن يوقعها في شباكه ..
كيف يتخلص منها دون أن تًُبقى عليه ذرة حقد ؟
كيف يتخلص منها وتبقى هي على ذكراه ؟ كأجمل ذكرى .. وأحلاها ؟
كيف يتخلص منها .. ويخرج هو كالشعرة من العجين ؟
كيف يتخلص منها بهذه البساطة ويمضي هو لبيته دون مشاكل تطارده في حياته ؟
كيف ؟

وأنا هنا سأخبركم كيف ..


هاهي حنان .. والفرحة تغمر محياها .. وإن كل الذين عرفوا هذه الفتاة .. رأوها في ذلك اليوم حنان لأول مرة والفرحة تغمر حياتها .. دون أن تحاول أن تخفيها .. بل تخرجها .. وتتعامل معها بكامل الاستمتاع .. بمنتهى النشوة .. لأول مرة رأوها .. والفرحة تكاد تغبطها .. أحسوا بأن الحياة أخيراً قد تدفقت بين شاريين قلبها البارد الذي لم يكن ينبض بأي نوع من المشاعر .. بارد كثلجة جافة .. قاسي ككتلة صماء ..
فجاء قصي .. الخبير .. ليكسر القاعدة ..
ويغيرها في أيام فقط ..

لبست حنان بنطالاً أسوداً يتحول إلى الرمادي الغامق مع انعكاسات الأضواء في بعض الزوايا .. وحزاماً ذهبياً عريضاً .. تزينه نقوش فرساتشي المميزة .. وارتدت قميصاً زهري اللون .. كلون خديها .. من Panan Repaplic .. وفوق كل هذا عباءتها المخصرة التي يلبسها معظم الناس هنا .. والتي في الحقيقة هدف إبراز الجسم أقرب لها من إخفاءه كهدف ..
ووضعت مكياجاً خفيفاً كعادتها .. ولكنها تلك الليلة .. ظهرت متميزة أكثر من أي وقت مضى .. بدت حالمة أكثر .. ولطيفة بأنثوية .. بدت أكثر رقة وخفة ..
وما إن وصلت الساعة الثانية عشرة مساءً إلا وقد خرجت مع سمر التي ما انفكت تغامزها .. وخرج معهن بقية صاحباتها .. وفي الحقيقية لم تكن سمر هي الوحيدة التي نالت من حنان .. بل الكثير من الشبان .. وفي ذلك وجد بقية البنات فرصاً أكبر لاستهتار أكثر ..
قد ربما تكون هذه نظرية .. نفسر بها سبب تجمع الفتيات وتكوين الجماعات ليترأسها الجميلات منهن .. سلوك سخيف غير مقبول في مجتمع يدين بالفضيلة ! ولو لم يتم إصلاح مثل هذه الفئات الساذجة .. فلنقل على بناتنا السلام ..

وصل البنات إلى السفينة .. كانت حنان بينهن قمراً بين النجوم الخافتات .. ولما صعدن إليها .. وجدوه !
ساحراً كعادته .. مبهراً في خطواته .. وأناقته المفرطة .. ورائحة العطر التي تعبق أنفاسك أينما ذهبت ..
كان يقف على طرف السفينة .. يلبس بنطالاً هو الآخر .. ولكنه أبيض اللون .. يجعلك تحس بطوله الفارع ..
وقميص أزرق في غاية الأناقة .. مفتوح الصدر ..
ينظر إلى كل الناس في قوة .. وكأنما لا يخشى الدنيا بأسرها .. شيء من ثقة بالنفس .. مع لمحة من الغرور ..
وكانت ذقنه الخفيفة تعطيه رجولة ومظهراً رائعاً ..

من المفارقات الغريبة أن حنان المسكينة تلبس بنطالاً أسودا .. وأن قصي صاحب القلب الحجري .. يلبس أبيضاً .. وكأن هذه الصورة تضحك لنا في سخرية .. كأنها تقول لنا .. الدنيا عكس ما تراها .. الدنيا تمتليء غدراً .. ومكراً وخبثاً ..
وكان معه نزار .. وكما يروق له في العادة أن يلبس .. "كاجوال" .. بطريقة تناسب شخصيته المضرجة بالحياة ..


بابتسامة مميزة قابلهن .. تقدم الفتيات .. ودخلوا إلى الدور السفلي .. حيث كانت هناك حفلة غناء صغيرة ..
ورجل يغني يفترض فنان " كما يحلو للأمير عبدالرحمن بن مساعد أن يعبر " وفرقة موسيقية .. وجو مليء بدخان النرجيلة .. جو صاخب .. لا يلائم قصياً في عادته .. يفرض طابع الضوضاء .. والحركة .. لتجد بعضاً من البنات .. صارت تهتز لا إراديا مع نغمات الموسيقى دون أن يخجلوا من أنفسهم .. كيف يفعلون هذا والمكان يعج بالرجال؟ ولكن اللوم ما ينبغي أن يقع عليهم .. ولكن على أشباه الرجال الذين تركوهم بهذه البشاعة لقمة سائغة في أعين الجائعين

وجلس الجميع على طاولة واحدة .. ونزار لا ينفك يترك أحدا بتعليقاته الساخرة .. وصارت الفتيات حوله .. بعد أن أدركوا أن حنان قد اختطفت قصي بمنتهى الجدارة والاستحقاق .. ولم يكن في قلب واحدة منهم غصة باستثناء سمر التي رضخت للأمر الواقع .. وفرضت عليها شخصيتها الطيبة أو المنهزمة إن صح التعبير .. أن تفرح لحنان .. ذلك أن البنات كن يدركن .. أن مثل هذا الشاب .. لا يكون في العادة لامرأة عادية .. لابد أن يكون لواحدة مثل حنان ..

أما قصي .. كان يوزع ابتساماته بهدوء رائع على كل الحاضرين ويشارك في الكلام بكل أناقة .. ولكن الذي يدقق قليلاً كان يلاحظ أنه كان ينظر كل لحظة وأخرى في حنان .. كان يرسل لها من نظراته كل سحر .. كان يقول لها في كل نظر أحبك .. أحبك .. وهي التي كانت تحاول بفشل في معظم الأحيان .. أن تخفي انتباهها باستماعها إلى الغناء .. قد أحست هذه المسكينة أن الحياة فتحت لها أبوابها أخيراً بعد جحيم المعاناة ..

وبعد نصف ساعة قال قصي لحنان .. هل تودين أن تشاهدي السفينة وهي تسير في الماء ؟
قالت حنان وتصنع الثقل في شخصيتها لا زال يأخذ حيزه : ولم لا ؟
وصعدا إلى ظهر السفينة .. هو قال : أخيراً .. أخيراً استطعت أن أكلمك وحدك ..
نظرت فيه بخجل لم تعتده حنان في حياتها ..
أحست حنان أن الحب يبيح أن نعطي للناس الذين نحبهم كل شيء .. نعطيهم بكل الحب .. دون أن نفكر .. أحست حنان أن حبيبها هذا هو الإنسان التي تستطيع أن تثق فيه دون أن تفكر .. أن تعطيه كل شيء في حياتها .. صحيح أن هناك أمور لا يستطيع قصي الاقتراب منها .. شرفها وعفافها .. ولكنها كانت واهمة حين ظنت أن هذا هو الأمر الخطير فقط .. فقلب الفتاة خطير جداً .. بل إنه السبيل والمفتاح لكسر كل الحواجز بلا استثناء .. وذلك ما يتشدق به الفتيات دون أن يعين بحق أنهن مخطئات :
يقولون بأننا نستطيع أن نتحكم في علاقاتنا .. يقولون .. أننا في اللحظات الحاسمة .. وحتى قبلها نستطيع أن نقول لا .. يقولون أننا سمعنا من خلفائنا الكثير من القصص واعتبرنا .. يقولون أننا نستطيع أن نحس بمن يكذب .. وبمن يقول الصدق ..
لكنهم لم يدركوا .. أن العلاقات العاطفية .. لا تحكمها قواعد العقل .. لا تحكمها سوى الأهواء .. لا يحكمها إلا من يلعب على هذه الأوتار .. بخبث كان أو صدق .. تحركه رغبة حيوانية دفينة .. أو حتى رغبة إنسانية ملحة .. كلها سواء .. وتؤدي إلى النتيجة نفسها ..
لا يدركن أنهم مهما كن قويات .. لن يستطعن إمساك الخيوط في أيديهن .. لا يدركن أنهن تحت تأثيرات عدة .. سيكون التنازل عن بعض القيم .. هدفاً للوصول إلى قيم أعلى ..
المشكلة أنهن يعرفن أن كتب في هذه الأسطر هو الحق .. ولكنهن لا يعين ولا يدركن ذلك ! وفرق بين المعرفة .. وبين الوعي والإدراك !

جلس معها قصي ساعة كاملة .. وحنان لا تحس بالوقت .. أخبرها عن نفسه وعن حياته .. وبالطبع كان كلاماً فارغاً تعتريه الصحة الظاهرة
كذب .. بكل قلب راضي عن طباعه .. وعن حياته .. وآراءه في الحياة ..
نعم حياة الصادقة بين الأولاد والبنات مليئة بالكذب الذي لا يغتفر ..
وإن كنت أنت صادقاً .. فلا عجب أن يكون الطرف الآخر كاذباً ..

حنان جلست تستمع في شغف ..
لم تحس بالوقت ولا المكان .. ولا شيء .. فقط هي وهو ..

لم تحس حنان وقصي يسحب من بين شفتيها الكلام .. راح يسطر في حياته أحداثاً .. تتكئ على جراحها .. وتوجع قلبها .. لتقول بكل الألم .. أن مثل هذا حدث لها بطريقة أخرى .. وراح الكلام يتحول من قصي .. إلى حنان .. والحديث ينتقل من موضوع إلى آخر ..
إنه فن حديث .. يعرف أسراره الحاذقين .. الذي يجعلونك ودون أن تحس .. تسرد عليهم حياتك .. بل وتفضي إليهم ببعض أسرارها .. وتبين لهم ما لا تخبر أقرب الناس قرباً لك ..
صحيح أن حنان لم تخبره بأسرار عظام .. صحيح أنها كانت تتحفظ في الكلام .. لكن قصي .. ما كان يريد أن يعرف سراً معيناً .. كان يريدها أن تتكلم .. كان يريدها أن تخبره بأحاسيسها .. بأن تضع له خارطة لقلبها .. فالوصول إلى أي امرأة لن يكون إلا عن طريق مشاعرها .. وإثارتها .. وخربطة هذه المشاعر .. وإيجاد المنافذ نحو الأبواب المغلقة ..

وبعد انتهاء الرحلة .. حطت السفينة رحالها على الشاطيء .. وقابل قصي وحنان بقية المجموعة .. صرخت عهود مازحة : أين كنتم .. لقد اعتقدنا أنكم ضعتم !
قال لها قصي مبتسماً : ومن لا يضيع وهو مع حنان .. أحست سمر ان سهماً نارياً اخترق قلبها وعبر إلى الجهة الأخرى ..
ولكن نزار قال : الله .. الله .. قصي بدأ في نسج الأشعار .. ابتسمت حنان في خجل واضح .. ونزلوا سوية ..

وما إن وصلوا إلى الكبينة .. حتى قال لها قصي أمام الكل : أتسمح أميرة الكون .. أن تتمشى معي ..
احمرت خدود الفتيات من هذا الغزل الصريح .. الذي لم يعتادوه كل لحظة من شخص كان أمامهم مثل الجبل الأشم .. إلا أن حنان قامت لتمشي بجواره بسرعة لتنهي إحراجها الذي كان بلا حدود .. وعندما مشيا قليلاً قالت له : ألا تكف عن كلامك هذا إمام الناس ؟ إن هذا يحرجني .. أرجوك .. لا تقل هكذا ..
قال لها في بساطة : وما العيب أن أقول لك أمامهم بأني أحبك ؟
توقفت حنان وعلت على قسماتها ملامح هي مزيج من الخجل ومن الدهشة وقالت وهي تجمع الخصلات الشقراء النازلة على جبهتها لتضعها تحت الطرحة الوردية : أأنت مجنون ؟
في أحيان يتمنى الواحد منا .. أن يقوم الآخرون بعمل مجنون من أجلنا .. رغم الخجل الذي سوف يعترينا .. رغم الإحراج الذي سوف يملأنا .. رغم أننا نحارب ونقاتل كي لا يفعلوا مثل هذا الجنون .. إلا أننا أحياناً .. نحب أن نتميز عن الناس .. وأن نفرح بهذا التميز .. وكذلك كانت حنان .. كانت تود أن يحسدها الناس عليه .. ولكن كثير من الرغبات تبقى في داخلنا ..
فقال : لا .. سوف أذهب وأخبرهم ..
أما هي فأخذت تضحك وهي تقف أمامه حائلاً من العودة قائلة : لا أرجوك كفاك إحراجاً ..
وهو بعبث طفولي يحاول أن يناور حتى تبتعد عنه وهو يرفض وهي تتراجع شيئاً فشيئاً ..
فقالت : أرجوك لا تفعل .. هذا رجاءي ..
فهدأت حركته وتطلع في عينيها برهة وقال : رجاء ؟أنت يا سيدتي لا ترتجين .. أنت تأمرين ..
لم تعرف حنان ماذا تقول .. ليس من عادة الكثيرين .. أن يعاملوا معاملة الملوك .. ليس من العادة .. أن يعاملوا بمثل هذا القدر من الخضوع والامتثال للرغبات .. حتى وإن كانت تظاهراً .. وكان هذا ما يعجبها كثيراً ويرضي الكثير من غرورها ..
.. قال لها : حنان : إن حبيبتي أعطيها الدنيا بما فيها .. أعطيها ما يمكن أن يعطيه إنسان لأحد في الدنيا ..
فابتسمت وقالت : ومن قال لك أني أريد شيئاً ..
قال : بلى تريدين .. تريدين قلبي .. أليس كذلك ؟
قالت بخفوت : بلى ..

ومضى ما بعد منتصف الليل بأكمله .. وطلع النهار .. وعند أذان الفجر .. قال لها .. سأذهب لأصلي .. فطالعت فيه بدهشة .. وقالت : ما شاء الله تحافظ على صلاتك ..
هنا تكلم قصي بجدية حقيقية .. يعرفها من يعرف قصي بحق .. وقال : كل شيء في هذه الحياة وارد إلا أن أترك الصلاة .. ذلك درس تعلمته في حياتي .. ولن أرضى أن أتنازل عنه بشيء أبداً ..
ولمن شاء أن يصدق فليصدق .. فقصي هذا الكائن العجيب .. مستعد لأن يترك الدنيا كلها من أجل الصلاة .. ربما هي ازدواجية التفكير لديه .. ربما هي أصول التربية عليها .. ربما هي قناعاته الغريبة ..
وليس من العجيب أن يجمع هذا الإنسان الشر والخير بأقصى حدودهما .. تستطيع أن تقول أنه أمر وضعه في أولوياته .. ونصب له مكاناً خاصاً يتعدى أي مكانة ..
والحق يقال :الصلاة .. ليست أبداً سبباً كافيا أن نتخذ هذا الشخص حبيباً .. وأن نثق بأمانته وصدقه .. ذلك أن زمرة من البشر .. لا ينالها من الصلاة .. إلا الحركات .. ذلك .. أنهم يصلون .. وفي الصلاة يفكرون كيف يعصون الله .. ولكن وللأمانة .. إنهم .. أفضل من كثير من أمة بني الإسلام .. لا يصلون .. وإن كانوا ليسوا بشياطين يخدعون الناس مثل قصي ..

وبعد صلاة أداها مع نزار .. عاد إلى حنان .. وكأنه ما كان يصلي قبل قليل .. وكأن هذه المعصية .. صارت من صميم العادة .. لا تجعل الصلاة فيها حرقة في القلب .. خصوصاً إن كان القلب ميتاً ..

وجلس معها جلسة لا تحلم بها أي بنت في الدنيا .. بين الكلام العذب والمشاعر الحلوة .. بين أحضان الأمان التي كانت تفتقده حقاً .. لم يحاول أن يقوم بأي أمر سيء معها .. لم يحاول أن يلمس يديها حتى .. لأنه كان يريد أن تحس معه بالطمأنينة .. وللدقة أكثر .. ليس قصي ممن يسعون وراء هذه الأمور ..

ولما جاءت الساعة السابعة صباحاً كانت حنان قد عاشت ربما أحلى ساعات حياتها .. عاشت مع قصي .. مع رجل يعرف كيف يعامل الأنثى .. يعرف كيف يجعلها تحس بالسعادة .. بالراحة .. بالحنان .. بالدفء .. بما لا تشعر به عادة .. وهي وحيدة .. وأصداء الحرمان تتلوى في مخابز أحلامها .. وقصي الذي رسم لها الحياة .. غير الحياة التي كانت ستمضيها ..
ثم أوصلها إلى الكبينة .. وودعها بأجمل ابتسامة ..


وفي اليوم التالي .. وعند المغرب ..
استيقظت حنان والسعادة تغمرها .. كانت تحس بصداع خفيف .. من نومها الثقيل وسهرها البارحة التي لم تألفه كثيراً .. ولكنها لم تكن تهتم .. كانت تحس بالبهجة .. وهذا يكفي .. من كان يظن أنها هذه المرة ستلتقي بفارس أحلامها ؟! من كان يظن أنها ستقابل شاباً يصنع لحياتها آفاقاً ما فكرت في وصولها يوماً ؟!
كانت كأن الطيور غنت لها أحلى معزوفة .. والبسمة في محياها صارت ما تبارحها .. وأزهار الدنيا تفرش لها الأرض وتقبل قدميها .. والفجر راح يهمس لها .. بأن العالم كله يشرق من أجلك ..

خرجت وقابلت قصي مرة أخرى .. الذي كان ينتظرها .. وكأنها اليوم صارت تحبه أكثر من قبل .. والراحة التي تملأها أكثر من ذي قبل .. وصارت حياتها .. ومستقبلها .. كله صورة واحدة كبيرة .. قصي .. ذلك الخبير ..

وبعد العشاء قال لها قصي : سأذهب لأصلي وسأعود بعدها ..
وجلست حنان تنتظر .. ومضى الساعات .. وجاءت الساعة العاشرة .. ثم الحادية عشرة .. وراح القلق على قصي يأخذ أبعاداً جديدة .. اتصلت حنان على نزار .. ولكنه لم يكن يعرف شيئاً .. أخذت منه رقم جوال قصي .. ولكنه قصي لا يرد على جواله حتى ..
انتصف الليل وحنان تكاد تجن ..
وفي النهاية وعند الواحدة والنصف .. جاء ..

جاء وجلب معه النهاية القاسية .. جاء .. وحمل لها ما لا يستطيع أن تحتمل حنان ..

كانت حنان تجلس أمام كبينتها .. تنتظر .. وهي تعبث بجوالها .. وهي لا تعرف كيف تتصرف .. كانت تطالع هنا وهناك .. علها تلمحه .. وأخيراً .. رأته .. كان يمشي بهدوء .. وعينيه على الأرض .. في تفكير عميق .. مقطب الحاجبين .. نهضت .. وراحت تمشي في خطوات واسعة .. والقلق يدب فيها قلبها الرعب .. وعندما اقتربت منه قالت : أين كنت ؟
حدق فيها لثوان .. والصمت كألف قنبلة .. ثم أخذ نفساً طويلا وقال لها : حنان يجب أن نتحدث ..
لم ترد حنان ولكنها تبعته حتى كرسي خشبي قريب ..
ولما جلساً سوية ..
نظر إلى البحر .. والرياح تأخذ شعره يمنة ويسرة .. وهي تنتظر ما يقول .. وكأنما يخرج الكلمات من جوفه .. تلك هي الطريقة الكلاسيكية في تلاوة الأحداث البشعة .. وقال : حنان .. يجب ألا نرى بعضنا مرة أخرى ..
حنان ذهلت .. ولم تعرف بم ترد .. وأحست بمن يسكب عليها الماء البارد .. بل الماء المثلج .. ما الذي يقوله هذا المخبول ؟! أين كلماته بالأمس ؟ أين الأحلام ؟
ولكنه تابع : هذا أفضل لي ولك ..
حنان أحست أن غصة تملأ كيانها وأنها لا تعرف بم ترد .. وأن اشتعالاً قد بدأ لتوه في صدرها .. وراح يكبر بسرعة فياضة ..
ولكنها قالت بهدوء وبرود استطاعت أن تستجلبه من طبع عاشت به لسنوات : ما الأمر ؟
قال لها وهو يصرخ : لا داعي لكل هذا الأمر .. انتهى كل شيء .. وأنا سأغادر غداً ..
وكأن صراخ قصي .. كان الشعلة التي أشعلت مخازن البارود لدى حنان .. وبدأت تصرخ : تباً لك .. ما الذي تفعله بي ؟ ماذا تريد مني هاه ؟تقول لي أحبك .. ثم تأتي بكل بساطة .. وتقول لي نترك بعضنا ..
تجاهلها وهو يمشي دون أن يلتفت لها وقال: هذا هو الأفضل لكلينا ..
قالت : أنت .. وغد .. أنت سافل .. ووضيع .. أنت لا تساوي حتى بصقة أتفلها علـ ..
لم تكمل هذه العبارة ..
لأن يد قصي امتدت بقوة .. لترتطم بخد حنان .. مدوية بصوت الصفعة المألوف ..

وقفت حنان وهي عاجزة عن الحركة .. وقفت وعيناها مفتوحة من الألم .. وانحلت طرحتها لتظهر بعض الخصلات الشقراء على وجهها .. وهي تمسك خدها ..
لم يسبق أن صفعها أحد من قبل .. لم يسبق أبداً .. أن امتدت يد لتؤدبها على حتى أخطائها ..
أما قصي تجمد لوهلة .. وكأنه مصدوم مما فعل .. وكأنما بقول كيف فعلت هذا ؟
ثم تركها وذهب .. دون أن يقول كلمة إضافية ..
ولم تمضى ثوانٍ .. حتى راحت الدموع رغماً عن حنان .. تمتليء في عيني حنان .. لتبكي .. بحرقة .. لتبكي .. بقوة .. بانفعال .. مسكينة هذه البنت .. لقد قلب لها كيانها في أيام معدودات .. ما بين حب وكره .. ما بين تمسك ورفض ..
لم تعرف حنان ما تفعل إلا أن ترجع كبينتها .. وآثار الكف مازال عالقاً في خدها بمعناه .. رغم أن أثره الظاهري قد زال .. وعندما لاقت السرير .. رمت بنفسها عليه .. وراحت تبكي في ألم .. ونامت ودمعتها على وسادتها لم تجف .. واشتعالات في الحلق .. لا تكفي بحار الأرض لإطفائها .. ولكن آلامها كانت تحتاج إلى تضميد .. كانت تحتاج إلى أن تبكي .. وفترة حتى تلعق جراح لبوة جريحة ..




أصوات العصافير .. تتخل مسامعها .. وصوت البحر في تردده المشهور .. يعلو ويخبو رويدا .. فتحت حنان عينيها في إرهاق وتعب .. لمحت خيالاً ولكنها لم تتبينه .. وبعد أن ضاقت حدقة عينيها كانت سمر في وجهها ..
والقلق البالغ على عينيها ..
وقالت : حنان .. أنت مستيقظة ؟
غطت حنان وجهها بالفراش .. وهي تقول : دعيني أنام .. إني مرهقة ..
لكن سمر قالت بتوتر : حنان .. نزار يريد التحدث معك في موضوع مهم للغاية ..
رفعت حنان الفراش .. وبكل القوة اندفعت نحو سمر وقالت بتوحش : ماذا يريد هذا هو واصحبه اللعين ..
ويبدو أن سمر كانت تتوقع تصرف حنان .. فقالت في قلق : الموضوع ضروري جداً يا حنان .. أرجوك ..
توقفت حنان وصارت نظراتها أكثر قسوة وهي تقول في كبرياء قالت : من يريد التحدث معي فليأتيني ..
قالت سمر : إنه ينتظر عنه الباب منذ وقت طويل ..
فحدجتها بنظرة قاسية .. وراحت لترتدي عباءتها .. فما زالت نائمة منذ البارحة بملابسها ..

خرجت من الكبينة .. والشرر يتطاير من عينيها .. كان قصي واقفاً في حديقة الكبينة الصغيرة .. كان بادي القلق .. وعندما رأته .. قالت له ببرود : خيراً ؟
توقف نزار قليلاً وقال : حنان .. الموضوع جدي .. لابد أن أخبرك بالموضوع كاملاً ..
نظرت له في غضب .. ثم قالت : قل ما تريد ..
قال لها : قصي هذا .. قصي يحبك وليس الموضوع افتراء ..
قالت والكلمات تتفجر من فمها : دعني أره .. سوف أقتله أتفهم ..
قال لها وهو يحاول أن يتكلم : حنان .. أنت لا تفهمين .. سأخبرك ولكن أرجوك دعيني أتكلم ..
قالت باشمئزاز : تتكلم لتقول ماذا؟ لتقول كم صاحبك خسيس .. يحب أن يعبث بمشاعر البنات .. بكل استهتار ..
قاطعها نزار بصوت عالي : حنان .. قصي كان يحب فتاة أخرى ..
توقفت حنان عن الكلام وكأنما تريد أن تستوعب ما يقوله نزار الذي تابع : كان يحبها بجنون .. قصي كان يحبها .. وهذه الفتاة كانت تملأ حياته كلها .. والمشكلة أنها كانت ..

" المشكلة أنها كانت نسخة منك تمامً يا حنان"
كانت هذه هي الجملة التي أكمل بها قصي جملة نزار .. وهو يسير ببطء .. وعينيه الثاقبة تطالع في حنان بشيء من الحزن .. بدأت حنان ليحل في ملامحها التساؤل .. والشك .. والاستغراب والفضول .. بدلا من الغضب ..
أما نزار فقد آثر الانسحاب .. هو وسمر ..
وقصي لازال يكمل : كانت تشبهك يا حنان .. جلست أكثر من 3 سنوات .. وأنا لا أرضى بأن أتكلم مع فتاة ..
ولد باريس غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2010, 05:56 AM   #4 (permalink)
ولد باريس
رومانسي فعال
 
الصورة الرمزية ولد باريس
 
إلى أن رأيتك لم أصدق .. سألت عنك .. فقالوا لي بأنك لست .. منى ..
صمتت حنان .. وهي تعقد يدها أمام صدرها .. ولازالت تنظر في شك ..
ثم راح يتطلع في السماء وهو يقول : آه يا منى .. منى ..
ثم نظر فيها وقال : قبل ثلاث سنوات .. تزوجت رغماً عنها .. تزوجت رغماً عنها .. وأنا .. مت .. تزوجت .. في ليلة رقصت فيها الشياطين .. وذبحت عذريتها قرباناً لشيطان أبيها النجس ..
ثم نظر في حنان .. وقال : لا يمكن أن تكوني إلا منى .. لولا أني تحدثت إليك .. لما صدقت أنك لست بمنى .. لولا أنني ما أمضيت معك هذين اليومين .. لقلت أنك منى ..
ليتني أستطيع أن أراها الآن .. تباً لأبيها الحقير تباً ..
وراح يقبض على يده في حقد ويلكم الهواء .. وصار وجهه أحمراً من الانفعال ..
ثم نظر إلى حنان وقال : قررت أن أنساها .. لقد قلت لها آخر مرة نفس ما قلت لك .. يجب أن نفترق ..
كان ذلك في صالحها .. لم أردها أن تتذكرني .. وقد تزوجت برجل آخر .. لم أردها إلا أن تفكر في سعادتها .. في حياتها .. علاقتها بي قد انتهت .. ماذا أستطيع أن أفعل أكثر من هذا ؟
فقالت حنان : وأنا ما دوري في هذا كله ؟ لم أقحمتني ؟
قال بحرقة : أحسست أني أخونك .. أحسست أني أراك فيها .. أحسست أنك هي منى .. أحسست أني أظلمك .. هل تستطيعين أن تعرفي الشعور الذي ينتابك .. وأنت تحبين إنساناً لأنك ترين فيه شخصاً آخر .. هل تعرفين الألم الذي يعيش في داخلك .. بين صراع .. ترى أيكما أحب ؟ صرت لا أعرف .. أأحب منى في شكلك .. أم أحب حنان في شخصيتك .. صارت الخيالات تروح وتجيء .. على ذكريات لم أعشها معك .. على حياة ما كان لك فيها إلا الشكل .. هل تستطيعين أن تفعلي ذلك ؟
وفي النهاية لم أستطع .. لم أستطع أن أتوقف عن التفكير .. كيف لي أن أكون أنانياً بهذه الطريقة ؟ قد أستطيع يا حنان أن أحرق قلبي مرتين .. ولكني لا أستطيع أن أحرق قلب فتاة مثلك طيبة .. ما ذنبك أنت .. لتعيشي دور المظلومة ؟ ما ذنبك أن تعيشي حياة إنسانة أخرى وتمثلي دورها في حياتي ؟ ما دورك أن أجعلك ممثلة في حياتي ؟ ما ذنب فتاة .. فتاة لم أرى لها مثيلاً في حياتي .. فتاة يتمنى تراب رجليها كل إنسان ..

أما حنان بدأت دموعها في النزول قطرة قطرة .. وهي لاتزال عاقدة ساعديها أمام صدرها ..
قصي كان التأثر في عينيه جلياً .. وهو يتكلم .. وقال : سأظل طوال حياتي أنقم على تلك الصفعة .. لن أسامح نفسي أبداً ..
حنان أستطيع أن أمضي حياتي كلها دونك .. على ألا أخونك ..
أستطيع أن أصفعك على ألا أخونك ..
كل شيء إلا الخيانة حنان .. كل شيء إلا الخيانة ..
حنان إني أتمنى لك شخصاً أفضل مني .. أتمنى شخصاً يعطيك الدنيا بمن فيها ..
لست أعرف ما أقول .. ولكني حاولت خلال هذه الفترة وعجزت .. حاولت أن أحبك أنت دون أن أتذكرها .. وما قدرت ..
سامحيني يا حنان .. سامحيني ..
لربما اليوم أرحل .. ولن تذكري بعدها شخصاً اسمه قصي ..
لن تذكري شخصاً نقشك بين أضلعه هنا .. نقشك بين جدران حياته ..
شخص أحبك من قلبه .. بدون أي إضافات ..
تأكدي أني سأدعي لك من كل قلبي أن يحفظك الله .. أن يحميك ويحرسك ..
أما أنا سأسير مكسور القلب .. وسأعود من جديد .. لحياتي التعسة ..
أعود لأبث آلاتي الموسيقية مشاعري الحزينة .. خسرتكما ..
خسرتها .. وعدت مرة أخرى لأخسرك ..
سامحيني يا حنان .. أرجوك سامحيني ..
أتمنى أن تبقيني ولو هامشاً على باب حياتك .. مجرد قصاصة منسية .. مجرد اسم في الذاكرة .. مجرد ورقة صغيرة مكتوب عليها قصي ..

وهنا لم تحتمل حنان وراحت دموعها تنزل .. ولكنها تمالكت نفسها هذه المرة .. وهي تضم شقتيها وهي تحاول كتم نحيبها .. وشهقاتها .. وقالت والدموع تقطع كلماتها : الله يسامحك يا قصي .. ليس من أجلك .. وإنما من أجل منى ..
قال لها وعينيه تضيق من الحزن : كنت أتمنى أن أسمع كلمة واحدة مذ جئت إلى هنا .. وإن لم أحصل عليها .. فلك الحق فيها .. لك فيها كل الحق .. منذ أتيت يا حنان وأنا أتمنى أن أسمع منك كلمة أحبك .. حتى في هذه اليومين .. لم أستطع أن أسمعها منك .. ولكني الآن .. لن أستطيع أن آخذها منك .. فهناك من يستحقها بالتأكيد ..
هنا راحت حنان تبكي .. لم تحتمل .. ولم تقاوم ..
وقصي يقول :أراك على خير يا أعز مخلوقة على وجه الأرض .. أراك على خير يا من أحببت .. أراك على خير يا حنان ..
وراح يمشي في حزن .. كسير الخطوات .. وقبل أن يمضي بضع خطوات .. قالت حنان : أحبك ..
نظر لها .. وعض على شفتيه .. وكانت هي في حالة يرثى لها .. نظرت بعينين كلها دموع ..
فقال : هذه أجمل كلمة سمعتها في حياتي .. شكراً لك يا حنان .. لن أنسى لك هذه الكلمات في حياتي .. لن أنساها .. سأختفي من حياتك .. أتمنى أن يحالفني الحظ كي أنساك لتعيشي حياتك أفضل وأحلى .. أتمنى أن رجلاً آخر يعطيك ما فشلت أن أعطيك إياه .. حباً صادقاً من القلب .. إلى اللقاء يا حنان .. لن أنساك أبداً تذكري هذا .. لن أنساك يا من أحببت ..

ثم استدار قصي .. وراح يمشي من هناك مبتعداً .. ودخلت حنان إلى كبينتها .. وراحت دموعها هذه المرة تنساب بلا هوادة .. بلا توقف .. و بقيت بعد هذه الكلمات يومين لا تبارح السرير ..


أما قصي .. انتهى من قصته هذه .. قصة مثلها .. مثل غيرها من القصص .. قد تكون هذه الكلمات .. قاسية .. ولكناه حقيقة .. كان خبيراً قاسياً .. إلى أبعد الحدود .. ومن قال أن هؤلاء الشباب الذين يتعرفون ليسوا بأكثر لؤماً .. على الأقل هو كان ما يسعى إلى رذيلة .. ولكنه كان بلا قلب .. في هذه القصة الرهيبة التي اخترعها .. في حياكة أكثر الوجوه صدقاً .. في كذبه بقلب بارد .. ترك حنان وهي تحبه .. لا تكرهه .. وأنهى علاقته دون أي خسارة ..
وقد يكون من العبث أن نقول أنه كان يتألم .. ولكنه كان كذلك بالفعل .. ربما هذا سيظهر في الفصول القادمة بوضوح أكبر ..


هذه نهاية الجزء الأول من الخبير ..
الخبير الذي يعرف كيف ينفذ بكل براعة .. الخبير الغامض .. الذي يخفي وراءه جبلاً من الأسرار ..



الجزء الثاني

الفصل الأول

(ثلاثية قصي النسائية)







في هذا الجزء أحكي لكم أيها السادة .. عن الخبير قصي .. خبير البنات .. الذي يخدع الجميع بكل ذكاء وكل حنكة ومهارة ..
وفي هذا الجزء أحكي لكم عن العلاقات الثلاثة التي قام بها قصي وفي وقت واحد
مع ثلاث بنات ..
روان ..
نوف ..
رناد ..
ثلاث شخصيات قام قصي بالتعرف عليهن تقريباً في وقت واحد .. والأدهي ما سوف أقصه الآن في هذه العلاقة الثلاثية العجيبة .. وأعدكم أنكم سترون منه ما يثير الدهشة حقاً .. فقط تابعوا ما سأكتب .. لتدركوا أن الخبير قد جاء ..



ها هو قصي يدخل غرفته ويضيء الأنوار .. إنها ملحق معزول كل الانعزال عن بقية الفيلا الكبيرة التي يعيش بها والداه .. وكأنما هي فيلا أصغر ..

أبوه تاجر أقمشة مشهور جداً .. واسمه معروف على كل لسان .. إنه السيد" مناف ال....." .. تاجر مرموق .. له سمعة كبيرة .. وهو وكيل شركات كثيرة لماركات عالمية في السوق ..حتى إنه لمن الغريب أن يكون هناك سوق لا يحوي إحدى محلاته ..


أما والدته .. فهي مديرة لمدرسة الشروق .. وهي مدرسة أهلية .. ملك لوالده .. وأحبت هذا العمل لتقضي على وقت فراغها .. وإن كانت حقيقية لا تهتم كثيراًَ لمثل هذه الأمور .. وربما قام السيد مناف بهذا العمل حتى يشغل أسيل والدة قصي ..

وقصي يعيش حياته وحده فقط .. إلا أنه يحب الوحدة .. جداً .. ولا يحب أن يعبث فيها أحد أبداً .. ربما بسبب هذا الجفاف الأسري .. فأبو قصي مشغول دوماً في تجارته التي تتسع في كل يوم أكثر .. ووالدته .. التي أوجدت لنفسها ما يشغلها .. وبذلك تعود قصي على هذه النوعية من الحياة وتأقلم معها بطريقة تعارض كل ما يغير هذا السكون الذي يعيش فيه .. والمسار الواضح لنمط حياته الرتيب .. والتي يحاول أن يضيف عليها بعض الملامح والخطوط .. بتعرفه على البنات ..
وعلى رغم أنه الولد الوحيد لهما .. إلا أن هذا لم يكن يعني الكثير .. لحياة رجل وامرأة .. ظنا .. أن العمل هو أهم شيء في الحياة .. وقدساه على ثقافة الروح والإحساس والمشاعر ..
صحيح أنه يجلس معهما .. ويأكل معهما .. ويجلس مع والدته أحياناً .. وأنه يذهب مع أبيه إلى بعض جلسات العمل .. بل أحيانا كان أبوه يصر على اصطحابه إلى خارج البلاد لإتمام بعض الصفقات ..
إلا أنهما كانا في السواد الأعظم منشغلين بالأعمال .. وهو تعود على ذلك .. أما علاقته الأسرية .. فمحصورة في حدود ضيقة .. ساهم بذلك الفرق الاقتصادي الكبير للسيد مناف وبقية أقاربه ..


دخل قصي الملحق الذي يتكون من غرفة وصالة وحمام .. وفتح الأنوار ..
صالة مهيبة بحق .. تلك المصابيح الصفراء الأنيقة في سقف الغرفة .. التي تلقي بظلال محدبة .. ترسم قطعاً ناقصاً لمن يعشق الرؤية بمنظار رياضي ..
والستائر السوداء الثقيلة .. والأرضية الرخامية بمربعاتها البيضاء والسوداء .. وربما قد يكفي .. أن تضع بعض أحجار الشطرنج لتكون رقعة مناسبة للغاية لهذه اللعبة ..
وفي وسط الصالة نافورة صغيرة وأسدها المتجهم يخرج من فمه الماء ..لها خرير مميز .. وصدى يجعل المكان أشبه ببهو فندق ..
وفي أركان الغرفة .. توجد سماعات ضخمة .. ليستمع فيها قصي للموسيقى التي يعشقها .. وفي الركن الغربي هناك وقف البيانو بكآبته المعهودة .. والذي كتبت عليه بعض النقوش بالإيطالية .. وفي الركن المقابل .. كان دولاب كبير أسود اللون .. يرسو كجبل أشم ..
كل شيء هنا يوحي بالأناقة والفخامة .. كل شيء يوحي بالسكون والغموض .. كل شيء يعبر عن شخصية قصي بمنتهى الدقة ..
وفي الوسط مكتب ضخم أنيق .. تراصت عليه كتب علم الصيدلة .. وهو القسم الذي يدرس به قصي .. إنه في السنة الثانية الآن .. إنه ذلك النوع من الطلاب الذي لا يبذل جهداً كبيراً .. إنه يعرف كيف يذاكر ما هو مهم وما هو غير مهم .. يعرف من أين تؤكل الكتف حقاً .. ذلك النوع من الطلاب الذي يلهو طوال السنة .. ثم وقبل الاختبارات بشهر .. يعتكف في البيت .. ويذاكر .. ويشحذ كل طاقاته .. لتجده في النهاية في قائمة الناجحين .. صحيح أنه ليس من الأوائل .. ولكنه لا يهتم حقاً ..
وقد تستغربون لو قلنا لكم أن قصي كان يريد أن يتخصص في الإعلام .. أو السياسة ..ولكنه لما كان يدرك أنها تخصصات ليس لها مجال عمل واسع .. ولا يحققان له تطلعاته في الحياة في العيش معتمداً على نفسه .. لذلك قرر أن يدخل إلى قسم الصيدلة .. قسم هادئ جداً .. لا يتعرف فيه على أحد .. ولا يزعجه الناس .. إنه يحب الوحدة أكثر مما يتخيل أي شخص .. وبكلمة أصح .. تعود عليها أكثر مما يتخيل أي شخص ..


دخل غرفة نومه .. نفس الفخامة التي تملأ الصالة .. وإن كان فيها نوع من الحميمة .. وفي الوسط سرير كبير .. عليه الملاءات السوداء .. والمخادع الذهبية .. ودولاب كبير له زجاج شبه معتم في الجدار .. والإضاءة الصفراء .. والمكيف المركزي البارد .. يجعل المكان مجدداً غرفة فندقية من طراز رفيع ..
خلع ثيابه .. وارتدى ملابس ملائمة للمنزل .. ورجع إلى الصالة ..

وفتح الدولاب الأسود بمفتاح كان موجوداً في سلسلة مفاتيحه .. ومن داخله .. بدت أشياء غريبة للغاية .. العطور على ألوانها وأشكالها .. ساعات فخمة في علبها الجلدية .. وهدايا مغلفة .. لم يفتح تغليفها بعد .. وألبومات صور .. ودببة .. وقلوب حمراء .. وظروف لرسائل ملونة ..
وفي الرف العلوي ..
كانت هناك علبة من القطيفة السوداء .. وبشيء أقرب للرهبة منه للحذر .. فتح قصي العلبة .. وراح ينظر فيها لثوان .. إلى الخاتم البلاتيني اللامع .. ثم لبسه في بنصره .. وجلس على البيانو .. وبدأ بالعزف .. إنه يعزف أغنية مشهورة جداً .. اسمها .. أنا وليلى .. لكاظم الساهر .. وجلس يعزف وهو لا يكاد يشعر بالدنيا من حوله .. وراح يتذكر الكلمات المصاحبة للحن"ماتت بمحراب عينيك ابتهالاتي .. واستسلمت لرياح اليأس راياتي .. وتابع .. وجنون مطبق .. أصابعه تكاد تكسر أصابع البيانو .. حتى وصل إلى المقطع .. "فراشة جئت ألقي كحل أجنحتي .. لديك فاحترقت ظلماً جناحاتي " ..
حتى أحس بالدموع تملأ سطح جفنه .. فضرب على أصابع البيانو في عنف .. وتوقف .. وبدأ في اللهاث .. وقطرات العرق تتصبب من جبينه .. لم يسمح بأن تذرف عيناه دمعة .. منذ ذاك اليوم .. ذاك اليوم الكئيب ..
وهنا .. لمعت عيناه في قوة .. وذهب إلى غرفة ملابسه .. وارتدى ثوباً أنيقاً مطرزاً .. مصنوع من قماش أصفر فاخر جداً .. ونزع الختم من يده .. ووضعه بكل احترام بالغ في علبته الأخاذة وركب سيارته اللكزس الفاخرة .. وخرج بها ..
سار بالسيارة .. وراح يشق بها شوارع المدينة .. ليصل إلى شارع صاري .. ووصل إلى مكتبة جرير .. ذات الطابقين بتصميمها الأنيق .. أوقف سيارته ونزل منها ..
متململاً في مشيته ..
ساخراً في ضحكته ..
كأنما الدنيا لا تعنيه ..
وسكسوكة لطيفة تزيده جمالاً ..وشعره على اليسار في استهتار ..

دخل المكتبة ... ونظر بعينيه إلى الناس التي اكتظت هنا .. وبدأ يلف بعينيه .. رمق بعض نظرات الإعجاب .. ولكنه كان يبحث عن شيء مميز .. كان يبحث عن هدف معين .. جمال معين .. وطابع من الناس يعرفهم .. وإن لم يجد ما يريد .. فسيذهب إلى مكان آخر بالتأكيد ..
صعد إلى قسم العلوي حيث الكتب .. وراحت عينيه تجول في المكان .. شاهد فتاة بحجابها الكامل مع أخيها وهي تطالع بعض الكتب .. وهو ينظر يمنة ويسرى في ضجر .. ابتسم قصي بصدق .. وقال : جميل أن لا زال هناك من يتحلى بالاحترام .. وإن قصي ليقدس هؤلاء البنات .. ويقول عنهن : تلك هن ورود الدنيا .. لا يحق لأحد أن يقتطف من براءتهن شيئاً .. راح يمشي بين الأرفف .. مرة في الكتب وعشرة في الفتيات .. "أها ".. ووجد ضالته .. ذات العباءة الطويلة المخصرة .. مطرزة بنقوش فضية لامعة .. ووجه أبيض اللون .. وأنف طويل حاد .. ونظرات تستذكي .. يختفي خلفها سذاجة ممزوجة بطيبة .. على كل .. لا يبدو أنها تفهم من عالم الكتب .. إلا الكتب المدرسية السخيفة .. كانت تقف مع ثلاث بنات أخريات .. ولكنها كانت الأحلى بينهن ..
ابتسم قصي .. هذا ما يريده حقاً ..

كانت تقف عند قسم الشعر .. توجه إلى هناك .. وبينما هو يمشي مر بها .. ونظر لها بعينين مليئة بالإعجاب .. وهي نظرت فيه نظرات سريعة كأنها تحلله .. ولكنه أغلق عينيه بسحر وتوجه إلى أحد الكتب .. إنه ديوان الشاعر إليا أبو ماضي .. وفتحه .. وبدا منهمكا فيه .. أما هي .. تطلعت فيه لثواني .. ثم بدت منهمكة في النظر إلى الكتب الأخرى .. لاحظ هذا قصي .. فابتسم .. ثم بدا وكأنه يقرأ بصوت عالي :

أي شيء في العيد أهدي إليك .. يا ملاكي وكل شيء لديك ؟
أسوار ؟ أم دملجاً من نُضار .. لا أحب القيود في معصميك ..
أم خمور ؟ وليس في الأرض خمر .. كالتي تسكبين من عينيك ..
أم ورداً ؟ والورد أجمله عندي .. الذي قد نشقت من خديك ..
أم عقيقاً كمهجتي يتلظى ؟والعقيق الثمين في شفتيك ..
ليس عندي شيء أعز من الروح .. وروحي مرهونة في يديك ..

إن أي بسيط يستطيع أن يعرف أن هذه الفتاة .. كانت تستمع إليه في شغف .. كان ذكياً .. يعرف ما يفعل .. ثم ضحك .. وقال : لأول مرة أرى شاعراً يكتب رقم هاتفه في كتابه ..
ثم ترك الكتاب مفتوحاً على مصراعيه .. وأخرج من جيبه قلم رصاص أنيق ..
وكتب رقمه .. ومشى ..


وعندما مر على الفتاة التي تظاهرت بأنه لا تراه .. قال لها : لو سمحت ..
تفاجأت الفتاة .. ولكنه لم يهتم بل ظل هادئاً بعينيه الجريئتين وقال: ألا ترين أنه من الأفضل ألا تأتي إلى المكتبة .. الفتاة اندهشت أكثر .. ولكنها بسرعة تمالكت نفسها وقطبت عينيها الكحيلة وقالت : ماذا ؟
ابتسم لها في سخرية وقال : مشكلة حقيقية لمن يريد أن يبتاع كتاباً .. أن تستمر لديه هذه الرغبة .. وجمال الأرض يسير على قدمين .. ويتمكن من تجاهلها بكل بساطة ..
ثم زادت ابتسامته اتساعاً وقال : كم أنت فاتنة ..
وبذات البساطة .. تركها ثم مشى .. كعادته في أناقة .. وبكل هدوء ..

وكأن الفتاة تسمرت في مكانها .. ولم تعرف حتى ما تقول .. وكأن الكلمات في شفتيها تبخرت من الخجل .. ومن هذا الأسلوب الجريء جداً ..
أما صاحبات الفتاة .. أخذن يضحكن .. وهي مازالت نظراته متعلقة به .. بل أصبح قلبها معلقاً به .. إنه جريء زيادة عن اللزوم حتى .. ولكنه جميل .. جداً .. ونظراته .. وكلماته أكثر روعة ..
وعندما وصلت إلى هذا التفكير .. كانت إحدى صاحباتها قد جاءت بالكتاب وقالت لها بحماس : هذا هو رقمه ..
قالت لها الفتاة والتي سنعرف فيما بعد أن اسمها "نوف" .. لماذا أتيت به .. فقالت صاحبتها : ماذا .. هل تمزحين .. اسمعي .. سأتصل به أنا .. واو .. إنه غير عادي أبداً ..
فقالت لها نوف بقوة مصطنعة وابتسامة خجول : يا سلام ..
ولكنها لم تتمالك نفسها من الابتسام .. تورد خداها حتى أصبحا شطر رمانة .. وبسرعة خطفت الكتاب من يد صاحبتها ..

كان قصي يدرك ما الذي سيحدث غالباً .. لربما كانت المعلومة الرائعة التي استفادها من علم الصيدلة هذه الجملة .. الرجال يجذبهم شكل المرأة .. والمرأة يجذبها عذب الكلام .. وهي معلومة درسها في الفصل الذي يتحدث عن Reproduction system ..
ضحك في سخرية وقال في نفسه : الجامعة مفيد حقاً ..
بالفعل .. لقد لخص المطرب نبيل شعيل هذه الكلمة في أغنيته المشهورة :"يا قلبي والله البنات تسحرهم الكلمتين " ..

وفي الليل .. وبينما قصي يستحم كانت عقرب الدقائق يتعدى عقرب الساعات بقليل ليعلن عن الساعة الحادية عشرة .. خرج ليجد مكالمة لم يرد عليها .. كان رقماً غير مسجلاً .. لم يكن غير نوف .. وكانت بالفعل هي .. اتصل عليها .. وأخذ يتكلم معها حتى الفجر ..

كان هذا هو الفصل الأول من الفصل الثاني ..
ما الذي سيحدث بعد ذلك ؟
كيف سيتعرف قصي .. الخبير على بقية البنات ؟
كيف سيتعرف على روان .. والجميلة رناد؟
وكيف سيمزج علاقته بهؤلاء البنات الثلاث في وقت واحد ؟
بل كيف سيقتنع الثلاثة أن كل واحدة منهن أنها الأهم في حياته .. وأنها التي لم تروي عطش القلب ..
هذا ما سنعرفه في الفصل الثاني ..


الجزء الثاني
الفصل الثاني







إنه الخبير .. البارحة فقط جلس مع نوف والتي جلست تتحدث معه لأول مرة إلى الفجر .. هل تريدون أن تعلموا ما قال ؟
إنه لم يزد على أنه قابل اليوم جمل فتاة في الكون .. وان حياته كلها .. تغيرت بعد أن رآها .. وأنها أول فتاة لا يستطيع مقاومة جمالها .. كل الكلام .. كان حول هذه النقطة .. وإن تنوعت العبارات .. وإن اختلفت إلا أنها تدور في فلك واحد .. والغريب المضحك أنه كان يتكلم معها هذا الكلام وهو يطالع التلفزيون لفلم مأساوي شهير اسمه :Saving privet Rain..كان يقول لها من كلام الحب أعذبه .. وهو تقول له : ولكنك حتى تعرف علي اليوم ..
قال لها : بالطبع يا عزيزتي .. إنه الحب من النظرة الأولى .. أنا لا اعرف حقاً .. كيف لهؤلاء الكبار يقولون أن الحب من النظرة الأولى لا يدوم .. إنهم لا يفهمون في الحب شيئاً .. آه من الحب يا نوف .. آه من هذا الإحساس الذي لا يوصف .. بالله عليك .. أما تحسين في قلبك بحرارة ؟! أما تحسين بأن قلبك ينبض وكأنه يولد من جديد ؟!
ارتبكت نوف ولم تعرف ما تقول .. إن عمر الحب لديها لم يتجاوز إلا ابن عمتها .. التي أحبته في بداية سن المراهقة .. ثم انتهى هذا الحب المُتوهم .. بعد سنين النسيان ..
قال لها : صدقيني إن قلت لك .. أني لم أفكر في شيء في الدنيا إلا أنت ..


وعلى هذا المنوال استمر قصي .. لمدة ثلاثة أيام .. كل يوم يسقيها من الكلام أعذبه وأصفاه .. ومن الوعود أغلاها ثمناً .. طالما أن الكلام بالمجان .. فلا بأس أن يكيل لها الكلام ..

فقالت له نوف في اليوم الثالث : لا تقل لي كلاماً كهذا ..
كانت بذلك تحاول أن يخف سحره عليها ..
إلا أنه قال لها : نوف أنت مذهلة .. جمال وعقل .. وأخلاق .. وثقافة .. ماذا أكثر ؟ماذا يتمنى أحدنا أكثر من هذا ؟ماذا يتمنى أكثر من يبحث عن زوجة ..


وعندما قال قصي هذه الكلمات .. أحست الفتاة أن الدنيا تدور من حولها .. زواج .. لأول مرة أفكر أن هذه العلاقة جدية لهذه الدرجة .. صحيح أني متعلقة به جداً .. ولكني ظننته عابثاً .. لا يلبث بعد شهر أن يقول لي إلى اللقاء .. ولكن زواج مستحيل ..
قال لها وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة : نوف ؟؟ أنت هنا ؟
قالت له بعد أن استعادت عقلها : نعم أنا هنا ..
قال لها : حبيبتي سوف أقفل الآن .. فعندي بعض الأشغال ..
قالت له : ألا تستطيع أن تجلس معي أكثر ..
قال لها : حياتي .. الأعمال كثيرة فوق رأسي .. والدي يحتاجني في عمله .. لبعض مشاريعه .. ثم .. يجب أن أجلس مع والدتي ..
قالت له بإحباط : حسناً .. ولكن إذ انتهيت .. لابد أن تكلمني مباشرة ..
فقال لها : بالتأكيد يا حبيبتي ..


وبعد أن أنهى المكالمة .. ذهب إلى دولاب الملابس .. وهو يفكر : يا ترى .. لم اخترتها .. كم هي مملة .. حديث تافه ومكرر .. لا أجد فيها أي نوع من أنواع المتعة .. فقط الكثير من الكلام المكرر .. وحديث الرومانسية السخيف .. غباء ..
فتح دولابه .. وراح ينتقي ما يلبس .. ولو نظرنا إلى الملابس بشيء من الدقة لوجدنا معظمها يميل إلى السواد .. لون كئيب .. محبب لدى قصي .. انتقى جينزاً رمادياً .. وقميصاً أبيضاً عليه بعض المربعات السوداء .. ترتمي في فضاء القميص الناصع .. ارتدى ساعته الفضية .. وخرج ..


سيذهب ليتعشى .. جلس يدور بالسيارة كعادته .. في شارع التحلية .. المشهور جداً في جدة .. وهو لا ينظر لأحد .. وقف كثيراً في أكثر من إشارة .. ورأى من تتطلع إليه في افتتان .. تلك النظرة التي لا تخجل من شيء .. ولكنه حقاً لم يكن في بال رائق .. ليفعل ما يريد .. تجاهل كل هذا .. وأخذ يدور بالقرب من البحر ..
ها هو بارنيز الذي يشرب منه قهوته أحياناً .. حسناً .. إنه يفضلها في بعض الأوقات على ستاربكس .. إنها مسألة مزاج ..
شغل المسجل .. إنها موسيقى خالصة .. لـ" ياني " .. موسيقار من الطراز الأول .. التي راحت أنغامه .. تملأ سيارته .. ليكون معها .. كياناً منسجماً .. وأخذ يفكر .. أين سيذهب ليتعشى .. ثم قرر الذهاب إلى ماكدونالد .. إنه ليس على استعداد لأن ينتظر كثيراً .. يريد أن يأكل سريعاً .. إحساس غريب بالملل .. ربما هي نوف .. وربما هي تقليدية الأمور ..

أوقف سيارته في ماكدونالدز التحلية .. ودخل ليجلس في المطعم .. كعادته وحيداً .. يأكل في صمت ..وصدقوا إن قلت لكم أنه لا يوجد أبشع من أن تتناول الطعام وحدك .. وخصوصاً لو كان خارج المنزل .. بل إننا في العادة .. لا نأكل في خارج المنزل .. إلا إن كان هناك من يشاطرنا الطعام .. ذلك أن الإحساس الجميل .. لا ينبع من لذة الطعام .. ولكن من الاجتماع بالناس والأنس بهم .. وبروعة المكان والخروج ..
شعور بالوحدة يقتل الإنسانية .. وإذ ما جئنا إلى الصراحة .. سأقول أن قصي كان يشعر بهذه الوحدة الرهيبة .. ولكنه قد اختارها بنفسه .. اختارها وهو يعلم أنها تعذب كيانه كله ..


وبعد أن أنهى وجبته .. ذهب ليأخذ آيس كريمه المفضل بالشوكولاته .. وهناك على الكاونتر كان الحاجز الذي يفصل ما بين قسم العوائل والشباب غير موجود .. على غير العادة ..وكانت هناك فتاة ملثمة .. كانت قد استلمت طلبها .. كانت قصيرة إلى حد ما .. سمراء ولكن بجمال .. كأنها برونزية اللون .. وليست سمراء باهتة .. ولها عيون مكحلة .. تزيدها جاذبية .. وعباءة عادية .. وحذاء رياضي أحمر .. وبجوارها أختها الصغيرة .. كانت مزعجة بحق .. وهي تصرخ وتقول : أريد الوجبة التي فيها ألعاب .. أريدها .. وكانت هذه الفتاة .. والتي هي أختها الكبرى .. تقول لها بحزم: لا .. وهنا تقدم قصي ..
بكل سحره وعذوبته .. والرجولة التي تفوح من نظراته .. وقال للبائع : أعطني وجبة أطفال ..
وكانت الفتاة الصغيرة لا تزال تشاكس أختها الكبيرة ..
وبعد أن أعطى البائع .. الوجبة لقصي .. مع الآيس كريم فتح العلبة الكرتونية اللطيفة .. واخرج منها اللعبة ..
ثم تقدم للطفلة .. وكأنه لا يرى أختها حتى .. تفضلي هذه اللعبة يا حبيبتي .. وقفت الفتاة الصغيرة وهي خائفة .. ووضعت إبهامها في فمها .. وهي تنقل النظرات بين قصي بابتسامته الأنيقة .. وبين أختها الكبرى .. التي دهشت من الموقف .. ولكنها قالت بحزم : عفواً .. ولكني أستطيع أن أشتري لها هذه اللعبة .. لم تكن مضطراً لأن تفعل كذلك ..
تطلع لها بنظرة لا يصدق من يعرف قصي أنها تبدر منه .. ثم قال : ولكني بالفعل كنت أود شراء ساندويتش صغير .. وكانت أختك هنا .. ففضلت شراء النوع الذي به لعبة ..
ثم بدت منه نظرات مرتبكة وقال : عفوا إن كنت قد ضايقتك .. لم أكن أقصد ..
تطلعت فيه الفتاة قليلاً وهي تحاول أن تعرف عن كان يكذب أو لا .. ثم تطلعت في أختها الصغرى وقالت :
خذيها منه .. وقولي له شكراً ..
فرحت الطفلة الصغيرة .. تقدمت غليه بكل براءة وقالت وهي تأخذ اللعبة : شكراً ..
فابتسم لها بالفعل من أعماق قلبه .. ثم مرر يده على رأسها الصغير .. وخرج ..
لا يدري كيف فعل هذا .. لم بزغت في رأسه هذه الفكرة الشيطانية .. بكل هذه السرعة .. ولم اختار هذه البنت؟ إنها على الأقل لم يبدو أنها من الصنف الذي يفضله في كثير من الأحيان .. هل هي الطبيعة التي صارت تسري في دمه ؟ أم ماذا ؟ ولكنه سيكمل .. لم .. إنه لا يعرف ..

أما الفتاة الكبرى .. فتابعته بنظراتها حتى خرج إلى النهاية .. طباع الفتيات غريبة حقاً .. يقلن بأنهن لم يعجبن بشخص .. وتراهن يذبن فيه حقاً .. هل هو تصنع للقوة ؟ هل هو مبدأ حماية ؟
قصي كان يعرف .. البنت الذكية .. هي التي لا تقول لشخص ما أحبك أبداً .. لأنها إن قالتها وهي صادقة .. فحينها ستكون هذه الفتاة كالخاتم في يد الرجل يحركها باسم الحب .. ويكذب علبها باسم الحب .. ويعتذر لها باسم الحب .. ويبيح ما لا يباح كله .. باسم الحب ..

وعندما خرجت الفتاة .. وجدت قصي حائراً .. لا يعرف ما يفعل .. نظرت له .. وكأنها تريد أن تعرف .. إلا أنها لاحظت أن هذا الشيء ليس من شأنها .. فهمت بالمشي .. إلا أنه قال لها : عذراً .. نظرت له .. أما هو .. فمن يراه لا يقول عنه قصي أبداً .. إنه مرتبك بحق .. قالت بثبات : نعم .. قال لها : هل رأيتِ جوالي ؟ إنه نوكيا آي ميت ؟
قالت : لا لم أره ..
قال بقهر : يا الله .. اشتريته قبل يومين .. حرام يضيع هكذا .. لقد ادخرت من مصروف المكافأة .. أشفقت الفتاة عليه ..
وهنا قالت الفتاة الصغيرة التي تلهو بلعبتها : أتصل عليه .. وسوف يرن وتعرف مكانه .. بابا يفعل هكذا دائماً ..
وكأنما قالت البنت الصغيرة الكلمة التي كان سيقولها قصي بعد قليل .. نظر قصي للبنت الكبرى في أمل .. ووجدت الفتاة نفسها مضطرة لكي تقدم له المساعدة .. قالت له : كم رقم جوالك ؟
فقال لها بارتباك واضح : 05********
دقت عليه .. وهنا رن الجوال من السيارة ..
فقال لها بسعادة : شكرً جزيلاً .. هذا شيء لا أنساه لك أبداً .. شكراً .. بالفعل كنت سأتضايق جداً أن يضيع مثله ..
راحت الفتاة تتأمله قليلاً ثم قالت : أليس غريباً أن شاباً يمتلك هذه السيارة الفارهة .. ويحزن لضياع جوال آي ميت ؟
كان قصي مستعداً لهذا السؤال .. ولكنه حدق فيها بدهشة .. ثم ضحك وقال ووجه يحمر : إنها .. إنها سيارة أبي .. أنا لدي كرولا صغيرة .. ولكني لا أحبها كثيراً ..
لم تقتنع الفتاة .. أما هو فقال : أنا آسف لقد عطلتك .. أنا آسف جداً ..
فقالت هي وهي ترمقه : لا عليك .. ولكن انتبه ألا يضيع جوالك مرة أخرى ..
قال لها : بالتأكيد ..


ركب السيارة .. وكأنما تحول 180 درجة مرة واحدة .. استعاد ثقته الكبيرة بنفسه .. ولكنه ضحك .. ضحك ضحكة خبيثة .. ونظر نظرة قاسية في المرآة .. ثم تنهد تنهيدة واسعة .. إنه يحتاج إلى كوب القهوة الآن .. أما هذه الفتاة .. فسيهتم لأمرها لاحقاً .. فرقمها مسجل عنده بالتأكيد مكالمة لم يرد عليها ..

توقف في ستاربكس .. في شارع التحلية .. وهو محل مشهور جداً بتكوين العلاقات .. لان فيه قسماً للنساء ..
وهناك ترى العجب حقاً .. مسخرة على أكبر مستوى .. كل هذا ما كان على بال قصي .. إنه هنا فقط ليشرب قهوته كالمعتاد .. جلس على الطاولة في الخارج .. وطلب قهوته التركية .. برائحتها الذكية المنعشة .. وجلس يشربها وحده كعادته دوماً ..


وهنا توقف شبح أزرق .. نزلت منه فتاة .. من السخف أن نقول عنها جميلة فحسب .. بل إنها من أجمل من شاهدهم قصي .. ولكنها الغرور يكاد يقطر منها .. إنها حتى تنظر في استعلاء .. وبكل وقاحة .. صحيح أن مكياجها خفيف .. ولكنه جميل .. والعباءة الضيقة تفصل جسدها .. لتجعلها فستان سهرة آخر فوق ما تلبس والطرحة موضوعة ليقال أن هناك طرحة ..
وإن من يتذكر حنان .. ويشاهد هذه الفتاة .. كان ليقول حقاً .. إن غرور حنان .. كان قطرة في محيط هذه الجميلة .. نزلت .. فتابعها الجميع بكل انبهار .. حتى دخلت قسم العوائل ..
أما قصي .. فنظر لها مجرد نظرات صغيرة .. ثم مضى يشرب قهوته .. وراح يلعب بجواله .. إن آي ميت قديم .. ولكنه لم يكن في مزاج رائق في الأيام السابقة ليشتري واحداً جديداً .. فتح البلوتوث .. وراح يقرأ الأسماء : تونة الحلوة .. حلو وغني .. الكونت دي مونت كريستو .. go gator .. جميل هذا الأخير .. وكان قصي اسم في البلوتوث : قصي ..
راح يتابع بقية الأسماء .. ومنها ما يمنع الأدب أن يكتب .. ولكنه بدأ يسرح .. وراحت به الذكرى دون أن يحس .. وهو يشاهد في عقله ذلك الشريط الذي يتكرر عليه كل يوم :

الحديقة .. وصوت البكاء ..
"أنا التي كنت أرسلها .. أنا .. "وذهول على وجه قصي .. وانكسارات في ملامحه .. وفمه المفتوح في دهشة .. بوجهه الصغير .. الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة .. وتلك النظــ ..


زفر في عنف .. وصدر ذلك الصوت المميز لتكسر القدح .. لقد حطمه دون أن يدرك .. التفت إليه الجميع ..
ولكن أحداً لم يكلمه .. أما هو فلك يأبه لكل هذا .. اخرج من جيبه 100 ريال .. ووضعها على الطاولة .. وثبتها ببقايا الفنجان المكسور .. وعندما قدم النادل الفلبيني قال : it is ok sir ..
ولكن قصي قال له : take it .. وأشار للمال ..
إلا أن العامل ابتسم وقال : there is no need sir, you are one of our favorite customers .. it is nothing .. would you like another cup .. it is free ..
ابتسم قصي وقال : thanks .. but I have to go ..
جميل أن يكون في المحلات من يتعامل معك بهذه اللطافة .. ويهتم بك كإنسان قبل أن يهتم للمال ..
يقول رئيس مالكونالد مالك سلسلة مطاعمه الشهيرة : اهتم بالعميل .. وبعدها البزنس سوف يهتم بنفسه ..

ولكن قصي .. كان يشتعل غضباً في الداخل .. لأنه فقد السيطرة على أعصابه .. إنه يكره هذا الشيء .. كلما حاول أن ينسى الماضي وجده يطارده بكل وحشية .. ما نام يوماً على فراشه إلا أرقه ماضيه .. وظل يكئب حياته .. ويكيل عليها أكوام الأسى .. تباً ..

وهنا خرجت تلك الفاتنة .. بكل جمال .. بكل فتنة .. بل كان هناك من يحاول أن يلحق وراءها .. وهي تنظر بكل تأفف لليمين واليسار .. وتمسك بيديها جوالاً مماثلاً للذي عند صاحبنا .. كانت لا تعطي أحداً اهتمامها .. وهنا فكر .. إن هذه الفتاة مناسبة .. ولكن ! لقد كان قد أوقع فتاة في يديه قبل قليل .. لا .. هذا غير مهم .. المهم أن يوقع هذه المتغطرسة الآن .. حتى .... لا يهم الآن ..

وهنا سمع الفتاة تقول للسائق : Where have you been ?وهنا لمعت في رأسه فكرة صغيرة عن هذه الفتاة .. من حركاتها .. من تصرفاتها .. من طريقة كلامها .. بقي أمر واحد .. هو ما سيحسم الأمر ..
ذهب إلى سيارته .. ولحق ورائها .. وعند الإشارة الموجودة في ذلك الشارع .. التي تحمل فوقها ساعة رقمية .. تظهر كم بقي على فتح الإشارة .. فتح جهاز البلوتوث .. ووجد ضالته رائع .. هذا ما كنت أبحث عنه .. go gator .. ولمن لا يعلم .. فريق gator هو فريق لكرة القدم الأمريكية في إحدى المدن الأمريكية .. وقد كان هذا الاسم موجوداً هناك في ستاربكس ..
أرسل لها رسالة .. قصيرة .. ولاحظ رأسها وهي تنظر للجوال تستقبل رسالته .. اقترب جوارها .. ونظر لها .. ورفع جهاز الجوال .. نظرت له بكل قوة .. كم تعجبه هذه الفتاة .. يعجبه .. كيف سيستمتع وهو يحطم لها كبريائها وغرورها ..
نظرت له .. فتحت النافذة .. وقالت بجمود : ماذا تريد ؟
قال بصوت عالي حتى تسمع : هل أستطيع أن أعزمك على فنجان من القهوة ؟
قالت له : ولكني للتو كنت أشربها ..
كانت الإشارة قد فتحت .. ومشت السيارات .. ولما كانت الشوارع مزدحمة .. توقفوا مع الزحمة .. فتوقف بجوارها .. نظرت له مرة أخرى وقالت : ولم ؟
قال لها : كنت أود أن أجلس منذ زمن مع فتاة لها تفكير راقي .. ولما رأيتك قلت لنفسي لم لا نجلس ونتحدث .. مجرد حديث ..
قالت وهي تضحك ضحكة قصيرة : أرى أن تذهب لغيري لتلعب عليها مثل هذه السخافات ..
ابتسم هو أكثر .. هذه هي ضالتي الحقيقية ..
قال : أحب كثيراً أن أتناقش مع فتاة ذهبت إلى أمريكا .. حتى أضمن أن يكون للنقاش معنى ..
صمتت البنت قليلاً ثم قالت : من أنت ؟
قال لها وهو سعيد أن توقعه كان صحيحاً وقال : أنا مجرد شخص يريد شرب القهوة ..
قالت : وإن قلت بأني مشغولة ..
قال : سأقول .. خسارة أن تضيع علي فرصة كهذه بالفعل .. ولكني احترم رغبتك ..
صمتت قليلاً .. ثم قالت : أين تريد أن تشربها ؟
قال لها وهو يخفي ضحكته .. فقد كانت هذه المغامرة خطيرة جداً .. لقد غامر بفطنته وذكاءه .. لقد غامر بكل أوراقه ..وكان في موقف ضعف شديد .. بل كان يتوقع أن يفشل هذه المرة .. ولكن .. كل شيء سار على ما يشتهي ..
فقال : ما رأيك في فندق الهيلتون ؟
قالت : لا بأس به ..
قال : إذا إلى هناك ..
ولد باريس غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2010, 05:57 AM   #5 (permalink)
ولد باريس
رومانسي فعال
 
الصورة الرمزية ولد باريس
 
صحيح أنه الخبير .. وصحيح أنه بارع .. ولكن من قال .. بأنه قد نجح في كل مرة .. يحاول فيها أن يجذب بنتاً إليه ؟ إن قلت بذلك .. لكان من الواضح أني أبالغ .. ولكني أستطيع أن أقول .. أنه كان يحصل في العادة على ما يريد ..

وعندما وصلا .. دخلا فندق الهيلتون الرائع .. بل إنه ربما أكثر الفنادق فخامة في جدة .. بروعة المكان .. والطراز المعماري الآسر .. وعلى اليسار .. كان هناك المقهى .. جلسة ولا أجمل .. وإن كانت الجلسة الموجودة في الدور الأخير ذات الإطلالة الخرافية .. أكثر روعة ..
جلسا على الطاولة ..
وبدءا الكلام ..
هي كان اسمها ( رناد ) .. درست في أمريكا لمدة سنتين وعادت .. بسبب أحداث سبتمبر .. وهي من عائلة مشهورة جداً ..
والدها صاحب مستشفى مشهور في جدة .. المستشفى البريطاني العالمي .. أما هو فقدم نفسه على أنه شاب درس كل صيفه هناك .. في حين أن قصي ذهب هناك فقط مرتين .. ولمدة شهرين في كل مرة ..
ولكنه كان تقابل مع ناس كثيرين .. وكون فكرة أكثر من واضحة عن كل شيء .. وعن العقلية التي يعودون بها .. وراح الكلام عن أمريكا يحتل معظم محاور الحديث ..
فقال لها : النظام هنا سيء للغاية ؟ متى سنرتقي بأفكارنا وعقولنا .. تخلف ..
ضحكت وقالت : انتظر كثيراً .. فلا أظن أن هذا سيحدث لنا ونحن أحياء .. آه عليك يا أمريكا ..
فقال لها بنفس الطريقة : بالفعل .. لقد كنت أتمنى أن أدرس هناك .. ولكن ..
ثم ابتسم لها .. فقالت : ماذا حصل ؟
قال لها : أحب فتاة هي كل حياتي ..
قالت : come on do not tell me because of love you did not go to USA?
فقال: هذه هي مشكلتي .. أحبها كثيراً ..
فقالت : oh my god .. that is so romantic !
فقال : أعلم .. ولكني أبضاً مشغول ببعض الأعمال مع والدي .. فوالدي رجل أعمال معروف ..
قالت : من هو ؟
قال لها : إنه مناف ال.... ..
قالت:wow .. is that your father ?أنت فتى محظوظ .. رجل مشهور بحق ..
قال لها : ولذلك بقيت هنا .. الأعمال كثيرة .. فأنا أتابعها ..
قالت : جيد .. أنا متخصصة marketing ..
فقال لها : عظيم تخصص جميل .. أنا متخصص في الصيدلة ..
قالت : كيف عرفت أني درست في أمريكا ؟
قال لها : هذه الأناقة والبساطة في آن معاً .. ولكنة لغتك .. كلها دلائل .. ولا تنسي شيئاً .. أنك وحدك هنا .. وهذا عادة لا يكون إلا لفتاة انطوائية .. أو أخرى قدمت من أمريكا وقد نسيها أصحابها .. ثم لا تنسى .. Go gator ..
قالت له وقد برقت عيناها : ذكي جداً .. ما شاء الله ..
ومضى بهم الحديث ساعة .. ثم قال لها : شكراً على هذه الساعة الرائعة ..
فقالت له : أنا السعيدة أن وجدت أخيرا من يفهم .. تعبت كثيراً في السعودية عندما أتيت ..
قال لها : أعلم .. هذا هو حالنا كلنا ..
كان يضحك في أعماقه على سذاجتها .. وغرورها المفرط التي جعلها تصدق كلامه حتى ..
أما هو فقد كانت آراءه مختلفة تماماً عما تكلمه وقاله لها ..
ولكن .. الأسلوب المناسب يعلق البنت المناسبة ..
حياها .. ووعدها .. أن يكلمها .. وان يتحدث معها ..


وبعد أن خرج من هناك .. ركب سيارته ..
وفتح الجوال واتصل : مرحبا ..
رد الطرف الآخر : مرحبا من ؟
قال : أنا قصي .. من اتصل بي ؟
قالت : لم يتصل أحد ..
قال لها وهو يتظاهر بالارتباك : عفوا .. ولكن هناك اتصال من ساعتين بهذا الرقم .. من أنت لو تكرمت ؟
قالت بعد صمت قليل : أنا .. أنا روان ..
قال لها : غريبة .. لا أعرف أحداً بهذا الرقم .. ولكــ .. .
ثم قطع كلامه وقال : أوه .. أنا آسف .. أنا كنت الشاب الذي أضاع جواله عند ماكدونالد ..
أنا آسف .. لم أكن أقصد ..
هي قالت : آه تذكرتك .. نعم أنت ..
قال لها : أنا آسف .. آسف حقا ..
قالت بصوت فيه راحة كبيرة : لا عليك .. لم يحصل شيء ..
فقال لها : لقد كنت لطيفة معي ..
تورد خدا الفتاة خجلاً .. وقالت : لم أفعل شيئاً .. أنت كنت لطيفاً .. فقد أهديت أختي الشقية تلك اللعبة إنها تلعب لها إلى الآن ..
قال لها : لا .. أنا أحب الأطفال ..
فقالت لتنهي الحديث الذي كان يروق لها حقاً : حسنا .. هل هناك شيء آخر أستطيع تقديمه لك ؟
قال لها بسرعة : لا .. لا .. كل شيء على ما يرام .. شكراً .. ومع السلامة ..
قالت وهي مبتسمة : مع السلامة ..


أغلقت الهاتف .. وأخذت تنظر فيه ..
شاب وسيم جداً .. ويبدو انه مكافح .. جمع ثمن جواله بنفسه .. كم هذا رائع ..

أما قصي فجلس في سيارته مبتسماً حتى وصل إلى البيت ..
ها قد استطاع أن يصادق 3 بنات في ثلاثة أيام ..
واحدة في يوم .. واثنان في يوم آخر ..
راقت له هذه المسألة كثيراً ..


نوف عاملها على أنها حبيبته .. وسقا لها من كلام الحب أروعه وأعذبه ..


روان .. تحب الكفاح .. إنها من طبقة عادية .. تحب قصص الحب المليئة بالنضال من أجله .. تحب الحياة العادية ..


أما الجميلة رناد .. لعبته الكبرى .. بنت عنيدة وذكية جاءت من أمريكا .. مبهورة بفكرها .. وفي رأسها صورة سيئة عن بلدها .. وهي بالتأكيد تفكر كيف ترجع إلى هناك .. عاملها على أساس صاحبه .. فهي لا تقتنع بالحب من البداية ..
كل واحدة على حسب عقلها .. وذكائها وتفكيرها ..
وكل واحدة تظن ألا أخرى في حياته .. إلا رناد .. التي سيلعب عليها أخطر عملياته .. وأكثرها حذراً ..
ولكن فليكن ..


إنها تجربة فريدة من نوعها .. على الأقل سينسى .. سيكون قصي فيها لامعاً كعادته .. ذكياً .. يقف مبتسماً بابتسامته الساخرة .. ونظراته القوية .. وكأنما الدنيا لا تعنيه ..
هذه هي قصة قصي وحب الصاحبات الثلاثة ..

وما سيفعله سيكون أكثر إبهاراً ..
سيكون لائقاً بالخبير ..
سترون كيف يتعامل قصي مع كل واحدة ..
وكيف يفعل كل ما يريد .. وبكل ذكاء ..



الجزء الثاني

الفصل الثالث


قصي ذلك البارع خبيرا النساء .. بارع كل البراعة .. ذكي ويعرف ما يفعل .. لقد تعرف على 3 فتيات في وقت قصير .. وقرر أن يجرب هذه العلاقة الثلاثية بكل أناقة .. قرر أن يرى أين سيصل به جنونه .. وإلى أي مدى .. يصدق الناس كل الكذب الذي يلقي به في رؤوسهم .. إنها تجربة .. ستكون مثلها مثل غيرها .. قد تبوء بالفشل .. وقد تبوء بالنجاح .. ولكن الحقيقة التي ربما تجاهلها قصي عمداً .. أنه يفعل هذا من أجل شيء في نفسه ..

هذه نوف التي تؤمن بالحب .. والحياة من أجل الحب .. على نظام أفلام فاتن حمامة وعمر الشريف .. بدون أي خبرة في الحياة ..
وروان فتاة من الطبقة المتوسطة .. تؤمن بالنضال والكفاح من أجل الحب .. وتقدس الحياة الزوجية .. وبناء الأجيال .. على طراز الأمهات ..
ورناد .. الجميلة التي جاءت أخيراً من أمريكا وترى التخلف واضحاً إلا من كان على جواز سفره رحلة
سابقة إلى أمريكا .. وتنقد كل ما لم يذكر اسم الغرب عليه ..

هؤلاء هن ثلاثية قصي .. بنات في عمر الزهور .. إناث يمتلئن بحب المغامرة .. والتقدم نحو المجهول .. والرغبة في استكشاف ما خلف الأبواب المغلقة ..

مضى الآن شهر على هذه العلاقات ..

أما نوف استمر معها في كلام في الحب بلا توقف .. وساعات طوال .. يقطعها في النهاية .. بأنه مشغول .. وعنده أعمال مهمة .. كانت أسهل علاقة بالفعل .. قليل من الكذب .. قليل من الكلام العذب .. وبعض التلميحات عن الزواج .. سهل جداً .. وأسهل ما يستطيع المرء أن يقوم به .. هو بيع الكلام بالمجان ..

أما روان .. فبعد تلك البداية القصيرة .. بدأ يرسل لها رسائلاً قصيرة كلها احترام جم .. وكلمات تقطر في الأدب .. بل لم يكن يرسل لها رسالة حب .. لمدة أسبوع .. ثم اتصل بها بعد ذلك وقال لها :عفواً .. ر .. روان ؟
قالت : نعم أنا روان ..
قال بارتباك : احم .. أنا .. أنا قصي .. ذلك الذي قابلته عند ماكدونالد ..
قالت بعد صمت : طبعاً .. كيف حالك ؟
قال لها : بخير .. في الحقيقة .. لا أعلم .. ولكني وجدت نفسي أتصل عليك .. أعتذر على الإزعاج ..
أما روان فكان قلبها يقفز من مكانه حقاً .. لأنه ما بارح تفكيرها أبداً .. لأول مرة تجد شاباً يعاملها بكل هذا التقدير وهذا الاحترام .. وإن شئنا الدقة .. بهذه البراءة الساذجة .. إنها تحب هذه النوعية كثيراً .. بصراحة هي لم تعرف ما تقول .. ذلك أن في نفسها شعوراً قوياً نحوه .. وفي الوقت ذاته .. لا تستطيع أن تخلع القناع الحديدي .. والطريقة التي تسير عليها .. ولا الأفكار التي تؤمن بها ..
فقال لها : أنا آسف .. لم أكن اقصد .. أعتذر بحق .. لن تريني أتصل عليك مرة أخرى ..
كادت تهتف روان وتصرخ لتقول : لا .. ولكنها أحجمت ..
فقال: ولكن أريد فقط أن أطمئن على أختك الصغيرة .. كيف حالها ؟
قال هذه الجملة بطريقة لتبدو في منتهى السذاجة .. كأنه طفل يحاول أن يبرر موقفه .. بكذبة سخيفة ..
قالت بسرعة : إنها بخير .. كل يوم تلعب بتلك اللعبة ..
قال لها : الحمد لله ..
ثم صمتا قليلاً ..
فقال : اعتذر مرة أخرى ..
وإذ لم تريدي استقبال رسائلي أستطيع أن أتوقف عنها ..
فنطقت أخيراً وقالت : لا عليك أرسل ما تريد ..
فقال بفرح تعمد أن يظهر في صوته : صحيح ؟
أما هي فلم تكن الفرحة تسعها وهي تقول وهي خجلة جداً .. حتى أنها أخذت تلعب بشعرها الناعم : صحيح ..
وراحت تقول فيه نفسها : مسكين .. يبدو أنها المرة الأولى التي يحادث فيها بنتاً ..
فقال لها : شكراً .. شكراً كثيراً .. أراك على خير ..
وأقفل السماعة .. ثم نظر هناك إلى الأفق وابتسم .. ورافقت تلك الابتسامة كل آلامه .. إن هذا الشاب يعطي مثالاً رائعاً لما يسمى بـــ خطوات الشيطان .. هذا ما يفعله ..
من الغباء أن يأتي هذا الشخص ويقول بكل سرعة أحبك .. وخصوصاً لبنت مثل روان .. التي من الواضح أنها تملك شخصية قوية .. بل تملك عقلاً راجحاً .. يرجح كفته على كفة العاطفة .. ولكن كل شيء بالتدريج ..
أولاً لابد أن تعتاد على وجوده في حياته ..
ثانياً لا بد له من أن يعطيها الأمان من ناحيته بأنها تستطيع أن توقفه متى شاء .. على الرغم من أن هذه الجملة خاطئة تماماً .. لأن كل هذا مجرد إيحاء زائف ..
وأخيراً لا يجعلها تحس بالسعادة إلا معه ..
ابتسم مرة أخرى عندما انسابت هذه الكلمات في رأسه في أناقة .. كلمات يحفظها عن ظهر قلب .. بل يطبقها بكل أريحية وتلقائية


أما رناد فلم يكلمها إلا بعد 4 أيام من ذلك اليوم .. إنه يحتاج أن يوضح لها أن الموضوع ليس موضوع شاب سعودي يحاول أن يتعرف .. يجب له أن يثبت لها بحق .. أن الموضوع ليس أكثر من صداقة .. وهو سيلعب عليها أغرب خططه .. ولسوف نرى هذه الخطة عن كثب أكثر ..

وفي ذات يوم اتصل بها وبعد الحديث .. تواعدا ليشربا القهوة في الهيلتون مرة أخرى .. إنه فندق راقٍ جداً .. ولا يوجد فيه ناس كثر .. وهذا كان مطلوباً من الطرفين بكلمة " الخصوصية " ..
وجلس هنالك معها .. يتحدث عن المشاريع .. وخططه المستقبلية .. إن هذه الفتاة سيدة أعمال صغيرة بالفعل ..
إنها تحاوره وتأتي له بأفكار رائعة بحق .. عن التسويق .. وعن الخطط الإعلانية التي لا بد أن يتحلى بها كل منتج .. بل أخبرته ملامح صغيرة عن مشروعها الجديد حول التسويق الإلكتروني .. وبيع السلع الإلكترونية .. عن طريق النت .. ذلك المشروع الذي لم يأخذ حيزه الكافي في الوطن العربي .. وفي السعودية بالأخص .. خصوصاً أن السعوديين .. لا يحبون التحرك .. ويحبون أن تأتي الدنيا إليهم .. وقد لا يهم ما يدفعوه من مال لقاء عدم تحركهم من الكرسي الذي يباشر التلفزيون ..
وبصراحة أعجب قصي بهذه العقلية الجيدة .. القادرة على التحليل ..
أصدر جواله نغمة مشهورة .. فنظر إلى الهاتف .. وراح اسم نوف يتألق .. فوضع الجوال على الصامت .. نظرت فيه رناد ولكنها لم تسأل .. فقال لها بابتسامة : إنها الفتاة التي أحبها ..
فقالت له بعد لحظة صمت والشك بادي في نبرة حديثها : ولم لم ترد عليها ؟
قال : بنات السعودية هؤلاء .. لا يؤمنون بمبدأ الصداقة بين الرجل والمرأة ..
ابتسمت وكأنها هي التي فهمت الدنيا وقالت : علينا أن نرتقي بفكرنا أكثر .. تطورنا في العمران .. وبقي لنا أن نتطور في الأفكار ..
قال لها : حقاً .. إنه شيء مضحك .. ولكن المشكلة يا صديقتي .. إن الحب ليس له بروتوكول .. ليس هناك شيء يحكم الحب أبداً .. إنه مجرد شيء يهبط علينا فجأة .. ولا تلبث أن نجده يعي في أعماقنا .. صدقيني .. إن جربت الحب يوماً .. فستعرفين ما أعنيه ..
كان قصي يقصد كل كلمة قالها .. وكان يلاحظ إن كانت هناك تقلصات أو أي تعابير لم تستطع رناد أن تمسك بها .. ليعرف إن مرت بقصة حب .. وهل كانت فاشلة أم أنها سعيدة إلى الآن ..
ولكن شعرة فيها لم تهتز .. إنها صلبة بحق .. بل وعنيدة .. ابتسم قصي في داخلة أكثر .. يعجبه هذا النوع من البنات .. إنه يزيد التحدي أكثر وأكثر .. وسيكون أكثر من سعيد عندما يوقعها في حباله ..
قال لها : تعلمين .. أحب هذه الفتاة .. من أجل لا شيء .. فقط أحبها .. وبدأ يتكلم لها عن الحب .. وعن علاقته بها .. وكيف أنه تقابل معها لأول مرة .. والغريب أنه حكي لها عن روان .. وأيضاً عن نوف ..
لقد مزج الاثنان ببعض .. لقد قرر أن يخبرها أنه يحب واحدة .. وأخذ يتكلم عن الاثنين .. بما يناسب الظروف .. حتى لا تكون الفتاة سطحية مثل نوف .. بسيطة التفكير .. وإنما تكون ذات عقلية لها قدر من الاحترام كروان .. وفي الوقت ذاته .. يكون للعلاقة مقدار من الرومانسية المفرطة كالعلاقة مع نوف .. صحيح أنه أمر معقد .. ولكن من السهل أن تكذب .. إن لم يستطع الطرف الآخر يثق فيك .. وفي حين أنك لم تتكلم كثيراً عن الأحداث .. وإنما القليل من الوقائع .. والكثير من البهارات .. والتزيين .. والمشاعر ..

ولكن التساؤلات هنا تكثر .. لماذا يخبرها عن من أحب ؟أليس هذا يضر بمصلحته في أن يوقع رناد في غرامه ؟!
ولكن لا تنسوا يا سادة .. أنه الخبير .. يعرف ما يفعل دوماً .. وصل به الجنون .. أن يقوم بمنتهى الجموح .. أجل .. لقد قرر أن يقابل البنات الثلاثة في يوم واحد .. وفي مكان واحد ..

كيف ؟
لن أرجئ هذا الموضوع لفصل آخر .. حتى لا أتلقى بعض الشتائم .. وبعض الأكواب الزجاجية لتنفجر فوق رأسي .. سأخبركم ..


فبعد هذا الشهر .. كانت روان قد ذابت بين يديه إن كانت تدرك ذلك .. أو لا تدرك .. متظاهرة بأنه مجرد إنسان قد تعرفت عليه .. كان يعاملها بأدب جم .. كان يحكي لها عن كفاحه في الكلية .. وحلمه الصغير في أن يفتح صيدلية مميزة .. وكان يحكي لها عن أبيه الغني الذي أراده أن يعرف قيمة المال .. فجعله يصرف على نفسه من مال المكافأة .. بل ويشتري سيارته من خلال عمله في الإجازة في أحد مكاتبه براتب رمزي لكل طلاب الجامعة في الصيف .. أخبرها عن حياته البسيطة .. وكم يحب أمه .. أخبرها عن أخته التي ماتت وهي في سن صغيرة .. أخبرها عن حياة أنها عادية جداً .. أخبرها عما تود أن تسمعه كل فتاة بسيطة ..
وكم هو يتمنى الزواج .. لان الحياة مرهقة .. يريد أن يتشارك هو وهي في أعبائها ..
وطبعاً كل هذا الكلام .. غير صحيح ..
ما أسهل الأمور عندما تتحدث مع فتاة عن الزواج ..
و روان فتاة طيبة وجيدة .. وبالرغم من ذكائها الذي يجعلانها تسير في الحياة دون مشاكل كثيرة .. إلا أنها لم تفلح في كشف أي خدعة من خدع قصي .. لأنه كان المصدر الوحيد للمعلومات عنه .. لم يكن هناك من يستطيع أن يخبرها بأي شيء إلا هو .. وهنا تكمن براعة اللعبة ..

إلا أن قال لها في النهاية : روان .. أريد أن أخبرك بأمر .. أتمنى ألا تغضبي منه إن قلته لك ..
قالت بأريحية اعتادها في الكلام معه : قل ..
قال لها : روان .. أنا معجب بك جداً .. أرجوك دعيني أكمل .. ولا تقاطعيني .. أنا شاب بسيط جداً بكل المعايير .. ولكني مكافح .. أحب العمل .. وأحب أن أبني عالمي كله بعرقي .. فهل تقبلين بشاب مثل هذا ؟هل تقبلين بإنسان في بداية حياته أن يعجب لك ؟
صمتت قليلاً .. وقالت : قصي .. أنت إنسان لطيف .. بالفعل لا أقول هذه الكلمات مجاملة .. ولكنها الحقيقة .. وأي فتاة تتمناك .. ولكني .. لا أردي ..
ابتسم قصي وهو على الطرف الآخر من السماعة وقال:هل أستطيع أن أقابلك اليوم ؟
ارتبكت روان وقالت : ماذا ؟
قال لها : أرجوك .. أريد أن أوضح لك عن حياتي .. رجائي لك يا روان لا تخيبي أملي ..
قالت روان بحيرة واضحة : قصي ولكن ..
قال لها : روان أنت تعرفينني أكثر من شهر .. هل تتوقعين مني أن أكون عابثاً لهذا الحد ؟ألم تعرفيني كفاية .. أريد فقط أن أتحدث معك لا أكثر .. كلها نصف ساعة .. أكثر .. هناك أمور لا أستطيع إيصالها على الهاتف ..
قالت روان ورأسها أخذ في الدوران : لا أعدك يا قصي بشيء ولكني سأحاول ..
قال : شكراً يا روان .. شكراً جزيلاً .. أنت إنسانة رائعة بالفعل ..
ابتسمت روان في خجل وقالت : أتقول هذا الكلام لكل الفتيات ؟
قال لها وهو يظهر رعبه : مستحيل .. روان .. هل تفكري أني اعرف غيرك ؟ مستحيل يا روان .. لا ..
فقاطعته وقالت : أبداً والله .. كنت أمزح ..
فندت منه تنهيدة .. وقال : لقد أوقفت قلبي .. روان .. في حياتي كلها .. لم أتعرف على فتاة إلا أنت ..
قالت له وهي سعيدة جداً : أصدقك ..
قال لها : روان .. أنا لم أكذب عليك أبداً .. صدقيني ..
قالت له بصدق : ومن قال بأني أكذبك ..
فقال لها والابتسامة على محياه : سنتقابل ؟
قالت : أحاول ..
قال لها : إذا كلميني ..
قالت : ok ..
أبعد الجوال عن أذنه .. وبدون أي تعابير على وجهه .. وإن كانت بعض تعابير الحزن على وجهه ترتسم .. ولا يعلم لم .. وضغط على الزر الأحمر ..
وضع الجوال بجواره .. وجلس على كرسيه وأغمض عينيه في تعب واضح ..


وهنا اتصلت نوف .. وقالت له وهي منتشية كعادتها : أهلا قصي ..
أما هو فتغيرت نبرته بسرعة غير معقولة .. وهو يقول بصوت ساحر .. بكل الهمس : أهلا يا حياتي .. أهلا يا نور عيني .. أهلا يا أحلى امرأة بين نساء الأرض ..
قالت له وهي تضحك : أتظن نفسك نزار قباني ..
قال لها .. من براك يصبح المتنبي ونزار .. من يراك يا نوف تتغير حياته .. أنت بعدك .. تغيرت كل حياتي .. نسيت كل البنات .. نوف أنت الوحيدة في حياتي ..

إنه لمن المهم جداً .. أن تعامل كل فتاة أنها الأولى في حياتك .. من المهم أن تحسسها بأنك تحبها وحدها فقط ..
من المهم كي تخدعها .. أن لا تحس بأي شيء .. يقول قصي .. إن أخطأت مرة وناديت البنت بغير اسمها ..
فاشطب على هذه البنت بسرعة .. لأنها لن تثق فيك مجدداً ..

وبعد الكلام مع نوف .. قال لها : حياتي .. ما رأيك لو عزمتك اليوم على شيء خفيف ؟
قالت له بفرح : حقاً ؟
قال لها وهو يبتسم : بالتأكيد .. سآتي لأمر عليك ..
قالت له : باللكزس .. أم بسيارة ثانية ..
قال لها وهو يضحك بملأ فمه : اختاري أنت يا حياتي ..
قالت : باللكزس أحلى ..
ابتسم قصي ..

ها هي إحدى نظرياته المميزة بالفعل .. التي صيغت بعبارة أنيقة وبسيطة في أحد الأفلام .. كي تجعل فتاة تحبك .. 90% على الشكل .. 10% على اللباقة .. وأغلق سماعة الهاتف ..
ها هو شيء جديد .. يستطيع أن يمضي فيه يومه .. سيقابل نوف .. على الأقل .. لا يجلس .. وتجلس معه ذكرياته ..
ولكنه يحس بحزن كبير .. بل شعور بالذنب .. إلى حد ما .. ليس كثيراً على نوف .. وإنما على روان ..
تباً .. لم صار مؤخراً يشعر بهذه المشاعر بين الفينة والأخرى .. ترى ما الموضوع ؟!

وبعد نصف ساعة أصدر الجوال نغماته .. إنه اتصال .. من روان ..
قالت : قصي ؟
تبدل صوته وقال لها بكل أدب : أهلا روان ..
قالت له : سوف أخرج اليوم ..
أستطيع أن أقابلك فقط لنصف ساعة ..
ارتبك قصي حقاً .. اليوم سيجلس مع نوف ..
وها هي روان .. في يوم واحد ..
ولكن كل هذا لم يبد على صوته .. بل بالعكس قال لها في فرحة:شكراً لك يا روان .. هناك الكثير من الكلام الذي أود أن أقوله لك .. بالفعل .. أعدك .. بأن كل شيء سيكون على ما تأمرين به .. أنت لا تعلمين كم أنت غالية علي ..
احمرت وجنتا روان في خجل مطبق جعلها لا ترد حتى على هذا التعليق .. ولكنها قالت :سأكون في انتظارك في الشراع الساعة 8 .. تعرف المكان بالتأكيد ..
قال : طبعاً ..
قالت : لا تتأخر ..
قال لها : لن أتأخر ..
وأقفلت الخط ..

وهنا دارت في رأس قصي فكرة شيطانية بحق .. مغامرة رائعة بحق .. ولكنه إن أخطأ فيها .. قد يضيع كل شيء أدراج الرياح .. ولكن الفكرة مغرية بحق .. بل إنها مغرية للغاية ..

اتصل على رناد وقال لها :رناد .. مرحباً ..
قالت له : أهلا قصي .. لم أرك من فترة ..
قال لها : هل تذكريني حبيبتي التي كنت أكلمك عنها ؟
قالت : بالتأكيد .. ومن ينسى حبيبتك روان تلك التي ما خرجنا يوماً إلا وكنت تتكلم عنها ..
قال : أريدك أن تريها ..
قالت له باستغراب : ولكن .. ألن تغضب ؟
قال : لا أريد أن تريها من بعيد .. لا بد .. رناد أنت صديقة غالية بحق .. لربما تعرفين عني كل أسراري .. وبصراحة أريدك أن تريها لتخبريني رأيك فيها .. بصراحة يهمني كثيراً رأيك ..
قالت رناد بطريقة تليق بسيدة أعمال ناجحة: ok, I have no problem at all ..
قال لها : جيد سنتقابل في الشراع .. لساعة 10 ستكون هناك .. هل عندك مشكلة في ذلك ؟
قالت : nop ..
قال: فليكن إذا ..

وبعد أن انتهى .. اتصل على نوف .. وقال لها :يا قمر .. سآتي لأمر عليك الساعة العاشرة .. فقالت : قصي ولكن الوقت متأخر حينها ..
قال لها : يا حياتي ولكني مشغول جداً مع والدتي .. هذا هو الوقت الذي أستطيع أن أخرج فيه .. إن لم تستطيعي لا مشكلة .. نستطيع أن نخرج غداً ..
قالت هي بعد تفكير وعلى مضض فقط لترضيه : حسناً .. اسمع سوف أخرج مع صاحباتي .. ثم تأتي لتأخذني أنت من لو مول ..
قال لها : حسناً ..


إنه يحس بقمة في النشوة .. إنه مجنون ولا شك .. يتقابل مع ثلاث فتيات في مكان واحد .. هذا هو الجنون بعينه حقاً ..
ولكنه فعلها .. كيف ؟؟هذا ما سأخبركم بتفاصيله في الجزء القادم من قصي الخبير ..





الجزء الثاني

الفصل الأخير


نوف

روان

رناد



ثلاث فتيات سيتقابل معهن قصي في وقت واحد .. قصي ذلك الخبير .. كيف تم الأمر ؟ وكيف استطاع أن يوفق بين هؤلاء الثلاثة .. هل كان الأمر بهذه البساطة .. أم أن الأمر كان معقداً ؟!



كانت الساعة السابعة والنصف حين كان قصي قد انتهى من الصلاة التي يقدسها بالفعل وإن كان يصلي جميع صلواته في المنزل .. ولبس ثيابه .. وخرج ..

أما اليوم فكان أنيقاً .. كما هي عادته .. إنه يعشق كل ما هو فخم .. وكلاسيكي .. ويبتعد إلى حد ما عن الكاجوال ..

كان يرتدي بنطال أسود أنيق فاخر .. وقميص برتقالي طويل الأكمام .. ذو أكمام مفتوحة بفرجة ضيقة .. وأزرار براقة .. تتلألأ مع ابتسامة الأضواء ..وكان هذه المرة حليق الذقن .. ويزين نفسه بشارب عريض على رقم واحد .. محفوف الأطراف .. ربما كان يحب أن يغير من شكله كل مرة .. وكأنما يجعل كل امرأة .. عملية خاصة .. وذكرى لها خصوصيها ..



ركب سيرته الفارهة .. وراحت الموسيقى التي يعشق .. تدب في السيارة .. ومشي بها في شوارع جدة التي تكون في الصيف مزدحمة عادة بالناس .. ولكنه كان في مزاج معتدل .. حتى وصل إلى منتزه الشراع .. الذي كان قريباً من منزله ..

في الثامنة إلا عشر دقائق .. كان داخل الشراع .. رائحة المعسل تعبق في الجو .. والشيشة أيضاً بتلك النكهة الثقيلة على الأنف .. وصوت الموسيقى التي تعرضها قناة روتانا تصدح بما يفترض أن يكون فناً ..

جلس هناك على إحدى الطاولات .. وطلب قهوة .. قهوة تركية .. سكر زيادة ..كان يتوقع أن تتأخر روان .. كثيراً .. بالتأكيد ستعمل المستحيل كي تكون في الموعد المحدد .. ولكنها لن تقدر بالتأكيد .. إنها سوف تحتال حتى تصل إلى هذا المكان .. ولكنه لن يدع أي شيء للفرصة ..

جلس هناك على تلك الطاولة الخشبية .. التي يبدو أن عمرها الافتراضي قد شارف على الرماد .. في قسم الرجال .. ينتظرها .. لتدخل معه من قسم العوائل ..

وبعد قليل .. كانت القهوة في حضرته .. جلس يتأمل القادمين والذاهبين .. وهو يرتشف من القدح .. وأخذته الذكرى مجدداً .. إلى هناك ..

"أريد أن أقابلك ..

ولكني لا أقدر أنا ..

لا بد أن أقابلك .. الأمر ضروري .. "

وراحت حرارة قلب قصي ترتفع رويداً رويداً .. ووصل إلى مرحلة الاحتراق ..وهو يتذكر الفلم المريع الذي يشاهده كل يوم في مخيلته .. الفلم الذي ما فتيء يتركه حتى ساعات النوم .. وفي النهاية .. أخذ يكح في عنف ..

وخرجت من فمه قطرات من الدم على الطاولة ..

التف حوله النادل وكبير المشرفين .. الذي راح يمسك بكتفه بقلق عارم : أنت بخير ؟ تحتاج إلى مساعدة ؟

لكن قصي قال له وهو يمسح قطرات الدم بالمنديل هناك وبد من الواضح أنه يلهث : لا .. أنا بخير ..

إنه مصاب بدوالي شرايين الحنجرة .. كان قصي يعرف هذا جداً .. ويعرف أنه يعاني وقت نوبتها بشدة .. أخبره الطبيب ألا يفكر في أي شيء قد يسبب له العصبية الزائدة .. إنه ليس مرضاً خطيراً .. ولكنه يجعله دائماً يتقيأ دماً من جوفه .. كلما تذكر الموضوع بعنف وحدة .. ويجعل الناس تظن أن به مرضاً قاتلاً .. وعلى أكثر ما يرجحون السل ..

شرب كوباً من الماء .. وبعد دقائق كانت روان تتصل على جواله .. قالت له بصوت خفيض: أنا عند مدخل العوائل ..

قام قصي من هناك بعد أن دفع الحساب .. وحرج ليجدها على باب قسم العوائل تنتظر .. ودخل معها .. إن هذا الفتى قادر على تغيير شخصياته بطريقة غريبة .. فها هو مع روان .. وهو في غاية الارتباك .. وعيناه ترمشان كثيراً .. ويبدو أن روان كان من الواضح أنها المسيطرة على الجلسة .. أو هكذا كان يبدو لها .. وكانت قد اختارت مكاناً عادياً غير منعزل بالمرة .. ولا مكشوف جداً ..

جلسا أمام بعضهما .. ومرة لحظة من الصمت .. أما قصي فكان يحدق فيها طويلاً ثم قال بصوت مختنق :

كيف حالك يا روان ؟

قالت هي وبدت ابتسامتها على وجهها : أنا بخير ..

قال لها بارتباك شخص لا يعرف كيف يفتح موضوعاً : ماذا تطلبين ؟

قالت : أي شيء .. ولكني أفضل عصير الفراولة ..

ابتسم لها وقال : حسنا ..

ثم طلب من النادل عصير الفراولة وآخر ليمون ..

وصمت قليلاً ..

فقالت بقلق وقد أحست أن الجلوس هكذا .. لا يعطي الكثير من المعنى : قصي .. ليس عندي وقت كثير .. لن أستطيع أن أجلس هنا لأكثر من نصف ساعة ..

قال لها : أنا آسف .. ولكن بصراحة ..

ثم نظر لها بابتسامة بريئة .. وقال : طار كل الكلام وأنا أراك ..

ابتسمت روان .. وقالت : يا الله .. ألهذا الحد ..

قال لها وهو مرتبك بتصنع غير ملحوظ ..بصراحة .. أنت ما شاء الله جميلة جداً ..

لم تتمالك روان نفسها من الابتسام .. ولكنها قالت :قصي .. لا أحب هذه النوعية من الكلام .. على الأقل ليس الآن ..

قال لها : أنا آسف ما كنت أقصد ..

ولكنه قال لها : ولكني بصراحة أنا ألاحظ أنك حزينة .. لماذا ؟ما سر تلك النظرة الغريبة في عينيك ؟ لقد قلت لك هذا أكثر من مرة على التلفون .. ولكنك لم ترضي أن تقولي لي .. روان .. إنني قصي .. وأنت تعرفيني جيداً ..

صمتت روان ولم تعرف ما ترد .. ولكنها ابتسمت وقالت : قصي .. ولكن الموضوع الذي جئت لتخبرني به ..

فقاطعها قصي : روان أنا هنا من أجلك .. ألا تثقين في .. أرجوك تكلمي .. أنت تقتلينني قلقاً .. أخبريني .. ثم نرجع لما كنت أريد الكلام عنه ..

فقالت : ولكن يا قصي .. ليس هناك ..

قال لها وعيناه متسعتان على آخرهما : روان .. لا أستطيع أن أفكر وأنا قلق عليك هكذا .. صدقيني لا أستطيع .. لا بد أن تخبريني ..

كان من الظاهر أنه صادق جدا .. وروان قد صدقت .. ولكن هذه الطريقة هي طريقة مميزة للغاية جداً لإيقاع الفتيات .. أن تجعل الفتاة تتكلم عن نفسها .. لا .. بل تتكلم عن مشاكلها .. عن همومها وأحزانها .. عن الثقل الذي يثقل عضلات كتفيها .. وإن الفتاة حين تتكلم عن مشاكلها .. بل أي شخص .. يحس براحة غريبة ..

وقد يخلط ما بين إعجابه بهذا الشخص وإحساسه بالراحة معه .. وما بين حبه لهذا الإنسان .. وهو فرق كبيير جداً .. بل إن هذه الطريقة من أقوى الطرق ..

اجعل الفتاة تتحدث عن مشاكلها .. ودعها تنفعل .. ثم تأتي أنت لتحتويها كلها .. وبذلك تحتوي وتستولي على عقلها وقلبها في آن واحد .. إنه قصي .. إنه الخبير ..
ولد باريس غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2010, 05:58 AM   #6 (permalink)
ولد باريس
رومانسي فعال
 
الصورة الرمزية ولد باريس
 
أما روان فجلست تتكلم في البداية بشيء من التحفظ إلا أنها ما لبثت أن انهارت بعض الشيء .. كانت مشكلتها شخصية .. فقد فارقت إحدى أعز صاحباته .. لأسباب تافهة .. وهي تريد أن ترجع علاقتها بها .. ولكن صاحبتها لا تريد .. كانت متأثرة جداً .. لدرجة أن عينيها احمرت .. وكادت الدموع تسقط .. وكان هنا دور قصي .. أن يحتويها .. وبالفعل كان بارعاً في ذلك .. قدم لها كامل إحساسه .. وبقدرة عجيبة تمددت هذه النصف ساعة إلى ساعة وربع .. ولم تشعر روان بالوقت .. وفي النهاية نظرت إلى ساعتها وقالت :

يا إلهي .. لقد تأخرت ..

قال لها مرتبكاً : أنا آسف .. لم أنتبه .. فالوقت معك يمر بسرعة ..

ابتسمت له وهي تلم حاجياتها بسرعة وتقول :أكلمك لاحقاً ..

ثم نظرت فيه للحظة وقالت : ولكني لا بد أن أشكرك كثيراً .. فعلاً .. لقد كنت محتاجاً لمن يسمعني .. شكراً لك كثيراً .. لقد أرحت ما بقلبي فعلاً ..

قال لها قصي : أنا دوماً من أجلك في أي وقت تشائين ..

ابتسمت وقالت : إلى اللقاء ..

قال لها : إلى اللقاء ..

انتظرها حتى خرجت

وخرج بعدها مسرعاً ..

واتصل على نوف وقال لها : أين أنت ؟

قالت : أنا في le moal

قال لها : دقائق وأكون عندك .. من معك ؟

قالت له : معي صاحبتي حنين .. ألا نستطيع أن نأخذها معنا

قال لها : نوف .. أتريدين أن تشاركني فيك أنثى أخرى .. أتريدين أن يكون في هذا اللقاء أحد سواي وسواك ؟

ارتبكت نوف وقالت : لا .. ولكن ..

قال لها بصوت حاسم : نوف .. تعالي وحدك .. وإلا سأذهب ..

قالت له وهي تتصنع الضحك : لم أسمع كلامك أنا دائماً ؟

قال لها : هكذا دوماً أحبك .. كم أنت رائعة وأنت مطيعة ..

ابتسمت نوف رغماً عنها .. وبعد دقائق .. كانت نوف مع قصي في السيارة .. كانت تتطلع فيه بهيام .. وهو بكل قوة يتطلع في ملامح وجهها .. دون أن يبدو عليه أنه قد افتتن بها كما يبدو عليها هي ..

إلى ان وصلا إلى الشراع مجدداً .. دخل .. ولم يهتم للحارس الذي رمقه باستغراب ..

وجلس في مكان مختلف .. وتعمد أن يكون هناك نادل مختلف .. وكانت عقرب الدقائق قد اقترب معلنا الساعة العاشرة .. حين اتصلت رناد ..

وقالت : إني أراكما .. أهذه هي روان ..

قال لها قصي بدون أن يبدو على وجهه أي تأثير :نعم ..

وقصي هنا لم يخلط ما بين روان ونوف .. إلا أن نوف كانت فتاة .. وهذا كل ما كان يهم رناد أن تراه ..

قالت وعلى شفتها شبه ابتسامة : حسنا ..

وجلس يتكلم مع نوف .. وهي تضحك .. كان يجيد التنكيت .. خصوصاً لفتاة أكثر بسيطة مثل نوف ..

تلك النوعية من الناس التي إن أحبت .. رأت كل ما يفعله حبيبها مذهلا ورائعاً ومثيراً .. وكان يبتسم بكل سحره وهو يكلمها .. بل إنه زاد في رومانسيته الليلة .. كان هدفه أن تراه رناد وترى كل ما يفعل ..

وبعد ساعة .. اتصلت عليه رناد وقالت :لقد مللت كثيراً وأنا أنظر لكما .. ما رأيك أن أذهب أنا ؟

قال لها : لا .. سوف أكون هناك عما قريب .. إلى اللقاء ..

تطلعت فيه نوف فقال لها : يجب أن أذهب لوالدتي ..

قالت بنظرة طفولية : ولكننا لم نجلس إلا ساعة ..

فقال : حبيبتي .. يجب أن أذهب .. سنجلس مرة أخرى مرة .. أعدك ..

فقالت له بخيبة أمل وبصوت صغير : حسناً ..



ولما كانت في الطريق .. كانت صامتة طوال الوقت .. ولكن قصي لم يكلمها بكلمة حتى .. إنه لا يهتم كثيراً أن غضبت أو لا .. حتى أوصلها إلى لي مول مرة أخرى .. ورجع إلى الشراع مرة ثالثة .. ودخل .. كانت رناد تنتظره .. كعادتها صلبة وقوية .. ابتسمت ابتسامتها القوية المعهودة وقالت : هذه هي روان ؟

فابتسم لها وقال : إنها هي يا سيدتي ..

فقالت له بشيء من الجدية :لقد كنت في قمة السعادة وأنت معها أليس كذلك ؟

قال لها وهو مبتسم : ومن يكون مع روان ولا يحس بالسعادة ؟

قالت له دون أي مشاعر : ربنا يوفقكم ..

ولكنه قال : لا أردي يا رناد .. ولكن هناك بعض الطباع التي لا أحبها في روان ..

قال له بفضول : مثل ماذا ؟

قال لها : لقد تغيرت كثيراً في الفترة الأخيرة .. نفس التفكير البدائي .. الطفولي .. وتلك الحركات الصبيانية لدى الأطفال .. لازالت تؤمن بها ..

كان يلعب على وتر خاص .. على : الشخص المثقف .. المتأنق .. الذي يفهم الجديد من الأمور .. والذي يجد بلده .. لا يستطيع أن يجاري الغرب بهذه العقلية الغبية طالما أنه وضع التقاليد والعادات .. عقبة في طريق وصوله للطموح والإنجازات العظيمة .. وأنه لا بد أن نتغير حتى لو كان على حساب هويتنا الأصلية .. وأخذ يتحدث عن حبيبته التي بدأت في الآونة الأخيرة تتجاهله .. ولا تحب أن تسمع عن مشاريعه .. لأنها شخصية بسيطة زيادة عن اللزوم ..

ثم قال: بصراحة يا رناد .. كم كنت أتمنى ان تكون روان بعقلك ..

ولأول مرة ابتسمت رناد في خجل .. ابتسمت رغماً عنها .. أما هو فلم يعقب على خجلها بشيء .. تعشى معها في الشراع .. ثم ودعها .. وانصرف ..





وهكذا قان قصي بمقابلة ثلاثة من الفتيات في يوم واحد

وفي مكان واحد ..

ألم أقل لكم بأنه خبير ؟!









بعد أسبوع ..

وبينما كان قصي يتكلم مع نوف .. قال في نفسه :إن هذه الفتاة غبية بالفعل ..

وكان قصي قد مل منها جداً .. لا شيء يميزها .. غير قليل من الجمال .. الذي ساعد على تصعيده .. بعض أدوات الزينة ومستحضرات التجميل .. فقرر أن ينهي علاقته بها في المكالمة القادمة .. نعم إنه أمر لديه في غاية البساطة ..إنه ليس على استعداد لأن يكمل مشوار الغباء هذا ..

ولكنه سيكون قاسياً جداً .. كما جرت العادة ..



اتصلت به نوف .. وأخذت تتكلم معه .. فقال لها : أين أنت ؟

قالت : أنا في السوق ..

قال لها بقسوة : نوف .. أكل يوم تذهبين إلى السوق ؟

جمدت الفتاة في محلها لحظة وقالت :قصي .. ما الموضوع ؟

قال لها بعصبية : الموضوع أنك لا تحبينني .. صرت باردة جداً معي .. وكل يوم تخرجين إلى السوق .. لا بد أن هناك شخصاً آخر في حياتك ..

نوف جنت .. لم تعرف ماذا تفعل .. وبدأت تتكلم وتقول : قصي .. لم أنت عصبي هكذا ؟أنا لم أقصد شيئاً .. قصي .. دعنا نتفاهم ..

قال لها : انسي كل شيء يا نوف .. قصي هذا انسيه من حياتك تماماً .. واعتبري كل الذي بيننا انتهى ..

وأقفل الجوال .. هكذا !!!بكل قلب بارد .. وبدون أن يطرف له جفن .. ربما كل هذه القسوة لأنه كان يعزف قبل قليل .. ولازال الخاتم البلاتيني في إصبعه .. ولأنه تذكر ..

أخذ الجوال يرن .. وقصي وكأنما لا يسمع شيئاً .. لقد شطب هذه الفتاة من حياته إلى الأبد .. ولكن هل سينهي موضوع نوف بهذه الطريقة ؟إذا كيف سميناه الخبير ؟لا .. وبالطبع إنها ليست النهاية .. ولكنها بداية النهاية ..





وفي نفس اليوم اتصل رناد .. رد عليها قصي بصوت متعب ..

قالت له : ما بك يا قصي ؟

قال لها : لا شيء ..

قالت له : قصي صوتك غريب .. إنه لا يعجبني .. قل لي ماذا حصل ..

قال لها بصوت متحشرج : لقد ذهبت مني روان ..

صمتت قليلاً رناد .. ثم قالت : ماذا تقول ؟

قال لها : لقد انفصلنا أنا وروان ..

قالت له : ماذا حصل ؟

صمت قصي قليلاً ..

ثم قال : رناد .. هل أستطيع مقابلتك ؟

قالت : حسناً .. نتقابل في الهيلتون كالعادة ..

قال لها بصوت واهن : حسناً ..

وبعد نصف ساعة كانا في الهيلتون .. وكان قصي قد أجاد التمثيل .. جلس يحكي لها .. كيف أن روان تخلت عنه بمنتهى البساطة .. إن قصي شخصية معقدة بالفعل .. استطاع أن يمزج في نفسيته .. كيف أنه أنهى علاقته بنوف .. ووضع عليها الكثير من الأكاذيب .. ليجعلها هي المذنبة .. وبعد هذا .. يضع كل الكلام على أن حبيبته روان !شخصية في قمة التعقيد ..

وجلس يتكلم مع رناد .. على أن روان كانت لا تحبه .. فقط كانت تمضي وقتها معه .. وأن الكلام الذي كان يقوله لا .. لم يكن يعني لها شيئاً على الإطلاق .. وجلس يتكلم .. ورناد .. لا تعرف ما تفعل .. لقد فقدت قوة شخصيتها .. وحل محلها تعاطف كبير .. استعادت هذه الفتاة أنوثتها الضائعة .. وأحست أنها تود أن تعطي صديقها بعض الحنان .. بل كثيراً من الحنان .. كيف لا وقصي هو الشخص الوحيد الآن في حياتها .. إنها بلا أصدقاء .. وبلا حبيب .. إن حياتها كلها فارغة .. من إنسان يكون له معنى .. ويُحفظ له الود .. وقصي يمثل فيها شيئاً كبيراً .. لا تستطيع أن تتجاهله بسرعة .. وفي النهاية .. قال لها :رناد .. لا أعرف ماذا كنت لأفعل من دونك .. رناد أنت إنسانة رائعة .. جمال .. ما شاء الله .. وعائلة كبيرة .. وفكر .. وعقلية تجارية .. انت يا رناد فيك كل المواصفات التي يتمناها أي إنسان ..

لم تتمالك رناد نفسها من الزهو .. ولكنها قالت بثبات : أنت تبالغ ..

فقال لها : لا أنا لا أبالغ .. أنت تعني لي كثيراً يا رناد ..

وتطلع في عينيها .. تلك النظرات على الرغم من أنها بعيدة عن تصريح بالحب .. ولكنها جعلت رناد تحس بشيء غريب جداً .. بشيء من الأنوثة في نفسها .. وبعد نصف ساعة كان كل منهما قد ذهب إلى بيته .. وفي الطريق ..

وصلت رسالة إلى رناد .. من قصي .. رسالة ملئى بكلام حب .. ولكنه متوارٍ خلف ستار من الكلمات اللطيفة .. ابتسمت رناد .. وأحست أن قصي هذا أكثر من مجرد صديق .. وهنا كانت براعة قصي ..



وأستطيع الآن أن أفسر بجلاء ما كانت خطة قصي من المقابلة الثلاثية .. وما الفكرة التي بزغت في رأسه وقرر أن ينفذها على رناد .. كان قصي يريد أن يري رناد .. الرومانسية كاملة .. وكيف أنه إنسان عاطفي جداً .. ويجب بكل كيانه .. ليجعلها تتمنى ولو في نفسها أن تحظى يوماً بهذا الحب .. إنه نفس الشعور الذي ينتابنا ونحن نرى فلماً عاطفياً لقصة حب .. يضحي أحد الأطراف في هذه القصة من اجل الطرف الآخر .. نفس الأمنية أن يحبنا شخص بهذه الطريقة .. فماذا لو كان هذا الإنسان أمامك .. بكل هذا الشغف .. بكل هذه الأحاسيس .. وأنت تعرف أين يمكن أن يصل بحبه لك ؟كان يريد أن يغرقها في بحر رومانسياته ليريها شيئاً من حاجياتها الفطرية .. ورغباتها كإنسانة .. حتى تعرف .. أنه إن أحب فتاة أعطى بلا حدود .. انه إن أحب .. أحبها بالكامل .. أحبها بغير وعي .. أحبها بلا حدود .. أحبها ولم يرضى أن يتركها لنهاية العمر .. ببساطة إنها سياسة تجويع عاطفي ..



ولم تمضي فترة طويلة .. حتى وقعت رناد في غرامه .. إلا أن قصي لم يخبرها أبداً بأنه يحبها .. مثلما فعل تماماً مع روان .. كلاهما قال لهما أنه معجب بهما .. ولم يقل أبداً أنه يحبهما .. إلا أنهما فهما أنه يحبهما .. وكانت تلك مشكلة لم يحسبا لها حساباً ..







بعد أسبوعكان الموعد لينهي كل علاقاته ..

نوف .. ما زالت تتصل كل يوم باستمرار ..

روان .. تعلقت به كثيراً .. وأحبته ..

رناد .. تطورت العلاقة .. وأصبحت تحبه بحق .. بكل عقلها ..

وكان عليه أن ينهي هذه العلاقات .. فسوف يسافر إلى فرنسا ليمضي فيها أسبوعين .. قبل بداية الدراسة التي كانت على وشك البدء .. وحينها سيكون مشغولاً .. ثم إنه مل .. فوقته كله يضيع بينهن .. وبدأ الواحدة تلو الأخرى ..



اتصل على نوف .. لم تصدق هذه الفتاة .. أن قصي أخيراً رد عليها .. قال لها : نوف ..

قالت له : قصي .. يجب أن نتحدث ..

قال لها بنعومة وبصوت دافيء : نوف أنا آسف .. ما كنت أقصد يا نوف ..

صمتت نوف .. ثم قالت : قصي .. من ذلك اليوم لم أخرج إلى السوق مرة أخر .. أقسم لك ..

قال لها بعد صمت : نوف .. يجب أن أخبرك الحقيقة ..

قالت نوف باستغراب : أي حقيقة ؟

قال لها : نوف لن تصدقي ..

قالت له : قصي .. أقلقتني ما الأمر ؟

قال لها : نوف .. لقد أنهيت العلاقة بك .. لسبب خارج عن إرادتي .. ولكني ما كنت أريد أن أظلمك وأنهي العلاقة بهذه الطريقة البشعة .. ما كنت أقصد يا نوف صدقيني ..

قالت له وهي منفعلة : ما الأمر ؟

قال لها : نوف .. أنا .. مريض ..

نوف توقفت .. ولم تعرف ما تتكلم ..

قال لها : أنا مصاب بمرض خطير يا نوف .. سأسافر .. إلى فرنسا .. لأجري عملية خطيرة .. في الحبل الشوكي .. وقد لا أعيش .. لذلك أريد أن أنهي هذه العلاقة .. لا أريدك أن تتعذبي بعد موتي ..

صمتت نوف .. ثم قالت : قصي .. هل تمزح ..

فقال لها : وهل اعتدت أن أمزح معك يا نوف .. في مثل هذه الأمور ؟أنت أكثر إنسانة تعرفني حقاً .. هل تشكين مرة بأني قد كذبت عليك ؟قولي لي مرة واحدة ؟نوف .. هل آتي لك بالتقارير كي تصدقيني .. حرام عليك يا نوف حرام ..

وهنا لم تستطع نوف أن تستحمل .. فقالت وهي تبكي : أصدقك يا قصي .. والله أصدقك .. ولكن .. كيف يحصل هذا .. هذا غير ممكن يا قصي .. مستحيل أن ننهي قصة حبنا بهذه النهاية .. لا بد أن نقانل حتى النهاية .. لا أستطيع .. لن أستطيع أن أنسى كل الذي بيننا بمكالمة تلفون واحدة ..

ولكن قصي لم يدع لها فرصة لإكمال ما تقول فرح يقول لها : إنه الوداع .. يا أجمل من عرفت في حياتي ..

قال له وهي تبكي : ولكن يا قصي .. حسناً .. ماذا لو نجحت العميلة ..

قال لها : إن نجحت العملية .. فقد أكون مشلولاً رباعياً .. أو أكون قد فقدت بصري وسمعي ..

نوف لم تعرف ما تقول ظلت تبكي .. وتبكي .. وهي تقول كلاماً غير مفهوم .. أما هو فقال مكملاً بنفس التراجيديا : سأمسح جوالي هذا .. ولكن تذكريني يا نوف .. أني أحببتك من كل قلبي ..

ولكن نوف تقول له : أرجوك يا قصي .. اسمعني ..

فقال لها وكأنه لا يسمع : الوداع يا قلبي .. الوداع ..

وأقفل سماعة الهاتف ..





وقد يقول أحد ما أن أهذه الفتاة غبية لهذه الدرجة ؟لا إنها ليست غبية ولكنها عمياء .. عمياء الحب .. ومن يكون في موقف نوف .. ويسمع الكلام ممن أحبته بأذنيه .. سيعذر بالتأكيد نوف .. سيعذر هبل الحب الذي أصاب نوف .. وعلى كل .. فعلى الرغم من بساطة الطريقة .. إلا أن إقفال هذا الجوال .. بل وحذفه من الخدمة واستبداله بجوال آخر .. أمر في غاية السهولة .. سينهي أمر نوف من حياته .. إنها فتاة عادية .. ولا تستحق أكثر من أسلوب عادي لإنهاء العلاقة .. ولكن بعد أن ينتهي من الأخريين ..



ولكنه بعد أن أنهى المكالمة .. جلس قليلاً ثم أحس بآلام لا حصر لها في صدره كلها .. وأحس أنه يختنق .. ودخل الحمام .. وفتح الماء البارد على رأسه .. وأخذ يكح ..

وامتلأ البانيو بالدم .. بلون أحمر .. وراحت أنهار وردية تمشي في بطء بعد أن اختلط بالمياه .. هكذا هي عادته .. بعد نهاية كل علاقة ينهيها .. كثير من الألم .. كثير من الدماء ..

وأقفل جواله لمدة يومين .. لم يستطع فيها حتى أن يرد على روان .. أو حتى رناد .. وكان الدور آتياً على رناد ..

وكان لا بد له أن ينهيها .. اتصل على رناد التي قالت له : قصي .. أين كنت ؟لقد قلقت عليك جداً ..

قال لها بصوت مليء بالسعادة : رناد .. أنا أسعد إنسان على وجه الأرض .. أنا جداً سعيد ..

فرحت رناد وقالت : أفرحني معك .. وقل لي ماذا حصل ؟

قال لها : أخيراً .. رجعت روان لي .. أخيراً يا رناد ..

أما رناد فصعقت .. ولم تعرف بم ترد .. أصابتها خيبة أمل بلا حدود .. وأحست أنها تتلاشى في هذا العالم .. ولكنها تماسكت وقالت ببرود : جيد .. الحمد لله أنكما عدتما لبعض ..

كانت تعلم أن قصي لم يقل لها أبداً أنه يحبها .. وأنه في كل مرة يتكلم عن روان ثم يقول .. يجب أن أنساها ..

وأعيش حياتي الآن .. ولكنها ما توقعت أن العلاقة ستعود .. حتى إنه قال لها كلاماً كثيراً .. لم تسمع منه حرفاً واحداً .. ثم قال لها : سأسافر إلى فرنسا قريباً لأشتري لها من هناك فستان زفاف ..

لم تعرف رناد بم ترد .. كانت تحاول أن تستعيد قوتها التي خانتها أخيراً .. وذكاؤها التي طالما فرحت به .. وعقلها الذي اعتقدت أنه يوزن بالذهب .. ولم تعرف أن واحداً مثل قصي سيكسر شوكتها القاسية ..

وكلنها قالت : الله يسعدكم ..

فقال لها قصي : أراك على خير يا أعز صديقاتي .. ولكن اعذريني فبعد زواجي .. لن أستطيع أن أتحدث معك ..

لأني سأكون مشغولا بالتأكيد بزوجتي الحبيبية .. وأنا فقط جلت لأشكرك على كل شيء .. سأذكرك إلى آخر يوم من حياتي .. أروع إنسانة يا رناد ..

أما هي فتمسكت بآخر ما لديها من قوة وهي تقول :لا عليك .. لم أفعل شيئاً يذكر .. أراك على خير ..

ثم عمدت إلى إنهاء المكالمة بهدوء .. حتى لا يظهر ما كان يخبئ قلبها .. ثم وراحت دموعها تناسب من فوق خديها .. بكل الألم .. ولكن بدون صوت ..



أما قصي .. فلا داعي أن نصف المشهد البشع الذي تنتهي به كل علاقة .. ومضي يومان آخران .. وهما جاء دور روان فكر قصي كثيراً .. كانت روان وحدها دون غيرها مختلفة عن الباقين .. ربما لو كان قصي منذ زمن .. كان سيكون كل شيء مختلفاً .. ربما لأحبها بالفعل .. إنها إنسانة طيبة وعادية .. ولكن العادة .. والشهوة السادية التي كانت لديه .. تطغى على صوت العقل .. كانت رغبة فيه .. لم تستطع توسلات قلبه .. أن تسيطر عليها .. بل إن هذه الرغبة الشيطانية الدفينة فيه .. تحولت إلى مارد عملاق .. أخرج كل طاقاته .. حتى لم يستطع قصي أن يقاوم ما سيفعل ..

كان قد تركها بدون اتصال لمدة 4 أيام .. بعد أن كانت تسمع منه في اليوم على الأقل مكالمة أو حتى رسالة بالجوال .. اتصل بها أخيراً .. وهذه المحادثة بحق .. تعتبر أفضل نهاية أنهى بها قصي علاقته مع فتاة .. انسى نوف .. وكذلك رناد .. واستمع ..



قال لها : روان .. كيف حالك ؟

قالت وهي مهللة الأسارير : قصي .. أهلاً .. لقد قلقت عليك .. أين كنت ؟

قال لها : روان .. أعلم أنك غاضبة مني .. ولكن بصراحة .. أريد أن أتحدث معك في موضوع مهم ..

قالت روان بتساؤل : قصي ما الموضوع ؟أربعة أيام .. لم أسمع منك شيئاً .. قلي أرجوك ..

قال لها : روان .. وقبل كل شيء أريدك أن تسمعيني إلى النهاية .. وأرجو منك ألا تقاطعيني .. فستسمعين مني كلاماً لأول مرة قد تسمعينه .. وأنا أعي كل كلمة قلتها .. لقد جلست هذه الأيام الأربعة .. فقد لأقول لك ما أود قوله الآن ..

قالت روان وهي تحس بالخوف : أنا أسمعك ..

قال لها : روان .. ذلك اليوم .. لم أعرف لمَ لم أقل لك كل هذا الكلام .. كنت أريد أن أوضح لك .. ولكن الكلمات انعقدت بلساني .. روان .. أنا .. أنا إنسان وحيد جداً .. على الرغم من أصدقائي الكثر .. وعلى الرغم من أني أخرج باستمرار .. وعلى الرغم من حياتي المشغولة .. إلا أني أحس بوحدة غير عادية .. وإن كنت تريدين الصراحة .. كنت وحيداً منذ زمن ليس باليسير .. في وسط أهلي .. هل تعين ما أقول ؟أنا يا روان .. إن مت فلن يبكي علي أحد .. أو يطرف له جفن ..

قالت روان بألم : لم تقول هذا يا قصي ؟

قال لها : روان .. أنت لا تعلمين .. عشت في حياتي أياماً عصيبة .. حتى قابلتك يا روان .. وتغيرت حياتي بأكملها .. روان سأخبرك .. لأنك فتاة غير عادية بكل المقاييس .. سأخبرك لأنك الأنثى الوحيدة التي أظنها قادرة على فهم ما أقول .. لأنها الأنثى الوحيدة التي ستفكر بقلبها وعقلها معاً .. سأخبرك لأنك الوحيدة التي من الممكن أن تفهمني جيداً .. لأنك الوحيدة التي يمكن أن أأتمنها على ما لا آمن عليه أحداً في العادة .. روان .. أنت إنسانة غير عادية .. تكفيني طيبتك .. ورقتك .. وخفة دمك .. روان .. صحيح أنك لست أجمل فتاة رأيتها في حياتي .. ففي التلفاز فتيات كثار .. لا تستخفي بعقلي وكلامي .. فانا أحب الصدق .. ولكنك في عيني ملاك بأجنحة وردية .. يطير في دنياي .. ويجعلها نسائماً .. وينثر عليها وروداً .. روان هل تسمعينني ؟

أما روان فقد كانت قد ذابت في سحر كلماته .. فقالت : نعم أسمعك ..

قال لها : روان .. بعد أن تعرفت عليك .. أصبحت حياتي مختلفة .. أصبح لي طموح أعيش من اجله .. صار لي وقت أكافئ به نفسي .. حين أتحدث إليك .. هل أخبرك بأمر على ألا تسخري مني فيه ؟

قالت : ما هو ؟

قال: كثيراً .. وبينما أنا أجلس مع نفسي .. أقول .. روان .. روان .. أنت لا تعلمين كم اسمك ساحر ولطيف ورقيق .. به شيء لا أستطيع وصفه بالتحديد .. ولكنه بالفعل يجلب لي سعادة كبيرة وأنا أقوله .. أحس أني حين أتحدث إليك .. أنك تفهمينني قبل أن أتكلم .. يكفيني .. أنك أكثر إنسانة طيبة في حياتي .. يكفيني أك لم تكلمي أحداً غيري قبلاً .. " وعند هذه أحس قصي بنار تخترق ضلوعه .. أحس أنه يكاد يتقطع من الوجع .. أحس أن جلده يكاد يتساقط عنه .. ولكنه أغمض عينيه .. وراح يكمل .."

: روان .. أنت ملاك ..

قالت روان وهل تحس أن الدنيا بها تدور : أنت لأول مرة تقول هذا الكلام .. ثم إن الموضـ .. .

قاطعها وقال : روان .. ليس هذا كل ما أود قوله .. هناك أشياء أخرى .. لا بد لي أن أوضحها .. يجب أن أخبرك بموضوع هام .. والفرصة لا تأتي كثيراً .. وشجاعتي تخونني دوماً .. كنت أريد أن أقول لك هذا في الشراع .. ولكني لم أستطع ..ولكن إما الآن .. وإلا فسوف أصمت إلى الأبد .. وأنا لا بد أن أخبرك ..

صمتت روان وهي تسمع .. فتابع : روان .. أنا لازلت طالباً في كلية الصيدلة .. وبقي أمامي حوالي أربع سنوات .. وربما أكثر حتى آخذ الماجستير الذي لن أرضى بديلاً عنه .. وأنت فتاة جميلة .. مليئة بالفتنة والحيوية .. في عمر الزهور .. بل أنت كل الزهور .. أجد نفسي مذنباً أن أتركك هذه السنوات وأن أربطك معي .. روان .. إني أتكلم معك حديثاً .. لا يمكن أن أقوله لأي بنت لأنها لن تفهمه أبداً .. أما أنت .. فأعلم أنك على الأقل تفهمين ..

روان .. في الحقيقة هناك شيء لم تعرفيه عني قبلاً .. وبصراحة .. لن أستطيع أن أخبرك به أبداً .. فهذا الموضوع سر كبير في حياتي ..

"لا أدري لم يحب البنات الشخص الغامض المليء بالأسرار .. قصي هنا لم يقصد أن يتكلم عن سره .. ولكن مجرد سر .. أي سر "

قالت : ألا تستطيع أن تخبرني به ؟

قال لها : إن أخبرتك به .. لن فسوف تنتهي حياتي كلها .. حينها يجب أن لا أذكرك حتى في خيالي .. بل لن أبالغ إن قلت لك بأني سأترك كليتي لأذهب إلى أي مكان .. إن قلت لك السر .. فسأحرق كتاباً رودياً .. كتاب لا أمل منه أبداً .. كتب على غلافه بأحرف من ذهب .. روان ..

قالت روان .. وهي مختنقة : وتنساني ..

قال لها : روان .. لا أستطيع أن أخدعك .. أنت أروع فتاة .. يمكن أن يعرفها إنسان .. ولكنك على الأرجح ستقابلين شخصاً أفضل مني بكثير .. أنت عرفت كثيراً من الأشياء عني .. ولكني أخفيت عنك أشياء أخرى كثيرة .. كنت أخفي الجانب الذي لا أحب أن يراه أحد .. لذلك مهما قلت لك .. فهناك شخص أفضل مني .. وليس هذا بمعنى أني شخص سيء .. ولكني حقاً أريد سعادتك .. روان .. إن تزوجت شخصاً ما .. سأكون حزيناً جداً .. ولكني راض .. على الأقل .. سأعلم حينها .. أن هذا الشخص سيعطيك أكثر مما أستطيع أنا .. لأنه سيكون أفضل مني بالتأكيد .. وحينها سأكون سعيداً لأنك سعيدة ..

قالت وصوتها مختنق بالدموع : قصي .. ولكني مستعدة لأن أنتظرك ..

قال لها بجزم : لا يا روان .. لا أستطيع أن أعيش سنتان من تأنيب الضمير .. وأنا أرى زهرة شبابك تذبل .. وأنت تنتظرين في النهاية شخصاً مثلي .. أنت .. أنت لا يستحقك إلا أمير أو فارس مغوار .. لا شخصاً مثلي .. صدقيني أنت تستحقين شاباً أفضل مني ..

قالت وصوتها مليء بالبكاء : ولكني أحبك يا قصي ..

قال لها بصوت كأنه كان ينتظر كلماته ا:وأنا ..

" ومرت أخرى .. أحس قصي بقلبه يكاد يخرج من صدره .. وراحت ضرباته تزداد بعنف لم يألفه قبلاً .. أحس أنه يتعذب .. أحس أن أحداً يهوي عليه بمطارق فولاذية .. على رأسه ويهشمها .. ولكن كأنما إحساسه وقلبه .. كيانان منفصلان تماماً .. فتابع كما كان مخططاً له ..

بتر كلامه وقال بعد ثواني بشيء من العصبية : لا .. لا .. لست أجروء على أن أقول كلمة كهذه .. لست أجروء أن أتفوه بما لا أستحقه أساساً .. ولن أقولها أبداً .. ليس لأني لست كذلك يا روان .. ليس إلا أني بذلك أكون قد فعلت الصواب الذي لا يعذبك .. فعلتها .. وأنا أموت من الألم ..

ولكنها قالت ببكاء : ولكني يا قصي أحبك .. ولن أحب أحداً سواك ..

قال لها : روان .. أرجوك لا تكملي .. روان أنا لا أستحق هذه الكلمة .. وحاولي أن تفكري أن كل ما تكنينه لي ,,

كان مجرد استلطاف .. مجرد تقدير . مجرد معزة .. فأنت أميرة هذا الزمان .. روان ..

وهنا وصل قصي ذروة الألم .. ثم أخذ قصي يكح في عنف بالغ .. وتناثر الدم على الأرضية الرخامية في الصالة ..

وكانت روان تهتف هناك : قصي ما بك ؟

ومضت لحظات من الصمت .. كان قصي خلالها يلهث من التعب .. وقطرات العرق تنحدر من جبينه ..

ثم رجع للهاتف وقال وهو مرهق بالفعل :روان .. أنا أستطيع أن أقبل أن أكون صفحة صغيرة من حياتك .. رغم أنك أضخم مجلد في حياتي أنا .. أرجوك لا تقولي شيئاً .. فقط إن كنت أشفقت علي .. أريد أن اطلب شيئاً واحداً ..

كانت روان تسمع وهي تبكي ..

قال لها : أريد فقط أن تذكري أن هناك إنساناً .. تهمينه كثيراً في هذه الدنيا .. وأنا أتمنى لك السعادة الأبدية مع زوجك .. وصدقيني سأكون أسعد شخص في الدنيا .. إن تزوجت من يحبك بحق .. ويعرف قدرك مثلما أنا أعرفه على الأقل ..

أما روان فكانت لا تتوقف عن البكاء .. فقال لها : سأمسح رقمي هذا يا روان إلى الأبد .. إلى اللقاء يا روان .. إلى اللقاء يا من أحببت ..



وأقفل قصي الجوال .. ثم راح يستند بالنافورة الرخامية .. وأخذ يكح .. وقطرات الدم تتناثر هنا وهناك .. لقد قال اليوم أشياءً كثيرة .. وكان من ضمنها ما هو صحيح .. وحدته المميته .. وحتى أمنيته أن تجد روان من يحبها بحق .. كان يقول هذه الكلمات بصدق .. من كل قلبه ..

وبأصابع مرتجفة .. وأنفاس لا تكاد تسمع ..اتصل على هاتف منزله .. ردت عليه والدته .. فقال لها : أمي .. أنا .. أنا .. مرهق جداً ..

وغامت الدنيا من بين عينيه .. وسقط على الأرض .. وسط قطرات الدم الامعة ..









نهاية الجزء الثاني ..





كالملاك هي .. وقعتها على الأرض .. نسيم الورد .. وقسماتها .. تحاكي .. أروع مناظر الطبيعة جمالاً ورقة وأنوثة .. طاهرة كينبوع من النور .. رقيقة .. كسحابة بيضاء ..

إنها "فرح ال....." ..

بطلة الجزء الجديد .. وهو الجزء الذي لم يكن موجوداً في الرواية الأصلية ..



ترى أين سيكون موقعها من قصة الخبير ..



إنها ...........................
ولد باريس غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2010, 06:00 AM   #7 (permalink)
ولد باريس
رومانسي فعال
 
الصورة الرمزية ولد باريس
 
الجزء الثالث

الفصل الأول

"فرح ال....."


فرح ..
طالبة في الصف الثالث الثانوي ..
إنها ليست فاتنة في شكلها .. ولكنك تحس بأشياء كثيرة جداً للوهلة الأولى التي تراها فيها .. تحس براحة غريبة تتسرب إلى نفسك في لطافة .. تدهشك حقاً براءتها المتناهية .. التي تلوح في عينيها السوداء صفاء بلا حدود .. وعندما تضحك .. تصغر عيناها في جمال ممتع ساحر .. يجعل النظر فيها .. فرصة نادرة .. تستحق إسعادها بأي شكل كان .. وجهها المستدير الوضاء يناسب تسريحة شعرها الأسود القصير .. الذي يرقص كما ترقص السيدات الراقيات .. بكل هدوء وكثافة .. ينساب من بين كتفيها في نعومة فائقة .. ونغزة صغيرة في ذقنها .. تجعلها أكثر طفولة وبراءة ..
وإذ ما دققت النظر في شفتيها .. أحسست بأن الكرز قد نبت من شفتيها لامعاً .. تخلبك ابتسامتها الطيبة .. وكأنها ملاك وردي .. منزهة من الآثام والأخطاء .. حتى أخطاؤها .. تريد أن تبحث لها عن أي عذر .. إنها ناعمة .. وتستحق لقب أنثى عن جدارة واستحقاق ..
صوتها .. صدق .. أنك ستتمكن من سماعه من جسدك كله .. حتى إنه يعبر الجدران والحدود كلها كأنها عزف لوتر قيثارة سحرية ..
وجسدها مثالي في درجة ما بين النحول والامتلاء ..
ورغم ذلك تدهشك الهالات السوداء التي تبدو جلية في كثير من الأحيان عندما تنزع تلك النظارة الرقيقة .. التي لا يحدها برواز ما .. تكسو محياها كلما رأيتها وحدها سمات الحزن الشفاف .. مع أنها تبتسم كلما طالعتها ..
تحادثها .. فتجدها مهذبة بعفوية .. تنقصها الخبرة في تعاملاتها .. بل ينقصها فعلاً .. سوء الظن .. والنظرة السلبية .. والواقعية التي تمكنها من العيش في زمننا .. ولكنها ليست غبية .. يمكنها أن تفهم وتتعلم .. ولكن الأذكياء الذين عاشروا الحياة .. يلقبون هذا النوع من الناس بـ ساذجة .. كم هو عجيب منطق البشر .. منطق يحاول أن يقلل من شأن الآخرين دوماً .. إذ ما كان متفوقاً عليهم .. وصدقوا أننا لو فتحنا قلوب الناس .. لرأينا بجلاء .. كم الحسد يملأ النفوس .. وكم احتقار النفس يكاد يخنقها ..





فرح
تعيش في بيت والدها .. الأستاذ : "أيمن ال....." .. رجل بسيط من عامة الناس .. حقق حلمه في الحياة .. بتوفير الحياة الكريمة لأبناءه .. وبالمستوى المعيشي المناسب .. لتربية أسرة لا ينقصها إلا ما يزيد عن حاجتها ..

أختها الكبيرة .. "منى" .. تزوجت بعد الثانوية العامة .. وسافرت مع زوجها إلى الرياض .. ليعمل في إحدى أهم شركات الإلكترونيات هناك ..
أما أخوها الكبير "محمد" .. فيعمل في شركة الهاتف .. بعد أن تخرج من كلية الاتصالات .. وله صفقاته الصغيرة من عالم العقارات التي أقحم نفسه فيه .. يعيش معهم في ذات المنزل .. ولازالت والدة فرح حتى الآن .. تحاول أن تبحث له عن عروس مناسبة .. ولكن يبدو أنه يريد أن يكون أرضية صلبة .. وأن يكون عصامياً مثل والده .. ليبني حياته ومستقبله .. متناسياً .. أن الوقت الآن غير الوقت زمن والده .. وأنه لو حفر في الصخر .. لا بد أن يبدأ صغيراً في وسط عمالقة المستثمرين الذين يأكلون الأخضر واليابس .. ويكنزون المال .. ليساهموا في تسريع عجلة التضخم التي طالت السعودية في السنوات العشر الأخيرة ..
وبقي أن نتحدث أخيراً عن أختها الصغيرة ريم .. التي مازالت تدرس في المرحلة المتوسطة .. في بداية المرحلة لتكوين الشخصية .. واتخاذ قراراتها المتفردة .. لتثبت .. أن لها كياناً مستقلاً وشخصية حقيقية ..



ذلك هو ملخص مختصر .. لفرح ال..... .. يحكي مجتمع حياتها في أسطر قلائل ..











رن جرس الحصة الأخيرة من هذا اليوم الدراسي .. جمعت فرح كل كتبها .. ورتبتها في حقيبتها القماشية البيضاء .. ذات الأحرف اليابانية المزخرفة .. ثم طالعت فيها "عبير" وقالت لها : هيا أيتها السمينة سوف نتأخر ..

نظرت لها فرح بتعب .. وقالت وهي ترفع حاجبها متصنعة قوة لا تليق بها : أنا السمينة .. أم أنت ؟

ضحكت عبير .. وهي تلكزها في وسطها وتجري مسرعة قائلة : بل أنت يا أرز أبو سيوف ..



ولكن فرح لحقتها بسرعة .. لتمزح معها .. وكيف لا تلحق بها .. وعبير فتاة مكتنزة؟! بل إنها تحتاج الكثير من الوقت .. والكثير من الجهد .. حتى تستطيع أن تنزل وزنها .. لتكون مؤهلة .. لكي يُنظر في أمرها كزوجة .. ولكن المحاولات التي قامت بها باءت بالفشل .. إنها تلك النوعية من البشر .. التي من السهل عليها أن تكتسب وزناً في مدة قياسية .. وتستغرق الكثير .. والكثير جداً من الوقت .. حتى تخسره ..

تتحلى بخفة دم كبيرة .. ولسان لا يعرف الهدوء .. ولطالما عاقبتها المعلمة على حديثها في الفصل .. بل إنها في أحيان تتكلم وهي نائمة ..

ولو كانت عدسة تلتقط صورتها لكانت ركزت كثيراً على عينيها الفاتنة الكحيلة .. ورموشها الطويلة .. ربما .. تلك كانت الحسنة الوحيدة .. ولفتة الجمال الوحيدة التي في هذه الفتاة .. فوجهها الكبير .. وشفاهها المنتفخة .. وأنفها المفلطح .. لم يكونوا في يوم من الأيام مصدر إثارة مشاعر .. لأي شاب تعرفت عليه .. وربما لذلك كانت تفضل اللثمة .. حتى تبرز أجمل ما فيها ..

إنها تعرف شباباً ؟ نعم .. إنها تعرف بعضاً منهم .. ولم يكن هذا إلا لظرافتها .. وفكاهة الحس الذي تملكه ..



وكانت عبير .. صديقة تعرفت على فرح منذ سنتين .. حين اكتشفت والدة فرح أن ابنة الجيران والتي هي عبير .. تدرس في نفس مدرسة فرح الثانوية .. ومن هنا كان التعارف .. وخصوصاً أن فرح وعبير في فصل واحد .. ساهم فيه تقارب الأحرف في الترتيب الأبجدي .. ثم اتفق الأهل على أن يوصلهما سائق واحد .. فأم فرح كانت لا ترضى .. أن تذهب ابنتها مع سائق وحدها .. وكان أبوها يوصلها كل صباح .. ويأتي ليأخذها في الظهر .. وأحيانا أخوها محمد .. في حين كان أنه كان أمراً مقبولاً لدى عائلة عبير ..



خرجت عبير من المدرسة كعادتها سافرة الوجه .. ولكن فرح .. كانت قد لبست "الغطوة" التي صارت معروفة لدى الكثير من البنات المحافظات .. وعبير تقول لها : ألا تكفين عن ارتداءك للبس النينجا .. يا بنتي لقد قلت لك .. لن ينظر لك شاب وأنت هكذا .. لا تكوني عقدة ..

ولكن فرح لم ترد عليها .. لقد اعتادت منها هذا الجدال الذي لا يقتنع فيه أي الطرفين ..

ولكن عبير لم تسكت وقالت : فرح .. فقط هذه المرة .. فقط هذه المرة اكشفي عن وجهك ..

ولكن فرح طالعت فيها من خلال نظارتها وقالت : لا تفكري حتى بالأمر ..

وراحت على ملامح عبير تبدو خيبات الأمل وهي تقول : تلك كانت الفرصة الأخيرة ..

فقالت فرح : الفرصة الأخيرة لماذا ؟

فقالت عبير وهي محبطة وراحت ترفع صوتها : لا يهم ..

وما هي إلا دقائق .. وكان السائق الماليزي يوقف سيارة كبيرة من نوع هوندا ..أمام باب المدرسة ليصعد البنات .. وقبل أن يدخلن في السيارة .. أصدر جوال عبير رنيناً لأغنية أليسا الأخيرة .. فردت بسرعة وقالت : "سعود" ..

تغير وجه ملامح فرح .. وهي تنظر لها .. ثم أشاحت بوجهها .. وركبت السيارة .. أما عبير فكانت لا تزال تتكلم : أسرع .. أنا في السيارة الفضية .. بلى .. إنها هوندا أيها المحتال ..

وركبت السيارة .. ومن خلفهم كنت أصوات المنبهات تصرخ فيهم .. فصف السيارات طويل .. وما هي إلا ثواني .. وكانت فرح مع عبير .. والسيارة بهم تسير .. وعندما وصلت السيارة إلى الإشارة .. وتوقفت .. كان هناك بي إم من الفئة السابعة .. توقفت بجوار سيارة الفتيات .. من جهة فرح .. وكانت عبير قد وضعت اللثمة لتبدو أكثر جمالاً .. إنها المرة الأولى التي يرى فيها سعود عبير ..

لم تتحرك من مكانها .. وبقيت كأنها ثلج يأبى الذوبان رغم حرارة الجو .. ومدت عبير يدها بسرعة نحو زر النافذة لتفتحها ولكن فرح أبعدت يدها وقالت لعبير بحدة : ماذا تفعلين ؟

ولكن عبير لم تهتم لها .. وهي تتجاوز فرح وتفتح النافذة وقالت : يا الله .. اصمتي الآن ..

نظر لها سعود من سيارته .. شاب ممتلئ الجسد أيضاً .. بسكسوكة عريضة .. ووجه محمر قليلاً .. ربما كان من الشمس .. وعلى ظهره راح يبدو الصلع قليلاً .. كان يلبس ثوباً أبيضاً .. مفتوح الياقة .. وابتسامة تعبث فيها الشياطين .. ثم قال لها : أخيراً .. رأيتك ..

ولكن من يدقق في ملامح سعود قليلاً .. يرى خيبة الأمل .. ويفهم .. أنها ربما المرة الأولى والأخيرة التي سيقابل فيها عبير السمينة .. يبدو أنه شاب يبحث عن أنثى جميلة .. تفيض جمالاً .. أو حتى تفيض مالاً .. كلاهما وجهان لعملة واحدة ..

ضحكت عبير .. ثم قال لها : وما بها صديقتك ؟ لم تبدو غاضبة ؟

ضحكت عبير مرة أخرى وقالت : إنها "أم الهول" ..

فقال سعود : لقد ظننت أن النينجا اختفوا من السعودية .. ولكن يبدو أنهم عاودوا الظهور ..

كانت فرح .. تكاد تنفجر من الغيظ .. ولكنها ليست تلك الشخصية القوية التي تستطيع أن توقف عبير .. ليست بتلك القوة التي تستطيع أن ترد بها على شاب مثل سعود .. وليست لها حيلة إلا الصمت .. حتى لا تدع مجالاً للكلام .. وإنها طريقة فعالة وناجحة للغاية في صد الشباب خصوصاً اللحوحين منهم ..

ولكن عبير شجعتها كلمات سعود .. وتسلطها على شخصية فرح .. وراحت تقول لها : هكذا .. أتيت لنا بالكلام ..

ومدت يدها لتسحب غطوة فرح .. وهي تظن الأمر مزحة .. ولكن فرح ردتها في قوة .. وكانت الإشارة قد فتحت .. وما بين صراع ما بين البنتين .. كانت السيارة تتحرك .. وسعود ينظر في استخفاف على عقول البنات الصغيرة .. وسقطت غطوة فرح .. ولكن الجيد وربما المصيبة .. أن سعود لم يلمح سوى جزء بسيط من فرح ..

وللحظة .. انبهر .. وللحظة .. ومضت في عقله مشاعل نارية .. وفي لحظة راحت رغبة التملك تنمو لدية كشجرة زقوم .. تنمو بسرعة خرافية .. لا .. إنها فتاة .. لا بد أن أحصل عليها .. إنها نسخة لم أرى مثلها قبلاً ..

وراحت ابتسامة أفعوانية ترتسم على شفتي سعود .. وراحت في عقله تسير الأفكار والخيالات لتكون أبعد ما يكون عن النبل والطهر .. وأقرب ما يكون إلى الدناءة والحقارة ..



ترى متى يفهم جنس البنات .. أن من يرقم .. ومن يغازل .. ومن يلعب بقلوب الفتيات .. لا يريد إلا أن يلهو .. وبأنه لن يفكر في الحب أبداً .. متى يفهمن .. أن جنس الرجال .. ليسوا كجنس البنات اللواتي قد يقتنعن بحب صادق فقط .. متى يدركن أن الرجال .. لا يملأ أعينهم إلا التراب .. متى يدركن .. أن المبتذلة .. السهلة .. الرخيصة .. ستكون علكة يلوكها الواحد تلو الآخر .. حتى يمتص ما بها من سكر .. ثم يبصقها دون أن يهتم في أي حذاء آخر تلتصق ؟

متى ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟





أما في سيارة البنات ..

كانت فرح قد انكفأت على ركبتيها تبكي بحرقة .. وعبير قد توقفت ولا تعرف ماذا تفعل .. أحست بالذنب .. وأحست أنها فعلت ما لا يغتفر .. وراحت تقترب من فرح المسكينة التي أحست وكأن عبير قد هتكت عرضها بأكمله .. إن حجابها أغلى عليها من حياتها .. إنه ما تربت عليه منذ أن كانت صغيرة .. منذ أن كانت طفلة .. راحت عبير .. تعتذر منها وتقول : فرح .. والله كنت أمزح .. فرح .. والله .. سامحيني أرجوك .. ..........

ولكن فرح لم ترد عليها .. وراحت تبكي .. ابتعدت عنها عبير .. وأسندت رأسها إلى زجاج السيارة .. وراحت تبكي هي الأخرى .. وهي تقول في نفسها : ما كان ينبغي أن أفعل هذا ..

وراحت تطالع إلى الخطوط البيضاء في الطريق وهي تعبر واحدة تلو الأخرى .. ورأسها يبدوا فارغاً إلا من الهم ..

ثم التفتت إلى فرح وهي تمسح دموعها وتقول : فرح .. لن أكلم سعود مرة ثانية .. أهذا حل يرضيك ؟ فرح .. الله يخليك ردي علي .. لن أحتمل أكثر .. وراحت تبكي بصوت يقطع كلماتها ..

توقفت فرح عن الكلام .. وهي ترفع رأسها .. بعد أن تأكدت من أن غطوتها على رأسها .. وراحت تطالع الطريق وهي تقول : لم يكن ....

قاطعتها عبير وقالت : والله أعرف .. والله أعرف .. لم أكن أقصد يا فرح .. كنت أمزح والله امزح .. لم أكن أتوقع أنها سوف تخرج من مكانها ..

ولكن فرح قالت لها : تعلمين يا عبير .. أني لا أحب أن أمزح في هذا الموضوع .. تعلمين ..

اقتربت منها عبير .. واحتضنتها وقالت : سامحيني يا فرح .. ليس قصدي والله .. ليس قصدي ..

حزنت فرح لعبير .. وقالت : أتعديني ..

ابتعدت عبير عن فرح قليلاً وقالت : بماذا ؟

فردت فرح : بأنك لن تتحدثي مع سعود هذا مرة أخرى ؟

فقالت عبير بسرعة : نعم أعدك ..

فقالت لها فرح : فليكن ..





وانتهى طريق الاثنين دون أي كلمة من الطرفين .. وتوقفت سيارة السائق .. ونزلت منه البنتين .. وكل منهما تحمل في قلبها وجعاً باسم مختلف .. تلك بندم الخطيئة .. والأخرى بوجهها الذي لا حق لأحد أن ينظر فيه إلا أهلها .. صحيح .. أنها تكشف أمام أبناء عمومتها وأزواج عماتها في المناسبات العائلية .. ولكنهم يظلون من العائلة .. وليسوا من الشارع ..



ولما دخلت عبير غرفتها .. وبدلت ثيابها .. رجعت إلى جوالها .. ونظرت فيه .. كانت فيه 9 مكالمات لم يرد عليها .. وتفاجأت أنها كلها من سعود .. وبينما كانت تمسك الجوال .. أصدر نغمة أليسا مرة أخرى .. وراح اسم سعود يتوهج .. وراح كلمة "أعدك" ترن في أذن عبير لثواني .. وراح منظر سعود يعبر في عينيها .. ولحظة مرة عليها .. بسرعة خاطفة .. ليعلو صوت أليسا مزمار الشيطان .. أغمضت عبير عينيها وهي تضغط على الزر الأخضر .. وكأنما لا تريد أن تشهد بعينيها عزيمة نفسها تتهالك ..وانتصار فضولها .. وكأنها تعلن انهزامها .. وكأنها لا تريد أن ترى أنها قد أخلفت الوعد ..

عجيب أمر الناس .. عجيب .. أنهم في لحظة .. يقسمون بأغلظ الأيمان .. أنهم سيفعلون أمراً ما .. ولكن في ساعة الحسم .. تراهم يتخاذلون .. وينتصر في النهاية احتقارهم لأنفسهم .. ويسود ضعف النفس .. ورغبات النفس الخسيسة .. فوق الوعود والعهود .. وذلك الذي لم تحسب فرح حسابه .. ذلك الذي كان له قصة لن تنساها فرح ما حييت ..













ماذا سيحدث بعد ذلك ..

فرح ..

عبير ..

سعود ..



ثلاث أسماء جديدة لروايتنا .. ولكن السؤال المهم : ما هو دور الخبير .. وأين موقعه من القصة حتى الآن ؟






الجزء الثالث
الفصل الثالث





وقبل أن أبدأ في أي شيء .. أريد أن أقول كلمة لتبقى هنا ومع الزمن ..

أريدها أن تبقى محفورة .. حتى لا تستطيع الذاكرة التي تنسى أجمل الذكريات التي لم تصور .. أو حتى تلك التي لم نلتقط لها صوراً ..

فقط أريد أن أقول : رأيت بداية حلمي الذي كنت أرقبه مذ أكثر من عشر سنوات يصبح حقيقة ..

وشممت رائحته الزكية .. وبقي لي أن يتحول الحلم حقيقية .. وألا يكون وهم سراب ..

ولكن إن كان وهم سراب .. فسوف يكون أجمل وهم مر في حياتي ..







الجزء الثالث

الفصل الثاني





كان سعود يجلس مع أحد أصدقائه في السيارة .. وفي يده جواله وهو يتكلم في صوت ناعم .. في صوت رقيق : عبير ، أعرف هذا .. ولكن لم يكن عليك أن ترفعي العباءة عنها .. كان لابد لك أن تحترميها ..

ردت عبير : أعرف هذا .. والله لم أكن أقصد يا سعود ..

وبصوت تستطيع أن تميز فيه النبرة المتصنعة والمتكلفة رد سعود : يعجبني فيها أن لديها مبدأً في الحياة .. ولكن سيكون من الرائع يا عبير أن نخرج سوية .. ونتحدث سوية .. أحب أن أتحدث إلى أصحاب الأفكار الرائعة ..

توقفت عبير ثم قالت : لا يا سعود .. إنها ليست من هذا النوع أبداً ..

فقال سعود : عبير .. سأخبرك بشيء جدي .. ولكن عديني ألا تخبريها بشيء .. إنه سر ..

وليس هناك أروع من الأسرار عند البنات .. وصدق إن قلت لهم أن ما سأقوله لكم سر .. فإنهن سيصغين .. ويستمعن .. فضول يقتل صاحبه في أحيان كثيرة .. لمجرد إرضاء شهوة فكرية ..

أنصتت عبير .. فقال سعود: اسمعي يا عبير .. لقد كان والدي يتحدث إلي .. وكان يخبرني أنه يبحث عن عروس مناسبة لي .. ولا أدري ولكني أحسست أن هناك شيئاً يربطني بتلك الفتاة يا عبير .. لا أعرف ما هو .. ولكني أحسست به قوياً ..

على الرغم من خيبة الأمل البسيطة على ملامح عبير التي ارتسمت .. إلا أنها كانت تدرك جيداً .. أن سعود ما كان يفكر فيها كزوجة .. وربما أنها سلمت أنه من المستحيل أن يكون هناك من يريد الزواج بها .. وأن كل الشباب الذين تعرفهم .. لا يريدون إلا التسلية وتمضية الوقت .. وهي قد فهمت هذا الأمر .. وصارت تحاول بقدر ما تستطيع أن تستمع به ..

غباء أن يقحم الفراش نفسه في النار ليصطلي من البرد .. أو حتى ليلهو .. غباء .. أن يوجد بنات يفكرن بهذه العقلية .. غير مكترثين لما يمكن أن يصيبهم .. غباء .. أن تحرق البنت سمعتها الذي لا غنى له عنها .. بيديها .. وبقرارها بهدف التسلية .. وتمضية الوقت .. غباء ترى متى ينتهي ؟

تابع سعود : المشكلة يا عبير .. أنا لا أعرفها كثيراً .. وبصراحة لا أستطيع أن أتزوج فتاة لا أعرف عنها أي شيء .. إنني حتى لم أرها .. لا أستطيع أن أقترن بمن لا أفهمها تفكيراً .. ربما لسنا soul mate .. رغم أني أحس أننا كذلك .. عبير هل تسمعينني ؟

ردت عبير بسرعة : طبعاً يا سعود .. أسمعك ..

وهنا رمى سعود بالمشكلة على عبير وقال : هل أستطيع أن أعتمد عليك في هذا الأمر .. لو استطعت إقناعها بالكلام معي على الأقل .. فقط لأرى عقليتها .. ربما ستكونين سبب سعادة أسرة ..

ثم ضحك سعود بنعومة لا تكون على طباع الرجال وقال : وسوف يناديك أولادنا بعمة عبير .. وسأقول لهم : هل ترون عمتكم عبير .. إنها التي جمعت بيني وبين والدتكم ..

ابتسمت عبير لهذه الصورة المشرقة عن المستقبل .. وازدادت ابتسامتها أكبر .. وهي تحس أنها تستطيع أن تقدم لصديقتها شيئاً رائعاً في الحياة .. وهي في الحقيقة .. ترضي رومانسية لم تستطع أن تعش دور البطولة فيها .. أحياناً نتحمس أن نكون طرفاً في قصة تكون نهايتها تلك النهاية التي حلمنا بها .. وتمنينا أن نكون نحن أبطالها .. ولكننا ولسبب أو للآخر لا نستطيع ..

قالت عبير : سأحاول ..

فقال لها سعود : سأنتظر منك رداً يا عبير .. وأنا متأكد من أنك ستقنعينها بطريقتك الخاصة ..



وبعد دقائق .. كان سعود قد أنهى مكالمته .. ثم التفت إلى صديقه .. الذي كان يقود السيارة .. غير مهتم كثيراً لسماع ما يقوله سعود إلى البنت .. فقال سعود .. وكأن ما يفعله مفاخرة .. ولكن بنوع من الاحتقار لجنس البنات .. تلك هي الأحاديث التي لا يعلم عنها الكثير من البنات شيئاً .. وربما يعلمون ولكنهم لا يصدقون .. وربما يصدقون .. ولكن لا يدركون : لن أرتاح حتى أتعرف على هذه البنت ..

ثم أمسك رأسه وفي تأثر واضح قال : والله قمر ..

التفت إليه صديقه بعد أن أشعل سيجارة رفيعة : أعجبتني حكاية السر هذه .. ضحك سعود دون أن ينظر إلى صديقه وقال : ليس هناك من أسرار عند البنات .. ستحاول أن تخفي الأمر .. وتظهره بطريقة أخرى .. تلك عادة أستطيع دوماً أن أستفيد منها ..

فقال صديقه : كيف ستتوقع أنها ستقنعها بعد أن أخبرتها أنها لن تحادثك مرة أخرى ؟

نظر إليه سعود بملل وقال : لا يهم .. ليس عندي الصبر وطول البال حتى أبدأ معها خطوة بخطوة .. ذلك زمن قد ولى ..

ثم نظر إليه وقال في لهجة العارف : لا شيء يؤثر في البنات بقدر صديقاتهن .. مفتاح البنات عند صديقاتهن .. أعرف الكثير من البنات اللواتي كنت أول رجل في حياتهن .. ولم يكن ذلك إلا عن طريق صديقاتهن .. لو أن لي بنتاً .. فإنني سوف أحرمها من الأصدقاء ..

نظر له صديقه بنظرة ساخرة .. ولم يعقب .. ومضت السيارة بهما تجوب الشوارع من الملل ..



وهناك كانت عبير تجلس في غرفتها الصغيرة التي تشاركها فيها أختها الصغيرة .. لتفكر كيف سوف تكون واسطة الحب بين سعود وفرح .. كيف ستكون حلقة الوصل .. وكيف ستجعل هذا اللقاء ممكناً .. ولم تدرك أنها تحضر لانتهاك الفضيلة .. لم تكن تدرك أنها سوف تكون بداية النهاية لامرأة .. لم تكن تعرف أنها سوف تبدأ بتمريغ الشرف في الرمل ..

إن أكثر ما يشعر النفس بالدونية والاحتقار .. أن يتنازل الإنسان عن قيمه وأخلاقه .. وليس مهما أن تكون في عرف المجتمع قيماً .. يكفي أن يشعر بها كقيمة ومبدأ في الحياة .. فقد تكون الشجاعة أحد هذه القيم التي تجعله يكون متهوراً ويلقي بنفسه في أحضان الموت حتى لا يفقد هذا المبدأ في حياته .. ويفقد احترامه لذاته ..

ولم تدرك عبير أنها تريد من فرح أن تفعل ذلك .. والأدهى والأمر أنها تظن أنها تفعل ما هو في صالحها ..



وراحت عبير تفكر فيما يمكن أن تفعل .. وراحت أفكارها بعيداً .. وذهبت إلى أفكار لا يفكر الشيطان بها .. لإيقاعها .. لمصلحة تظن عبير أنها سوف تكسبها فرح .. حتى لم تجد في النهاية من المحاولة طويلة الأمد .. ويبدو أنها كانت بارعة فيه جداً ..



بعد أيام .. وبعد أن صفت الأجواء أكثر ما بين فرح وعبير .. كانت الفتاتان في السيارة وكان الجو ساخناً إلى حد ما .. وهواء المكيف يصل إليهما إلا أن العرق يتساقط من وجوههن .. ثم بدأت عبير الكلام وقالت : فرح .. لماذا تظني يا فرح الشباب يتعرفون على البنات ؟ نظرت فيها عبير وقالت بتلقائية يبدو أنها حفظتها منذ زمن : للتسلية .. فنظرت فيها عبير نظرة ساخرة وقالت : من قال لك هذا الكلام الفارغ ..

اهتزت السيارة من مطب خفيف .. وراحت أشعة الشمس تمر على وجه عبير متقطعة بعد أن تقف أعمدة الإنارة في لتحول دون مرور الأشعة .. ورائحة الغبار المكتوم تهبط ثقيلة على النفس ..

لم ترد فرح وكأنها حشرت في زاوية .. فقالت : كل الناس تعرف هذا ..

فقالت عبير : ولكن يا فرح .. أنا أعرف الكثير من صديقاتي .. تزوجن بهذه الطريقة .. وهن في قمة السعادة .. وفي حالة من الحب الذي لا ينتهي ..

وراحت عبير .. تسرد القصص .. واحدة تلو الأخرى .. والحقيقة أن عبير .. سمعت أن فتاتين تزوجتا بهذه الطريقة منذ زمن بعيد .. وراحت تضخم الحدث بطريقة جميلة .. حتى تبدو براقة حلوة المذاق .. متجاهلة آلاف القصص .. وآلاف الضحايا .. والحكايات التي تخرج منها الدموع كالخناجر لتمزق القلوب .. غير مبالية بأصدقائها الحقيقيين الذين لم يتزوج منهم أحد بهذه الطريقة .. إنها حتى لا تعرف إن كانت هذه الزيجتين مستمرة حتى الآن أو لا .. وربما هذه هي الكذبة التي يكذبها الناس على أنفسهم ويريدون أن يصدقوها .. أن الزواج عن طريق التعارف .. أمر ناجح .. في حين أنه فاشل لأقصى حد ..



وبعد أن انتهت عبير من سرد الحكايات .. قالت فرح : ولكن لا .. يظل هناك الكثير ممن غدرن ..

واستمر الكلام بينهم في سجال .. حتى وصلا البيت .. ولم تتعمد عبير أن تفرط في الجدال .. لأنها تعلم أن فرح لن تقتنع بين يوم وليلة ..



ولكن عبير لم تترك فرح في حالها .. كانت تقص عليها الأخبار .. والحكايات .. وتجعل هذا الأمر في نظرها كأنه الحياة .. كأنه هو البداية الحقيقية للسعادة الأبدية .. وكان ينتهي الجدال في أغلب الأحيان إما بانتصار فرح .. وإما بسكوتها وإنصاتها لما تقول عبير ..



وبعد فترة ليست بالقصيرة .. لان رأس فرح أكثر من ذي قبل .. فأصبحت لا توبخ عبير كثيراً على مكالماتها مع الشباب أمامها .. وإن حاولت أن لا تكون موجودة .. وراحت تستمع إلى هذه قصص الهروب من المدرسة .. للقاء بشاب .. كقصص المغامرات أو القصص المصرية للجيب .. وإن كانت تنكر أحيانا ما يفعلونه ..

ورغم ذلك .. إلا أن فرح .. كانت تحس في قلبها بقبضة باردة تعتصر هذا القلب الصغير .. أحست بكره نفسها ولم تدري ما السبب ..



في هذه الفترة من حياة فرح .. كانت أسرة فرح قد لاحظت قليلاً من شرود فرح .. وإن حاولوا أن يعرفوا السبب .. كانت فرح في صراع ما بين الخير واشر .. كانت في معركة أزلية بين رغبات النفس ودوافعها .. وبين ما آمنت به ربما رغماً عنها .. وربما ما آمنت به ليكون النظرة الصحيحة والحقة للأمور ..





كان ذلك اليوم أربعاء .. ونهاية الدوام الأسبوعي .. كان للتو قد أعلن عن نفسه بانتهاء الحصة الأخيرة من الدرس .. حين ركبت كل من الفتاتان إلى السيارة .. ولم تمضي لحظات .. حتى قالت عبير وبدون مقدمات : فرح .. هناك شاب يود التعرف عليك ..

صمتت فرح .. ولم تعرف بم ترد .. صمتت وهي تزن بكفة ما عاشت مؤمنة به طوال سنوات حياتها .. وما بين ما كانت تشحذ به عبير رأسها كل يوم .. ورغم أنها رجحت ما تربت عليه بعد ثواني في عقلها .. إلا أنها فكرت فيه ..

فقالت فرح : عبير .. لست من هذا ..

قاطعتها عبير بقوة وقالت : إنه يريد التعرف عليك لأنه يبحث عن زوجة لتفهمه ويفهمها ..

قالت عبير هذه الجملة ودوت في رٍأسها المكالمة الأخيرة من سعود : كم خيبتي أملي يا عبير .. لقد ظننت صديقة وفية .. أستطيع أن أعتمد عليك في أمر بسيط كهذا ؟ أكل ذنبي أني كنت أريد أتزوج بامرأة تناسبني .. على كل حال يا عبير أقدر شكراً .. وآسف إذا كنت أزعجتك .. ولن أتعبك باتصالاتي بعد اليوم إن كنت ترينني ثقيل الظل ..

"تباً لك يا سعود .. لم أنت متعجل .. كان لابد لك أن تصبر قليلاً " كانت عبير تحدث نفسها بهذه الأفكار .. حين كانت فرح تقول لها : عبير .. هل تسمعينني ؟

التفتت عبير وقد أفاقت وقالت : ماذا ؟ أعيدي ما قلت لم أفهم ..

فراحت عينا فرح وعلى وجهها تقاسيم الإحباط .. وضربت بيدها على زجاج السيارة .. وقالت : لا أريد حديثاً في هذا الموضوع .. وِأشاحت فرح بوجهها إلى الجهة الأخرى .. غير مهتمة بكلام عبير .. وكأنما تنهي النقاش .. ومن النافذة .. كانت تطالع الخط الأبيض المرسوم وهو يتقطع في كل مرة .. ولكن عبير وكأنها بذلك ترمي حبلها الأخير .. وآخر كلمة لديها وقالت : إنه سعود ..

التفتت إليها فرح وأطلت برأسها التي لا يظهر منه إلا شريط رفيع لعينيها من وراء نظارتها التي لا يحدها برواز وقالت : من سعود ؟

فقالت عبير : سعود .. ذلك الذي ..

شهقت فرح وقالت : سعود ذاك ؟

فقالت عبير : لقد كلمني يا فرح أكثر من مرة .. وأنا لا أرد عليه .. وفي النهاية .. أرسل لي رسالة وقال بأن الموضوع هام .. فاتصلت به ..

كم نبرر لأنفسنا الكذب بأسباب واهية !

ثم تابعت عبير .. وعلى وجهها ملامح الجدية والانفعال وقالت : لقد قال لي .. بأنه أعجب بشخصيتك ومبادئك .. وإنه يريد أن يتعرف عليك .. حتى يستطيع أن يحدد إن كنت موافقة لتفكيره .. لأنه يبحث عن زوجة في الوقت الراهن ..

صمتت فرح .. وراحت الأفكار تدور في رأسها .. ولكنها قالت : لقد وعدتني يا عبير ..

فقالت عبير وهي تحرك يديها في انهيار : فرح لم أقصد ذلك .. ولكني ..

ولكن فرح لم تكن تنظر لها حتى .. كانت تنظر للطريق .. فتوقفت عبير عن الكلام .. ولم تزد كلمة .. أما فرح فكان عقلها في مكان آخر .. كانت تفكر في سعود .. وتقول في نفسها : أيمكن أن يكون فارس أحلامي ؟ أيمكن أن يكون الرجل الذي يكون لي أحلامي ؟ وراحت أفكار فرح تنمو وتنمو ..

أما تصرف فرح أمام عبير .. فهو تصرف تلقائي .. دون أن تفكر .. تصرف نابع من إحساسها أن ما تقدم عليه .. سيلقي بها في الوحل .. هكذا علمها أهلها .. ولقنوها هذه الدروس مذ نعومة أظافرها .. " لا تحدثي رجلاً غريباً .. لا تسمحي لظفرك أن يظهر .. البنت التي تعرف الشباب بنت سيئة " وغيرها من الجمل التي حفرت في أودية فكرها .. حتى صارت أفعالها مبنية على هذه التصرفات .. بدون أن تفكر .. إنها كما يقول علماء النفس .. انتقلت إلى مرحلة العقل اللاواعي ..

alamuae
مشاهدة ملف هويته
إيجاد كافة مشاركات alamuae
ولد باريس غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2010, 06:01 AM   #8 (permalink)
ولد باريس
رومانسي فعال
 
الصورة الرمزية ولد باريس
 
وبعد أن افترقت البنتان ..

كانت فرح قد دخلت بيتها .. عندما رأت أحذية جديدة .. ونور الصالون يتسرب إلى الخارج .. وأصوات ضحك تعلو بين أمها وصوت مألوف لديها .. تحركت بسرعة ودون أن تنزع عباءتها .. وعلى شفتها ابتسامة عذبة .. ثم اقتربت من الباب بحذر .. عل رجلاً غريباً يكون في الصالون .. وأطلت بسرعة برأسها .. ثم انشقت شفتاها عن ابتسامة كبيرة .. واندفعت نحو الصالون .. لتحتضن أختها منى .. تلك التي كانت تسكن في الرياض .. يبدو أنها أتت في زيارة لهما لبضعة أيام .. كان انتفاخ بطنها واضحاً ..

وجلست الأختان مع والدتهم .. يتبادلون الحديث .. ويتكلمون .. هنا قالت منى وهي تبتسم : يقولون أنك صرت شاردة هذه اليومين .. ترى الجميل يفكر في ماذا ؟

ابتسمت فرح ابتسامة خفيفة وقالت وعلى وجنتها توردت خوخة : لا .. لا شيء مهم ..

قالتها بطريقة يفتضح فيها الكذب .. ذلك أنها لا تعرف الكذب .. ذلك أن عذوبة فيها تجعل الكذب فيها بقعة سوداء تسهل ملاحظتها في وسط ثوبها الناصع البياض ..

لم يفت ذلك على منى التي راحت تربت على بطنها .. فقالت والدة فرح : ما هي آخر أخبار الـ"نونو" ؟

ابتسمت منى وقالت : بخير يا ماما .. كل شيء الحمد لله بخير .. أخبرتني الدكتورة أنه يتوجب علي .. أن أتناول الكثير من الطعام .. ابتسمت والدة فرح وقالت : هذا مؤكد .. لقد قلت لك هذا مرارا ولكنك لا تسمعين أبداً ..

ابتسمت منى ولم تعقب كثيراً .. ثم قالت : خمس سنوات .. لم ننجب فيها أي طفل .. ثم نظرت في يديها .. وابتسمت مرة أخرى وأشرق وجهها وقالت وهي تغمض عينيها .. ووضعت راحتها على بطنها وكأنها تدفيء طفلها : الحمد لله ..

ثم التفتت إلى فرح التي كانت في عالم آخر مرة أخرى .. فقالت مبتسمة : يظهر أنه اللا شيء مرة أخرى ..

نظرت فيها فرح .. واستطاعت أن تخفي ارتباكها وقالت : لا أبداً .. إنها المذاكرة .. امتحاناتي بعد أسبوع إن شاء الله ..

والحقيقة .. أن ما كان يشغل فكرها حقاً .. هو سعود .. وأسئلة حوله .. تنتظر إجاباتها ..





وفي منزل عبير .. كانت لتوها قد خرجت من الحمام .. وهي تجفف شعرها .. بتلك الطريقة الغريبة .. كانت تضع المنشفة على السرير .. وتضرب بشعرها المنشفة عدة مرات ..

ثم جلست على السرير .. وراحت تنظر في نفسها قليلاً في المرآة .. وقالت لنفسها : ترى .. لم لا يريد أحد أن يتزوج بي .. متى ستكون لي قصة الحب الخاصة بي أنا ؟

ضمت شفتيها إلى بعض أكبر .. لتتحول إلى برطم .. ثم ألقت بنفسها على السرير .. ومدت يدها لتأخذ الجوال الذي كان جوار المخدة .. وراحت تبحث بين الأرقام .. حتى وجدت رقم سعود .. واتصلت .. انتظرت طويلاً .. ولكن سعود لم يرد عليها .. أعادت الاتصال مرة أخرى .. ولكن سعود لم يرد .. اتصلت آخر مرة .. وفي النهاية رد سعود .. فقالت له : سعود .. أنا آسفة يا سعود .. ولكني حاولت بقدر استطاعتي .. لم أقدر يا سعود والله لم أقدر ..

صمت سعود قليلاً ثم قال : لا هناك أمور كثيرة .. تقدرين عليها ..

وراحت تنصت لسعود .. راحت تنصت لشيطان من الإنس ..

أدرك سعود .. أن عبير لن تستطيع أن تقوم بشيء .. فقرر أن ينزل لساحة المعركة بنفسه .. قرر أن يبدأ اللعبة .. وإن لديه في جعبته الكثير ..







وعلى يوم السبت التقت الفتاتان مرة أخرى في السيارة .. كانت عبير .. قد استطاعت أن تتحدث مع فرح بشكل طبيعي .. إنها تلك الطريقة التي يتفق فيها الطرفان .. بدون اتفاق على أن ينسى كل منهما الآخر .. دون الحاجة إلى جلسة مصارحة .. أو لقاء عتاب .. إنها الطريقة المختصرة لما لمواجهة يتجنبها الكثير من الأصدقاء والمحبون حتى .. لؤلئك الذين لا يحبون المواجهة .. أو حتى الذين يرون أن التجريح فيها سيكون أكثر من أن يحتمل ..



وعندما رجعت فرح إلى منزلها .. ودخلت فيه متعبة .. وذهبت إلى غرفتها .. وبعد أن وضعت عبائتها .. وصلتها رسالة ..



من عبير :

فرح ، لقد سجلت رقم سعود في جوالك ، إن أحببت الاتصال عليه ،

حاولت يا فرح أن أوفق رأسين في الحلال كما يقولون .



أما فرح فارتجفت يدها فعلاً .. وصارت يدها باردة كالثلج .. وأحست أنها ترتجف ولم تعرف ماذا تفعل .. وفتحت قائمة الأرقام .. وراحت تبحث عن الأسماء التي تبدأ بحرف السين :

سارة

سمية

سلمي

سلتونة

سوسو



أغمضت عينيها وتنفست بقوة وحمدت الله .. أنها لم تجد اسم سعود ..

وضعت الجوال فوق مكتبها الأبيض .. وراحت لتبدل ثيابها .. وهنا أصدر جوالها أزيزه وراحت نغمة عادية تُرقص الجوال .. وعندما رأت الاسم الموجود .. ارتجفت هذه المرة أكثر من المرة الأخرى .. كان حرف : S يلمع في قوة .. وكأنه رسم لأفعى الكوبرا وهي تستعد للانقضاض على فريستها ..

توقفت فرح تماماً .. وكأنها قد شلت .. ولم تعرف هل ترد أم ماذا تفعل .. توقفت تماماً .. حتى توقف الجوال عن الاتصال .. ولكنها ما زالت تمسك في يدها الجوال .. وأنفاسها مازالت متسارعة .. أغمضت عينها مرة أخرى ..

وهنا فتحت منى الباب بقوة وهي تقول : ماذا تفعلين أيتها الشقية ..

انتفضت فرح وكأن دخول منى المفاجيء كان تياراً كهربائياً قضى على آخر ما فيها من هدوء أعصاب واحتمال .. وطار الجوال .. ليستقر قريباً من منى ..

ثم ..

حصل الذي تتوقعونه .. نعم .. لقد دق الجوال مرة أخرى .. أمسكت منى بالجوال .. ونظرت إلى حرف S .. ثم نظرت في فرح وقالت وهي تتسائل في حذر : من يا فرح ..

وتوقفت فرح .. وألجمت عن الكلام ..



لم يحصل هذا في أحيان كثيرة .. لم يتصادف أن يفهمنا الناس بشكل خاطيء .. لم تأتي الأقدار بهذه الطريقة المؤلمة ؟











ماذا سيحصل ؟

وماذا ستقول فرح لمنى ؟

وكيف ستخرج نفسها من هذه المصيبة ؟

ويا ترى أين دور الخبير .. من هذا الجزء ؟








3 رجب 1427 هـ

6:18 صباحاً

لقد دق الجوال مرة أخرى .. أمسكت منى بالجوال .. ونظرت إلى حرف S .. ثم نظرت في فرح وقالت وهي تتساءل في حذر : من يا فرح ..

وتوقفت فرح .. وألجمت عن الكلام ..







الجزء الثالث

الفصل الأخير




ابتسمت منى ابتسامة ماكرة .. وهي تبادل النظرات بين فرح وبين الجوال .. الذي كان يصدر رنينه .. وكأنها أجراس الشياطين .. أما فرح .. فقد أحست أنها تكره نفسها .. وتكره اليوم الذي أخرجت فيه جوالاً .. كم تتمنى .. أن تختفي الآن .. أن تكون بعيداً عن منى وعن نظراتها التي كانت تخترق قلبها .. كأنها سكاكين ومناجل ..



ولما هدأ الرنين وتوقف .. ران صمت رهيب .. بين الأختين ..

أغمضت منى عينيها .. وابتسمت .. ثم تقدمت نحو فرح .. ومدت يدها إليها بالجوال .. جمعت فرح ما استطاعت من قوة .. وحاولت أن تتكلم .. ولكن منى قالت لها وهي ترفع خصلة سقطت عن شعرها : لا داعي للكلام ..

ولكن فرح .. التي احمر وجهها وراح العرق يتفصد من جبينها قالت : لا .. إنه ليس كما تظنين .. إنه ..

راحت منى تنظر فيها .. وهي تريد أن تسمع .. وكانت فرح من شدة توترها لا تعرف ماذا تقول .. وراح جسدها يرجف .. وأنفاسها تزداد .. وحالتها النفسية في غاية السوء .. ولكنها راحت تتكلم .. وتشرح .. بقدر ما تستطيع .. أخبر منى .. عن عبير .. وعن علاقتها .. أخبرتها عن سعود الذي يود أن يتعرف بها .. أخبرتها بكل شيء ..

كانت منى صامتة طول هذا الوقت .. وبعد أن انتهت فرح من الكلام .. كانت الدموع تتجمع في عينيها .. ختمت على كلماتها بالصدق .. الكل يعرف فرح .. ويعرف أنها فتاة طيبة .. هادئة .. ليست من هذا الصنف من البشر .. ولذلك كان قلب منى مؤكداً على صدق فرح .. ولكنها قالت : فرح .. أنا لم ألمك .. لقد قلت لك .. بأنه لا داعي للكلام .. فأنت كبيرة الآن .. وتستطيعين .. أن تختاري ما تريدين في حياتك ..

ضاقت عينا فرح من وراء النظارة الطبية .. وراحت تحدق في عيني منى التي كانت تبرقان .. كانت تنظر فيها وكأنها تستفهم .. عما تريد منى أن تقوله ..



ربتت منى على بطنها ثم أشاحت بالنظر بعيداً .. وقالت : فرح .. لا أريدك .. أن تفهميني بشكل خاطئ .. ولكن ..

ثم راحت تطالع فيها بقوة وتقول : أنا متزوجة الآن يا فرح .. منذ حوالي خمس سنوات ..

خمس سنوات يا فرح .. ولكن لم يكن هناك شيء يعني كثيرا .. صحيح أن "ياسر" زوجي يحبني .. ولكن .. أحس أحياناً أن هذا الحب لا يكفي ..

راحت فرح تحدق في منى التي كانت تتكلم بعين مذهولة .. وهي تستمع لأول مرة هذه الاعترافات .. ولكن منى أكملت وقالت بعين حزينة : كنت أتمنى أن يحبني شخص ما بجنون .. كنت أتمنى .. أن تكون لي قصة حب غير عادية .. كنت أريد أن أشعر بحنان واشتياق ..

فقالت فرح : ألا تحبينه ؟

فقالت منى : لا .. إنه ليس كذلك .. إني أحبه .. ولكن .. أحس أن هذا الحب .. هو نوع من الامتنان .. لأنه أول رجل في حياتي ..

ثم ابتسمت في وجه فرح .. وهي تحرك الخصلة التي سقطت مجدداً وهي تقول : لم أكن جميلة للغاية .. ولم أصادق أحداً .. ولكني الآن ربما أقول .. ليتني تعرفت على أحد .. ليتني عرفت ما هو الحب الحقيقي .. ليتني أحسست بلوعاته .. وحرقاته .. وسهرت الليل .. لأني لم أشعر بهذا حقاً .. كما سمعت عن الحب ..

كانت فرح لا تصدق منى وهي تتكلم .. كانت تنظر فيها .. وتكاد تجن .. إذاً .. ما معنى هذا الكلام ؟!

توقفت منى عن الكلام وقالت : سأتركك الآن ..

ولكن فرح قالت لها : منى .. لحظة ..

وراح جسد فرح يرتجف .. إن مثل هذه الكلمات .. قد زلزلت كيانها من أساساته .. إن هذه الكلمات .. تكاد تغير نظرتها في الحياة .. ومفهومها الذي تربت عليه .. وفكرها الذي كانت تعتنق ..

أحست أنها كانت حبيسة لأفكارها الغريبة .. أحست أن ما تشربته من والدتها .. ومن المجتمع .. كان مجرد غثاء لا فائدة منه .. فهذه منى التي تكلمها .. أختها الكبيرة .. لا يمكن .. ما الذي يحصل بالضبط ؟

فقالت منى : لا تشغلي بالك بكلامي ..

ثم صرخت منى وأمسكت بطنها بقوة وقالت : أيها الشقي ..

ثم ابتسمت مرة أخرى .. وهي تنظر لفرح وتقول : ربما هذا هو السبب الذي يحبني من أجله ياسر .. هذا الطفل .. لقد كانت أمنيته الكبرى .. حلمه الأوحد في الحياة .. أن يكون له ابن .. ولقد حققت له هذه الأمنية والحمد لله ..

ثم كشفت عن بطنها وراحت تتحسس .. ثم التفتت إلى فرح التي كانت تنظر في بلاهة نحو منى .. وقالت : تعالي ضعي يدك هنا .. وتحسسي يده .. وضعت فرح يدها على بطن منى .. ثم ابتسمت وقالت : يا الله .. حلو ..

وبعد قليل .. اختفى إحساسها باليد ..



غطت منى بطنها .. ونهضت وهي تمسك ظهرها وتقول لولدها : ستخرج .. لا تتعجل .. كلها شهر ونصف على الأكثر وتخرج .. وترى العالم ..

ثم أخذت تضحك ..

كانت فرح لا تزال في غيبوبة فكرية وهي تفكر في هذا الكلام الذي كانت منى تقوله .. لقد أصابتها في مقتل حقاً ..

"فرح " .. التففت فرح إلى منى .. التي قالت : استمعي إلى صوت قلبك .. وانظري إلى أين يقودك ..

ثم خرجت من الغرفة ..

وهنا بدأت فرح في التوغل في أعماق الفكر .. في صراع نفسي غير عادي .. في معركة .. بين ما تربت عليه .. وبين ما أتاها من أخبار جديدة عن الحياة الحقيقية .. عن الواقع .. وعن التجارب التي لابد أن تصدقها .. لأنها من واقع التجربة ..

معقولة ! .. ألا يوجد حب بعد الزواج .. ؟ أيعقل أن يكون الحب قبل الزواج فقط ؟ ولكن .. لا يمكن .. هذا ليس ما أعرفه ..

ولكن هذه منى التي تقول هذا الكلام .. أمن المعقول .. أن أعيش حياتي .. دون أن أحس بذلك الإحساس الذي طالما أفنى الناس حياتهم في محاولة الحصول عليه ..

الحب ؟

أيعقل أن يكون كلام أمي غير صحيح .. والقناعات التي اكتسبتها غير صحيحة ..

لا يمكن ..



كانت دوامة فكرية لفرح .. كانت مرحلة صعبة من التفكير .. وصار شرودها أكثر ..

ولكن ما الذي سوف تستقر عليه ؟





ومضت .. أربعة أيام على ذلك اليوم .. كان سعود .. لا يفتأ .. يتصل على فرح .. ويكيل لها الاتصالات واحدة تلو الأخرى .. في اليوم عشر مرات .. وكان يرسل لها الرسائل .. ويسيل لها من كلام الحب أعذبه .. وتارة من الرسائل التي كانت تجعل فرح تضحك بصوت عالي ..

إن سعود .. نوعية من الشباب التي تقتنع بالمثل القائل : "أكلح تفلح" .. وبالمثل : "كثر الطرق يفك اللحام" .. وهي طريقة تجبر الناس على التصرف فيها لما تسبب من إزعاج .. إما أن ترد عليه .. وتبدأ في نهره بقوة .. وإما أن تكلم أهلها .. وسعود لم يكن يهتم .. ولكنه كان يريد هذه الفتاة .. يريدها .. وهو مصمم على ذلك .. وإذ ما بدأت في نهره بقوة .. فإنها من المؤكد أنها ستسقط في حباله .. وهذا ما يجيده ببراعة .. فن الكلام ..

ولكنها لم تتجرأ على الرد عليه .. لم تتمكن من أن ترد عليه .. ترى .. هل انتصرت قناعاتها .. أم أنها لم تستطع بحكم العادة .. ولأن ما غرس فيها منذ الصغر .. صبغ على هذه الأفعال بلعنة حمراء ؟

أصبحت دفاعات فرح أكثر ضعفاً .. وراحت تتقبل حديث عبير أكثر من ذي قبل .. وكانت كلماتها تدخل في قلبها هذه المرة لتجد لها مكاناً .. وكانت في أحيان أخرى .. تتخيل نفسها مع سعود .. وتنظر فيه على أنه شاب الأحلام .. وتبني لنفسها معه .. القصص والروايات ..

بدأت في مرحلة .. تسمح لخيالها أن يتمادى في هذا الأمر .. بعد أن كانت تقفل الأبواب كلها في السابق على مثل هذه الأفكار .. بعد أن كانت تصور فارس أحلامها بلا ملامح .. وبلا رتوش .. فارساً يشع منه اللون الأبيض .. وفقط ..



إلا أن سعود .. لم يقف عند هذا الحد .. كان مصمماً .. أن يصل إلى الفتاة .. كان مصمماً .. أن يعرفها .. لذلك .. انتقل إلى الخطة الثانية ..

صار يذهب كل يوم إلى المدرسة .. ليراها وهي تخرج برفقة عبير .. صار كل يوم .. يذهب إلى هناك .. وينتظر خروجها .. يتابعها بنظراته ..

وكانت عبير تكمل الباقي .. وتحاول أن تلفت نظر فرح إليه .. إلا أن فرح كانت لا تتكلم .. وتكتفي بأن تمشي بسرعة نحو السيارة .. وكان سعود .. يحاول اللحاق بهم بين السيارات .. فتارة يصل .. وتارة أخرى يضيع وسط الزحام الشديد ..

وشيئاُ .. فشيئاً .. كانت فرح تلين .. وقوتها بدأت في التلاشي .. ومعتقداتها .. صارت تهاجمها عندما تختلي بنفسها .. ولكنها لم تستطع أن تقدم على شيء ..



وهذه المرة .. لم يتوقف سعود .. بدأ في المرحلة الثالثة ..



خرجت فرح من المدرسة .. وراحت عينها تبحث خلسة عن سعود .. الذي لم يظهر هذه المرة .. استغربت .. وأحست أنها تفتقد شيئاً تعودت عليه .. نوعاً معيناً من الإحساس في نفسها بأنها مميزة .. وأنها فتاة مختلفة ..

وراحت خطواتها أبطأ في المشي .. حتى وصلت السيارة .. ولكن سعود لم يظهر ..

رجعت إلى المنزل .. وتوقفت الاتصالات أيضاً .. ترى ما الخطب ؟

وراحت تحس بإحساس غريب .. أحست أنها تفتقده .. وفي الحقيقة .. هي افتقدت الإحساس بالمتعة الغريبة في أن يكون هناك شيء غريب في حياتنا .. وأن هناك من يريدنا بشدة .. وبأننا أناس مميزين .. ولكن التفريق كان صعباً على فتاة لم تجرب شيئاً مثل فرح ..

واستمر هذا لبضعة أيام .. إلى درجة .. أحست فيه فرح بالقلق على سعود .. وراحت تنسج في بالها القصص والخيالات .. وراحت قصص الحب .. والأفلام الرومانسية تحاول أن تجد ما يشابهها من قصة فرح مع سعود ..

إلى أن جاءت اللحظة التي استجمعت فيه قواها وسألت عبير عنه .. ابتسمت عبير ابتسامة كبيرة وقالت : أخيراً اعترفت بأنك تحبينه ..

ولا تدري لم دخلت هذه الكلمة في قلب فرح كالسكين الحاد .. وأحست ببرودة في صدرها وهي تسمع هذه الكلمة .. ولكنها لم تعقب ..

فقالت عبير : إنه مريض ..

فقالت فرح في قلق : ما به ؟

فقالت عبير : لن أستطيع أن أقول لك يا فرح ..

بلعت فرح ريقها وقالت : أخبريني أرجوك ..

ولكن عبير قالت : إنه سر .. لقد ائتمنني عليه ..

فقالت فرح بعد لحظة توتر .. نزلت فيها قطرة عرق من جبينها على خدها بسرعة : أخبريني .. ما به ..

تنهدت عبير .. وقالت : إنه .. إنه مصاب باللوكيميا ( سرطان الدم الأبيض ) .. لا بد أنه في الرياض .. حتى يتلقى العلاج في المستشفى التخصصي هناك .. فهناك كما أخبرني طبيبه الخاص ..

فتوقفت فرح .. وأحست أنها أصيبت في مقتل .. أحست أنها تريد أن تبكي .. أحست أنها ظلمت هذا الإنسان كثيراً ..



وهذه هي المشكلة الحقيقية .. عاطفة البنات الكبيرة .. عاطفة البنات الزائدة عن حدها .. التي تجعل البنات يتعاطفن بطريقة غبية مع هؤلاء الناس .. ويصدقوهم .. بكل هذه السخافة .. بكل هذا البساطة .. ويخلطن بين الشعور بين الحب والشعور بالشفقة نحو إنسان ..

نعم .. هذه اللعبة .. لا تصلح إلا للبنات .. اللواتي يصدقن .. حين يتعاطفن كل ما يلقي به الكاذبون .. ويتحول المجرم في نظرهم .. إلى ملاك مسكين .. ويتحول اللئيم السافل .. إلى رجل يستحق الشفقة ..

كم هذه الكذبة شائعة في عالم الأولاد والبنات .. إلى حد ممرض .. إلى حد يجعل تصديقها فلماً هندياً غبياً .. كم هو الشعور بالسخف وبتفاهة هؤلاء المساكين عظيم حين تصدق البنات مثل هذه الكذبة ..



ولكن فرح المسكينة طيبة القلب .. لا تعرف أصول اللعبة ولا قوانينها .. ولا تعرف خباياها .. لا تعرف أن في هذا العالم .. من يريد الوصول إلى مبتغاه .. بكل الوسائل .. وبأقصر الوسائل وأكثرها فعاليه .. استخدام قلبها كوسيلة ضدها .. وتحفيز مشاعر الرحمة .. حتى تصل إلى الهاوية ..



صمتت فرح عن الكلام طوال الطريق .. ولكن قلبها كان يئن بالوجع .. " كم أنت مسكين يا سعود .. كنت تخفي كل هذا الألم " ..

ولكن عقلها بدأ في التفكير وراحت مرة أخرى في غيبوبة فكرية .. بين ملاكها وشيطانها :

- ربما يكون كذاباً ؟

- وربما لا يكون كذلك ..

- ولكن كيف يكون مصاباً باللوكيميا .. ويريد الزواج ؟

- لا بد أن هذه هي الإرادة الحديدية ..

- لقد رأيته وكان يضحك ويتحدث مع عبير وكان على ما يرام ..

- لا تدري أي وجع يخفيه قلبه .. ربما هو يفعل ذلك ليقاوم .. أما سمعت عن تلك المرأة التي كان لديها السرطان .. ثم عاشت حياتها بكل طبيعتها .. وفي النهاية وجدوا أن لا سرطان لديها ..

- ولكن كيف ..

- فرح .. لم كل هذا الشك .. أليس هناك احتمال أن يكون صادقاً .. كيف سيرتاح ضميرك حين توصمين مريضاً بهذه التهم وهذه الأفكار السوداء ..

- ولكن الاحتمال الأكبر أنه كذاب .. أليس بهذا الكذب يضحك الأولاد على البنات؟!

- إذا لا بد أن تتأكدي ..



كانت في غرفتها حين وصلت فرح لهذه النقطة .. ارتاحت قليلاً .. فأخيراً توصلت إلى ما يجب عليها أن تفعله .. أن تعرف حقيقة مرضه .. وإن كان كاذباً .. أو صادقاً .. يا ترى ماذا سوف تفعل ؟



لكن سعود لم يمهلها كثيراً .. فقد اتصل هذه المرة .. وراح جوال فرح يتألق بقوة .. راح جوالها يهتز كثعبان الجرس ..

لم تكن فرح مستعدة هذه المرة .. أمسكت بيدها الجوال .. وراحت أفكارها مرة أخرى تدور .. ولا تعرف كيف تتصرف ..

ولكنها هذه المرة عزمت على الأمر .. إنها تريد أن تعرف الحقيقة .. فقط تريد أن تعرف الحقيقة ..

لقد سقطت أخيراً في الفخ .. وبدأت محاولات سعود تثمر ..



وبأصابع مرتجفة .. ضغطت فرح على الزر الأخضر في جوالها .. ووضعت السماعة في أذنها ..

وهنا انساب صوت سعود وهو يقول : أخيراً رددت ..



أحست فرح .. أنها تدوخ .. أحست أن الدم كله يتجمع في رأسها .. أحست أنها في دوامة مغناطيسية .. وبطنين في رأسها .. ومن قلبها .. اندفعت صرخة كبيرة .. وراح إحساس ساخن يتدفق من صدرها .. لتشتعل يدها .. وتلقي الجوال من يدها بقوة .. وكأنما صارت حية مسمومة ..

وبدأت في عينيها الدموع تتجمع .. ثم راحت تجري نحو الحمام القريب من غرفتها ..

دخلت الحمام .. وأغلقت الباب .. وراحت تنظر في يدها .. وتحس بأنها تريد أن تقطعها .. تلك اليد التي ردت على هذا الشاب .. فتحت الماء في حوض الاستحمام .. وبدأت .. تبكي ..

بقوة .. بغزارة .. راحت تبكي .. بكل ما آتاها الله من قوة .. حتى كادت روحها أن تخرج معها .. بكت بعد أن أحست أنها قد اتسخت .. بكت بعد أن أدركت .. أنها صارت أقرب ما تكون لعبير .. بكت بعد أن أحست أنها بنت قليلة الأدب .. بكت بعد أن أحست أنها واحدة من آلاف البنات اللواتي يكلمن الأولاد .. اللواتي يقبلن بكل بساطة أن يكون لهم بوي فريند .. ويتفاخرن أمام البقية بأن هذا كان my X boy friend ..

أخذت الصابون .. وراحت تغسل به يدها .. بقوة .. وكأن القذارة التي على يدها لا بد أن تزال .. وراحت تغسل أذنها التي استمعت إلى صوت سعود .. وتجرها بكل قوة .. وهي تبكي ..

إنها دموع الطهارة .. إنها دموع تغسل الآثام .. إنها دموع من ندم .. نبكي فيها على أنفسنا .. وعلى احتقارنا لأفعالنا ودناءتها .. إنها دموع تجعل القلب حمامة بيضاء نقية ..

إنها دموع بنت محترمة .. رباها أهلها على الأخلاق الحسنة .. غرسوا فيها احترامها لنفسها .. واحترامها أن تكون السيجارة التي يدخنها مجموعة من الشباب قبل أن يحرقوها ويدوسوها بالأقدام .. ويقذفوا بها في منتهى الاحتقار لما تبقى منها في سلة المهملات ..



وبعد ربع ساعة خرجت من الحمام .. وحاولت ألا يراها أحد .. حاولت قدر المستطاع .. ولكن منى .. كانت هناك .. ورأتها ..

دخلت فرح الغرفة .. ودخلت ورائها منى .. ثم أغلقت الباب .. وقالت : فرح .. ما الذي حصل ؟

وكأن فرح .. كانت تنتظر هذه اللحظة .. لتقوم بالانفجار في وجه منى .. ولكنه انفجار على طريقة البنات .. انفجار المشاعر والأحاسيس ..

امتلأت عينها بالدموع .. وقالت : أنا لن أتعرف على الأولاد .. أن لن أكون فتاة سيئة ..

فتحت منى عينيها على اتساعهما .. وهي ترى فرح .. وهذه القوة في عينيها .. فرح المسالمة الطيبة الحنونة .. ما الذي غيرها ..

ولكن فرح كانت تتكلم وتقول : إنك لم تشعري بما في قلبي .. لست منهن .. لست بفتاة سيئة .. أنا بنت محترمة .. لا أريد أن أحب .. إن كنت سأكون بنتاً سيئة .. لا أريد ..

ثم جلست فوق سريرها وراحت تبكي .. هنا .. أحست منى .. أنها تود أن تقتل نفسها .. أحست عبير .. أنها السبب في معاناة أختها .. أحست عبير .. أنها كانت بقعة فاسدة في قلب هذه المسكينة الصغيرة .. وراحت تحتضن فرح .. وتضمها .. وهنا .. انسكبت دموعها هي الأخرى .. ثم .. قبلت رأسها .. والدموع تصل إلى شفتيها لتتذوقها مالحة .. وهي تقول : سامحيني يا فرح .. أنا المخطأة .. ولست أنت .. أنا البنت السيئة .. أنت المحترمة ..



وكأنما كانت هذه لحظة التنوير في الفضاء الكالح الذي ألقيت فيه الاثنتين .. كانت ثورة الخير .. وانتصارها الأخير على الشر .. كانت لحظة صادقة .. خرج فيه القلب بضياء غمر الروح كلها بالحياة من جديد .. بعد أن تاه في عتمة الشر ..



وفي الليل .. كانت الساعة وقتها الثانية بعد منتصف الليل ..

كانت فرح تقف .. بعد أن تحجبت إلا من يديها ووجهها .. وراحت تصلي .. وكأنما النور راح ينبعث في هالة وضاءة حول وجهها .. راحت تصلي بقلب خاشع .. تلك هي الصلاة التي يكون فيها القلب عامراً بالأنوار .. تلك هي الصلاة التي يحس فيها الإنسان أنه أقرب إلى الله ألف مرة من قبل .. وبأن الله قريب منه .. وبأنه يحتاج إليه .. وفي سجودها .. راحت تدعي الله كثيراً .. راحت تدعوه .. أن يصرفها عن هذا المدعو سعود .. وأن ينير قلبها بالإيمان .. وأن يغمره بالتقوى .. وأن يغفر لها ..

كان دعاءً حاراً من القلب .. كان دعاءً صادقاً ..



وبعد أن انتهت من الصلاة .. كانت الراحة تغمر قلبها .. وكان الإحساس بتلك القبضة الباردة قد زال .. وأحست بأنها تحلق في سماء الفضيلة .. ما أجمل الشعور بأننا أناس جيدون .. بأننا طاهرون .. بأننا على الصواب .. وبأن الله معنا .. وبأن كل شيء يسير في هذه الدنيا في سلام وفي خير ..

وهنا دق جوال فرح .. التفتت إليه .. وأمسكت به .. وكان حرف الـ S يتألق هذه المرة .. ولكن فرح طالعت فيه .. وهي تحس أنها عملاق كبير .. لم تحس كما هي العادة بالاضطراب والقلق .. لم تحس بالصراع الذي كان يقتلها في كل مرة .. بل أحست أنها أقوى ألف مرة .. أغلقت الجوال .. وبمنتهى الهدوء .. نزعت الشريحة .. وأمسكتها بين يديها الرقيقتين .. ثم ..

" تــــــــــــــــك " ..

كانت الشريحة مكسورة في يدها ..

وبنفس الهدوء .. أغلقت الأضواء .. ووضعت رأسها ونامت هذه المرة .. دون أفكار .. ودون شياطين ..





صارت فرح .. أكثر جدية وأكثر قوة في تعاملها .. وهذه المرة تغيرت كلياً في حديثها مع عبير .. كانت لا تتحدث مع تلك السمينة طوال الوقت .. وفي النهاية .. قالت : عبير .. لا تأتي لي على ذكر سعود هذا ..

تفاجأت عبير .. إزاء هذا التغير المفاجئ ما بين ليلة وضحاها .. وصمتت .. ولكنها أخبرت بذلك سعود ..



وفي هذا اليوم .. رجعت فرح إلى المنزل .. ولكنها لم تجد أحداً .. كانت الفوضى واضحة .. استغربت فرح .. فراحت إلى تلفون المنزل .. وهاتفت أخيها محمد الذي رد عليها وقال : لم لم تردي على جوالك يا فرح ؟

فقالت له : لقد كسرت الشريحة ..

تجاهل محمد هذا الموضوع ولم يسألها وقال : نحن الآن في المستشفى ..

تصاعدت فرح بالقلق وقالت : خيراً ؟

فقال : يبدو أن أختك سوف تلد .. إنها في غرفة العمليات الآن ..

فقالت فرح باستغراب : ولكنها في الشهر الثامن الآن ..

فقالت محمد : أجل .. يبدو أنها سوف تلد مبكراً .. ولكن يبدو أن هناك خطراً عليها ..

فقالت فرح : لماذا ..

رد محمد : إنه الشهر الثامن يا فرح .. إنهم يقولون .. أن الطفل في الشهر الثامن لا يعيش في العادة .. ولكنه يعيش إن ولد في التاسع أو السابع حتى ..

أحست فرح أنها خائفة على أختها .. فقالت له : محمد .. هل تستطيع أن تأتي لتأخذني ..

رد عليها : عندما يأتي أبي .. سوف أتركه وآتي لآخذك ..

وما هي إلا ساعة .. وكانت فرح في المستشفى .. كانت أختها تقوم بعملية قيصرية ..

كانت والدة فرح .. تدعو .. والكل في حالة من القلق .. على أختهم .. ويبدو أن العملية صعبة .. إذ أنها استغرقت الكثير من الوقت ..

مضت أكثر من ساعة بعد قدوم فرح إلى المستشفى .. وبعدها .. كان "ياسر" زوج أختها منى قد وصل .. يبدو أنه استقل أول طائرة من الرياض إلى جدة .. وكانت أمارات القلق بادية على وجهه العريض .. وجسمه الضخم جداً .. وأول ما بدأ به : كيف حالها الآن ؟

كم جميل أن يكون هناك من البشر من يحسون بأنك غالي لديهم شيء ثمين .. للأسف في العادة لدينا لا تظهر هذه الأحاسيس إلا عندما يصاب أحدنا بمكروه .. وكأننا نخجل من أن نظهر مشاعرنا لأخوتنا .. ولأهلينا .. حتى صارت البيوت جافة حطيبة ..
ولد باريس غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2010, 06:05 AM   #9 (permalink)
ولد باريس
رومانسي فعال
 
الصورة الرمزية ولد باريس
 
وبعد نصف ساعة أخرى .. خرج الطبيب من غرفة العمليات .. وكانت أمارات القلق جلية في وجهه .. توجه ياسر نحوه بسرعة وهو يتكلم معه .. قال الطبيب : الحالة صعبة .. لا بد أن نضحي بالطفل ..

فرد ياسر بسرعة : وهي ؟

قال الطبيب : للأسف يبدو أنها سوف تفقد إحدى قناتي فالوب ..

فقال ياسر : أهم شيء .. هي هل ستكون بخير ؟

فقال الطبيب : بإذن الله .. ولكن لا بد أن أستلم منك إفادة خطية بهذا الأمر ..

فقال ياسر .. وراحت الدموع تغرغر في عينيه وراح بيديه الضخمتين يمسك بكتفي الدكتور : أرجوك يا دكتور .. إنها كل ما لدي في هذه الدنيا .. أرجوك ..

كان منظراً مؤثراً .. أن يرى أحدنا رجلاً عملاقاً مثل ياسر .. يكاد يبكي على زوجته .. يبدو أن كلام منى عن زوجها لم يكن حقيقياً .. أو بالأصح .. لم يختبر هذا الحب تجربة قوية .. يكون فيها الموت خيطاً فاصلاً .. ليعلم كل منهما ما يعنيه فقد الطرف الآخر .. وذلك ما لم تعلمه منى .. وأخطأت في فهمه ..



وبعد ساعتين .. كانت منى قد خرجت من غرفة العمليات .. كان الجميع في حالة من التعب والإرهاق .. كان الجميع يدعو لمنى .. الأستاذ أيمن ال..... .. وعلى يمينه ياسر وعلى يساره محمد .. وعلى سجادة صغيرة في غرفة منى .. كانت أم فرح .. تجلس وتدعو .. وفرح وريم يجلسان في المقعد المجاور .. وهما يدعوان أيضاً ..

وبعد فترة .. كانت منى قد استيقظت .. فراح الجميع من حولها يطمئنون على حالتها .. كان ياسر جوارها .. أمسك بيدها .. وقبلها وقال لها : الحمد لله على السلامة ..

هنا بكت منى وقالت : ولدي ..

وانخرطت في بكاء ..

وراح ياسر يحتضنها وهو يحس بأنتها .. وراحت دموعه هو الآخر تنسكب على وجنته .. ثم قالت له : آسفة يا ياسر .. لم أستطع أن أنجب لك الطفل الذي تريد ..

احتضنها ياسر أكثر وهو يقول : الحمد لله على كل حال .. أنت أهم من مليون طفل يا منى .. أنت كل شيء بالنسبة لي يا منى .. أريدك أنت .. ولا أريد أي طفل ..



ليس هناك أجمل من أن تشعر بأن هناك إنساناً تعني له أنت .. كل شيء في هذه الدنيا .. بل إنه مستعد لأي شيء فقط من أجلك .. ذلك شعور لم تجربه منى من قبل .. لم تختبره .. ولكنها اليوم آمنت به ..



خرج الجميع .. وبقي ياسر معها في المستشفى .. ورجعت فرح وبقية العائلة إلى المنزل .. بعد يوم مرهق .. ولم تذهب فرح ولا ريم في اليوم الثاني إلى المدرسة .. حتى والدها أخذ إجازة من عمله ..



وذهب الجميع بعد صلاة الظهر إلى المستشفى .. يحملون باقات الورد .. كان إحساساً بحميمية أسرية .. تظهر فيها أصدق المشاعر وأنبلها .. وبالطبع كان ياسر في قمة الإرهاق والتعب .. فأخذه محمد إلى المنزل .. ليستحم قليلاً ويرتاح .. على أن يأتي بعد ذلك .. وكذلك والدة فرح التي كانت تريد أن تأخذ بعضاً من ملابسها لقضاء اليوم الأخير لمنى في المستشفى .. فهي لم يهنأ لها جفن البارحة ..

وبقي في الغرفة فرح وريم وأبوهم ..

ولما أذن العشاء .. نزل الأستاذ أيمن ليصلي .. وبقيت كل من فرح وريم في الغرفة ..

هنا قالت منى لريم : حبيبتي .. هل من الممكن أن تذهبي لتشتري لي عصير الأناناس الذي أحبه من البقالة القريبة من هنا ؟

فقالت ريم في شيء من العداء : قولي أنك تريدين أن تكلمي فرح على انفراد .. لم أعد صغيرة .. إني أفهم يا أبله منى ..

ابتسمت منى وقالت : ذكية ما شاء الله عليك ..

خرجت ريم التي كانت في طور تكوين الشخصية .. والاستقلالية في كيانها .. مضت لحظة من الصمت على منى وفرح .. قطعتها أصوات أبواق السيارات القادمة من بعيد ..

أمسكت منى بيد فرح وقالت لها : أنا آسفة يا فرح .. لا بد أن هذا عقاب الله لي ..

قالت فرح : ما الذي تقولينه يا منى ..

نزلت من عيني منى دمعة ثم قالت : كنت مخطأة يا فرح .. كنت مخطأة .. لقد ظلمت ياسر ..

لم أكن أفهم معنى الحب يا فرح .. احتجت إلى كل هذه السنوات .. احتجت إلى أن أفقد طفلي .. حتى أعرف معنى الحب .. معنى .. أن تكون حياتك معلقة بإنسان آخر .. معنى .. أن لا يكون لك في الكون إنسان آخر .. ظننت أن الحب فقط مسلسل مكسيكي .. ظننت أن الحب .. وردة حمراء .. وقبلة .. وشمعة وعشاء ليلي .. لا يجيد ياسر أياً من فنونه .. لم أكن أدرك .. أن الحب هو إحساس حقيقي في القلب .. كل يعبر الحب بطريقته .. كل يعبر الحب بأسلوبه ..

ابتسمت فرح في وجه أختها وأضاء وجهها وقالت : لا حرمك الله منه يا منى ..

ابتسمت منى واحتضنت أختها .. وسالت دموعها .. وهذه المرة كانت دموع الفرح









في اليوم التالي كانت فرح تدخل مدرستها .. وكانت عبير تحاول أن تحادثها ولكن فرح كانت تحافظ على أكبر قدر من الحدود بينهما .. وكأنها تصب لوم ما حصل لأختها عليها ..

وفي نهاية الدوام .. خرجت فرح وعبير .. وعندما دخلتا السيارة .. كانت البي إم ذات الفئة السابعة .. تندفع بسرعة .. لتعترض سيارة فرح .. ويخرج منها سعود .. بجسمه الممتليء .. ووجهه الأحمر .. وسكسوكته .. وراح يصرخ في السائق : ما هذا ؟ ألا تعرف القيادة يا حمار ؟ ..

وراح السائق الماليزي : يصرخ هو الآخر ..

أما سعود ففي خلال كلام السائق .. كان ينظر نحو فرح .. وبكل الوقاحة وعلى شفته ابتسامة لعوب .. إن لهذا الشاب تصميماً غير عادي على التعرف على فرح .. ولكن فرح .. لم تتكلم .. كانت تحس بالخوف .. وراح قلبها ينبض بقوة ..



" ما الموضوع ؟ " ..



دوت هذه الكلمة قوية .. وهبطت على قلب فرح .. إن هذا الصوت .. مألوف ..

التفتت إلى الناحية الأخرى .. وكان هو بالفعل .. كان أخوها محمد .. وهو يقف أمام سعود .. ونظرات يتطاير منها الشرر .. نظر فيه سعود .. وقال : ماذا تريد هنا ؟ اذهب فلا شأن لك بهذا ..

فنظر فيه محمد وقال بقسوة : احفظ أدبك أيها الوقح .. قبل أن أمسح بك الأرض ..

ثم التفت إلى فرح وقال لها : فرح .. اذهبي إلى السيارة ..

خرجت فرح من السيارة .. ولكن سعود ضحك وقال : الله .. الله .. هكذا بدون أي احترام .. تأخذ البنت عيني عينك ..

لم يحس سعود .. إلا ويد محمد تندفع في وجهه بقوة لتلصقه بزجاج السيارة ويقول له بصوت له فحيح : إن اقتربت مرة ثانية من أختي .. أقسم أني سأقتلك ..

صرخ سعود من الألم وقال : اترك يدي يا مجنون .. آآآآآآآآي ..

كان محمد يلوي ذراع سعود بغلظة حتى أحس سعود أنها سوف تتحطم ..

ثم أمسكه محمد بقوة .. ورماه على الأرض بمنتهى العنف .. فسقط سعود .. واتسخ ثوبه .. ولكنه نهض بسرعة وقال : هدئ من روعك .. لقد دخل علي هذا السائق ..

كان يتكلم وهو يرجع إلى الوراء .. ثم ركب السيارة مسرعاً .. وما كانت إلا ثواني وقد اختفى عن الأنظار ..

توجه سعود إلى السيارة التي كانت فيها عبير التي كانت ترتجف من الخوف .. وقال لها : اسمعي يا بنت .. إن أحببت أن تتعرفي على الشباب .. وإن لم يربك أهلك جيداً .. فافعليه بعيداً عن بنات الناس .. وإن رأيتك بالقرب من أختي .. فلا تلومن إلا نفسك ..

ثم صفق الباب بقوة .. وذهب إلى سيارته .. ولما دخل .. كانت أعصابه مشتعلة ..

قاد السيارة بدون أي كلمة .. ثم قال لفرح بعصبية : لم لم تتكلمي من البداية ؟ حتى آتي لألقنه درساً هذا الحيوان ؟

هنا لم تتحمل فرح لهجة أخيها القوية .. وراحت تبكي وهي تقول : أنا لم أفعل شيئاً يا محمد .. والله ..

قاطعها : أنا أعلم .. لم قلت لمنى .. لم لم تكلميني أنا ؟

قالت فرح وهي تبكي : آسفة والله يا محمد .. لم أقصد ..

وراحت دموعها تغرقها من جديد ..

وبعد دقائق .. أوقف محمد السيارة والتفت لها وقال بهدوء : فرح .. فرح .. انظري إلي ..

بدت عيون فرح من الغطوة حمراء كالدم من البكاء .. وهي تنظر في محمد الذي قال : فرح .. أنتي أختي .. ولن أدع إنساناً في هذا الكون يؤذيك .. ومن يهم بذلك .. فسأشرب من دمه .. هل تفهمين ..

لم تتمالك فرح نفسها من الدموع .. وراحت تبكي ولكنها هذه المرة .. بكت وهي سعيدة .. لقد عرفت معنى الحب .. الحب الحقيقي ..













لحد الآن .. لم يظهر الخبير .. لم يظهر قصي ..

فهل وجود فرح ال... في القصة .. أمر عرضي ..

أم سيكون لها دور هام في قصتنا ..



ترى ما العلاقة بين فرح والخبير ..

وأين هو الخبير حتى الآن ؟



الجزء الرابع

الفصل الأول



( ما تزال طفلة )











تلك هي القصص التي لا ننساها في حياتنا .. التي وربما تكون عندها نقطة التحول .. إما إلى الأسفل أو إلى الأعلى .. وربما توقفنا كقصة في الحلق ..



صوت عزف قديم .. وذكرى تخز جدران القلب .. نسيم الماضي يحمل ما لا يُحمل من الأشجان .. وصوت الموسيقى الرتيبة ذات النمط البطيء في هدوء تنساب حول غرفة قصي ..



ولمن شاء كلاسيكية العزف .. فليتوقف على أصابع قصي الذي لطالما أبدع معزوفات خاصة وليدة اللحظة .. ثم لا تلبث أن تموت مع النسيان ..

وقصي لا يهتم إلا أن تتحول الأوتار إلى لسان أُجبر أن يعيش الصمت بإرادته ..

تلك النظرة الحزينة التي تملأ كيانه .. لا يعرفها إلا من عاش الوحدة .. فصار لا يستطيع أن يتجانس مع الناس وقلبه ممتلئ بالراحة ..شعور كريه أن تكون خياراتك في الحياة معدومة .. فلا أنت تستطيع أن تخالط الناس .. ولا أنت مرتاح القلب .. في وحدة القلب المهجور ..



ارتفعت النغمات حادة .. وأصابع قصي تهوي بكل قوتها على المفاتيح .. وكأنها تصرخ .. بأنين آلامه ..



وراحت الأنغام مرة أخرى تعود إلى رتابتها ..

ثم وببطيء راحت تسير .. حتى توقف قصي عند آخر نغمة ..

كان مغمضاً عينيه .. وكانت الغرفة كلها في حالة من الانسجام التام .. حتى إنك لتجزم أن الغرفة كلها كانت كائناً واحداً .. متناغمة مع كل ذلك القدر من التراجيدية .. حتى النافورة الصغيرة .. كانت في تتشارك لتضع اللمسات اللازمة لصنع لوحة فائقة الجمال والشاعرية .. بقي أن تطير نجوم صغيرة مضيئة نحو السماء لتتمايل مع الأنغام ..





مضي على قصي حوالي أسبوعين على ثلاثيته مع : نوف وروان ورناد .. قضى حوالي 3 أيام منها في المستشفى .. بعد أن تعب كثيراً من دوالي شرايين الحنجرة .. وتمزقت بعضها ..

كان بحاجة إلى رعاية طبية .. وقد تلقاها .. وابتعد طوال هذين الأسبوعين عن ما يثير أعصابه ..



نهض قصي من على البيانو الأسود .. وذهب إلى المنزل الرئيسي .. الذي ينفصل عن الملحق أو الغرفة التي يعيش فيها قصي بمفرده ..

أطل بسرعة .. هل يوجد أحد في المنزل؟ يبدو أنه لا فائدة من أن يسأل هذا السؤال بتكرار .. على كل هو تعود .. وهو لم يتوقع أن يجد والده أو والدته .. فكل مشغول بما يملأ وقته .. لا يدري .. لم كان يريد هذه المرة أن يكونا موجودين .. أو على الأقل واحد منهم ..

راح يطالع التلفاز في شيء من الملل .. ياه .. ما هذا الإحساس الغبي .. كم هو مزعج .. أمسك جواله .. وراح يبحث في الأرقام .. إنه ليس الآن في نفسية تسمح له بتذكر الماضي .. إنه يريد أن ينسى .. إنه يحاول جاهداً ..

وجد رقم نزار من بين الأرقام القليلة الموجودة في جواله .. وراح يتصل عليه .. تألق الجوال ببعض الأضواء .. وببعض الأصوات .. راح يطالع شاشته .. حتى بدأ عداد الثواني بالظهور فقال :

أهلا نزار .. كيف حالك ؟كنت أفكر ما رأيك أن نتعشى سوية هذه الليلة .. هناك مطعم إيطالي رائع .. قد ....

...............

ماذا .. لديك اليوم اجتماع عائلي ..

.........

لا .. لا عليك ..

...........

هههههههههههههههههههههههههه .. إنما هو الإحساس بالملل ..

.............

لا .. لست في مزاج رائق لاصطياد السمك ..

.............

حسناً .. سأراك أيها اللعوب .. ثم إنك لم تخبرني ماذا فعلت مع ندى؟

..............

ههههههههههههههههههههه .. قلت لك .. إنه أمر واضح ..

حسناً .. حسناً .. أخبرني عندما نتقابل ..

مع السلامة ..



أنهى المكالمة .. وشيء من الضيق يملأه ..

لا بد أن يخرج .. لا .. وكما قال لنزار .. إنه ليس في مزاج رائق حتى يصطاد السمك .. يا لها من تسمية ! .. ولكن نزار يروق له أن يستخدمها .. لا بأس ..



دخل قصي غرفة نومه .. وراح للدولاب .. وراح يقلب بسرعة .. وفي النهاية ارتدى قصي .. جينزاً أزرق متسخ على ذوق الموضة .. وتي شيرت برتقالي .. له أطراف زرقاء وعلى ظهره .. تقويم مرسوم باليد .. وعليه بعض علامات إكس ..

وارتدى حذاءه الرياضي الأبيض ..

ثم خلع خاتمه البلاتيني ..وفي منتهى الاحترام .. أودعه العلبة المخملية ..

وقبل أن يخرج .. راحت أصابعه تمر بسرعة على أصابع البيانو .. وهو يمشي .. لتصدر ذلك الرنين الذي يزداد حدة حتى آخر مفتاح .. ثم أغلق الباب خلفه ..





كانت الساعة التاسعة مساءً

استقل سيارته اللكزس ..بأضوائها الزينون القوية .. ووضع سي دي للعازف البحريني ياسر خليفة .. وراح يمشي بين الشوارع التي يعرفها ..

من شارع التحلية .. إلى الكورنيش .. نحو حي الشاطيء .. ثم إلى طريق الملك مرة ثانية .. وأخيراً انتهى بشارع حراء ..



إحساس فظيع بالملل من الحياة .. من كل أسباب البقاء ..

وجد أمامه سوق حراء الدولي .. نعم لا بد من كوب من القوة التركية ..



دخل إلى السوق الكبير .. وراح يطالع المحلات .. والواجهات الزجاجية التي من الواضح أنها في أكثرها تخص النساء دون الرجال .. وهذا أمر مؤكد طالما أن النساء هن من تضيع الأموال بين أيديهن ..



وصل إلى كشك بارنيز الصغير الذي يتوسط تلك الساحة الكبيرة .. وقال للعامل : قهوة تركي .. سكر زيادة لو سمحت ..



راح يطالع الأضواء في شيء من التساؤل .. وهو يقول في نفسه : ماذا تعني هذه الحياة ؟ وماذا يعني وجودنا فيها ؟

إنها حالة تجعل الشخص في حالة من الخمول .. أو كأنه إحساس بالدوخة الخفيفة .. حتى يحس الإنسان .. أنه في كرة زجاجية كبيرة .. أو أنه خارج جسمه .. وأنه ينظر لنفسه من ورائها ..



راح يتأمل الوجوه .. رجل يقف مع طفلة صغيرة يمسك بيدها .. مجموعة من النساء المحتشمات يمشين سوية .. كأنهم يخفن من أن يتلوثوا بهذه الجموع الغفير من البنات اللواتي أصبحن كعارضات الأزياء بتلك العباءات المزركشة .. والملونة .. والطرح المبهرجة .. وكأن وجود العباءة أو عدمه لا يفرق كثيراً ..

وولد صغير يلاحق أخته ..

ثم ..

لمح فتاتين .. إحداهما طويلة والأخرى متوسطة الطول ..

إنها تدق فيه منذ فترة طويلة .. أو هكذا يبدو ..

كانت الطويلة خمرية اللون تلبس عدسات رمادية .. وأنفها الدقيق يزين وجهها وابتسامة ذكية جريئة.. وتلبس عباءة مزخرفة لامعة .. ووردة فيروزية تزركش طرفها السفلي ..

أما الأخرى فكانت تشبهها إلى حد ما .. إلا أنها كانت تحول أن تخفي بعض آثار الخجل بفشل .. بعباءتها ذات الخطوط الحمراء القانية .. ومن التفاتها المتكرر تستطيع أن تقول وببساطة .. أنها تظن أن الكل ينظر لها . كانت تتلفت يمنة ويسرة وكأنها تخشى أمراً ما .. وبعبارة أدق كانت مرتبكة ..



وبتلقائية ودونما إحساس .. وجد قصي نفسه يتقدم بثبات نحوهم .. كان يمسك في يده كوبه .. وتتصاعد رائحة القهوة الساخنة بقوة ولما اقترب .. وقال ببساطة : عفواً يا آنسات ..

تظاهرت الفتاة الطويلة بالدهشة وهي تقول : ماذا ؟

فقال بثبات وبكل الثقة : أنا قصي مناف من جامعة الملك عبد العزيز قسم الصيدلة .. وإني مكلف بإجراء استبيان عن الأدوية .. فهل أستطيع أن آخذ من وقتكم بضعة دقائق ..

امتقع وجه الفتاة القصيرة .. إلا أن الأخرى قالت بقوة : وبنظرة ثاقبة : تجري استبيان بدون أوراق ؟

قالتها وكأنما أوقعته في فخ ..

ولكن قصي قال ببساطة وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة: الموضوع لا يحتاج إلى أوراق .. إنها مجرد أسئلة بسيطة للغاية .. فقالت بتذاكي : ولكن عليك أن تحسب الأرقام .. حتى لو كان استبيانك في سؤال واحد على الأقل ..

ابتسم قصي وقال : ألا ترين أنك تحكمين النطاق ؟

فضحكت الفتاة ضحكة المنتصر وقالت : ألست أنت من تقوم أنك ملزم بعمل استبيان ؟

ابتسم قصي بسخرية وقال : حسناً ..

وبعين سريعة التقط ورقة لإعلان من كشك مجاور تراصت عليها أسماء لمعطرات جسم مختلفة ..

وأخرج من محفظته قلماً صغيراً وراح ينظر لها بنظرات سفلية وهو يقول لها : تحبين الطرق الصعبة ..

فقالت الفتاة بجذل ورفعت رأسها بانتشاء : إنها أكثرها إمتاعاً ..

فقال وهو ينظر فيها بعين تخفي وراءه صراخ ضحاياه .. وأسرار الماضي : صدقيني إنها ليست كذلك ..



كانت الفتاة الأخرى وأعني بذلك القصيرة .. تنظر يمنة ويسرة .. لا تكاد تعرف كيف تتصرف .. صامتة طوال الوقت ..



قال قصي للفتاة الطويلة : عفواً قلت لي ما اسمك ؟

فقالت البنت بنظرة ماكرة : للاستبيان ؟

فضحك قصي .. فقالت الفتاة : اسمي أمل ..

ثم أشارت إلى الفتاة الأخرى وقالت : وهذه ابنة خالتي ياسمين ..

نظر قصي في لطيفة .. وابتسام بكل فتنة وقال : أهلا بالقمر ..

ولربما ظن البعض كم هي جرأته أن يبتدئ بمثل هذه الكلمة في أول مرة يحادث فيها ياسمين .. وفي نفس الوقت .. يحس بالتناقص في التصرف بحذر أمام أمل وبالتهور أمام ياسمين ..

إلا أن البارعين هم فقط الذين يستطيعون إدراك التلقائية التي اكتسبها قصي في فن التعامل مع أنثى متمرسة متمردة مثل أمل .. تحتاج إلى صبر وقليل من التشبث .. حتى تستولي عليها .. ومن ثم تستطيع التحكم بها بكل سهولة .. وبكل وقاحة حتى ..

وبين ياسمين التي من الواضح سذاجتها .. واستجدادها على هذا العالم الجديد .. الذي يغرق أصحابه في الوحل .. وإن ظن أصحابه عسلاً .. فمرارته لا تظهر إلا عند الجرعة الأخيرة .. حرقة في القلب .. وأخرى في الروح ..



تورد خدا ياسمين وابتسمت .. وصارت تنظر في الأرض في خجل .. لم ينتظر قصي طويلا .. وإنما دخل مباشرة وقال : هل لي أن أدعوكم إلى كوب من القهوة ؟

نظرت أمل إلى ياسمين وقالت : ما رأيك ؟ همم ؟

ردت ياسمين وهي تقول لأمل بصوت هامس ببعض الكلمات ..

فقالت أمل : ياسمين .. كم مرة قلت لك .. لن يأتي ..

ثم التفتت إلى قصي وقالت : لا بأس ..

ما بالها هذه الفتاة .. ومن تراها تنتظر ؟ أم أنها خائفة أن يراها أحد وهي برفقة شاب ؟

سار الجميع .. مسافة قصيرة .. حتى وجدوا لوحة عريضة مكتوب عليها : الجزيرة الخضراء coffee shop



وبعد دقائق كان قصي يجلس على الطاولة .. وأمل وياسمين مع آيس تشوكلت وآيس مانجو ..

كانت ياسمين تشرب .. والارتباك يبدو في ملامحها وهي تحرك المصاص يميناً ويساراً .. وتلتفت لتلاحظ من أتى ..

فقال لها قصي ببساطة وابتسامة وهو يضع قدمه على ساقه الأخرى: هل تنتظرين أحداً يا ياسمين ؟

فنظرت فيه أمل وقالت : إنها تنتظر أن ترى أحمد ..

التفت لها ياسمين بحدة وقالت : أمل !

نظرت فيها أمل ورفعت حاجبيها وقالت : ماذا ؟ أليست هذه هي الحقيقة .. ألست أنت من أتيت بي إلى هنا ؟!

لم تتغير جلسة قصي وبنفس الابتسامة قال : يبدو أنك تحبين أحمد هذا ..

فقالت أمل باشمئزاز : إنه حتى لا يهتم لها ..

فقاطعتها ياسمين وقالت : من قال لك ؟

فقالت أمل : يا بنت افهمي .. لقد كلمني وقال : لا تدعيها تتصل مرة أخرى .. لم يرد على اتصالاتك كل يوم .. وأنت لم تتعرفي عليه إلا منذ أسبوع .. ماذا تتوقعي أن يكون ؟

فقالت ياسمين : ولكنه قال بأنه يحبني ..

ضحكت أمل وقالت وهي تنظر إلى قصي : هل تصدق ما تقوله هذه العبيطة ؟!

يبدو أن أمل هذه ليست سهلة بالمرة .. ويبدو أن لها باعاً طويلاً في هذا الأمر .. كم يكره هذا الصنف من البشر .. ويبدو أن ياسمين .. ساذجة كالباقيات ..

ولو أن عينا أمل كانت تكشف ما خلف العيون .. لوقع قلبها في يدها .. من الاحتقار الذي كان قصي يختفي خلف عينيه .. للفتاة المستهلكة .. للبنت التي ربما تكون بكراً عضوياً .. ولكنها قذرة روحياً .. لفتاة .. فقدت ما يجعلها أنثى .. ويجعلها إنسانة .. يستحق أن يُنظر فيها كفاكهة ناضجة .. ولكنها بدلاً من ذلك .. كانت مجرد تفاحة مجخية .. أُكل نصفها .. ثم تركت في الحر لتتعفن ..

مرت هذه الأفكار في ذهن قصي بسرعة .. ولكنه قال : أخبريني ما القصة .. وقد أجد لك الحل يا ياسمين .. على الأقل استمعي لرأي بعيد عن الموضوع .. ربما لدي نظرة مختلفة .. وقد أساعدك ..

التفتت ياسمين إليه .. وهي تفكر .. وتحدجه بتلك النظرة الفاحصة المتسائلة .. بأي حق أعطيه الثقة ؟

هنا قاطعت الحديث أمل كعادتها وهي تنهض بعد أن كانت تنظر في جوالها : ياسمين .. سوف أذهب قليلاً .. لقد أتى عمار ..

ثم نظرت في قصي مبتسمة وقالت : سأتركها قليلاً .. لا تدعها تغب عن ناظريك .. إنها ليست من جدة ..

ثم غمزت له .. وأشارت له بسبابتها كأنها تصوب عليه مسدساً .. يبدو أنها تحب مشاهدة الأفلام الأمريكية الخاصة وتكثر من هذه السخافات كثيراً ..

ولم تكن ياسمين وحدها من أُصيبت بربكة جراء ما فعلته أمل .. ولكن حتى قصي أصيب بدهشة بالغة .. كيف تتركها وحدها هكذا؟! يا لها من قريبة .. المشكلة أن معظم علاقات البنات تبدأ هكذا .. تبدأ واحدة منهن بعلاقة .. وتحكي لقريباتها من هن في سنها .. ويبدأ هذا العفن ينتشر كوباء في العائلة .. ويطول الخبيث والحسن سوية ..

لم تجد ياسمين ما تقول .. وأحس قصي كم مسكينة هذه البنت .. ولا يدري لم أحس بشفقة تجاهها فقال وهو يعني ما يقوله هذه المرة : لا عليك هدئي من روعك .. الموضوع لا يحتاج كل هذا التوتر ..

ولكن ياسمين .. بدأت تفرك يديها في عصبية ملحوظة .. فقال قصي بنفس الهدوء وبعين حادة : تعلمين .. ابنة خالتك هذه لئيمة .. كيف تتركك وتذهب هكذا ؟!

فقالت ياسمين : لا إنها طيبة القلب .. ولكنها تتصرف أحيانا هكذا ..

صمت قليلاً قصي .. حين أتى العامل ليحمل الأكواب الفارغة .. فقال قصي لها : هل تريدين شيئاً آخر ؟

فقالت الفتاة : لا شكراً ..

فالتفت إلى النادل وقال : قهوة تركي سكر زيادة ..

حل الصمت قليلاً .. وراح قصي يتطلع في يديه .. لا يدري لم أحس أنه لا يريد أن يبدأ .. لا يريد أن يقوم بشيء .. أحس أنه يريد أن يعود لمنزله دون أن يقوم بشيء ..

"أمل هي التي عرفتني عليه " التفت قصي إلى ياسمين التي كان من الواضح أنها حاولت كثيراً وفكرت مراراً قبل أن تقول هذه الجملة ..

ورغم أنه كان يهم بالنهوض .. إلا أنه جلس يستمع ..

وراحت ياسمين تتكلم ..

كانت ياسمين قد قدمت إلى جدة لقضاء أسبوعين لدى خالتها هنا .. والأنس بابنة خالتها أمل .. فقد كانت تقيم في المدينة .. وكعادة أمل .. كانت تتكلم عن علاقاتها العاطفية المتعددة .. وكانت ككل مرة تصر على ياسمين أن تتكلم مع من يكلم أمل ..

وتلك صفة دميمة للفتيات من هذا النوع .. لا تدري لم يحاولن ذلك؟ أهي طريقة لكي يحسسن أنهن لسن الوحيدات اللواتي تلوثن بهذه القذارة ؟ أما ماذا ؟ لم لا يتركن الباقيات في سلام ؟!

وتعرفت ياسمين بأحمد .. واحد من أصدقاء أمل .. والتقت به مع أمل هنا في سوق حراء .. وكانت أول مرة في حياتها تقابل شاباً .. كانت أول مرة .. تقابل فيها رجلاً .. إنها حتى لا تلبس مثل هذه العباءات المزركشة .. إنها حتى لا تعرف شيئاً في عالم الأولاد والبنات ..

وبطبعه .. كعادة الشباب الكثيرين هنا .. أضاف إلى قائمة الأسماء الموجودة في جواله اسماً جديداً ..

أخبرها أنه يحب هذا السوق كثيراً .. ويحب التجوال فيه كثيراً .. وبعد أسبوع .. وبدون مقدمات .. قالت لها أمل : لقد طلب مني أحمد لا تتصلي على مرة أخرى ..

كانت صدمة لياسمين .. صدمة الحب الأول .. الذي حتى لم يأخذ حقه في النضج .. أسبوع واحد ولكن ياسمين .. كانت تستمر بالاتصالات .. فقد أذاقها من الكلام حلوه .. حتى أحست أنها تحبه .. لأنه العلاقة الأولى لها .. وقد كان شيء يسير على ما يرام .. ولكن فجأة تغير كل شيء دفعة واحدة ..
ولد باريس غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2010, 06:07 AM   #10 (permalink)
ولد باريس
رومانسي فعال
 
الصورة الرمزية ولد باريس
 
كانت ياسمين تتحدث .. وفي عينيها تمتليء الدموع .. كانت تتكلم .. وحرارة الكلمات .. تكاد تتصاعد من احتراقات الأحرف ..

وهنا أحس قصي بطيف حزين يمر أمام عينيه .. أحس كم هو يتعاطف مع ياسمين بحق .. أحس كم هي ساذجة .. أحس كم هي مسكينة وصغيرة .. إنها حتى لا تعرف كيف تتصرف .. إنها طفلة ..

نظر لها بإشفاق حقيقي وقال : أعلم ما تشعرين به ..

نظرت له ياسمين .. وقطبت حاجبيها وقالت : لا تقل مثل هذا الكلام .. حتى تظهر لي أنك متعاطف معي .. حتى تستطيع أن تحصل علي .. أعرفكم أيها الشباب .. لكم هذه الأساليب ..

حدق فيها قصي بدهشة .. ثم ضحك .. من أعماق قلبه ضحك ..

ضحك على نفسه .. هذه من المرات القلائل والنادرة التي يتعامل فيها مع البنات بصدق .. ومع هذا تظن أنه يخدعها .. ترى ما الحكاية .. هل أصبح الناس يصدقون الكذب .. ويكذبون الصدق .. أهذه الدرجة .. صار الصدق ضائعاً وسط الكذب ..

فنظرت فيه بعين حاقدة وقالت : لم تضحك ؟

توقف عن الضحك .. وقال بابتسامة : أنا آسف .. لم أكن أقصد ..

ولكن ياسمين كانت لا تزال حادة المزاج وقالت : الضحك من غير سبب قلة أدب ..

وبقدر ما يستطيع قصي أن يتعامل مع النبات .. إلا أنه لا يسمح لهن بأن يقللن من قدره بأي طريقه ..

نظر فيها هذه المرة بقسوة لثواني .. حتى أشاحت ياسمين بنظرها .. وقصي لا زال ينظر فيها .. ثم أخرج من محفظته خمسين ريال .. يغطي الطلبات ويزيد .. وتركها على الطاولة .. وقال : لا أسمح لأحد أن يخاطبني بهذه اللهجة .. يبدو أني كنت مخطئاً .. حين دعوت أمثالكم بأدب إلى قهوة ..

كان لا يهتم قصي للبنات .. بل لا مانع لديه أن يحطمهن .. بدون اهتمام .. إنه ليس من ذلك الصنف من البشر الذي لا يعاقب الفتيات لأنهن فقط فتيات .. بل قد يزيد في عقابه لهن .. لأنهن يعتمدن على ذلك .. بل ثق أنك سيضرب الفتاة التي تمد يديه وبأقسى من ضربتها .. ولن يهتم لبشر أبداً ..

نهض قصي .. وخرج .. وتعكر مزاجه .. وراح يقول في نفسه : غبية ..

"لو سمحت .. لو سمحت" التفت قصي إلى الخلف .. ليجد ياسمين .. بعين مملؤة بالدموع .. كانت تمسك بيديها .. وتبدو في حال مروعة ..

لم يتحدث قصي .. فقالت ياسمين بتردد : أنا .. أنا .. آسفة .. لم أكن أقصد ..

صار وجه قصي جامداً خالياً من المشاعر وقال : جيد أنك تأسفت ..

ثم تركها وذهب .. ولكن ياسمين لحقت به وقالت : لو سمحت .. لو سمحت ..

نظر لها قصي مرة ثانية .. وهذه المرة نزلت دمعتها .. ومسحتها بسرعة .. وقالت وهي ترطب شفتيها بلسانها : أنا لا أعرف أحداً هنا .. ولا أعرف ما أفعل .. وجوالي استقبال .. وقد استهلكت رسائل "اتصل بي" .. هل ممكن أن أتصل من جوالك ........... لو سمحت ..

نظر لها قصي مستعجباً .. يا لها من فتاة .. يا لها من ساذجة .. بل إنها مسكينة .. كيف أُلقي بها في عالم الوحوش هذا .. بل كيف تركتها أمل تلك الحيوانة بهذه البساطة ..

هدأت ثورة قصي .. وأحس بالألم لها .. أحس بالماضي الذي راح يعتصره كثعبان سام .. وراحت نغمات حزينة تسري في روحه .. وراحت عينه تتقلص .. وزفرة حارة من صدره تخرج لتنفث معها ألماً لا يحتمل ..

وصور تمر في رأسه سريعة .. الحديقة .. "أنا التي كنت ........ " .. ذهول كبير ..

شد قصي على قبضته بمنتهى العنف ..

ثم التفت إلى ياسمين بابتسامة أخت كل الجحيم الذي به وقال لها : هل تحبين الـ Cinnamon ؟

فنظرت فيه ياسمين وقالت : ما هو هذا السينمون؟

ابتسم قصي وهي يستعجب من انغلاق هذه الطفلة الكبيرة .. التي لم يلوثها جنون الحياة العصرية .. ثم قال لها : سأريك إياه الآن ..



وبعد دقائق .. كان قصي مع ياسمين وفي يديه علبتين من حلوى القرفة ذات النكهة الشهية .. جلسا في الطاولة الموجودة أمام المحل .. ثم وضع قصي علبة أمامها .. ثم فتح علبته .. وقال لها : وكيف سوف تتصرفين مع أحمد؟

نظرت فيه وقالت : ألست غاضباً مني ..

أخذ قصي أول قضمة من الحلوى وقال : لقد اعتذرت .. وبما أنك غريبة من جدة .. لن أستطيع أن أتركك وحدك .. ليس قبل أن تأتي ابنة خالتك .. تلك تحتاج إلى تأديب ..

ابتلعت ياسمين ريقها وقالت : لم ؟

فقال قصي : كيف تتركك مع رجل غريب .. قابلته لتوها .. من أجل أن تذهب مع فتى آخر .. هذه حقارة ..

لم تستطع ياسمين أن تدافع عن ابنة خالتها أمام قوة شخصية قصي .. واكتفت بالصمت ..

نظر لها قصي وقال : هل تحبين أحمد؟

قالت ياسمين وهي تنظر في العلبة إلى الأسفل : لا أعرف .. لم أحس بأن هناك من يهتم بي هكذا من قبل ..

ثم التفتت إلى الناحية الأخرى وقالت : أريد أن أرجع إلى المدينة .. وأنا لا أعرف كيف سوف أتصرف .. ولا أعرف ما أفعل .. ليس لدي من أستشيره حتى .. وأمل تقول لي بأن أنساه .. ولكنها لا تشعر بما في .. أحس أني وحدي جداً ..

أغمض قصي عينيه .. وكأنما أصابته هذه الفتاة في الصميم .. كم يكره قصي هذه الكلمة .. وحدة .. كم يحس بها تقتله .. كم يحس بها كحمض يغزو كيانه ..

نظرت فيه ياسمين مرة أخرى وقالت : لا أعرف لم أقول لك كل هذا ..

ثم راحت دموعها تقطر من عينيها ..

نظر قصي إليها .. وهو يحس بإشفاق بلا حدود .. إلى هذه المسكينة .. التي ابتلاها الله بقريبة مثل أمل ..

مد قصي لها منديلاً .. فمسحت ياسمين دموعها .. ثم أحست بنكهة ساخنة قريبة من أنفها للقرفة تندفع وبقوة ..

نظرت .. فإذ بقصي يفتح لها العلبة .. ويمد لها شوكة مبتسما وهو يقول : كلي قبل أن تبرد الحلوى .. إنها لذيذة ..



المشكلة أنهما أمام كل الناس .. دون أي مشاكل .. لقد بات من الصعب .. أن يعرف الواحد منا من يمشي مع أخته .. ومن يمشي مع صديقته .. ربما الزينة الزائدة عن حدها تعتبر أول دليل على مثل هذا الفجور ..

مشكلة أن يأمن كل من الشاب والبنت .. أنهم بعيدون عن العقاب .. مشكلة .. أن يقر المجتمع على مثل هذه الظاهرة .. دون أن يكون هناك رادع ..



نظر فيها قصي .. وهو يضع الشوكة البلاستيكية في فمه وهو يقول : ما بك ؟

نظرت فيه ياسمين وقالت : أنا خائفة ..

فقال قصي : مم ؟

ضمت شفتيها .. وحركتهما ثم وقالت وهي تنظر للأسف : منك ..

لم تبدو الدهشة هذه المرة على وجه قصي .. فهو الآن يعلم من هي هذه الفتاة .. يعلم أنها أنثى .. لم تتقذر .. لا زالت فاكهة طازجة .. ليست لها الخبرة في التعامل مع جنون الحياة ..

ثم قال لها : ياسمين .. لست بحاجة أن تخافي .. فأنا لن أؤذيك ..

حدقت فيه ياسمين وقالت : ولم أصدقك ؟

ابتسم قصي وقال : ستصدقيني يا ياسمين .. وأنا أعدك .. لأني لن أخدعك .. ولن أكذب هذه المرة .. وسأكون بجوارك ..

نظرت فيه ياسمين وهي لا تفهم .. لم تفهم .. أن الخبير سيكون معها ..



لقد قرر قصي .. أن يساعد هذه الفتاة .. لقد قرر قصي .. أن يلعب دور المصلح هذه المرة ..

لقد قرر .. أن يخلصها من تفاهتها .. لتعرف كيف هي الحياة تمضي .. بعيداً عن هذا الوحل .. بعيداً عن الحياة الملعونة .. بعيداً عن شياطين الإنس .. بعيداً عن مواخير الأسواق .. والمطاعم .. وأن يلقن أمل تلك .. درساً لن تنساه في حياتها .. حتى تتوقف عند حدها .. وعن عبثها بالفتيات العاديات .. حتى يشاركنها مستنقع الخطيئة ..



ترى ما الذي حصل ؟

وما الذي سوف يفعله قصي ؟



وكيف ستغير هذه التطورات في القصة ..





الخميس

16/رجب/1427

11:23 صباحاً





الجزء الرابع

الفصل الثاني





هذا هو قصي .. يجلس .. في غرفته .. وعلى مكتبه الجميل .. وهو يستمع إلى الموسيقى عبر السماعات الكبيرة في أركان الغرفة .. بشيء من الاستمتاع .. وكأنما الكون كله في مكان آخر غير ذلك الذي يجلس فيه .. والنغمات .. تدخل إلى أذنيه .. وتنصهر في حوض روحه .. لتجعله سحابة بيضاء .. تسمو نحو السماء .. دون قيود أو حدود .. ورائحة القهوة التركية التي يشربها .. تجعله في قمة النشوة الفكرية ..



وراح يفكر .. في ياسمين .. تلك المسكينة .. تلك الطفلة التي ألقت بها الظروف في يد شيطانة آدمية مثل أمل .. استطاعت بقوة شخصيتها .. أن تجعل ياسمين تسلك معها في مزالق الخطايا ..

وراح يطالع كوبه الذي شارف على الانتهاء .. وعلى بقايا البن في قاع الكوب .. التي تمايلت فوقها القهوة تجعل البن يتلألأ .. كما لو كان رمل الشاطيء في الليل .. تقبله أمواج البحر ..



وراحت به الذكرى .. تأخذه إلى هناك البعيد ..

كل شيء له بداية .. كل قصة تخرج من نقطة .. كل حكاية .. لها منطلق ..

بالتأكيد لم يولد قصي ومعه هذه الخبرة .. ولم ينشأ مثل دون خوان أو كما يسمونه الدنجوان .. بتلك المقدرة السحرية على إغواء الفتيات ..

بل مر بمراحل .. وتطور .. حتى أصبح قصي الذي هو عليه اليوم ..



راح قصي يفكر في إن تركت ياسمين مع أمل .. فإن هذا سيكون الطريق لتكون هي الأخرى خبيرة ..

إلا أن المجتمع .. قد يتقبل الخبير .. ولا يتقبل الخبيرة ..

المجتمع .. قد يغفر الزلات للرجل ولا يغفرها أبداً لامرأة .. وتلك نظرية خاطئة .. لا تتسم بأي مقدار من العدل .. ولكنها موجودة .. ومُعاصرة .. تجعل الفتاة كما يعبرون عنها عود كبريت .. يشتعل لمرة واحدة ..



وراح قصي يحادث نفسه : ترى ما الحل؟

لا بد أن تكون الخطة الأولى .. أن يفرق بين أمل وبين ياسمين ..

نعم هذا هو أهم شيء في الموضوع .. بل إن هذا رأس الموضوع ..

ولكن كيف سيلقن أمل درساً لن تنساه .. كيف سيعلمها الأدب .. ويربيها من جديد .. وهي عود كبريت محترق في نظره ؟ لا تهتم لشيء .. ولا يفرق معها شيء .. إنها بالتأكيد .. لن تهتم كثيراً .. إن جعلها تحبه .. ثم تركها لغيره .. لأنها سوف تجد في اللحظة التي تلي فراقه بها .. عشرة رجال آخرين ..

على كل .. لا تستحق هذا الفتاة .. أن يجعلها ضمن قائمة "الكلاب العشرة" .. لأنها حتى الآن .. لم تفعل شيئاً كبيراً يدخلها تحت ذلك النطاق المرعب .. كما أنه لتوه خرج من المستشفى .. وإن قام بذلك .. سيتعب جداً ..





حسناً .. ياسمين سوف تعود إلى أهلها بعد أسبوعين .. وترجع إلى المدينة .. ولكن المشكلة .. أنها إن بقيت في يد أمل هذين الأسبوعين .. فلن ترجع ياسمين .. التي يعرفها أهلها .. لقد خاضت لتوها وبسرعة تجربة حب سريعة .. أين ستلقي بها أمل مجدداً ؟ إنه لن يسمح بهذا أبداً ..

لا يدري قصي .. لم هو مهتم لأمر هذه البنت؟ هل لأنه فقط قرر أن يساعدها .. وبذلك .. فرض على نفسه واجباً .. لا بد أن يفعله على أتمه .. أم لأنها تذكرها .. بذلك البعيد؟

على كل لا يهم كثيراً .. المهم .. أن ينتهي من هذا الأمر على الطريقة المثلى .. وأن يحقق الهدف المنشود ..





إنه الخبير ..



رفع جواله .. وراح يبحث عن رقم ياسمين .. ثم ضغط بالعصا الصغيرة المرافقة للـ i-mate واتصل عليها ..

وعندما ردت ياسمين .. قال لها : أهلا ياسمين .. كيف حالك ؟

ردت ياسمين : أنا .. بخير ..

ثم أحس قصي أنها تحاول أن تكون أكثر جرأة وقالت : كيف حالك أنت ؟

تجاهلها قصي .. وقال لها : هل أستطيع أن أقابلك اليوم في "جافا"؟

وجافا هذا .. مقهى .. مشهور بمثل هذه المواعيد الغرامية .. ويشتهر بقلة الأدب .. إنه مكان .. غير لائق للناس المحترمين ..

ارتبكت ياسمين قليلاً .. ولكنها قالت : سوف أرى ..

ولأول مرة .. ينتظر قصي .. بحق أن توافق فتاة على مقابلته .. إنه يريد بها خيراً هذه المرة .. ولن يحاول أن يلعب إحدى ألاعيبه المعتادة .. وبالتالي .. لم يحاول أن يضغط عليها كثيراً .. ولكنه كان يريد لقائها ..



انتهى من مكالمتها .. ولكن لم تمضي أكثر من ثلاثة دقائق .. حتى ردت عليه ياسمين .. وقالت له بأن أمل سوف تخرج مع عمار .. وسوف تتركها في التحلية مول ..

فقال لها : لا بأس سأكون هناك ..

وبعد ساعة .. كان في التحلية مول .. كان على غير العادة يلبس ثوباً أصفر اللون .. عليه تطريز خفيف ولكن ينم عن ذوق أخاذ .. على ياقته وعلى الأكمام المفتوحة .. وحذاء أسود فخم .. ذو قاعدة عالية .. وساعة جلدية .. تلمع الفصوص الماسية على رباعية ثلاثيات أرقامها 3..6..9..12 ..

وبعد دقائق .. كانت ياسمين موجودة ومعها أمل .. وكأنما ذاتهما قبل أيام .. نفس العباءة المزركشة ذات الوردة الفيروزية .. والأخرى ذات الخطوط الحمراء القانية ..إلا أن ياسمين هذه المرة كانت تضع مكياجاً خفيفاً وتبدو بعض من تقاطيعها الحلوة .. كانت ياسمين .. مبتهجة بعض الشيء .. إنها حماسة المقابلات الأولى التي كان قصي يحفظ تفاصيل العروق التي تظهر فيها ..

أما أمل .. فكانت عيناها تبحث هنا وهناك ولا تستقر على شيء .. وكأنها تعرف كل من في السوق .. يبدو أنها لم تترك مركزاً تجارياً .. إلا ودخلت فيه .. وحفظت من فيه من الشباب .. إنه نوع من البنات .. يجبرك على احتقاره .. وعلى الخوف من مسه .. حتى لا تصيبك بالنجاسة ..



ولكنها لما رأت قصياً هذه المرة .. كانت نظرتها له مختلفة .. كانت تنظر فيه بقوة .. وهذا ما ابتسم له قصي في نفسه .. يبدو أن الغنى يروق لهذه الفتاة .. ويغير في تفكيرها .. إنها إذن من ذاك النوع الذي لا يتوارى .. عن الطلب وبكل وقاحة من أصدقائها من الشباب ما تريد .. كأنها حيوان رمّي .. يعيش متطفلاً على بقية الكائنات ..

جيد .. هكذا .. سوف تسهل عليه المهمة أكثر بكثير .. لقد كان قصي يجرب مفاتيح أبواب البنات ويبدو أن الحظ حالفه في المرة الأولى .. أو إن قلنا أنه صار يخمن نوع الفتاة .. لكنا أقرب للصحة ..

وراحت أمل تتكلم معه على غير العادة .. وتفتعل الضحكات .. بطريقة مبتذلة .. وقصي يبتسم في سخرية .. وفي عيون تخفي وراءه الكثير .. أما ياسمين .. فلم تتكلم بكلمة .. ولكن الانزعاج كان واضحاً في عينيها .. وكأنما تقول بلسان حالها : إنه لي .. فلم تتحدثين معه ؟

وبعد دقائق .. كان جوال أمل يصدر نغماته .. نظرت أمل في الجوال .. ثم قالت : يوووووووه .. إنه عمار ..

سحبت إحدى شفتيها في انزعاج .. ثم التفتت إلى قصي وقالت : لا بد أن نتقابل مرة أخرى .. ما رأيك في المرة القادمة .. أن نذهب سوياً إلى مطعم ما أو إلى أي مكان تحب؟

ابتسم قصي وقال : ولم لا ؟

وبعد دقائق .. كانت أمل قد ذهبت وكانت ياسمين مع قصي .. خيم عليهم صمت لدقائق .. فقال قصي : ما رأيك أين نجلس ؟

فقالت له ياسمين وهي تنظر فيه بعيونها الكحيلة : ألم تقل أننا نريد الذهاب إلى "جافا"؟

نظر فيها قصي .. وابتسم بسخرية .. وقال : وأنت هكذا بكل بساطة تخرجين فيها مع أي شاب بالسيارة إلى أي مكان؟

ارتبكت ياسمين ولم تعرف ما تقول .. ولكنها كانت تحدق فقط في قصي .. الذي قال : كم مرة خرجت مع شاب في السيارة؟

قالت ياسمين بتردد : ولا مرة ..

بدت من قصي نظرة قاسية .. ممزوجة بقلق وهم .. إنها نظرة تلوح في أعين إخوتنا الكبار حين يريدون منا أن نتعلم أمراً ما .. ثم قال لها : أتعرفين ما هو "جافا"؟

فقالت له : مطعم .. أظن ؟

فقال لها قصي بغيظ : أيضاً لا تعرفين أنه في الأساس كوفي شوب؟! تعالي ورائي .. يبدو أنك سوف تتعبيني كثيراً ..

مشت ياسمين من وراءه منصاعة .. لا تعرف كيف تتصرف .. قادها قصي إلى مقهى صغير .. وجلس معها في الطابق الثاني بجوار النافذة التي كانت تطل على بهو السوق.. وطلب لها آيس تشوكلت .. وقهوة تركية بالطبع لها ..

كانت الطاولات مربعة .. قصيرة .. عليها مربعات بيضاء وبرتقالية باهتة .. ويفصل ما بين كل جلسة وأخرى .. جدار قصير .. على حافته أصيص مستطيل عريض ..

وراح يتكلم معها وبدأ بهجوم مباشر: أبكل هذه البساطة تقبلين أن تخرجي مع فتى ؟ ألا تعلمين ما يفعله الأولاد بالبنات .. إن أي أحد يمكن أن يخطفك بكل بساطة..

لم ترد ياسمين .. ولكنها اكتفت بالنظر لقصي الذي تابع : ثم ما هذه الخرابيط التي تملأ وجهك ؟ تبدين كبنت قليلة الأدب .. تنتظر أن يرقمها شخص ما ..

ولكن ياسمين .. راحت تنظر بعيون مفتوحة على اتساعهما دون أن ترد بكلمة .. وراح خط رفيع جداً .. يتلألأ على عينيها من الأسفل ..

فقال قصي : أأنت بلهاء لهذا الحد ؟

هنا .. نزلت الدموع من عيني ياسمين وقالت : لم توبخني هكذا ؟ ماذا فعلت لك ؟

انتبه قصي .. أنه قد أفرط وأثقل عليها .. ولكنه قال على ذات الوتيرة : إنها الحقيقة ..

فقالت ياسمين .. وهي تدافع عن نفسها باستماتة : وكيف سأتعرف إذا؟

نظر لها قصي وقال : ومن قال أنك لا بد أن تتعرفي أصلاً؟

فقالت : كل البنات يتعرفن؟

فقال قصي : من الغبي الذي وضع في رأسك هذه الفكرة ؟

فقالت ياسمين : بلى كل البنات يتعرفن؟ أليست هذه الحقيقة التي لابد لي أن أعيش بها ؟!

ثم راحت تنظر إلى الزجاج ودموعها تنزل وهي تقول : لن أبقى طوال عمري .. والناس تقول عني بالصغيرة التي لا تفهم أي شيء ..

قال لها قصي : وهل بتعرفك على الأولاد .. تصبحين كبيرة؟ وتصبحين الفتاة الناضجة .. انظري حولك جيداً .. وافتحي عينيك ..

وراح يشير لها بأصابعه إلى عدة فتيات وهو يقول : أهذه الفتيات المحترمات .. يردن الترقيم؟ إنهن على الأقل لم يكتبن على وجوههن بالأصباغ .. والأحمر والأزرق .. أنا هنا .. تعال ورقمني ..

ثم فرقع بإصبعيه .. وقال : استيقظي يا ياسمين .. وأفيقي من هذه الأفكار الغبية .. وفكري في سمعتك .. فتاة .. فكري فيما يريده الشباب منك ؟ فكري في العار الذي سوف تلحقيه بأهلك ..

نظرت له وقالت : إنك تتكلم مثل مدرستنا في المدرسة ..

قال لها وهو يبتسم بسخرية : يبدو أنك إذا لم تتعلمي منها جيداً الدرس .. يبدو أنك تريدين أن تحترقي بنار العار .. حتى تفهمي الدرس جيداً بعد فوات الأوان ..

راحت تنظر فيه ياسمين وهي صامتة أمام كلمات قصي الحارقة ..

ثم قالت : ولكن أحمد كان يحبني ..

فقال قصي : ألا تفهمين بعد أنه يخدعك؟ كما يخدع الكثيرات ..

فقالت ياسمين : ولكنه لم يكن كاذباً ..

فرد قصي : لن تستطيعي أن تفرقي بين الصادق والكاذب هذه الأيام ..

ثم تابع قصي وهو يتكلم بجدية : ياسمين .. لقد قلت بأني سوف أساعدك .. ولذلك أنا أخبرك الحقيقة .. أخبرك بما لن تسمعيه من الأولاد ..

فقالت ياسمين : ومن قال لك بأن تساعدني؟

فقال قصي بقوة : لأنك ستجلبين العار لأهلك .. لأنك سوف توغلين رأس أبويك الذين وثقا بك في الوحل .. لأنك سوف تجعلين أقرب الناس لك لا يستطيعون أن ينظروا في وجوه الناس من الخجل ..

وهذه المرة بكت ياسمين .. بكت هذه الطفلة الصغيرة .. كان قصي قاسياً .. كان لا يرحمها .. ولا يبقي لها من الكلمات إلا ما يوجعها .. كان يوقظ فيها الضمير النائم .. كان يوقظ في نفسها الفطرة السوية .. وضعت رأسها في بين يديها .. وهي مستمرة في نزف الدموع ..

وكأن قصي يعرف أن أسلوب الصدام المباشر .. يخلخل الفكر .. ويوصل لحافة الانهيار من المعتقدات السخيفة .. أسلوب قاسي ولكنه أحياناً فعال ..

جاء النادل السوداني وقال : هل من مشكلة ؟

فقال له قصي ليلهيه : أريد ماءً بارداً لو سمحت ..

وبعد قليل .. رفعت ياسمين رأسها من بين يديها .. فقال لها قصي بصوت دافيء: حمام النساء من هناك .. تستطيعين أن تغسلي وجهك بالماء .. سأنتظرك ..

وكأنما ياسمين متعودة على السماع والطاعة .. ذهبت إلى الحمام .. وفي هذه الأثناء .. لم يضيع قصي وقته .. فتح جوالها الذي كان من نوع الفارس .. وبدأ يبحث بين الأسماء على أحمد .. ولكن عبثاً يحاول .. كانت كلها أسماء بنات ..

قال قصي في نفسه : يا لها من صغيرة خائفة ..

فتح قصي قائمة "السجل" .. بخبرة واعتياد على مثل هذه الحركات .. وحرك بالمؤشر على اليمين .. وهناك ظهرت القائمة التي تحتفظ بكل المكالمات الصادرة والواردة .. بكل التفاصيل الدقيقة ..

وراح يبحث عن الرقم الأكثر تكراراً في الأيام السابقة.. وضحك كثيراً عندما كان أكثر رقم تكرر من المكالمات الصادرة : أسماء الزهراني وأمل .. طريقة قديمة جداً لإخفاء أسماء الأولاد عن أعين المتلصصين .. ولكنها قديمة ..

سجل قصي هذين الرقمين .. وبعدها ترك الجوال كما هو .. وما هي إلا ثوانٍ فصلت بين ترك قصي الجوال .. وبين خروج ياسمين ..

جلست ياسمين .. وهي لا تتكلم .. وتنظر بعيداً عن ياسمين .. فقال لها قصي : هل تحبين الكتابة يا ياسمين ؟

نظرت فيه ياسمين وقالت : الكتابة؟

قال لها قصي مبتسماً : أجل الكتابة ..

فقالت ياسمين باستغراب : أبداً .. آخر شيء فكرت فيه في حياتي الكتابة ..

كان قصي يحاول أن يغير الموضوع .. إن هذه البنت طفلة .. بالفعل إنها طفلة .. لا تجيد التصرف .. إن أقل هزة تقلب مراكبها .. وأي كلمة تذهب معها .. وتنسى كل شيء قبله ..

واستطاع قصي في الخمس دقائق القادمة .. أن يغير كل شيء .. وأن يتبادل معها حديثاً ودياً حول أمور أخرى .. عرف منها أنها تحب تنسيق الزهور .. ولكنها لم تجد الفرصة المناسبة .. وراح قصي ينقل الحديث معها من وادي إلى آخر .. ووصل معها إلى المكان الذي يريد .. وصل بها الحديث إلى بيتها .. وكما توقع تماماً قصي ..

فياسمين .. تعيش في أسرة عادية من المدينة المنورة .. وتعتبر هي البنت الثالثة .. في وسط عائلة مكونة من أربعة بنات وولدين صغيرين ..

عرف منها قصي .. أنها انعزالية منذ كانت صغيرة .. لا تحب الاختلاط كثيراً بالناس .. وأن أبوها هو الذي ساهم في تعزيز هذه الشخصية الضعيفة .. بالجفاف الأسري .. وانعدام الحوار بين أفراد العائلة ..

كانت ياسمين تحكي قصة آلاف البيوت السعودية .. وآلاف البنات .. الذين لم يجدن أنفسهن .. ولم يجدن أحداً يسمعهن .. ولم يجدن إلا طريقة واحدة للتعبير عن مشاعرهن وعن أحاسيسهن .. وليجدوا من يحتويهن .. ومن يعطف ويحن عليهم .. ويلقون منه كلمة عذبة .. ويشاركهن أحلامهم ودموعهن ..

كشفت ياسمين عن حالة كلاسيكية لفتاة سعودية .. لم يجد أهلها التعامل معها بالطريقة المناسبة .. فآلت إلى مهالك الأقدار ..

وبعد أن فاض بها الكيل من السخرية من أهلها ومن معارفها .. عن هدوءها .. وعدم ملاحظة أحد لها .. وإحساسها بالعجز .. قررت أن تتغير .. واتخذت من أمل مثلاً أعلى لها .. لتسير على خطاها .. كيف وأمل شخصية قوية .. تستطيع أن تغير رأي عائلتها بعنادها .. ورعونتها .. وأحياناً بقلة أدبها .. ولكن ياسمين لم تكن تفرق .. كل الذي كانت تريده .. أن تتغير .. أي شيء .. غير ياسمين الحالية ..



دام الحديث حوالي ساعة .. قبل أن تتصل أمل مرة أخرى على جوال ياسمين .. فقالت لها بأنها سوف تقابلها عند أرماني ..

ولكن قبل أن تغادر ياسمين قال قصي : سأتحقق لك يا ياسمين من أحمد .. لنرى إن كان يحبك أو لا؟

نظرت فيه ياسمين وقالت : وكيف ذلك ؟

فقال : اتركي هذا الأمر لي؟

نظرت فيه وقالت : شكراً يا قصي ..

ابتسم قصي ابتسامة ساخرة وقال : ولكنك سوف تصدمين صدمة عمرك يا ياسمين ..

فقالت ياسمين بتوتر : ولم ؟

فقال قصي : الحقيقة دوماً مرة يا ياسمين .. وقبل أن أتحقق .. فأنا أعرف الحقيقة .. لأنها واضحة وضوح الشمس ولا تحتاج إلى تحقق .. ولكني سآتي لك بالدليل القاطع .. حتى تعلمي أي درب تسلكين ..

قالت ياسمين : لا تستبق الأحداث يا قصي ..

فابتسم لها قصي ..



بعد ساعة .. كان قصي في كبينة تلفون يتصل على رقم معين .. رد من الطرف الآخر .. صوت رجل وقال : ألو ؟

حاول قصي تبديل صوته وهو يقول : أحمد ؟

فرد الرجل بارتياب : نعم أنا أحمد .. من ؟

فأغلق قصي السماعة .. وابتسم .. وقال في نفسه : جيد .. قد وصلنا لك يا شيخ أحمد ..



وفي المنزل.. وعلى سريره .. كان يمسك بجوال آخر من نوع سوني أريكسون .. وهو يرسل رسالة إلى جوال أمل .. بكلمات عذبة رقيقة .. ولم يترك اسماً .. بل تركه بدون اسم .. وبعدها بدقائق .. أرسل رسالة أخرى .. واستمر هكذا .. إلى أن أرسل حوالي سبعة رسائل ..



ثم أغلق الأضواء ونام .. دون أن يفكر في شيء .. نام هذه المرة .. ولم تراوده كوابيس اليقظة ..

وقبل الظهر بقليل .. استيقظ قصي .. وفتح عينيه .. نظر إلى مخدعه .. كان يعاني صداعاً خفيفاً .. دخل الحمام .. واغتسل .. ثم خرج .. وصلى الصبح الذي فاته .. وهو نائم .. ثم جلس على كرسي مكتبه وأجرى بعض الاتصالات على مدير مكتب أبيه .. السيد ناظم ..

والسيد ناظم شخص يثق فيه قصي كثيراً .. فقد كان مديراً لمكتب والده منذ أكثر من عشرين سنة .. بل إن قصي وعى على الدنيا وهذا الرجل موجود .. وأكثر ما يسعد قصي .. أنه ينفذ الأوامر دون أن يسأل .. ولأنه يعمل في شركة أبي قصي العالمية .. فإن له نفوذاً واسعاً .. وعلاقاته العامة في غاية القوة ..

وبعد ساعة .. كان قصي يستلم فاكساً طويلاً جداً للغاية ..



وعلى المكتب .. جلس يحتسي القهوة .. وهو يطالع ما بين يديه.. ويدون بعض الأشياء في ورقة خارجية ..في شيء من الاهتمام .. كان يضع في فمه المحدد الفسفوري .. في اهتمام بالغ .. وبعد ساعتين من التدقيق ..



تمطى قصي في كرسيه .. وجلس ينظر في الورقة الأخيرة .. التي كانت خلاصة عمله .. ثم فُتحت عينيه على آخرهما .. وراح ينظر في قوة .. ثم قال : مستحيل .. أيمكن أن يكون ؟!

ثم ضحك قصي .. ضحك بقوة بالغة .. وقال : هكذا .. تكون اللعبة أسهل وأحلى .. هكذا .. تكون اللعبة أكثر روعة وجمالاً .. لم أكن أتوقع هذا أبداً .. بل من كان يتوقع ؟

وراحت في عقله .. تتشكل خطة .. محكمة في قمة الإبداع ..



ترى ما الذي اكتشفه قصي ؟

ما الجميل الذي أسعده بهذا القدر ؟

وإلام يهدف قصي .. وفيم يفكر .. وهل سينفذ خطته المجنونة ؟

سنعرف كل هذا في الفصل الأخير من الجزء الرابع ..
ولد باريس غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ايناس الدغيدى: " عمرو خالد " كان حبيب البنات... تحجبوا من أجلة وليس لله Tell him فضائح الفنانين والمشاهير 27 10-28-2010 05:48 AM
كلمات شعر حامد زيد قايد قصائد الشاعر حامد زيد نسمة رومانسية قصائد متحركة و منقوله 0 03-29-2010 02:58 PM
عائلة خالد بوصخر ترشي الطلاب من اجل التصويت لابنهم خالد coco_chanel رفوف المحفوظات 19 02-23-2008 12:37 AM
ابغى ترحيب جامد <<< جامد ولا سائل عضو قصــر الضيافة الرومانسية 8 11-14-2005 02:59 AM

الساعة الآن 07:46 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103