تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان



العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات عامة > منتديات اسلامية > يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم

يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم خطب اسلامية وتفسير لمعاني القران الكريم مع روابط للإستماع الى القران الكريم ومحاضرات توعوية اسلامية مع اضافة مكتبة اسلامية للكتب الاسلامية

][المجددون منذ وفاة النبي عليه الصلاة والسلام وحتى يومنا هذا][

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-09-2010, 04:15 PM   #1 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 

][المجددون منذ وفاة النبي عليه الصلاة والسلام وحتى يومنا هذا][




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



][المجددون منذ وفاة النبي عليه الصلاة والسلام وحتى يومنا هذا][



مقدمة

حدثنا ‏ ‏سليمان بن داود المهري ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏ابن وهب ‏ ‏أخبرني ‏ ‏سعيد بن أبي أيوب ‏ ‏عن ‏ ‏شراحيل بن يزيد المعافري ‏ ‏عن ‏ ‏أبي علقمة ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏فيما أعلم ‏
‏عن رسول ‏‏ الله ‏صلى ‏ الله‏ عليه وسلم ‏ ‏قال (‏ ‏إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) أبوداود- الملاحم – ما يذكر في قرن المائة

حديثٌ صحيح .

أخرجه أبوداود في السنن رقم4291 , وأبو عمرو الداني في الفتن 3/742/364 , والهروي في ذم الكلام ص246 , والحاكم في المستدرك 4/522 , والبيهقي في معرفة السنن والآثار 1/28/422 , ومناقب الشافعي 1/137 , وابن عدي في الكامل 1/123 , وابن عساكر في تبين كذب المفتري 51-52 , والخطيب في تاريخ بغداد 2/61 , والطبراني في المعجم الأوسط 6/323-324/6527 , وابن حجر في توالي التأنيس بمعالي إدريس ص46 , من طرق عن ابن وهب : أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن شراحيل بن يزيد المعافرى عن أبي علقمة عن أ[ي هريرة – فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه ( إن الله يبعثُ على رأس كل مئة سنةٍ من يُجددُ لها دينها ).


وقال شيخنا – أي الألباني – في صحيحه رقم1874 ( صحيح )

*وقال في الصحيحة رقم599 ( والسند صحيح , رجاله ثقات رجال مسلم )

قلت : وهو كما قالوا , وقد صححه الإمام أحمد كما في السير 10/46

وقد أعله بعضهم باختلاف الناس في تحديد المجددين , وأن كل طائفة تدعي أن إمامها هو المجدد , وتلك علةٌّ عليلةٌّ !! إذ المُجدد لا يشترط أن يكون واحداً فقط , بل يمكن أن يكون أكثر من واحد كما قال صاحب عون المعبود 11/164 وغيره .

قال الحاقظ ابن كثير – كما في كشف الخفاء 1/283 وغيره ( وقد ادعى كل قومٍ في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث والظاهر – والله أعلم – أنه يعمُّ حملةَ العلمِ من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء : من مفسرين , ومحدثين , وفقهاء , ونحاة و ولغويين , إلى غير ذلك من الأصناف )

قال الحافظ ابن حجر في الفتح 13/295 ( لا يلزم أن يكون في رأس كل مئة سنة واحد فقط بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة وهو متجهٌ , فإن اجتمع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوعٍ من أنواع الخير , ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخصٍ واحدٍ , إلا أن يُدعى ذلك في عمر بن عبدالعزيز فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير ، وتقدمه فيها ؛ ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه ، وأما من جاء بعده ؛ فالشافعي - وإن كان متصفاً بالصفات الجميلة - إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد ، والحـكـــم بالعدل , فعلى هذا , كل من كان مُتصفاً بشيءٍ من ذلك عند رأس المئة هو المراد , سواء تعدد أم لا )


قلت : فـ ( مَنْ ) تصلح للواحد فما فوقه , كما أفاده المناوي – أيضا – في الفيض 2/282 .


**وكأن ابن الأثير يضع السكين على المفصل حينما قال ( لا يلــــزم أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلاً واحداً وإنما قد يكون واحداً وقد يكون أكثر منه ؛ فإن لفظة (مَنْ) تقع على الواحد والجمع ، وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعـــوث : الفقهاءَ خاصة - كما ذهب إليه بعض العلماء - فإنّ انتفاع الأمة بغيرهم أيضاً كثير مثل: أولي الأمر ، وأصحاب الحديث ، والقراء والوعاظ ، وأصحاب الطبقات من الزهاد ؛ فـإن كـل قـومٍ ينفعون بفن لا يـنـفــــع بــــه الآخر ؛ إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء ، ويُتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولي الأمر . وكذلك أصحاب الحـديث ينفـعـون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع ، والقرّاء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايــات ، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا . فكل واحد ينفــع بغير ما ينفع به الآخر ... فإذا تحمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى ، وأبعد من التهمة ، فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعـــةٍ من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة ، يجددون للناس دينهم .

===================




















بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 04:27 PM   #2 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
الحمد لله رب العالمين، أنزل القرآن هدايةً للناس، وبعث الرسل رحمةً لهم، وخصَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بختام الدين، وجعله نورًا يَهْدِي به من تبعه إلى صراط مستقيم، وهو الإسلام القويم، فمن آمن بالله وعمل صالحًا، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهكذا جاء الإسلام راحةً للعقول من كثرة الأفكار في المعبودات والآلهة والتَّشريك، أو عبادة غير الواحد الحق، الذي له الملك وهو على كل شيء قدير؛ فقال تعالى في القرآن الكريم: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 58].

وعبادة الله وحده لا شريك له هي عقيدة المسلم وتوحيده، الذي يقبل الله به عمله، وبهذه العقيدة يحل له الحلال، ويحرم عليه الحرام كما جاء على لسان النَّبي - صلى الله عليه وسلم - نصًّا في القرآن أو السنة، فالتَّوحيد عنوان لقبول العمل، والتَّشريع ضابط لهذا العمل حتى يصبح عملاً طيبًا متقبلاً، ولذلك قال تعالى: {
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65].

وراحة العقل في الإسلام لو ضممت إليها راحة المنهج، واستقامة الاختيار بين الحلال والحرام لعرفت أنَّ الدين هو العاصِم للناس من التَّردي في مهاوي الإشراك، أو الوقوع بين براثن المحرَّمات التي تكثر يومًا بعد يوم، ويستفحل خطرها جيلاً بعد جيل، بعد أن حذَّر الله تعالى من ذلك بقوله سبحانه {
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].

فحاجة الإنسان المُعاصِر إلى الدين اليوم أكثر إلحاحًا، وأشد طلبًا؛ حتى تطمئن نفسه من خوفها، وتسكن جوارحه بعد تعبها في خِضَم الحياة الفسيح؛ فتسمع الآيات القرآنيَّة تناديه: {
وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 4-5]، {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16 - 17].

فطبيعة الحياة التَّغيير والتَّجديد، وطبيعة الإنسان النَّظر إلى المصلحة أينما كانت، والدين هو الذي يُوفِّق بين الدنيا بما فيها من إمكانات يحياها الإنسان، وبين الآخرة وما فيها من مكاسب ينتظرها الإنسان إذا ما سار على وفق ما رسمه له دينه، وحدَّده له ربه، فسوف يجني المصلحة التي يرجوها من رواء عمله ذلك، وهذا ما يختلف فيه البشر بين مُقَصِّر، ومنافق، كافر، ومسلم، ومحسن، وهو ما ذكره القرآن في قوله تعالى: {
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118 - 119].

وعصرنا هذا غريب، دعوات واتهامات، ومزادات ومؤتمرات؛ بل حروب ومجاعات، وأصناف من البلاءات التي تشبه الليل المظلم، حينما لا يدري الساري فيه أوله من آخره، وهي فتن تعصر الناس عصرًا، ومن بين هذه الدعاوى غير البريئة الإرهاب، وبخاصَّة في الإسلام، وأنا أتعجب! هل الإسلام كَلأ مباح لكل من هبَّ ودبَّ، يتَّهم من غير دليل، وينعت بما ليس فيه، ويلصق به ما ليس منه، وكذلك ظهر تغيير الخطاب الديني، وتغيير المناهج، وكذلك تجديد الدين حتى تكتمل الصورة، وتصبح ألوانها ظاهرة غير باهتة، وملامحها محدَّدة.

حاولت أن أدلو بدلوي في موضوع "
تجديد الدين" مفهومًا، وضوابط، وآثارًا، عسى أن أجلو ما علق على الساحة من غبار، أو تستبين لي الرؤية الواضحة في هذا الموضوع الذي تكلم فيه أصحاب الحق، وأرباب الباطل، فأصحاب الحق فيه يريدون تبصير الأمَّة الإسلاميَّة بحقيقة دينهم، وردهم إلى أصول اعتقادهم ردًّا جميلاً، من خلال ما جاء في القرآن والسنة وأقوال العلماء المعتبرة في صلاح الدنيا وعمارة الآخرة، وهذا واجب العلماء، فهم ورثة الأنبياء بعد انقطاع الوحي وثبوت الإسلام، وكمال شريعته، وتمام نعمته، التي ارتضاها الله تعالى لنا دينًا، فقال وقوله الحق: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

ولذلك يعرف العلماء خصائص الدين الإسلامي الذي يحوي ثوابت لا تتغيَّر؛ مثل: العقيدة، والشريعة، والعبادات. والأركان الخلقيَّة؛ مثل الصدق، والوفاء، الأمانة، وكذلك يحوي الدين الإسلامي متغيرات لا تثبت إلاَّ إذ اتَّفقت عليها المصالح، وحققت شروط الدين في كونه الحاكم على الأشياء، لا تحكم الموجودات عليه، ومن هنا وجد تغير العرف، وتغير الحكم، وتغير الفتوى، وتغير الفقه، وكذلك البيوع المستحدثة، والأنكحة الجديدة التي يقول فيها العلماء رأيهم بين حلال وحرام، أو ما يسميه العلماء تغيير الاجتهاد للمصلحة، ولا يجوز الاجتهاد مع وجود النَّص، سواء أكان النَّص قطعيًّا أم متواترًا، وكذلك المناهج الفكريَّة، والأساليب العلميَّة تتغير من وقت لآخر، والوسائل العلميَّة كذلك، فما كان إلهيًّا ومنزَّلاً من عند الله تعالى أو على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف نبدِّله أو نغيِّره، أو نحكِّم فيه عقولنا القاصرة، أو نظرياتنا المتغيرة؟! فهذا إلحاد صريح كما جاء في قوله تعالى: {
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40].

وأمَّا ما يكون من جهد الإنسان وعمل فكره؛ مثل: الفقه، والتفسير، ومناهجهم، فإنَّها تتغيَّر بتغير الزَّمان، وثبوت البرهان، فلا مانع من النَّظر فيها، وتغيرها كلَّما جدَّ جديد، أو طرأ طارئ يتطلَّب ذلك في حدود ما اتَّفق عليه العلماء من ثبوت المصلحة فيها، ومرونة الشريعة، وعدم تحجُّرها أمام مستحدثات العصر، أو مخترعات العلوم، أو مستجدات البيوع وغيرها، مع اعتبار الثَّوابت والمتغيرات التي تتغيَّر يومًا بعد يوم، فالتَّغيير مطلوب؛ ولكن الانسلاخ مرفوض، قال تعالى: {
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11].

فالحياة متغيرة، ومتطورة، وهذه طبيعتها، كذلك الاجتهاد والفقه، وأما الذين يريدون الانسلاخ عن الدين شيئًا فشيئًا بحجج واهية، وأدلة باطلة، فهؤلاء مثلهم مثل الذي قال عنه رب العزَّة سبحانه: {وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175].

ففرق شاسع بين التَّغيير وبين الانسلاخ، فالتَّغيير إلى الأحسن حسب مقتضيات الشَّرع، فإذا كان التغيير إلى الأحسن والأصلح فهو مطلبٌ شرعي، واجتهاد مأجور صاحبه، إذا كان مقرونً بالنيَّة الصَّادقة، مشفوعًا بالمحافظة على ثوابت الدين، ونصوص القرآن والسنَّة التي لا تتغيَّر، وألا يصادم نصًّا، أو يلغي حكمًا، أو يزوِّر دليلاً، والعلماء الأفاضل على مر الدهور، وكر الأيام والعصور - خير شاهد على ذلك في اجتهادهم، وعدم جمودهم على حرفيَّة النَّص؛ بل عملوا على تعرف علل الأحكام الشَّرعية ومقاصدها، أخذًا من قواعد الفقه، التي تنبئ عن تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة تبعًا لتغير عللها، ولتحقيق مصالح التشريع، فالعلَّة تدور مع الحكم وجودًا وعدمًا، فالعلماء لم ينقطعوا أبدًا عن الواقع المعاش ولم يجلسوا في أبراج مقفلة ثم يفتون الناس! ستجد المرونة، التَّطور، والحداثة، والمعاصرة، ومراعاة المصلحة، كل ذلك يسير برفقة الأحكام الثابتة للدين، والقواعد التي لا خلاف عليها في طريق واحد، ثمرته صلاح الدنيا، وحفظ الدين عن الأغراض والأطماع والانسلاخ، أو اتباع الهوى الذي حذَّرنا منه القرآن الكريم، وحذرنا أيضًا من أرباب الباطل، وإخوان الشياطين.

وقد استعنتُ بالله تعالى في الكتابة في موضوع
تجديد الدين بمنهج استقرائي، أفدت بما يتضمنه من تحليل وتعليل للظَّواهر المختلفة، وقد قسَّمتُ البحث إلى مقدمة وخمسة مباحث وخاتمة:
أما المقدمة: فقد بيَّنت فيها أسباب كتابة هذا الموضوع، وأهميته في عصرنا الحاضر وما بعده.
ثم المبحث الأول: وفيه تعريف تجديد الدين لغةً واصطلاحًا.
المبحث الثاني: وفيه ثمرة هذا الموضوع.
والمبحث الثالث: وفيه ضوابط التَّجديد للدين.
والمبحث الرابع: وفيه مجالات التَّجديد مع ذكر المجددين.
والمبحث الخامس: وفيه المفاهيم الخاطئة في تجديد الدين.
ثم الخاتمة: وفيها النَّتائج، والمصادر، والمراجع، والفهرس.










بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 04:29 PM   #3 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
المبحث الأول
تجديد الدين لغةً واصطلاحًا
تجديد الدين عبارة عن مركب إضافي من جزأين، الجزء الأول هو تجديد، وهو مصدر من الفعل جدد[1]، والجديد عكس القديم، وجدَّده أي صيَّره جديدًا، وهو مأخوذ من الجدة بالكسر ضد البلى، وأصله القطع، ومنه: جدد وضوءه أو عهده أو ثوبه؛ أي صيره جديدًا، وجدد الدين تجديدًا؛ أي أرجعه إلى عهده الأول كأنه جديد، بعدما أصابه من البلى والنقص، وهذا المعنى المادي يمكن أن يوصف به الدين تجديدًا، على سبيل الحقيقة أو المجاز، وهو المقصود في الاصطلاح[2] حينما يراد من تجديد الدين، المأخوذ من الحديث النبوي الشريف، الذي رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ الله يبعث على رأس كل مائة سنة مَن يجدد لهذه الأمة دينها))، والتجديد في القانون هو اتفاق يقصد به استبدال التزام جديد بالتزام قديم، مغاير له في عنصر من عناصره، فهو يقضي على التزام قائم وينشئ محله التزامًا جديدًا [3].

وهكذا التَّجديد الديني يقضي على التزامات غير ذات صلة بالدين؛ ولكن النَّاس التزموا بها خروجًا عن الدين وانحرافًا عنه، فجاء المجدد وأرجع الالتزام الصَّحيح في المكان الصَّحيح، حتى يصبح الدين كما كان قبل الانحراف، والخروج عن المقصود من الدين الذي هو الجزء الثاني من التَّعبير، والذي هو أساس الاعتناق، الدين الإسلامي الذي جعله الله تعالى أصل العبادة ومرجع الشَّريعة: {
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 19]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

فالأصل اللغوي من القطع للثوب لإصلاحه، وكذلك في الاصطلاح للدين، فلا تعارُض بين معنى تجديد الدين في اللغة والاصطلاح، فكل ما أحدث إنشاؤه فهو جديد، مأخوذ من القطع على وجه الإصلاح[4].

فالنَّتيجة التي تُنتظر من تجديد الدين: هو بيان السنَّة من البدعة، وكثرة العلم ونصرة أهله، وكسر أهل البدعة، وردهم عن غيهم، وهذا يكون بغلبة الظَّن بقرائن المجدد، والانتفاع بأحواله وعلمه، إحياءً لما اندرس من العمل بالكتاب والسنَّة[5]، وهذا هو المعنى المأخوذ من نص الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن أبي علقمة عن أبي هريرة فيما أعلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يبعث لهذه الأمَّة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها))[6].

قال العلقمي في شرح "الجامع الصغير": قال شيخنا: اتفق الحفَّاظ على أنَّه حديث صحيح، وقد نصَّ على صحَّته من المتأخرين أبو الفضل العراقي، وابن حجر العسقلاني، ومن المتقدمين الحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "المدخل"، وقال الحافظ المنذري: وعبدالرحمن بن شريح الإسكندراني ثقة، اتَّفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، فالحديث رُوِي من وجهين: وجه متَّصل، ومن وجه منفصل، أي موقوفًا ومرفوعًا، قال أبو داود: رواه عبدالرحمن بن شريح، ولم يجز به شراحيل، ورواه ابن وهب في "مستدرك الحاكم"[7]، وصحَّحه، وقد اعتمد الأئمَّة هذا الحديث.

قال العجلوني في "كشف الخفاء" [8]: رواه أبو داود عن أبي هريرة عن رسول الله، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" [9] عنه أيضًا بسند رجاله ثقات، وأخرجه الحاكم من حديث ابن وهب وصحَّحه، والديلمي في "الفردوس"[10]، والخطيب البغدادي في "تاريخه" [11]، فالحديث من حيث الصحَّة صحيح، قال السبكي في "طبقاته": وفي لفظ آخر للحديث ((في رأس كل مائة سنة رجلاً من أهل بيتي يجدد لهم أمر دينهم)) ذكره أحمد بن حنبل، وقال عقيبه: نظرت في سنة مائة فإذا هو رجل من آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنه - ونظرت في رأس المائة الثانية، فإذا هو رجل من آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإمام الشافعي - رضي الله عنه، قال السبكي: هذا ثابت عن الإمام أحمد - رضي الله عنه[12].

ورواية الحديث بهذا الشَّكل أضافت[13] قيدين جديدين على ما سبق من الروايات، وهما: أن المجدد من آل بيت النبوة، وتجديده يكون في أمور الدين التي تتغير، لا الثابتة، وإن كانت هذه الزيادة في الحديث الخاصَّة بكون المجدد من أهل بيت النبوة، غير متوفرة بعد ذلك في المجددين، ففي هذه الحالة، تعدُّ: ((من أهل بيتي)) في الإيمان أو العلم، لا النسب، والأمر في هذا راجع إلى تحقيق ضوابط التجديد التي يجب توافرها في المجدد الذي أجمعت عليه الأمة، تحقيقًا لمفهوم الحديث، ورعاية من عدم دخول من لا يحق له التجديد في المجددين، وخاصة في العصر الحديث الذي أصبح كل من تخلى عن الدين، وغمزه ولمزه مجددًا أو مطورًا في عرف من لا يرى للدين حدًّا.


=================














بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 04:31 PM   #4 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
المبحث الثاني
ثمرة التَّجديد
1 - التَّجديد في الدين هو تجديد للحياة، فالحياة دون دين لا قيمة لها، ولا هدف فيها، ولا سعادة ترجى من ورائها، فقد أراد الله للإسلام أن يكون هو دين الحياة، ونعيمها المستمر، الذي أصبح خاتمة الأديان والشَّرائع، وأن يكون لذلك دينًا عامًّا لسائر البشر، وباقيًا على امتداد الدهر، إرادة دلَّت عليها نصوص القرآن، وأيَّدها متواتر أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما لا يترك مجالاً للشَّك في نفس المتأمل.

فلا جرم أن قدَّر الله للإسلام التَّأييد والتَّجديد اللذين لا يكون الدَّوام في الموجودات إلاَّ بهما، فكما جعل في كل حي وسائل للدفاع عن كيانه، وهو ضرب من التَّأييد، وجعل له وسائل لإخلاف ما يضمحل من قوته بالتَّغذية ونحوها، وهو التَّجديد، كذلك جعل للإسلام حين أراد حياته وبقاءه، فالتَّأييد بالعلماء يذودون عنه ما يطرقه من التَّعاليم الغريبة عن مقاصده، والنَّظريَّات العجيبة والبعيدة عن أهدافه ومراميه، حتى تبقى مقاصده سالمة واضحة، وأهدافه ظاهرة سلسة، ومحجَّته بيضاء للسَّالكين لائحة، والتَّجديد بما نفحه من قائمين بدعوته، ناهضين بحجته، صياقل يجلون صفائحه البواتر، وزعماء بسرى الأساحر، وتأويب البواكر[14].

فما ذلَّ الشَّرق وانقطعت صلته بينبوع قوته، ومادة حياته، إلاَّ يوم جهل الناطقون بالضَّاد قدر أنفسهم، ونسوا رسالتهم العلويَّة التي كانوا بها ملح الأرض، فرفعوا أيديهم عن دفَّة السَّفينة، وتعطَّلت ألبابهم عن هداية القافلة، وهنالك استعجم الإسلام، ولا تعود إلى الشَّرق قوته وحياته إلاَّ إذا عاد إلى اغتراف إيمانه المحمدي من ينبوعه الأول من بين الصخور التي انفجرت عن مَعينه، وصفق عليها برحيقه السلسل، ولا يكون ذلك إلاَّ إذا اشتركت في حمل مشعله سواعد العرب، وسمع في حداء صوت أبناء العرب، بالإسلام يلم الشَّرق شعثه، ويستعيد قوَّته، وتنمو به أخلاق الرجولة، ويتأهَّل لمشاركة الأمم في حمل عبْءِ الحضارة، واحتلال المحل الشَّريف من صف القيادة.

وإذا دبَّ في الإسلام روح الحياة والتَّجديد، فعاد إلى ما كان عليه من صفاء وبهاء وصراحة في عصر السيادة، وفي أيام التابعين، فستجد فيه الإنسانيَّة دواءها من أوصابها، وسيتقي به البشر طغيان القوميَّات الذي يتمخَّض بمذبحة جهنميَّة تحترق بها الأرض، وإذا بقيت منها بقية بعد الحرب المقبلة، فستستعد لشر منها؛ بل أخطر، وإذا أبطأ على الناس شر القوميَّات وملامحها، فسيكتسحهم وباء العنصريَّة الذي يتغلغل في أجساد الأمم، وتقاومه الأمم بالعصبيَّات الحقودة الباغية، وهكذا يستشفي الناس من داء بداء، ويستجيرون من الرَّمضاء بالنار، ما لم يهتدوا إلى الإسلام، ويستشفوا به من داءاتهم وعللهم، وكيف يهتدون إلى الإسلام والمسلمون واقفون في طريقه يصدون الأمم عنه بمخازيهم وجرائمهم، وضعفهم ونفاقهم، وشحهم وحسدهم وشحنائهم، وكذبهم على الإسلام بأنَّهم أهله ودعاته؟!

تجربة جرَّبها آباؤنا مرَّة يوم باعوا نفوسهم[15] للهداية المحمدية، ووقفوا عليها مداركهم، وأفئدتهم وسواعدهم، ونقودهم وأسلحتهم، وسروا على ضوئها إلى مقاصدهم، ورجعوا إلى ميزانها في تقدير الأمور، فنجحت تلك التَّجربة النجاح كله، وما لبثوا أن رأوا النفوس التي باعوها لله، وكانت نفوس رجال من عامة الناس، عادت إليهم وهي نفوس ملوك، ورأوا مداركهم التي وقفوها في سبيل الله، صارت من أغزر ينابيع الحكمة، وأفئدتهم التي عمروها بالإيمان بالله أهلتهم لاقتحام العقبات، واختراق الآفاق، وسواعدهم التي حملوا بها ألوية الإسلام إلى أمم الأرض، تقدَّمت أمم الأرض لمصافحتها، ومساعدتها، ومسالمتها، ونقودهم التي بذلوها لإعلاء كلمة الحق عوضهم الله منها كنوز كسرى وقيصر، وأسلحتهم التي جرَّدوها لنصرة اليقين غدت ملاذ العز، وعنوان الفوز، ونقمة على الظَّالمين، حتى قال جوستاف لوبون بملء فيه: "ما عرفت الإنسانيَّة فاتحًا أحكم ولا أعدل من العرب".

وقد صدق قوله، وتحقق حدسه، فها هي الدول الكبرى تبتلع الصغرى والضعيفة؛ كالحيتان المجرَّدة عن الرَّحمة إلاَّ ما تأكله وتتغذى عليه، وكذلك "دعاة الديمقراطية الحديثة والعولمة الماكرة[16]، يكيلون بعدة مكاييل في الوزن الواحد"، فهذا بخس، وهذا خسف، وذاك رهق، على حسب الهوى والمصلحة، بلا رحمة أو شفقة، أو إنسانية كما يدعون، وهم منها براء.

2- ومن ثمرات الدَّعوة إلى التَّجديد في الدين: التَّمييز بين الشَّريعة والفقه، حتى يتمكَّن المجدد من تحقيق ما يصبو إليه من أهداف دون الخروج عن الدين بمصادمة النَّص، أو محاولة الزَّيغ عنه، أو الالتفاف حوله، أو تقييده دون مقتضى لذلك إلا من هوى النفس، أو تسلط الحضارة، أو تشهِّي التَّغيير والتَّطوير، قال د. وهبة الزحيلي[17] في سلسلة "حوارات لقرن جديد" في موضوع تجديد الدين: إن من ثمرة الدَّعوة إلى التَّجديد: التَّمييز بين الشَّريعة والفقه؛ أما الشَّريعة: فهي مجموعة الأحكام الآمرة أو النَّاهية التي تضمنها القرآن الكريم والحديث النَّبوي الثَّابت، وهذه الفئة لا تقبل التغيير والتبديل أو التجديد، أو النسخ أو الإلغاء أو التقييد دون دليل معتد به، أو برهان مقبول شرعًا.

وأمَّا الفقه الإسلامي: فهو بحسب تعريف علماء أصول الفقه: العلم بالأحكام الشَّرعية العمليَّة، المكتسبة من أدلتها التَّفصيليَّة؛ أي أدلة أو مصادر الاستنباط من قرآن وسنة وإجماع وقياس، واستحسان واستصلاح وعرف وقول صحابي، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع، واستصحاب، ونحو ذلك من وسائل، أو بعبارة أخرى: هو ذلك العمل العقلي الفني الذي يقوم به الفقهاء لتفسير الشريعة الإسلامية الغرَّاء، وفهم مرامي نصوصها، وحسن تطبيقها، وبخاصة مع وجود المشقَّة التي تجلب التَّيسير، فكلَّما ضاق الأمر اتسع، فالتجديد هنا مطلوب إعمالاً لمبدأ دفع الحرج، وللقاعدة السابقة.

وكذلك إذا كان الحكم الفقهي مجافيًا لمقتضى المصلحة والواقع، وكانت المصلحة من جنس المصالح المعتبرة شرعًا، ومراعاة مقصود الشارع بحفظ الدين أو العقل أو العرض أو المال، فيكون التجديد سائغًا، وكذلك المسائل حديثة النشأة، وليس فيها نص ولا اجتهاد معتد به، وما أكثرها في العصر الحاضر في الطب، والاتفاقات، وأوضاع النقل البري والجوي التي جدت، فتحتاج إلى فقه جديد أو تجديد في الدين بحسب الواقع ومراعاته مع الالتزام بالدين وقواعده والتزاماته.

3- وكذلك من ثمرات التجديد في الدين
: إيجاد البدائل الإسلاميَّة للمعاملات الحديثة التي كثرت الآن؛ مثل الاستصناع الموازي، والسلم الموازي، بحيث يتمكَّن الصَّانع أو المسلم إليه من إبرام عقد استصناع آخر أو عقد سلم آخر، يتفق مع العقد الأصلي في الأوصاف والشروط، وكذلك المرابحة للآمر بالشراء، ونقل الأعضاء، والموت الدماغي، والموت الرحيم الذي يقصد به إراحة المريض بإعطائه دواء يميته، أو يسرع في موته رحمة به، وقد أجازته بعض الدول، وكذلك إمامة المرأة، واستخدام الحامض النووي أو الوراثي (D.N.A) في إثبات النسب، ومدى فاعليته في توثيق الحكم من عدمه.

4- ومن ثمرات التَّجديد التي يعتدُّ بها: أنَّ التَّجديد ليس مقصودًا لذاته؛ لكن لما ينتظر أن يؤدي إليه من خير يصيب الجماعة الإنسانية في معاشها وسعيها، وعلاقات أفرادها بعضهم ببعض، إن التجديد تفكير وتدبير وعمل، وغايته النفع العام بما يحفظ على الناس الدين والعقل والنفس والمال والنسل، فإذا نحا التَّجديد إلى إبطال ركن من هذه الأركان الخمسة عمدًا وقصدًا فهو إفساد غير مقبول، حتى ولو اتسم بسمة العلم واصطنع مناهجه، والمثال على ذلك[18]: تطوير الوسائل العلميَّة والتكنولوجيَّة للتَّغلب على آفة العقم في الرجال والنساء، فهذا تجديد حميد في الطب وعلم الحياة، ما دام المقصود به حفظ النسل وتنشيط الخصوبة، أما إذا تحولت التجارب في هذا الحقل إلى العبث بالجينات، والتلاعب باللقائح البشرية المجمدة لتغيير خلق الله، فإن ذلك يصبح فسادًا لا تجديدًا، وينطبق هذا المقياس على كل ما له صلة بنظام الحياة الروحيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، حيث إنَّ غاية كل تجديد يجب أن تنتهي إلى ما فيه صلاح معاش الناس وتيسير معاملاتهم على أساس المبادئ الخلقيَّة المتعارف عليها في الاجتماع الإنساني، وهي التي تسميها الشَّريعة الإسلاميَّة المعروف، ونقيضها المنكر في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].








=================










بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 04:33 PM   #5 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
المبحث الثالث
ضوابط التَّجديد
لقد ضمن الله تعالى لهذا الدين حفظه، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وإن لحفظ هذا الدين ثلاثة مقامات لا يمكن الاستغناء عنها:
المقام الأول: مقام الرجوع إلى أصل التَّشريع عند الإشكال، وهو مقام العمل بآية: {
فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].

المقام الثاني: مقام تجديد ما رثَّ أو بلي من أصول الدَّعوة، وهو مقام العمل بآية: {
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].

المقام الثالث: مقام الذَّب عنه وحمايته، وهو مقام قوله تعالى: {
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].

وكلا المقامين الأوَّلَيْن لا يفقهه إلاَّ الفقيه في الدين، وهو المجتهد العارف بالطرق الموصلة إلى الغايات المقصودة من التَّشريع الإسلامي، بحيث تصير معرفة الشَّريعة - وسائلها ومقاصدها - ملكة له، أي علمًا راسخًا في نفسه، لا تشذ عنه مراعاته، والإصابة فيه عند جولان فكره في أمور التَّشريع، وبمقدار ما يكون عدد هؤلاء الفقهاء مبثوثًا بين المسلمين تكون حالتهم قريبة من الاستقامة، كما يكون أمرهم صائرًا إلى التَّضاؤل بمقدار قلَّة وجود هذا الفريق بين أظهرهم، ففي الحديث النَّبوي: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله))[19]؛ قال البخاري: وهم أهل العلم، والحديث الآخر الذي جعل العلماء ورثة للأنبياء في العلم والتوحيد والتَّذكير، ((العلماء ورثة الأنبياء))؛ وهو حديث حسن.

ووجود هؤلاء العلماء في عصور عدم الاضطرار إليهم منَّة من الله تعالى على الأمَّة لتحسين حالها، ووجودهم في حالة اضطرار الأمَّة عصمة من الله تعالى، ولطف بها، لإنقاذها من التَّهلكة، ومساعدة لها على حمل الرسالة الخاتمة، والتَّنوير المستمر للكون، كلَّما أظلم جانب من جوانبه بانحراف أو شطط عن طريق الاستقامة، وحبل النَّجاة؛ فما أكثر الفساد في الكون، بخاصَّة ساعة غياب العلماء بعد انقطاع نزول الوحي وتمام الكتب بالقرآن.

فقد يحتاج الدين وأهله إلى الاجتنان بجُنة القوة لحماية الحق، وإقامة الشَّريعة، كما أشار إليه قوله تعالى: {
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25]، فذلك هو موقع المقام الثالث، لذلك منح الله تعالى الأمَّة مجددًا على رأس كل مائة سنة، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدد دينها))، وهذا التَّجديد له ضوابط:
1- أول الضَّوابط في تجديد الدين:
وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ إنَّ حياة الرسول وقاية للدين من الرثاثة[20]، وسلامة له من التَّخلف، فلا يحتاج إلى تجديد، فيتعين أن يكون ابتداء العد عقب وفاة الرسول، ليحمل لفظ ((الرأس)) في الحديث على ما يناسبه من الأولية بحسب المقام، فإن أول كل شيء بحسبه، وهذا التوجيه لمعنى الرأس هو الظاهر في كلام العرب، حيث إنَّ رأس الشَّيء أوله، ويكون الظَّاهر أنَّ رسول الله قال هذا الحديث في شأن المجدد في سنة عشر، أو في آخر حياته سنة إحدى عشرة من الهجرة، كما دلَّت بعض الأحاديث على كثرة ذكر الرسول في آخر حياته من أقوال تُؤذِن بقرب انتقاله؛ تمهيدًا للمسلمين بتلقي مصيبة وفاته بصبر وجلد، وتنبيهًا لهم ليستعدوا إلى سد ما تعقبه وفاته من ثلمة في أمور الدين، حتى عُدَّت وفاته أول علامات السَّاعة، وقال آخرون[21]: الأخذ بمبدأ العد من هجرة الرسول لا من وفاته، أو من وقت قوله لهذا الحديث السابق عن أبي هريرة في المجدد، فيكون رأس المائة عند تمامها لا أولها.

وكذلك من قال إن أبا بكر الصديق أول من جدد الدين بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم، إلا أني أميل إلى قول من قال رأس المائة: أي أولها؛ ولذلك ردَّ على السبكي رأيَه العلامةُ محمد الطاهر بن عاشور بقوله: إن من يعد المجدد من وقت الهجرة، قد أخطأ فيه لأمرين:

أحدهما: إناطة ذلك بوقت ظهوره أو انتشار أمره، وقوة عمله في تجديد الدين؛ كما يفصح عنه لفظ ((يبعث)) الواقع في الحديث الذي هو بمعنى يقيم، ولفظ ((يجدد)) المقتضي أن يكون معظم حياة المجدد في رأس القرن؛ إذ العمل من أثر الحياة، لا أثر الموت.

وثانيهما: إن جعل ابتداء عد رأس القرن من يوم الهجرة، وشأن العد أن يكون من يوم الوعد بذلك، فإن اعتبار سنة الهجرة مبدأ للقرون الإسلاميَّة أمر اصطلح عليه المسلمون، بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فكيف يُفسَّر به كلامٌ واقع قبل ذلك بسنين؟!

ولذلك فالرأي المجمع عليه أن المجدد الأول بعد وفاة الرسول هو عمر بن عبدالعزيز الخليفة الخامس، الذي وافقت وفاته بعد القرن الأول بسنة واحدة كما هو معروف، وهذا يناسب رأي من رجح أن تكون رأس[22] السنة أو رأس المائة أولها، وعلى ذلك سار معظم مَن شرح الحديث[23]، إنما الشرط في المجدد أن تمضي المائة وهو على قيد الحياة، يشار إليه بالعلم، ونشر السنة في كلامه، وقمع البدعة في بيانه للناس، وهذا ما قرره ابن الأثير، والطيبي[24]، وغيرهما ممن جعلوا حياة المجدد بعد المائة شرطًا لكونه مجددًا، أي بقاءه حتى آخرها، فعلى هذا من وجد فيه جميع صفات المجدد إلا أنه لم يبق بعد انقضاء المائة، بل توفي على رأس المائة الموجودة قبل المائة الآتية بخمسة أيام مثلاً، فلا يكون مجددًا.

قال صاحب "عون المعبود": لكنه لم يظهر لي على هذا الاشتراط دليلٌ - ولا أنا كذلك - فلعلَّ هذا القيد احترازي، وليس اتفاقيًّا، وهو الظاهر في القيد أن يكون احترازيًّا، حتى يخرج عنه من كان داخل المائة، أو في وسطها من المجددين الذين كانوا أفضل من المجدد الذي كان على رأس المائة سنة؛ لذلك قال صاحب "عون المعبود": نعم لو ثبت كون قيد الرأس اتفاقيًّا بدليل صحيح، لكانت دائرة المجددين أوسع، ولدخل كثير من أكابر المشهورين المستجمعين لصفات المجددية في المجددين؛ كالإمام أحمد بن حنبل، والبخاري، ومالك بن أنس، ومسلم النيسابوري، وأبي داود السجستاني، وغيرهم كثير من أئمة العلم وحفاظه ورواته[25]، وإن كنت أرى أنه لا تنافي بين من جعل رأس المائة سنة أولها أو آخرها؛ إذ العبرة بوجود المجدد داخل المائة سنة وبقائه بعد انتهائها بسنة أو بأكثر، كما وجد عند عمر بن عبدالعزيز 101هـ، والشافعي 204هـ.

وهكذا جاء في "مرقاة الصعود" نقلاً عن ابن الأثير، إنما المراد بالمذكور ((مَن يجدد)) مَن انقضت المائة وهو حي معلوم مشهور ومشار إليه[26]، قال الكرماني: إنما خصص المائة، وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه، ولما كان ربما يتوهم متوهم من تخصيص البعث برأس المائة أن العالم بالحجة لا يوجد إلا عندها، أردف ذلك بما يبين أنه قد يكون في أثناء المائة مَن هو كذلك؛ بل قد يكون أفضل من المبعوث على رأس المائة، وأن تخصيص الرأس إنما هو لكونه مظنة انخرام علمائه غالبًا، وظهور البدع، وخروج الدَّجَّالين، وفشو الفساد في أمور الدين، وانتشار الجهل، وتعظيم الدنيا، والحط من جانب الآخرة، وأعمالها الحسنة.

2- ومن الضوابط المأخوذة من نص الحديث:

أن البعث غير الإرسال، فمعنى ((يبعث الله من يجدد))؛ أي يقيمه وييسره لهذا المهم؛ لأن حقيقة البعث هي الإرسال، كما قال تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف: 19]، ثم تطلق مجازًا على الإقامة والتنصيب، قال تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79][27]، ومنه قولهم: بعث فلان إلى فلان؛ أي أرسل، وقولهم: بعث فلان بعيره: إذا أقامه في مبركه، وهو المراد هنا؛ لأن الله تعالى لا يبعث المجدد بأن يرسله؛ ولكنه يوفقه ويرشده ويهيئ له من الأسباب ما يعينه على تجديده في أمر الدين، الذي دخله نقص، أو شابه عيب أو خلل من ناحية أو أكثر، يستطيع المجدد أن يتولاها بنفسه أو مع غيره، من قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: ((من يجدد)) فمَنْ اسمٌ موصول، وهو صادق على من اتصف بعلته، وهو التجديد للدين، سواء أكان المجدد واحدًا أم متعددًا.

ومن هنا يفهم معنى التجديد، وهو إرجاع الشيء جديدًا؛ أي إزالة رثاثته وتخلقه[28]، وهو هنا مجاز في إيضاح حقيقة الدين، وتجريده عما يلصق به من اعتقاد أو عمل أو سيرة، ليس شيء من ذلك في شيء من الدين، في حين أن الناس يتوهمون شيئًا من ذلك دينًا، فيعملون به ويتركون الصحيح، الذي يأتي المجدد ليعيده كما كان أولاً، ولذلك جاء في بعض روايات الحديث زيادة ((أمر دينها))؛ أي شأنه وماهيته، ودين هذه الأمة الإسلام لا محالة، وهو اعتقاد وقول وعمل، وشريعة جامعة لذلك كله، فتجديد المجدد إرجاع هذه الأمور - أو بعضها - إلى شبابه وقوته وحدته.

فالإسلام يقوم على دعائم ثلاثة لا ينتظم أمره إلا بها:
الدعامة الأولى: وهي العقيدة الحقَّة، وهي أصل الإسلام، والمقصد الأعظم المسمى بالإيمان، والذي هو المدخل إلى التدين بدين الإسلام، ومبنى هذه الدعامة على صحة التلقي لما يجب اعتقاده في الإسلام عن الرسول - صلى الله عليه وسلم، ومن البراهين القاطعة التي يهتدى إليها بالعقل الراجح، والفكر الثاقب.

والدعامة الثانية: شرائع الإسلام التي لا يستقيم أمر الأمة الداخلة فيه إلا بمتابعتها؛ إذ فيها صلاح أمرهم في الدنيا بانتظام جماعتهم وسيادتهم، وبها صلاح أمرهم في الآخرة بسلامتهم من العذاب، من قول باللسان، وعمل بالجوارح، ويدخل فيها الضمائر القلبية، كمحبة المؤمنين، وسلامة الطوية، إلا أنها لما كانت آثارها أعمالاً، ألحقت بقسم عمل الجوارح، ومبنى هذه الدعامة على تلقي الشريعة من لفظ القرآن، ومن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعماله، وأفهام أئمة الدين الذين تلقوه صافيًا من شوائب الضَّلالات، حيث يكون هذا التَّلقي سالمًا من اختلال نقل الرواة، ومن سوء فهم المنتمين لحمل الشريعة، ومن دخائل الملاحِدَة، ورقائق الديانة.

وأمَّا الدعامة الثَّالثة: فهي جامعة الإسلام، المسمَّاة بالبيضة، وهي سلطان المسلمين وقوتهم، وانتظام أمرهم انتظامًا يقيم فيهم الشَّريعة، ويدفع عنهم العوادي العادية عليهم من المجاهرين بعداوته، والمسيئين معاملته من أتباعه الذين يحق عليهم المثل "عدوك العاقل خير من صديقك الأحمق"، ومبنى هذه الدعامة على إقامة الحكومة الإسلامية في عظمة وقوة ومنعة ونشر الإسلام بالفتوح الصالحة.

وقد رأى الصَّحابة القتال لإقامة جامعة الإسلام وهي الشريعة، ورد أهل العقائد الضَّالَّة المريدين حمل الناس على عقائدهم الضَّالَّة هذه، وكل هذه الدعامات موجودة إلا أن المجدد بثاقب فكره، ودقيق بيانه، وقوة حجته - يستطيع أن يعالج ما يراه قد دخله نقص أو شابه خلل، حتى يرد ما غاب من أحكام، ويستحضر ما نُسي من سنةٍ أو عملٍ فيه رضا الله تعالى، وموافقة عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فالمجدد مهيأ وميسر بأدوات وأساليب لا توجد عند غيره من الناس؛ ولكنَّه ليس رسولاً ولا نبيًّا، وإن كان عمله في أصل عملهم، ووفق منهجهم، إلاَّ أنهم أصحاب معجزات ووحي، وهو صاحب تجديد فيما أوحي إليهم، وهو القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة.

3- من الضوابط في تجديد الدين استمراريَّة التَّجديد وضمان وجوده:
وذلك لما كان التَّجديد هو إرجاع الدين إلى حالة الجدة؛ أي الحالة الأولى التي كان عليها في استقامته، وقوة أمره، ولا يوصف شيء بالجديد إلا إذا كانت متماسكة أجزاؤه، واضحًا رواؤه، مترقرقًا ماؤه، ويقابل هذا الجديد الرثيث؛ والرثاثة انحلال أجزاء الشيء وإشرافه على الاضمحلال، وقد أفصح قول الشاعر عن هذا المعنى:
قَدْ كَانَ رَثًّا هَوَايَ فَابْ تَسَمَتْ فَرَدَّتْهُ جَدِيدَا

وهذا الدين قد أظهره الله تعالى ونصره، فتكامل أمره، وتم حكمه، حين قال تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3]، فكان في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيِّنًا واضحًا قويًّا، لا يتطرق إليه تضليل، ولا يحول دون نفوذه قوي ولا ضئيل، ذلك الكمال في أمور العمل به، وتحقيق مقاصده، ونصره وإقامته، وانتشاره وزيادته، وسهولة بثه بين الناس، ودفع النوائب التي حلت بالإسلام، وإذا استمرَّت أفضت إلى طمس معالم الدين، أو فساد الإيمان، أو ذهاب سلطانه.

ولكن قد تمتد إلى هذا الدين يد الضَّعف والرثاثة من إحدى نواحي جدته، فهو لا يرث من جميع نواحيه، فالله قد ضمن حفظه؛ ولكنه قد تتسرَّب إليه أسباب الرثاثة[29] والضعف من إحدى النواحي، فيشاهد الضعف فيها، والعجز من قِبَلها، فيبعث الله تعالى له مَن يجدده بأن يزيل عنه أسباب هذا الضَّعف، ويصلح الخلل، ويرده جديدًا كما كان، ناصعًا ذا برهان، وخاصة أنَّ المدَّة التي حدَّدها الرسول - صلى الله عليه وسلم - كفيلة بذلك، فمائة سنة تنطوي فيها ثلاثة أجيال، ويكثر أن يتسلسل فيها البشر آباء وأبناء وحفدة، فإذا فرضانا كمال الدين، وتمام أمره كان في عصر الآباء عن مشاهدتهم أمره.

كما نفرضه في عصر النبوة حين شاهد الصَّحابة الدين في منعة شبابه، جاء الأبناء فتلقوا عن الآباء صور الأمور الدينيَّة عن سماع وعلم دون مشاهدة، فكان علمهم به أضعف، ومن شأن الجيل الجديد إحداث أمور لم تكن في الجيل السابق؛ لكنهم يغلب عليهم ما كان في الجيل السابق، فإذا جاء جيل الحفدة تُنوسيت الأصول، وكثر الدخيل في أمور الدين، فأشرف الدين على التغيير، والأمر خطير، فيبعث الله تعالى مجددًا يجدد أمور الدين؛ تحقيقًا لما وعد به من حفظ هذا الدين، وصيانته من التغيير.

وهذا التيسير الإلهي بقيام المجدد على رأس كل مائة سنة تجديد مستمر، وتقويم مضمون، وقانون منضبط، وهو لا يمنع من ظهور مجددين في خلال القرن الواحد ظهورًا غير منضبط، فقد ظهر في القرن الأول علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وعبدالملك بن مروان، وعمر بن عبدالعزيز، وظهر في خلال القرن الثاني الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأشهب من أصحاب مالك[30]، وكل هذا[31].

والمجدد لا بُدَّ أن يعود عمله بإصلاح للناس في الدنيا: إما من جهة التفكير الديني الراجع إلى إدراك حقائق الدين كما هي، وإما من جهة العمل الديني الرَّاجع إلى إصلاح الأعمال، وإما من جهة تأييد سلطان الدين على الناس، ولا يخفى على ذي لب ما جاءت به صيغة (يبعث، يجدد)، من كونهما أفعالاً مضارعة تفيد الاستمرار في المستقبل لهذا الدين، وأنه محاط بالمجددين الذين يرسلهم الله تعالى على رأس كل مائة سنة؛ كي يُرجعوا الدين إلى عهده الغض، وصفاته الصَّحيحة، وأحكامه القويمة، مما يؤكد حفظ الله تعالى لهذا الدين، وحمايته من التَّحلل، أو الضَّياع، أو الجمود على مر العصور وكرِّ الدهور، وهي ميزة ينفرد بها الإسلام، كي يدوم صالحًا لكل زمان ومكان مهما اختلف الناس، وتغيَّرت الطبائع، وتنوعت المصالح، فهو الدين الخاتم.

4- من الضَّوابط أنَّ التَّجديد غير التَّدوين:
لقد صرَّح الحديث النبوي بأنَّ المجدد يبعثه الله، ويلهمه التَّجديد لأمر الدين لهذه الأمة الإسلاميَّة، فوجب أن يكون هذا المجدد قائمًا بعمل مثمر تجديدًا في هذا الدين، يؤهله لرتق ما فُتق من أمر الدين في زمنه، فإذا كان الفتق قد طرأ على ناحية من نواحي علم الدين تعيَّن أن يكون المجدد في تلك النَّاحية عالمًا يؤهله علمه لإدراك الدين الحق في الغرض المقصود، وإن كان الفتق قد طرأ على الدين من ناحيةِ وهن نفوذه، ووقوف انتشاره؛ تعيَّن أن يكون المجدد في ذلك قادرًا على حماية البيضة ونصر الشريعة؛ أي نصر الحق من الدين، حتى يصبح الدين خاليًا من الأغلاط، بعيدًا عن الانحراف، كما فعل الشافعي وقبله عمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنهما، وكذلك إذا كان الفتق الذي اعترى الدين من ناحيتين فصاعدًا، تعيَّن أن يكون المجدد كفئًا للنهوض بما يتطلبه التجديد في ذلك؛ مثل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في موقف ارتداد العرب.

وهذا يتطلَّب أن يكون المجدد قد سعى لعمل في التجديد، من تعليم شائع، أو تأليف مبثوث بين الأمة، أو حمل الناس على سيرة حسنة، بحيث يكون سعيه قد أفاد المسلمين يقظة في أمر دينهم، فسار سعيه بين المسلمين، وتلقوه وانتفعوا به من حين ظهوره إلى وقت إثماره، سواء أكان حصول ذلك دفعة واحدة أم تدريجيًّا.

ثم ينبغي الاحتراز من كون المجدد فيه الصفات السابقة، لا أن يكون مدونًا لمذهب من المذاهب، أو تابعًا له فقط، فإن التجديد غير التدوين، فالتجديد إرجاع للدين غضًّا كما كان، وأما التدوين فهو كتابة المذهب وتدوينه، على غرار أستاذ أو شيخ، دون أن يكون مجددًا؛ لذلك قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور: ثم إنَّا نرى معظم من عدَّهم السبكي مجددين لا يزيد معظمهم على أن كانوا مدونين مذهب الشافعي، وليس ذلك كافيًا في وصف المجدد، فأين معنى التدوين من معنى التجديد؟[32].

فالتجديد أمر إضافي يزيد على مجرد النقل وحفظ المتن، وتكرار الفتوى، فالعلم - كما قال القاري في "المرقاة": "كل سنة في التنزل، كما أن الجهل كل عام في الترقي، وإنما يحصل ترقي علماء زماننا بسبب تنزل العلم في أواننا، وإلا فلا مناسبة بين المتقدمين والمتأخرين علمًا وفضلاً وعملاً وتحقيقًا وتدقيقًا؛ لما يقتضي البعد عن زمنه - صلى الله عليه وسلم، كالبعد عن محل النور يوجب كثرة الظلمة، وقلة الظهور، ويدل عليه ما ورد في البخاري عن أنس مرفوعًا: ((لا يأتي على أمتي زمان إلاَّ الذي بعده شر منه))، وما في "الكبير" للطبراني عن أبي الدرداء مرفوعًا: ((ما من عام إلا وينتقص الخير فيه ويزيد الشر))[33].

وهذا يبرز معنى التجديد جليًّا؛ حيث إنه قيام بأمر الدين وتغيير فيه إلى درجة تبلغ كماله الذي مضى، وتمامه الذي بقي، بوجود هؤلاء المجددين والمنافحين عن الدين والحفاظ عليه، حتى يأتي مجدد آخر، فالتَّجديد هو أداة التواصل؛ لأنه يعطي للفكرة بعدها الزمني عن طريق ربط تلك الفكرة بالرؤية المتجددة، التي تمنحها القدرة على الاستمرار، والبقاء، والصمود في وجه التَّطورات المستحدثة التي يفرضها الواقع الجديد، وتألفها الأجيال اللاحقة، وهذا كله في ظل الخصائص الذاتية، والثوابت الشَّرعيَّة التي حباها الله تعالى للدين الإسلامي، وفكره المتجدد[34].

5- المجدد ليس شخصًا واحدًا؛ بل المراد أكثر من واحد في زمن واحد،[35] ودعوتهم واحدة، وفي تخصصات مختلفة:
لقد أوقعتنا أقوال العلماء السابقين في حيرة من هذا القيد أو الضَّابط، هل يكون المجدد شخصًا واحدًا أو عدَّة أشخاص، وخاصَّة أنَّ الحديث ذكر لفظ ((مَن)) الذي وقع مفعولاً للفعل ((يبعث))، وهذا المفعول اسم موصول بمعنى الذي، ويصح فيه الإفراد والجمع، ويصح أيضًا على الفقهاء وغيرهم من أصحاب الفنون الأخرى والعلوم البحتة؛ كالطب والهندسة، فابن الأثير في "جامع الأصول" يرى حمل الحديث على العموم، فإن انتفاع الأمة بالفقهاء وإن كان كثيرًا؛ إذ حفْظُ الدين وقوانين السياسة، وبث العدل - وظيفةُ أولي الأمر إن كانوا من الفقهاء، أو غيرهم.

وكذا القراء وأصحاب الحديث يَنفعون بضبط التنزيل والأحاديث التي هي أصول الشرع وأدلته، والزُّهَّاد يَنفعون بالمواعظ، والحث على لزوم التَّقوى والزُّهد في الدنيا؛ لكن المبعوث ينبغي أن يكون مشارًا إليه، مشهورًا في كل فن من هذه الفنون، ورجح هذا الرأي الطيبي بقوله: "ففي رأس الأولى من أولي الأمر عمر بن عبدالعزيز، ومن الفقهاء محمد بن علي الباقر، والقاسم بن أبي بكر، وسالم بن عبدالله بن عمر، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين وغيرهم من طبقاتهم، ومن القرَّاء عبدالله بن كثير، ومن المحدثين ابن شهاب الزهري وغيره من التابعين وتابعيهم، ومن رأس المائة الثانية، ومن الفقهاء الشافعي، وأحمد بن حنبل لم يكن مشهورًا حينئذ، واللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة، وأشهب من أصحاب مالك، ومن القرَّاء يعقوب الحضرمي، ومن المحدثين يحيى بن معين، ومن الزهَّاد معروف الكرخي"، وهكذا عدَّد حتى الخامسة، ثم قال: وإنما المراد بالذكر، ذكر من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه[36].

ووافقه القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" مع زيادة أن المراد جماعة يجدد كل واحد في بلد، في فن أو فنون من العلوم الشرعية ما تيسر لهم الأمور التقريرية أو التحريرية، ويكون سببًا لبقائه وعدم اندراسه وانقضائه إلى أن يأتي أمر الله، ولا شكَّ أن هذا التجديد أمر إضافي[37]؛ أي يزيد صاحبه على كونه مقلدًا، أو مدونًا أو جامعًا لمذهب، أو تابعًا لمعتقد، وزيادته هي تجديده، وإرجاعه الدين كما كان في العصور الزاهرة التي مضت قبل المجدد.

وهذا الرَّأي إذا كانا أو كانوا جميعًا في فن واحد أو في الدين الإسلامي أصولاً وفروعًا، وربما اقتضى حال الزمان ذلك، أن يكون المجدد متعددًا في الأقطار، ودعوتهم واحدة، متظاهرين على عمل واحد، في موضع واحد، ولا مانع من ذلك؛ حيث إنَّ القرآن الكريم نطق به في أعظم مهم وهو الرسالة، إذ أرسل الله موسى وأخاه هارون إلى بني إسرائيل وفرعون وجنوده، وأرسل رسولين لأهل القرية وعززهما بثالث، كما جاء في سورة يس: {
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} [يس: 13 - 14] [38]، وهي أنطاكية، ولكن كونه من أهل الدين وأرباب الفقه قيدٌ احترازيٌّ أو اتفاقيٌّ، قال الطيبي: "ولا يُعلم ذلك المجدد إلاَّ بغلبة الظن ممن عاصره من العلماء بقرائن أحواله، وانتفاع الناس بعلمه؛ إذِ المجدد للدين لا بدَّ أن يكون عالمًا بالعلوم الدينيَّة الظَّاهرة والباطنة، ناصرًا للسنة، قامعًا للبدعة، وأن يعمَّ علمُه أهلَ زمانه"[39]، وكذلك قال المناوي في "فيض القدير": "ولا يكون إلا عالمًا بالعلوم الشَّرعيَّة الدينيَّة الظَّاهرة والباطنة"[40].

فكون المجدد من أهل العلوم الدينية قيدًا اتفاقيًّا بين العلماء، على أن يكون في أصناف العلوم الشَّرعيَّة، من مفسرين ومحدثين ونحويين ولغويين وغيرهم، فالمجدد إذًا لا بدَّ أن يكون من أهل العلوم الدينيَّة المختلفة، فهذا شرط أساسي، وأمَّا كونه واحدًا أو جماعة، فالأظهر أن يكون المجدد واحدًا؛ لأن اضطلاعه بالتَّجديد وهو واحد يكون أوقع؛ إذ يكون عمله متحدًا، ويكون أنفذ؛ إذ يسلم من تطرق الاختلاف باختلاف الاجتهاد في وسائل المقصد، وهذا الرَّأي الذي قاله العلامة محمد الطاهر بن عاشور[41]، وأنا أوافقه عليه.

ولكن ابن حجر يرى أنه: "لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط؛ بل يكون الأمر كما ذكر في حديث (الطائفة الظاهرة) وهو متجه المعنى، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يُدعى ذلك في عمر بن عبدالعزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير، وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد - رضي الله عنه - أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأمَّا من جاء بعده فالشَّافعي، وإن كان متصفًا بالصفات الجميلة إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد، والحكم بالعدل، فعلى هذا كل من كان متصفًا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدَّد أم لا"[42].

وقد ترك الأمر مفتوحًا؛ أي يمكن أن يأتي واحد مجدد، أو جماعة أو أكثر في وقت واحد، مع اتحاد الهدف، واختلاف التخصص، أو يكون مجدد أو أكثر من عدة بلاد، في عدَّة فنون من علوم الإسلام المختلفة، وهذا معناه صعوبة تحديد من هو المجدد، وكذلك صعوبة التوفيق بينهم، إلا أن نرجع إلى الرأي الأول في أن المجدد واحد فقط، ولا يمنع هذا من وجود غيره كما قال صاحب "عون المعبود"؛ حيث جعل العلماء الثلاثة: نذير حسين، حسين بن محمد الأنصاري، صديق حسن خان، مجددين للقرن الثالث عشر الهجري[43]، وكذلك فعل أنور الجندي في أعلام القرن الرابع عشر الهجري، حيث جعل طاهر الجزائري، وعبدالقادر المغربي، محمد بن عبدالوهاب، محمد مصطفى المراغي، كلهم من مجددي هذا القرن[44].

6- من الضَّوابط المهمة: أنَّ المجدد إذا جاء ليُجَدد أمر الدين - كما جاء في بعض روايات الحديث ((ليجدد لها أمر دينها))، وأمر الدين هو شأنه وماهيته، ودين هذه الأمة الإسلام لا محالة، وهو اعتقاد وقول وعمل وشريعة - فتجديده إرجاع هذه الأمور أو بعضها إلى شبابه وقوته، فالمُجَدِّد لا يأتي بجديد في الأصول أو العبادات أو الثَّوابت الإسلاميَّة، إنَّما قد يدخل الفساد في العقائد والآراء والأخلاق، وفيما يقصد به التَّقرب إلى الخالق - جل شأنه - فيما يتناوله الإنسان من نحو المطعوم والملبوس، ومن المعاملات الجارية بين الأفراد والجماعات من الناس؛ بل قد يدخل الفساد في معاملة الإنسان للحيوان.

وقد دلَّنا التاريخ أن كثيرًا من عقائد الأمم كانت زائغة، وكثيرًا من آرائهم كانت مزاعم ينبذها العقل، وأنَّ الأخلاق كانت منحطَّة، فكان من مقاصد الإسلام تقويمُ العقائد، وتطهيرُ العقول من المزاعم السَّخيفة، وإصلاح الأخلاق، وشرع العبادات الصَّحيحة، وبيان الطيبات من الرِّزق، وما لا يخرج عن حدود الحكمة من نحو الملابس والمراكب، وتنظيم المُعاملات على وجه العدل والرفق، فحارب الإسلام المللَ الباطلة، وأقام الحُجج على بطلانها، وأقرَّ العقيدة السَّليمة، وثبَّتها بالبراهين القاطعة، وحارب الشِّرك بالله تعالى، ونهى عمَّا يؤدي إليه؛ كالمبالغة في تعظيم المخلوقات، وصرَّح ببطلان كل عبادة يُتوجَّه بها إلى مخلوق من نحو صنم، أو كوكب، أو نار، أو حيوان، أو إنسان، ونظر في الأديان السابقة؛ كاليهودية والنصرانية فدلَّ على ما طرأ عليها من تغيير، وما دخلها من مبتدعات حتى بعدت عن هداية الله تعالى.

وأصبحت هذه الأديان في وادٍ، والسعادة في وادٍ آخر، وهكذا في الآراء والأخلاق فعل فيها الإسلام ما يعدلها ويبعدها عن التقليد[45]، وأمَّا العبادات فقد قرَّر أوضاعها، ورسم حدودها، ونبَّه على شروط صحتها مثل الصلوات وغيرها، وكذلك نبَّه على فساد أعمالٍ قد يحسبها الناس عبادات تقربهم إلى الله تعالى، وهي ليست كذلك، كما جاء في حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))[46].

فالمُجَدّد صاحب وظيفة هي الإصلاح ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فحيثما وقع الخلل في كل ما سبق يرجعه المُجَدّد مرَّة ثانية إلى عهده ونضارته، فهو مبعوث لمهمَّة، ومرسل لغاية من أسمى الغايات، ألا وهي تجديد الدين.

7- ومن الضَّوابط المهمَّة تقوية ما نملك خير من فقدانه:
وهذه هي المهمَّة التي يتولاَّها المجدد ويسعى إليها حين ظهوره، فنحن - المسلمين - نملك دينًا وسُنَّة، وحضارة ولغة، وفكرًا، وعلمًا، وبشرًا، وكل هذه مقومات أدَّت إلى قيام نهضة في العالم من الجاهليَّة العمياء إلى الحنفيَّة السمحة، ثم إلى الصَّدارة في قيادة الأمم، والرحابة في توجيه الفكر، فالمحافظة على هذه المقومات أساس نتمسَّك به ونقويه حتى تستمرَّ عطاءات الإسلام في إنارة ظلامات الكون، التي أضحت تكشر عن أنيابها ليلاً ونهارًا، وإن أصاب المسلمين الضعفُ حينًا من الدهر، كما هو الحال الآن، فلا يعني ذلك التَّفريط فيما عندنا، والانسلاخ عن ديننا، والارتماء في أحضان العلمانيَّة أو العولمة أو الحداثة، دون فكر ثاقب، وعقل راجح، فتقوية ما عندنا - وإن أصابه ضعف أو خلل - خير لنا مما عند غيرنا وإن كان قويًّا، فما عندنا مُقَدَّس إلهي، وما عند غيرنا بشري غير إلهي، وما كان إلهيًّا ومقدسًا فهو أقوى وأنضج وإن مرَّت عليه فترات ضعف، وحالات انكماش.

فكل شيء في الحياة يجاهد؛ الجسم يجاهد الميكروبات حوله وفيه، والصحَّة لا تعتمد على القوَّة وحدها، وإنَّما حيز من الوقاية الحيوية بالرياضة والعمل، والحركة والنشاط وما إلى ذلك، والعقل يجاهد الأفكار السَّقيمة، والخيالات السَّامَّة، وخير وسيلة للتَّغلب عليها حيويته ونشاطه وتفكيره المنتج، لا خنوعه واستسلامه، وهكذا كل شيء في الحياة جهاد، والجهاد الصَّحيح يعتمد على الإرادة الصَّحيحة، والتجارب النَّاجحة، فالعالم مملوء بالحيويَّة، وهو في حركة دائمة، ونشاط مستمر، وقوى متفاعلة أبدًا من: كهرباء، وقوى ذرية، وحرارة وبرودة، ورياح وعواصف، ونحو ذلك، وإن شئت فاستعرض كل من نجح في الحياة نجاحًا حقيقيًّا، تجد نجاحه بمقدار تطبيقه هذه القاعدة: تقوية ما يملك خير من فقدانه[47]، ولو لم يحسن التعبير عنها، فالأمة الناجحة كالرجل الناجح يفكر ويعمل، ويبتكر ويجاهد، فانتهزِ الفرصةَ تنجحْ، وإلاَّ فالموت أو شبهه، وعلى ذلك يجب أن يسير المجدد، فهو صاحب المهمة الصعبة، والكلمة الحقة عندما تخور القوى وتضعف العقول، فينعشها بما أوتي، ويخرجها إلى الحياة مرة أخرى، مقرونة بالتجديد، مصحوبة بالتوفيق، حتى يأتي غيره، ويعمل عمله، ويجدد تجديده... وهكذا.

8- ومن الضَّوابط المهمَّة في تجديد الدين أيضًا:
تغيير الأساليب، وتطوير الوسائل المعينة على وصول المجدد إلى مقصده من إرجاع الدين كما كان، وهذه الأساليب والوسائل تختلف من عصر إلى عصر، والمجدد يعيش عصره ويعرف ما يفيد هدفه، ويقوي مقصده، فالأسلوب متغير من متغيرات الحياة، فالحوار مثلاً قديمًا كان بين رجل ورجل، أو جماعة وجماعة، والآن أصبح الحوار منهجًا له مقدماته ونتائجه، وآلاته ووسائله التي يستطيع بها المجدد أن يتعامل مع غيره، أفرادًا كانوا أو جماعات أو دولاً من خلال المواجهة المباشرة أو غير المباشرة في وسائل الحضارة الحديثة من القنوات الفضائيَّة، والإنترنت، والمترجمين، وغيرها من أساليب التغيير والوعظ والترغيب والترهيب، والاستدلال بالأدلة الشَّرعيَّة والعقليَّة، والحكمة، واستخدام فنون اللغة العربيَّة، والحريَّة الفكريَّة للآخرين، كل هذا للحفاظ على ثوابت الدين، وأساسيات السنَّة، وقد جمعت هذه الأساليب في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].

فالأسلوب هو المنهج الذي يسير عليه المجدد، والوسيلة هي الأداة التي ينفذ بها منهجه[48]، وهي ماديَّة ومعنويَّة، وإن كانت إلى الجانب المادي أمْيَل؛ كالكتابة، والخطابة، والتعليم، وقد يتداخلان فتصبح الوسيلة أسلوبًا، والعكس، المهم أن المجدد معنيٌّ بكل ما يمكِّنه من الوصول إلى مقصده في إرجاع الدين إلى ما كان عليه، وإصلاح حال النَّقص في وقته، وخير مثال على ذلك أن أهل العلم كانوا يوجهون هممهم إلى الوسائل التي تقي الأمة ممن يبغونها الأذى، فهذا أبو بكر بن العربي القاضي، والعالم والمفكر، قاضي إِشْبِيلِيَّة من بلاد الأندلس، رأى ناحية من سور إشبيلية قد انهدمت، وتحتاج إلى إصلاح ولم يكن في الخزانة مال موفر يقوم ببناء هذا السور، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد الأضحى، فأحضروها، فباعها[49]، وصرفت أثمانها في إصلاح تلك الناحية المتهدمة[50]، وغيره كثير ممن فهموا الدين فهمًا صحيحًا.


قال الشَّيخ عبدالمتعال الصعيدي في كتابه "المجددون في الإسلام": "فلو كنَّا الآن على الإسلام الصَّحيح الذي كان عليه سلفنا الصالح، لو كنَّا الآن على الأخلاق القويمة التي كانوا عليها، لَلفتْنا نظر أولئك الأعداء إلى محاسن ديننا، ولصرنا حُجةً له بدل أن صرنا حجةً عليه، وهنالك نكسب منهم - على ضعفنا - أكثر مما كسبوه منَّا؛ لأنَّهم كسبوا بلادنا ولم يكسبوا نفوسنا، ونحن نكسب بهذا نفوسهم، ونفسُ الإنسان أعز عليه من بلده؛ بل أعز عليه من ماله وولده"[51]، وهذا الكسب الذي يتحدَّث عنه المؤلف حينما كانت كل البلاد الإسلاميَّة محتلَّة من الاستعمار بأنواعه، وبدوله المختلفة التي تدَّعي اليوم الحريَّة والديمقراطيَّة، وإن كانت من زاوية مغلوطة، ومن ناحية مرفوضة، فهي ديمقراطيَّة عرجاء، وحريَّة بلهاء، فالعالم الإسلامي الآن محرَّر من الاستعمار العسكري إلاَّ العراق، وفِلَسطين، وبعض دول الاتحاد السوفيتي المُنْحَل، مع ذلك ما زال الاستعمال بخبثه وفكره وأتباعه في كل صقع من أصقاع العالم الإسلامي، وإن لم يكن عسكريًّا فهو فكري مسيطر، أو علمي مهيمن.

9- من الضَّوابط المهمَّة كذلك: أنَّ المجدد يأتي والمسلمون في ضعف، والدنيا مقبلة على غيرهم، وبخاصَّة في هذا العصر الذي تقدَّمت فيه أوروبا ودولها، وتخلفت فيه الدول الإسلاميَّة ومن جاورها، وحاجة العالم الإسلامي إلى مدنية الغرب واضحة، وتشوف أهل هذه البلاد إلى الغرب ظاهر للعيان، والنَّظرة الدونيَّة إلى بلادنا نحن المسلمين لا تخفى على ذي عينين، ونحن العالم الثالث، أو بأدب خفي الدول المتخلفة عن الحضارة والمدنيَّة، وما إلى ذلك من صفات لم تكن موجودة في عهود مضت كنَّا فيها حديث العالم، ومقصد المتعلم، كما فعل صلاح الدين الأيوبي مثلاً في جمع شمل دول الإسلام، ورد كيد الأعداء، وتوحيد البلاد على مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك ما فعله محمد بن عبدالوهاب والملك عبدالعزيز آل سعود في الجزيرة العربية؛ لاهتمامهم بالجانب المادي والجانب الديني معًا، وهذه ميزة المُجَدِّد أن يعنى بالدنيا والدين معًا.

ومع حالة الضعف في العالم الإسلامي، لا بدَّ من التَّفريق بين تجديد المسلم وغير المسلم، فالنَّظر بعين الحقيقة بين التَّجديد في الإسلام وغيره من الأديان[52]، فإذا كان القول بالتَّجديد في النَّصرانيَّة ممكنًا، فإنَّ هذا القول غير جائز في الإسلام، فالمصلحون والمجددون النصارى - وكانوا كثارًا[53] منذ مطلع النَّصرانيَّة حتى الآن - يجددون في الدين نفسه، أمَّا في الإسلام فكان الإصلاح أو التَّجديد يتناول رد المسلمين إلى حقيقة الإسلام، وكان المصلحون النَّصارى يريدون إنقاذ الناس من قبضة الكنيسة ورجالها، وأمَّا المصلحون والمجددون في الإسلام فكانوا يريدون أن يفهموا الناس - كلَّما انتكسوا في جاهليَّة - حقيقة الإسلام.

ولذلك فاختلاف الفقهاء في المذاهب التي وضعوها من المذاهب المعمول بها، أو المذاهب البائدة كانت أبواب اجتهاد لا يوجب العمل بها تحريم حلال أو تحليل حرام، ولا يوجب إيمانًا أو كفرًا، فالقول بالإشهاد على عقد الزواج مثلاً في المذاهب السنيَّة، والقول بالإشهاد على الطَّلاق في المذهب الجعفري رأيان يمكن قبولهما؛ لأنَّ الغاية منهما "حفظ حقوق الذريَّة" إذا وقع الخلاف بين الزَّوجين، ولا يكون المسلم مذنبًا إذا انتقل من أحد هذين الرَّأيين إلى الثاني منهما؛ ولكن يخشى إذا ترك أحد ذلك أن يضيع حقًّا يجب عند الاختلاف بين الزَّوجين لأحد الزَّوجين أو لأولاده، لذلك فجميع الخلافات في المذاهب الإسلاميَّة هي في المعاملات، وفي تفسير أوجه العبادة، وليس فيه شيء يتعلَّق بالله تعالى وبرسول الله - صلى الله عليه وسلم.

وأمَّا في النَّصرانيَّة فالخلاف يتعلَّق بالله مباشرة؛ كقول الكاثوليك: "إنَّ المسيح هو الله بالذَّات"، وأمَّا غيرهم مثل الأرثوذكس والبروتستانت فيقولون: "إنَّ المسيح ابن الله"، وهو خلاف قديم ذكرته سورة المائدة في الآية 72: {
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}، والتوبة في الآية 30: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}.

ولذلك يجب أن نفرق بين التجديد في الدين الذي لا يعني الخروج عن دائرة الأحكام الشَّرعيَّة[54]؛ لأنَّ ذلك التَّجديد إن خرج عن هذه الدَّائرة فهو تجديد يحمل معنى الهدم للقيم الأصيلة لهذه الأمَّة، وهو أداة للفوضى والاضطراب، وكل تجديد يتجاوز النصوص الثابتة أو يتنكر لها محكومٌ عليه بالفشل، ويجب هنا أن نفرق بين الاتجاهات الفكريَّة الأصيلة التي تدعو إلى التَّجديد من خلال المنهج الأصولي الصَّحيح في تفسير النصوص وتأويلها، وهو منهج يشجع الرَّأي، وينكر التقليد والجمود، والأمة التي ترفض التجديد ولا تمارس حقها فيه تلغي بإرادتها ذاتها، وتضعف من إمكاناتها الفكريَّة، وترضى أن تكون عالة على غيرها، وكذلك الاتجاهات الفكريَّة المعاصرة التي تدعو إلى التجديد وهي مشبوهة في انتماءاتها، منزوعة من أصولها، تريد خلع ربقة الإسلام بدعوى المعاصَرة أوِ الحداثة، أو أن الدين سبب التَّخلف، وعنوان الجمود، وطريق العجز، وكل هذا من أسلحة تريد أن تقلع الثقافة الإسلاميَّة من حصونها، وتهدد الأمة الإسلاميَّة في أصولها، فلا يُؤبه لهم، ولا لتجديدهم المزعوم.

ولذلك حفل تاريخنا الطويل بمواكب متلاحقة من دعاة التَّجديد، وكان لفكرهم دور رائد في مواصلة العطاء، وتصحيح المسيرة، سواء في ميدان العقيدة أو في ميدان الفكر والتَّشريع، ولم يضق صدر الإسلام بهؤلاء، وإنَّما ضاق صدره بما أثقل أهل الفكر الإسلامي من انحراف وجمود وتقليد، فالمجدد هو حلقة الوصل بين الانحراف عن الدين، وبين الجمود في الدين والتقليد الأعمى، الذي لا يتَّفق مع كثرة المستحدثات، وقلَّة النصوص التي تعالج واقع الحياة، فيقيس أحيانًا، ويجتهد أخرى، ويستنبط الأحكام من مقاصدها أحيانًا أخرى، وهذا هو التَّجديد الذي نريده من المجدد[55]، التَّخلي عن التقليد، والتَّعامل المباشر مع مَصْدري الشَّريعة: الكتاب والسنة، واستيحاء ما بهما من مبادئ عامَّة، ومتابعة لوضع القواعد التي تنظم المجتمع الإسلامي، وتستجيب لحاجيات أفراده المتجددة بتجدد الحياة، وتعدد المنازع.

10- أخيرًا؛ فإنَّ من الضَّوابط المهمَّة في تجديد الدين:
ألا يرتبط المجدد بمذهب معين من المذاهب الإسلاميَّة، وبالأحرى أن يكون مجتهدًا في الدين، ولا مانع من كونه متميزًا في مذهب من المذاهب المشهورة، مع عدم الاقتصار على مذهب واحد، كما فعل تاج الدين السبكي في "طبقاته" حيث تابعه السيوطي، ورجا لنفسه أن يكون هو مجتهد المائة التاسعة ومجددها، على أساس أنَّ الجميع ممن ذكرهم العلماء في المجددين السابقين على السيوطي من مذهب واحد، وهم من أهل البيت كما جاء في الزيادة في نص الحديث، وردَّ هذا القيدَ كثيرٌ من العلماء، قال محمد الطاهر بن عاشور[56]: وكلاهما حجَّر واسعًا من نعمة الله تعالى، فاحتكراها لعلماء الشافعيَّة، ولا عجب من إصرار السبكي في ذلك أن يومئ إلى أن الدين عنده هو مذهب الشافعي؛ إذ يقول: ووجدنا جميع من قيل إنه المبعوث في رأس المائة ممن تمذهب بمذهب الشافعي، فعلمنا أن الشَّافعي الإمام المبعوث الذي استقرَّ أمر الناس على قوله، وبعث بعده في رأس كل مائة سنة من يقرر مذهبه.

فالسبكي[57] هنا ظهر بمظهر المتعصب لمذهبه، وأتى بدليل مصنوع بيده، فكان واضع الدعوى، وواضع الدَّليل، وقد غفل عن أن هذا يعطل عليه وجود مجدد في المائة الأولى، فترْك الأمر في التجديد إلى غير مذهب أو فرقة أبعدُ عن التشدد، وأرحبُ في وجود المجدد، فعمومية النص الوارد في الحديث أبقى في اللغة، وأصرح في المعنى ((من يجدد)) دون مذهب أو طائفة، مع الاحتفاظ والاحتراز من كونه مجددًا في نصر ملة غير ملة الإسلام، أو نحلة دخيلة على الإسلام، أو فتنة يريد بها هدم الإسلام؛ مثل مهدي الصومال، أو مدعي الحج إلى غير مكة وبيت الله الحرام، أو الذين يدَّعون النبوة، أو إبطال أركان الدين أو بعض منها بحجة عدم التكليف بها، وخيرُ دليل على المجدد الذي ترك مذهبه، ولم يترك معتقده، بل جدد في الدعوة إلى الدين الحق، ونصر سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - الشوكانيُّ اليماني 1172هـ - 1250هـ، صاحب تفسير "فتح القدير"[58].






================











بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 04:36 PM   #6 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
أهم النتائج



1 - تجديد الدين بمعنى إرجاعه إلى أصله الذي بدأ به، وانتشر منه، بعدما أصابه من ضعف أو فتور، وأحيانًا انحراف أو إسراف - راجع إلى المسلمين أنفسهم، ومدى تعاملهم مع هذا النور، فكلما فهموه جيدًا، نفذوه صحيحًا، وعملوا بما فيه دون إسراف أو غلو.

2 - المجددون يقومون مقام الأنبياء والمرسلين، ولكن في العلم والنصح والدعوة، وإقامة الحلال والحرام، وبيان الحق من الباطل، والخير من الشر، فتجديدهم في وجود الرسالة ومع حفظ الدين، فقد اكتمل الدين وتمت النعمة.

3 - ارتبط التجديد بمائة سنة أو قرن من الزمان، وهو كفيل في هذه المدة بتعديل عدة أجيال وتغييرها داخل هذا القرن، مما يجعل المجدد دائمًا موجودًا ومستمرًّا، وهذا يحفظ للدين وجوده، وللإسلام حدوده، فكلما ضعف جيل قيَّض الله تعالى جيلاً آخر من المجددين الذين يرجعون الدين غضًّا كما كان.

4 - ضوابط المجدد تقتضي وجود العلم بالإسلام والفقه فيه بل والاجتهاد، وحسن الفهم مع انتشار العلم.

5 - الرأي الغالب عند العلماء وجود مجدد واحد في القرن الواحد، وهذا لا ينفي غيره من آراء في وجود أكثر من مجدد في القرن الواحد.

6 - الشروط الواجب توافرها في المجدد من الناحية الزمنية احترازية وليست اتفاقية، ومن هنا جاء الخلاف بين العلماء في اختيار المجدد في القرن الواحد.

7 - التجديد يكون في المتغيرات؛ مثل الفتوى، والأساليب والوسائل، وأما الثوابت فلا تجديد فيها ولا تغيير.

8 - التجديد ليس مقصودًا لذاته؛ ولكن لما ينتظر أن يؤدي إليه من خير يصيب الجماعة الإنسانية في معاشها وسعيها؛ ولذلك حفظَ الدين الإسلامي على الناس عقائدَهم وعقلهم ونفوسهم ومالهم ونسلهم، فإذا أبطل التجديد شيئًا من هذه الكليات فلا يعتد به، ولا قيمة له حتى ولو كان تجديدًا علميًّا أو تطويرًا بشريًّا.

9 - المجدد هو المصلح، مع الفارق بين المصلحين في الإسلام، لا يغيرون شيئًا في ثوابت الدين، وأما في غير الإسلام فالإصلاح واقع في الثوابت وغير الثوابت.

10 - التجديد أمر إضافي يزيد على كون المجدد ناقلاً لمذهب أو مدونًا له، أو تابعًا فيه؛ بل يكون علمه وفكره واجتهاده مشهورًا معروفًا بين تلامذته وأساتذته، والناس جميعًا يشهدون بذلك على فضله وتجديده وسبقه للجميع.

11 - الاختلاف في المذاهب الفقهية والآراء الفرعية جميعها في المعاملات والمتغيرات، وليست الثوابت التي تتعلق بعقيدة المسلم أو عبادته، أو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسالته، فالاختلاف في الفقه، والاجتهاد في غير النص مبدأ يزيد الإسلام مرونة وحيوية، ويجعله دينًا خالدًا، ويعطي المجدد الفرصة كاملة كي يكون متفوقًا، ومختلفًا عن غيره؛ بل يضيف ما يراه جديرًا بعصره، موافقًَا لشريعة الإسلام، بعيدًا عن التقليد، وقريبًا من الوسط.

12 - التجديد لا يعني الانسلاخ عن الدين، أو الإلحاد فيه، أو الزيادة أو النقصان، وهو ما يجب أن يفهمه دعاة الحرية، وأرباب التطوير، وأصحاب المصالح، وأدعياء التغريب حينما يتهمون الإسلام بالتخلف والقسوة، والوقوف ضد الحداثة أو التجديد.

========================
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 04:40 PM   #7 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
المراجع


- آداب الشافعي ومناقبه: عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي 327هـ - ط سوريا 1953 - حققه عبدالغني عبدالخالق.
- ابن تيمية: المجتهد بين أحكام الفقهاء وحاجات المجتمع - د. عمرو فروخ - ط لبنان 1991م.
- أعلام القرن الرابع عشر الهجري: أنور الجندي - ط القاهرة 1981م.
- الإمام الشافعي: ناصر السنة وواضع الأصول - عبدالحليم الجندي - ط المجلس الأعلى 1969م.
- البداية والنهاية - ابن كثير القرشي 774هـ - ط القاهرة 1998م، تحقيق د. التركي.
- بذل المجهود في حل أبي داود: خليل أحمد السهارنفوري 1346هـ - ط بيروت د. ت.
- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: للشوكاني 1250هـ - ط القاهرة 1348.
- تاج العروس للزبيدي - ط الكويت 1984م.
- تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده: محمد رشيد رضا - ط مصر 1932م.
- تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي: د. حسن إبراهيم حسن - ط القاهرة 1967م.
- تاريخ الإسلام ووفيات مشاهير الأعلام: للذهبي 748هـ - ط لبنان 1997م - تحقيق د. عمر عبدالسلام تدمري.
- تاريخ بغداد: أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي 463هـ - ط السلفية د. ت.
- تاريخ الجاهلية د. عمر فروخ - ط بيروت 1984م.
- تاريخ نجد الحديث: أمين الريحاني - ط بيروت 1988م.
- تاريخ النور السافر من أخبار القرن العاشر: شمس الشموس محيي الدين عبدالقادر بن عبدالله العيدروس - ط بغداد 1934م.
- تجديد الفقه الإسلامي: د. جمال عطية، وهبة الزحيلي - ط دمشق 2000م.
- تجديد الفكر الإسلامي - مجموعة مؤلفين - ط مؤسسة الملك عبدالعزيز آل سعود لندوة الدراسات الإسلامية 1987م.
- تجديد الفكر الإسلامي: د. محسن عبدالحميد - ط مصر 1985م.
- تجديد في المسلمين لا في الإسلام: د. عمر فروخ - ط بيروت 1981م.
- جامع الأصول - ابن الأثير - ط السعودية 2000م.
- حاضر العالم الإسلامي: لوثروب ستودارد - ط بيروت 1973م.
- حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة: للسيوطي 911هـ - ط الحلبي 1967م.
- الدعوة في عهد الملك عبدالعزيز: د. محمد بن ناصر الشثري - ط السعودية 1997م.
- زعماء الإصلاح في العصر الحديث: أحمد أمين - ط النهضة المصرية 1965م.
- السنن - أبو داود - ط الريان 1998م.
- الشافعي: حياته وعصره وآراؤه الفقهية - محمد أبو زهرة - ط مصر 1948م.
- شرح الطيبي على مشكاة المصابيح للتبريزي، المسمى بالكاشف عن حقائق السنن - شرف الدين حسين محمد عبدالله الطيبي 743هـ - ط باكستان 1413هـ - تحقيق المفتي عبدالغفار وآخرون.
- صفة الصفوة: أبو الفرج ابن الجوزي 597هـ - ط بيروت 1979م.
- طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 771هـ - ط الحلبي - تحقيق الطناحي والحلو.
- عون المعبود شرح سنن أبي داود على شرح ابن قيم الجوزية أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي - ط بيروت 1990م.
- غاية النهاية في طبقات القراء: شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد الجزري 833هـ - ط بيروت 1980م، حققه ج. برجستراسر.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري - ابن حجر العسقلاني - ط السعودية 2000م.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري - عبدالرحمن بن ناصر البراك - ط السعودية 2005م.
- فتح القدير للشوكاني 1250هـ - ط بيروت 1998م.
- فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير للسيوطي 911هـ - عبدالرؤوف المناوي - ط بيروت 1972م.
- كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس - إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي 1162هـ - ط سوريا 2001م.
- لسان العرب - ابن منظور - ط بيروت.
- لماذا تأخر المسلمون، ولماذا تقدم غيرهم؟ - الأمير شكيب أرسلان - ط الاتحاد العالمي 1981م.
- المجددون في الإسلام من القرن 1 إلى القرن 14هـ - عبدالمتعال الصعيدي - ط الآداب د. ت.
- المدخل إلى علم الدعوة - محمد أبو الفتح البيانوني - ط بيروت 1996م.
- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - علي بن سلطان محمد القاري 1014هـ - ط بيروت 1994م - تحقيق صدقي العطار.
- المستدرك - الحاكم النيسابوري - ط مصر 1997م.
- المعجم الأوسط - للطبراني 360 هـ، ط مصر 1995م.
- مفهوم التجديد بين السنة النبوية وبين أدعياء التجديد المعاصرين - د. محمود الطحان - ط الكويت 1986م.
- مقالات لكبار كتاب العربية من العصر الحديث - محمد بن إبراهيم الحمد - ط ابن خزيمة 2005م.
- الملك الراشد عبدالعزيز آل سعود - عبدالمنعم الغلامي - ط دار اللواء السعودية 1980م.
- الموسوعة الفقهية - الكويت 2000م.
- النسخ عند الفخر الرازي - د. محمود محمد الحنطور - ط الآداب 2002م.

ـــــــــــــــــــــــ
[1] "لسان العرب" 3/106 مادة جدد، وكذلك "المصباح" 7/478، "تاج العروس" 2/314.
[2] "الموسوعة الفقهية" 10/115 مادة تجديد.
[3] "الموسوعة العربيَّة الميسَّرة والموسعة" 3/1095 ط بيروت 2001م، د. ياسين صلواتي.
[4] الرَّاغب الأصفهاني: "مفردات في غريب القرآن" 88 ك: الجيم.
[5] المناوي: "فيض القدير" 2/281.
[6] أبو داود: "السنن" 5/35 ك الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة.
[7] الحاكم: "المستدرك" 4/694 ك الفتن والملاحم، ح8657، 8658.
[8] العجلوني: "كشف الخفاء" 2/277 ح 740.
[9] الطبراني: "المعجم الأوسط" 6/323 ح 6527.
[10] الديلمي: "الفردوس" 2/62.
[11] الخطيب البغدادي: "تاريخ بغداد" 2/62.
[12] السبكي: "طبقات الشافعية الكبرى" 1/199.
[13] محمد ناصر الدين الألباني: "الأحاديث الصحيحة" 2/150 ح 599.
[14] محمد الطاهر بن عاشور: "مجلة الهداية الإسلامية" 563 - 65 عدد ربيع الأول 1356هـ ج9، م9.
[15] العلامة محب الدين الخطيب: "الحديقة" 12/54.
[16] د. سيار الجميل: "العولمة والمستقبل" 291 ط لبنان 2000م.
[17] د. وهبة الزحيلي: "تجديد الفقه الإسلامي" 166 ط دار الفكر/ دمشق/ سوريا 2000م.
[18] محمد العربي الخطابي: "تجديد الفكر الإسلامي" 66 من ندوة الملك عبدالعزيز آل سعود.
[19] ابن حجر العسقلاني: "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" 13/360 ك الاعتصام بالكتاب والسنة، باب 10 ح: 7311.
[20] محمد الطاهر بن عاشور: مجلة الهداية ج9، م9، 465.
[21] السبكي: "طبقات الشافعية" 1/199.
[22] الخطيب البغدادي: "تاريخ بغداد" / 62.
[23] شمس الحق العظيم آبادي: "عون المعبود" 6/259، وقد ذكر آراء العلماء في ذلك؛ مثل الزهري وأحمد حنبل ممن يرون آخرها.
[24] الطيبي: "شرح الطيبي على مشكاة المصابيح للتبريزي" 1/400.
[25] شمس الحق العظيم آبادي: "عون المعبود" م6/ 267.
[26] العظيم آبادي: "عون المعبود" 6/263.
- عبدالرؤوف المناوي: "فيض القدير" 2/281.
[27] الشوكاني: "فتح القدير" 3/270.
[28] محمد الطاهر بن عاشور: مجلة الهداية الإسلامية ج9، م9 عدد ربيع الأول 1937م - 1356هـ، 563 - 565، ومحمد إبراهيم الحمد: "مقالات لكبار كتاب العربية في العصر الحديث" 3/ 325.
[29] محمد الطاهر بن عاشور: مجلة الهداية الإسلامية ج 9، م9، 565.
[30] الطيبي: "شرح الطيبي على مشكاة المصابيح للتبريزي" 1/40.
[31] الذهبي: "طبقات الشافعية" 3/26.
[32] محمد الطاهر بن عاشور: مجلة الهداية ج9 م10، 46 - 465 السنة 1357 - 1938م.
[33] علي بن سلطان القاري: "مرقاة المفاتيح" 1/507.
[34] د. فاروق النبهان: "تجديد الفكر الإسلامي" 49 من ندوة مؤسسة الملك عبدالعزيز آل سعود.
[35] الذهبي: "طبقات الشافعية" 3/26.
[36] الطيبي: "شرح الطيبي على مشكاة المصابيح" 1/401.
[37] علي بن سلطان محمد القاري: "مرقاة المفاتيح" 1/506.
[38] الشوكاني: "فتح القدير" 4/392.
[39] الطيبي: "شرح الطيبي على مشكاة المصابيح" 1/400.
[40] المناوي: "فيض القدير" 2/281.
[41] محمد الطاهر بن عاشور: مجلة الهداية ج6 م 10، 474.
[42] ابن حجر العسقلاني: "فتح الباري" 13/360.
- عبدالرحمن بن ناصر البراك: "فتح الباري" 17/203.
[43] العظيم آبادي: "عون المعبود" 11/395.
[44] أنور الجندي: "أعلام القرن الرابع عشر الهجري" 1/10 مصر 1981م.
[45] محمد الخضر حسين: "الدعوة إلى الإصلاح" 104 - 106.
[46] الطيبي: "شرح الطيبي على مشكاة المصابيح للتبريزي" 1/294 ك الإيمان، باب الاعتصام بالكتاب والسنة، وهو حديث متفق عليه.
[47] أحمد أمين: "فيض الخاطر" 10/ 225.
- د. عمر فروخ: "تاريخ الجاهلية" 52.
[48] البيانوني: "المدخل إلى علم الدعوة" 47 - 50.
[49] ابن رشد الحفيد: "بداية المجتهد" 1/ 510.
[50] محمد الخضر حسين: "رسائل الإصلاح" 1/ 48.
[51] عبدالمتعال الصعيدي: "المجددون في الإسلام" 583.
[52] أبو الحسن الندوى: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" 251.
[53] د. عمر فروخ: "تجديد في المسلمين لا في الإسلام" 12 - 13.
[54] د. فاروق النبهان: "تجديد الفكر الإسلامي" 58 - 59.
[55] د. أحمد الخمليشي: "التجديد أم التغلب على عقبات الطريق؟" 90 من "تجديد الفكر الإسلامي".
[56] محمد الطاهر بن عاشور: مجلة الهداية الإسلامية ج 8 م10، 463 - 474 عدد صفر 1938م - 1357هـ.
[57] السبكي: "طبقات الشافعية" 1/200.
[58] عبدالمتعال الصعيدي: "المجددون في الإسلام" 474.



============
المصدر: شبكة الألوكة
============

التعديل الأخير تم بواسطة بحرجديد ; 06-09-2010 الساعة 04:44 PM
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 04:45 PM   #8 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
المجدد الأول :

إنّه إمام الهدى الزاهد، والخليفة الراشد: عمر بن عبد العزيز بن مروان القرشي الأموي.
قال عنه إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمه الله: "إذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز، ويذكرُ محاسنه وينشرها، فاعلم أن من وراء ذلك خيراً إن شاء الله".
وقال الحافظ ابن حجر في كتابه [فتح الباري شرح صحيح البخاري] عند شرح قوله صلى الله عليه وسلّم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ من يجدّد لها دينها". قال: "لا يلزم أن جميع خصال الخير كُلِّها في شخص واحد، إلا أن يُدّعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها، ومن ثَمَّ أطلق الإمام أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه". أ. هـ
لقد أطنب العلماء والمؤرخون في الثناء على عمر بن عبد العزيز وذكر محاسنه، فوصفه الحافظ الذهبي، فكان مما قال عنه: "كان ثقةً مأموناً، له فقه وعلم وورع، وروى حديثاً كثيراً، وكان إمام عدل، رحمه الله ورضي عنه". [سير أعلام النبلاء 5/ 114].
كان الخوف من الله مقارناً له في صغره، فقد حفظ وهو غلام صغير، وفي يوم من الأيام بكى فسألته أمه عن سبب بكائه فقال: "ذكرت الموت فبكيت".
كان صادق اللهجة يقول: "ما كذبتُ منذ علمتُ أن الكذب يَضُرُّ أهله".
وقد – رحمه الله - طلب العلم والفقه في الدين حتى صار إماماً، ثم وُلّي إمارة المدينة وهو في ذلك الوقت شابٌ غليظ ممتلئ الجسم، يلبس أحسن الثياب، ويتطيب بأطيب الطيب.
فلما وُلّي الخلافة نحل جسمه وتغيرت حاله، رآه بعضهم يطوف بالكعبة [قبل الخلافة] وإنّ حُجْزة إزاره لغائبة في ثنايا بطنه من السمن. يقول: "ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسّها لفعلت". [الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز 1/367].
وذات مرة دخل عليه محمد بن كعب القرظي بعد ما تولى الخلافة يقول: "فجعلت أنظر إليه نظراً لا أكاد أصرف بصري عنه، فقال: ما لك يا ابن كعب؟! فقلت: أعجب من تغير جسمك وتبدّل حالك. فقال: فكيف لو رأيتني يا ابن كعب في قبري بعد ثلاث ليال، حين تقع حدقة عيني على وجنتي، ويسيل منخري وفمي صديداً ودوداً، كنت لي أَشد إنكاراً".
إنه استشعار المسؤولية التي أسندت إليه - رحمة الله عليه - لقد زان الخلافة وما زانته، بل لقد وُلّي وهو للخلافة كاره، فسار بالناس بسيرة جده لأمه الفاروق عمر رضي الله عنه.
ولما دُفِنَ الخليفةُ السابق [سليمان بن عبد الملك] قُرّبت مراكبُ الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقال: ما لي ولها، نحّوها عنّي، وقربوا إلي دابتي، فركب دابته، وسار، وسار معه الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس فقال: "أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلفتُ ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم، فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فلما رأى ذلك: حمد الله وأثنى عليه، وصلىّ على النبي صلى الله عليه وسلّم وقال: أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلفٌ من كل شيء وليس من تقوى الله عز وجل خلف، واعملوا لأخرتكم، فإنه من عمل لأخرته كفاه الله أمر دنياه، واصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت، وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنّه هادم اللذات، وإن عبداً ليس بينه وبين آدم أبٌ إلا قد مات لمعرقٌ له في الموت.
ألا وإني لستُ بخير من أحدٍ منكم ولكني أثقلكم حملاً". [ سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي 65-66 ]
ثم شرع يردّ المظالم التي كانت قبل ولايته، فبدأ بأقاربه من بني أميه، فأخذ ما استولوا عليه ظلماً، وما أخذوه بغير حق، ففزعوا من هذا التصرّف وأرسلوا إليه أعيان الناس، فلم يفدهم ذلك شيئاً.
قال وهيب بن الورد: "اجتمع بنو مروان على باب عمر بن عبد العزيز، وجاء ابنه ليدخل عليه، فقالوا له: إما أن تستأذن لنا وإما أن تبلِّغ أمير المؤمنين ما جئنا من أجله، فقال لهم قولوا. فقالوا: إن من كان قبله من الخلفاء يعطوننا ويعرفون لنا موضعاً، وإن أباك قد حرمنا ما في يديه. فدخل على أبيه عمر فأخبره بقولهم، فقال له عمر: قل لهم إنَّ أبي يقول لكم: (إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)".
ولقد كان لأقاربه الحظ الأوفر من الوعظ والنصح والتذكير، ولنستمع إلى رسالة بعث بها عمر رحمه الله إلى بعض أهل بيته يقول:
"أما بعد، فإنك إن استشعرت ذكر الموت في ليلك ونهارك بَغَّضَ إليك كل فانٍ، وحَبّب إليك كل باقٍ، والسلام".
لقد غلب على قلب عمر بن عبد العزيز الخوف من الله، فكان إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله، وكان يجمع كُلَّ ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون.
حدّثت زوجته فاطمة بنت عبد الملك فقالت: "قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاة وصياماً منه، ولكني لم أر رجلاً من الناس كان أشد خوفاً من ربه من عمر، كان إذا صلّى العشاء دخل بيته فقد يكون معي في الفراش فيخطر على قلبه الشيء من أمر الله فينتفض كما ينتفض العصفور قد وقع في الماء ثم ينشج ثم يرتفع بكاؤه حتى أقول: لتخرجن روحه التي بين جنبيه وتدركني الرحمة له فأطرح اللحاف عني وعنه وأنا أقول: ما رأيت سروراً منذ كنا في هذه الخلافة يا ليت بيننا وبينها بعد المشرقين. فكان يقول: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف يوماً دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفي".
بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 04:49 PM   #9 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
المجدد الثاني :


الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ((وقد يكون الإمام الجبل الحجة الشافعي))


ولد عام 164 هجري الموافق 780 ميلادي، في بغداد و أصله من البصر ، توفي والده وهو صغير ، فنشأ يتيماً ، وتولَّت رعايته أمه . وتنقّل بين الحجاز واليمن ودمشق. سمع من كبار المحدثين ونال قسطاً وافراً من العلم والمعرفة، حتى قال فيه الإمام الشافعي: "خرجت من بغداد فما خلّفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقَهَ من ابن حنبل" . وعن إبراهيم الحربي، قال: "رأيت أحمد ابن حنبل، فرأيت كأنّ الله جمع له علم الأوّلين والآخرين من كل صنف يقول ما يشاء ويمسك عمّا يشاء". ولم يكن ابن حنبل يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا.


نشأتـــه :

نشأ الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في طلب العلم ، وبدأ في طلب الحديث وعمرهُ خمس عشرة سنة ، ورحل للعلم وعمرهُ عشرون سنة ، والـتقى بعدد من العلماء منهم : الشافعي في مكة ، ويحيى القطَّان ، ويزيد بن هارون في البصرة .
ورحل من العراق إلى اليمن مع يحيى بن مُعين ، فلمَّا وصلا إلى مكة وجدا عبد الرزاق الصنعاني أحد العلماء في اليمن ، فقال يحيى بن معين يا إمام يا أحمد : نحنُ الآن وجدنا الإمام ، ليس هناك ضرورة في أن نذهب إلى اليمن ، فقال الإمام أحمد : أنا نويت أن أُسافر إلى اليمن ، ثم رجع عبد الرزاق إلى اليمن ولَحِقـا به إلى اليمن ، وبَقِيَ الإمام أحمد في اليمن عشرة أشهر ، ثم رجع مشياً على الأقدام إلى العراق .

فلمَّا رجع رأوا عليه آثار التعب والسفر فقالوا له : ما الذي أصابك ؟ فقال الإمام أحمد : يهون هذا فيما استفدنا من عبد الرزاق .

* مِنْ عُلوا الهمَّـة عند الإمام أحمد وهو صغير ، يقول : ربما أردتُ الذهاب مبكراً في طلب الحديث قبل صلاة الفجر ، فتأخذ أمي بثوبي وتقول : حتى يؤذِّن المؤذِّن .


مذهبــــه :

مذاهب أهل السنة كلها مذاهب حق لا سيما مذاهب الأئمة الأربعة - أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وكل مذهب من هذه المذاهب السنية له مميزات ، ويمتاز مذهب الإمام أحمد من بينها بقربه من النصوص [ ولهذا يعتبر الإمام أحمد من الفقهاء المحدثين ] وفتاوى الصحابة .

كان مذهبه مبنيا على خمسة أصول وهي :

1 - النصوص ، فإذا وجد نصا أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه .

2 - ما أفتى به الصحابة - فإذا وجد لأحدهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها ، ولم يقل إن ذلك إجماع - بل من ورعه في العبارة يقول : لا أعلم شيئا يدفعه أو نحو هذا .

3 - إذا اختلف الصحابة في المسألة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة ، ولم يخرج عن أقوالهم ، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال للدليل حكى الخلاف ولم يجزم بقول .

4 - الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه ويرجع ذلك على القياس ، والمراد بالحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم .

5 - فإذا لم يكن هناك نص ولا قول للصحـابة أو أحدهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى القياس فاستعمله للضرورة .

هذه الأصول الخمسة هي أصول مذهبه - وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده ، أو لاختلاف الصحابة فيها ، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين ، وكان شديد الكراهية والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف - كما قال لبعض أصحابه : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام [ أعلام الموقعين لابن القيم ( 1/ 29 - 32 ) .]أي لم يسبق أن قال بها أحد من الأئمة بشيء .

و بالتالي نستنتج ان مذهب ابن حنبل من أكثر المذاهب السنية محافظة على النصوص وابتعاداً عن الرأي



الإمام أحمد بن حنبل و فتنة خلق القرآن :

اعتقد المأمون برأي المعتزلة في مسألة خلق القرآن، وطلب من ولاته في الأمصار عزل القضاة الذين لا يقولون برأيهم.
وقد رأى أحمد بن حنبل ان رأي المعتزلة يحوِّل الله سبحانه وتعالى إلى فكرة مجرّدة لا يمكن تعقُّلُها فدافع ابن حنبل عن الذات الإلهية ورفض قبول رأي المعتزلة، فيما أكثر العلماء والأئمة أظهروا قبولهم برأي المعتزلة خوفاً من المأمون وولاته.
لمَّا دعا المأمون الناس إلى القول بخلق القرآن ، أجابه أكثر العلماء والقضاة مُكْرهين ، واستمر الإمام أحمد ونفرٌ قليل على حمل راية السنة ، والدفاع عن معتقد أهل السنة والجماعة . استدعى المأمون الأمام أحمد فسار أحمد إلى المأمون فبلغه توعد الخليفة له بالقتل إنْ لم يُجبه إلى القول بخلقِ القرآن ، فـتوجه الإمام أحمد بالدعاء إلى الله تعالى أنْ لا يجمع بـيـنه وبين الخليفة ، فبينما هو في الطريق قبل وصوله إلى الخليفة إذ جاءه الخبر بموت المأمون ، فَرُدَّ الإمام أحمد إلى بغداد وحُبِس ، ثم تولَّى الخلافة المعتصم ، فامتحن الإمام أحمد .

وكان مِنْ خبر المحنـة أنَّ المعتصم لمَّا قصد إحضار الإمام أحمد ازدحم الناس على بابه كيوم العيد ، وبُسِطَ بمجلسه بساطاً ، ونُصِبَ كرسيـاً جلس عليه ، ثم قال : أحضروا أحمد بن حنبل ، فأحضروه ، فلمَّا وقف بين يديه سَلَّمَ عليه ، فقال له : يا أحمد تكلم ولا تَـخَـفْ ، فقال الإمام أحمد : والله لقد دخلتُ عليك وما في قلبي مثـقال حـبَّـةٍ من الفزع ، فقال له المعتصم : ما تقول في القرآن ؟
فقال : كلام الله قديم غير مخلوق ، قال الله تعالى : { وَإنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ } [ التوبة : 6 ].

فقال له : عندك حجة غير هذا ؟ فقال : نعم ، قول الله تعالى : { الرَّحْمَنْ * عَلَّمَ القُرْآنْ }. [ الرحمن : 1 ، 2 ] ، ولم يقـل : الرحمن خلق القرآن ، وقوله تعالى : { يس * والقُـرْآنِ الْحَكِيم } [ يس : 1 ، 2 ] ، ولم يقـل : يس والقرآن المخلوق .
فقال المعتصم : احبسوه ، فحُبِسَ وتفرَّقَ الناس .

فلمَّا كان مِنَ الغد جلس المعتصم مجلسه على كرسيه وقال : هاتوا أحمد بن حنبل ، فاجتمع الناس ، وسُمعت لهم ضجة في بغداد ، فلمَّا جيء به وقف بين يديه والسيوف قد جُردت ، والرماح قد ركزت ، والأتراس قد نُصبت ، والسياط قد طرحت ، فسأله المعتصم عمَّا يقول في القرآن ؟
قال : أقول : غير مخلوق .

وأحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة فناظروه بحضرته في مدة ثلاثة أيام ، وهو يناظرهم ويظهر عليهم بالحُجج القاطعة ، ويقول : أنا رجـل عَلِمتُ علماً ولم أعلم فيه بهذا ، أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ حتى أقول به .
وكلما ناظروه وألزموه القول بخلق القرآن يقول لهم : كيف أقول ما لم يُقـل ؟ فقال المعتصم : قهرنا أحمد .

وكان من المتعصبين عليه محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم ، وأحمد بن دُوَاد القاضي ، وبشر المريسي ، وكانوا معتزلة قالوا بخلق القرآن ، فقال ابن دُوَاد وبشر للخليفة : اقـتله حتى نستريح منه ، هذا كافر مُضِـل .

فقال : إني عاهدتُ الله ألا أقـتله بسيف ولا آمر بقـتله بسيف ، فقالا له : اضربه بالسياط ، فقال المعتصم له : وقرابتي من رسول الله ــ صلَّى الله عليه وسلم ــ لأضربنَّك بالسياط أو تقول كما أقول ، فلم يُرهبه ذلك ، فقال المعتصم: أحضروا الجلادين ، فقال المعتصم لواحد منهم : بكم سوطٍ تـقـتله ؟

قال : بعشرة ، قال : خذه إليك ، فأُخْرِجَ الإمام أحمد من أثوابه ، وشُدَّ في يديه حبلان جديدان ، ولمَّا جيء بالسياط فنظر إليها المعتصم قال : ائـتوني بغيرها ، ثم قال للجلادين : تقدموا ، فلمَّا ضُرِبَ سوطاً..

قال : بسم الله ، فلمَّا ضُرِبَ الثاني قال : لا حول ولا قوةً إلاَّ بالله ، فلمَّا ضُرِبَ الثالث قال : القرآن كلام الله غير مخلوق ، فلمَّا ضُرِبَ الرابع قال : { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا } [ التوبة : 51 ] .

وجعل الرجل يتقدَّم إلى الإمام أحمد فيضربه سوطين ، فيحرضه المعتصم على التشديد في الضرب ، ثم يـتنحَّى ، ثم يتقدَّم الآخر فيضربه سوطين ، فلمَّا ضُرِبَ تسعة عشر سوطاً قام إليه المعتصم فقال له : يا أحمد علام تقتـل نفسك ؟ إني والله عليك لشفيق .


قال أحمد : فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه وقال : تريد أنْ تغلب هؤلاء كلهم ؟ وجعل بعضهم يقول : ويلك ! الخليفة على رأسك قائم ، وقال بعضهم : يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اقـتله ، وجعلوا يقولون : يا أمير المؤمنين : إنه صائم وأنت في الشمس قائم ، فقال لي : ويحك يا أحمد ما تقول ؟ فأقول : أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله ــ صلَّى الله عليه وسلم ــ حتى أقول به.


ثم رجع الخليفة فجلس ثم قال للجلاد : تقدمَّ ، وحَرَّضه على إيجاعه بالضرب .


قال الإمام أحمد : فذهب عقلي ، فأفقت بعد ذلك ، فإذا الأقياد قد أُطلِقت عنِّي ، فأتوني بسويق فقالوا لي : اشرب وتـقيأ ، فقلت : لستُ أُفطر ، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم ، فحضرتُ صلاة الظهر ، فـتقدَّم ابن سماعة فصلى ، فلمَّا انفـتل من الصلاة قال لي : صليتَ والدمُ يسيل في ثوبك ، فقلت له : قد صلَّى عمر ــ رضي الله عنه ــ وجرحه يسيل دمـاً .

ولمَّا ولِّيَ الواثق بعد المعتصم ، لم يتعرض للإمام أحمد بن حنبل في شيء إلاَّ أنَّـه بعث عليه يقول : لا تساكنِّي بأرضٍ ، وقيل : أمره أنْ لا يخرج من بيتـه ، فصار الإمام أحمد يختفي في الأماكن ، ثم صار إلى منزله فاختـفى فيه عدة أشهر إلى أنْ مات الواثق .


وبعد ذلك تولَّى الخلافة المتوكل بعد الواثق ، فقد خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقاد ، وطعن عليهم فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن ، ونهى عن الجدال والمناظرة في الأداء ، وعاقب عليه ، وأمر بإظهار الرواية للحديث ، فأظهر الله به السُـنَّـة ، وأمات به البدعة ، وكشف عن الخلق تلك الغُمَّـة ، وأنار به تلك الظُلمة ، وأطلق من كان اعـتُـقِـلَ بسبب القول بخلق القرآن ، ورفع المحنـة عن الناس .

* قال أحد الجلادين بعد أن تاب : لقد ضربت الإمام أحمد ( 80 ) جلدة ، لو ضربـتُها في فيل لسقـط .


وفاتــــه:

مرض في أول شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين ، وتوفي ليلة الجمعة وهي ليلة الثاني عشر من هذا الشهر ، ولما حضرته الوفاة أشار إلى أهله أن يوضئوه ، فجعلوا يوضئونه وهو يشير إليهم أن خللوا أصابعي ، وهو يذكر الله - عز وجل - في جميع ذلك ، فلما أكملوا وضوءه توفي - رحمه الله ورضي عنه - فغسلوه وكفنوه بثوب كان قد غزلته جاريته ، وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله ما لم يعلم عددهم إلا الله ، ثم صلي عليه ، وأعيدت الصلاة عليه عند القبر . ثم أعيدت الصلاة أيضا على القبر بعد دفنه ، ولم يستقر في قبره - رحمه الله - إلا بعد العصر ، وذلك لكثرة الخلق الذين حضروا . وقد قدر عدد الذين صلوا عليه وشيعوه إلى قبره بألف ألف ، وفي رواية وسبعمائة ألف - أي مليون وسبعمائة ألف - وقد دفن الإمام أحمد بن حنبل في بغداد. وقيل انه أسلم يوم مماته عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس ، وأنّ جميع الطوائف حزنت عليه. رحم الله الإمام أحمد رحمة واسعة ، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا ، وجعله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

مؤلفاته :

- المسنـد في الحـديث ، وكان يقول لابنه عبد الله : احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماما
[ وجملة أحاديث ( المسند ) ثلاثون ألف حديث انتقاها من سبعمائة ألف حديث .]

2 - التفسير - وهو مائة ألف وعشرون ألفا ، يعنى : بالأحاديث والآثار .

3 - الناسخ والمنسوخ .

4 - التاريخ .

5 - المقدم والمؤخر في القرآن .

6 - جوابات القرآن .

7 - المناسـك الكبير والصـغير .

8 - الزهـد .

9 - الرد على الجهميـة .

10 - العلل.

11- السنن في الفقه.



من ثـناء العلمـاء على الإمـام أحمـد :

* قال عبد الرزاق شيخ الإمام أحمد : ما رأيت أحداً أفْـقَـه ولا أوْرع من أحمد.
* قالوا : إذا رأيتَ الرجل يحبُ الإمام أحمد فاعلم أنَّـه صاحب سنة .
* قال الشافعي وهو من شيوخ الإمام أحمد : خرجتُ من بغداد فما خلَّفتُ بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفْـقَـه من أحمد بن حنبل.
* قال يحيى بن معين : أراد الناس أن يكونوا مثـل أحمد بن حنبل ! لا والله ، ما نقوى على ما يقوى عليه أحمد ، ولا على طريقة أحمد .

* كان الإمام أحمد يحفظ ( ألف ألف ) حديث ، يعني ( مليون ) حديث . أي مجموع الروايات والأسانيد والطرق للأحاديث .
* مِنْ حِفْـظِ الإمام أحمد للحديث كان يقول لابنـه : اقرأ عليَّ الحديث وأُخبركُ بالسند ، أو اقرأ عليَّ الإسناد لأخبرك بالحديث.




















بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2010, 04:50 PM   #10 (permalink)
بحرجديد
مشرف متميز سابقاً
ربي ارحم أبي واحفظ أمي
 
الصورة الرمزية بحرجديد
 
المجدد الثالث : ابن جرير الطبري

هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري ، ولد سنة
224 هـ ، في بلدة آمل عاصمة طبرستان ببلاد فارس .
عاش عصراً من أزهى عصور الإسلام تقدماً وإنتاجاً على جميع المستويات
الفكرية ، فقد كان عصر جمع وتبويب وتصنيف ونقد ، ووضع قواعد عامة للعلوم ،
واستقراء للجزئيات .
صفاته :
عفيف النفس ، لا يقبل الهدية إلا إذا كان يقدر على المكافأة عليها ، فيه زهد
وورع وتقوى ، رفض المناصب التي عرضت عليه . كان يتمتع بعقلية واعية نيرة ، وحافظة لاقطة ، وقلب نابض بالإيمان ، وعقيدة متينة ، ونفسية مطمئنة ، وجرأة
في الحق . حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين ، وأمَّ الناس وهو ابن ثماني سنين ،
وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين .
برع في الفقه والحديث والقراءات والنحو والحساب وغيرها ، ووهب العلم
عمره . وماله ، شهد له الجميع بسعة العلم ودقة التفكير .
كان شافعي المذهب ، ثم انفرد بمذهب مستقل لم يكتب له الدوام ، وذلك
لذهاب مدوناته ، وتفرق أصحابه وأتباعه .
رحلاته :
رحل إلى كل من الري ، والبصرة ، وواسط ، والكوفة ، وبغداد ، وبيروت ،
ومصر ، طلباً للعلم وبدلاً له ، إلى أن مات ببغداد عام 310 هـ .
من شيوخه :
في الحديث : محمد بن حميد الرازي ، وهناد بن السري ، وإسماعيل بن
موسى .
وفي التاريخ : محمد بن إسحاق بن خزيمة ، ومحمد بن أحمد بن حماد
الدولابي ، ومحمد بن موسى الحرشي ، وعماد بن موسى القزاز ، ومحمد بن الأعلى
الصنعاني ، وبشر بن معاذ ، ومحمد بن بشار بن بندار .
وفي الفقه : الحسن بن محمد الزعفراني ، وأبو سعيد الإصطخري ، والربيع
بن سليمان الجيزي تلميذ الشافعي .
وفي اللغة : أحمد بن يحيى ثعلب ..
وغيرهم كثير من مختلف المذاهب ، ومن مختلف الأقطار .
تلاميذه :
تتلمذ عليه الكثير من أشهرهم : أبو بكر بن كامل بن خلف ، وعبد العزيز بن
محمد الطبري ، وأبو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الطبري .
كتبه :
- جامع البيان عن تأويل القرآن (جامع البيان في تفسير القرآن) ، وقد اعتمد
في تفسيره هذا على المأثور الذي صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو
الصحابة رضي الله عنهم ، أو التابعين ، وكان يهتم بالأسانيد وتقييم الرجال ، ويبتعد
عن التفسير بالرأي ، ويعرض أوجه القراءات ، ويبتعد عن التعمق الفارغ
والتفريعات الهامشية والتكهنات غير المفيدة ، ويستشهد على المعنى اللغوي بأحاديث
المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وكلام العرب وأشعارهم ، ويعتني بالإعراب فهو
يوضح المعنى .
- تاريخ الأمم والملوك .
- كتاب آداب النفس الجيدة والأخلاق النفيسة .
- اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام .
- صريح السنة (يوضح فيه مذهبه وعقيدته) ..
- الفصل بين القراءات .
- آداب القضاة .
- فضائل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
وغيرها كثير ، ومما يدل على ذكائه وحفظه أنه قال :
لما دخلت مصر لم يبق أحد من أهل العلم إلا لقيني وامتحنني في العلم الذي
يتحقق به ، فجاءني يوماً رجل ، فسألنى عن شيء من العروض ، ولم أكن نشطت
له قبل ذلك ، فقلت له : علّي قول أن لا أتكلم في شيء من العروض ، فإذا كان في
غد فصر إلي ، وطلبت من صديق لي كتاب ( العروض ) للخليل بن أحمد ، فجاء
به ، فنظرت فيه ليلتي ، فأمسيت غير عروضي وأصبحت عروضياً.














































بحرجديد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اتهــام امهــات المؤمنين بتسميــم النبي عليه الصلاة والسلام رفيق الفجر منتدى الأديان والمذاهب المعاصرة 5 10-27-2009 12:50 AM
الحكمة من وفاة ابناء الرسول عليه افضل الصلاة والسلام ورود المستقبل مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 13 07-10-2007 11:17 PM
بكاء النبي عليه الصلاة والسلام غريب من صغري يوتيوب - أناشيد - خطب - محاضرات - كتب - قرآن كريم 7 11-05-2006 04:01 PM
شاعره مغربيه تلعن النبي عليه الصلاة والسلام الشروق1 خواطر , عذب الكلام والخواطر 6 05-12-2005 01:51 PM
قبر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ( من داخل الحجرة NANA77 مواضيع اسلامية - الشريعة و الحياه 5 09-27-2004 12:55 PM

الساعة الآن 08:15 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103