تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات القصص والروايات > قصص وحكايات عربية وشعبية وعالمية

قصص وحكايات عربية وشعبية وعالمية أروع القصص العربية الخيالية و قصص الحب الغرام العشق بين العشاق في عالم الروايات والقصص الطويلة, تمتع بقراءة القصص بدون اشتراك لأنها خدمة مجانية من منتديات عالم الرومانسية

قصص شهيرة - كنعان وحنضلة

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-30-2010, 03:19 PM   #1 (permalink)
دموع الملائكة
أمير الرومانسية
صاروخ المنتدى
 
الصورة الرمزية دموع الملائكة
 

ADS
إرسال رسالة عبر MSN إلى دموع الملائكة إرسال رسالة عبر Yahoo إلى دموع الملائكة إرسال رسالة عبر Skype إلى دموع الملائكة
Talking قصص شهيرة - كنعان وحنضلة







قصص شهيرة - كنعان وحنضلة


قصص شهيرة - كنعان وحنضلة

قصص شهيرة - كنعان وحنضلة



في نفق المسجد الاقصى

الله أكبرُ .. اللّهُ أكبر .. حيَّ على الصلاةِ .. حيَّ على الصلاة ..

قالها الأبُ وهو يتـوجهُ بهدوءٍ إلى بابِ الدار .. ولمّا لم يرَ ابنـه محمـداً وقد تجهّزَ للصلاة نهرهُ قائلاً : يـا مُحمـد أين أنت ؟ . . هيا بنا إلى المسجد الأقصى . . ألم تسمع الآذان ؟ ؟

وهرولَ محمـد ليلحـقَ والـده، مشـى بقـربهِ وهو ينبفضُ عن يديهِ قطـراتِ مـاءِ الوضـوء؛ نزل الدرجات الحجرية الأربع، ثم فتحَ والده البـاب الحـديدي الكبيـر ، فإذا بهمـا يدلفـان إلى ممر حجري تحيـط به الأسوار الحجرية من الجانبين . . كـان الممـرُ ممتلئـاً بالمشـاةِ في اتجـاهٍ واحد . . كلُّ النـاسِ يتوجهونَ في سيرهم إلى جهةٍ واحـدة . . باتجـاهِ المسجـد الأقصـى . . الأبوابُ الحديدية تفتح من اليمين واليسار ليخرجَ منها الرجالُ والأولادُ والنساءُ إلى المسجد . .

أطفـأ "الفـرّانُ" نار فرنهِ الصغير المطلَّ على الممـر ، وانضـمَ إلى المشـاة، تركَ "الحـلاّق" أدوات حـلاقتـه واتجـه مع الجيـران إلى المسجد. . بينمـا تركَ صـاحبُ المتجـر دُكـانََـهُ وانطلق إلى المسجد، ولما وصل محمـد إلى "باب حطّه"، حيّـا الحـارسينِ اللذين يحـرسـان البـابَ : يحبُ محمـد ان يحييهما كلما رآهمـا وهو داخلٌ إلى المسجد أو خارجٌ منه.

وجذب الأب ابنهُ من يـدهِ ودخـلا معـاً من "باب حطّه" إلى ساحة المسجد . . ومعَ أن المسافـةَ قريبةٌ جداً بين مسكنهِ والمسجد؛ إلاّ أنَّ محمـداً ينتظـرُ هذا اليوم بفارغِ الصبر لأنهُ يكونُ على موعد مع ابن عمّـه "نضـال" الذي يحضرُ إلى المسجد من باب آخر من أبواب القـدس يسـمى باب العامود . .

في كل اسبـوع يلتـقي محمـد ابن عمهِ نضالاً في المسجد، ليصليـا اولاً وليلعبـا بعد ذلكَ في ساحـة المسجد.

فمنذ أن هدمَ اليهـودُ منزل عمهِ أبي نضال في "حي الشـرف" وأقاموا مكـانهُ حيـاً لليهـود؛ ومنذُ رحلَ عمـهُ إلى مكـان بعيد خارج أسوار القـدسِ القـديمـةِ، ومحمـد لا يلتقي ابن عمـهِ إلاّ يومَ الجمعـة فقـط .
في ذلك النهـار، دبّـتِ الحـركـة في سـاحـات المسجد الأقصى الداخليـة والخارجيـة، وامتلأت الأروقةُ وقبةُ الصخـرةِ المشرفـةِ والزوايـا بالمصلين . . وتحدّثَ خطيبُ المسجد عن أهميـةِ الأقصى، لإسكـان اليـهود بدلاً منهـم فيهـا، ولكـنَّ أهم مـا استرعى انتبـاه نضـال ومحمـد في حديثـهِ هو مـا قـالهُ عـن الحفـريات اليهوديـة الجـديـدة تحتَ الحـائطين : الغربَّي والجنوبي للمسجد الأقصى، فمـا أن انتهت الصـلاة حتى انسحب الولـدان من جمـوع المصليـن، واتجهـا إلى الحـائط الغربيَّ من المسجد، وكأنَّ مغناطيسـاً جرَّهمـا إلى ذلك المكـان ! !

وصلَ الولدان فإذا بهمـا أمـام جرافـات كبيـرة لم يريـا مثلهـا من قبـلُ . . انسحبـا بهدوءٍ دون أن يراهمـا أحدٌ إلى منطقـةِ العمـل . . مشيـا قربَ السُّـور وبين الآلات كالقطط الضغيرة، وما ان ارتفع صوت أحد الجنود الحراس مناديـاً على العمّـال، حتى تراجعـا إلى الخلف بسرعة خشيـة أن يراهما الجندي، فوقعـا في إحدى الحفر دون أن ينتبه لهمـا أحدٌ ! ! ..

عميقةٌ تلكَ الحفرةُ التي وقـعَ فيهـا الولدان . . ظلا يهبطـان ويهبطـان دون أن يحسّـا بنهايـة الحفرة. . حفرةٌ كأنهـا دون قـاع، وهبـوطٌ سريعٌ سريعٌ، وظلامٌ دامسٌ يزداد اسـوداداً لحظةً إثرَ لحظـة . . غـاب صوتُ الولدين وغـاص قلبـاهمـا في رجليهمـا وارتعـدت فرائصهـا واهتزت ركبهما ولم يعودا يعرفـان أين وصلا . .

في قاع الحفرة شـاهدا شيخـاً عجوزاً ذا لحيـةٍ بيضـاءَ تصلُ إلى ركبتيـه، وولداً صغيراً في عمرهمـا يلبسُ بنطالاً ممزقاً ويضعُ يـده اليسـرى خلفَ ظهـره . . كـان في استقبالهمـا "كنعان" و"حنظـلة" ! !
قال كنعـان : أنا هنـا منذ خمسـة الاف سنة، منذ دخلتُ هذه الأرضَ وعمّرتها وبنيتُ بيوتها. . وما زلت أحفظ تاريخها المـاضي والحـاضر.

قالَ حنظلـة : أنـا هنـا منذ خمسين سنـة؛ منذ تركت الأرض وهجرتها وغبتُ عنها مع صديقي. . "ناجي العلي" . . . جئتُ إليهـا لأعرفَ مـا يجري بهـا وأنقلـهُ للعـالم ولمثلي من المهجَّـرين.

أحسَّ نضـال ومحمـد بالرهبـةِ لرؤيـة هذا الشيـخ العجـوز، إذ لم يكونـا قد رأياه من قبل . . ولكنَّ وقوف حنظلة إلى جانبه ببنطاله الممزق وشعرهِ الأكرت خففَّ من رهبةِ اللقـاء . . قال الشيـخ : وأنتمـا من أين أتيتمـا ؟

وبصوتٍ مترددٍ قـال الإثنان معاً: من القدس ! قـال الشيخ : أهلاً ومـرحبـاً بكمـا وبالقـدس الحبيبة .... عندهـا زالَ عن الولدين الشـعور بالخـوف أو القلـق. . وأحسّـا بالرغبـةِ لمعرفـةِ مـا يقولـهُ هذا الشيخ

قـال كنعـان: أعـرف مدينتكـم منذ كـان اسمهـا أورسالم؛ لقد شاهدتُ هجـرات القبـائل العـربيـة المختلفـة من الجزيـرة العربيـة لإقامـة النـواة الأولـى لهذه المدينـة في هذه البقعـة الجبليـة من جبـال القـدس ؛ رأيتهـم وقد اختـاروا أفضلَ المواقـع ليبنوا مـدينة باسم إله الكنعانين: إلـه السلام

ردّد محمـد قائـلاً :- إلـه السـلام: أورسالم أليس كذلك؟

قـال الشيـخ كنعـان : نعم أورسالم أو أورشالم. . مكـانٌ رائـعٌ يجمـعُ بين صفةِ الإنغلاقِ والإنفتاح ليكون فيمـا بعـد مهـد الديانـات السمـاوية الثلاث، اليهـودية والمسيحيـة والإسلاميـة . . . ولتبقى هذه المدينة العربية من أقدس بقاع العـالم ...
سكت الشيخُ قليلـلاً، ولكن نضـال قاطـع صمتـهُ قائلاً: ومتى أصبحَ اسمهـا "يبوس" إذن؟ قال الشيـخ كنعـان : عندمـا جـاء اليبوسيـون من الجـزيرة العربيـة، بنوا قلعـةً حصينـةً على الجهـةِ الجنوبيـةِ من أورسالم وسمّـوا المدينـة على اسمهم "يبوس". . . وتساءل محمد مستغـرباً : اليبوسيـون أيضـاً عـرب؟

قـال الشيخ كنعـان: نعم .. اليبوسيون والكنعـانيون والعمـونيون والمآبيـون وغيرهـم، إلا قبـائلُ عربيـةٌ ذات أسماءٍ مختلفـةٍ تمـاماً كمـا نقـولُ اليـوم الأردنيين والعراقيين والمصريين والتونسيين وغيرهم.. جميعاً عـرب بأسمـاء مختلفـة.. وأنتم تعـرفون أن سيـدَّنـا المسيـح عليـه السـلام عربي، ولدَ على هذه الأرض العربيـة ونشرَ الدينَ المسيـحي منهـا إلى بقـاع الدنيـا..

قـال محمـد : أتعني أنـه لم يسكـن هـذه البلاد العربية إلا قبائل عربية؟ نعم .. هذه الأرض مهمـةٌ وذاتُ موقـع مهـم ، وهي مهـدُ الأديـان السماويـة، فقد كانت مطمعَ بلـدان أخرى، فجاءَ الأسكندر المقدونيُّ من بلاد اليونان مع جيـوشـه الجـرارة واحتلهـا،وأقام فيهـا.. ثم جـاء الرومـان واحتلوهـا وأقـاموا فيهـا. . بل إنهم عندمـا احتـلوا القدس غيّـروا اسمها ليصبـح "ايليـاء" على اسم الإمبراطور الرومـاني "ايليـا قسـطنطين" الذي اعتنـق المسيحيـة وبنى فيهـا الكنـائس والأديـرة.

قـال حنظـلة وكأنه اكتشف أمراً مهمـاً: لذلك يقـولون إنّ لمدينـة القـدسِ هذه عـدة أسمـاءٍ: أورسـالم وأورشـليم ويبـوس وإيليـاء وبيت المقـدس طبعـاً.
وتـراءى لمحمـد ونضـال منظـر الإسكنـدر المقـدوني الذي فتحَ العـالم القـديم وبنى المـدن والآثارَ، وتراءت لهمـا الآثـار الرومـانيـة الضخمـة التي لا تـزال في هذه الأرض العـربيـة. ولكن حنظـلة قطـع صمتهمـا وهو يقـول: ظلت تسمـى "ايليـاء" إلى أن جـاء الخليفـة العربي عمـر بن الخطـاب، جـاء بنفسـه من الجزيرة العربيـة ليـدخل مـدينـة ايليـاء، ويعطيهـا العهد والأمـان، ويبقـي على كنـائسهـا ورجـال دينهـا المسيحييـن؛ وأهلها، بشـرطٍ واحـد .. "ألا يسكنهـا اليهـود أبـداً . ."

وتراءت للحـاضـرين صورةُ رجلٍ عربي قويٍ، يدخلُ مـدينـة القـدس وحيـداً إلا من خـادم لـه. . رأوا"عمـر بن الخطـاب" يجـرُّ راحلتـهُ ويقتـربُ من أقـدس بقعـة على الأرض بعد مكـة والمدينـة المنـورة . . كـان عمر قد أحبَّ القـدس قبـل أن يـراهـا .. فحبيبـهُ محمـد رسـول الله صلى الله عليه وسلـم، قد وصفهـا لأهـل مكـة في بدايـة دعوتـه للإسلام .. يومهـا لم يكن عمر قد أسلم بعد .. وكـان عدد المسلمين لا يزال قليـلاً. . يومهـا صدع الرسـول صـلى الله عليـه وسلـم بالآيـة الكـريمـة الأولى من سـورة الإسـراء L سبحـان الذي أسـرى بعبدهِ ليـلاً من المسجد الحـرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنـا حولـهُ لنريـهُ من آياتنـا إنـهُ هو السميـع البصيـر) فكـذبـه كثيـرٌ من أهـل مكـة، وسخـروا منـه.. فكيفَ يقطع إنسان في ليلةٍ واحـدةٍ، مسافـةً يقطعهـا الناسُ على جمـالهـم وأحصنتهم في أيام وليالٍ..؟ ولكنَّ الرسـولَ صلى الله عليـه وسـلم وصفَ لهـم مدينـة القـدس والطريق إليها والقـوافـل التي تمـر بهـا كمـا لو أنـهُ يراهـا أمام ناظـريه.. فلمـا أسلم عمر، أحبَّ مـدينة القـدس لأنها مسـرى رسـولهِ ومعـراجـه إلى السماء. فلمـا واصل نشر الـدعـوة الإسلاميـة إلى كل بلاد الشـام والعـراق؛ دخل هذه الدينة المقدسة "ايلياء" وتسلم مفاتيـحهـا من البطريـرك "صفرونيـوس"؛ سلماً لا عنوة. وأبقى العهـد لسكـانهـا بالسـلام والأمان؛ وكيـف يكـون السلام والأمـان إلا بخلوِّ المدينة المقدسة من اليهـود؟ .. وكيف يكـون السـلام والأمـان إلا ببنـاء المسأجد ودور العبادة ونشر العلم والتسامح؟...
قـال حنظـلة: أليس غـريبـاً أن يكـون اليهـود مصدر إزعـاج ومشاكل أينمـا سكنوا؟ أليس غريبـاً أن يشتـرط أهل القدس على عمر بن الخطـاب أن لا يسكن القـدس أحدٌ منهـم؟؟.

وتراءى للحضـور منظـر المهنـدسين المسـلمين يضعـون الخـرائط الهندسية لأهم بناء إسلامي .. ورأوا العمـال العـرب يمضـون السنين السبـع في بنـاء المسجد الأقصى والقبـة المشرفـة؛ تأتيهـم أمـوالـها من أرض مصـر العربيـة..

تململ حنظـلة في مكـانه وهو يقـول : إلى أن .. إلى أن . . فأضاف كنعـان قائلاً: نعـم إلى أن جـاء الصليبيـون..

دخلت الجيوش الجرارة من الرجـال الأوروبييـن الشقـر، يلبسون الصلبـان الكبيرة على صدورهم ، ويضعون القلنسوات العسكرية على رؤوسهـم: بعضهم راجلٌ يمشي على رجليـه؛ وبعضهم راكبٌ على الأحصنة، لقد تجمعوا من بلدان اوروبا وتقدمـوا إلى القـدس.. وشاهد الحاضرون هذه الجيوش تدخل القـدس وتقتل المسـلمين القـاطنين فيهـا .. بل أحسَّ محمـد بالدماء الساخنـة تملأ ساحة المسجد الشريف وتصل إلى ركبتيه.. ورأى نضـال كنـوز المسجد الأقصى ينهبها الصليبيون..

قـال كنعـان بحزن وأسى: لقد قتـل الصليبيون مـا يزيد على سبعين ألفاً من سكـان مدينة القـدس وسرقوا كنوزها وثرواتها.. ووضعوا صلبانهم على قبة الصخرة هذه، وحولوا مسجد عمر إلى إطبل لخيـولهم.. وخيّم الحـزن والسكـون على الحاضـرين.. ولكن حنظلـة قطع الصمت بقوله: انظروا .. لقد جاء صلاح الدين الأيوبي..

كـان محمـد قد سمـع بصلاح الدين الأيوبي، ولكنهـا كـانت المرة الأولى التي يراه فيها.. نعم رآه قادماً في لباسـهِ الجميل، وعمـامتهِ المميـزة يدخل القدس سلماً لا عنوة، ويسمح للآلاف من الصليبين فيها بمغادراتهـا لقـاء دفع الجزية. ثم رآه يزيل الصلبان عن المساجد ودور العبـادة، ويقوم بنفسه بإزالة القاذورات عن مسجد عمر والقبة المشرفة، ويشرف على شطف وتنظيف ساحـات المسجد الأقصى مع رجـاله.. رآه مـاء الورد على قبة الصخرة وأوراقه المسجد الأقصى وساحاته.. ثم يفرشه بالسجاد الرائع الجميل ..
ولكن أجمل ما رآه محمـد في عودة القـدس للمسلمين على يد "صلاح الدين الأيوبي"، منبر صلاح الدين إلى المسجد الأقصى!!

منبر من الخشب أمـرَ " صلاح الدين" عمّـه "نور الدين زنكي" أمير حلب بصنعـه.. منبر رائع في فن النقش والحفر والزخرفة .. جاء عشرات الرجال يحملونه ملفوفاً بالقماش ويضعونه في المكان المخصص في المسجد الأقصى..

فلما كشفوا أغطيته تعالت صيحـات الإعجاب والتهليل والتكبير، لجمـاله وروعة فنّـه.. وصعد صلاح الدين المنبر وألقى من عليه خطبة مؤثرة، أليس له أن يحمد الله كثيراً على نصره المؤزر له بإستعادة أراضي فلسطين من أيدي الصليبيين؟.. أليس له أن يحمد الله أكثر على دخوله بيت المقدس سلماً دون إراقة الدمـاء فيهـا؟.. ولكن صلاح الدين منذ اللحظة التي دخل فيهـا القـدس ببنـاء المبـاني الفخمـة فيهـا..

وبإحسـاس المعلم المجـرب؛ أحس الشيخ كنعـان أن محمـداً ونضـالاً لم يعودا يستوعبـان ما يقال لهمـا عن القـدس، فلم يرد أن يزيد عمّا قاله شيئاً وقال: أعرف أنكما لن تستطيعا معي صبراً ، فانطلقـا مع حنظلة لتلعبا في النفق!!

انطلـق محمـد ونضـال ليلعبا مع حنظلة، ولكن حنظلة لم يكن مستعدا للعب... فقال : لا أستطيع أن أتأخر كثيراً .. لقد وعدت صديقي "ناجي العلي" أن أعود إليه حال معرفتي بما يجري في القدس الآن.. وقد وعدني الشيخ كنعان أن ندخل القدس معاً.. ولكنه يقف في محطات التاريخ ملياً.. فماذا أفعل؟؟ .. وكيف أدخل القدس؟.. والتفت محمـد إلى نضال قائلاً: ونحن؟.. ألا ترى أننا يجب أن نعود إلى القدس إلى حيث تركنـا والدينا؟.. هيا بنا نحاول فقد نعرف الطريق.. هيا بنا.

وقلق الشيخ عليهم فقال: سأرافقكم حتى نهاية النفق فقط.. هيا بنا..
مشـى الأربعةُ مسـافـاتٍ كبيـرةً في النفق.. كان الظلام دامساً، فجـأةً قال حنظـلة للشيـخ: لم تخبـرنا لم هذا النفـق أيهـا الشيـخ الجليـل؟ . . وتنهـد الشيـخ قائـلاً :

آخ يا أولادي مـاذا أقول لكم؟ ومن أيـن أبـدأ؟ .. فمنـذ بدأت الحركـة الصهيونيـة وهي تؤكد لليهـود في شتى أنحـاء العـالم أنهـا ستعود إلى فلسطين لتجعـل القـدس عـاصمـةً لهم.. وحين أقام اليهود "دولـة إسرائيل" على الأراضي العربية الفلسطينية المحـتلة عـام 1948، كـانوا قـد احـتلوا حـوالـي ثلثي أراضي القـدس، وظلت البـلدة القديمـة ومـا فيهـا من مقدسـات بأيدي العرب.. ولكن وبعد حـرب عام 1967 احتـلت القوات الإسرائيلية بقية أراضي القدس وقتلت من كان يدافع عنهـا .. ومن يومهـا والقدس تتعرض لأشرس هجمـةٍ تريد القضـاء على الـوجـود العربي فيها. . نعم يخطط الصهاينة اليهود لتجهيز العرب: مسلمين ومسيحيين منها وهدم بيوتهم.. و..

وقـاطعه نضـال قائـلاً : نعم .. نعم.. لقد هدموا بيت أبي في "حي الشرف" وأقاموا مكانه الحي اليهودي .. أتذكر يا محمـد عندها هدم اليهود بيتنـا في "حي الشرف"؟ كان أول حي من الأحياء التي هدموها إثر احتـلالهم لمدينة القـدس عـام 1967 . . وتلاه حي المغاربة وباب السلسلة .. يومها قضينا أسبوعاً كـاملاً على أنقاض بيتنـا لا نريد أن نتركه، ولكن الجنود الإسرائيليين هددونا بالقتـل، وجـاءت الجرافـات الإسرائيلية فهدمت البيوت وسوتها مع الأرض.. أتذكر يا محمـد عندما انتقلنا جميعاً إلى بيتكم في "باب حطـة"؟..

نعم .. أذكر.. وبالرغم من مأسـاتكم إلاّ أننا كنـا سعداء بوجودكم بيننـا، كنـا لا نفترق أنت وأنا إلا عند النوم!
ولكن البيت ضاق علينا .. فأصر والدي على الإنتقال لأحد البيوت القريبة من الشيخ جراح.. تذكر تلك المنطقة أليس كذلك؟ وتذكر ذلك البيت أليس كذلك؟ .. لقد هدموه هو الآخر .. وصادروا أرضه والأراضي العربية المجاورة، أخذوها من أصحابها العرب، ليبنوا فيها مستوطنات لليهود.. يومها عادت الجرافات والمصفحات إلى المنطقة.. وحزن أبي لسوء حظه الذي يلاحقه، فحمل اخـوتي وأخواتي ووالدتي وجدتي إلى بيتٍ آخر في منطقة أخرى من القدس، وهو يعلم متى سيأتي دورها في مـخططات اليهود!!

قال محمد متسائلاً بدهشة: أنا إلى الآن لا أعرف لماذا يطردون العرب من بيوتهم ويحضرون بدلاً منهم يهوداً من أوروبا وأميركا ليسكنوا فيها؟..

أجاب الشيخ كنعان: يريدون تهويد القدس ومحـو التاريخ والحـاضر والمستقبل العربي فيهـا.. غيّروا أسماء الشوارع والساحات العربية فيها وأطلقوا عليها الأسماء اليهودية، وصادروا الهوّيات العربية غيروا مناهج التربية والتعليم في المدارس...

ومال محمـد على حنظلة قائلاً: أتعرف يا صديقي أننى أدرس المناهج العبرية؟ وذهل حنظلة وأحس ببلاطة كبيرة وقد هبطت على صدره فقال: أتعني أن الأطفال العرب يدرسون اللغة العبـرية بدل اللغة العربية؟ لا تخف يا صديقي، كل الأطفال العرب يعرفون العربية والعبرية معـاً..

فنحن لا نركن إلى مدارسهم، وما يريدون أن يعلمونا إياه من تاريخهم المزور! ! . .

وتابع الشيخ كنعان قوله: ولكن أهم عمليات تهويد الأرض العربية في القدس، هو محاولة القضاء على التراثين الإسلامي والمسيحي فيهـا بتدمير الأماكن المقدسة، ولأن الوجود العربي قوي ومتجذر ومن الصعب اقتلاعه دفعـةً واحدة، فهم يقومون كل يوم بأعمالٍ قذرة جديدة لهدم المساجد والآثار العربية..
وتساءل محمـد ببراءة: لمـاذا؟ . . وحتى يجعلوا هذه المدينة المقدسة يهوديةً بالكـامل، ويقضوا على أي وجود للعرب المسلمين أو المسيحيين فيهـا ..

وعاد محمـد ببراءةٍ ليتساءل: لماذا؟ .. لأنهم يدعون أن ملكهم سليمـان قد بنى الهيكل الإسرائيلي هنا في القدس، ولما لم يجدوا له أثر في كل الأماكن التي بحثوا فيها في أرض فلسطين وفي القـدس؛ فإنهم يريدون أن يهدموا المسجد الأقصى ليقيموا مكانه هذا الهيكل المزعوم . .

- وثار الأولاد الثلاثة مرة واحدة وصاحوا: يا الله.. يهدمون المسجد الأقصى ليبنوا الهيكل؟ .. يا له من منطق! ! وتابع الشيخ كنعان: وبحثاً عن أي أثر للهيكل المزعوم – الذي دمر قبل ميلاد سيدنا المسيح عليه السـلام على يد نبوخذ نصر الفارسي – فإن اليهود قاموا بحفر هذه الأنفاق تحت المسجد الأقصى ليجدوا آثار الهيكل فيها. .

وهبط قلبُ الأولاد خوفا وقالوا بصوتٍ واحد: وهل وجدوا شيئاً ؟ بالطبـع لا. . فبرغم كل محاولاتهم وكذبهم لم يستطيعوا أن يثبتوا وجود الهيكل أو آثار تدل وجودهم. بل إن كل المخطوطات التي وجدوهـا قـرب البحر الميت وأريحا تدل وتؤكد الوجود العربي المستمر لهذه الأرض .. أما احتلال اليهود والفرس واليونان والروم ومن ثم الصليبيين لهذه الأرض الفلسطينية، فكان فترات عابرة في زمن التاريخ الطويل .. لقد "عبر" اليهود كغيرهم هذه الأرض ولم يعمروها ، وظل العرب فيها منذ خمسة آلاف سنة وقبل ميلاد سيدنا المسيح بثلاثة آلاف سنة فيها : يعمرونها ويزرعونها، وكما تعرفون يا أولادي فهؤلاء العابرون يروحون كما يجيئون وتبقى الأرض لأصحابها الحقيقيين...

ساد الصمت نفوس الأولاد .. كان كل منهم يفكر بما قاله الشيخ، وقد مشوا مسافات كبيرة في النفق وتعودت أعينهم على الظلام، فمـا أن وصلوا إلى منعطف في الطريق تبعته منطقةٌ مضيئة،، حتى تراجعوا إلى الخلف من وهج الشمس القوي. .
اقترب محمـد بحذر من الفتحـة، خشي أن يفـاجئـهُ أحدٌ أو حيوانٌ مفترس . . فلما اطمـأنَّ، أشار إلى رفيقيه فتبعـاه.. وصعد الأولاد من النفق بعد أن ودعـوا شيخهم كنعـان. . ساروا قليلاً فإذا بهم في منطقة سكنية ضخمةٍ .. بيوتٌ بل غابات من البيوت الإسمنتية والحجرية ترتفع لتسدَّ عين الشمس.. نظامٌ معماري حديث لكنه عبارة عن جدران وشبابيك وعمارات متلاصقة .. عشرات ببل مئات من العمارات والشـقق؛ وتساءل حنظلـة:

ما هذه العمـارات ؟ ومن هم سكانها؟ .. وهل ابتعـدنا إلى هذا الحد عن القـدس؟ .. ولكن نضال تنهـد وقال: لا. . لم نبتعد كثيراً .. ما زلنا في القدس ولكنهـا ليست القـدس التي كنـا نعيش فيهـا.. ولا القدس التي حدثنا عنها الشيخ كنعان. . إنهـا القدس الكبرى: المدينة التي يبنيها اليهود ليحيطوا بالقدس القديمة ويغيروا معالمها .. لقد شاهدت مثل هذه المباني في "حي الشرف" الذي كنا ننعيش فيه في القدس القديمة والذي استولى عليه اليهود وأقاموا فيه مستعمرتهم الأولى: حي اليهود.. وشاهدت مثلها في الشيخ جراح عندما صادروا البيوت والأراضي العربية هناك؛ هذه المستعمرات الضخمة تفقد القدس جمالها.. لقد سمعت والدي يقول إن المهندسين العالميين يرفضون هذا النوع من البناء لأنه يفقد المدينة جمالهـا وروعتها.. لكن اليهود لا يأبهون لتحذيرات المنظمات العالمية بضرورة المحافظة على تراث القدس الحضاري والإنساني العظيم. .

ولم يكد نضال يذكر كلمة "والدي" حتى تغير صوته ولم يستطع أن يكمل جملتـه.. بل إن محمداً أيضاً تغير وجهـه وكأنه تذكر شيئاً كان قد نسيه تمامـاً..

وتساءل حنظـلة: مـا الأمر؟ .. قـالا معـاً : والدنا.. لا بد أنهما الآن يفتشان عنّا .. لقد كنا معهمـا قبل قليل نصلي في المسجد، فأين همـا الآن يا ترى؟ . . وأين نحن من المسجد الأقصى؟
صعد الأولاد الثلاثة سطح أحد البيوت القريبة.. لم يكن أحد يحس بهم أو يراهم.. ولكنهم كانوا يرون كل شيء.. وما أن وقفوا على السطح حتى صاح حنظلة: يا الله .. مـا أجمل هذا المنظر .. ما أجمل منظر القدس القديمة من هنا .. الصخرة المشرفة بلونها الذهبي تلمع في بقعة عالية وفي منتصف مساحة من الأرض المنبسطة.. ترتفع على بناء له ثمانية أضلاع، فيروزي اللون.. تحيط به أقواس حجرية رائعة ونقوش أروع .. انظروا إلى هذه الساحات الحجرية الرائعة وإلى هذه القبب والأقواس وإلى هذه الأسوار الضخمة.. بل انظروا إلى شجر السرو الأخضر الرائع يتوزع بشكل جميل بين أجزائها.. لله ما اروع هذا المنظر.. وما أجمل هذه الألوان ! وما أحلى الذهب !

كانت أشعة الشمس تنعكس عن قبة الصخرة الذهبية فتعطيها بريقاً أخاذاً يزيد من روعتها وأهميتها وقدسيتها .. فتساءل حنظلة عمن بنى الصخرة والمسجد الأقصى ومن طلاها بالذهب فقال محمـد: الذي أعرفه من والدي أن الخليفة الأموي "عبد الملك بن مروان" بنى قبة الصخرة المشرفة، وأن ابنه " الوليد بن عبد الملك" بنى المسجد الأقصى، وتبارى الخلفاء والحكام المسلمون في بناء المساجد والقصور ودور العلم في المدينة، ولما جاء الملك حسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية اهتم بالقدس وبالمسجد الأقصى، فأمر بطلاء هذه القبة بالذهب.

ولكن محمـداً تسمر في مكانه وهو يحدق إلى مكان بعيد في الجانب الخارجي من سور المسجد، لقد رأى الجرافات التي تحفر الأرض لا تزال تعمل في الحفر .. فلما رآه حنظلة يحدق في المكان، حدّق هو الآخر مستغرباً فقال: ما هذه البقع والخطوط السوداء التي تنتشر كالصراصير وأسراب النمل هناك؟ ..
آه !! .. إنها ليست بقع صراصير ولا أسراب نمل.. إنهم رجال الدين اليهودي يلبسون البدلات السوداء والطواقي السوداء ويرخون لحاهم ويطيلون شعرهم؛ ويضفرونه حتى ليبدو شوارب أو قرون استشعار، ويسيرون بحراسة الجنود الصهاينة ليصلوا في المسجد الأقصى!!

صاح حنظلة : يصلون في المسجد الأقصى؟ .. محمد: يحاولون "يحاولون" دخوله والصلاة فيه. وكلما سنحت لهم الفرصة أو غابت أعين الحراس العرب عن أبواب الحرم حاولوا الدخول إليه والصلاة رحبت، وأصروا أن يهدموا المسجد الأقصى ليقيموا مكانه هيكلهم المزعوم.. حنظلة: تبّت أيديهم .. ولعنهم الله في الدنيا والآخرة.

نزل الثلاثة من السطح دون أن يراهم أو يحس بهم أحد، وساروا في الشوارع يبحثون عن وسيلة للوصول إلى القدس القديمة .. كانا يعرفان اللغة العبرية فقرأ اللافتات على الشوارع.. شاهدوا مجموعة من الصبية اليهود يلعبون في أحد الشوارع، اقترب "نضال" منهم فلم يتحركوا .. اقترب من أحدهم أكثر فلم يحس به.. أخذ الكرة من بين رجليه، فتلفت الفتى يمنةً ويسرة يبحث عن الكرة بدهشة وضيق .. قال نضال: انظر .. أخذت منه الكرة فتضايق .. فكيف لو أخذت دراجته وسريره؟ كيف لو هدمت بيته وحرمته من مدرسته وأقاربه؟ بل كيف يريد اليهود أن يهدموا مكان عبادتي ليقيموا فيه مكان عبادتهم؟.

في تلك اللحظة مرَّ عشرات من الجنود الإسرائيليين يحملون البنادق والرشاشات ويسيرون بسرعة.. تمنى "نضال" لو يأخذ منهم بنادقهم : مصدر قوتهم وجبروتهم، لكن محمداً شده من يده، فترك الكرة، وأكملوا سيرهم حتى وصلوا إلى شارع "صلاح الدين" فتنهد الولدان وقالا: لقد وصلنا .. هذا هو شارع صلاح الدين الذي يقع فيه دكان والدينا لبيع "السوفنيرز" للسياح..
واستغرب حنظلة كلمة "سوفنيرز" فخجل من نفسه وقال له: إنه دكان والدي وعمي لصنع التحف الشرقية والهدايا للسياح..

لم يكد حنظلة يصل إلى سور القدس القديمة حتى انطلق لا يلوي على شيء.. كان منظر القدس من المكان العالي قد أثار في نفسه الرغبة أن يسير على أرضها وأن يلمس حجارتها بيديه.. أراد رؤية البيوت والمساجد والأزقة.. أراد أن يحس ثبات القدس وعمق ارتباطها بالتاريخ العربي والإسلامي: في سورها القوي وحجارتها الضخمة وآثارها الرائعة..

كانت أحجار المدينة تربطه وبشدة إلى عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي والخلفاء الأمويين والعباسيين وإلى مماليك مصر وحتى العثمانيين.. نزل إلى الشوارع تملأ الدهشة الممزوجة بالفرح نفسه.. هذه الأرضيات المبلطة بالحجارة ما أروعها .. وهذه الشوارع المسقوفة ما أحلاها وتلك الأقواس ما أبهاها .. دخل أبواب القدس المفتوحة والمغلقة : باب العامود، باب دمشق، باب الخليل، باب المغاربة، باب الساهرة، وباب ستنا مريم، باب النبي داوود وباب السلسلة.. شاهد الهندسة العربية الإسلامية الفريدة في بناء البيوت والأسواق وفي زخرفتها زنقشها؛ ولكنه لم يستطع إلا أن يتوقف طويلاً في أحد الأسواق!!

كانت سلال القش تتدلى على جدران السوق بألوانها الجذابة ؛ تنافسها مفارش القش الملونة المعلقة في السقوف تحكي قصة نسجها بأيدي الفلاحات الفلسطينيات الماهرات. وكان الرجال يجلسون على حافة الطرق يطرقون بأزاميلهم قطع النحاس ليجعلوا منها تحفاً فنية جميلة.. بينما يعرض الباعة قوافل الجمال وقبة الصخرة وكنيسة القيامة من خشب الزيتون الرائع.. أو من الفضة والنحاس والجلد.. كلها من صنع الأيدي الفلسطينية الماهرة.. كل أب تعلمها من أبيه وجده وعلمها لأولاده.. تاريخ متصل من الأجداد إلى الأبناء، يعرضونه للسياح والزائرين؛ ليمسكوا بأيديهم جزءاً من تاريخ وحضارة هذه المدينة الأحلى والأقدم والأغنى برموزها الخالدة: السيدة مريم، كنيسة العذراء، المسجد الأقصى قبة الصخرة، والجمال والخيول والملابس المطرزة..
مدينة غنية رائعة بأهلها وبالقادمين إليها من كل مدن وقرى فلسطين المجاورة.. هذا يحمل إليها خضار أرضه لبيعها وذلك يحمل صناعاته اليدوية لعرضها، وذلك يحضر للصلاة في مسجدها، مدينة تضج فيها الحياة وتتداخل فيها الأيام والعصور..ولكن فرح حنظلة لم يطل .. فما أن مشى قليلاً حتى فوجئ بحفريات كبيرة في منتصف الطريق، ووجد أكواماً من الرمل والحجارة والمياه الراكدة أمام الدكاكين ، بل وجد العشرات من الآلات تصدر أصواتا مزعجة تقف في منتصف الشارع ..

وشاهد عشرات الدكاكين على جانبي ذلك المكان مقفلة .. التفت حنظلة إلى زميليه فقال محمد بأسى : ذلك واحد من تصرفات اليهود للتضييق علينا نحن العرب الفلسطينيين ... في مدينتا وأرضنا .. كل يوم يخترعون أسلوباً جديدا لمضايقتنا لنرحل عن أرضنا.. حجج كاذبة لتبقى شوارعنا مليئة بالوحل والرمل والمياه، فلا نبيع ولا نشتري بل ندفع فقط . ندفع ضرائب للدولة اليهودية بالآف الدنانير.. أترى تلك الدكان المغلقة؟ ذلك أحد أقاربنا اضطر لقفلها ، ثم اضطر لترك القدس عندما سحب اليهود منه هويته المقدسية.. اترى تلك الدكان المغلقة الأخرى؟ صاحبها لا يستطيع دفع الضرائب المترتبة علىه ولا يدري ماذا يفعل.. حتى دكان والدي هناك في نهاية الشارع لا تكاد تكفينا ...

واصل الثلاثة سيرهم دون أن يحس بهم أحد وعن بعد تراءت لمحمد ونضال دكان والديهم، وتساءلا ماذا سيكون عقابهما لتأخرهما في العودة .. وفيما الثلاثة منشغلون كل فيما يدور في خلده، إذ بحفرة كبيرة من حفر الشارع تبتلعهم دون أن يراهم أحد !!

فرك محمد عينيه وهو يتساءل أين أنا؟ .. ونظر نضال يمينه وشماله ثم أعلى منه وهو مندهش من المكان الذي هو فيه.. قام محمد من مكانه ونظر من فوهة الحفرة فإذا هو في ساحة المسجد الأقصى .. وضع قدمه على كتف ابن عمه وصعد الحفرة، ثم أمسك بيد ابن عمه ورفعه إليه؛ ويا لهول ما رأيا !!
كانت الجموع تملأ الشوارع في القدس .. رجال ونساء وأطفال: خطباء المسجد الأقصى وحراس أبوابه وسنتدته ومؤذنيه.. مصلون من أبناء القدس والقرى التي حولها.. أطفال من مختلف الأعمار. وفي المقابل كان رجال الشرطة الإسرائيلييون يتجمعون من هنا وهناك.. وأسقط في يد الولدين ولم يعرفا من أين أتيا وإلى أين يتجهان.. وبحثا بعينيهما بين الجموع عن أحد يعرفونه.. وفي البعد رأى محمد جارهم الفران.. فتسلل بين الحشد محاولاً الوصول إليه وسؤاله: ما الأمر؟ .. أهي معركة أما ماذا؟

ولكن الفران كان مشغولاً عن محمد يهتف مع الجمع ضد اليهود والإحتلال الصهيوني: فلسطين عربية، والقدس عربية .. أخرجوا من أرضنا، من بيوتنا من مساجدنا.. سنبقى هنا ندافع عن أقصانا..

وصلت الجماهير المتظاهرة منطقة حفريات النفق ، خارج السور الغربي للمسجد الأقصى، .. وأشغلت النار في الجرافات الإسرائيلية .. لحظات وانهال الرصاص من كل جانب على المتظاهرين؛ وسقط الفران يتخبط بدمائه!!

لم يستطع محمد أن يقترب من الحدث.. كان قد ابتعد عن الجموع محاولاً البحث عن أبيه وعمه.. ولما لم يجدهما شعر بالخوف والرهبة .. هل يكونان قد عادا إلى البيت ولم يشتركا في المظاهرة ضد اليهود؟ هل خافا من الجنود الإسرائيليين وآثرا الإختباء حتى تنتهي المظاهرة؟ وهل سيغضبان منه ومن ابن عمه نضال إذا اشتركا في المظاهرة .؟

لقد امتلأت قلب محمد بالحقد والغضب على اليهود الذين لم يكتفوا باحتلال القدس؛ بل هم يحاولون هدم المسجد الأقصى الذي يحبون..
كانت الجموع تملأ الشوارع في القدس .. رجال ونساء وأطفال: خطباء المسجد الأقصى وحراس أبوابه وسنتدته ومؤذنيه.. مصلون من أبناء القدس والقرى التي حولها.. أطفال من مختلف الأعمار. وفي المقابل كان رجال الشرطة الإسرائيلييون يتجمعون من هنا وهناك.. وأسقط في يد الولدين ولم يعرفا من أين أتيا وإلى أين يتجهان.. وبحثا بعينيهما بين الجموع عن أحد يعرفونه.. وفي البعد رأى محمد جارهم الفران.. فتسلل بين الحشد محاولاً الوصول إليه وسؤاله: ما الأمر؟ .. أهي معركة أما ماذا؟

ولكن الفران كان مشغولاً عن محمد يهتف مع الجمع ضد اليهود والإحتلال الصهيوني: فلسطين عربية، والقدس عربية .. أخرجوا من أرضنا، من بيوتنا من مساجدنا.. سنبقى هنا ندافع عن أقصانا..

وصلت الجماهير المتظاهرة منطقة حفريات النفق ، خارج السور الغربي للمسجد الأقصى، .. وأشغلت النار في الجرافات الإسرائيلية .. لحظات وانهال الرصاص من كل جانب على المتظاهرين؛ وسقط الفران يتخبط بدمائه!!

لم يستطع محمد أن يقترب من الحدث.. كان قد ابتعد عن الجموع محاولاً البحث عن أبيه وعمه.. ولما لم يجدهما شعر بالخوف والرهبة .. هل يكونان قد عادا إلى البيت ولم يشتركا في المظاهرة ضد اليهود؟ هل خافا من الجنود الإسرائيليين وآثرا الإختباء حتى تنتهي المظاهرة؟ وهل سيغضبان منه ومن ابن عمه نضال إذا اشتركا في المظاهرة .؟

لقد امتلأت قلب محمد بالحقد والغضب على اليهود الذين لم يكتفوا باحتلال القدس؛ بل هم يحاولون هدم المسجد الأقصى الذي يحبون..
امتلأ قلبه بالغضب على اليهود الذين هدموا بيت عمه وبيوتاً أخرى كثيرة في محاولة لإنشاء مستوطنات لليهود .. وامتلأ قلبه بالحماس وهو يرى أبناء القدس يخرجون للدفاع عنها في "انتفاضة الأقصى" ويرفضون الذل والمهانة.. فأمسك بالحجارة التي امتلأت بها الطرقات جراء الحفريات؛ وانهال بها على الجنود الإسرائيليين .. لم يدر ما الذي جرى بعد ذلك .. لم يحس إلا وهو يفتح عينيه في المستشفى وقربه أمه .. كانت الدموع تملأ عيني الأم وهي تتحسس رأسه وذراعيه وتساءل محمد بضعف: لأين نحن يا أمي .. أين والدي؟ أين نضال .. أين عمي؟ بل أين كنعان وحنظلة؟

وظنت الأم أن ابنها يهذي، فانهمرت دموعها وهي تحتضنه وتقول : لا تخف يا حبيبي أنت هنا في المستشفى .. ولم تكمل جملتها فقد غص حلقها بالبكاء ولاحظ محمد أن عدداً كبيراً من الناس قد ملأوا المستشفى أيضاً، وأن الممرضات يتراكضن بين الممرات فقال: وهل جرح كثيرون غيري؟ نعم .. يا ابني .. جُـرح كثيرون و ...

ولم تستطع أن تكمل .. وماذا يا أمي.. لا شيء.. ستعرف ماذا جرى فيما بعد ..

وتراءى لمحمد منظر الجنود الذي رآهم قرب المستعمرة يحملون البنادق.. وتمنى لو أنه فعلاً أخذ منهم بنادقهم كما أخذ منهم بنادقهم كما أخذ نضال من الأولاد اليهود كرتهم .. إذن ما استطاعوا أن يطلقوا الرصاص عليه وعلى المتظاهرين..

ومن بعيد شاهد الفران ينام على سرير آخر في نهاية الممر.. فحياه فرحاً برؤيته.. وعاد إلى تساؤله عن والده وعمه: لماذا لم يحضرا إذن إلى المستسفى لعيادته والسؤال عنه؟
بعد يومين .. وعندما عاد محمد إلى بيته جاءه الجواب من والده: لقد استشهد عمك أبو نضال في المظاهرة ... أطلق عليه الجنود النار وهو يحاول إحراق الجرافة ، فاستشهد على الفور.

ملأ الحزن قلب محمد،.. وانهمرت الدموع من عينيه .. لماذا عمي أبو نضال يا رب؟ لماذا؟ .. ألم يكفه ما تعذب على أيدي اليهود ؟ ألم يكفه طرده من بيته وهدم بيته أمام عينيه في حارة الشرف؟ ألم يكفه طرده من الشيخ جراح؟ .. لماذا يطاردونه حتى الموت في أرضه التي ولد عليها وعاش فيها هو وأجداده العرب أكثر من خمسة آلافسنة؟ .. لماذا يأتي اليهودي من أوروبا وأميركا ليطرده من الأرض ويسكن هو فيها؟... لماذا يريدون هدم المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله والذي أسرى إليه رسوله ليبنوا مكاهن هيكلهم المزعوم؟ أي حق لهم بحمل كل أنواع الأسلحة الأمريكية لضرب السكان العرب.

عانق محمد ابن عمه نضال طويلاً .. شد على صدره وبكيا كثيراً .. تمنى لو أنه ينادي على حنظلة ليشاهد ظلم اليهود لهم ... ناداه بصمت وحرقة وألم .. ألا تريد يا حنظلة أن تنقل لصاحبك "ناجي العلي" ما يجري على أرض القدس.. ألا تريد أن تنقل آلامنا إليه؟ .. ألن تطلب من العرب والمسلمين أن يهبوا لنجدتنا والدفاع عن القدس؟..

أما نضال فقد تمنى هو الآخر أن يكون كنعان قد سجل في سجل التاريخ صمود العرب: المسلمين والمسيحيين في الأرض المقدسة . ناجاه بصمت أن يسجل نضال أهل القدس والقرى المحيطة بها ضد الإحتلال البغيض .. ألم يسجل للعرب تعميرهم الأرض منذ آلاف السنين؟ ألم يسجل زوال الجيوش الغازية عليها؟ فمتى سيسجل إذن زوال هذا الإحتلال الصهيوني يا ترى؟ ... متى ؟؟

تمت




دموع الملائكة غير متصل  
قديم 05-31-2010, 01:33 AM   #2 (permalink)
K.S.A F.15
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية K.S.A F.15
 
شكرا على الطرح

المميز

دمت بود
K.S.A F.15 غير متصل  
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أكلة شهيرة في كولومبيا اصغر ملك عجائب وغرائب 17 03-27-2010 01:18 AM
دمشق تنفي أي طلب رسمي يتضمن تشريح جثة كنعان ṨᾏṜƓƠṊ اخبار 24 ساعة - سبق عاجل من أنحاء العالم 3 10-22-2005 12:26 PM

الساعة الآن 11:04 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103