تصفح

سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ( ثلاثة مرات ) .

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( 10 مرات ) كلمتان حبيبتان الى الرحمن وثقيلتان في الميزان




العودة   منتديات عالم الرومانسية > منتديات القصص والروايات > روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة

روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة من اجمل الروايات الرومانسية والاجتماعية بين يديك في صفحة واحدة, تمتع بقراءة ما تحب في منتديات القصص والروايات

روايات طويلة - رواية الهروب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-21-2009, 01:35 PM   #1 (permalink)
bat man 16
رومانسي فعال
 

ADS
Wink روايات طويلة - رواية الهروب




أشرقت الشمس منذ مدّة طويلة.</strong>
أمّا هذه البلدة الشبيهة بالقرية الكبيرة، المستلقية على سفوح جبال كاوور، فيصل الصَّباح إليها متأخراً جداً عن وصوله إلى بقية البلدات والقرى في السهل. هذه البلدة رغم قرميد أسطحة منازلها الأحمر، ومآذن جوامعها، وضجيج الشاحنات الصغيرة المتنقلة بين البلدات والقرى المجاورة، في كل ساعة من ساعات اليوم، ورغم أصوات ميكروفونات دارَي السينما المرتفعة خاصة في ليالي الصيف. كانت أشبه بقرية كبيرة، والشمس المشرقة خلف الجبال الشاهقة تُطل عليها بوجهها المنير بعد عدّة ساعات على الأقل من شروقها.‏ </strong>
كانت جبال كاوور كأنها تحتضن هذه البلدة.‏ </strong>
وكانت أشجار غاباتها بجذوعها الضخمة التي لم تمتد إليها فأس، تتعالى سامقة، وحين يلتهب السهل بحرارة الصيف الصفراء، تنعم البلدة ببرودة رطبة. وفي الشتاء تصد هذه الأشجار الضخمة المتطاولة إلى عنان السماء، العواصف وتردّ الصقيع الحاد كالسكين عن البلدة. كانت الغابة تحمي أهالي البلدة من تقلبات الطقس القاسية.‏ </strong>
هبَّت هاجر مذعورة من فراشها الممدّد على الأرض في بيتها المكوَّن من غرفتين محاطتين بجدران من الصفيح المهترئ، كانت تتصبَّب عرقاً، وقد أفاقت من خدرها اللذيذ على أصوات قطيع الأبقار والجواميس التي ما زالت تتزاحم وتتدافع وتخور.‏ </strong>
حقاً ما أجمل ذلك الحلم الذي حلمته ولم تشبع منه!‏ </strong>
تنهَّدت. وتوقفت نظراتها الزائغة على ستارة الغرفة البيضاء، ما زال الحلم الذي رأته قبل قليل يداعب مخيلتها... تساقطت أشعة شمس الصباح الصفراء الباهتة على الستارة. لم تلاحظها. ولا يمكن أن تلاحظها. فالحلم الذي رأته قبل قليل مَلَكَ عليها فؤادها. إذ كانت كلما استيقظت وقد حلمت بزوجها يصعب عليها أن تستجمع عقلها وتلملم نفسها. وكانت نظراتها الزائغة لا ترى ما حولها، حتّى لو صادفت هذه النظرات ابنها، رفيق روح أمه، الصغير بعمره الكبير بعقله، فإنها لم تكن لتراه.‏ </strong>
نعم لقد رأت زوجها في الحلم، وقد جاء محمّلاً بالهدايا، وسدَّ ببنيته الفارعة باب الدار المحاط بجدران من الصفيح المتآكل، أيْ باب بيته الذي لم يسأل عنه ولو برسالة من سطرين منذ أن غادره قبل سبع سنوات.‏ </strong>
اغرورقت عيناها وتبللت أجفانها.‏ </strong>
هو، جاء بوجهه الحليق للتوّ كما كان صبيحة مغادرته الأخيرة لبيته، وبشاربيه الأسودين الشائكين الكثَّين، لكن اللائقَين جداً به، وقال لها مقهقهاً: "ـ لقد جئت!"، "لماذا تنظرين إلي هكذا باستغراب؟ ها قد جئت. جئت من مسافات بعيدة. الغبار والتراب يلفّني. هيّا سخِّني ماء. وأجلسيني أمامك واغسلي رأسي بالماء والصابون كما كنت تفعلين سابقاً!".‏ </strong>
غصَّت هاجر.‏ </strong>
قبل سنوات عديدة ومنذ أن كانت عروساً جرجرت نفسها ومشت خلف زوجها وجاءت معه إلى هنا من مدينتها التي تضج بالحياة، توفي والدها وهي لا تزال في المهد، فعملت أمّها في بيوت الناس لكي تربيها، وغسلت أغطية وملاءات الفنادق وملابس الزبائن الداخلية، ثمّ ولعدم قدرتها على تحمّل عبء المعيشة الثقيل تزوّجت من شخص لا تعرف الكثير عنه ظناً منها بأنها ستصل بذلك إلى الرغيف الجاهز.‏ </strong>
لكن من أين؟‏ </strong>
كان الرجل يَجني، ويُنفق ما يجنيه في اليوم نفسه في دور السينما وفي الملاهي وعلى شهواته وملذاته الجنسية، وعلى خمره وشرابه ولكونه بهذا الانحطاط اضطرت المرأة إلى ترك ابنتها هاجر وحيدة في البيت والعودة إلى طرق أبواب الناس لغسل ملابسهم. كانت سابقاً تعمل من أجل هاجرها. أمّا فيما بعد، فصحيح أن زوجها منحط الأخلاق، لكنه ما أن يضمّها بين ذراعيه حتّى يطقطق عظامها، ويمنحها بسخاء لذَّة ونشوة لا حدود لهما، لذلك صارت تعمل بحب ورضا من أجل تأمين خمر وشراب زوجها المنحط!‏ </strong>
كانت هاجر حينها في حوالي الثامنة أو العاشرة من عمرها. طفلة غير مكترثة بالحياة، تداوم على الصف الثالث في إحدى مدارس المدينة الابتدائية. وجسمها الصغير تحت طيّات الصدرية السوداء ذات القبّة البيضاء يحمل رأساً مليئاً ببهجة الأحلام الطفولية البهيّة الزاهية. كانت مبهورة بين القطط التي تُطارد بعضها كالصواعق، وطيور الأبابيل التي ترسم تعرجات قاسية وهي تطير في الفضاء الأزرق. وربما كانت ستستمر في انبهارها هذا طيلة عهد طفولتها الذهبي. لكن حين صحت يوماً على صراخ أمها وهي تتلوى تحت وطأة ألم مخيف، وحين حملوا أمها ونقلوها على عَجَل إلى مستشفى المدينة الكبير، لامست قدما هاجر الأرض، وكأن أجواء الفضاء الأزرق، المُشبعة بالأحلام الزاهية، قد طارت وارتحلت بعيداً.‏ </strong>
حسناً ولكن أمها؟ أين هي ماماتها؟ هي تعرف، لقد نقلوها إلى المستشفى، ولكن، ما كل من يذهب إلى المستشفى يرفض العودة! هم وإن فقدوا نضارتهم، وإن غارت وجناتهم، يعودون إلى أولئك الذين تركوهم في البيت، ويضمّون أبناءهم بين أذرعهم. هي ذي أم آيلا التي عادت من المستشفى مع شقيق صغير، وهي ذي خالة فيليز التي عادت من المستشفى بعكازين، وأم عائشة، وأم فاطمة، وأم نرجس...‏ </strong>
وفي إحدى الأمسيات، عاد زوج أمّها إلى البيت، وهو يترنّح مخموراً كعادته، وغمغم قائلاً:‏ </strong>
"ـ إي... كفى!"‏ </strong>
قطعت بكاءها فوراً. وأجرت دموعها إلى أحشائها، ولكن أين أمها؟ أين هي ماماتها؟ لماذا لا تعود كأمهات وخالات الآخرين؟ لتعد ولو بدون نضارة، ولو بوجنتين غائرتين، يكفي أن تعود، حتّى ولو بعكَّازين!‏ </strong>
"ـ أَبَتي؟".‏ </strong>
"ـ ماذا هناك؟".‏ </strong>
"ـ كنت سأسأل سؤالاً ولكن...".‏ </strong>
كان الرجل يحتسي الخمر، وبعينين نصف مغمضتين غمغم من فوق الطاولة:‏ </strong>
"ـ ماذا ستسألين؟ هل ستسألين عن أمك؟ أمك لن تعود، لقد ماتت. انسيها، وسوف أحضر لك أمّاً شابّة عمّا قريب!".‏ </strong>
"ـ ...........................؟".‏ </strong>
هنا، في هذه اللحظة ولَّت أيام هاجر الزاهية، وصارت الدنيا مظلَّلة، بل لقد اسودَّت الدنيا في عينيها. فهي لا تريد أماً أخرى. إنها مستعدّة لتحمُّل تأنيب أبيها، وحتى لتحمُّل ضرباته، على أن لا تأتي أم أخرى. لكنَّ أباها لم يصغ إليها.‏ </strong>
أحضر في البداية شابّة طائشة على أنّها زوجة أب، وبعد شهر... خمسة أشهر، وفي أحد الأيام، هل هربت المرأة؟ أم أن أباها أرسل المرأة إلى بيت أبيها؟ لم تقطع هاجر بذلك، وماذا يعنيها؟‏ </strong>
وبعد ثلاثة أشهر، زوجة أب جديدة. هذه كانت أكبر سناً من تلك لكن هذه كانت تُدخل إلى البيت رجلاً يتسلّل كاللصوص في غياب أبيها وتقول لهاجر:‏ </strong>
"ـ اذهبي والعبي في الزقاق يا بنت، وإياك أن تفتحي فمك وتقولي شيئاً لأبيك، فإن فعلت، والله، بالله سوف أفرم لحمك فرماً!".‏ </strong>
ولخوفها لم تكن هاجر تتفوّه بكلمة واحدة، فهي تعرف أنه ليس أباً حقيقياً، بل هو زوج أمّها، ومعاملته لها سيئة، ولأنه يحب المرأة حباً شديداً فهو لن يصدّق هاجر، والأسوأ من ذلك أنه سوف يقتنع بكلام المرأة ويوافقها، وعندها من الواضح أنه سوف يضرب ابنته الصغيرة بلا رحمة ولا شفقة.‏ </strong>
وفي أحد الأيام، عندما اختفت تلك المرأة المتّجهمة من الوجود مع ذلك الرجل الذي كان يتردّد على البيت كاللصوص باستمرار في غياب أبيها، فإن أباها شفى غليله كلّه من ابنة زوجته:‏ </strong>
"ـ تعالي إلى هنا يا بنت!".‏ </strong>
"ـ تفضلوا يا أبتي...".‏ </strong>
"ـ زوجة أبيك... تلك المرأة، يُقال إنها كانت تُدخل إلى البيت رجلاً خفية...".‏ </strong>
"ـ نعم كانت تدخله يا أبتي...".‏ </strong>
"ـ ولِك أنا لست أباكِ، فلا تنادني يا أبتي!".‏ </strong>
"ـ حاضر يا أبتي...".‏ </strong>
"ـ انظر، ما زالت تقول أبتي!".‏ </strong>
"ـ لن أقولها ثانية يا أبتي!".‏ </strong>
جذبها من رسغيها بشدة واحتواها بين ذراعيه. كان فمه يفوح كريها بروائح الخمرة وبقايا الطعام، نظر إلى وجهها نظرات غريبة، وضحك، وغمغم بكلمات. أخاف هاجر، فقالت:‏ </strong>
"ـ لا تنظروا إليَّ هكذا...".‏ </strong>
"ـ كيف؟".‏ </strong>
"ـ هكذا. إني أخاف...".‏ </strong>
"ـ ممَّ تخافين؟ لا تخافي، لن آكلك. ولكن جسدك كَبُرَ فجأة يا بنت... وصدرك أيضاً... أنت أيتها... مَن سيعصر هذين؟".‏ </strong>
كان الوقت ليلاً، وكانت ساعة متأخرة من الليل. لم تفلح في إفلات رسغيها من بين يدي الرجل القويتين، لكنها وكأنها فهمت قصده ونيّته. كان بإمكانها أن تقيم الدنيا، وبمقدورها أن تزلزل الأرض. ويبدو أن الرجل أدرك ذلك، فدفعها عنه قائلاً: "ـ لِمَ تتكالبين هكذا يا قاذورة؟ ألن تَدعي ابن الناس يفعل بك كل شيء غداً؟".‏ </strong>
كانت لا تزال في الثالثة عشرة من عمرها. وقد تركت المدرسة منذ زمن طويل، بلا أم، وبلا زوجة أب. تطهو الطعام، وتجلي الأواني، وتغسل الغسيل، وتمسح خشب المنزل. وفي أغلب الليالي يصطحب أبوها معه إلى البيت نساء شتَّى، شابّات، كحيلات العيون، ذوات قهقهات جارحة. أولئك لم يكنَّ يضحكنَ وهنَّ ينظرن إلى هاجر، وحين يضحكن كنَّ يغمغمن ويتمتمن.‏ </strong>
سمعت إحداهنَّ وهي تحدِّث أباها حديثاً مكشوفاً:‏ </strong>
"ـ لماذا تمسكها في بيتها، طالما هي ليست ابنتك الفعلية؟".‏ </strong>
ضحك أبوها وأجاب:‏ </strong>
"ـ فلتتم الخامسة عشرة...".‏ </strong>
"ـ وماذا سيحدث؟".‏ </strong>
"ـ وماذا لا يحدث؟ ما زالت فجَّة الآن، وإذا ما أتمّت الخامسة عشرة...".‏ </strong>
"ـ خنزير. وتعرف جيداً طعم فمك!".‏ </strong>
"ـ وهل الذنب ذنبي؟".‏ </strong>
"ـ وهل هو ذنبي؟".‏ </strong>
"ـ ذنب مَن؟".‏ </strong>
قالت وهي ترسم بيديها شكل صدر هاجر المكتنز:‏ </strong>
"ـ إنك تربِّيه...".‏ </strong>
وحين دخلت سنتها الخامسة عشرة، استيقظت ذات ليلة على لمسات تداعب فخذيها تحت اللِّحاف. إنه أبوها، أي زوج أمّها. كان يرتجف بوجهه الأحمر القذر المخمور.‏ </strong>
"ـ ولكن يا أبتي!"‏ </strong>
"ـ اسكتي!".‏ </strong>
"ـ حسناً ولكن أنا، أنا...".‏ </strong>
"ـ ألا تعرفين أنك لستِ ابنتي فعلاً؟".‏ </strong>
"ـ لكنكم تخيفونني هكذا؟".‏ </strong>
"ـ إما أن تقولي نعم، أو تقولي لا. إن قلت لا، فهيّا اتركي بيتي... وإن قلت نعم... فأنا لست وحشاً، لا تخافي. مجرّد مداعبة فقط...".‏ </strong>
لم يُجْدِ البكاء والتوسّل نفعاً، وبما أنه كان ثملاً جداً، فقد دفعته دفعة قوية، ثمّ وثبت كالصاعقة تصعد السلالم بقدميها الحافيتين، وبرداء نومها الفضفاض، إلى الطابق العلوي، حيث يقطن أصحاب البيت، وكانا زوجين عجوزين مسنَّين. هل كانا مستيقظَين؟ أم أنهما أدّيا صلاة التراويح وعادا إلى البيت لتوِّهما؟ استقبلا هاجر برأفة وحنان. وأخبرتهما أنها تود البقاء معهما اعتباراً من هذه الليلة، فأبدى العجوزان تفهماً، فهي فتاة ناضجة ممتلئة تملأ العين، والرجل ليس أباها الحقيقي، ثمّ إنه سِكِّير، لذلك قالا:‏ </strong>
"ـ حسناً يا ابنتي، ابقي هنا...".‏ </strong>
"ـ لا أريد رؤية وجه ذلك الرجل!".‏ </strong>
اكتفى العجوزان بتبادل النظرات، ولم يسألا عن السبب حتّى بعد ذلك اليوم، خاصة وأن زوج أمها غاب وتوارى عن الأنظار مع إحدى عشيقاته.‏ </strong>
وفي صباح أحد الأيام، انتصب أمامها زوجها الشاب الذي كانت تحلم به وتتخيّله. كان قادماً من بعيد للعمل، عاملاً موسمياً في أحد مصانع المدينة. حاجباه، عيناه، قوامه، سرعان ما ملك على هاجر كيانها. هو أيضاً أُعجب بها. كانت هاجر تنزل إلى هذه القرية الكبيرة ـ البلدة، للعمل، فلماذا لا تربط قدرها ومصيرها بقدر ومصير هذا الشاب؟‏ </strong>
وفي أحد الأيام، وبتوقيعيهما على سجل كبير في دائرة الزواج في المدينة، وبشهادة صاحبي البيت... تزوجا. لكنها لم تستطع مصاحبة زوجها فوراً. استأجرا بيت الطابق السفلي الذي شُغر برحيل زوج أمها. وضع الزوج الشاب في أحشاء زوجته الشابَّة حسينه، الذي يغفو الآن بجانبها، وانطلق إلى عمله الجديد، وصار يأتيها كل أسبوع محمّلاً بالعلب الملأى، ويظل عندها يوماً، يومين ثمّ يعود إلى عمله. مرَّت الأسابيع والأشهر هكذا. ولم تستطع هاجر مصاحبة زوجها إلاَّ بعد أن وضعت حسينَها.‏ </strong>
صاروا الآن ثلاثة على وجه الأرض، هاجر، وزوجها الشاب، وابنهما الوليد!.‏ </strong>
زوجها الشاب يكبرها بثمانية أعوام، وكان يعمل طيلة النهار، وعند المساءات يهرع إلى زوجته وابنه، فلا خمرة، ولا نساء غريبات ساقطات. وما إن يضم زوجته الشابة بين ذراعية ليلاً، حتّى يطيِّرها إلى عالم الأساطير، والحكايا الملوّنة بألوان زاهية، الذي افتقدته هاجر منذ زمن بعيد جداً. أمّا هي فكانت تُمضي نهارها في إرضاع طفلها وتنظيفه، وفي طهو الطعام وتجهيزه لزوجها، وفي جلي الأواني، وغسل الملابس، وتقوم بذلك كله بمتعة وبهجة. فقط كان هناك دُوران الأعرج ابن أخت هاشم آغا صاحب معمل حلج الأقطان الذي يعمل فيه زوجها.‏ </strong>
كان دُوران يدَّعي بأنه أقرب أصدقاء زوجها، لكن نظرات الرجل لم تكن تلك النظرات. لم ترتح هاجر لنظراته تلك المعروفة لدى النساء، وخاصة الشابّات منهنَّ. وصارت تخشى من أن ينتهز أي فرصة سانحة فيتعلّق بها ويُسمُعها كلاماً ما، وصار هذا الهاجس يؤرّقها ويطرد النوم من عينيها.‏ </strong>
وهذا ما حدث فعلاً في أحد الأيام، إذ نُقل زوجها إلى مشفى المدينة إثر إصابته بإصابة عمل بسيطة في المعمل. وفيما كانت هاجر تبكي بِلوعة وهي في طريقها إلى المدينة، رافقها دُوران الأعرج. أَوَ لم يكن صديق زوجها المقرَّب؟ ثم ألم تحدث الإصابة في معملهم؟ وفي الطريق جلسا جنباً إلى جنب في السيارة الصغيرة، ووليدها حسين في حضنها، التصق الرجل بها ما وسعه الالتصاق، وانطلق لسانه من فمه الذي يفوح بروائح الخمر:‏ </strong>
"ـ هاجر، اسمعيني، إنك جميلة جداً، ألا تفهمين ذلك من نظراتي؟ زوجك رجل وسيم، أعرف ذلك، لكنه ليس أكثر من هذا يا أمي. وافقيني، واطلبي مني ما تشائين. تعرفين أنني عازب، ولم أتزوج أبداً. وسوف أُسعدك سعادة لم تخطر لك ببال....".‏ </strong>
لكن هاجر صدَّته بحدّة، وهددته بأن بإمكانها أن تُخبر زوجها إذا ما أعاد الكرَّة، ثمّ بعد ذلك...‏ </strong>
"ـ وماذا سيحدث بعد ذلك؟ أنا غني. يدي طويلة، وذراعي طويلة...".‏ </strong>
"ـ لا جعل الله رجلاً آخر غير زوجي من نصيبي يا دُوران أفندي...".‏ </strong>
"ـ فكِّري جيداً، ولا تتسرَّعي!".‏ </strong>
"ـ لا داعي لأن أفكر، فقد قلت لك في البداية، ما سوف أقوله في آخر الأمر".‏ </strong>
"ـ لا ضير في ذلك، فأنا رجل صبور، وسوف أنتظر. وسوف تأتين إليَّ مهرولة يوماً ما، هاجر تعالي متى تشائين، فسوف أنتظر!".‏ </strong>
لم تُطل الحديث، وقطعته قائلة:‏ </strong>
"ـ تنتظر بلا جدوى طيلة حياتك. وليعميَ الله عينيَّ هاتين إن قلت نعم لغير زوجي طالما كان على قيد الحياة، هل سمعت؟".‏ </strong>
تماثل زوجها للشفاء، وغادر المشفى بعد أسبوع، لكنّه فقد عمله في محلجة عم دُوران. وكان دُوران غائباً عن الساحة، إذ غادر إلى استنبول، ليأكل المال هناك.‏ </strong>
حارَ الشاب في أمره، ثمّ خطرت بباله تَرِكة وَرِثها عن أمّه في منطقة ما في الشرق. وراح يتحدَّث في أمر الذهاب:‏ </strong>
"ـ إذا وافقت أخواتي وأنسبائي، وبعت حصّتي، فإما أن نذهب إلى المدينة، وإما أن أفتح دكاناً هنا وأعمل فيه لحسابي الخاص، فلا حياة لي أو لغيري على أبواب الآخرين، لا يمكن!".‏ </strong>
"ـ خذنا معك، لنذهب سويّة!".‏ </strong>
لكن الشاب أكَّد أنه لن يمكث هناك طويلاً، بل سوف يُنجز أعماله خلال أسبوع أو عشرة أيام على الأكثر، ويعود إلى زوجته الشابة وإلى طفله، ولا داعي للانزعاج، فهو يعيش لأجلهما، وهل يمكنه أبداً أن ينسى طفله الجميل؟‏ </strong>
"ـ وأنا؟"‏ </strong>
"ـ سوف أشتاق إليك أكثر من اشتياقي إليه...".‏ </strong>
وهكذا بقيت الزوجة الشابة، وهي تكتم في صدرها خوفها من دُوران الأعرج، ودون أن تحدِّث زوجها عنه بكلمة.‏ </strong>
وما زال بقاؤها هذا هو ذلك البقاء.‏ </strong>
سبع سنوات، سبع سنوات تامّات مرّت وانقضت على بقائها ذلك.‏ </strong>
أجهشت هاجر بالبكاء ثانية.‏ </strong>
في هذه اللحظة تماماً تقلَّب طفلها في نومه من جنب إلى جنب. وماذا لو استيقظ ولاحظ عينيَ والدته الدامعتين؟‏ </strong>
نظرت إليه بخوف، ولاحظت حاجبيه اللذَين يذكرانها بأبيه ولاحظت أنفه، وشَعره البني الذي يُشبه أيضاً شعر أبيه...‏ </strong>
الحمدلله أنه لم يستيقظ... وبانفعال سوَّت وضع ثدييها المنفلتين من صدر ثوب نومها الرقيق. بانفعال... لأنه، ألم يكن قادراً على أن يكتب ولو سطرين؟ سبع سنوات. ولم تكن تعرف متى وكيف سينتهي هذا الفراق الذي استمر سبع سنوات طويلة. ألن يعود أبداً؟ لو لم يكن في الأمر موت لعاد. فعلاً لعاد. وبما أنه لم يَعُد، ولم يسأل ولو بسطرين...‏ </strong>
لم يكن ذهنها خالياً من أفكار سيّئة: إذ ربما صادف في البلدة التي قصدها لتحصيل ميراث أمّه، فتاة جميلة جداً وبقي معها. ثمّ إنه لم يعطِ زوجته الشابّة وطفله الرضيع الذي تركه في حضنها، أي عنوان والسبب أنّه هو نفسه لا يعرف العنوان تماماً بشكل واضح.‏ </strong>
تنهَّدت من جديد.‏ </strong>
لم تستطع نسيانه. بشاربيه الكثَّين، وضحكته الرجولية، ونظراته الجانبية، ورائحة تبغه، وضمّه لها بين ذراعيه، وغمره إيّاها بالقبلات...‏ </strong>
وعندما سعل طفلها سعلة خفيفة، انقطع شريط الخيالات. فنظرت إليه، ورتَّبت وسادته. سيأتي يوم يكبر فيه هذا الطفل، والأسوأ أنه سوف يصبح رجلاً مثل أبيه، وعندما يبدأ بالوعي ألن يسأل عن أبيه؟ ألن يطلب منها معلومات عن أبيه؟‏ </strong>
"ـ كذا، كذا، ذهب لتحصيل حصّته من تركة أمّه، ولم يَعُد!" هل ستكون مًقنعة إذا قالت لـه ذلك؟ وبإمكانه أن يطيل الموضوع فيسأل "ـ لماذا لم يَعُد؟" فأي واحد في مكانه سوف يطيل الموضوع ويبحث ويدقّق ويُقسِم الشَعرة أربعين قسماً، وعندما يبدأ ابنها بقطع الشَعرة إلى أربعين قطعة ـ بل إنه بدأ بذلك فعلاً منذ الآن ـ كيف ستطمئنه؟".‏ </strong>
"ـ لا أعرف، هكذا ذهب وراح!".‏ </strong>
"ـ لماذا؟".‏ </strong>
"ـ ليبيع حصّته من ميراث أمّه..."‏ </strong>
"ـ طيب، وهل باع حصّته؟".‏ </strong>
"ـ لا أعرف.".‏ </strong>
"ـ ألم يكتب ولا رسالة واحدة؟".‏ </strong>
"ـ لم يكتب.".‏ </strong>
"ـ هل نشبت بينكما مشادّة أو ملاسنة؟".‏ </strong>
"ـ لا شيء أبداً."‏ </strong>
"ـ طيب، كيف يُعقل أن لا يسأل ولو برسالة واحدة؟".‏ </strong>
وهذه كانت المشكلة. إذ سوف تخطر ببال ابنها خواطر سوداء، وسوف يسأل يميناً ويساراً. وسيعمل على أن يتلقّى إجابة شافية، حتّى الناس كانوا يتساءلون "لماذا لم يسأل عنها؟"‏ </strong>
"... أيمكن أن لا يسأل عنها أبداً، لو كان ممنوناً منها؟ من يدري، ربما طرقت مسامعه مسألة دُوران، فاشمأز ونفر منها، وابتعد عنها!".‏ </strong>
وهذا كان همّاً آخر، فإذا لم يسمع أحد بما قالته لدُوران، ولم يعرف بأنّها صدَّته وطردته، فإن الله في الأعالي يعرف!‏ </strong>
وبعينيها الدامعتين نظرت مجدّداً إلى ابنها. كان مستغرقاً في نوم طفولي هادئ جميل. كان نقياً كالملائكة، ونظيفاً كالملائكة. هذا الطفل النقي النظيف، والمتعلّق جداً بأمّه، هل سيحقد على أمّه يوماً ما لهذا السبب؟‏ </strong>
أجفلت منه، ثمّ حنقت على نفسها، وراحت تداعب خصلات شَعره البني، فيما دموعها الساخنة تنهمر غزيرة من عينيها دون إرادتها. "... يا روحي أنا. يا خروفي أنا. ألا يمكن أن لا تشكّ في أمّك؟ أنت مازلت طفلاً صغيراً. لماذا لم أتزوج ثانية لَوْ لم أكن أحب أباك حتّى الآن أكثر من روحي؟ أنا عانيت كثيراً من زوج الأم. ولم أشأ لكَ أن تنسحق بين يدي زوج أم، إني أشفق عليكَ، فزوج الأم يضربك، ويجبرك على العمل، ويرهقك. إفهم أمّك، وثق دائماً بأنها لم تشمّ وردة بعد أبيك!".‏ </strong>
وفجأة تغيَّرت ملامح الرقّة والحنان في وجهها إلى عبوس وتجهم، إذ تذكَّرت دُوران الأعرج ابن أخي هاشم آغا أحو أكبر الصناعيين الأغنياء في البلدة، وصديق زوجها حسبما يدَّعي... وعندما غادر زوجها، ربما كان قد أسمعه بلسان أحد المقربين منه، إن لم يكن بلسانه هو: "ـ تلك المرأة لا تليق بك يا سَبعي..." وعندما تساءل زوجها عن السبب، ألا يمكن أن يكون قد أجابه قائلاً: "ـ تلك لها علاقة بابن أخي هاشم آغا!".‏ </strong>
لاحقَها وتعقَّبها لسنوات.‏ </strong>
وفي إحدى المرّات، كان الليل قد أرخى سدوله بينما كانت عائدة إلى بيتها بعد أن وزّعت الملابس التي غسلتها على بيوت أصحابها وعند حدود الغابة ظهر أمامها دُوران الأعرج!‏ </strong>
وصلت روحها إلى حلقها. أن تصرخ، أن تصيح، أن تقيم الدنيا وتُقعدها... نعم، ولكن عندها سوف يتجمّع الناس ويتساءلون: "ماذا هناك؟ ماذا يجري؟". ودُوران الأعرج غني وميسور، وعمّه ذو مكانة في البلدة، وسوف يقفون في صفّه فوراً. لذلك عدَلت عن فكرة الصياح والصراخ. حسناً، ماذا تفعل؟ يجب أن تهرب. فكرة حسنة. كان دُوران الأعرج قد بدأ يحثّ الخُطا حين قفزت واجتازت الخندق إلى الطرف الآخر، وأسرعت بالفرار.‏ </strong>
حسناً ولكن، عندما يكبر ابنها غداً ويسألها عن أبيه، كيف ستفهمه هذه وأمثالها من الحوادث؟ أفهَمَتْه، كيف ستُقنعه؟‏ </strong>
حركة بجانبها.‏ </strong>
التفتت. ابنها يناديها ضاحكاً بوجه مشرق مضيء:‏ </strong>
ـ ماما!‏ </strong>
أجابته وقد نسيت كل شيء:‏ </strong>
ـ روحي؟‏ </strong>
ـ مادَتي!‏ </strong>
كانت المرأة الشابّة تضحك كل صباح من مناداة طفلها لها عند استيقاظه كل صباح بقوله "مادَتي" وهو يقصد "ماسَتي". كذلك راحت تضحك اليوم أيضاً ناسيةً بكاءها قبل قليل:‏ </strong>
ـ ماسَتي وليست مادَتي!‏ </strong>
حاول الطفل جاهداً لكنّه لم يستطع:‏ </strong>
ـ ما...د...تي!‏ </strong>
أصرّت المرأة على التصحيح، بلا كلل:‏ </strong>
ـ ما...سا...تي.‏ </strong>
ـ ما...دا...تي.‏ </strong>
ـ .....‏ </strong>
ـ .....‏ </strong>
استغرق ذلك بضع دقائق، ورغم نيّة الطفل الصادقة لم يفلح في لفظ الكلمة لفظاً سليماً. وكانت المرأة ستستمر في تصحيح لفظه، لكنها عدَلت عن ذلك فجأة، ونادته:‏ </strong>
ـ حسين!‏ </strong>
ـ ها؟‏ </strong>
ـ إحزر من رأيت في منامي!‏ </strong>
ودون أي تفكير أجاب الطفل:‏ </strong>
ـ أبي...‏ </strong>
ثمّ وبعينين ملتهبتين سألها متلهّفاً:‏ </strong>
ـ هل كان قادماً؟‏ </strong>
ـ نعم كان قادماً.‏ </strong>
ـ ماذا أحضر لي معه؟‏ </strong>
ـ أكلات لذيذة.‏ </strong>
ـ وبندقية؟‏ </strong>
ـ وبندقية.‏ </strong>
ـ ودرّاجة بثلاث عجلات؟‏ </strong>
- ودراجة بثلاث عجلات.‏ </strong>
وبفرح جنوني صفّق بيديه وصاح:‏ </strong>
ـ يعيش أبي!‏ </strong>
ثمّ توقّف فجأة. وككل مرَّة سألها:‏ </strong>
ـ متى سيأتي حقيقة؟‏ </strong>
وككل مرَّة أجابته المرأة:‏ </strong>
ـ حينما تنتهي أشغاله.‏ </strong>
رفع الطفل ناظريه، وجال ببصره في السقف أولاً، ثمّ في جدران الغرفة العارية. منذ سنوات وأمّه تطمئنه هكذا: "حينما تنتهي أشغاله.." ما هذه الأشغال التي لا تنتهي ولا تنفد؟‏ </strong>
ـ لماذا لا تنتهي أشغاله أبداً؟‏ </strong>
ـ لأنها كثيرة.‏ </strong>
ـ إذا كانت كثيرة... فهل سيربح مالاً كثيراً؟‏ </strong>
ـ طبعاً.‏ </strong>
ـ أكثر من أي واحد في هذه البلدة؟‏ </strong>
ـ أكثر.‏ </strong>
توقّف ثانية، وجال ببصره مرَّة أخرى في السقف، وفي جدران الغرفة، وفي ستارة النافذة البيضاء الملطّخة ببقعة الشمس الصفراء، وأخيراً توقّف ببصره على وجه أمّه، وسألها:‏ </strong>
ـ وأكثر من آل علي؟‏ </strong>
ـ ومن آل علي...‏ </strong>
انفعل، وبسرور بالغ صفَّق بكفّيه الصغيرين:‏ </strong>
ـ يعيـ يـ يـ ش!‏ </strong>
ـ لماذا؟‏ </strong>
ـ عندها لا يجرؤ أحد أن ينظر إلي نظرة جانبيه، أليس كذلك؟‏ </strong>
ـ لا يجرؤ.‏ </strong>
ـ ........‏ </strong>
ـ ........‏ </strong>
كان حديث الأم وطفلها سيمتد ويطول كما في كل صباح. لكن انشغال الطفل بما في مخيّلته من بواريد ملونة، ومن ألعاب تسير بالبطارية كالسيارة والقطار وسيارة الجيب والدرّاجة النارية، ومن أنواع العلكة ببالوناتها، سرعان ما أنساه أمّه. فاستفادت الأم من الفرصة ونهضت لتجهيز الفطور، ولم ينتبه الطفل لذلك، فأبوه سيأتي يوماً ما على كل حال، وليقل من يشاء ما يشاء، فإنه سيأتي في إحدى الليالي محمَّلاً بشتّى أنواع الألعاب الملونة، ولو كان ابنه يغطّ في نوم عميق حينها فإنه سوف يداعب رأسه ويوقظه من نومه ويجلسه على ركبته ويضمّه ويقبّله.‏ </strong>
لكل أبناء الجيران آباء يعودون إلى بيوتهم كل مساء، وكان الأبناء ينتظرون على الطريق كل مساء عودة آبائهم، ثمّ يهرعون إليهم وهم يتصايحون: "بابا، باباتي!" ويأخذون ما في أيديهم، ثمّ يسير كل واحد منهم بجانب أبيه متبختراً مثل بطل صغير، متّجهين إلى بيوتهم. إلاّ حسيناً الذي يبقى وحيداً حتّى وقت متأخر. وحين يبقى وحيداً هكذا يضع يديه خلف ظهره ويستند بكتفيه إلى الجدار، ويفكّر في سبب عدم وجود أب لـه هو أيضاً، وتتملّكه الرغبة في البكاء.‏ </strong>
بل كان الطفل يبكي أحياناً، حين يحل المساء ويشاهد أصدقاءه الذين يلعب معهم مختلف الألعاب من الصباح حتّى المساء، وهم ينسحبون واحداً إثر الآخر بصحبة آبائهم إلى بيوتهم، ويجد نفسه وقد بقي وحيداً. آه لو كان لـه أب هو أيضاً، آه لو يذهب إلى بيته هو أيضاً مثل الآخرين، آه لو يطلع القمر. فلا يجد حسيناً في عتمات الليل!‏ </strong>
وفي إحدى المرّات راقب بحذر عليّاً ابن الجيران المقابلين لهم. يومها تأخر أبو علي في العودة عن آباء بقية الأولاد، فتملّك القلق والخوف عليّاً وقال لحسين بارتياب: "ـ أيمكن أن يكون قد ظهر لأبي عمل، وأنّه هو أيضاً لن يعود بعد اليوم، مثل أبيك؟" لكن أباه أقبل في تلك اللحظة، فهرع إليه علي كالمجنون، وأخذ الصُّمن من يده، ثمّ سارا باتّجاه البيت تحت ضوء النجوم الأزرق الخافت. وحين كان حسين سيبقى وحيداً مثل كل مساء، سار بحذر خلف علي وأبيه، ثمّ اجتاز ساحة بيتهم دون أن يلمحاه، وراح من إحدى الزوايا يراقب تحابب الأب والابن، ويسمع حديثهما.‏ </strong>
استقبلت أم علي الأب والابن عند الباب، ثمّ دخلوا سويّة إلى الغرفة، وأخذت الأم الخبز من يد ابنها، وجلس الأب والابن على الأريكة مقابل النافذة. كان أبو علي متعباً، والعرق يتصبّب منه، لكنه مع ذلك أجلس ابنه في حضنه، وداعب شعره، وقبَّل وجنيته. وكاد حسين يجهش بالبكاء، لكنه تماسك، إذ يجب أن لا يبكي، فأمّه كانت لا تفتأ تردّد عليه قولها: "ـ يا روحي، أنت أبي، وأنا أبوك وأمّك معاً، لا تنظر إلى الأطفال الآخرين، فأولئك حفنة صغار مدلًَّلين. أمّا أنت فقد كبرت بلا أب، لذلك فأنتَ أعقل منهم جميعاً!".‏ </strong>
لذلك لم يبكِ.‏ </strong>
انسحب من تحت النافذة، وقد احلولك الظلام في الخارج. ومن خلف الغابة الكثيفة والجبال المحيطة بالبلدة بدا القمر مثل كرة حمراء ترتفع رويداً رويداً، ثمّ صار يجري مُسرعاً في أعماق السماء حتّى ابتعد وصغُر، ومن هناك راح يتلألأ بلونه الفضي كأنه الماء الرقراق.‏ </strong>
وقف حسين طويلاً، بظهره المستند إلى جدران بيته، الصفيحية المهترئة، وبضياء القمر المبتعد مسرعاً في أعماق السماء، وبقلبه الصغير المكتوي بنار غياب الأب.‏ </strong>
لماذا ذهب أبوه لإنجاز أعمال لا نفاد لها؟ هو يعرف أنه ذهب ليبيع حصّته من ميراث أمّه، أي من ميراث جَدِّة حسين، ويعود بمال وفير. سمع ذلك كثيراً من أمّه. حسناً، ولكن هل إنجاز هذه الأعمال كلّها ثمّ العودة إلى البيت أمر صعب لهذه الدرجة؟ والد علي أيضاً ذهب ليبيع أرضه الواقعة في إحدى القرى البعيدة، فأنجز أعماله في غضون أسبوع وعاد. لو كان بيع الأرض أو الحصّة المتبقية للإنسان من تركة أمّه صعباً، لذهب والد علي ولم يعد بشكل من الأشكال، لكنّه عاد. أمّا والد حسين فإنّه لا يعرف العودة بأي شكل. كانت أمّه ترى أباه باستمرار في أحلامها، وفي كل مرّة تراه عائداً محمَّلاً بألعاب أكثر من ألعاب حفيد الصناعي هاشم آغا.‏ </strong>
كانت تراوده أحياناً فكرة أن يكون هو حفيد هاشم آغا. آه لو أنّه كذلك، آه لو أمكن حدوث ذلك، إذن لاشتُرِيَت لـه هو أيضاً درّاجة بثلاث عجلات مثل درّاجة زَيْنَل. عندها كان سيمتطي دراجته مثل زَينل، وسيتجوّل بها في أزقة البلدة، طِبق الأصل مثل زَينَل...‏ </strong>
ـ هيا يا روحي، الشاي جاهز...‏ </strong>
هل هذا وقته الآن؟ ما معنى "ـ هيا يا روحي، الشاي جاهز..."‏ </strong>
فيما هو يتجوّل في أزقة البلدة بدرّاجته ذات العجلات الثلاث؟ إنّه الآن لا يشتهي الشاي ولا الخبز ولا الجبن، وأمّه تناديه بلا توقّف وكأنّها تتقصَّد تشتيت خيالاته!‏ </strong>
لِمَ لَمْ يكن حفيداً لهاشم آغا؟ لو كان، وبالأحرى لو كان كذلك منذ زمن بعيد، لكانت لـه هو أيضاً مثل زَينل دراجة بثلاث عجلات، وبارودة خشبية صفراء، ودمىً ملوّنة، وعساكر من رصاص، وسيارات رائعة تسير من تلقائها عندما يُشَد نابضها وتوضع على الأرض، ومصباح يدوي يضيء بعينه الواحدة مثل عين الشيطان بمجرّد ضغطه على الزر...‏ </strong>
ـ تعال يا ولدي، إني أنتظرك!‏ </strong>
زحف نحو خرقة المائدة الممدودة عند طرف الفراش الذي كان جالساً فيه على ركبتيه. وهناك على حافة المائدة استوى وجلس متربّعاً. لا، لاـ لم يكن حفيداً لهاشم آغا، ولم يكن لديه أب مثل بقيّة الأطفال، كانت لديه أم فقط، وهذا كل ما في الأمر. حسناً ولكن، هل كان زَينل حفيد هاشم آغا أعقل منه؟ أم أقوى منه؟ أم أسرع منه في الجري؟ لا شيء من هذا أبداً. بل لقد تسابقا ذات مرّة فسبقه في الجري. مع ذلك زَينل لديه ألعاب كثيرة، ودرّاجة بثلاث عجلات، وسيارات ودراجات تنطلق مسرعة من تلقائها بعد شدِّ نابضها ووضعها على الأرض، وعساكر من رصاص...‏ </strong>
فجأة خطر بباله عمّه دُوران الأعرج. بما أنه عم زَينل الحقيقي فإن أولاد الحي جميعاً كانوا يدعونه "عمّي دُوران"، كذلك كان حسين مثل الآخرين يدعوه "عمّي دُوران".‏ </strong>
كان ذلك أيام اشتُريت لزَينل درّاجة حمراء جديدة بثلاث عجلات وكان حسين يتفرَّج مع الأطفال الآخرين بحسرة وانبهار، على دراجة زَينل الجديدة. فهذه الدرّاجة أكبر من سابقتها الزرقاء، وعجلاتها أغلظ، وهي ذات زَرَد. لم يستطع زَينل قيادتها حينذاك، هل ساقاه قصيرتان يا ترى بحيث لم تصلا إلى البدَّالات؟ وقع أرضاً مع الدرّاجة، فأسرع عمّه دُوران الأعرج ورفعه عن الأرض، ثمّ ثبَّت ناظريه في حسين وناداه: "ـ تعال". فأسرع حسين مسروراً، وأركبه "العم دُوران" على دراجة زَينل، فقادها قيادة مدهشة أدهشت حتّى زَينل مرَّة، مرَّة ثانية، ثمّ من جديد مرَّة أخرى...‏ </strong>
ـ حرَّك السُّكَّر!‏ </strong>
سمع أمّه، لكنه لم يلتفت إليها. أمّا أمّه فقد أحسَّت بأنه يفكّر فيما لا يعرفه أحد، فلم تزد. وماذا ستزيد؟ ألا تعرف أن الطفل يبدأ بالتفكير والشرود في كل مرَّة تُفتح فيها سيرة أبيه؟ وأنّه ليس على لسانه سوى كلمة "بابا" ولا شيء آخر. لنفترض أنَّ أباه غضب منها فلم يعد إليها ثانية. أو أنه صادف في قريته التي ذهب إليها فتاة أجمل منها، أو أكثر منها غنىً ومالاً، فتزوجها ورُزق منها بأولاد. ولكن ما ذنب هذا الطفل البريء ليسحقه سحقاً هكذا، ويتركه وعيناه معلّقتان على الطريق؟‏ </strong>
ـ ماما!‏ </strong>
تنهَّدت:‏ </strong>
ـ روحي؟‏ </strong>
ـ عم زَينل ذاك..‏ </strong>
تخيَّلت هاجر حاجبي دُوران الأسودين الغليظين، وعينيه اللتين تلمعان بشهوة حيوانية مجنونة، فقالت بحدَّة:‏ </strong>
ـ اي، ما به؟‏ </strong>
أجفل الطفل وقال:‏ </strong>
ـ لا شيء.‏ </strong>
ـ كيف لا شيء؟‏ </strong>
ـ يعني لا شيء، هكذا...‏ </strong>
ـ ألم أطلب منك أن لا تذهب إلى ذلك الرجل الوسخ؟‏ </strong>
قال بارتباك:‏ </strong>
ـ لكني لم أذهب إليه.‏ </strong>
ـ إذن؟‏ </strong>
ـ هو جاء إلي.‏ </strong>
فسألته وكلها انتباه:‏ </strong>
ـ لماذا؟‏ </strong>
ـ لقد اشترى جد زَينَل درّاجة جديدة بثلاث عجلات لزَينل، فلم يستطع قيادتها، ووقع. فأركبني عمي دُوران على الدرّاجة، وقُدتها قيادة!‏ </strong>
مع اعتراض المرأة ضمناً على ركوب ابنها دراجة زَينل ذات العجلات الثلاث، إلاَّ أنها لم تستطع رفع صوتها، وبدت كأنها اقترفت ذنباً أوقعها في موقف حرج أمام ابنها.‏ </strong>
تابع الطفل قائلاً:‏ </strong>
ـ أمَّا علي ذاك، فقد جنّ جنونه عندما امتطيت الدرّاجة، نظرَ الوَسِخ إليّ نظرات اشمئزاز، وشتمني!‏ </strong>
رفعت المرأة رأسها بحدَّة وسألته:‏ </strong>
ـ شتمك؟‏ </strong>
ـ شتمني.‏ </strong>
ـ لماذا؟‏ </strong>
ـ لأن عمّي دُوران أركبني الدراجة، ولم يُركبه هو...‏ </strong>
ـ ماذا قال.‏ </strong>
هل يكرر ما قاله علي؟ ألن تغضب أمه إذا ردَّد ما قاله علي؟‏ </strong>
ـ ها؟ ماذا قال؟‏ </strong>
انطلق السهم من القوس، وما عاد يستطيع السكوت.‏ </strong>
ـ لو كانت أمي أيضاً جميلة مثل أمك...‏ </strong>
ـ هل قال علي ذلك؟‏ </strong>
ـ طبعاً.‏ </strong>
ـ نعم؟‏ </strong>
ـ... لو كانت أمي جميلة، لأركبني عمّي دُوران الدرّاجة أنا أيضاً. فقلت له، لا تلفظ اسم أمي على لسانك، فسوف يأتي أبي، وسوف يجلب لي معه درّاجة ذات ثلاث عجلات. فقال: هيهات، أبوك لن يعود أبداً ولن يجلب شيئاً.‏ </strong>
وبعد أن حدَّق في أمه طويلاً، قال:‏ </strong>
ـ سوف يأتي، أليس كذلك يا أمي؟‏ </strong>
تأثّرت هاجر أشدَّ التأثّر، وراح صدرها العامر يعلو ويهبط، بحيث كانت ستنفجر بالبكاء لو مسَّها أحد. آه من زوجها، آه من زوجها عديم التفكير، الذي جعل من زوجته مضغة تلوكها ألسن الكلاب دون أن تقترف ذنباً أو ترتكب إثماً.‏ </strong>
ـ ثمّ تشاجرنا أنا وعلي، وفرَّق العم دُوران بيننا، وقال لي...‏ </strong>
سكت خائفاً. فسألته أمه بوجه عابس:‏ </strong>
ـ ماذا قال؟‏ </strong>
ـ ألا تحتدِّين؟‏ </strong>
ـ لن أحتدَّ.‏ </strong>
ـ بل سوف تحتدِّين، ألا أعرفك؟‏ </strong>
ـ لن أحتدَّ، فقل.‏ </strong>
ـ قال: لو كنت ولدي لاشتريت لك دراجة مثل هذه، ولما تفوَّه أحد عنك بكلمة.‏ </strong>
انتصبت هاجر فجأة مثل لبؤة وسألته:‏ </strong>
ـ بمَ أجبته عندما قال ذلك؟‏ </strong>
ـ .......................؟‏ </strong>
ـ ألم تقل لـه أنا لدي أب مثل الأسد، وسوف يأتي يوماً، وسوف يجلب لي معه ألعاباً أجمل وأحلى من كافة ألعاب الآخرين؟ ها؟ ألم تقل ذلك؟ أجبني يا!‏ </strong>
وقف الطفل حائراً، مرتبكاً أشدَّ الارتباك، إذ كان يعرف أنه أمّه سوف تحتدَّ هكذا تماماً.‏ </strong>
ـ إني أخاطبك!‏ </strong>
وكمقترف ذنباً نظر إلى أمّه وسألها:‏ </strong>
ـ ماذا؟‏ </strong>
ـ ألم تستطع أن تقول أبي كذا وكذا، وسوف يعود، وسوف يشتري لي أجمل الألعاب، ولا أريد أباً آخر غير أبي؟‏ </strong>
ورغم أنه لم يقل ذلك، أجابها:‏ </strong>
ـ قلت، أيمكن أن لا أقول؟‏
يتبع




bat man 16 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-25-2009, 02:11 AM   #2 (permalink)
._.•°ღ حكآية آحسآآس ღ°•._.
أمير الرومانسية
サラ
 
الصورة الرمزية ._.•°ღ حكآية آحسآآس ღ°•._.
 

~{.. bat man 16 ..}~


حلوووة القصة ومشووقة ..
مسكينة هي هآجر وآبنهآ حسين ..
ولكن لربمآ سيعوود زوجهآ ليضع حدآ لمعآنآتهآ ..

في آنتظآر بقية آلآحدآث ..}~


تقبل مروري ..}~
._.•°ღ حكآية آحسآآس ღ°•._. غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2010, 04:13 AM   #3 (permalink)
chima
رومانسي مجتهد
 
merrrrrrrrrrrrrrrrrrrciiiiiiiiiii
chima غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-13-2010, 04:25 AM   #4 (permalink)
«°•.¸أصيل بـعـشـقـي¸.•°»
عطر الرومانسية - ♥عاشق من هناك♥
اذكروني بدعوهـ..
 
الصورة الرمزية «°•.¸أصيل بـعـشـقـي¸.•°»
قصه رائعه


سلمت يمناك على الطرح والجهد الجميل

مشكووووووووووور

«°•.¸أصيل بـعـشـقـي¸.•°» غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-13-2010, 02:21 PM   #5 (permalink)
mostafa1231
رومانسي مجتهد
 
الصورة الرمزية mostafa1231
 
إرسال رسالة عبر Yahoo إلى mostafa1231
مشكووووووووووووووور على الطرح الجميل
mostafa1231 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-16-2010, 04:02 PM   #6 (permalink)
قلبي اسير حبه
رومانسي مبتديء
 
الصورة الرمزية قلبي اسير حبه
 
يسلوووووووووووو
قلبي اسير حبه غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-09-2014, 12:45 PM   #7 (permalink)
Adnan0999
مشرف متميز سابقاً
 
الصورة الرمزية Adnan0999
 
الله يعطيك العافية على الموضوع ربي يسعدك
Adnan0999 غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
روايات طويلة , قصص طويلة ممتعة للقراءة - رواية وسط الثلوج zzzz16 روايات كاملة طويلة ممتعة للقراءة 6 02-09-2014 12:52 PM
روايات طويلة - رواية طفوله مشرده bat man 2010 رفوف المحفوظات 0 11-17-2009 12:12 PM

الساعة الآن 01:44 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103